أمهات المؤمنين

أمهات المؤمنين

64

أمهات المؤمنين.. خصائص ربانية وبشرية في بيت النبوة

كتبت – شيماء عيسى

قال تعالى: {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا} [الأحزاب: 6].

 

والآية الحكيمة تشير بجلاء لمكانة أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم السامية بقلوب المؤمنين، احتراما وتقديرا ومحبة وتحريما، ولذلك أسماهم الحق بأمهات المؤمنين، وهن أزواجه في الدنيا والآخرة، ومن ذلك ما جاء في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أُرِيتُكِ فِي الْمَنَامِ ثَلَاثَ لَيَالٍ، جَاءَنِي بِكِ الْمَلَكُ فِي سَرَقَةٍ مِنْ حَرِيرٍ، فَيَقُولُ: هَذِهِ امْرَأَتُكَ، فَأَكْشِفُ عَنْ وَجْهِكِ، فَإِذَا أَنْتِ هِيَ، فَأَقُولُ: إِنْ يَكُ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ يُمْضِهِ".

 

والمتَّفق عليه من زوجاته صلى الله عليه وسلم إحدى عشرة. القرشيات منهن ست، هن: خديجة بنت خويلد، وسودة بنت زمعة، وعائشة بنت أبي بكر، وحفصة بنت عمر بن الخطاب، وأم سلمة، وأم حبيبة بنت أبي سفيان.

والعربيات من غير قريش أربع، هن: زينب بنت جحش، وجويرية بنت الحارث، وزينب بنت خزيمة، وميمونة بنت الحارث. وواحدة من غير العرب وهي: "صفية بنت حيي" من بني إسرائيل. وتبقى مارية القبطية وهي من مصر.

وتوفِّيت اثنتان من زوجات النبي محمد صلى الله عليه وسلم حال حياته، وهما خديجة بنت خويلد وزينب بنت خزيمة، وتُوفي صلى الله عليه وسلم عن تسع نسوة. كما أثبت العلماء زوجات للنبي صلى الله عليه وسلم عقد عليهن ولم يدخل بهن.

يقول الكاتب عباس العقاد في موسوعته الإسلامية، المجلد الرابع، فصل "زواج النبي: ""كان للنبي صلوات الله عليه خصوصية في أمر تعدد الزوجات، جازت له قبل سريان حكم التقييد بعدد لا يزيد على أربع لسائر المسلمين".

وقد ارتبطت تلك الخصوصية بمصلحة الدعوة في إبانها، وأما الحقيقة الواضحة فهي نزاهة تلك الخصوصية مما يعاب على الرجل أو على المرأة، وخلوصها من شوائب الهوى النفسي، ولو كان من السائغ المباح. إن الرجل الذي يملك الجزيرة العربية لم يكن ليمد يده لاغتراف الثروة التي تكفي زوجاته، بل كان بيته يشكو قلة المؤونة والزينة. وكان دخول النساء ببيته شرفا لا يعلوه شرف، وقد جمعت المصاهرة أبا بكر وعمر وعثمان وعليا في رسالة واحدة هي الإسلام.             

وكانت كل سيدة من أمهات المؤمنين تأوي إلى البيت الطاهر، اعتصاما من الارتداد والوقوع في أيدي الحاقدين عليها من ذويها، أو لإكرامها عن منزلة دون منزلتها، وكان فيهن العاقر ومن لا مال لها، أو العرض المستكره على أشراف القوم من أندادها. ولم يحدث أن اختار النبي زوجة واحدة لأنها مليحة أو وسيمة، ولم يبن بعذراء قط إلا التي علم قومه جميعا أنه اختارها لأنها بنت صديقه وصفيه وخليفته من بعده: أبي بكر الصديق رضي الله عنه.

شرف بيت النبوة

 

 

لقد اختص الله سبحانه نساء النبي صلى الله عليه وسلم بخصائص لم تجتمع لغيرهن، ومن أمثلة ذلك ما ذكر ابن كثير- أن الله تعالى أمر رسوله أن يخير نساءه بين أن يفارقهن فيذهبن إلى غيره ممن يُحصْل لهن من عنده الحياة الدنيا وزينتها، وبين الصبر على ما عنده من ضيق الحال، ولهن عند الله في ذلك الثواب الجزيل فاخترن - رضي الله عنهن وأرضاهن - الله ورسوله والدار الآخرة، فجمع الله لهن بعد ذلك بين خير الدنيا وسعادة الآخرة،" قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب:28- 29].

