الحدود في الشريعة الإسلامية

الحدود في الشريعة الإسلامية

22

الحدود في الشريعة الإسلامية

ما هي الحدود في الشريعة ؟

هي عقوبات محددة وجبت حقا لله تعالى لجرائم ومعاصٍ جسيمة معينة ، كالزنى، والسرقة، وشرب الخمر، وغيرها.

وهي قسم من أقسام النظام العقابي في الإسلام بالإضافة للقصاص، والتعازير والتي لم يقدر لها الشرع عقوبة محددة، سواء كانت حقا لله تعالى أو لآدمي، وتثبت لكل معصية ليس فيها حد أو كفارة، وتقدير فيها العقوبة بحسب ظروف الجريمة والمجني عليه ونحو ذلك بما يحقق العدالة الجنائية.

هل الحدود في الشريعة الإسلامية عادلة ؟

الذي شرع الحدود هو الله سبحانه وتعالى الذي خلق الإنسان، ويعلم ما يصلحه وما يفسده، قال تعالى: {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِير} [الملك: 14]

ويكفي بيانا لصلاحية وعدالة تلك الحدود ما تصرخ به المجتمعات المعاصرة- ليس في الدول الإسلامية فحسب- بل العالم أجمع من استفحال الجرائم وزيادتها كما وكيفا، وزيادة أعداد المجرمين، وعدم صلاحية التشريعات الوضعية حتى لمجرد التقليل من تلك الجرائم.

فالمجتمعات كما بها الصالح، بها المجرم الفاجر؛ فشرعت الحدود؛ زجراً للنفوس المجرمة عن ارتكاب المعاصي والتعدي على حرمات الله سبحانه، فتتحقق الطمأنينة في المجتمع ويشيع الأمن بين أفراده، ويسود الاستقرار، ويطيب العيش؛ فتحقق المصالح العامة ويحفظ الأمن العام.

كما أن فيها تطهيراً للعبد في الدنيا؛ لحديث عبادة بن الصامت مرفوعاً ، وفيه: « ومن أصاب من ذلك شيئاً فعوقب به فهو كفارته» (متفق عليه ).

والعقوبات المقررة  في الحدود عقوبات عادلة غاية العدل:

الزنا:

إذ أن الزنا جريمة من أفحش الجرائم وأبشعها، وعدوان على الخلق والشرف والكرامة، ومقوض لنظام الأسر والبيوت، ومروج للكثير من الشرور والمفاسد التي تقضي على مقومات الأفراد والجماعات، وتذهب بكيان الأمة، ومع ذلك فقد احتاط الاسلام في إثبات هذه الجريمة، فاشترط شروطا يكاد يكون من المستحيل توافرها، فعقوبة الزنا عقوبة قصد بها الزجر والردع أكثر مما قصد بها التنفيذ والفعل.

قذف المحصنين والمحصنات:

من الجرائم التي تحل روابط الاسرة وتفرق بين الرجل وزوجه، وتهدم أركان البيت، والبيت هو الخلية الأولى في بنية المجتمع، فبصلاحها يصلح، وبفسادها يفسد، فتقرير جلد مقترف هذه الجريمة ثمانين جلدة بعد عجزه عن الإتيان بأربعة شهداء يؤيدونه فيما يقذف به، كيلا تخدش كرامة إنسان أو يجرح في سمعته.

 

السرقة:

السرقة ما هي إلا اعتداء على أموال الناس وعبث بها، فتقرير عقوبة القطع لمرتكب هذه الجريمة جريمة السرقةحتى يكف غيره عن اقتراف جريمة السرقة، فيأمن كل فرد على ماله.

 

المحاربون الساعون في الارض بالفساد:

الساعون في الارض بالفساد المضربون لنيران الفتن، المزعجون لأمن الناس في الطرق وغيرها، المثيرون للاضطرابات،  فلا أقل من أن تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، أو ينفوا من الارض.

الخمر:

والخمر تفقد الشارب عقله ورشده، وإذا فقد الانسان رشده وعقله ارتكب كل حماقة وفحش، فإذا جلد كان جلده مانعا له من المعاودة من جانب، ورادعا لغيره من اقتراف مثل جريرته من جانب آخر.

