islamkingdomfaceBook islamkingdomtwitter islamkingdominstagram islamkingdomyoutube islamkingdomnew

تفسير البيضاوى
9818

23-المؤمنون

قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ

1ـ " قد أفلح المؤمنون " قد فازوا بأمانيهم توقد تثبت المتوقع كما أن لما تنفيه وتدل على ثباته إذا دخلت على الماضي ، ولذلك تقربه من الحال ولما كان المؤمنون متوقعين ذلك من فضل الله صدرت بها بشارتهم ، وقرأ ورش عن نافع " قد أفلح " بإلقاء حركة الهمزة على الدال وحذفها ، وقرئ (( أفلحوا )) على لغة : أكلوني البراغيث ، أو على الإبهام والتفسير ، و " أفلح " بالضم اجتزاء بالضمة عن الواو و (( أفلح )) على البناء للمفعول .

الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ

2ـ" الذين هم في صلاتهم خاشعون " خائفون من الله سبحانه وتعالى متذللون له ملزمون أبصارهم مساجدهم . " روي أنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي رافعاً بصره إلى السماء ، فلما نزلت رمى ببصره نحو مسجده " " وأنه رأى رجلاً يعبث بلحيته فقال : لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه " .

وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ

3ـ " والذين هم عن اللغو " عما لا يعنيهم من قول أو فعل . " معرضون " لما بهم من الجد ما شغلهم عنه ، وهو أبلغ من الذين لا يلهون من وجوه جعل الجملة اسمية وبناء الحكم على الضمير ، والتعبير عنه بالاسم وتقديم الصلة عليه وإقامة الإعراض مقام الترك ليدل على بعدهم عنه رأساً مباشرة وتسبباً وميلاً وحضوراً ، فإن أصله أن يكون في عرض غير عرضه وكذلك قوله :

وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ

4ـ " والذين هم للزكاة فاعلون " وصفهم بذلك بعد وصفهم بالخشوع في الصلاة ليدل على أنهم بلغوا الغاية في القيام على الطاعات البدنية والمالية والتجنب عن المحرمات وسائر ما توجب المروءة اجتنابه ، والزكاة تقع على المعنى والعين والمراد الأول لأن الفاعل فاعل الحدث لا المحل الذي هو موقعه أو الثاني على تقدير مضاف .

وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ

5ـ " والذين هم لفروجهم حافظون " لا يبذلونها .

إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ

6ـ " إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم " زوجاتهم أو سرياتهم ، و " على " صلة لـ " حافظون " من قولك احفظ على عنان فرسي ، أو حال أي حافظوها في كافة الأحوال إلا في حال التزوج أو التسري ، أو بفعل دل عليه غير ملومين وإنما قال : ما إجراء للماليك مجرى غير العقلاء إذ الملك أصل شائع فيه وإفراد ذلك بعد تعميم قوله : " والذين هم عن اللغو معرضون " لأن المباشرة أشهى الملاهي إلى النفس وأعظمها خطراً . " فإنهم غير ملومين " الضمير لحافظون ، أو لمن دل عليه الاستثناء أي فإن بذلوها لأزواجهم أو إمائهم فإنهم غير ملومين على ذلك .

فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ

7ـ " فمن ابتغى وراء ذلك " المستثنى . " فأولئك هم العادون " الكاملون في العدوان .

وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ

8ـ " والذين هم لأماناتهم وعهدهم " لما يؤتمنون عليه ويعاهدون من جهة الحق أو الخلق . " راعون " قائمون بحفظها وإصلاحها ، وقرأ ابن كثير هنا وفي (( المعارج )) " لأماناتهم " على الإفراد ولأمن الإلباس أو لأنها في الأصل مصدر .

وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ

9ـ " والذين هم على صلواتهم يحافظون " يواظبون عليها ويؤدونها في أوقاتها ، ولفظ الفعل فيه لما في الصلاة من التجدد والتكرر ولذلك جمعه غير حمزة و الكسائي ، وليس ذلك تكريراً لما وصفهم به أولاً فإن الخشوع في الصلاة غير المحافظة عليها ، وفي تصدير الأوصاف وختمها بأمر الصلاة تعظيم لشأنها .

أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ

10ـ " أولئك " الجامعون لهذه الصفات . " هم الوارثون " الأحقاء بأن يسموا وراثاً دون غيرهم .

الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ

11ـ " الذين يرثون الفردوس " بيان لما يرثونه وتقييد للوراثة بعد إطلاقها تفخيماً لها وتأكيداً ، وهي مستعارة لاستحقاقهم الفردوس من أعمالهم ، وإن كان بمقتضى وعده مبالغة فيه . وقيل إنهم يرثون من الكفار منازلهم فيها حيث فوتوها على أنفسهم لأنه تعلى خلق لكل إنسان منزلاً في الجنة ومنزلاً في النار . " هم فيها خالدون " أنث الضمير لأنه اسم للجنة أو لطبقتها العليا .

وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ

12ـ " ولقد خلقنا الإنسان من سلالة " من خلاصة سلت من بين الكدر . " من طين " متعلق بمحذوف لأنه صفة لـ " سلالة " أو من بيانية أو بمعنى " سلالة " لأنها في معنى مسلولة فتكون ابتدائية كالأولى ، والإنسان آدم عليه الصلاة والسلام خلق من صفوة سلت من الطين ، أو الجنس فإنهم خلقوا من سلالات جعلت نطفاً بعد أدوار . وقيل المراد بالطين أدم لأنه خلق منه والسلالة نطفته .

ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ

13ـ " ثم جعلناه " ثم جعلنا نسله فحذف المضاف . " نطفةً " بأن خلقناه منها أو ثم جعلنا السلالة نطفة ، وتذكير الضمير على تأويل الجوهر أو المسلول أو الماء . " في قرار مكين " مستقر حصين يعني الرحم ، وهو في الأصل صفة للمستقر وصف به المحل للمبالغة كما عبر عنه بالقرار .

ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آَخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ

14ـ " ثم خلقنا النطفة علقةً " بأن أحلنا النطفة البيضاء علقة حمراء . " فخلقنا العلقة مضغة " فصيرناها قطعة لحم . " فخلقنا المضغة عظاماً " بأن صلبناها . " فكسونا العظام لحماً " مما بقي من المضغة أو مما أنبتنا عليها مما يصل إليها ، واختلاف العواطف لتفاوت الاستحالات والجمع لاختلافها في الهيئة والصلابة ، وقرأ ابن عامر و أبو بكر على التوحيد فيهما اكتفاء باسم الجنس عن الجمع ، وقرى بإفراد أحدهما وجمع الآخر . " ثم أنشأناه خلقاً آخر " وهو صورة البدن أو الروح أو القوى بنفخة فيه أو المجموع ، و " ثم " لما بين الخلقين من التفاوت ، واحتج به أبو حنيفة على أن من غصب بيضة أفرخت عنده لزمه ضمان البيضة لا الفرخ لأنه خلق آخر . " فتبارك الله " فتعالى شأنه في قدرته وحكمته . " أحسن الخالقين " المقدرين تقديراً فحذف المميز لدلالة " الخالقين " عليه .

ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ

15ـ " ثم إنكم بعد ذلك لميتون " لصائرون إلى الموت لا محالة ، ولذلك ذكر النعت الذي للثبوت دون اسم الفاعل وقد قرئ به .

ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ

16ـ " ثم إنكم يوم القيامة تبعثون " للمحاسبة والمجازاة .

وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ

17ـ " ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق " سموات لأنها طورق بعضها فوق بعض مطارقة النعل بالنعل وكل ما فوقه مثله فهو طريقه ، أو لأنها طرق الملائكة أو الكواكب فيها مسيرها . " وما كنا عن الخلق " عن ذلك المخلوق الذي هو السموات أو عن جميع المخلوقات . " غافلين " مهملين أمرها بل نحفظها عن الزوال والاختلال وندبر أمرها حتى تبلغ منتهى ما قدر لها من الكمال حسبما اقتضته الحكمة وتعلقت به المشيئة .

وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ

18ـ " وأنزلنا من السماء ماءً بقدر " بتقدير يكثر نفعه ويقل ضرره ، أو بمقدار ما علمنا من صلاحهم . " فأسكناه " فجعلناه ثابتاً مستقراً . " في الأرض وإنا على ذهاب به " على إزالته بالإفساد أو التصعيد أو التعميق بحيث يتعذر استنباطه . " لقادرون " كما كنا قادرين على إنزاله ، وفي تنكير " ذهاب " إيماء إلى كثرة طرقه ومبالغة في الإيعاد به ولذلك جعل أبلغ من قوله تعالى : " قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غوراً فمن يأتيكم بماء معين " .

فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ

19ـ " فأنشأنا لكم به " بالماء . " جنات من نخيل وأعناب لكم فيها " في الجنات . " فواكه كثيرة " تتفكهون بها . " ومنها " ومن الجنات ثمارها وزروعها . " تأكلون " تغذياً أو ترزقون وتحصلون معايشكم من قولهم : فلان يأكل من حرفته ، ويجوز أن يكون الضميران للـ " نخيل " والـ " أعناب " أي لكم تفي ثمراتها أنواع من الفواكه الرطب والعنب والتمر والزبيب والعصير والدبس وغير ذلك وطعام تأكلونه .

وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآَكِلِينَ

20ـ " وشجرةً " عطف على " جنات " وقرئت بالرفع على الابتداء أي : ومما أنشأنا لكم يه شجرة . " تخرج من طور سيناء " جبل موسى عليه الصلاة والسلام بين مصر وأيلة ، وقيل بفلسطين وقد يقال له طور سينين ولا يخلو من أن يكون الطور للجبل وسيناء اسم بقعة أضيف إليها، أو المركب منهما علم له كامرىء القيس ومنع صرفه للتعريف والعجمة أو التأنيث على تأويل البقعة لا للألف لأنه فيعال كديماس من السناء بالمد وهو الرفعة ، أو بالقصر وهو النور أو ملحق بفعلال كعلباء من السين إذ لا فعلاء بألف التأنيث بخلاف " سيناء "على قراءة الكوفيين والشامي و يعقوب فإنه فيعال ككيسان أو فعلاء كصحراء لا فعلال إذ ليس في كلامهم ، وقرئ بالكسر والقصر . " تنبت بالدهن " أي تنبت ملتبساً بالدهن ومستصحباً له ، ويجوز أن تكون الباء صلة معدية لـ " تنبت " كما في قولك : ذهبت بزيد ، وقرأ ابن كثير و أبو عمرو و يعقوب في رواية " تنبت " وهو إما من أنبت بمعنى نبت كقول زهير : رأيت ذوي الحاجات عند بيوتهم فطيناً لهم حتى إذا أنبت البقل أو على تقدير " تنبت " زيتونها ملتبساً بالدهن ، وقرئ على البناء للمفعول وهو كالأول وتثمر بالدهن وتخرج بالدهن وتخرج الدهن وتنبت بالدهان . " وصبغ للآكلين " معطوف على الدهن جار على إعرابه عطف أحد وصفي الشيء على الآخر أي : تنبت بالشيء الجامع بين كونه دهنياً يدهن به ويسرج منه وكونه إداماً يصبغ فيه الخبز أي : يغمس فيه للائتدام ، وقرئ (( وصباغ )) كدباغ في دبغ .

وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ

21ـ " وإن لكم في الأنعام لعبرةً " تعتبرون بحالها وتستدلون بها . " نسقيكم مما في بطونها " من الألبان أو من العلف ، فإن اللبن يتكون منه فمن للتبعيض أو للابتداء ، وقرأ نافع و ابن عامر و أبو بكر و يعقوب " نسقيكم " بفتح النون . " ولكم فيها منافع كثيرة " في ظهورها وأصوافها وشعورها . " ومنها تأكلون " فتنتفعون بأعيانها .

وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ

22ـ " وعليها " وعلى الأنعام فإن منها ما يحمل عليه كالإبل والبقر ، وقيل المراد الإبل لأنها هي المحمول عليها عندهم والمناسب للفلك فإنها سفائن البر قال ذو الرمة : سفينة بر تحت خدي زمامها فيكون الضمير فيه كالضمير في " وبعولتهن أحق بردهن " . " وعلى الفلك تحملون " في البر والبحر .

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ

23ـ " ولقد أرسلنا نوحاً إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله " إلى آخر القصص مسوق لبيان كفران الناس ما عدد عليهم من النعم المتلاحقة وما حاق بهم من زوالها . " ما لكم من إله غيره " استئناف لتعليل الأمر بالعبادة ، وقرأ الكسائي غيره بالجر على اللفظ . " أفلا تتقون " أفلا تخافون أن يزيل عنكم نعمه فيهلككم ويعذبكم برفضكم عبادته إلى عبادة غيره وكفرانكم نعمه التي لا تحصونها .

فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آَبَائِنَا الْأَوَّلِينَ

24ـ " فقال الملأ " الأشراف . " الذين كفروا من قومه " لعوامهم . " ما هذا إلا بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم " أن يطلب الفضل عليكم ويسودكم . " ولو شاء الله " أن يرسل رسولاً . " لأنزل ملائكةً " رسلاً . " ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين " يعنون نوحاً عليه السلام أي ما سمعنا به أنه نبي ، أو ما كلمهم به من الحث على عبادة الله سبحانه وتعالى ونفي إله غيره ، أم من دعوى النبوة وذلك إما لفرط عنادهم أو لأنهم كانوا في فترة متطاولة .

إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ

25ـ " إن هو إلا رجل به جنة " أي جنون ولأجله يقول ذلك " فتربصوا به " فاحتملوه وانتظروا . " حتى حين " لعله يفيق من جنونه .

قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ

26ـ " قال " بعدما أيس من إيمانهم . " رب انصرني" بإهلاكهم إو بإنجاز ما وعدتهم من العذاب . " بما كذبون " بدل تكذيبهم إياي أو بسببه .

فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ

27ـ " فأوحينا إليه أن اصنع الفلك بأعيننا " بحفظنا نحفظه أن تخطئ فيه أو يفسده عليك مفسد . " و وحينا " وأمرنا وتعليمنا كيف تصنع . " فإذا جاء أمرنا " بالركوب أو نزول العذاب . " وفار التنور " . روي أنه قيل لنوح إذا فار الماء من التنور اركب أنت ومن معك ، فلما نبع الماء منه أخبرته امرأته فركب ومحله في مسجد الكوفة عن يمين الداخل مما يلي باب كندة . وقيل عين وردة من الشام وفيه وجوه أخر ذكرتها في (( هود )) . " فاسلك فيها " فادخل فيها يقال سلك فيه وسلك غيره قال تعالى " ما سلككم في سقر " . " من كل زوجين اثنين " من كل أمتي الذكر والأنثى واحدين مزدوجين ، وقرأ حفص (( من كل )) بالتنوين أي من كل نوع زوجين واثنين تأكيد . " وأهلك " وأهل بيتك أو من آمن معك . " إلا من سبق عليه القول منهم " أي القول من الله تعالى بإهلاكه لكفره ، وإنما جيء بعلى لأن السابق ضار كما جيء باللام حيث كان نافعاً في قوله تعالى : " إن الذين سبقت لهم منا الحسنى " . " ولا تخاطبني في الذين ظلموا " بالدعاء لهم بالإنجاء . " إنهم مغرقون " لا محالة لظلمهم بالإشراك والمعاصي ، ومن هذا شأنه لا يشفع له ولا يشفع فيه كيف وقد أمره بالحمد على النجاة منهم بهلاكهم بقوله :

فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ

28ـ " فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك فقل الحمد لله الذي نجانا من القوم الظالمين " كقوله تعالى : " فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين " .

وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ

29ـ " وقل رب أنزلني " في السفينة أو في الأرض . " منزلاً مباركاً " يتسبب لمزيد الخير في الدارين على قراءة أبي بكر ، وقرئ (( منزلا )) بمعنى إنزالاً أو موضع إنزال . " وأنت خير المنزلين " ثناء مطابق لدعائه أمره بأن يشفعه به مبالغة فيه وتوسلاً به إلى الإجابة ، وإنما أفرده بالأمر والمعلق به أن يستوي هو ومن معه إظهاراً لفضله وإشعاراً بأن في دعائه مندوحة عن دعائهم فإنه يحيط بهم .

إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ

30ـ " إن في ذلك " فيما فعل بنوح وقومه . " لآيات " يستدل بها ويعتبر أولو الاستبصار والاعتبار . " وإن كنا لمبتلين " لمصيبين قوم نوح ببلاء عظيم ، أو ممتحنين عبادنا بهذه الآيات " وإن " هي المخففة واللام هي الفارقة .

ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آَخَرِينَ

31 -" ثم أنشأنا من بعدهم قرناً آخرين " هم عاد أو ثمود .

فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ

32ـ " فأرسلنا فيهم رسولاً منهم " هو هود أو صالح ، وإنما جعل القول موضع الإرسال ليدل على أنه لم يأتهم من مكان غير مكانهم وإنما أوحي إليه وهو بين أظهرهم . " أن اعبدوا الله ما لكم من إله غيره " تفسير لأرسلنا أي قلنا لهم على لسان الرسول اعبدوا الله . " أفلا تتقون " عذاب الله .

وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآَخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ

33ـ " وقال الملأ من قومه الذين كفروا " لعله ذكر بالواو لأن كلامهم لم يتصل بكلام الرسول صلى الله عليه وسلم بخلاف قول قوم نوح حيث استؤنف به ، فعلى تقدير سؤال . " وكذبوا بلقاء الآخرة " بلقاء ما فيها من الثواب والعقاب ، أو بمعادهم إلى الحياة الثانية بالبعث " وأترفناهم " ونعمناهم " في الحياة الدنيا " بكثرة الأموال والأولاد . " ما هذا إلا بشر مثلكم " في الصفة والحالة . " يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون " تقدير للمماثلة و (( ما )) خبرية والعائد إلى الثاني منصوب محذوف أو مجرور حذف مع الجار لدلالة ما قبله عليه .

وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ

34ـ " ولئن أطعتم بشراً مثلكم " فيما يأمركم به . " إنكم إذاً لخاسرون " حيث أذللتم أنفسكم ، و " إذا " جزاء للشرط وجواب للذين قاولوهم من قومه .

أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ

35ـ " أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم تراباً وعظاماً " مجردة عن اللحوم والأعصاب . " أنكم مخرجون " من الأجداث أو من العدم تارة أخرى إلى الوجود ، و " أنكم " تكرير للأول أكد به لما طال الفصل بينه وبين خبره ، أو أنكم لمخرجون مبتدأ خبره الظرف المقدم ، أو فاعل للفعل المقدر جواباً للشرط والجملة خبر الأول أي : أنكم إخراجكم إذا متم ، أو إنكم إذا متم وقع إخراجكم ويجوز أن يكون خبر الأول محذوفاً لدلالة خبر الثاني عليه لا أن يكون الظرف لأن اسمه جثة .

هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ

36ـ " هيهات هيهات " بعد التصديق أو الصحة . " لما توعدون " أو بعدما توعدون ، واللام للبيان كما في " هيت لك " كأنهم لما صوتوا بكلمة الاستبعاد قيل : فما له هذا الاستبعاد ؟ قالوا : " لما توعدون " . وقيل " هيهات " بمعنى البعد ، وهو مبتدأ خبره " لما توعدون " ، وقرئ بالفتح منوناً للتكبير ، وبالضم منوناً على أنه جمع هيهة وغير منون تشبيهاً بقبل وبالكسر على الوجهين ، وبالسكون على لفظ الوقف وبإبدال التاء هاء .

إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ

37ـ " إن هي إلا حياتنا الدنيا " أصله إن الحياة " إلا حياتنا الدنيا " فأقيم الضمير مقام الأولى لدلالة الثانية عليها حذراً عن التكرير وإشعاراً بأن تعينها مغن عن التصريح بها كقوله : هي النفس ما حملتها تتحمل ومعناه لا حياة إلا هذه الحياة لأن " أن " نافية دخلت على " هي " التي في معنى الحياة الدالة على الجنس فكانت مثل لا التي تنفي ما بعدها نفي الجنس . " نموت ونحيا " يموت بعضنا ويولد بعض . " وما نحن بمبعوثين " بعد الموت .

إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ

38ـ " إن هو " ما هو . " إلا رجل افترى على الله كذباً " فيما يدعيه من إرساله له وفيما يعدنا من البعث . " وما نحن له بمؤمنين " بمصدقين .

قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ

39ـ " قال رب انصرني " عليهم وانتقم لي منهم . " بما كذبون " بسبب تكذيبهم إياي .

قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ

40ـ " قال عما قليل " عن زمان قليل و (( ما )) صلة لتوكيد معنى القلة ، أو نكرة موصوفة . " ليصبحن نادمين " على التكذيب إذا عاينوا العذاب .

فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ

41ـ " فأخذتهم الصيحة " صيحة جبريل صاح عليهم صيحة هائلة تصدعت منها قلوبهم فماتوا ، واستدل به على أن القوم صالح . " بالحق " بالوجه الثالث الذي لا دافع له ، أو بالعدل من الله كقولك فلان يقضي بالحق . أو بالوعد الصدق . " فجعلناهم غثاءً " شبههم في دمارهم بغثاء السيل وهو حميله كقول العرب : سال به الوادي ، لمن هلك . " فبعداً للقوم الظالمين " يحتمل الإخبار والدعاء ، وبعداً مصدر بعد إذا هلك ، وهو من المصادر التي تنصب بأفعال لا يستعمل إظهارها ، واللام لبيان من دعي عليه بالبعد ، ووضع الظاهر موضع ضميرهم للتعليل.

ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُونًا آَخَرِينَ

42ـ " ثم أنشأنا من بعدهم قروناً آخرين " هي قوم صالح ولوط وشعيب وغيرهم .

مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ

43ـ " ما تسبق من أمة أجلها " الوقت الذي حد لهلاكها و " من" مزيدة للاستغراق . " وما يستأخرون " الأجل .

ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ

44ـ " ثم أرسلنا رسلنا تترا " متواترين واحداً بعد واحد من الوتر وهو الفرد ، والتاء بدل من الواو كتولج وتيقور والألف للتأنيث لأن الرسل جماعة ، وقرأ أبو عمرو و ابن كثير بالتنوين على أنه مصدر بمعنى المواترة وقع حالاً ، وأماله حمزة و ابن عامر و الكسائي . " كلما جاء أمةً رسولها كذبوه " إضافة الرسول مع الإرسال إلى المرسل ومع المجيء إلى المرسل إليهم لأن الإرسال الذي هو مبدأ الأمر منه والمجيء الذي هو منتهاه إليهم . " فأتبعنا بعضهم بعضاً " في الإهلاك . " وجعلناهم أحاديث " لم نبق منهم إلا حكايات يسمر بها ، وهو اسم جمع للحديث أو جمع أحدوثة وهي ما يتحدث به تلهياً . " فبعداً لقوم لا يؤمنون " .

ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآَيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ

45ـ " ثم أرسلنا موسى وأخاه هارون بآياتنا " بالآيات التسع . " وسلطان مبين " وحجة واضحة ملزمة للخصم ، ويجوز أن يراد به العصا وأفرادها لأنها أول المعجزات وأمها ، تعلقت بها معجزات شتى : كانقلابها حية وتلقفها ما أفكته السحرة ، وانفلاق البحر وانفجار العيون من الحجر بضربهما بها ، وحراستها ومصيرها شمعة وشجرة خضراء مثمرة ورشاء ودلواً ، وأن يراد به المعجزات وبالآيات الحجج وأن يراد بهما المعجزات فإنها آيات للنبوة وحجة بينة على ما يدعيه النبي صلى الله عليه وسلم .

إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ

46ـ " إلى فرعون وملئه فاستكبروا " على الإيمان والمتابعة . " وكانوا قوماً عالين " متكبرين .

فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ

47ـ " فقالوا أنؤمن لبشرين مثلنا " ثنى البشر لأنه يطلق للواحد كقوله " بشراً سوياً " كما يطلق للجمع كقوله : " فإما ترين من البشر أحداً " ولم يثن المثل لأنه في حكم المصدر ، وهذه القصص كما نرى تشهد بأن قصارى شبه المنكرين للنبوة قياس حال الأنبياء على أحوالهم لما بينهم من المماثلة في الحقيقة وفساده يظهر للمستبصر بأدنى تأمل ، فإن النفوس البشرية وإن تشاركت في أصل القوى والإدراك لكنها متباينة الأقدام فيهما ، وكما ترى في جانب النقصان أغبياء لا يعود عليهم الفكر برادة ، يمكن أن يكون في طرف الزيادة أغنياء عن التفكر والتعلم في أكثر الأشياء وأغلب الأحوال ، فيدركون ما لا يدرك غيرهم ويعلمون ما لا ينتهي إليه علمهم ، وإليه أشار بقوله تعالى : " قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد " . " وقومهما " يعني بني إسرائيل . " لنا عابدون " خادمون منقادون كالعباد .

فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ

48ـ " فكذبوهما فكانوا من المهلكين " بالغرق في بحر قلزم .

وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ

49ـ " ولقد آتينا موسى الكتاب " التوراة . " لعلهم " لعل بني إسرائيل ، ولا يجوز عود الضمير إلى " فرعون " وقومه لأن التوراة نزلت بعد إغراقهم . " يهتدون " إلى المعارف والأحكام .

وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آَيَةً وَآَوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ

50ـ " وجعلنا ابن مريم وأمه آيةً " بولادتها إياه من غير مسيس فالآية أمر واحد مضاف إليهما ، أو " جعلنا ابن مريم " آية بأن تكلم في المهد وظهرت منه معجزات أخر " وأمه " آية بأن ولدت من غير مسيس فحذفت الأولى لدلالة الثانية عليها . " وآويناهما إلى ربوة " أرض بيت المقدس فإنها مرتفعة أو دمشق أو رملة فلسطين أو مصر فإن قراها على الربى ، وقرأ ابن عامر و وعاصم بفتح الراء وقرىء (( رباوة )) بالضم والكسر . " ذات قرار " مستقر من الأرض منبسطة . وقيل ذات ثمار و زروع فإن ساكنيها يستقرون فيها لأجلها . " ومعين " وماء معين ظاهر جار فعيل من معن الماء إذا جرى وأصله الإبعاد في الشيء ، أو من الماعون وهو المنفعة لأنه نفاع ، أو مفعول من عانه إذا أدركه بعينه لأنه لظهوره مدرك بالعيون وصف ماءها بذلك لأنه الجامع لأسباب التنزه وطيب المكان .

يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ

51ـ " يا أيها الرسل كلوا من الطيبات " نداء وخطاب لجميع الأنبياء لا على أنهم خوطبوا بذلك دفعة لأنهم أرسلوا في أزمنة مختلفة بل على معنى أن كلاً منهم خوطب به في زمانه ، فيدخل تحته عيسى دخولاً أولياً ويكون ابتداء كلام تنبيهاً على أن تهيئة أسباب التنعم لم تكن له خاصة ، وأن إباحة الطيبات للأنبياء شرع قديم واحتجاجاً على الرهبانية في رفض الطبيبات ، أو حكاية لما ذكر لعيسى وأمه عند إيوائهما إلى الربوة ليقتديا بالرسل في تناول ما رزقا . وقيل النداء له ولفظ الجمع للتعظيم والطيبات ما يستلذ به من المباحات . وقيل الحلال الصافي القوام فالحلال ما لا يعصى الله فيه والصافي ما لا ينسى الله فيه والقوام ما يمسك النفس ويحفظ العقل . " واعملوا صالحاً " فإنه المقصود منكم والنافع عند ربكم . " إني بما تعملون عليم " فأجازيكم عليه .

وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ

52ـ " وإن هذه " أي ولأن " هذه " والمعلل به " فاتقون " ، أو واعلموا أن هذه ، وقيل إنه معطوف على " ما تعملون " وقرأ ابن عامر بالتخفيف والكوفيون بالكسر على الاستئناف . " أمتكم أمةً واحدةً " ملتكم ملة واحدة أي متحدة في الاعتقاد وأصول الشرائع ، أو جماعتكم جماعة واحدة متفقة على الإيمان والتوحيد في العبادة ونصب " أمة " على الحال . " وأنا ربكم فاتقون " في شق العصا ومخالفة الكلمة .

فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ

53ـ " فتقطعوا أمرهم بينهم " فتقطعوا أمر دينهم جعلوه أدياناً مختلفة ، أو فتفرقوا وتحزبوا وأمرهم منصوب بنزع الخافض أو التمييز ، والضمير لما دل عليه الأمة من أربابها أولها . " زبراً " قطعاً جمع زبور الذي بمعنى الفرقة ويؤيده القراءة بفتح الباء فإنه جمع زبرة وهو حال من أمرهم أو من الواو ، أو مفعول ثان لـ " فتقطعوا " فإنه متضمن معنى جعل . وقيل كتباً من زبرت الكتاب فيكون مفعولاً ثانياً ، أو حالاً من أمرهم على تقدير مثل كتب ، وقرئ بتخفيف الباء كرسل في " رسل " . " كل حزب " من المتحزبين . " بما لديهم " من الدين . " فرحون " معجبون معتقدون أنهم على الحق .

فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ

54ـ " فذرهم في غمرتهم " في جهالتهم شبهها بالماء الذي يغمر القامة لأنهم مغمورون فيهما أو لاعبون بها ، وقرئ في (( غمراتهم )) . " حتى حين " إلى أن يقتلوا أو يموتوا .

أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ

55ـ " أيحسبون أنما نمدهم به " أن ما نعطيهم ونجعله لهم مدداً ، " من مال وبنين " بيان لما وليس خبراً له فإنه غير معاتب عليه وإنما المعاتب عليه اعتقادهم أن ذلك خير لهم خبره .

نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لَا يَشْعُرُونَ

56ـ " نسارع لهم في الخيرات " والراجع محذوف والمعنى : أيحسبون أن الذي نمدهم به تسارع به لهم فيما فيه خيرهم وإكرامهم " بل لا يشعرون " بل هم كالبهائم لا فطنة لهم ولا شعور ليتأملوا فيه فيعلموا أن ذلك الإمداد استدراج لا مسارعة في الخير ، وقرئ (( يمدهم )) على الغيبة وكذلك (( يسارع )) و (( يسرع )) ويحتمل أن يكون فيهما ضمير الممد به و (( يسارع )) مبنياً للمفعول .

إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ

57ـ " إن الذين هم من خشية ربهم " من خوف عذابه . " مشفقون " حذرون .

وَالَّذِينَ هُمْ بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ

58ـ " والذين هم بآيات ربهم " المنصوبة والمنزلة . " يؤمنون " بتصديق مدلولها .

وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ

59ـ " والذين هم بربهم لا يشركون " شركاً جلياً ولا خفياً .

وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ

60ـ " والذين يؤتون ما آتوا " يعطون ما أعطوه من الصدقات ، وقرىء (( يأتون مات أتوا )) أي يفعلون ما فعلوا من الطاعات . " وقلوبهم وجلة " خائفة أن لا يقبل منهم وأن لا يقع على الوجه اللائ4ق فيؤاخذ به . " أنهم إلى ربهم راجعون " لأن مرجعهم إليه ، أو من أن مرجعهم إليه وهو يعلم ما يخفي عليهم .

أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ

61ـ " أولئك يسارعون في الخيرات " يرغبون في الطاعات أشد الرغبة فيبادرونها ، أو يسارعون في نيل الخيرات الدنيوية الموعودة على صالح الأعمال بالمبادرة إليها كقوله تعالى : " فآتاهم الله ثواب الدنيا " فيكون إثباتاً لهم ما نفي عن أضداهم . " وهم لها سابقون " لأجلها فاعلون السبق أو سابقون الناس إلى الطاعة أو الثواب أو الجنة ، أو سابقونها أي ينالونها قبل الآخرة حيث عجلت لهم في الدنيا كقوله تعالى : " هم لها عاملون " .

وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ

62ـ " ولا نكلف نفساً إلا وسعها " قدر طاقتها يريد به التحريض على ما وصف به الصالحين وتسهيله على النفوس . " ولدينا كتاب " يريد به اللوح أو صحيفة الأعمال . " ينطق بالحق " بالصدق لا يوجد فيه ما يخالف الواقع ." وهم لا يظلمون " بزيادة عقاب أو نقصان ثواب .

بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ

63ـ " بل قلوبهم " قلوب الكفرة . " في غمرة " في غفلة غامرة لها . " من هذا " من الذي وصف به هؤلاء أو كتاب الحفظة . " ولهم أعمال " خبيثة " من دون ذلك " متجاوزة لما وصفوا به أو متخطية عما هم عليه من الشرك . " هم لها عاملون " معتادون فعلها .

حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ

64ـ " حتى إذا أخذنا مترفيهم " متنعميهم . " بالعذاب " يعني القتل يوم بدر أو الجوع حين" دعا عليهم الرسول صلى الله عليه وسلم فقال اللهم اشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم سنين كسني يوسف " . فقحطوا حتى أكلوا الجيف والكلاب والعظام المحرقة . " إذا هم يجأرون " فاجئوا الصراخ بالاستغاثة ، وهو جواب الشرط والجملة مبتدأ بعد حتى ويجوز أن يكون الجواب :

لَا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لَا تُنْصَرُونَ

65ـ " لا تجأروا اليوم " فإنه مقدر بالقول أي قيل لهم " لا تجأروا اليوم " . " إنكم منا لا تنصرون " تعليل للنهي أي لا تجأروا فإنه لا ينفعكم إذ لا تمنعون منا ، أو لا يلحقكم نصر ومعونة من جهتنا .

قَدْ كَانَتْ آَيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ

66ـ " قد كانت آياتي تتلى عليكم " يعني القرآن . " فكنتم على أعقابكم تنكصون " تعرضون مدبرين عن سماعها وتصديقها والعمل بها ، والنكوص الرجوع قهقرى .

مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ

67ـ " مستكبرين به " الضمير للبيت وشهوة استكبارهم وافتخارهم بأنه قوامه أغنت عن سبق ذكره ، أو لآياتي فإنها بمعنى كتابي والباء متعلقة بـ " مستكبرين " لأنه بمعنى مكذبين ، أو لأن استكبارهم على المسلمين حدث بسبب استماعه أو بقوله : " سامراً " أي تسمرون بذكر القرآن والطعن فيه ، وهو في الأصل مصدر جاء على لفظ الفاعل كالعاقبة ، وقر (( سمراً )) جمع سامر " تهجرون " من الهجر بالفتح إما بمعنى القطيعة أو الهذيان ، أي تعرضون عن القرآن أو تهذون في شأنه أو الهجر بالضم أي الفحش ، ويؤيده الثاني قراءة نافع " تهجرون " من أهجر وقرئ " تهجرون " على المبالغة .

أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آَبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ

68ـ " أفلم يدبروا القول " أي القرآن ليعلموا أنه الحق من ربهم بإعجاز لفظه ووضوح مدلوله . " أم جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين " من الرسول والكتاب ، أو من الأمن من عذاب الله تعالى فلم يخافوا كما خاف آباؤهم الأقدمون كإسماعيل وأعقابه فآمنوا به وبكتابه ورسله وأطاعوه .

أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ

69ـ " أم لم يعرفوا رسولهم " بالأمانة والصدق وحسن الخلق وكمال العلم مع عدم التعلم إلى غيره ذلك مما هو صفة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام . " فهم له منكرون " دعواه لأحد هذه الوجوه إذ لا وجه له غيرها ، فإن إنكار الشيء قطعاً أو ظناً إنما يتجه إذا ظهر امتناعه بحسب النوع أو الشخص أو بحث عما يدل عليه أقصى ما يمكن فلم يوجد .

أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ

70ـ " أم يقولون به جنة " فلا يبالون بقوله وكانوا يعلمون أنه صلى الله عليه وسلم أرجحهم عقلاً وأدقهم نظراً . " بل جاءهم بالحق وأكثرهم للحق كارهون " لأنه يخالف شهواتهم وأهواءهم فلذلك أنكروه ، وإنما قيد الحكم بالأكثر لأنه كان منهم من ترك الإيمان استنكافاً من توبيخ قومه أو لقلة فطنته وعدم فكرته لا كراهة للحق .

وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ

71ـ " ولو اتبع الحق أهواءهم " بأن كان في الواقع آلهة شتى . "لفسدت السموات والأرض ومن فيهن " كما سبق تقريره في قوله تعالى : " لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا " . ويل لو اتبع الحق أهواءهم وانقلب باطلاً لذهب ما قام به العالم فلم يبق ، أو لو اتبع الحق الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم أهواءهم وانقلب شركاً لجاء الله بالقيامة وأهلك العالم من فرط غضبه ، أو لو اتبع الله أهواءهم بأن أنزل ما يشتهونه من الشرك والمعاصي لخرج عن الألوهية ولم يقدر أن يمسك السموات والأرض وهو على أصل المعتزلة . " بل أتيناهم بذكرهم " بالكتاب الذي هو ذكرهم أي وعظهم أو صيتهم ، أو الذكر الذي تمنوه بقوله " لو أن عندنا ذكراً من الأولين " وقرئ (( بذكراهم )) . " فهم عن ذكرهم معرضون " لا يلتفتون إله .

أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ

72ـ " أم تسألهم " قيل إنه قسيم قوله " أم به جنة " . " خرجاً " أجراً على أداء الرسالة. " فخراج ربك " رزقه في الدنيا أو ثوابه في العقبى . " خير " لسعته ودوامه ففيه مندوحة لك عن عطائهم والخرج بإزاء الدخل يقال لكل ما تخرجه إلى غيرك ، والخراج غالب في الضريبة على الأرض ففيه إشعار بالكثرة واللزوم فيكون أبلغ ولذلك عبر به عن عطاء الله إياه ، وقرأ ابن عامر (( خرجا فخرج )) و حمزة و الكسائي (( خراجاً فخراج )) للمزاوجة . " وهو خير الرازقين " تقرير لخيرية خراجه تعالى . 44

وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ

73ـ " وإنك لتدعوهم إلى صراط مستقيم " تشهد العقول السليمة على استقامته لا عوج فيه يوجب اتهامهم له ، واعلم أنه سبحانه ألزمهم الحجة وأزاح العلة في هذه الآيات بأن حصر أقسام ما يؤدي إلى الإنكار والاتهام وبين انتفاءها ما عدا كراهة الحق وقلة الفطنة .

وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ

74ـ " وإن الذين لا يؤمنون بالآخرة عن الصراط " عن الصراط السوي . " لناكبون " لعادلون عنه فإن خوف الآخرة أقوى البواعث على طلب الحق وسلوك طريقه .

وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ

75ـ " ولو رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضر " يعني القحط . " للجوا " لثبتوا واللجاج التمادي في الشيء . " في طغيانهم " إفراطهم في الكفر والاستكبار عن الحق وعداوة الرسول والمؤمنين . " يعمهون " عن الهدى ، روي "أنهم قحطوا حتى أكلوا العلهز فجاء أبو سفيان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : أنشدك الله والرحم ألست تزعم أنك رحمة للعالمين قال بلى فقال : قتلت الآباء بالسيف والأبناء بالجوع فنزلت ".

وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ

76ـ " ولقد أخذناهم بالعذاب " يعني القتل يوم بدر . " فما استكانوا لربهم " بل أقاموا على عتوهم واستكبارهم ، واستكان استفعل من الكون لأن المفتقر انتقل من كون إلى كون أو افتعل من السكون أشبعت فتحته . " وما يتضرعون " وليس من عادتهم التضرع وهو استشهاد على ما قبله .

حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ

77ـ " حتى إذا فتحنا عليهم باباً ذا عذاب شديد " يعي الجوع فإنه أشد من القتل والأسر . " إذا هم فيه مبلسون " متحيرون آيسون من كل خير حتى جاءك أعتاهم يستعطفك .

وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ

78ـ " وهو الذي أنشأ لكم السمع والأبصار " لتحسوا بها ما نصب من الآيات . " والأفئدة " لتتفكروا فيها وتستدلوا بها إلى غير ذلك من المنافع الدينية والدنيوية . " قليلاً ما تشكرون " تشكرونها شكراً قليلاً لأن العمدة في شكرها استعمالها فيما خلقت لأجله ، والإذعان لمانحها من غير إشراك و " ما " صلة للتأكيد .

وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ

79ـ " وهو الذي ذرأكم في الأرض " خلقكم وبثكم فيها بالتناسل . " وإليه تحشرون " تجمعون يوم القيامة بعد تفرقكم .

وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ

80ـ " وهو الذي يحيي ويميت وله اختلاف الليل والنهار " ويختص به تعاقبهما لا يقدر على غيره فيكون رداً لنسبته إلى الشمس حقيقة أو لأمره وقضائه تعاقبهما ، أو انتقاص أحدهما وازدياد الآخر . " أفلا تعقلون " بالنظر والتأمل أن الكل منا وأن قدرتنا تعم الممكنات كلها وأن البعث من جملتها ، وقرئ بالياء على أن الخطاب السابق لتغليب المؤمنين .

بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ

81ـ " بل قالوا " أي كفار مكة . " مثل ما قال الأولون " آباؤهم ومن دان بدينهم .

قَالُوا أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ

82ـ " قالوا أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا لمبعوثون " استبعاداً ولم يتأملوا أنهم كانوا قبل ذلك أيضاً تراباً فخلقوا .

لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآَبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ

83ـ " لقد وعدنا نحن وآباؤنا هذا من قبل إن هذا إلا أساطير الأولين " إلا أكاذيبهم التي كتبوها ، جمع أسطورة لأنه يستعمل فيما يتلهى به كالأعاجيب والأضاحيك . وقيل جمع أسطار جمع سطر .

قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ

84ـ " قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون " إن كنتم من أهل العلم أو من العالمين بذلك ، فيكون استهانة بهم وتقريراً لفرط جهالتهم حتى جهلوا مثل هذا الجلي الواضح إلزاماً بما لا يمكن لمن له مسكة من العلم إنكاره ، ولذلك أخبر عن جوابهم قبل أن يجيبوا فقال :

سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ

85ـ " سيقولون لله " لأن العقل الصريح قد اضطرهم بأدنى نظر إلى الإقرار بأنه خالقها . " قل " أي بعد ما قالوه . " أفلا تذكرون " فتعلمون أن من فطر الأرض ومن فيها ابتداء قادر على إيجادها ثانياً ، فإن بدء الخلق ليس أهون من إعادته . وقرئ (( تتذكرون )) على الأصل .

قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ

86ـ " قل من رب السموات السبع ورب العرش العظيم " فإنها أعظم من ذلك . " سيقولون لله " قرأ أبو عمرو و يعقوب بغير لام فيه وفيما بعده على ما يقتضيه لفظ السؤال .

سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ

87ـ " قل أفلا تتقون " عقابه فلا تشركوا به بعض مخلوقاته ولا تنكروا قدرته على بعض مقدوراته .

قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ

88ـ " قل من بيده ملكوت كل شيء " ملكه غاية ما يمكن وقيل خزائنه . " وهو يجير " يغيث من يشاء وحرسه . " ولا يجار عليه " ولا يغاث أحد ويمنع منه ، وتعديته بعلى لتضمين معنى النصرة . " إن كنتم تعلمون " .

سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ

89ـ " سيقولون لله قل فأنى تسحرون " فمن أين تخدعون فتصرفون عن الرشد مع ظهور الأمر وتظاهر الأدلة .

بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ

90ـ " بل أتيناهم بالحق " من التوحيد والوعد بالنشور . " وإنهم لكاذبون " حيث أنكروا ذلك .

مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ

91ـ " ما اتخذ الله من ولد " لتقدسه عن مماثلة أحد . " وما كان معه من إله " يساهمه في الألوهية . " إذاً لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض " جواب محاجتهم وجزاء شرط حذف لدلالة ما قبله عليه ، أي لو كان معه آلهة كما تقولون لذهب كل منهم بما خلقه واستبد به وامتاز ملكه عن ملك الآخرين وظهر بينهم التحارب والتغالب كما هو حال ملوك الدنيا ، فلم يكن بيده وحده ملكوت كل شيء واللازم باطل بالإجماع والاستقراء وقيان البرهان على استناد جميع الممكنات إلى واجب واحد . " سبحان الله عما يصفون " من الولد والشريك لما سبق من الدليل على فساده .

عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ

92ـ " عالم الغيب والشهادة " خبر مبتدأ محذوف وقد جره ابن كثير و ابن عامر و أبو عمرو و يعقوب و حفص على الصفة ، وهو دليل آخر على نفي الشريك بناء على توافقهم في أنه المفرد بذلك ولهذا رتب عليه . " فتعالى عما يشركون " بالفاء .

قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ

93ـ " قل رب إما تريني " إن كان لابد من أن تريني لأن ما والنون للتأكيد . " ما يوعدون " من العذاب في الدنيا والآخرة .

رَبِّ فَلَا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ

94ـ " رب فلا تجعلني في القوم الظالمين " قريناً لهم في العذاب ، وهو إما لهضم النفس أو لأن شؤم الظلمة قد يحيق بمن وراءهم كقوله تعالى : " واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة " عن الحسن أنه تعالى أخبر نبيه عليه السلام أنه له في أمته نقمة ولم يطلعه على وقتها فأمره بهذا الدعاء وتكرير النداء ، وتصدير كل واحد من الشرط والجزاء به فضل تضرع وجؤار .

وَإِنَّا عَلَى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ

95ـ " وإنا على أن نريك ما نعدهم لقادرون " لكنا نؤخره علمنا بأن بعضهم أو بعض أعقابهم يؤمنون ، أو لأنا لا نعذبهم وأنت فيهم ، ولعله رد لإنكارهم الموعود واستعجالهم له استهزاء به . وقيل قد أراه : وهو قتل بدر أو فتح مكة .

ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ

96ـ " ادفع بالتي هي أحسن السيئة " وهو الصفح عنها والإحسان في مقابلتها لكن بحيث لم يؤد إلى وهن في الدين . وقيل هي كلمة التوحيد والسيئة الشرك . وقيل هو الأمر بالمعروف والسيئة المنكر وهو أبلغ مه ادفع بالحسنة السيئة لما فيه من التنصيص على التفضيل . " نحن أعلم بما يصفون " يما يصفونك به أو بوصفهم إياك على خلاف حالك وأقدر على جزائهم فوكل إلينا أمرهم .

وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ

97ـ " وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين " وساوسهم ، وأصل الهمز النخس ومنه مهماز الرائض ، شبه حثهم الناس على المعاصي بهمز الراضة للدواب على المشي والجم للمرات أو لتنوع الوساوس أو لعدد المضاف إليه .

وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ

98ـ " وأعوذ بك رب أن يحضرون " يحوموا حولي في شيء من الأحوال ، وتخصيص حال الصلاة وقراءة القرآن وحلول الأجل لأنها أحرى الأحوال بأن يخاف عليه .

حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ

99ـ " حتى إذا جاء أحدهم الموت " متعلق بـ " يصفون " ، وما بينهما اعتراض لتأكيد الإغضاء بالاستعاذة بالله من الشيطان أن يزله عن الحلم ويغريه على الانتقام أو بقوله " إنهم لكاذبون " . " قال " تحسراً على ما فرط فيه من الإيمان والطاعة لما اطلع على الأمر . " رب ارجعون " ردوني إلى الدنيا والواو لتعظيم المخاطب . وقيل لتكرير قوله ارجعني كما قيل في قفا وأطرقا .

لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ

100ـ " لعلي أعمل صالحا فيما تركت " في الإيمان الذي تركته أي لعلي آتي الإيمان وأعمل فيه ، وقيل في المال أو في الدنيا . " وعنه عليه الصلاة والسلام قال إذا عاين المؤمن الملائكة قالوا أنرجعك إلى الدنيا ، فيقول إلى دار الهموم والأحزان بل قدوماً إلى الله تعالى ، وأما الكافر فيقول رب ارجعون " . " كلا " ردع من طلب الرجعة واستبعاد لها . " إنها كلمة " معنى قوله " رب ارجعون " الخ ، والكلمة الطائفة من الكلام المنتظم بعضها مع بعض . " هو قائلها " لا محالة لتسلط الحسرة عليه . " ومن ورائهم " أمامهم والضمير للجماعة . " برزخ " حائل بينهم وبين الرجعة . " إلى يوم يبعثون " يوم القيامة ، وهو إقناط كلي عن الرجوع إلى الدنيا لما علم أنه لا رجعة يوم البعث إلى الدنيا وإنما الرجوع فيه إلى حياة تكون في الآخرة .

فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ

101ـ " فإذا نفخ في الصور " لقيام الساعة والقراءة بفتح الواو وبه وبكسر الصاد يؤيد أن " الصور " أيضاً جمع الصورة . " فلا أنساب بينهم " تنفعهم لزوال التعاطف والتراحم من فرط الحيرة واستيلاء الدهشة بحيث يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه أو يفتخرون بها . " يومئذ " كما يفعلون اليوم . " ولا يتساءلون " " ويلعن بعضكم بعضا " لاشتغاله بنفسه ، وهو لا يناقض قوله " وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون " لأنه عند النفخة وذلك بعد المحاسبة ، أو دخول أهل الجنة الجنة والنار النار .

فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ

102ـ " فمن ثقلت موازينه " موزونات عقائده وأعماله ، أي فمن كانت له عقائد وأعمال صالحة يكون لها وزن عند الله تعالى وقدر . " فأولئك هم المفلحون " الفائزون بالنجاة والدرجات .

وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ

103ـ " ومن خفت موازينه " ومن لم يكن له ما يكون له وزن ، وهم الكفار لقوله تعالى : " فلا نقيم لهم يوم القيامة وزناً " . " فأولئك الذين خسروا أنفسهم " غبنوها حيث ضيعوا زمان استكمالها وأبطلوا استعدادها لنيل كمالها . " في جهنم خالدون " بدل من الصلة أو خبر ثان (( لأولئك )) .

تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ

104ـ " تلفح وجوههم النار " تحرقها واللفح كالنفح إلا أنه أشد تأثيراً . " وهم فيها كالحون " من شدة الاحتراق والكلوح تقلص الشفتين عن الأسنان ، وقرئ (( كلحون )) .

أَلَمْ تَكُنْ آَيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ

105ـ " ألم تكن آياتي تتلى عليكم " على إضمار القول أي يقال لهم " ألم تكن " . " فكنتم بها تكذبون " تأنيب وتذكير لهم بما استحقوا هذا العذاب لأجله .

قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ

106ـ " قالوا ربنا غلبت علينا شقوتنا " ملكتنا بحيث صارت أحوالنا مؤدية إلى سوء العاقبة ، وقرأ حمزة و الكسائي (( شقوتنا )) بالفتح كالسعادة وقرئ بالكسر كالكتابة . " وكنا قوماً ضالين " عن الحق .

رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ

107ـ " ربنا أخرجنا منها " من النار . " فإن عدنا " إلى التكذيب . " فإنا ظالمون " لأنفسنا .

قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ

108ـ " قال اخسؤوا فيها " اسكتوا سكوت هوان في النار فإنها ليست مقام سؤال من خسأت الكلب إذا زجرته فخسأ . " ولا تكلمون " في رفع العذاب أو لا تكلمون رأساً . قيل إن أهل النار يقولون ألف سنة : " ربنا أبصرنا وسمعنا " ، فيجابون " حق القول مني " فيقولون ألفا " ربنا أمتنا اثنتين " ، فيجابون " ذلكم بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم " فيقولون ألفاً " يا مالك ليقض علينا ربك " ، فيجابون " إنكم ماكثون " ، فيقولون ألفاً " ربنا أخرنا إلى أجل قريب " ، فيجابون " أولم تكونوا أقسمتم من قبل " ، فيقولون ألفاً " ربنا أخرجنا نعمل صالحاً " ، فيجابون " أولم نعمركم " فيقولون ألفاً " رب ارجعون " ، فيجابون " اخسؤوا فيها " ثم لا يكون لهم فيها إلا زفير وشهيق وعواء . ذكب

إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آَمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ

109ـ " إنه " إن الشأن وقرئ بالفتح أي لأنه . " كان فريق من عبادي " يعني المؤمنين ، وقيل الصحابة وقيل أهل الصفة . " يقولون ربنا آمنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الراحمين " .

فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ

110ـ " فاتخذتموهم سخرياً " هزؤاً وقرأ نافع وحمزة و الكسائي هنا وفي (( ص )) بالضم ، وهما مصدر سخر زيدت فيهما ياء النسب للمبالغة ، وعند الكوفيين المكسور بمعنى الهزء والمضموم من السخرة بمعنى الانقياد والعبودية . " حتى أنسوكم ذكري " من فرط تشاغلكم بالاستهزاء بهم فلم تخافوني في أوليائي . " وكنتم منهم تضحكون " استهزاء بهم .

إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ

111ـ " إني جزيتهم اليوم بما صبروا " على أذاكم . " أنهم هم الفائزون " فوزهم بمجامع مراداتهم مخصوصين به ، وهو ثاني مفعولي " جزيتهم " . وقرأ حمزة و الكسائي بالكسر استئنافاً .

قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ

112 -" قال " أي الله أو الملك المأمور بسؤالهم ، وقرأ ابن كثير و حمزة و الكسائي على الأمر للملك أو لبعض رؤساء أهل النار . " كم لبثتم في الأرض " أحياء أو أمواتاً في القبور . " عدد سنين " تمييز لكم .

قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ

113ـ " قالوا لبثنا يوماً أو بعض يوم " استقصاراً لمدة لبثهم فيها بالنسبة إلى خلودهم في النار ، أو لأنها كانت أيام سرورهم وأيام السرور قصار ، أو لأنها منقضية والمنقضي في حكم المعدوم . " فاسأل العادين " الذين يتمكنون من عد أيامها إن أردت تحقيقها فإنا لما نحن فيه من العذاب مشغولون عن تذكرها وإحصائها ، أو الملائكة الذين يعدون أعمار الناس ويحصون أعمالهم . وقرئ " العادين " بالتخفيف أي الظلمة فإنهم يقولون ما نقول ، و" العادين " أي القدماء المعمرين فإنهم أيضاً يستقصرون .

قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ

114ـ " قال " وفي قراءة حمزة و الكسائي (( قل )) . " إن لبثتم إلا قليلاً لو أنكم كنتم تعلمون " تصديق لهم في مقالهم .

أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ

115ـ " أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً " توبيخ على تغافلهم ، و " عبثاً " حال بمعنى عابثين أو مفعول له أي : لم نخلقكم تلهياً بكم وإنما خلقناكم لنتعبدكم ونجازيكم على أعمالكم وهو كالدليل على البعث . " وأنكم إلينا لا ترجعون " معطوف على " أنما خلقناكم " أو " عبثاً " ، وقرأ حمزة و الكسائي و ويعقوب بفتح التاء وكسر الجيم .

فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ

116ـ " فتعالى الله الملك الحق " الذي يحق له الملك مطلقاً فإن من عداه مملوك بالذات مالك بالعرض من وجه دون وجه وفي حال دون حال . " لا إله إلا هو " فإن ما عداه عبيد له . " رب العرش الكريم " الذي يحيط بالأجرام وينزل منه محكمات الأقضية والأحكام ، ولذلك وصفة بالكرم أو لنسبته إلى أكرم الأكرمين . وقرئ بالرفع على أنه صفة الرب .

وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ

117ـ " ومن يدع مع الله إلهاً آخر " يعبده إفراداً أو إشراكً " لا برهان له به" ، جيء بها للتأكيد وبناء الحكم عليه تنبيهاً على أن التدين بما لا دليل عليه ممنوع فضلاً عما دل الدليل على خلافه ، أو اعتراض بين الشرط والجزاء لذلك : " فإنما حسابه عند ربه " فهو مجاز له مقدار ما يستحقه . " إنه لا يفلح الكافرون " إن الشأن وقرئ بالفتح على التعليل أو الخبر أي حسابه عدم الفلاح . بدأ السورة بتقرير فلاح المؤمنين وختمها بنفي الفلاح عن الكافرين ، ثم أمر رسوله بأن يستغفره ويسترحمه فقال :

وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ

118ـ " وقل رب اغفر وارحم وأنت خير الراحمين " . عن النبي صلى الله عليه وسلم "من قرأ سورة المؤمنين بشرته الملائكة بالروح الريحان وما تقر به عينه عند نزول ملك الموت " وعنه عليه الصلاة والسلام أنه قال "لقد أنزلت علي عشر آيات من أقامهن دخل الجنة ، ثم قرأ " قد أفلح المؤمنون " حتى ختم العشر . " و"روي أن أولها وآخرها من كنوز الجنة ، من عمل بثلاث آيات من أولها واتعظ بأربع من آخرها فقد نجا وأفلح " .


1-الفاتحة 2-البقرة 3-آل-عمران 4-النساء 5-المائدة 6-الأنعام 7-الأعراف 8-الأنفال 9-التوبة 10-يونس 11-هود 12-يوسف 13-الرعد 14-إبراهيم 15-الحجر 16-النحل 17-الإسراء 18-الكهف 19-مريم 20-طه 21-الأنبياء 22-الحج 23-المؤمنون 24-النور 25-الفرقان 26-الشعراء 27-النمل 28-القصص 29-العنكبوت 30-الروم 31-لقمان 32-السجدة 33-الأحزاب 34-سبأ 35-فاطر 36-يس 37-الصافات 38-ص 39-الزمر 40-غافر 41-فصلت 42-الشورى 43-الزخرف 44-الدخان 45-الجاثية 46-الأحقاف 47-محمد 48-الفتح 49-الحجرات 50-ق 51-الذاريات 52-الطور 53-النجم 54-القمر 55-الرحمن 56-الواقعة 57-الحديد 58-المجادلة 59-الحشر 60-الممتحنة 61-الصف 62-الجمعة 63-المنافقون 64-التغابن 65-الطلاق 66-التحريم 67-الملك 68-القلم 69-الحاقة 70-المعارج 71-نوح 72-الجن 73-المزمل 74-المدثر 75-القيامة 76-الإنسان 77-المرسلات 78-النبأ 79-النازعات 80-عبس 81-التكوير 82-الانفطار 83-المطففين 84-الانشقاق 85-البروج 86-الطارق 87-الأعلى 88-الغاشية 89-الفجر 90-البلد 91-الشمس 92-الليل 93-الضحى 94-الشرح 95-التين 96-العلق 97-القدر 98-البينة 99-الزلزلة 100-العاديات 101-القارعة 102-التكاثر 103-العصر 104-الهمزة 105-الفيل 106-قريش 107-الماعون 108-الكوثر 109-الكافرون 110-النصر 111-المسد 112-الإخلاص 113-الفلق 114-الناس