وتحفل سورة الأحزاب بمناقب أمهات المؤمنين؛ فقد اخترن القنوت والصلاح فأوتين أجرهن مرتين قال تعالى: ﴿ وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُّؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا ﴾ [الأحزاب:31]. وبالسورة نفسها ببيان خصوصيتهن بحرمة الزواج من بعد رسول الله: ﴿ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلاَ أَن تَنكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾ [الاحزاب:53].

وقوله سبحانه ببيان مكانتهن الأسمى طهرا كونهن آل بيت رسول الله واللاتي أدركن ما ينزل عليه من آيات وحكمة، يقول الله تعالى: ﴿ وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاَةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ﴾ [الأحزاب: 33]

والآية التالية: ﴿ وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ [الأحزاب: 34].

ومن خصائصهن عدم جواز استبدال النبي صلى الله عليه وسلم بهن أزواجا آخرين، لقوله سبحانه: {لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا} [الأحزاب:52] .

وفي الآية التالية نتبين خصيصة عدم جواز إيذاء أمهات المؤمنين بكسر حرمتهن، وقد أمر الله المؤمنين أن لا يخاطبوهن إلا من وراء حجاب فقال: {وإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ} [الأحزاب:53].

وفيهن نزلت الآيات الكثيرة التي نستدل منها على وجوب الحجاب على نساء المسلمين، وقد كن أول من امتثل لأمر الله تعالى، وهو الحق يقول تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأِزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلاَبِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ} [الأحزاب: 59].

زوجات النبي.. عظمة البشرية

 

 

تقول الكاتبة الإسلامية الراحلة عائشة عبد الرحمن بكتابها "نساء النبي" في بيان خصوصية أمهات المؤمنين: "هؤلاء السيدات اللواتي عشن في بيت النبي صلى الله عليه وسلم ينزعن جميعا إلى حواء، وقد جئن إلى بيت تلاقت فيه البشرية بالنبوة واتصلت الأرض بالسماء، وتزوجن من بشر يتلقى الوحي من أعلى، ويبلغ رسالة الله".

وقد كانت علاقة النبي صلى الله عليه وسلم بأزواجه تجمعها كونه بشرا ورسولا بآن واحد، وقد كان يتلقى من حين إلى حين وحي ربه في أخص الشئون الزوجية، وكانت علاقاته بأزواجه تخضع أحيانا لتوجيه إلهي صريح: فمحنة الإفك مثلا، لم يحسمها إلا نزول الوحي ببراءة "عائشة" مما افتراه عليها الذين أرجفوا بالسوء.. وزواج الرسول من "زينب بنت جحش" ما كان ليتم لولا أن نزل به عتاب صريح من الله الذي كره لمحمد أن يخفي في نفسه ما الله مبديه، وأن يخشى الناس والله أحق أن يخشاه.

وقد أثيرت شبهات المستشرقين في عدد زوجات النبي صلى الله عليه وسلم، وربطوا ذلك بالنزوات الجنسية، وحاشاه صلى الله عليه وسلم، وللرد يقول الكاتب الراحل عباس العقاد في "عبقرية محمد: ""قال لنا بعض المستشرقين: إن تسع زوجات لدليل على فرط الميول الجنسيَّة. قلنا: إنك لا تصف السيِّد المسيح بأنه قاصر الجنسيَّة لأنه لم يتزوَّج قطُّ، فلا ينبغي أن تصف محمدًا بأنه مفرط الجنسيَّة لأنه جمع بين تسع نساء" ويضيف: ولو أمعنَّا النظر في سيرته صلى الله عليه وسلم في مرحلة ما قبل الزواج لوجدنا أنه كان مثالًا في العفَّة والطهارة، وأمَّا بعد الزواج فنجد أنه لم يُعَدِّد زوجاته إلّا بعد أن تجاوز خمسين عامًا من عمره، كما نجد أن جميع زوجاته الطاهرات كُنَّ ثيبات (أرامل)، ما عدا السيدة عائشة- رضي الله عنها- فكانت بكرًا، وهي الوحيدة من بين نسائه التي تزوَّجها صلى الله عليه وسلم وهي في حالة الصبا والبكارة.

وسلوك نسائه رضي الله عنهن، كن يخضع لرقابة مباشرة من الوحي، على نحو غير مألوف في حياة غيرهن، والله تعالى يقول: {يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولا معروفا وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى وأقمن الصلاة وآتين الزكاة وأطعن الله ورسوله إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة إن الله كان لطيفا خبيرا} [الأحزاب: 32-34].

أما عن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فتذكر الكاتبة أنه كان ذو قدرات تفوق البشر، فقد استطاع احتواء عقائل كريمات اختلفت أجناسهن وألوانهن وتباعدت أصولهن ومنابتهن، وتفاوتت أعمارهن وصورهن وشخصياتهن، ببيت واحد.

وتاريخ الإسلام يعترف لهؤلاء السيدات الكريمات، بأنهن كن دائما في حياة الرسول البطل، يصحبنه حين يخرج في معاركه ومغازيه، ويهيئن له ما يرضي بشريته، ويغذي قلبه، ويمتع وجدانه، ويجدد نشاطه، فكان له من ذلك كله ما أعانه على حمل العبء الثقيل، واحتمال ما لقي في سبيل دعوته الخالدة من تكاليف بالغة الصعوبة.

وحياة محمد صلى الله عليه وسلم في بيته تبدو رائعة في بشريتها، فقد كان يؤثر أن يعيش بين أزواجه رجلا ذا قلب وعاطفة ووجدان، ولم يحاول إلا في حالات الضرورة أن يفرض على نسائه شخصية النبي لا غير.

والسيدة خديجة تنفرد بين نساء النبي جميعا بأنها وحدها التي عرفته رجلا وزوجا قبل أن تحف به أضواء النبوة، وقد عاشرته خمسة عشر عاما قبل أن يبعث، و هتفت في حرارة ويقين بعد سماعها حديثه عن الوحي الأول: "والله ما يخزيك الله أبدا؛ إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق".

حين تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسيدة خديجة رضي الله عنها، كانت امرأة ناضجة، تزوجت من قبل رجلين من سادة قريش، وعاملت رجالا آخرين كانوا يخرجون في مالها إلى الشام، وإن إعجابها بشخصية سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم دليل على ما وجدته فيه مبكرا من شخصية آسرة لافتة، مما لم تجده بأي من الذين تقدموا لطلب يدها، وقد سمعت قومها يشيدون بأمانته واستقامته وعفته، وفي خلقه شمائل هاشمي قرشي أصيل المنبت، لم يفسده الفراغ والمال، ولم يصبه الترف بآفات النعومة واللين.

 

وبخصوص تعدد الزوجات بالبيت النبوي، أو الشبهة المثارة من قبل المستشرقين، ترد الكاتبة بقولها: "إن الغرب نفسه وبرغم تقنينه لعدد الزوجات، لا يلتزم بذلك في التطبيق العملي، فيعترف بزوجة واحدة، ويدع لغيرها ممن يعاشرهن الزوج الضياع والهوان والعار.. وهو ما تسميه بالرق العصري.

وليس معنى ذلك أن نساء النبي صلى الله عليه وسلم كن سعيدات بحياة الضرائر، ولكن معناه بالتحديد أن محمدا صلى الله عليه وسلم كان من ذلك النمط الفريد بين الرجال، الذي تؤثر الزوجة أن يكون لها أي مكان في بيته، على أن تكون لها مع غيره مملكة مستقلة تنفرد بها دون مشاركة.

وليس من بين أزواجه صلى الله عليه وسلم، من دخلت بيته وفي حسابها أن تنفرد به، فقد كانت مسألة التعدد تبدو طبيعية في حسابها أن تنفرد به، إلى حد يسهل علينا تصوره، لو ذكرنا أن "خولة بنت حكيم" اقترحت على المصطفى أن يخطب عائشة بنت أبي بكر وسودة بنت زمعة، في وقت واحد، وأن أم المؤمنين "ميمونة بنت الحارث" هي التي عرضت أن يتزوجها المصطفى وفي بيته ثماني زوجات، وأن عمر بن الخطاب عرض ابنته حفصة على أبي بكر وعثمان، وعنده "أم رومان" حماة النبي صلى الله عليه وسلم، وأن علي بن أبي طالب همّ بأن يتزوج على "فاطمة الزهراء" بنت النبي صلى الله عليه وسلم، وأن أبا بكر وعمر (صهري الرسول) رغبا في الزواج من "أم سلمة بنت أبي أمية زاد الركب" حين مات عنها زوجها، وفي بيت كل منهما أكثر من زوجة.

ولو خيرت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم بين حياتهن تلك المشتركة في بيت واحد، ومع زوج واحد، وبين حياة أخرى منفردة في غير ذلك البيت، لما رضين عن حياتهن بديلا.

وقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "والله إن كنا في الجاهلية ما نعد للنساء أمرا حتى أنزل الله تعالى فيهن ما أنزل، وقسم لهن ما قسم. فبينما أنا في أمر أئتمره إذ قالت لي امرأتي: لو صنعت كذا وكذا؟ فقلت لها: وما لك أنت وما تكلفك في أمر أريده؟.. فقالت لي:

عجبا يا ابن الخطاب، ما تريد أن تراجع أنت، وإن ابنتك لتراجع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يظل يومه غضبان؟

فأخذت ردائي ثم انطلقت حتى أدخل على حفصة، فقلت لها: يا بنية، إنك لتراجعين رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يظل يومه غضبان؟

فقالت: إنا والله لنراجعه!

ثم خرجت حتى دخلت علي "أم سلمة" لقرابتي منها، فكلمتها، فقالت لي:

عجبا لك يا ابن الخطاب! قد دخلت في كل شيء حتى تبتغي أن تدخل بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وأزواجه؟

فأخذتني أخذا كسرتني به عن بعض ما كنت أجد".

وتعلق الكاتبة بقولها: ذلك أن عمر والصحابة رضي الله عنهم، كانوا يرون في "محمد" النبي المصطفى، أما نساؤه فكن يرين فيه الزوج الرسول، وهو صلى الله عليه وسلم راض بهذا، مقر له، غير ضجر به ولا كاره.

ولم يحاول النبي صلى الله عليه وسلم أن يروض نسائه على كسر غيرتهن الطبيعية الأنثوية، ولا يطيب له أن تمسخ فطرتهن فيبرأن من نوازع حواء وأهوائها، كالشوق واللهفة والرغبة في الاستئثار بالزوج الحبيب.

سيرة عطرة

 

 

لقد كانت لكل من زوجات النبي صلى الله عليه وسلم خصائص إيمانية، ومنها مثلا السيدة خديجة بنت خويلد رضي الله عنها، ومن فضائلها وهي واحدة من أول أربعة آمنوا برسالته: ما رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: أتى جبريل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذِهِ خَدِيجَةُ قَد أَتَت، مَعَهَا إِنَاءٌ فِيهِ إِدَامٌ أَو طَعَامٌ أَو شَرَابٌ، فَإِذَا هِيَ أَتَتكَ فَاقرَأ عَلَيهَا السَّلَامَ مِن رَبِّهَا وَمِنِّي، وَبَشِّرهَا بِبَيتٍ فِي الجَنَّةِ مِن قَصَبٍ، لَا صَخَبَ فِيهِ وَلَا نَصَبَ».

أما السيدة عائشة فكانت الأقرب لقلب الرسول صلى الله عليه وسلم، وأعلم زوجاته وأعظمهن حرمة عند المسلمين، فعن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فَضْلُ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ، كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ».

وكان المصحف الذي اجتمع عليه المسلمون في عهد عثمان رضي الله عنه في بيت السيدة حفصة بنت عمر بن الخطاب، وقد سميت زوجته زينب الهلالية بأم المساكين، وكذا السيدة صفية بنت أخطب التي عُرفت بالإنفاق والبذل، هاجرت السيدة أم سلمة معه صلى الله عليه وسلم في مغازيه، فنالت صحبته، وكذلك كان حال السيدة أم حبيبة، فيما كانت تفخر السيدة زينب بنت جحش بأن الله زوجها النبي بآية في الكتاب العزيز.

وعُرفت زوجاته صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهن بالورع والتقوى والذكر والصوم، وحب المساكين، والجهاد في سبيل الله، وحفظ ما ورد عن رسول الله، وصلة الأرحام، فكن قدوة حسنة للمؤمنات، تزينهن شيم التقوى والصلاح التي تليق بآل بيت خاتم الرسل أجمعين، صلوات الله عليه وتسليمه.

 

 





كلمات دليلية:


كيف تكون مخلصاً