المرتد:

فالإسلام منهج كامل للحياة فهو: دين ودولة، وعبادة، وقيادة، ومصحف وسيف، وروح ومادة، ودنيا وآخرة، وهو مبني على العقل والمنطق، وقائم على الدليل والبرهان، وليس في عقيدته ولا شريعته ما يصادم فطرة الانسان أو يقف حائلا دون الوصول إلى كماله المادي والأدبي - ومن دخل فيه عرف حقيقته، وذاق حلاوته، فإذا خرج منه وارتد عنه بعد دخوله فيه وإدراكه له، كان في الواقع خارجا على الحق والمنطق، ومتنكرا للدليل والبرهان، وحائدا عن العقل السليم، والفطرة المستقيمة، صاحب هوى، وفي قلبه مرض أيما مرض، فهو سرطان خبيث يستشري في جسد الأمة السليم.

والانسان حين يصل إلى هذا المستوى يكون قد ارتد إلى أقصى دركات الانحطاط، ووصل إلى الغاية من الانحدار والهبوط، ومثل هذا الانسان لا ينبغي المحافظة على حياته، ولا الحرص على بقائه - لأن حياته ليست لها غاية كريمة ولا مقصد نبيل.

ومن جانب آخر، فإن الاسلام كمنهج عام للحياة، ونظام شامل للسلوك الانساني، لاغنى له من سياج يحميه، ودرع يقيه من العابثين به الذين يسعون في هدمه، وأي نظام لا قيام له إلا بالحماية والوقاية والحفاظ عليه من كل ما يهز أركانه، ويزعزع بنيانه، ولاشئ أقوى في حماية النظام ووقايته من منع الخارجين عليه، لأن الخروج عليه يهدد كيانه ويعرضه للسقوط والتداعي، والخروج على الإسلام والارتداد عنه إنما هو تقويض لدعائم الفطرة، وتفكيك للقيم والأخلاق وبنيان المجتمع الطاهر، ودين الله عز وجل الذي ارتضاه للناس، إلى ارتكاسات وانتكاسات أودت بالبشرية إلى الحضيض.

فما الجزاء العادل الذي اتفقت عليه القوانين الوضعية، فيمن خرج على نظام الدولة وأوضاعها المقررة، فكيف بدين رضيه الله لعباده وختم به الرسالات؟

إن أي انسان في النظم القانونية المعاصرة - إذا خرج على نظام الدولة فإنه يتهم بالخيانة العظمى لبلاده، والخيانة العظمى جزاؤها الإعدام.

فالاسلام في تقرير عقوبة الإعدام للمرتدين منطقي مع نفسه ومتلاق مع غيره من النظم.

والحاصل أن إقامة الحدود فيها نفع للناس، لأنها تمنع الجرائم، وتردع المجرمين، وتكف من تحدثه نفسه بانتهاك الحرمات، وتحقق الأمن لكل فرد، على نفسه، وعرضه وماله، وسمعته، وحريته، وكرامته، وقد روى النسائي وابن ماجه عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " حد يعمل به في الارض خير لأهل الارض من أن يمطروا أربعين صباحا  ".

وكل عمل من شأنه أن يعطل إقامة الحدود فهو تعطيل لأحكام الله، ومحاربة له، لأن ذلك من شأنه إقرار المنكر وإشاعة الشر؛ فتجب إقامة الحدود بين الناس منعاً للمعاصي وردعاً للعصاة.

ثم إن الحد عقوبة من العقوبات التي توقع ضررا في جسد الجاني وسمعته، ولا يحل استباحة حرمة أحد، أو إيلامه إلا بالحق، ولا يثبت هذا الحق إلا بالدليل الذي لا يتطرق إليه الشك، فإذا تطرق إليه مجرد الشك كان ذلك مانعا من إقامة الحدود.

  هل تجوز الشفاعة في إقامة الحدود ؟

تحرم الشفاعة في الحدود لإسقاطها وعدم إقامتها، إذا بلغت الإمام وثبتت عنده، كما يحرم على ولي الأمر قبول الشفاعة في ذلك؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من حالت شفاعته دون حد من حدود الله، فقد ضاد الله في أمره» (أخرجه أبو داود) ، ولردّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شفاعة أسامة بن زيد في المخزومية التي سرقت، وغضبه لذلك، حتى قال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها» (متفق عليه).

 

هل يجوز  العفو عن الحدّ ؟

يجوز قبل أن يبلغ الإمام فجائز؛ لقوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - للذي سُرقَ رداؤه، فأراد أن يعفو عن السارق: «فهلاَّ قبل أن تأتيني به» (أخرجه أبو داود).

من يقيم الحد ؟

الذي يقيم الحد هو الإمام أو نائبه، فقد كان النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقيم الحدود في حياته، ثم خلفاؤه من بعده. وقد وَكَل النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من يقيم الحد نيابة عنه، فقال: «واغد يا أنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها» (متفق عليه).

ووجب ذلك على الإمام؛ ضماناً للعدالة، ومنعاً للحيف والظلم.

هل يجوز الستر في الحدود ؟

قد يكون ستر العصاة علاجا ناجعا للذين تورطوا في الجرائم واقترفوا المآثم، وقد ينهضون بعد ارتكابها فيتوبون توبة نصوحا، ويستأنفون حياة نظيفة؛ لهذا شرع الاسلام التستر على المتورطين في الآثام، وعدم التعجيل بكشف أمرهم.

فعن سعيد بن المسيب قال: بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لرجل من أسلم يقال له هزال، وقد جاء يشكو رجلا بالزنا، وذلك قبل أن ينزل قوله تعالى: {والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة} [النور آية: 4] « يا - هزال - لو سترته بردائك كان خيرا لك » (أخرجه أبو داود).

أما إذا وصل الحال إلى إشاعة الفاحشة والتهتك بها، فيجب كون الشهادة به أولى من تركها، لأن مطلوب الشارع إخلاء الأرض من المعاصي والفواحش وذلك يتحقق بالتوبة من الفاعلين، وبالزجر لهم، فإذا ظهر حال الشره في الزنا وعدم المبالاة به وإشاعته، بخلاف من زنا مرة أو مرارا، مستترا متخوفا متندما عليه فإنه محل استحباب ستر الشاهد .

هل يجوز ستر المسلم نفسه إن أتى هذه القاذورات ؟

يجب على المسلم أن يستر نفسه ولا يفضحها بالحديث عما يصدر عنه، من إثم أو إقرار أمام الحاكم لينفذ فيه العقوبة.

روى الإمام مالك في الموطأ عن زيد بن أسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « يا أيها الناس: قد آن لكم أن تنتهوا عن حدود الله ... من أصاب شيئا من هذه القاذورات فليستتر بستر الله، فإنه من يبد لنا صفحته، نقم عليه كتاب الله ».

ما هو حدُّ الزنى ؟

أولا: الزاني المحصن :

إذا زنى المحصن- أي: مَنْ سبق له أن تزوج زواجا صحيحا ووطء فيه- فإن حده الرجم بالحجارة حتى الموت، رجلاً كان، أو امرأة.

والرجم ثابت عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بالتواتر من قوله وفعله. وقد كان الرجم مذكوراً في القرآن، ثم نسخ لفظه وبقي حكمه، وذلك في قوله عز وجل: «الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالاً من الله والله عزيز حكيم».

فعن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه خطب فقال: «إن الله بعث محمداً بالحق وأنزل عليه الكتاب، فكان فيما أنزل الله آية الرجم، قرأناها ووعيناها وعقلناها، فرجم رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: ما نجد الرجم في كتاب الله، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله، وإن الرجم حق في كتاب الله على من زنى، إذا أحصن من الرجال والنساء إذا قامت البينة أو كان الحبل أو الاعتراف» (متفق عليه)، ولحديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: أتى رجل من المسلمين رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وهو في المسجد فناداه، فقال: يا رسول الله إني زنيت. فأعرض عنه، فتنحى تلقاء وجهه، فقال: يا رسول الله إني زنيت، فأعرض عنه، حتى ثَنَى ذلك عليه أربع مرات، فلما شهد على نفسه أربع شهادات، دعاه رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال: «أبك جنون؟» قال: لا، قال: «فهل أحصنت؟» قال: نعم، فقال النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «اذهبوا به فارجموه» (متفق عليه)..

وأجمع العلماء على أن من زنى، وهو محصن، فحكمه الرجم بالحجارة حتى الموت.

ثانياً: الزاني غير المحصن:

إذا زنى غير المحصن فإن حده الجلد مائة جلدة، وتغريب عام، وتغريب الزاني: نفيه وإبعاده عن وطنه ؛ لقوله تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ} [النور: 2] ولحديث عبادة بن الصامت - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «خذوا عني، خذوا عني، فقد جعل الله لهن سبيلاً، البكر بالبكر جلد مائة ونفي عام» (رواه مسلم ).

 





كلمات دليلية: