islamkingdomfaceBook islamkingdomtwitter islamkingdominstagram islamkingdomyoutube islamkingdomnew

تفسير القرطبى
3593

16-النحل

أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ

سُورَة النَّحْل وَهِيَ مَكِّيَّة كُلّهَا فِي قَوْل الْحَسَن وَعِكْرِمَة وَعَطَاء وَجَابِر . وَتُسَمَّى سُورَة النِّعَم بِسَبَبِ مَا عَدَّدَ اللَّه فِيهَا مِنْ نِعَمه عَلَى عِبَاده . وَقِيلَ : هِيَ مَكِّيَّة غَيْر قَوْله تَعَالَى : | وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ | [ النَّحْل : 126 ] الْآيَة ; نَزَلَتْ بِالْمَدِينَةِ فِي شَأْن التَّمْثِيل بِحَمْزَة وَقَتْلَى أُحُد . وَغَيْر قَوْله تَعَالَى : | وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرك إِلَّا بِاَللَّهِ | [ النَّحْل : 127 ] . وَغَيْر قَوْله : | ثُمَّ إِنَّ رَبّك لِلَّذِينَ هَاجَرُوا | [ النَّحْل : 110 ] الْآيَة . وَأَمَّا قَوْله : | وَاَلَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّه مِنْ بَعْد مَا ظُلِمُوا | [ النَّحْل : 41 ] فَمَكِّيّ , فِي شَأْن هِجْرَة الْحَبَشَة . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : هِيَ مَكِّيَّة إِلَّا ثَلَاث آيَات مِنْهَا نَزَلَتْ بِالْمَدِينَةِ بَعْد قَتْل حَمْزَة , وَهِيَ قَوْله : | وَلَا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّه ثَمَنًا قَلِيلًا | إِلَى قَوْله | بِأَحْسَن مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ | [ النَّحْل : 95 ] .</p><p>| أَتَى أَمْر اللَّه فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ | قِيلَ : | أَتَى | بِمَعْنَى يَأْتِي ; فَهُوَ كَقَوْلِك : إِنْ أَكْرَمْتنِي أَكْرَمْتُك . وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ أَخْبَار اللَّه تَعَالَى فِي الْمَاضِي وَالْمُسْتَقْبَل سَوَاء ; لِأَنَّهُ آتٍ لَا مَحَالَة , كَقَوْلِهِ : | وَنَادَى أَصْحَاب الْجَنَّة أَصْحَاب النَّار | [ الْأَعْرَاف : 44 ] . و | أَمْر اللَّه | عِقَابه لِمَنْ أَقَامَ عَلَى الشِّرْك وَتَكْذِيب رَسُوله . قَالَ الْحَسَن وَابْن جُرَيْج وَالضَّحَّاك : إِنَّهُ مَا جَاءَ بِهِ الْقُرْآن مِنْ فَرَائِضه وَأَحْكَامه . وَفِيهِ بُعْد ; لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَل أَنَّ أَحَدًا مِنْ الصَّحَابَة اِسْتَعْجَلَ فَرَائِض اللَّه مِنْ قَبْل أَنْ تُفْرَض عَلَيْهِمْ , وَأَمَّا مُسْتَعْجِلُو الْعَذَاب وَالْعِقَاب فَذَلِكَ مَنْقُول عَنْ كَثِير مِنْ كُفَّار قُرَيْش وَغَيْرهمْ , حَتَّى قَالَ النَّضْر بْن الْحَارِث : | اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدك | الْآيَة , فَاسْتَعْجَلَ الْعَذَاب .</p><p>قُلْت : قَدْ يَسْتَدِلّ الضَّحَّاك بِقَوْلِ عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : وَافَقْت رَبِّي فِي ثَلَاث : فِي مَقَام إِبْرَاهِيم , وَفِي الْحِجَاب , وَفِي أُسَارَى بَدْر ; خَرَّجَهُ مُسْلِم وَالْبُخَارِيّ . وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي سُورَة الْبَقَرَة . وَقَالَ الزَّجَّاج : هُوَ مَا وَعَدَهُمْ بِهِ مِنْ الْمُجَازَاة عَلَى كُفْرهمْ , وَهُوَ كَقَوْلِهِ : | حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرنَا وَفَارَ التَّنُّور | [ هُود : 40 ] . وَقِيلَ : هُوَ يَوْم الْقِيَامَة أَوْ مَا يَدُلّ عَلَى قُرْبهَا مِنْ أَشْرَاطهَا . قَالَ اِبْن عَبَّاس : لَمَّا نَزَلَتْ | اِقْتَرَبَتْ السَّاعَة وَانْشَقَّ الْقَمَر | [ الْقَمَر : 1 ] قَالَ الْكُفَّار : إِنَّ هَذَا يَزْعُم أَنَّ الْقِيَامَة قَدْ قَرُبَتْ , فَأَمْسِكُوا عَنْ بَعْض مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ , فَأَمْسَكُوا وَانْتَظَرُوا فَلَمْ يَرَوْا شَيْئًا , فَقَالُوا : مَا نَرَى شَيْئًا فَنَزَلَتْ | اِقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ | [ الْأَنْبِيَاء : 1 ] الْآيَة . فَأَشْفَقُوا وَانْتَظَرُوا قُرْب السَّاعَة , فَامْتَدَّتْ الْأَيَّام فَقَالُوا : مَا نَرَى شَيْئًا فَنَزَلَتْ | أَتَى أَمْر اللَّه | فَوَثَبَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُسْلِمُونَ وَخَافُوا ; فَنَزَلَتْ | فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ | فَاطْمَأَنُّوا , فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( بُعِثْت أَنَا وَالسَّاعَة كَهَاتَيْنِ ) وَأَشَارَ بِأُصْبُعَيْهِ : السَّبَّابَة وَاَلَّتِي تَلِيهَا . يَقُول : ( إِنْ كَادَتْ لَتَسْبِقنِي فَسَبَقْتهَا ) . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : كَانَ بَعْث النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَشْرَاط السَّاعَة , وَأَنَّ جِبْرِيل لَمَّا مَرَّ بِأَهْلِ السَّمَوَات مَبْعُوثًا إِلَى مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالُوا اللَّه أَكْبَر , قَدْ قَامَتْ السَّاعَة .|سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ|أَيْ تَنْزِيهًا لَهُ عَمَّا يَصِفُونَهُ بِهِ مِنْ أَنَّهُ لَا يَقْدِر عَلَى قِيَام السَّاعَة , وَذَلِكَ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ : لَا يَقْدِر أَحَد عَلَى بَعْث الْأَمْوَات , فَوَصَفُوهُ بِالْعَجْزِ الَّذِي لَا يُوصَف بِهِ إِلَّا الْمَخْلُوق , وَذَلِكَ شِرْك . وَقِيلَ : | عَمَّا يُشْرِكُونَ | أَيْ عَنْ إِشْرَاكهمْ . وَقِيلَ : | مَا | بِمَعْنَى الَّذِي أَيْ اِرْتَفَعَ عَنْ الَّذِينَ أَشْرَكُوا بِهِ .

يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ

قَرَأَ الْمُفَضَّل عَنْ عَاصِم | تَنَزَّل الْمَلَائِكَة | وَالْأَصْل تَتَنَزَّل , فَالْفِعْل مُسْنَد إِلَى الْمَلَائِكَة . وَقَرَأَ الْكِسَائِيّ عَنْ أَبِي بَكْر عَنْ عَاصِم بِاخْتِلَافٍ عَنْهُ وَالْأَعْمَش | تُنَزَّل الْمَلَائِكَة | غَيْر مُسَمَّى الْفَاعِل . وَقَرَأَ الْجُعْفِيّ عَنْ أَبِي بَكْر عَنْ عَاصِم | تُنَزِّل الْمَلَائِكَة | بِالنُّونِ مُسَمَّى الْفَاعِل , الْبَاقُونَ | يُنَزِّل | بِالْيَاءِ مُسَمَّى الْفَاعِل , وَالضَّمِير فِيهِ لِاسْمِ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ . وَرُوِيَ عَنْ قَتَادَة | تُنْزِل الْمَلَائِكَة | بِالنُّونِ وَالتَّخْفِيف . وَقَرَأَ الْأَعْمَش | تَنْزِل | بِفَتْحِ التَّاء وَكَسْر الزَّاي , مِنْ النُّزُول . | الْمَلَائِكَةُ | رَفْعًا مِثْل | تَنَزَّل الْمَلَائِكَة | [ الْقَدْر : 4 ]|بِالرُّوحِ|أَيْ بِالْوَحْيِ وَهُوَ النُّبُوَّة ; قَالَهُ اِبْن عَبَّاس . نَظِيره | يُلْقِي الرُّوح مِنْ أَمْره عَلَى مَنْ يَشَاء مِنْ عِبَاده | [ غَافِر : 15 ] . الرَّبِيع بْن أَنَس : بِكَلَامِ اللَّه وَهُوَ الْقُرْآن . وَقِيلَ : هُوَ بَيَان الْحَقّ الَّذِي يَجِب اِتِّبَاعه . وَقِيلَ أَرْوَاح الْخَلْق ; قَالَهُ مُجَاهِد , لَا يَنْزِل مَلَك إِلَّا وَمَعَهُ رُوح . وَكَذَا رُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّ الرُّوح خَلْق مِنْ خَلْق اللَّه عَزَّ وَجَلَّ كَصُوَرِ اِبْن آدَم , لَا يَنْزِل مِنْ السَّمَاء مَلَك إِلَّا وَمَعَهُ وَاحِد مِنْهُمْ . وَقِيلَ بِالرَّحْمَةِ ; قَالَهُ الْحَسَن وَقَتَادَة . وَقِيلَ بِالْهِدَايَةِ ; لِأَنَّهَا تَحْيَا بِهَا الْقُلُوب كَمَا تَحْيَا بِالْأَرْوَاحِ الْأَبْدَان , وَهُوَ مَعْنَى قَوْل الزَّجَّاج . قَالَ الزَّجَّاج : الرُّوح مَا كَانَ فِيهِ مِنْ أَمْر اللَّه حَيَاة بِالْإِرْشَادِ إِلَى أَمْره . وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة : الرُّوح هُنَا جِبْرِيل . وَالْبَاء فِي قَوْله : | بِالرُّوحِ | بِمَعْنَى مَعَ , كَقَوْلِك : خَرَجَ بِثِيَابِهِ , أَيْ مَعَ ثِيَابه .|مِنْ أَمْرِهِ|أَيْ بِأَمْرِهِ .|عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ|أَيْ عَلَى الَّذِينَ اِخْتَارَهُمْ اللَّه لِلنُّبُوَّةِ . وَهَذَا رَدّ لِقَوْلِهِمْ : | لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآن عَلَى رَجُل مِنْ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيم | [ الزُّخْرُف : 31 ] .|أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ|تَحْذِير مِنْ عِبَادَة الْأَوْثَان , وَلِذَلِكَ جَاءَ الْإِنْذَار ; لِأَنَّ أَصْله التَّحْذِير مِمَّا يُخَاف مِنْهُ . وَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ قَوْله : | فَاتَّقُونِ | . و | أَنْ | فِي مَوْضِع نَصْب بِنَزْعِ الْخَافِض , أَيْ بِأَنْ أَنْذِرُوا أَهْل الْكُفْر بِأَنَّهُ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه , | فَأَنْ | فِي مَحَلّ نَصْب بِسُقُوطِ الْخَافِض أَوْ بِوُقُوعِ الْإِنْذَار عَلَيْهِ .

خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ

أَيْ لِلزَّوَالِ وَالْفَنَاء . وَقِيلَ : | بِالْحَقِّ | أَيْ لِلدَّلَالَةِ عَلَى قُدْرَته , وَأَنَّ لَهُ أَنْ يَتَعَبَّد الْعِبَاد بِالطَّاعَةِ وَأَنْ يُحْيِي الْخَلْق بَعْد الْمَوْت .|تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ|أَيْ مِنْ هَذِهِ الْأَصْنَام الَّتِي لَا تَقْدِر عَلَى خَلْق شَيْء .

خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ

لَمَّا ذَكَرَ الدَّلِيل عَلَى تَوْحِيده ذَكَرَ بَعْده الْإِنْسَان وَمُنَاكَدَته وَتَعَدِّي طَوْره . و | الْإِنْسَان | اِسْم لِلْجِنْسِ . وَرُوِيَ أَنَّ الْمُرَاد بِهِ أُبَيّ بْن خَلَف الْجُمَحِيّ , جَاءَ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَظْمٍ رَمِيم فَقَالَ : أَتَرَى يُحْيِي اللَّه هَذَا بَعْد مَا قَدْ رَمَّ . وَفِي هَذَا أَيْضًا نَزَلَ | أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَان أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَة فَإِذَا هُوَ خَصِيم مُبِين | [ يس : 77 ] أَيْ خَلَقَ الْإِنْسَان مِنْ مَاء يَخْرُج مِنْ بَيْن الصُّلْب وَالتَّرَائِب , فَنَقَلَهُ أَطْوَارًا إِلَى أَنْ وُلِدَ وَنَشَأَ بِحَيْثُ يُخَاصِم فِي الْأُمُور . فَمَعْنَى الْكَلَام التَّعَجُّب مِنْ الْإِنْسَان | وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقه | [ يس : 78 ]|فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ|أَيْ مُخَاصِم , كَالنَّسِيبِ بِمَعْنَى الْمُنَاسِب . أَيْ يُخَاصِم اللَّه عَزَّ وَجَلَّ فِي قُدْرَته .|مُبِينٌ|أَيْ ظَاهِر الْخُصُومَة . وَقِيلَ : يُبَيِّن عَنْ نَفْسه الْخُصُومَة بِالْبَاطِلِ . وَالْمُبِين : هُوَ الْمُفْصِح عَمَّا فِي ضَمِيره بِمَنْطِقِهِ .

وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ

لَمَّا ذَكَرَ الْإِنْسَان ذَكَرَ مَا مَنَّ بِهِ عَلَيْهِ . وَالْأَنْعَام : الْإِبِل وَالْبَقَر وَالْغَنَم . وَأَكْثَر مَا يُقَال : نَعَم وَأَنْعَام لِلْإِبِلِ , وَيُقَال لِلْمَجْمُوعِ وَلَا يُقَال لِلْغَنَمِ مُفْرَدَة . قَالَ حَسَّان : <br>عَفَتْ ذَات الْأَصَابِع فَالْجِوَاء .......... إِلَى عَذْرَاء مَنْزِلهَا خَلَاء <br><br>دِيَار مِنْ بَنِي الْحَسْحَاس قَفْر .......... تُعَفِّيهَا الرَّوَامِس وَالسَّمَاء <br><br>وَكَانَتْ لَا يَزَال بِهَا أَنِيس .......... خِلَال مُرُوجهَا نَعَم وَشَاء <br>فَالنَّعَم هُنَا الْإِبِل خَاصَّة . وَقَالَ الْجَوْهَرِيّ : وَالنَّعَم وَاحِد الْأَنْعَام وَهِيَ الْمَال الرَّاعِيَة , وَأَكْثَر مَا يَقَع هَذَا الِاسْم عَلَى الْإِبِل . قَالَ الْفَرَّاء : هُوَ ذَكَر لَا يُؤَنَّث , يَقُولُونَ : هَذَا نَعَم وَارِد , وَيُجْمَع عَلَى نُعْمَان مِثْل حَمَل وَحُمْلَان . وَالْأَنْعَام تُذَكَّر وَتُؤَنَّث ; قَالَ اللَّه تَعَالَى : | مِمَّا فِي بُطُونه | [ النَّحْل : 66 ] . وَفِي مَوْضِع | مِمَّا فِي بُطُونهَا | [ الْمُؤْمِنُونَ : 21 ] . وَانْتَصَبَ الْأَنْعَام عَطْفًا عَلَى الْإِنْسَان , أَوْ بِفِعْلٍ مُقَدَّر , وَهُوَ أَوْجَه .|فِيهَا دِفْءٌ|الدِّفْء : السَّخَانَة , وَهُوَ مَا اُسْتُدْفِئَ بِهِ مِنْ أَصْوَافهَا وَأَوْبَارهَا وَأَشْعَارهَا , مَلَابِس وَلُحُف وَقُطُف . وَرُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس : دِفْؤُهَا نَسْلهَا ; وَاَللَّه أَعْلَم قَالَ الْجَوْهَرِيّ فِي الصِّحَاح : الدِّفْء نِتَاج الْإِبِل وَأَلْبَانهَا وَمَا يُنْتَفَع بِهِ مِنْهَا ; قَالَ اللَّه تَعَالَى : | لَكُمْ فِيهَا دِفْء | . وَفِي الْحَدِيث ( لَنَا مِنْ دِفْئِهِمْ مَا سَلَّمُوا بِالْمِيثَاقِ ) . وَالدِّفْء أَيْضًا السُّخُونَة , تَقُول مِنْهُ : دَفِئَ الرَّجُل دَفَاءَة مِثْل كَرِهَ كَرَاهَة . وَكَذَلِكَ دَفِئَ دَفَأ مِثْل ظَمِئَ ظَمَأ . وَالِاسْم الدِّفْء بِالْكَسْرِ وَهُوَ الشَّيْء الَّذِي يُدْفِئك , وَالْجَمْع الْأَدْفَاء . تَقُول : مَا عَلَيْهِ دِفْء ; لِأَنَّهُ اِسْم . وَلَا تَقُول : مَا عَلَيْك دَفَاءَة ; لِأَنَّهُ مَصْدَر . وَتَقُول : اُقْعُدْ فِي دِفْء هَذَا الْحَائِط أَيْ كِنّه . وَرَجُل دَفِئ عَلَى فَعِل إِذَا لَبِسَ مَا يُدْفِئهُ . وَكَذَلِكَ رَجُل دَفْآن وَامْرَأَة دَفْأَى . وَقَدْ أَدْفَأَهُ الثَّوْب وَتَدَفَّأَ هُوَ بِالثَّوْبِ وَاسْتَدْفَأَ بِهِ , وَأَدْفَأ بِهِ وَهُوَ اِفْتَعَلَ ; أَيْ مَا لَبِسَ مَا يُدْفِئهُ . وَدَفُؤَتْ لَيْلَتنَا , وَيَوْم دَفِيء عَلَى فَعِيل وَلَيْلَة دَفِيئَة , وَكَذَلِكَ الثَّوْب وَالْبَيْت . وَالْمُدْفِئَة الْإِبِل الْكَثِيرَة ; لِأَنَّ بَعْضهَا يُدْفِئ بَعْضًا بِأَنْفَاسِهَا , وَقَدْ يُشَدَّد . وَالْمُدْفَأَة الْإِبِل الْكَثِيرَة الْأَوْبَار وَالشُّحُوم ; عَنْ الْأَصْمَعِيّ . وَأَنْشَدَ الشَّمَّاخ : <br>وَكَيْفَ يَضِيع صَاحِب مُدْفَآت .......... عَلَى أَثْبَاجِهِنَّ مِنْ الصَّقِيع<br>|وَمَنَافِعُ|قَالَ اِبْن عَبَّاس : الْمَنَافِع نَسْل كُلّ دَابَّة . مُجَاهِد : الرُّكُوب وَالْحَمْل وَالْأَلْبَان وَاللُّحُوم وَالسَّمْن .|وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ|أَفْرَدَ مَنْفَعَة الْأَكْل بِالذِّكْرِ لِأَنَّهَا مُعْظَم الْمَنَافِع . وَقِيلَ : الْمَعْنَى وَمِنْ لُحُومهَا تَأْكُلُونَ عِنْد الذَّبْح .</p><p>دَلَّتْ هَذِهِ الْآيَة عَلَى لِبَاس الصُّوف , وَقَدْ لَبِسَهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْأَنْبِيَاء قَبْله كَمُوسَى وَغَيْره . وَفِي حَدِيث الْمُغِيرَة : فَغَسَلَ وَجْهه وَعَلَيْهِ جُبَّة مِنْ صُوف شَامِيَّة ضَيِّقَة الْكُمَّيْنِ . .. الْحَدِيث , خَرَّجَهُ مُسْلِم وَغَيْره . قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : وَهُوَ شِعَار الْمُتَّقِينَ وَلِبَاس الصَّالِحِينَ وَشَارَة الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ , وَاخْتِيَار الزُّهَّاد وَالْعَارِفِينَ , وَهُوَ يَلْبَس لَيِّنًا وَخَشِنًا وَجَيِّدًا وَمُقَارِبًا وَرَدِيئًا , وَإِلَيْهِ نُسِبَ جَمَاعَة مِنْ النَّاس الصُّوفِيَّة ; لِأَنَّهُ لِبَاسهمْ فِي الْغَالِب , فَالْيَاء لِلنَّسَبِ وَالْهَاء لِلتَّأْنِيثِ . وَقَدْ أَنْشَدَنِي بَعْض أَشْيَاخهمْ بِالْبَيْتِ الْمُقَدَّس طَهَّرَهُ اللَّه : <br>تَشَاجَرَ النَّاس فِي الصُّوفِيّ وَاخْتَلَفُوا .......... فِيهِ وَظَنُّوهُ مُشْتَقًّا مِنْ الصُّوف <br><br>وَلَسْت أَنْحَل هَذَا الِاسْم غَيْر فَتًى .......... صَافَى فَصُوفِيَ حَتَّى سُمِّيَ الصُّوفِيّ<br>

وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ

الْجَمَال مَا يُتَجَمَّل بِهِ وَيُتَزَيَّن . وَالْجَمَال : الْحُسْن . وَقَدْ جَمُلَ الرَّجُل - بِالضَّمِّ - جَمَالًا فَهُوَ جَمِيل , وَالْمَرْأَة جَمِيلَة , وَجُمَلَاء أَيْضًا ; عَنْ الْكِسَائِيّ . وَأَنْشَدَ : <br>فَهِيَ جَمْلَاء كَبَدْرٍ طَالِع .......... بَذَّتْ الْخَلْق جَمِيعًا بِالْجَمَالِ <br>وَقَوْل أَبِي ذُؤَيْب : <br>جَمَالك أَيّهَا الْقَلْب الْقَرِيح <br>يُرِيد : اِلْزَمْ تَجَمُّلك وَحَيَاءَك وَلَا تَجْزَع جَزَعًا قَبِيحًا . قَالَ عُلَمَاؤُنَا : فَالْجَمَال يَكُون فِي الصُّورَة وَتَرْكِيب الْخِلْقَة , وَيَكُون فِي الْأَخْلَاق الْبَاطِنَة , وَيَكُون فِي الْأَفْعَال . فَأَمَّا جَمَال الْخِلْقَة فَهُوَ أَمْر يُدْرِكهُ الْبَصَر وَيُلْقِيه إِلَى الْقَلْب مُتَلَائِمًا , فَتَتَعَلَّق بِهِ النَّفْس مِنْ غَيْر مَعْرِفَة بِوَجْهِ ذَلِكَ وَلَا نِسْبَته لِأَحَدٍ مِنْ الْبَشَر . وَأَمَّا جَمَال الْأَخْلَاق فَكَوْنهَا عَلَى الصِّفَات الْمَحْمُودَة مِنْ الْعِلْم وَالْحِكْمَة وَالْعَدْل وَالْعِفَّة , وَكَظْم الْغَيْظ وَإِرَادَة الْخَيْر لِكُلِّ أَحَد . وَأَمَّا جَمَال الْأَفْعَال فَهُوَ وُجُودهَا مُلَائِمَة لِمَصَالِح الْخَلْق وَقَاضِيَة لِجَلْبِ الْمَنَافِع فِيهِمْ وَصَرْف الشَّرّ عَنْهُمْ . وَجَمَال الْأَنْعَام وَالدَّوَابّ مِنْ جَمَال الْخِلْقَة , وَهُوَ مَرْئِيّ بِالْأَبْصَارِ مُوَافِق لِلْبَصَائِرِ . وَمِنْ جَمَالهَا كَثْرَتهَا وَقَوْل النَّاس إِذَا رَأَوْهَا هَذِهِ نَعَم فُلَان ; قَالَهُ السُّدِّيّ . وَلِأَنَّهَا إِذَا رَاحَتْ تَوَفَّرَ حُسْنهَا وَعَظُمَ شَأْنهَا وَتَعَلَّقَتْ الْقُلُوب بِهَا ; لِأَنَّهَا إِذْ ذَاكَ أَعْظَم مَا تَكُون أَسْنِمَة وَضُرُوعًا ; قَالَهُ قَتَادَة . وَلِهَذَا الْمَعْنَى قَدَّمَ الرَّوَاح عَلَى السَّرَاح لِتَكَامُلِ دَرّهَا وَسُرُور النَّفْس بِهَا إِذْ ذَاكَ . وَاَللَّه أَعْلَم . وَرَوَى أَشْهَب عَنْ مَالِك قَالَ : يَقُول اللَّه عَزَّ وَجَلَّ | وَلَكُمْ فِيهَا جَمَال حِين تُرِيحُونَ وَحِين تَسْرَحُونَ | وَذَلِكَ فِي الْمَوَاشِي حِين تَرُوح إِلَى الْمَرْعَى وَتَسْرَح عَلَيْهِ . وَالرَّوَاح رُجُوعهَا بِالْعَشِيِّ مِنْ الْمَرْعَى , وَالسَّرَاح بِالْغَدَاةِ ; تَقُول : سَرَحْت الْإِبِل أَسْرَحهَا سَرْحًا وَسُرُوحًا إِذَا غَدَوْت بِهَا إِلَى الْمَرْعَى فَخَلَّيْتهَا , وَسَرَحَتْ هِيَ . الْمُتَعَدِّي وَاللَّازِم وَاحِد .

وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ

فِيهِ ثَلَاث مَسَائِل : الْأُولَى : قَوْله تَعَالَى : | وَتَحْمِل أَثْقَالكُمْ | الْأَثْقَال أَثْقَال النَّاس مِنْ مَتَاع وَطَعَام وَغَيْره , وَهُوَ مَا يُثْقِل الْإِنْسَان حَمْله . وَقِيلَ : الْمُرَاد أَبْدَانهمْ ; يَدُلّ عَلَى ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى : | وَأَخْرَجَتْ الْأَرْض أَثْقَالهَا | [ الزَّلْزَلَة : 2 ] . وَالْبَلَد مَكَّة , فِي قَوْل عِكْرِمَة . وَقِيلَ : هُوَ مَحْمُول عَلَى الْعُمُوم فِي كُلّ بَلَد مَسْلَكه عَلَى الظَّهْر . وَشِقّ الْأَنْفُس : مَشَقَّتهَا وَغَايَة جَهْدهَا . وَقِرَاءَة الْعَامَّة بِكَسْرِ الشِّين . قَالَ الْجَوْهَرِيّ : وَالشِّقّ الْمَشَقَّة ; وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى : | لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُس | وَهَذَا قَدْ يُفْتَح , حَكَاهُ أَبُو عُبَيْدَة . قَالَ الْمَهْدَوِيّ : وَكَسْر الشِّين وَفَتْحهَا فِي | شِقّ | مُتَقَارِبَانِ , وَهُمَا بِمَعْنَى الْمَشَقَّة , وَهُوَ مِنْ الشِّقّ فِي الْعَصَا وَنَحْوهَا ; لِأَنَّهُ يَنَال مِنْهَا كَالْمَشَقَّةِ مِنْ الْإِنْسَان . وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ : وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَر | إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُس | وَهُمَا لُغَتَانِ , مِثْل رِقّ وَرَقّ وَجِصّ وَجَصّ وَرِطْل وَرَطْل . وَيُنْشَد قَوْل الشَّاعِر بِكَسْرِ الشِّين وَفَتْحهَا : <br>وَذِي إِبِل يَسْعَى وَيَحْسِبهَا لَهُ .......... أَخِي نَصَب مِنْ شِقّهَا وَدُؤُوب <br>وَيَجُوز أَنْ يَكُون بِمَعْنَى الْمَصْدَر , مِنْ شَقَقْت عَلَيْهِ أَشُقّ شَقًّا . وَالشِّقّ أَيْضًا بِالْكَسْرِ النِّصْف , يُقَال : أَخَذْت شِقّ الشَّاة وَشِقَّة الشَّاة . وَقَدْ يَكُون الْمُرَاد مِنْ الْآيَة هَذَا الْمَعْنَى ; أَيْ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِنَقْصٍ مِنْ الْقُوَّة وَذَهَاب شِقّ مِنْهَا , أَيْ لَمْ تَكُونُوا تَبْلُغُوهُ إِلَّا بِنِصْفِ قُوَى أَنْفُسكُمْ وَذَهَاب النِّصْف الْآخَر . وَالشِّقّ أَيْضًا النَّاحِيَة مِنْ الْجَبَل . وَفِي حَدِيث أُمّ زَرْع : وَجَدَنِي فِي أَهْل غُنَيْمَة بِشِقٍّ . قَالَ أَبُو عُبَيْد : هُوَ اِسْم مَوْضِع . وَالشِّقّ أَيْضًا : الشَّقِيق , يُقَال : هُوَ أَخِي وَشِقّ نَفْسِي . وَشِقّ اِسْم كَاهِن مِنْ كُهَّان الْعَرَب . وَالشِّقّ أَيْضًا : الْجَانِب ; وَمِنْهُ قَوْل اِمْرِئِ الْقَيْس : <br>إِذَا مَا بَكَى مَنْ خَلْفهَا اِنْصَرَفَتْ لَهُ .......... بِشِقٍّ وَتَحْتِي شِقّهَا لَمْ يُحَوَّل <br>فَهُوَ مُشْتَرَك .</p><p>الثَّانِيَة مَنَّ اللَّه سُبْحَانه بِالْأَنْعَامِ عُمُومًا , وَخَصَّ الْإِبِل هُنَا بِالذِّكْرِ فِي حَمْل الْأَثْقَال عَلَى سَائِر الْأَنْعَام ; فَإِنَّ الْغَنَم لِلسَّرْحِ وَالذَّبْح , وَالْبَقَر لِلْحَرْثِ , وَالْإِبِل لِلْحَمْلِ . وَفِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( بَيْنَمَا رَجُل يَسُوق بَقَرَة لَهُ قَدْ حَمَلَ عَلَيْهَا اِلْتَفَتَتْ إِلَيْهِ الْبَقَرَة فَقَالَتْ إِنِّي لَمْ أُخْلَق لِهَذَا وَلَكِنِّي إِنَّمَا خُلِقْت لِلْحَرْثِ فَقَالَ النَّاس سُبْحَان اللَّه تَعَجُّبًا وَفَزَعًا أَبَقَرَة تَكَلَّم ) ؟ فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَإِنِّي أُومِن بِهِ وَأَبُو بَكْر وَعُمَر ) . فَدَلَّ هَذَا الْحَدِيث عَلَى أَنَّ الْبَقَر لَا يُحْمَل عَلَيْهَا وَلَا تُرْكَب , وَإِنَّمَا هِيَ لِلْحَرْثِ وَلِلْأَكْلِ وَالنَّسْل وَالرِّسْل .</p><p>الثَّالِثَة فِي هَذِهِ الْآيَة دَلِيل عَلَى جَوَاز السَّفَر بِالدَّوَابِّ وَحَمْل الْأَثْقَال عَلَيْهَا . وَلَكِنْ عَلَى قَدْر مَا تَحْتَمِلهُ مِنْ غَيْر إِسْرَاف فِي الْحَمْل مَعَ الرِّفْق فِي السَّيْر . وَقَدْ أَمَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالرِّفْقِ بِهَا وَالْإِرَاحَة لَهَا وَمُرَاعَاة التَّفَقُّد لِعَلَفِهَا وَسَقْيهَا . وَرَوَى مُسْلِم مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِذَا سَافَرْتُمْ فِي الْخِصْب فَأَعْطُوا الْإِبِل حَظّهَا مِنْ الْأَرْض وَإِذَا سَافَرْتُمْ فِي السَّنَة فَبَادِرُوا بِهَا نِقْيَهَا ) رَوَاهُ مَالِك فِي الْمُوَطَّأ عَنْ أَبِي عُبَيْد عَنْ خَالِد بْن مَعْدَان . وَرَوَى مُعَاوِيَة بْن قُرَّة قَالَ : كَانَ لِأَبِي الدَّرْدَاء جَمَل يُقَال لَهُ دمون , فَكَانَ يَقُول : يَا دمون , لَا تُخَاصِمنِي عِنْد رَبّك . فَالدَّوَابّ عُجْم لَا تَقْدِر أَنْ تَحْتَال لِنَفْسِهَا مَا تَحْتَاج إِلَيْهِ , وَلَا تَقْدِر أَنْ تُفْصِح بِحَوَائِجِهَا , فَمَنْ اِرْتَفَقَ بِمَرَافِقِهَا ثُمَّ ضَيَّعَهَا مِنْ حَوَائِجهَا فَقَدْ ضَيَّعَ الشُّكْر وَتَعَرَّضَ لِلْخُصُومَةِ بَيْن يَدَيْ اللَّه تَعَالَى . وَرَوَى مَطَر بْن مُحَمَّد قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُد قَالَ حَدَّثَنَا اِبْن خَالِد قَالَ حَدَّثَنَا الْمُسَيِّب بْن آدَم قَالَ . رَأَيْت عُمَر بْن الْخَطَّاب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ ضَرَبَ جَمَّالًا وَقَالَ : تَحْمِل عَلَى بَعِيرك مَا لَا يُطِيق .

وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ

قَوْله تَعَالَى : | وَالْخَيْل | بِالنَّصْبِ مَعْطُوف , أَيْ وَخَلَقَ الْخَيْل . وَقَرَأَ اِبْن أَبِي عَبْلَة | وَالْخَيْل وَالْبِغَال وَالْحَمِير | بِالرَّفْعِ فِيهَا كُلّهَا . وَسُمِّيَتْ الْخَيْل خَيْلًا لِاخْتِيَالِهَا فِي الْمِشْيَة . وَوَاحِد الْخَيْل خَائِل , كَضَائِنٍ وَاحِد ضَيْن . وَقِيلَ لَا وَاحِد لَهُ . وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا فِي | آل عِمْرَان | وَذَكَرْنَا الْأَحَادِيث هُنَاكَ وَلَمَّا أَفْرَدَ سُبْحَانه الْخَيْل وَالْبِغَال وَالْحَمِير بِالذِّكْرِ دَلَّ عَلَى أَنَّهَا لَمْ تَدْخُل تَحْت لَفْظ الْأَنْعَام وَقِيلَ دَخَلَتْ وَلَكِنْ أَفْرَدَهَا بِالذِّكْرِ لِمَا يَتَعَلَّق بِهَا مِنْ الرُّكُوب ; فَإِنَّهُ يَكْثُر فِي الْخَيْل وَالْبِغَال وَالْحَمِير .</p><p>قَالَ الْعُلَمَاء : مَلَّكَنَا اللَّه تَعَالَى الْأَنْعَام وَالدَّوَابّ وَذَلَّلَهَا لَنَا , وَأَبَاحَ لَنَا تَسْخِيرهَا وَالِانْتِفَاع بِهَا رَحْمَة مِنْهُ تَعَالَى لَنَا , وَمَا مَلَكَهُ الْإِنْسَان وَجَازَ لَهُ تَسْخِيره مِنْ الْحَيَوَان فَكِرَاؤُهُ لَهُ جَائِز بِإِجْمَاعِ أَهْل الْعِلْم , لَا اِخْتِلَاف بَيْنهمْ فِي ذَلِكَ . وَحُكْم كِرَاء الرَّوَاحِل وَالدَّوَابّ مَذْكُور فِي كُتُب الْفِقْه .</p><p>لَا خِلَاف بَيْن الْعُلَمَاء فِي اِكْتِرَاء الدَّوَابّ وَالرَّوَاحِل لِلْحَمْلِ عَلَيْهَا وَالسَّفَر بِهَا ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى : | وَتَحْمِل أَثْقَالكُمْ | [ النَّحْل : 7 ] الْآيَة . وَأَجَازُوا أَنْ يُكْرِي الرَّجُل الدَّابَّة وَالرَّاحِلَة إِلَى مَدِينَة بِعَيْنِهَا وَإِنْ لَمْ يُسَمِّ أَيْنَ يَنْزِل مِنْهَا , وَكَمْ مِنْ مَنْهَل يَنْزِل فِيهِ , وَكَيْفَ صِفَة سَيْره , وَكَمْ يَنْزِل فِي طَرِيقه , وَاجْتَزَءُوا بِالْمُتَعَارَفِ بَيْن النَّاس فِي ذَلِكَ . قَالَ عُلَمَاؤُنَا : وَالْكِرَاء يَجْرِي مَجْرَى الْبُيُوع فِيمَا يَحِلّ مِنْهُ وَيَحْرُم . قَالَ اِبْن الْقَاسِم فِيمَنْ اِكْتَرَى دَابَّة إِلَى مَوْضِع كَذَا بِثَوْبٍ مَرَوِيّ وَلَمْ يَصِف رُقْعَته وَذَرْعه : لَمْ يَجُزْ ; لِأَنَّ مَالِكًا لَمْ يُجِزْ هَذَا فِي الْبَيْع , وَلَا يُجِيز فِي ثَمَن الْكِرَاء إِلَّا مَا يَجُوز فِي ثَمَن الْبَيْع .</p><p>قُلْت : وَلَا يُخْتَلَف فِي هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّه ; لِأَنَّ ذَلِكَ إِجَارَة . قَالَ اِبْن الْمُنْذِر : وَأَجْمَعَ كُلّ مَنْ يُحْفَظ عَنْهُ مِنْ أَهْل الْعِلْم عَلَى أَنَّ مَنْ اِكْتَرَى دَابَّة لِيَحْمِل عَلَيْهَا عَشَرَة أَقْفِزَة قَمْح فَحَمَلَ عَلَيْهَا مَا اِشْتَرَطَ فَتَلِفَتْ أَنْ لَا شَيْء عَلَيْهِ . وَهَكَذَا إِنْ حَمَلَ عَلَيْهَا عَشَرَة أَقْفِزَة شَعِير . وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ اِكْتَرَى دَابَّة لِيَحْمِل عَلَيْهَا عَشَرَة أَقْفِزَة فَحَمَلَ عَلَيْهَا أَحَد عَشَر قَفِيزًا , فَكَانَ الشَّافِعِيّ وَأَبُو ثَوْر يَقُولَانِ : هُوَ ضَامِن لَقِيمَة الدَّابَّة وَعَلَيْهِ الْكِرَاء . وَقَالَ اِبْن أَبِي لَيْلَى : عَلَيْهِ قِيمَتهَا وَلَا أَجْر عَلَيْهِ . وَفِيهِ قَوْل ثَالِث - وَهُوَ أَنَّ عَلَيْهِ الْكِرَاء وَعَلَيْهِ جُزْء مِنْ أَجْر وَجُزْء مِنْ قِيمَة الدَّابَّة بِقَدْرِ مَا زَادَ مِنْ الْحِمْل ; وَهَذَا قَوْل النُّعْمَان وَيَعْقُوب وَمُحَمَّد . وَقَالَ اِبْن الْقَاسِم صَاحِب مَالِك : لَا ضَمَان عَلَيْهِ فِي قَوْل مَالِك إِذَا كَانَ الْقَفِيز الزَّائِد لَا يَفْدَح الدَّابَّة , وَيُعْلَم أَنَّ مِثْله لَا تَعْطَب فِيهِ الدَّابَّة , وَلِرَبِّ الدَّابَّة أَجْر الْقَفِيز الزَّائِد مَعَ الْكِرَاء الْأَوَّل ; لِأَنَّ عَطَبهَا لَيْسَ مِنْ أَجْل الزِّيَادَة . وَذَلِكَ بِخِلَافِ مُجَاوَزَة الْمَسَافَة ; لِأَنَّ مُجَاوَزَة الْمَسَافَة تَعَدٍّ كُلّه فَيَضْمَن إِذَا هَلَكَتْ فِي قَلِيله وَكَثِيره . وَالزِّيَادَة عَلَى الْحَمْل الْمُشْتَرَط اِجْتَمَعَ فِيهِ إِذْنٌ وَتَعَدٍّ , فَإِذَا كَانَتْ الزِّيَادَة لَا تَعْطَب فِي مِثْلهَا عُلِمَ أَنَّ هَلَاكهَا مِمَّا أُذِنَ لَهُ فِيهِ .</p><p>وَاخْتَلَفَ أَهْل الْعِلْم فِي الرَّجُل يَكْتَرِي الدَّابَّة بِأَجْرٍ مَعْلُوم إِلَى مَوْضِع مُسَمًّى , فَيَتَعَدَّى فَيَتَجَاوَز ذَلِكَ الْمَكَان ثُمَّ يَرْجِع إِلَى الْمَكَان الْمَأْذُون لَهُ فِي الْمَصِير إِلَيْهِ . فَقَالَتْ طَائِفَة : إِذَا جَاوَزَ ذَلِكَ الْمَكَان ضَمِنَ وَلَيْسَ عَلَيْهِ فِي التَّعَدِّي كِرَاء ; هَكَذَا قَالَ الثَّوْرِيّ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة : الْأَجْر لَهُ فِيمَا سَمَّى , وَلَا أَجْر لَهُ فِيمَا لَمْ يُسَمِّ ; لِأَنَّهُ خَالَفَ فَهُوَ ضَامِن , وَبِهِ قَالَ يَعْقُوب . وَقَالَ الشَّافِعِيّ : عَلَيْهِ الْكِرَاء الَّذِي سَمَّى , وَكِرَاء الْمِثْل فِيمَا جَاوَزَ ذَلِكَ , وَلَوْ عَطِبَتْ لَزِمَهُ قِيمَتهَا . وَنَحْوه قَالَ الْفُقَهَاء السَّبْعَة , مَشْيَخَة أَهْل الْمَدِينَة قَالُوا : إِذَا بَلَغَ الْمَسَافَة ثُمَّ زَادَ فَعَلَيْهِ كِرَاء الزِّيَادَة إِنْ سَلِمَتْ وَإِنْ هَلَكَتْ ضَمِنَ . وَقَالَ أَحْمَد وَإِسْحَاق وَأَبُو ثَوْر : عَلَيْهِ الْكِرَاء وَالضَّمَان . قَالَ اِبْن الْمُنْذِر : وَبِهِ نَقُول . وَقَالَ اِبْن الْقَاسِم : إِذَا بَلَغَ الْمُكْتَرِي الْغَايَة الَّتِي اِكْتَرَى إِلَيْهَا ثُمَّ زَادَ مِيلًا وَنَحْوه أَوْ أَمْيَالًا أَوْ زِيَادَة كَثِيرَة فَعَطِبَتْ الدَّابَّة , فَلِرَبِّهَا كِرَاؤُهُ الْأَوَّل وَالْخِيَار فِي أَخْذه كِرَاء الزَّائِد بَالِغًا مَا بَلَغَ , أَوْ قِيمَة الدَّابَّة يَوْم التَّعَدِّي . اِبْن الْمَوَّاز : وَقَدْ رَوَى أَنَّهُ ضَامِن وَلَوْ زَادَ خُطْوَة . وَقَالَ اِبْن الْقَاسِم عَنْ مَالِك فِي زِيَادَة الْمِيل وَنَحْوه : وَأَمَّا مَا يَعْدِل النَّاس إِلَيْهِ فِي الْمَرْحَلَة فَلَا يَضْمَن . وَقَالَ اِبْن حَبِيب عَنْ اِبْن الْمَاجِشُون وَأَصْبَغ : إِذَا كَانَتْ الزِّيَادَة يَسِيرَة أَوْ جَاوَزَ الْأَمَد الَّذِي تَكَارَاهَا إِلَيْهِ بِيَسِيرٍ , ثُمَّ رَجَعَ بِهَا سَالِمَة إِلَى مَوْضِع تَكَارَاهَا إِلَيْهِ فَمَاتَتْ , أَوْ مَاتَتْ فِي الطَّرِيق إِلَى الْمَوْضِع الَّذِي تَكَارَاهَا إِلَيْهِ , فَلَيْسَ لَهُ إِلَّا كِرَاء الزِّيَادَة , كَرَدِّهِ لِمَا تَسَلَّفَ مِنْ الْوَدِيعَة . وَلَوْ زَادَ كَثِيرًا مِمَّا فِيهِ مَقَام الْأَيَّام الْكَثِيرَة الَّتِي يَتَغَيَّر فِي مِثْلهَا سُوقهَا فَهُوَ ضَامِن , كَمَا لَوْ مَاتَتْ فِي مُجَاوَزَة الْأَمَد أَوْ الْمَسَافَة ; لِإِنَّهُ إِذَا كَانَتْ زِيَادَة يَسِيرَة مِمَّا يُعْلَم أَنَّ ذَلِكَ مِمَّا لَمْ يَعْنِ عَلَى قَتْلهَا فَهَلَاكهَا بَعْد رَدّهَا إِلَى الْمَوْضِع الْمَأْذُون لَهُ فِيهِ كَهَلَاكِ مَا تَسَلَّفَ مِنْ الْوَدِيعَة بَعْد رَدّه لَا مَحَالَة . وَإِنْ كَانَتْ الزِّيَادَة كَثِيرَة فَتِلْكَ الزِّيَادَة قَدْ أَعَانَتْ عَلَى قَتْلهَا .</p><p>قَالَ اِبْن الْقَاسِم وَابْن وَهْب قَالَ مَالِك قَالَ اللَّه تَعَالَى : | وَالْخَيْل وَالْبِغَال وَالْحَمِير لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَة | فَجَعَلَهَا لِلرُّكُوبِ وَالزِّينَة وَلَمْ يَجْعَلهَا لِلْأَكْلِ ; وَنَحْوه عَنْ أَشْهَب . وَلِهَذَا قَالَ أَصْحَابنَا : لَا يَجُوز أَكْل لُحُوم الْخَيْل وَالْبِغَال وَالْحَمِير ; لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى لَمَّا نَصَّ عَلَى الرُّكُوب وَالزِّينَة دَلَّ عَلَى أَنَّ مَا عَدَاهُ بِخِلَافِهِ . وَقَالَ فِي [ الْأَنْعَام ] | وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ | مَعَ مَا اِمْتَنَّ اللَّه مِنْهَا مِنْ الدِّفْء وَالْمَنَافِع , فَأَبَاحَ لَنَا أَكْلهَا بِالذَّكَاةِ الْمَشْرُوعَة فِيهَا . وَبِهَذِهِ الْآيَة اِحْتَجَّ اِبْن عَبَّاس وَالْحَكَم بْن عُيَيْنَة , قَالَ الْحَكَم : لُحُوم الْخَيْل حَرَام فِي كِتَاب اللَّه , وَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَة وَاَلَّتِي قَبْلهَا وَقَالَ : هَذِهِ لِلْأَكْلِ وَهَذِهِ لِلرُّكُوبِ . وَسُئِلَ اِبْن عَبَّاس عَنْ لُحُوم الْخَيْل فَكَرِهَهَا , وَتَلَا هَذِهِ الْآيَة وَقَالَ : هَذِهِ لِلرُّكُوبِ , وَقَرَأَ الْآيَة الَّتِي قَبْلهَا | وَالْأَنْعَام خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْء وَمَنَافِع | ثُمَّ قَالَ : هَذِهِ لِلْأَكْلِ . وَبِهِ قَالَ مَالِك وَأَبُو حَنِيفَة وَأَصْحَابهمَا وَالْأَوْزَاعِيّ وَمُجَاهِد وَأَبُو عُبَيْد وَغَيْرهمْ , وَاحْتَجُّوا بِمَا خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَغَيْرهمْ عَنْ صَالِح بْن يَحْيَى بْن الْمِقْدَام بْن مَعْدِيكَرِبَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّه عَنْ خَالِد بْن الْوَلِيد , أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى يَوْم خَيْبَر عَنْ أَكْل لُحُوم الْخَيْل وَالْبِغَال وَالْحَمِير , وَكُلّ ذِي نَابَ مِنْ السِّبَاع أَوْ مِخْلَب مِنْ الطَّيْر . لَفْظ الدَّارَقُطْنِيّ . وَعِنْد النَّسَائِيّ أَيْضًا عَنْ خَالِد بْن الْوَلِيد أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : ( لَا يَحِلّ أَكْل لُحُوم الْخَيْل وَالْبِغَال وَالْحَمِير ) . وَقَالَ الْجُمْهُور مِنْ الْفُقَهَاء وَالْمُحَدِّثِينَ : هِيَ مُبَاحَة . وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَة . وَشَذَّتْ طَائِفَة فَقَالَتْ بِالتَّحْرِيمِ ; مِنْهُمْ الْحَكَم كَمَا ذَكَرْنَا , وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَة . حَكَى الثَّلَاث رِوَايَات عَنْهُ الرُّويَانِيّ فِي بَحْر الْمَذْهَب عَلَى مَذْهَب الشَّافِعِيّ .</p><p>قُلْت : الصَّحِيح الَّذِي يَدُلّ عَلَيْهِ النَّظَر وَالْخَبَر جَوَاز أَكْل لُحُوم الْخَيْل , وَأَنَّ الْآيَة وَالْحَدِيث لَا حُجَّة فِيهِمَا لَازِمَة . أَمَّا الْآيَة فَلَا دَلِيل فِيهَا عَلَى تَحْرِيم الْخَيْل . إِذْ لَوْ دَلَّتْ عَلَيْهِ لَدَلَّتْ عَلَى تَحْرِيم لُحُوم الْحُمُر , وَالسُّورَة مَكِّيَّة , وَأَيّ حَاجَة كَانَتْ إِلَى تَجْدِيد تَحْرِيم لُحُوم الْحُمُر عَام خَيْبَر وَقَدْ ثَبَتَ فِي الْأَخْبَار تَحْلِيل الْخَيْل عَلَى مَا يَأْتِي . وَأَيْضًا لَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى الْأَنْعَام ذَكَرَ الْأَغْلَب مِنْ مَنَافِعهَا وَأَهَمّ مَا فِيهَا , وَهُوَ حَمْل الْأَثْقَال وَالْأَكْل , وَلَمْ يَذْكُر الرُّكُوب وَلَا الْحَرْث بِهَا وَلَا غَيْر ذَلِكَ مُصَرَّحًا بِهِ , وَقَدْ تُرْكَب وَيُحْرَث بِهَا ; قَالَ اللَّه تَعَالَى : | الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الْأَنْعَام لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ | [ غَافِر : 79 ] . وَقَالَ فِي الْخَيْل : | لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَة | فَذَكَرَ أَيْضًا أَغْلَب مَنَافِعهَا وَالْمَقْصُود مِنْهَا , وَلَمْ يَذْكُر حَمْل الْأَثْقَال عَلَيْهَا , وَقَدْ تُحْمَل كَمَا هُوَ مُشَاهَد فَلِذَلِكَ لَمْ يَذْكُر الْأَكْل . وَقَدْ بَيَّنَهُ عَلَيْهِ السَّلَام الَّذِي جَعَلَ إِلَيْهِ بَيَان مَا أَنْزَلَ عَلَيْهِ مَا يَأْتِي , وَلَا يَلْزَم مِنْ كَوْنهَا خُلِقَتْ لِلرُّكُوبِ وَالزِّينَة أَلَّا تُؤْكَل , فَهَذِهِ الْبَقَرَة قَدْ أَنْطَقَهَا خَالِقهَا الَّذِي أَنْطَقَ كُلّ شَيْء فَقَالَتْ : إِنَّمَا خُلِقَتْ لِلْحَرْثِ . فَيَلْزَم مَنْ عَلَّلَ أَنَّ الْخَيْل لَا تُؤْكَل لِأَنَّهَا خُلِقَتْ لِلرُّكُوبِ أَلَّا تُؤْكَل الْبَقَر لِأَنَّهَا خُلِقَتْ لِلْحَرْثِ . وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى جَوَاز أَكْلهَا , فَكَذَلِكَ الْخَيْل بِالسُّنَّةِ الثَّابِتَة فِيهَا . رَوَى مُسْلِم مِنْ حَدِيث جَابِر قَالَ : نَهَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْم خَيْبَر عَنْ لُحُوم الْحُمُر الْأَهْلِيَّة وَأَذِنَ فِي لُحُوم الْخَيْل . وَقَالَ النَّسَائِيّ عَنْ جَابِر : أَطْعَمَنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْم خَيْبَر لُحُوم الْخَيْل وَنَهَانَا عَنْ لُحُوم الْحُمُر . وَفِي رِوَايَة عَنْ جَابِر قَالَ : كُنَّا نَأْكُل لُحُوم الْخَيْل عَلَى عَهْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . فَإِنْ قِيلَ : الرِّوَايَة عَنْ جَابِر بِأَنَّهُمْ أَكَلُوهَا فِي خَيْبَر حِكَايَة حَال وَقَضِيَّة فِي عَيْن , فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُونُوا ذَبَحُوا لِضَرُورَةٍ , وَلَا يُحْتَجّ بِقَضَايَا الْأَحْوَال . قُلْنَا : الرِّوَايَة عَنْ جَابِر وَإِخْبَاره بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَأْكُلُونَ لُحُوم الْخَيْل عَلَى عَهْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُزِيل ذَلِكَ الِاحْتِمَال , وَلَئِنْ سَلَّمْنَاهُ فَمَعَنَا حَدِيث أَسْمَاء قَالَتْ : نَحَرْنَا فَرَسًا عَلَى عَهْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَحْنُ بِالْمَدِينَةِ فَأَكَلْنَاهُ ; رَوَاهُ مُسْلِم . وَكُلّ تَأْوِيل مِنْ غَيْر تَرْجِيح فِي مُقَابَلَة النَّصّ فَإِنَّمَا هُوَ دَعْوَى , لَا يُلْتَفَت إِلَيْهِ وَلَا يُعَرَّج عَلَيْهِ . وَقَدْ رَوَى الدَّارَقُطْنِيّ زِيَادَة حَسَنَة تَرْفَع كُلّ تَأْوِيل فِي حَدِيث أَسْمَاء , قَالَتْ أَسْمَاء : كَانَ لَنَا فَرَس عَلَى عَهْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرَادَتْ أَنْ تَمُوت فَذَبَحْنَاهَا فَأَكَلْنَاهَا . فَذَبْحهَا إِنَّمَا كَانَ لِخَوْفِ الْمَوْت عَلَيْهَا لَا لِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَحْوَال . وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيق . فَإِنْ قِيلَ : حَيَوَان مِنْ ذَوَات الْحَوَافِر فَلَا يُؤْكَل كَالْحِمَارِ ؟ قُلْنَا : هَذَا قِيَاس الشَّبَه وَقَدْ اِخْتَلَفَ أَرْبَاب الْأُصُول فِي الْقَوْل بِهِ , وَلَئِنْ سَلَّمْنَاهُ فَهُوَ مُنْتَقِض بِالْخِنْزِيرِ ; فَإِنَّهُ ذُو ظِلْف وَقَدْ بَايَنَ ذَوَات الْأَظْلَاف , وَعَلَى أَنَّ الْقِيَاس إِذَا كَانَ فِي مُقَابَلَة النَّصّ فَهُوَ فَاسِد الْوَضْع لَا اِلْتِفَات إِلَيْهِ . قَالَ الطَّبَرِيّ : وَفِي إِجْمَاعهمْ عَلَى جَوَاز رُكُوب مَا ذُكِرَ لِلْأَكْلِ دَلِيل عَلَى جَوَاز أَكْل مَا ذُكِرَ لِلرُّكُوبِ .</p><p>وَأَمَّا الْبِغَال فَإِنَّهَا تُلْحَق بِالْحَمِيرِ , إِنْ قُلْنَا إِنَّ الْخَيْل لَا تُؤْكَل ; فَإِنَّهَا تَكُون مُتَوَلِّدَة مِنْ عَيْنَيْنِ لَا يُؤْكَلَانِ . وَإِنْ قُلْنَا إِنَّ الْخَيْل تُؤْكَل , فَإِنَّهَا عَيْن مُتَوَلِّدَة مِنْ مَأْكُول وَغَيْر مَأْكُول فَغُلِّبَ التَّحْرِيم عَلَى مَا يَلْزَم فِي الْأُصُول . وَكَذَلِكَ ذَبْح الْمَوْلُود بَيْن كَافِرَيْنِ أَحَدهمَا مِنْ أَهْل الذَّكَاة وَالْآخَر لَيْسَ مِنْ أَهْلهَا , لَا تَكُون ذَكَاة وَلَا تَحِلّ بِهِ الذَّبِيحَة . وَقَدْ مَضَى فِي | الْأَنْعَام | الْكَلَام فِي تَحْرِيم الْحُمُر فَلَا مَعْنَى لِلْإِعَادَةِ وَقَدْ عُلِّلَ تَحْرِيم أَكْل الْحِمَار بِأَنَّهُ أَبْدَى جَوْهَره الْخَبِيث حَيْثُ نَزَا عَلَى ذَكَر وَتَلَوَّط ; فَسُمِّيَ رِجْسًا .</p><p>فِي الْآيَة دَلِيل عَلَى أَنَّ الْخَيْل لَا زَكَاة فِيهَا ; لِأَنَّ اللَّه سُبْحَانه مَنَّ عَلَيْنَا بِمَا أَبَاحَنَا مِنْهَا وَكَرَّمَنَا بِهِ مِنْ مَنَافِعهَا , فَغَيْر جَائِز أَنْ يَلْزَم فِيهَا كُلْفَة إِلَّا بِدَلِيلٍ . وَقَدْ رَوَى مَالِك عَنْ عَبْد اللَّه بْن دِينَار عَنْ سُلَيْمَان بْن يَسَار عَنْ عِرَاك بْن مَالِك عَنْ أَبِي هُرَيْرَة أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِم فِي عَبْده وَلَا فَرَسه صَدَقَة ) . وَرَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( لَيْسَ فِي الْخَيْل وَالرَّقِيق زَكَاة إِلَّا زَكَاة الْفِطْر فِي الرَّقِيق ) . وَبِهِ قَالَ مَالِك وَالشَّافِعِيّ وَالْأَوْزَاعِيّ وَاللَّيْث وَأَبُو يُوسُف وَمُحَمَّد . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة : إِنْ كَانَتْ إِنَاثًا كُلّهَا أَوْ ذُكُورًا وَإِنَاثًا , فَفِي كُلّ فَرَس دِينَار إِذَا كَانَتْ سَائِمَة , وَإِنْ شَاءَ قَوَّمَهَا فَأَخْرَجَ عَنْ كُلّ مِائَتَيْ دِرْهَم خَمْسَة دَرَاهِم . وَاحْتَجَّ بِأَثَرٍ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : ( فِي الْخَيْل السَّائِمَة فِي كُلّ فَرَس دِينَار ) وَبِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( الْخَيْل ثَلَاثَة . .. ) الْحَدِيث . وَفِيهِ : ( وَلَمْ يَنْسَ حَقّ اللَّه فِي رِقَابهَا وَلَا ظُهُورهَا ) . وَالْجَوَاب عَنْ الْأَوَّل أَنَّهُ حَدِيث لَمْ يَرْوِهِ إِلَّا غَوْرَك السَّعْدِيّ عَنْ جَعْفَر عَنْ مُحَمَّد عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَابِر . قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : تَفَرَّدَ بِهِ غَوْرَك عَنْ جَعْفَر وَهُوَ ضَعِيف جِدًّا , وَمَنْ دُونه ضُعَفَاء . وَأَمَّا الْحَدِيث فَالْحَقّ الْمَذْكُور فِيهِ هُوَ الْخُرُوج عَلَيْهَا إِذَا وَقَعَ النَّفِير وَتَعَيَّنَ بِهَا لِقِتَالِ الْعَدُوّ إِذَا تَعَيَّنَ ذَلِكَ عَلَيْهِ , وَيَحْمِل الْمُنْقَطِعِينَ عَلَيْهَا إِذَا اِحْتَاجُوا لِذَلِكَ , وَهَذَا وَاجِب عَلَيْهِ إِذَا تَعَيَّنَ ذَلِكَ , كَمَا يَتَعَيَّن عَلَيْهِ أَنْ يُطْعِمهُمْ عِنْد الضَّرُورَة , فَهَذِهِ حُقُوق اللَّه فِي رِقَابهَا . فَإِنْ قِيلَ : هَذَا هُوَ الْحَقّ الَّذِي فِي ظُهُورهَا وَبَقِيَ الْحَقّ الَّذِي فِي رِقَابهَا ; قِيلَ : قَدْ رُوِيَ ( لَا يَنْسَى حَقّ اللَّه فِيهَا ) وَلَا فَرْق بَيْن قَوْله : ( حَقّ اللَّه فِيهَا ) أَوْ ( فِي رِقَابهَا وَظُهُورهَا ) فَإِنَّ الْمَعْنَى يَرْجِع إِلَى شَيْء وَاحِد ; لِأَنَّ الْحَقّ يَتَعَلَّق بِجُمْلَتِهَا . وَقَدْ قَالَ جَمَاعَة مِنْ الْعُلَمَاء : إِنَّ الْحَقّ هُنَا حُسْن مِلْكهَا وَتَعَهُّد شِبَعهَا وَالْإِحْسَان إِلَيْهَا وَرُكُوبهَا غَيْر مَشْقُوق عَلَيْهَا ; كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيث ( لَا تَتَّخِذُوا ظُهُورهَا كَرَاسِيّ ) . وَإِنَّمَا خَصَّ رِقَابهَا بِالذِّكْرِ لِأَنَّ الرِّقَاب وَالْأَعْنَاق تُسْتَعَار كَثِيرًا فِي مَوَاضِع الْحُقُوق اللَّازِمَة وَالْفُرُوض الْوَاجِبَة ; وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى : | فَتَحْرِير رَقَبَة مُؤْمِنَة | [ النِّسَاء : 92 ] وَكَثُرَ عِنْدهمْ اِسْتِعْمَال ذَلِكَ وَاسْتِعَارَته حَتَّى جَعَلُوهُ فِي الرِّبَاع وَالْأَمْوَال ; أَلَا تَرَى قَوْل كُثَيِّر : <br>غَمْر الرِّدَاء إِذَا تَبَسَّمَ ضَاحِكًا .......... غَلِقَتْ لِضَحْكَتِهِ رِقَاب الْمَال <br>وَأَيْضًا فَإِنَّ الْحَيَوَان الَّذِي تَجِب فِيهِ الزَّكَاة لَهُ نِصَاب مِنْ جِنْسه , وَلَمَّا خَرَجَتْ الْخَيْل عَنْ ذَلِكَ عَلِمْنَا سُقُوط الزَّكَاة فِيهَا . وَأَيْضًا فَإِيجَابه الزَّكَاة فِي إِنَاثهَا مُنْفَرِدَة دُون الذُّكُور تَنَاقَضَ مِنْهُ . وَلَيْسَ فِي الْحَدِيث فَصْل بَيْنهمَا . وَنَقِيس الْإِنَاث عَلَى الذُّكُور فِي نَفْي الصَّدَقَة بِأَنَّهُ حَيَوَان مُقْتَنًى لِنَسْلِهِ لَا لِدَرِّهِ , وَلَا تَجِب الزَّكَاة فِي ذُكُوره فَلَمْ تَجِب فِي إِنَاثه كَالْبِغَالِ وَالْحَمِير . وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ لَا زَكَاة فِي إِنَاثهَا وَإِنْ اِنْفَرَدَتْ كَذُكُورِهَا مُنْفَرِدَة , وَهَذَا الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُور . قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : الْخَبَر فِي صَدَقَة الْخَيْل عَنْ عُمَر صَحِيح مِنْ حَدِيث الزُّهْرِيّ وَغَيْره . وَقَدْ رُوِيَ مِنْ حَدِيث مَالِك , وَرَوَاهُ عَنْهُ جُوَيْرِيَة عَنْ الزُّهْرِيّ أَنَّ السَّائِب بْن يَزِيد قَالَ : لَقَدْ رَأَيْت أَبِي يُقَوِّم الْخَيْل ثُمَّ يَدْفَع صَدَقَتهَا إِلَى عُمَر . وَهَذَا حُجَّة لِأَبِي حَنِيفَة وَشَيْخه حَمَّاد بْن أَبِي سُلَيْمَان , لَا أَعْلَم أَحَدًا مِنْ فُقَهَاء الْأَمْصَار أَوْجَبَ الزَّكَاة فِي الْخَيْل غَيْرهمَا . تَفَرَّدَ بِهِ جُوَيْرِيَة عَنْ مَالِك وَهُوَ ثِقَة .</p><p>قَوْله تَعَالَى : | وَزِينَة | مَنْصُوب بِإِضْمَارِ فِعْل , الْمَعْنَى : وَجَعَلَهَا زِينَة . وَقِيلَ : هُوَ مَفْعُول مِنْ أَجْله . وَالزِّينَة : مَا يُتَزَيَّن بِهِ , وَهَذَا الْجَمَال وَالتَّزْيِين وَإِنْ كَانَ مِنْ مَتَاع الدُّنْيَا فَقَدْ أَذِنَ اللَّه سُبْحَانه لِعِبَادِهِ فِيهِ ; قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( الْإِبِل عِزّ لِأَهْلِهَا وَالْغَنَم بَرَكَة وَالْخَيْل فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْر ) . خَرَّجَهُ الْبَرْقَانِيّ وَابْن مَاجَهْ فِي السُّنَن . وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْأَنْعَام وَإِنَّمَا جَمَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعِزّ فِي الْإِبِل ; لِأَنَّ فِيهَا اللِّبَاس وَالْأَكْل وَاللَّبَن وَالْحَمْل وَالْغَزْو وَإِنْ نَقَصَهَا الْكَرّ وَالْفَرّ وَجَعَلَ الْبَرَكَة فِي الْغَنَم لِمَا فِيهَا مِنْ اللِّبَاس وَالطَّعَام وَالشَّرَاب وَكَثْرَة الْأَوْلَاد ; فَإِنَّهَا تَلِد فِي الْعَام ثَلَاث مَرَّات إِلَى مَا يَتْبَعهَا مِنْ السَّكِينَة , وَتَحْمِل صَاحِبهَا عَلَيْهِ مِنْ خَفْض الْجَنَاح وَلِين الْجَانِب ; بِخِلَافِ الْفَدَّادِينَ أَهْل الْوَبَر . وَقَرَنَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْخَيْر بِنَوَاصِي الْخَيْل بَقِيَّة الدَّهْر لِمَا فِيهَا مِنْ الْغَنِيمَة الْمُسْتَفَادَة لِلْكَسْبِ وَالْمَعَاش , وَمَا يُوصَل إِلَيْهِ مِنْ قَهْر الْأَعْدَاء وَغَلْب الْكُفَّار وَإِعْلَاء كَلِمَة اللَّه تَعَالَى .|وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ|قَالَ الْجُمْهُور : مِنْ الْخَلْق . وَقِيلَ : مِنْ أَنْوَاع الْحَشَرَات وَالْهَوَامّ فِي أَسَافِل الْأَرْض وَالْبَرّ وَالْبَحْر مِمَّا لَمْ يَرَهُ الْبَشَر وَلَمْ يَسْمَعُوا بِهِ . وَقِيلَ : وَيَخْلُق مَا لَا تَعْلَمُونَ | مِمَّا أَعَدَّ اللَّه فِي الْجَنَّة لِأَهْلِهَا وَفِي النَّار لِأَهْلِهَا , مِمَّا لَمْ تَرَهُ عَيْن وَلَمْ تَسْمَع بِهِ أُذُن وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْب بَشَر . وَقَالَ قَتَادَة وَالسُّدِّيّ : هُوَ خَلْق السُّوس فِي الثِّيَاب وَالدُّود فِي الْفَوَاكِه . اِبْن عَبَّاس : عَيْن تَحْت الْعَرْش ; حَكَاهُ الْمَاوَرْدِيّ . الثَّعْلَبِيّ : وَقَالَ اِبْن عَبَّاس عَنْ يَمِين الْعَرْش نَهْر مِنْ النُّور مِثْل السَّمَوَات السَّبْع وَالْأَرَضِينَ السَّبْع وَالْبِحَار السَّبْع سَبْعِينَ مَرَّة , يَدْخُلهُ جِبْرِيل كُلّ سَحَر فَيَغْتَسِل فَيَزْدَاد نُورًا إِلَى نُوره وَجَمَالًا إِلَى جَمَاله وَعِظَمًا إِلَى عِظَمه , ثُمَّ يَنْتَفِض فَيُخْرِج اللَّه مِنْ كُلّ رِيشَة سَبْعِينَ أَلْف قَطْرَة , وَيُخْرِج مِنْ كُلّ قَطْرَة سَبْعَة آلَاف مَلَك , يَدْخُل مِنْهُمْ كُلّ يَوْم سَبْعُونَ أَلْف مَلَك إِلَى الْبَيْت الْمَعْمُور , وَفِي الْكَعْبَة سَبْعُونَ أَلْفًا لَا يَعُودُونَ إِلَيْهِ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة . وَقَوْل خَامِس : وَهُوَ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهَا أَرْض بَيْضَاء , مَسِيرَة الشَّمْس ثَلَاثِينَ يَوْمًا مَشْحُونَة خَلْقًا لَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّه تَعَالَى يُعْصَى فِي الْأَرْض , قَالُوا : يَا رَسُول اللَّه , مِنْ وَلَد آدَم ؟ قَالَ : ( لَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّه خَلَقَ آدَم ) . قَالُوا : يَا رَسُول اللَّه , فَأَيْنَ إِبْلِيس مِنْهُمْ ؟ قَالَ : ( لَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّه خَلَقَ إِبْلِيس ) - ثُمَّ تَلَا | وَيَخْلُق مَا لَا تَعْلَمُونَ | ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيّ .</p><p>قُلْت : وَمِنْ هَذَا الْمَعْنَى مَا ذَكَرَ الْبَيْهَقِيّ عَنْ الشَّعْبِيّ قَالَ : إِنَّ لِلَّهِ عِبَادًا مِنْ وَرَاء الْأَنْدَلُس كَمَا بَيْننَا وَبَيْن الْأَنْدَلُس , مَا يَرَوْنَ أَنَّ اللَّه عَصَاهُ مَخْلُوق , رَضْرَاضهمْ الدُّرّ وَالْيَاقُوت وَجِبَالهمْ الذَّهَب وَالْفِضَّة , لَا يَحْرُثُونَ وَلَا يَزْرَعُونَ وَلَا يَعْمَلُونَ عَمَلًا , لَهُمْ شَجَر عَلَى أَبْوَابهمْ لَهَا ثَمَر هِيَ طَعَامهمْ وَشَجَر لَهَا أَوْرَاق عِرَاض هِيَ لِبَاسهمْ ; ذَكَرَهُ فِي بَدْء الْخَلْق مِنْ | كِتَاب الْأَسْمَاء وَالصِّفَات | . وَخَرَّجَ مِنْ حَدِيث مُوسَى بْن عُقْبَة عَنْ مُحَمَّد بْن الْمُنْكَدِر عَنْ جَابِر بْن عَبْد اللَّه الْأَنْصَارِيّ أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أُذِنَ لِي أَنْ أُحَدِّث عَنْ مَلَك مِنْ مَلَائِكَة اللَّه مِنْ حَمَلَة الْعَرْش مَا بَيْن شَحْمَة أُذُنه إِلَى عَاتِقه مَسِيرَة سَبْعمِائَةِ عَام ) .

وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ

أَيْ عَلَى اللَّه بَيَان قَصْد السَّبِيل , فَحَذَفَ الْمُضَاف وَهُوَ الْبَيَان . وَالسَّبِيل : الْإِسْلَام , أَيْ عَلَى اللَّه بَيَانه بِالرُّسُلِ وَالْحِجَج وَالْبَرَاهِين . وَقَصْد السَّبِيل : اِسْتِعَانَة الطَّرِيق ; يُقَال : طَرِيق قَاصِد أَيْ يُؤَدِّي إِلَى الْمَطْلُوب .|وَمِنْهَا جَائِرٌ|أَيْ وَمِنْ السَّبِيل جَائِر ; أَيْ عَادِل عَنْ الْحَقّ فَلَا يُهْتَدَى بِهِ ; وَمِنْهُ قَوْل اِمْرِئِ الْقَيْس : <br>وَمِنْ الطَّرِيقَة جَائِر وَهُدًى .......... قَصْد السَّبِيل وَمِنْهُ ذُو دَخَل <br>وَقَالَ طَرَفَة : <br>عَدَوْلِيَّةٌ أَوْ مِنْ سَفِين اِبْن يَامِن .......... يَجُور بِهَا الْمَلَّاح طَوْرًا وَيَهْتَدِي <br>الْعَدْوَلِيَّة سَفِينَة مَنْسُوبَة إِلَى عَدْوَلَى قَرْيَة بِالْبَحْرَيْنِ . وَالْعَدْوَلِيّ : الْمَلَّاح ; قَالَهُ فِي الصِّحَاح . وَفِي التَّنْزِيل | وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُل | [ الْأَنْعَام : 153 ] . وَقَدْ تَقَدَّمَ وَقِيلَ : الْمَعْنَى وَمِنْهُمْ جَائِر عَنْ سَبِيل الْحَقّ , أَيْ عَادِل عَنْهُ فَلَا يَهْتَدِي إِلَيْهِ . وَفِيهِمْ قَوْلَانِ : أَحَدهمَا : أَنَّهُمْ أَهْل الْأَهْوَاء الْمُخْتَلِفَة ; قَالَهُ اِبْن عَبَّاس . الثَّانِي : مِلَل الْكُفْر مِنْ الْيَهُودِيَّة وَالْمَجُوسِيَّة وَالنَّصْرَانِيَّة . وَفِي مُصْحَف عَبْد اللَّه | وَمِنْكُمْ جَائِر | وَكَذَا قَرَأَ عَلِيّ | وَمِنْكُمْ | بِالْكَافِ . وَقِيلَ : الْمَعْنَى وَعَنْهَا جَائِر ; أَيْ عَنْ السَّبِيل . ف | مِنْ | بِمَعْنَى عَنْ . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : أَيْ مَنْ أَرَادَ اللَّه أَنْ يَهْدِيَهُ سَهَّلَ لَهُ طَرِيق الْإِيمَان , وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُضِلّهُ ثَقُلَ عَلَيْهِ الْإِيمَان وَفُرُوعه . وَقِيلَ : مَعْنَى | قَصْد السَّبِيل | مَسِيركُمْ وَرُجُوعكُمْ . وَالسَّبِيل وَاحِدَة بِمَعْنَى الْجَمْع , وَلِذَلِكَ أَنَّثَ الْكِنَايَة فَقَالَ : | وَمِنْهَا | وَالسَّبِيل مُؤَنَّثَة فِي لُغَة أَهْل الْحِجَاز .|وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ|بَيَّنَ أَنَّ الْمَشِيئَة لِلَّهِ تَعَالَى , وَهُوَ يُصَحِّح مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ اِبْن عَبَّاس فِي تَأْوِيل الْآيَة , وَيَرُدّ عَلَى الْقَدَرِيَّة وَمَنْ وَافَقَهَا كَمَا تَقَدَّمَ .

هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ

الشَّرَاب مَا يُشْرَب , وَالشَّجَر مَعْرُوف . أَيْ يُنْبِت مِنْ الْأَمْطَار أَشْجَارًا وَعُرُوشًا وَنَبَاتًا . و | تُسِيمُونَ | تَرْعُونَ إِبِلكُمْ ; يُقَال : سَامَتْ السَّائِمَة تَسُوم سَوْمًا أَيْ رَعَتْ , فَهِيَ سَائِمَة . وَالسَّوَام وَالسَّائِم بِمَعْنَى , وَهُوَ الْمَال الرَّاعِي . وَجَمْع السَّائِم وَالسَّائِمَة سَوَائِم . وَأَسَمْتهَا أَنَا أَيْ أَخْرَجْتهَا إِلَى الرَّعْي , فَأَنَا مُسِيم وَهِيَ مُسَامَة وَسَائِمَة . قَالَ : <br>أَوْلَى لَك اِبْن مُسِمَة الْأَجْمَال <br>وَأَصْل السَّوْم الْإِبْعَاد فِي الْمَرْعَى . وَقَالَ الزَّجَّاج : أُخِذَ مِنْ السُّومَة وَهِيَ الْعَلَامَة ; أَيْ أَنَّهَا تُؤَثِّر فِي الْأَرْض عَلَامَات بِرَعْيِهَا , أَوْ لِأَنَّهَا تُعَلَّم لِلْإِرْسَالِ فِي الْمَرْعَى .</p><p>قُلْت : وَالْخَيْل الْمُسَوَّمَة تَكُون الْمَرْعِيَّة . وَتَكُون الْمُعَلَّمَة . وَقَوْله : | مُسَوَّمِينَ | [ آل عِمْرَان : 125 ] قَالَ الْأَخْفَش تَكُون مُعَلَّمِينَ وَتَكُون مُرْسَلِينَ ; مِنْ قَوْلك : سَوَّمَ فِيهَا الْخَيْل أَيْ أَرْسَلَهَا , وَمِنْهُ السَّائِمَة , وَإِنَّمَا جَاءَ بِالْيَاءِ وَالنُّون لِأَنَّ الْخَيْل سُوِّمَتْ وَعَلَيْهَا رُكْبَانهَا .

يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ

قَرَأَ أَبُو بَكْر عَنْ عَاصِم | نُنْبِت | بِالنُّونِ عَلَى التَّعْظِيم . الْعَامَّة بِالْيَاءِ عَلَى مَعْنَى يُنْبِت اللَّه لَكُمْ ; يُقَال : نَبَتَتْ الْأَرْض وَأَنْبَتَتْ بِمَعْنًى , وَنَبَتَ الْبَقْل وَأَنْبَتَ بِمَعْنًى . وَأَنْشَدَ الْفَرَّاء : <br>رَأَيْت ذَوِي الْحَاجَات حَوْل بُيُوتهمْ .......... قَطِينًا بِهَا حَتَّى إِذَا أَنْبَتَ الْبَقْل <br>أَيْ نَبَتَ . وَأَنْبَتَهُ اللَّه فَهُوَ مَنْبُوت , عَلَى غَيْر قِيَاس . وَأَنْبَتَ الْغُلَام نَبَتَتْ عَانَته . وَنَبَتَ الشَّجَر غَرْسه ; يُقَال : نَبَتَ أَجَلك بَيْن عَيْنَيْك . وَنَبَتَ الصَّبِيّ تَنْبِيتًا رَبَّيْته . وَالْمَنْبَت مَوْضِع النَّبَات ; يُقَال : مَا أَحْسَنَ نَابِتَة بَنِي فُلَان ; أَيْ مَا يَنْبُت عَلَيْهِ أَمْوَالهمْ وَأَوْلَادهمْ . وَنَبَتَتْ لَهُمْ نَابِتَة إِذَا نَشَأَ لَهُمْ نَشْء صِغَار . وَإِنَّ بَنِي فُلَان لَنَابِتَة شَرّ . وَالنَّوَابِت مِنْ الْأَحْدَاث الْأَغْمَار . وَالنَّبِيت حَيّ مِنْ الْيَمَن . وَالْيَنْبُوت شَجَر ; كُلّه عَنْ الْجَوْهَرِيّ . | وَالزَّيْتُون | جَمْع زَيْتُونَة . وَيُقَال لِلشَّجَرَةِ نَفْسهَا : زَيْتُونَة , وَلِلثَّمَرَةِ زَيْتُونَة . وَقَدْ مَضَى فِي سُورَة | الْأَنْعَام | حُكْم زَكَاة هَذِهِ الثِّمَار فَلَا مَعْنَى لِلْإِعَادَةِ .|إِنَّ فِي ذَلِكَ|أَيْ الْإِنْزَال وَالْإِنْبَات .|لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ|أَيْ دَلَالَة | لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ | .

وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ

أَيْ لِلسُّكُونِ وَالْأَعْمَال ; كَمَا قَالَ : | وَمِنْ رَحْمَته جَعَلَ لَكُمْ اللَّيْل وَالنَّهَار لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْله | [ الْقَصَص : 73 ] .|وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ|أَيْ مُذَلَّلَات لِمَعْرِفَةِ الْأَوْقَات وَنُضْج الثِّمَار وَالزَّرْع وَالِاهْتِدَاء بِالنُّجُومِ فِي الظُّلُمَات . وَقَرَأَ اِبْن عَامِر وَأَهْل الشَّام | وَالشَّمْس وَالْقَمَر وَالنُّجُوم مُسَخَّرَات | بِالرَّفْعِ عَلَى الِابْتِدَاء وَالْخَبَر . الْبَاقُونَ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلَى مَا قَبْله . وَقَرَأَ حَفْص عَنْ عَاصِم بِرَفْعِ | وَالنُّجُوم | , | مُسَخَّرَات | خَبَره . وَقُرِئَ | وَالشَّمْس وَالْقَمَر وَالنُّجُوم | بِالنَّصْبِ . | مُسَخَّرَات | بِالرَّفْعِ , وَهُوَ خَبَر اِبْتِدَاء مَحْذُوف أَيْ هِيَ مُسَخَّرَات , وَهِيَ فِي قِرَاءَة مَنْ نَصَبَهَا حَال مُؤَكَّدَة ; كَقَوْلِهِ : | وَهُوَ الْحَقّ مُصَدِّقًا | [ الْبَقَرَة : 91 ] .|إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ|أَيْ يَعْقِلُونَ عَنْ اللَّه مَا نَبَّهَهُمْ عَلَيْهِ وَوَفَّقَهُمْ لَهُ .

وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ

أَيْ وَسَخَّرَ مَا ذَرَأَ فِي الْأَرْض لَكُمْ . | ذَرَأَ | أَيْ خَلَقَ ; ذَرَأَ اللَّه الْخَلْق يَذْرَؤُهُمْ ذَرْءًا خَلَقَهُمْ , فَهُوَ ذَارِئ ; وَمِنْهُ الذُّرِّيَّة وَهِيَ نَسْل الثَّقَلَيْنِ , إِلَّا أَنَّ الْعَرَب تَرَكَتْ هَمْزهَا , وَالْجَمْع الذَّرَارِيّ . يُقَال : أَنْمَى اللَّه ذَرْأَك وَذَرْوَك , أَيْ ذُرِّيَّتك . وَأَصْل الذَّرْو وَالذَّرْء التَّفْرِيق عَنْ جَمْع . وَفِي الْحَدِيث : ذَرْء النَّار ; أَيْ أَنَّهُمْ خُلِقُوا لَهَا .</p><p>مَا ذَرَأَهُ اللَّه سُبْحَانه مِنْهُ مُسَخَّر مُذَلَّل كَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَام وَالْأَشْجَار وَغَيْرهَا , وَمِنْهُ غَيْر ذَلِكَ . وَالدَّلِيل عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ مَالِك فِي الْمُوَطَّأ عَنْ كَعْب الْأَحْبَار قَالَ : لَوْلَا كَلِمَات أَقُولهُنَّ لَجَعَلَتْنِي يَهُود حِمَارًا . فَقِيلَ لَهُ : وَمَا هُنَّ ؟ فَقَالَ : أَعُوذ بِوَجْهِ اللَّه الْعَظِيم الَّذِي لَيْسَ شَيْء أَعْظَم مِنْهُ , وَبِكَلِمَاتِ اللَّه التَّامَّات الَّتِي لَا يُجَاوِزهُنَّ بَرّ وَلَا فَاجِر , وَبِأَسْمَاءِ اللَّه الْحُسْنَى كُلّهَا مَا عَلِمْت مِنْهَا وَمَا لَمْ أَعْلَم , مِنْ شَرّ مَا خَلَقَ وَبَرَأَ وَذَرَأَ . وَفِيهِ عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد أَنَّهُ قَالَ : أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَأَى عِفْرِيتًا مِنْ الْجِنّ يَطْلُبهُ بِشُعْلَةٍ مِنْ نَار , الْحَدِيث . وَفِيهِ : وَشَرّ مَا ذَرَأَ فِي الْأَرْض . وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ وَمَا فِي مَعْنَاهُ فِي غَيْر هَذَا الْمَوْضِع .|مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ|| مُخْتَلِفًا | نُصِبَ عَلَى الْحَال . و | أَلْوَانه | هَيْئَاته وَمَنَاظِره , يَعْنِي الدَّوَابّ وَالشَّجَر وَغَيْرهَا .|إِنَّ فِي ذَلِكَ|أَيْ فِي اِخْتِلَاف أَلْوَانهَا .|لَآيَةً|أَيْ لَعِبْرَة .|لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ|أَيْ يَتَّعِظُونَ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ فِي تَسْخِير هَذِهِ الْمُكَوَّنَات لَعَلَامَات عَلَى وَحْدَانِيَّة اللَّه تَعَالَى , وَأَنَّهُ لَا يَقْدِر عَلَى ذَلِكَ أَحَد غَيْره .

وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ

تَسْخِير الْبَحْر هُوَ تَمْكِين الْبَشَر مِنْ التَّصَرُّف فِيهِ وَتَذْلِيله بِالرُّكُوبِ وَالْإِرْفَاء وَغَيْره , وَهَذِهِ نِعْمَة مِنْ نِعَم اللَّه عَلَيْنَا , فَلَوْ شَاءَ سَلَّطَهُ عَلَيْنَا وَأَغْرَقَنَا . وَقَدْ مَضَى الْكَلَام فِي الْبَحْر وَفِي صَيْده|لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا|سَمَّاهُ هُنَا لَحْمًا وَاللُّحُوم عِنْد مَالِك ثَلَاثَة أَجْنَاس : فَلَحْم ذَوَات الْأَرْبَع جِنْس , وَلَحْم ذَوَات الرِّيش جِنْس , وَلَحْم ذَوَات الْمَاء جِنْس . فَلَا يَجُوز بَيْع الْجِنْس مِنْ جِنْسه مُتَفَاضِلًا , وَيَجُوز بَيْع لَحْم الْبَقَر وَالْوَحْش بِلَحْمِ الطَّيْر وَالسَّمَك مُتَفَاضِلًا , وَكَذَلِكَ لَحْم الطَّيْر بِلَحْمِ الْبَقَر وَالْوَحْش وَالسَّمَك يَجُوز مُتَفَاضِلًا . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة : اللَّحْم كُلّهَا أَصْنَاف مُخْتَلِفَة كَأُصُولِهَا ; فَلَحْم الْبَقَر صِنْف , وَلَحْم الْغَنَم صِنْف , وَلَحْم الْإِبِل صِنْف , وَكَذَلِكَ الْوَحْش مُخْتَلِف , كَذَلِكَ الطَّيْر , وَكَذَلِكَ السَّمَك , وَهُوَ أَحَد قَوْلَيْ الشَّافِعِيّ . وَالْقَوْل الْآخَر أَنَّ الْكُلّ مِنْ النَّعَم وَالصَّيْد وَالطَّيْر وَالسَّمَك جِنْس وَاحِد لَا يَجُوز التَّفَاضُل فِيهِ . وَالْقَوْل الْأَوَّل هُوَ الْمَشْهُور مِنْ مَذْهَبه عِنْد أَصْحَابه . وَدَلِيلنَا هُوَ أَنَّ اللَّه تَعَالَى فَرَّقَ بَيْن أَسْمَاء الْأَنْعَام فِي حَيَاتهَا فَقَالَ : | ثَمَانِيَة أَزْوَاج مِنْ الضَّأْن اِثْنَيْنِ وَمِنْ الْمَعْز اِثْنَيْنِ | [ الْأَنْعَام : 143 ] ثُمَّ قَالَ : | وَمِنْ|الْإِبِل اِثْنَيْنِ وَمِنْ الْبَقَر اِثْنَيْنِ | فَلَمَّا أَنْ أَمَّ بِالْجَمِيعِ إِلَى اللَّحْم قَالَ : | أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَة الْأَنْعَام | [ الْمَائِدَة : 1 ] فَجَمَعَهَا بِلَحْمٍ وَاحِد لِتَقَارُبِ مَنَافِعهَا كَتَقَارُبِ لَحْم الضَّأْن وَالْمَعْز . وَقَالَ فِي مَوْضِع آخَر : | وَلَحْم طَيْر مِمَّا يَشْتَهُونَ | [ الْوَاقِعَة : 21 ] وَهَذَا جَمْع طَائِر الَّذِي هُوَ الْوَاحِد , لِقَوْلِهِ تَعَالَى : | وَلَا طَائِر يَطِير بِجَنَاحَيْهِ | [ الْأَنْعَام : 38 ] فَجَمَعَ لَحْم الطَّيْر كُلّه بِاسْمٍ وَاحِد . وَقَالَ هُنَا : | لَحْمًا طَرِيًّا | فَجَمَعَ أَصْنَاف السَّمَك بِذِكْرِ وَاحِد , فَكَانَ صِغَاره كَكِبَارِهِ فِي الْجَمْع بَيْنهمَا . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ اِبْن عُمَر أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ لَحْم الْمَعْز بِلَحْمِ الْكِبَاش أَشَيْء وَاحِد ؟ فَقَالَ لَا ; وَلَا مُخَالِف لَهُ فَصَارَ كَالْإِجْمَاعِ , وَاَللَّه أَعْلَم . وَلَا حُجَّة لِلْمُخَالِفِ فِي نَهْيه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْع الطَّعَام إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ ; فَإِنَّ الطَّعَام فِي الْإِطْلَاق يَتَنَاوَل الْحِنْطَة وَغَيْرهَا مِنْ الْمَأْكُولَات وَلَا يَتَنَاوَل اللَّحْم ; أَلَا تَرَى أَنَّ الْقَائِل إِذَا قَالَ : أَكَلْت الْيَوْم طَعَامًا لَمْ يَسْبِق الْفَهْم مِنْهُ إِلَى أَكْل اللَّحْم , وَأَيْضًا فَإِنَّهُ مُعَارِض بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِذَا اِخْتَلَفَ الْجِنْسَانِ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ ) وَهَذَانِ جِنْسَانِ , وَأَيْضًا فَقَدْ اِتَّفَقْنَا عَلَى جَوَاز بَيْع اللَّحْم بِلَحْمِ الطَّيْر مُتَفَاضِلًا لَا لِعِلَّةِ أَنَّهُ بَيْع طَعَام لَا زَكَاة لَهُ بَيْع بِلَحْمٍ لَيْسَ فِيهِ الزَّكَاة , وَكَذَلِكَ بَيْع السَّمَك بِلَحْمِ الطَّيْر مُتَفَاضِلًا .</p><p>وَأَمَّا الْجَرَاد فَالْمَشْهُور عِنْدنَا جَوَاز بَيْع بَعْضه بِبَعْضٍ مُتَفَاضِلًا . وَذُكِرَ عَنْ سَحْنُون أَنَّهُ يَمْنَع مِنْ ذَلِكَ , وَإِلَيْهِ مَالَ بَعْض الْمُتَأَخِّرِينَ وَرَآهُ مِمَّا يُدَّخَر .</p><p>اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِيمَنْ حَلَفَ أَلَّا يَأْكُل لَحْمًا ; فَقَالَ اِبْن الْقَاسِم : يَحْنَث بِكُلِّ نَوْع مِنْ هَذِهِ الْأَنْوَاع الْأَرْبَعَة . وَقَالَ أَشْهَب فِي الْمَجْمُوعَة . لَا يَحْنَث إِلَّا بِكُلِّ لُحُوم الْأَنْعَام دُون الْوَحْش وَغَيْره , مُرَاعَاة لِلْعُرْفِ وَالْعَادَة , وَتَقْدِيمًا لَهَا عَلَى إِطْلَاق اللَّفْظ اللُّغَوِيّ , وَهُوَ أَحْسَن .|وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا|يَعْنِي بِهِ اللُّؤْلُؤ وَالْمَرْجَان ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى : | يَخْرُج مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤ وَالْمَرْجَان | [ الرَّحْمَن : 22 ] . وَإِخْرَاج الْحِلْيَة إِنَّمَا هِيَ فِيمَا عُرِفَ مِنْ الْمِلْح فَقَطْ . وَقَالَ : إِنَّ فِي الزُّمُرُّد بَحْرِيًّا . وَقَدْ خُطِّئَ الْهُذَلِيّ فِي قَوْله فِي وَصْف الدُّرَّة : <br>فَجَاءَ بِهَا مِنْ دُرَّة لَطَمِيَّة .......... عَلَى وَجْههَا مَاء الْفُرَات يَدُوم <br>فَجَعَلَهَا مِنْ الْمَاء الْحُلْو . فَالْحِلْيَة حَقّ وَهِيَ|نِحْلَة اللَّه تَعَالَى لِآدَم وَوَلَده . خُلِقَ آدَم وَتُوِّجَ وَكُلِّلَ بِإِكْلِيلِ الْجَنَّة , وَخُتِمَ بِالْخَاتَمِ الَّذِي وَرِثَهُ عَنْهُ سُلَيْمَان بْن دَاوُد صَلَوَات اللَّه عَلَيْهِمْ , وَكَانَ يُقَال لَهُ خَاتَم الْعِزّ فِيمَا رُوِيَ .</p><p>اِمْتَنَّ اللَّه سُبْحَانه عَلَى الرِّجَال وَالنِّسَاء اِمْتِنَانًا عَامًّا بِمَا يَخْرُج مِنْ الْبَحْر , فَلَا يَحْرُم عَلَيْهِمْ شَيْء مِنْهُ , وَإِنَّمَا حَرَّمَ اللَّه تَعَالَى عَلَى الرِّجَال الذَّهَب وَالْحَرِير . رَوَى الصَّحِيح عَنْ عُمَر بْن الْخَطَّاب قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا تَلْبَسُوا الْحَرِير فَإِنَّهُ مَنْ لَبِسَهُ فِي الدُّنْيَا لَمْ يَلْبَسهُ فِي الْآخِرَة ) . وَسَيَأْتِي فِي سُورَة [ الْحَجّ ] الْكَلَام فِيهِ إِنْ شَاءَ اللَّه . وَرَوَى الْبُخَارِيّ عَنْ اِبْن عُمَر أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ ذَهَب , وَجَعَلَ فَصّه مِمَّا يَلِي بَاطِن كَفّه , وَنَقَشَ فِيهِ مُحَمَّد رَسُول اللَّه ; فَاتَّخَذَ النَّاس مِثْله ; فَلَمَّا رَآهُمْ قَدْ اِتَّخَذُوهَا رَمَى بِهِ وَقَالَ : ( لَا أَلْبَسهُ أَبَدًا ) ثُمَّ اِتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ فِضَّة فَاتَّخَذَ النَّاس خَوَاتِيم الْفِضَّة . قَالَ اِبْن عُمَر : فَلَبِسَ الْخَاتَم بَعْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبُو بَكْر ثُمَّ عُمَر ثُمَّ عُثْمَان , حَتَّى وَقَعَ مِنْ عُثْمَان فِي بِئْر أَرِيس . قَالَ أَبُو دَاوُد : لَمْ يَخْتَلِف النَّاس عَلَى عُثْمَان حَتَّى سَقَطَ الْخَاتَم مِنْ يَده . وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاء عَلَى جَوَاز التَّخَتُّم بِالْوَرِقِ عَلَى الْجُمْلَة لِلرِّجَالِ . قَالَ الْخَطَّابِيّ : وَكُرِهَ لِلنِّسَاءِ التَّخَتُّم بِالْفِضَّةِ ; لِأَنَّهُ مِنْ زِيّ الرِّجَال , فَإِنْ لَمْ يَجِدْنَ ذَهَبًا فَلْيُصَفِّرْنَهُ بِزَعْفَرَانٍ أَوْ بِشَبَهِهِ . وَجُمْهُور الْعُلَمَاء مِنْ السَّلَف وَالْخَلَف عَلَى تَحْرِيم اِتِّخَاذ الرِّجَال خَاتَم الذَّهَب , إِلَّا مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْر بْن عَبْد الرَّحْمَن وَخَبَّاب , وَهُوَ خِلَاف شَاذّ , وَكُلّ مِنْهُمَا لَمْ يَبْلُغهُمَا النَّهْي وَالنَّسْخ . وَاَللَّه أَعْلَم . وَأَمَّا مَا رَوَاهُ أَنَس بْن مَالِك أَنَّهُ رَأَى فِي يَد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاتَمًا مِنْ وَرِق يَوْمًا وَاحِدًا , ثُمَّ إِنَّ النَّاس اِصْطَنَعُوا الْخَوَاتِم , مِنْ وَرِق وَلَبِسُوهَا , فَطَرَحَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاتَمه فَطَرَحَ النَّاس خَوَاتِيمهمْ - أَخْرَجَهُ الصَّحِيحَانِ وَاللَّفْظ لِلْبُخَارِيِّ - فَهُوَ عِنْد الْعُلَمَاء وَهْم مِنْ اِبْن شِهَاب ; لِأَنَّ الَّذِي نَبَذَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا هُوَ خَاتَم الذَّهَب . رَوَاهُ عَبْد الْعَزِيز بْن صُهَيْب وَقَتَادَة عَنْ أَنَس , وَهُوَ خِلَاف مَا رَوَى اِبْن شِهَاب عَنْ أَنَس فَوَجَبَ الْقَضَاء بِالْجُمْلَةِ عَلَى الْوَاحِد إِذَا خَالَفَهَا , مَعَ مَا يَشْهَد لِلْجَمَاعَةِ مِنْ حَدِيث اِبْن عُمَر .</p><p>إِذَا ثَبَتَ جَوَاز التَّخَتُّم لِلرِّجَالِ بِخَاتَمِ الْفِضَّة وَالتَّحَلِّي بِهِ , فَقَدْ كَرِهَ اِبْن سِيرِينَ وَغَيْره مِنْ الْعُلَمَاء نَقْشه وَأَنْ يَكُون فِيهِ ذِكْر اللَّه . وَأَجَازَ نَقْشه جَمَاعَة مِنْ الْعُلَمَاء . ثُمَّ إِذَا نُقِشَ عَلَيْهِ اِسْم اللَّه أَوْ كَلِمَة حِكْمَة أَوْ كَلِمَات مِنْ الْقُرْآن وَجَعَلَهُ فِي شِمَاله , فَهَلْ يَدْخُل بِهِ الْخَلَاء وَيَسْتَنْجِي بِشِمَالِهِ ؟ خَفَّفَهُ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب وَمَالِك . قِيلَ لِمَالِكٍ : إِنْ كَانَ فِي الْخَاتَم ذِكْر اللَّه وَيَلْبَسهُ فِي الشِّمَال أَيُسْتَنْجَى بِهِ ؟ قَالَ : أَرْجُو أَنْ يَكُون خَفِيفًا . وَرُوِيَ عَنْهُ الْكَرَاهَة وَهُوَ الْأَوْلَى . وَعَلَى الْمَنْع مِنْ ذَلِكَ أَكْثَر أَصْحَابه . وَقَدْ رَوَى هَمَّام عَنْ اِبْن جُرَيْج عَنْ الزُّهْرِيّ عَنْ أَنَس قَالَ : كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا دَخَلَ الْخَلَاء وَضَعَ خَاتَمه . قَالَ أَبُو دَاوُد : هَذَا حَدِيث مُنْكَر , وَإِنَّمَا يُعْرَف عَنْ اِبْن جُرَيْج عَنْ زِيَاد بْن سَعْد عَنْ الزُّهْرِيّ عَنْ أَنَس أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ وَرِق ثُمَّ أَلْقَاهُ . قَالَ أَبُو دَاوُد : لَمْ يُحَدِّث بِهَذَا إِلَّا هَمَّام .</p><p>رَوَى الْبُخَارِيّ عَنْ أَنَس بْن مَالِك أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ فِضَّة وَنَقَشَ فِيهِ | مُحَمَّد رَسُول اللَّه | وَقَالَ : ( إِنِّي اِتَّخَذْت خَاتَمًا مِنْ وَرِق وَنَقَشْت فِيهِ مُحَمَّد رَسُول اللَّه فَلَا يَنْقُشَنَّ أَحَد عَلَى نَقْشه ) . قَالَ عُلَمَاؤُنَا : فَهَذَا دَلِيل عَلَى جَوَاز نَقْش اِسْم صَاحِب الْخَاتَم عَلَى خَاتَمه . قَالَ مَالِك : وَمِنْ شَأْن الْخُلَفَاء وَالْقُضَاة نَقْش أَسْمَائِهِمْ عَلَى خَوَاتِيمهمْ , وَنَهْيه عَلَيْهِ السَّلَام : لَا يَنْقُشَنَّ أَحَد عَلَى نَقْش خَاتَمه , مِنْ أَجْل أَنَّ ذَلِكَ اِسْمه وَصِفَته بِرِسَالَةِ اللَّه لَهُ إِلَى خَلْقه . وَرَوَى أَهْل الشَّام أَنَّهُ لَا يَجُوز الْخَاتَم لِغَيْرِ ذِي سُلْطَان . وَرُوِيَ فِي ذَلِكَ حَدِيثًا عَنْ أَبِي رَيْحَانَة , وَهُوَ حَدِيث لَا حُجَّة فِيهِ لِضَعْفِهِ . وَقَوْله عَلَيْهِ السَّلَام : ( لَا يَنْقُشَنَّ أَحَد عَلَى نَقْشه ) يَرُدّهُ وَيَدُلّ عَلَى جَوَاز اِتِّخَاذ الْخَاتَم لِجَمِيعِ النَّاس , إِذَا لَمْ يُنْقَش عَلَى نَقْش خَاتَمه . وَكَانَ نَقْش خَاتَم الزُّهْرِيّ | مُحَمَّد يَسْأَل اللَّه الْعَافِيَة | . وَكَانَ نَقْش خَاتَم مَالِك | حَسْبِيَ اللَّه وَنِعْمَ الْوَكِيل | . وَذَكَرَ التِّرْمِذِيّ الْحَكِيم فِي | نَوَادِر الْأُصُول | أَنَّ نَقْش خَاتَم مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام | لِكُلِّ أَجَل كِتَاب | [ الرَّعْد : 38 ] . وَقَدْ مَضَى فِي الرَّعْد وَبَلَغَ عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز أَنَّ اِبْنه اِشْتَرَى خَاتَمًا بِأَلْفِ دِرْهَم فَكَتَبَ إِلَيْهِ : إِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّك اِشْتَرَيْت خَاتَمًا بِأَلْفِ دِرْهَم , فَبِعْهُ وَأَطْعِمْ مِنْهُ أَلْف جَائِع , وَاشْتَرِ خَاتَمًا مِنْ حَدِيد بِدِرْهَمٍ , وَاكْتُبْ عَلَيْهِ | رَحِمَ اللَّه اِمْرَأً عَرَفَ قَدْر نَفْسه | .</p><p>مَنْ حَلَفَ أَلَّا يَلْبَس حُلِيًّا فَلَبِسَ لُؤْلُؤًا لَمْ يَحْنَث ; وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَة . قَالَ اِبْن خُوَيْز مِنْدَاد : لِأَنَّ هَذَا وَإِنْ كَانَ الِاسْم اللُّغَوِيّ يَتَنَاوَلهُ فَلَمْ يَقْصِدهُ بِالْيَمِينِ , وَالْأَيْمَان تُخَصّ بِالْعُرْفِ ; أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ حَلَفَ أَلَّا يَنَام عَلَى فِرَاش فَنَامَ عَلَى الْأَرْض لَمْ يَحْنَث , وَكَذَلِكَ لَا يَسْتَضِيء بِسِرَاجٍ فَجَلَسَ فِي الشَّمْس لَا يَحْنَث , وَإِنْ كَانَ اللَّه تَعَالَى قَدْ سَمَّى الْأَرْض فِرَاشًا وَالشَّمْس سِرَاجًا . وَقَالَ الشَّافِعِيّ وَأَبُو يُوسُف وَمُحَمَّد : مَنْ حَلَفَ أَلَّا يَلْبَس حُلِيًّا وَلَبِسَ اللُّؤْلُؤ فَإِنَّهُ يَحْنَث ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى : | وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَة تَلْبَسُونَهَا | وَاَلَّذِي يَخْرُج مِنْهُ : اللُّؤْلُؤ وَالْمَرْجَان .|وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ|الْفُلْك : السُّفُن , وَإِفْرَاده وَجَمْعه بِلَفْظٍ وَاحِد , وَيُذَكَّر وَيُؤَنَّث . وَلَيْسَتْ الْحَرَكَات فِي الْمُفْرَد تِلْكَ بِأَعْيَانِهَا فِي الْجَمْع , بَلْ كَأَنَّهُ بَنَى الْجَمْع بِنَاء آخَر ; يَدُلّ عَلَى ذَلِكَ تَوَسُّط التَّثْنِيَة فِي قَوْلهمْ : فُلْكَان . وَالْفُلْك الْمُفْرَد مُذَكَّر ; قَالَ تَعَالَى : | فِي الْفُلْك الْمَشْحُون | [ يس : 41 ] فَجَاءَ بِهِ مُذَكَّرًا , وَقَالَ : | وَالْفُلْك الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْر | فَأَنَّثَ . وَيَحْتَمِل وَاحِدًا وَجَمْعًا ; وَقَالَ : | حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْك وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَة | [ يُونُس : 22 ] فَجَمَعَ ; فَكَأَنَّهُ يَذْهَب بِهَا إِذَا كَانَتْ وَاحِدَة إِلَى الْمَرْكَب فَيُذَكَّر , وَإِلَى السَّفِينَة فَيُؤَنَّث . وَقِيلَ : وَاحِده فَلَك ; مِثْل أَسَد وَأُسْد , وَخَشَب وَخُشْب , وَأَصْله مِنْ الدَّوَرَان , وَمِنْهُ : فُلْك السَّمَاء الَّتِي تَدُور عَلَيْهِ النُّجُوم . وَفَلَّكَتْ الْجَارِيَة اِسْتَدَارَ ثَدْيهَا ; وَمِنْهُ فَلْكَة الْمِغْزَل . وَسُمِّيَتْ السَّفِينَة فُلْكًا لِأَنَّهَا تَدُور بِالْمَاءِ أَسْهَلَ دَوْر . وَقَوْله : | مَوَاخِر | قَالَ اِبْن عَبَّاس : جَوَارِي , مِنْ جَرَتْ تَجْرِي . سَعِيد بْن جُبَيْر : مُعْتَرِضَة . الْحَسَن : مَوَاقِر . قَتَادَة وَالضَّحَّاك : أَيْ تَذْهَب وَتَجِيء , مُقْبِلَة وَمُدْبِرَة بِرِيحٍ وَاحِدَة . وَقِيلَ : | مَوَاخِر | مُلَجِّجَة فِي دَاخِل الْبَحْر ; وَأَصْل الْمَخْر شَقّ الْمَاء عَنْ يَمِين وَشِمَال . مَخَرَتْ السَّفِينَة تَمْخَر وَتَمْخُر مَخْرًا وَمُخُورًا إِذَا جَرَتْ تَشُقّ الْمَاء مَعَ صَوْت ; وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى : | وَتَرَى الْفُلْك مَوَاخِر فِيهِ | يَعْنِي جَوَارِي . وَقَالَ الْجَوْهَرِيّ : وَمَخَرَ السَّابِح إِذَا شَقَّ الْمَاء بِصَدْرِهِ , وَمَخَرَ الْأَرْض شَقَّهَا لِلزِّرَاعَةِ , وَمَخَرَهَا بِالْمَاءِ إِذَا حَبَسَ الْمَاء فِيهَا حَتَّى تَصِير أَرِيضَة ; أَيْ خَلِيقَة بِجَوْدَةِ نَبَات الزَّرْع . وَقَالَ الطَّبَرِيّ : الْمَخْر فِي اللُّغَة صَوْت هُبُوب الرِّيح ; وَلَمْ يُقَيِّد كَوْنه فِي مَاء , وَقَالَ : إِنَّ مِنْ ذَلِكَ قَوْل وَاصِل مَوْلَى أَبِي عُيَيْنَة : إِذَا أَرَادَ أَحَدكُمْ الْبَوْل فَلْيَتَمَخَّرْ الرِّيح ; أَيْ لِيَنْظُر فِي صَوْتهَا فِي الْأَجْسَام مِنْ أَيْنَ تَهُبّ , فَيَتَجَنَّب اِسْتِقْبَالهَا لِئَلَّا تَرُدّ عَلَيْهِ بَوْله .|وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ|أَيْ وَلِتَرْكَبُوهُ لِلتِّجَارَةِ وَطَلَب الرِّبْح .|وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ|هَذَا وَمَا كَانَ مِثْله فِيمَا وَرَدَ فِي كَلَام اللَّه تَعَالَى مِنْ قَوْله : | لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ , لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ , لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ , لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ | فِيهِ ثَلَاث تَأْوِيلَات .</p><p>الْأَوَّل : أَنَّ | لَعَلَّ | عَلَى بَابهَا مِنْ التَّرَجِّي وَالتَّوَقُّع , وَالتَّرَجِّي وَالتَّوَقُّع إِنَّمَا هُوَ فِي حَيِّز الْبَشَر ; فَكَأَنَّهُ قِيلَ لَهُمْ : اِفْعَلُوا ذَلِكَ عَلَى الرَّجَاء مِنْكُمْ وَالطَّمَع أَنْ تَعْقِلُوا وَأَنْ تَذْكُرُوا وَأَنْ تَتَّقُوا . هَذَا قَوْل سِيبَوَيْهِ وَرُؤَسَاء اللِّسَان قَالَ سِيبَوَيْهِ فِي قَوْله عَزَّ وَجَلَّ : | اِذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْن إِنَّهُ طَغَى . فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّر أَوْ يَخْشَى | [ طَه : 43 - 44 ] قَالَ مَعْنَاهُ : اِذْهَبَا عَلَى طَمَعكُمَا وَرَجَائِكُمَا أَنْ يَتَذَكَّر أَوْ يَخْشَى . وَاخْتَارَ هَذَا الْقَوْل أَبُو الْمَعَالِي .</p><p>الثَّانِي : أَنَّ الْعَرَب اِسْتَعْمَلَتْ | لَعَلَّ | مُجَرَّدَة مِنْ الشَّكّ بِمَعْنَى لَام كَيْ . فَالْمَعْنَى لِتَعْقِلُوا وَلِتَذْكُرُوا وَلِتَتَّقُوا ; وَعَلَى ذَلِكَ يَدُلّ قَوْل الشَّاعِر : <br>وَقُلْتُمْ لَنَا كُفُّوا الْحُرُوب لَعَلَّنَا .......... نَكُفّ وَوَثَّقْتُمْ لَنَا كُلّ مَوْثِق <br><br>فَلَمَّا كَفَفْنَا الْحَرْب كَانَتْ عُهُودكُمْ .......... كَلَمْعِ سَرَاب فِي الْمَلَا مُتَأَلِّق <br>الْمَعْنَى : كُفُّوا الْحُرُوب لِنَكُفّ , وَلَوْ كَانَتْ | لَعَلَّ | هُنَا شَكًّا لَمْ يُوَثِّقُوا لَهُمْ كُلّ مَوْثِق ; وَهَذَا الْقَوْل عَنْ قُطْرُب وَالطَّبَرِيّ .</p><p>الثَّالِث : أَنْ تَكُون | لَعَلَّ | بِمَعْنَى التَّعَرُّض لِلشَّيْءِ , كَأَنَّهُ قِيلَ : اِفْعَلُوا مُتَعَرِّضِينَ لِأَنْ تَشْكُرُوا أَوْ لِأَنْ تَعْقِلُوا , أَوْ لِأَنْ تَذْكُرُوا أَوْ لِأَنْ تَتَّقُوا .

وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ

أَيْ جِبَالًا ثَابِتَة . رَسَا يَرْسُو إِذَا ثَبُتَ وَأَقَامَ . قَالَ : <br>فَصَبَرْت عَارِفَة لِذَلِكَ حُرَّة .......... تَرْسُو إِذَا نَفْس الْجَبَان تَطَلَّع<br>|أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ|أَيْ لِئَلَّا تَمِيد ; عِنْد الْكُوفِيِّينَ . وَكَرَاهِيَة أَنْ تَمِيد ; عَلَى قَوْل الْبَصْرِيِّينَ . وَالْمَيْد : الِاضْطِرَاب يَمِينًا وَشِمَالًا ; مَادَ الشَّيْء يَمِيد مَيْدًا إِذَا تَحَرَّكَ ; وَمَادَتْ الْأَغْصَان تَمَايَلَتْ , وَمَادَ الرَّجُل تَبَخْتَرَ . قَالَ وَهْب بْن مُنَبِّه : خَلَقَ اللَّه الْأَرْض فَجَعَلَتْ تَمِيد وَتَمُور , فَقَالَتْ الْمَلَائِكَة . إِنَّ هَذِهِ غَيْر مُقِرَّة أَحَدًا عَلَى ظَهْرهَا فَأَصْبَحَتْ وَقَدْ أُرْسِيَتْ بِالْجِبَالِ , وَلَمْ تَدْرِ الْمَلَائِكَة مِمَّ خُلِقَتْ الْجِبَال . وَقَالَ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : لَمَّا خَلَقَ اللَّه الْأَرْض قَمَصَتْ وَمَالَتْ وَقَالَتْ : أَيْ رَبّ ! أَتَجْعَلُ عَلَيَّ مَنْ يَعْمَل بِالْمَعَاصِي وَالْخَطَايَا , وَيُلْقِي عَلَيَّ الْجِيَف وَالنَّتْن ! فَأَرْسَى اللَّه تَعَالَى فِيهَا مِنْ الْجِبَال مَا تَرَوْنَ وَمَا لَا تَرَوْنَ . وَرَوَى التِّرْمِذِيّ فِي آخِر | كِتَاب التَّفْسِير | حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار حَدَّثَنَا يَزِيد بْن هَارُون أَخْبَرَنَا الْعَوَّام بْن حَوْشَب عَنْ سُلَيْمَان بْن أَبِي سُلَيْمَان عَنْ أَنَس بْن مَالِك عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( لَمَّا خَلَقَ اللَّه الْأَرْض جَعَلَتْ تَمِيد فَخَلَقَ الْجِبَال فَعَادَ بِهَا عَلَيْهَا فَاسْتَقَرَّتْ فَعَجِبَتْ الْمَلَائِكَة مِنْ شِدَّة الْجِبَال قَالُوا يَا رَبّ هَلْ مِنْ خَلْقك شَيْء أَشَدّ مِنْ الْجِبَال قَالَ نَعَمْ الْحَدِيد قَالُوا يَا رَبّ فَهَلْ مِنْ خَلْقك شَيْء أَشَدّ مِنْ الْحَدِيد قَالَ نَعَمْ النَّار فَقَالُوا يَا رَبّ فَهَلْ مِنْ خَلْقك شَيْء أَشَدّ مِنْ النَّار قَالَ نَعَمْ الْمَاء قَالُوا يَا رَبّ فَهَلْ مِنْ خَلْقك شَيْء أَشَدّ مِنْ الْمَاء قَالَ نَعَمْ الرِّيح قَالُوا يَا رَبّ فَهَلْ مِنْ خَلْقك شَيْء أَشَدّ مِنْ الرِّيح قَالَ نَعَمْ اِبْن آدَم تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ بِيَمِينِهِ يُخْفِيهَا مِنْ شِمَاله ) . قَالَ أَبُو عِيسَى : هَذَا حَدِيث غَرِيب لَا نَعْرِفهُ مَرْفُوعًا إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْه .</p><p>قُلْت : وَفِي هَذِهِ الْآيَة أَدَلّ دَلِيل عَلَى اِسْتِعْمَال الْأَسْبَاب , وَقَدْ كَانَ قَادِرًا عَلَى سُكُونهَا دُون الْجِبَال . وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْمَعْنَى|وَأَنْهَارًا|أَيْ وَجَعَلَ فِيهَا أَنْهَارًا , أَوْ أَلْقَى فِيهَا أَنْهَارًا .|وَسُبُلًا|أَيْ طُرُقًا وَمَسَالِك .|لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ|أَيْ إِلَى حَيْثُ تَقْصِدُونَ مِنْ الْبِلَاد فَلَا تَضِلُّونَ وَلَا تَتَحَيَّرُونَ .

وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ

قَالَ اِبْن عَبَّاس : الْعَلَامَات مَعَالِم الطُّرُق بِالنَّهَارِ ; أَيْ جَعَلَ لِلطَّرِيقِ عَلَامَات يَقَع الِاهْتِدَاء بِهَا .|وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ|يَعْنِي بِاللَّيْلِ , وَالنَّجْم يُرَاد بِهِ النُّجُوم . وَقَرَأَ اِبْن وَثَّاب | وَبِالنُّجُمِ | . الْحَسَن : بِضَمِّ النُّون وَالْجِيم جَمِيعًا وَمُرَاده النُّجُوم , فَقَصَرَهُ ; كَمَا قَالَ الشَّاعِر : <br>إِنَّ الْفَقِير بَيْننَا قَاضٍ حَكَم .......... أَنْ تَرِد الْمَاء إِذَا غَابَ النُّجُم <br>وَكَذَلِكَ الْقَوْل لِمَنْ قَرَأَ | النُّجْم | إِلَّا أَنَّهُ سَكَّنَ اِسْتِخْفَافًا . وَيَجُوز أَنْ يَكُون النُّجُم جَمْع نَجْم كَسُقُفٍ وَسَقْف . وَاخْتُلِفَ فِي النُّجُوم ; فَقَالَ الْفَرَّاء : الْجَدْي وَالْفَرْقَدَانِ . وَقِيلَ : الثُّرَيَّا . قَالَ الشَّاعِر : <br>حَتَّى إِذَا مَا اِسْتَقَلَّ النَّجْم فِي غَلَس .......... وَغُودِرَ الْبَقْل مَلْوِيّ وَمَحْصُود <br>أَيْ مِنْهُ مَلْوِيّ وَمِنْهُ مَحْصُود , وَذَلِكَ عِنْد طُلُوع الثُّرَيَّا يَكُون . وَقَالَ الْكَلْبِيّ : الْعَلَامَات الْجِبَال . وَقَالَ مُجَاهِد : هِيَ النُّجُوم ; لِأَنَّ مِنْ النُّجُوم مَا يُهْتَدَى بِهَا , وَمِنْهَا مَا يَكُون عَلَامَة لَا يُهْتَدَى بِهَا ; وَقَالَهُ قَتَادَة وَالنَّخَعِيّ . وَقِيلَ : تَمَّ الْكَلَام عِنْد قَوْله | وَعَلَامَات | ثُمَّ اِبْتَدَأَ وَقَالَ : | وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ | . وَعَلَى الْأَوَّل : أَيْ وَجَعَلَ لَكُمْ عَلَامَات وَنُجُومًا تَهْتَدُونَ بِهَا . وَمِنْ الْعَلَامَات الرِّيَاح يُهْتَدَى بِهَا . وَفِي الْمُرَاد بِالِاهْتِدَاءِ قَوْلَانِ : أَحَدهمَا : فِي الْأَسْفَار , وَهَذَا قَوْل الْجُمْهُور . الثَّانِي : فِي الْقِبْلَة . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : سَأَلْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ قَوْله تَعَالَى : | وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ | قَالَ : ( هُوَ الْجَدْي يَا ابْن عَبَّاس , عَلَيْهِ قِبْلَتكُمْ وَبِهِ تَهْتَدُونَ فِي بَرّكُمْ وَبَحْركُمْ ) ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيّ .</p><p>قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : أَمَّا جَمِيع النُّجُوم فَلَا يَهْتَدِي بِهَا إِلَّا الْعَارِف بِمَطَالِعِهَا وَمَغَارِبهَا , وَالْفَرْق بَيْن الْجَنُوبِيّ وَالشَّمَالِيّ مِنْهَا , وَذَلِكَ قَلِيل فِي الْآخَرِينَ . وَأَمَّا الثُّرَيَّا فَلَا يَهْتَدِي بِهَا إِلَّا مَنْ يَهْتَدِي بِجَمِيعِ النُّجُوم . وَإِنَّمَا الْهَدْي لِكُلِّ أَحَد بِالْجَدْيِ وَالْفَرْقَدَيْنِ ; لِأَنَّهَا مِنْ النُّجُوم الْمُنْحَصِرَة الْمَطَالِع الظَّاهِرَة السَّمْت الثَّابِتَة فِي الْمَكَان , فَإِنَّهَا تَدُور عَلَى الْقُطْب الثَّابِت دَوَرَانًا مُحَصَّلًا , فَهِيَ أَبَدًا هُدَى الْخَلْق فِي الْبَرّ إِذَا عَمِيَتْ الطُّرُق , وَفِي الْبَحْر عِنْد مَجْرَى السُّفُن , وَفِي الْقِبْلَة إِذَا جُهِلَ السَّمْت , وَذَلِكَ عَلَى الْجُمْلَة بِأَنْ تَجْعَل الْقُطْب عَلَى ظَهْر مَنْكِبك الْأَيْسَر فَمَا اِسْتَقْبَلْت فَهُوَ سَمْت الْجِهَة .</p><p>قُلْت : وَسَأَلَ اِبْن عَبَّاس رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ النَّجْم فَقَالَ : ( هُوَ الْجَدْي عَلَيْهِ قِبْلَتكُمْ وَبِهِ تَهْتَدُونَ فِي بَرّكُمْ وَبَحْركُمْ ) . وَذَلِكَ أَنَّ|آخِر الْجَدْي بَنَات نَعْش الصُّغْرَى وَالْقُطْب الَّذِي تَسْتَوِي عَلَيْهِ الْقِبْلَة بَيْنهَا .</p><p>قَالَ عُلَمَاؤُنَا : وَحُكْم اِسْتِقْبَال الْقِبْلَة عَلَى وَجْهَيْنِ : أَحَدهمَا : أَنْ يَرَاهَا وَيُعَايِنهَا فَيَلْزَمهُ اِسْتِقْبَالهَا وَإِصَابَتهَا وَقَصْد جِهَتهَا بِجَمِيعِ بَدَنه . وَالْآخَر : أَنْ تَكُون الْكَعْبَة بِحَيْثُ لَا يَرَاهَا فَيَلْزَمهُ التَّوَجُّه نَحْوهَا وَتِلْقَاءَهَا بِالدَّلَائِلِ , وَهِيَ الشَّمْس وَالْقَمَر وَالنُّجُوم وَالرِّيَاح وَكُلّ مَا يُمْكِن بِهِ مَعْرِفَة جِهَتهَا , وَمَنْ غَابَتْ عَنْهُ وَصَلَّى مُجْتَهِدًا إِلَى غَيْر نَاحِيَتهَا وَهُوَ مِمَّنْ يُمْكِنهُ الِاجْتِهَاد فَلَا صَلَاة لَهُ ; فَإِذَا صَلَّى مُجْتَهِدًا مُسْتَدِلًّا ثُمَّ اِنْكَشَفَ لَهُ بَعْد الْفَرَاغ مِنْ صَلَاته أَنَّهُ صَلَّى إِلَى غَيْر الْقِبْلَة أَعَادَ إِنْ كَانَ فِي وَقْتهَا , وَلَيْسَ ذَلِكَ بِوَاجِبٍ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ قَدْ أَدَّى فَرْضه عَلَى مَا أُمِرَ بِهِ . وَقَدْ مَضَى هَذَا الْمَعْنَى فِي | الْبَقَرَة | مُسْتَوْفًى وَالْحَمْد لِلَّهِ

أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ

قَوْله تَعَالَى : | أَفَمَنْ يَخْلُق | هُوَ اللَّه تَعَالَى . | كَمَنْ لَا يَخْلُق | يُرِيد الْأَصْنَام . | أَفَلَا تَذَكَّرُونَ | أَخْبَرَ عَنْ الْأَوْثَان الَّتِي لَا تَخْلُق وَلَا تَضُرّ وَلَا تَنْفَع , كَمَا يُخْبِر عَمَّنْ يَعْقِل عَلَى مَا تَسْتَعْمِلهُ الْعَرَب فِي ذَلِكَ ; فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَهَا فَذُكِرَتْ بِلَفْظِ | مِنْ | كَقَوْلِهِ : | أَلَهُمْ أَرْجُل | [ الْأَعْرَاف : 195 ] . وَقِيلَ : لِاقْتِرَانِ الضَّمِير فِي الذِّكْر بِالْخَالِقِ . قَالَ الْفَرَّاء : هُوَ كَقَوْلِ الْعَرَب : اِشْتَبَهَ عَلَيَّ الرَّاكِب وَجَمَله فَلَا أَدْرِي مَنْ ذَا وَمَنْ ذَا ; وَإِنْ كَانَ أَحَدهمَا غَيْر إِنْسَان . قَالَ الْمَهْدَوِيّ : وَيُسْأَل ب | مَنْ | عَنْ الْبَارِئ تَعَالَى وَلَا يُسْأَل عَنْهُ ب | مَا | ; لِأَنَّ | مَا | إِنَّمَا يُسْأَل بِهَا عَنْ الْأَجْنَاس , وَاَللَّه تَعَالَى لَيْسَ بِذِي جِنْس , وَلِذَلِكَ أَجَابَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام حِين قَالَ لَهُ : | فَمَنْ رَبّكُمَا يَا مُوسَى | [ طَه : 49 ] وَلَمْ يُجِبْ حِين قَالَ لَهُ : | وَمَا رَبّ الْعَالَمِينَ | [ الشُّعَرَاء : 23 ] إِلَّا بِجَوَابِ | مَنْ | وَأَضْرَبَ عَنْ جَوَاب | مَا | حِين كَانَ السُّؤَال فَاسِدًا . وَمَعْنَى الْآيَة : مَنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى خَلْق الْأَشْيَاء الْمُتَقَدِّمَة الذِّكْر كَانَ بِالْعِبَادَةِ أَحَقّ مِمَّنْ هُوَ مَخْلُوق لَا يَضُرّ وَلَا يَنْفَع ; | هَذَا خَلْق اللَّه فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونه | [ لُقْمَان : 11 ] | أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنْ الْأَرْض | [ فَاطِر : 40 ] .

وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ

أَيْ إِنْ تَعُدُّوا نِعَم اللَّه . | لَا تُحْصُوهَا | وَلَا تُطِيقُوا عَدَّهَا , وَلَا تَقُومُوا بِحَصْرِهَا لِكَثْرَتِهَا , كَالسَّمْعِ وَالْبَصَر وَتَقْوِيم الصُّوَر إِلَى غَيْر ذَلِكَ مِنْ الْعَافِيَة وَالرِّزْق ; نِعَم لَا تُحْصَى وَهَذِهِ النِّعَم مِنْ اللَّه , فَلِمَ تُبَدِّلُونَ نِعْمَة اللَّه بِالْكُفْرِ ؟ ! وَهَلَّا اِسْتَعَنْتُمْ بِهَا عَلَى الطَّاعَة ؟ !

وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ

أَيْ مَا تُبْطِنُونَهُ وَمَا تُظْهِرُونَهُ . وَقَدْ تَقَدَّمَ جَمِيع هَذَا مُسْتَوْفًى

وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ

قَوْله تَعَالَى | وَاَلَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُون اللَّه | قِرَاءَة الْعَامَّة | تَدْعُونَ | بِالتَّاءِ لِأَنَّ مَا قَبْله خِطَاب . رَوَى أَبُو بَكْر عَنْ عَاصِم وَهُبَيْرَة عَنْ حَفْص | يَدْعُونَ | بِالْيَاءِ , وَهِيَ قِرَاءَة يَعْقُوب . فَأَمَّا قَوْله : | مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ | فَكُلّهمْ بِالتَّاءِ عَلَى الْخِطَاب ; إِلَّا مَا رَوَى هُبَيْرَة عَنْ حَفْص عَنْ عَاصِم أَنَّهُ قَرَأَ بِالْيَاءِ . | لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا | أَيْ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى خَلْق شَيْء | وَهُمْ يُخْلَقُونَ | .

أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ

أَيْ هُمْ أَمْوَات , يَعْنِي الْأَصْنَام , لَا أَرْوَاح فِيهَا وَلَا تَسْمَع وَلَا تُبْصِر , أَيْ هِيَ جَمَادَات فَكَيْفَ تَعْبُدُونَهَا وَأَنْتُمْ أَفْضَل مِنْهَا بِالْحَيَاةِ .|وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ|| وَمَا يَشْعُرُونَ | يَعْنِي الْأَصْنَام . | أَيَّانَ يُبْعَثُونَ | وَقَرَأَ السُّلَمِيّ , | إِيَّان | بِكَسْرِ الْهَمْزَة , وَهُمَا لُغَتَانِ , مَوْضِعه نُصِبَ ب | يُبْعَثُونَ | وَهِيَ فِي مَعْنَى الِاسْتِفْهَام . وَالْمَعْنَى : لَا يَدْرُونَ مَتَى يُبْعَثُونَ . وَعَبَّرَ عَنْهَا كَمَا عَبَّرَ عَنْ الْآدَمِيِّينَ ; لِأَنَّهُمْ زَعَمُوا أَنَّهَا تَعْقِل عَنْهُمْ وَتَعْلَم وَتَشْفَع لَهُمْ عِنْد اللَّه تَعَالَى , فَجَرَى خِطَابهمْ عَلَى ذَلِكَ . وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ اللَّه يَبْعَث الْأَصْنَام يَوْم الْقِيَامَة وَلَهَا أَرْوَاح فَتَتَبَرَّأ مِنْ عِبَادَتهمْ , وَهِيَ فِي الدُّنْيَا جَمَاد لَا تَعْلَم مَتَى تُبْعَث . قَالَ اِبْن عَبَّاس ; تُبْعَث الْأَصْنَام وَتُرَكَّب فِيهَا الْأَرْوَاح وَمَعَهَا شَيَاطِينهَا فَيَتَبَرَّءُونَ مِنْ عَبَدَتهَا , ثُمَّ يُؤْمَر بِالشَّيَاطِينِ وَالْمُشْرِكِينَ إِلَى النَّار . وَقِيلَ : إِنَّ الْأَصْنَام تُطْرَح فِي النَّار مَعَ عَبَدَتهَا يَوْم الْقِيَامَة ; دَلِيله | إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُون اللَّه حَصَب جَهَنَّم | [ الْأَنْبِيَاء : 98 ] . وَقِيلَ : تَمَّ الْكَلَام عِنْد قَوْله : | لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ | ثُمَّ اِبْتَدَأَ فَوَصَفَ الْمُشْرِكِينَ بِأَنَّهُمْ أَمْوَات , وَهَذَا الْمَوْت مَوْت كُفْر . | وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ | أَيْ وَمَا يَدْرِي الْكُفَّار مَتَى يُبْعَثُونَ , أَيْ وَقْت الْبَعْث ; لِأَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْبَعْثِ حَثَى يَسْتَعِدُّوا لِلِقَاءِ اللَّه وَقِيلَ : أَيْ وَمَا يُدْرِيهِمْ مَتَى السَّاعَة , وَلَعَلَّهَا تَكُون قَرِيبًا .

إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ

لَمَّا بَيَّنَ اِسْتِحَالَة الْإِشْرَاك بِاَللَّهِ تَعَالَى بَيَّنَ أَنَّ الْمَعْبُود وَاحِد لَا رَبّ غَيْره وَلَا مَعْبُود سِوَاهُ .|فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ|أَيْ لَا تَقْبَل الْوَعْظ وَلَا يَنْفَع فِيهَا الذِّكْر , وَهَذَا رَدّ عَلَى الْقَدَرِيَّة .|وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ|مُتَكَبِّرُونَ مُتَعَظِّمُونَ عَنْ قَبُول الْحَقّ . وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي | الْبَقَرَة | مَعْنَى الِاسْتِكْبَار

لَا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ

أَيْ مِنْ الْقَوْل وَالْعَمَل فَيُجَازِيهِمْ . قَالَ الْخَلِيل : | لَا جَرَمَ | كَلِمَة تَحْقِيق وَلَا تَكُون إِلَّا جَوَابًا ; يُقَال : فَعَلُوا ذَلِكَ ; فَيُقَال : لَا جَرَمَ سَيَنْدَمُونَ . أَيْ حَقًّا أَنَّ لَهُمْ النَّار . وَقَدْ مَضَى الْقَوْل فِي هَذَا فِي | هُود | مُسْتَوْفًى|إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ|أَيْ لَا يُثِيبهُمْ وَلَا يُثْنِي عَلَيْهِمْ . وَعَنْ الْحُسَيْن بْن عَلِيّ أَنَّهُ مَرَّ بِمَسَاكِين قَدْ قَدَّمُوا كِسَرًا بَيْنهمْ وَهُمْ يَأْكُلُونَ فَقَالُوا : الْغِذَاء يَا أَبَا عَبْد اللَّه , فَنَزَلَ وَجَلَسَ مَعَهُمْ وَقَالَ : | إِنَّهُ لَا يُحِبّ الْمُسْتَكْبِرِينَ | فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ : قَدْ أَجَبْتُكُمْ فَأَجِيبُونِي ; فَقَامُوا مَعَهُ إِلَى مَنْزِله فَأَطْعَمَهُمْ وَسَقَاهُمْ وَأَعْطَاهُمْ وَانْصَرَفُوا . قَالَ الْعُلَمَاء . وَكُلّ ذَنْب يُمْكِن التَّسَتُّر مِنْهُ وَإِخْفَاؤُهُ إِلَّا الْكِبْر ; فَإِنَّهُ فِسْق يَلْزَمهُ الْإِعْلَان , وَهُوَ أَصْل الْعِصْيَان كُلّه . وَفِي الْحَدِيث الصَّحِيح ( إِنَّ الْمُسْتَكْبِرِينَ يُحْشَرُونَ أَمْثَال الذَّرّ يَوْم الْقِيَامَة يَطَؤُهُمْ النَّاس بِأَقْدَامِهِمْ لِتَكَبُّرهمْ ) . أَوْ كَمَا قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( تُصَغَّر لَهُمْ أَجْسَامهمْ فِي الْمَحْشَر حَتَّى يَضُرّهُمْ صِغَرهَا وَتُعَظَّم لَهُمْ فِي النَّار حَتَّى يَضُرّهُمْ عِظَمهَا ) .

وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ

قَوْله تَعَالَى | وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبّكُمْ | يَعْنِي وَإِذَا قِيلَ لِمَنْ تَقَدَّمَ ذِكْره مِمَّنْ لَا يُؤْمِن بِالْآخِرَةِ وَقُلُوبهمْ مُنْكِرَة بِالْبَعْثِ | مَاذَا أَنْزَلَ رَبّكُمْ | . قِيلَ : الْقَائِل النَّضْر بْن الْحَارِث , وَأَنَّ الْآيَة نَزَلَتْ فِيهِ , وَكَانَ خَرَجَ إِلَى الْحِيرَة فَاشْتَرَى أَحَادِيث | كَلَيْلَة وَدِمْنَة | فَكَانَ يَقْرَأ عَلَى قُرَيْش وَيَقُول : مَا يَقْرَأ مُحَمَّد عَلَى أَصْحَابه إِلَّا أَسَاطِير الْأَوَّلِينَ ; أَيْ لَيْسَ هُوَ مِنْ تَنْزِيل رَبّنَا . وَقِيلَ : إِنَّ الْمُؤْمِنِينَ هُمْ الْقَائِلُونَ لَهُمْ اِخْتِبَارًا فَأَجَابُوا بِقَوْلِهِمْ : | أَسَاطِير الْأَوَّلِينَ | فَأَقَرُّوا بِإِنْكَارِ شَيْء هُوَ أَسَاطِير الْأَوَّلِينَ . وَالْأَسَاطِير : الْأَبَاطِيل وَالتُّرَّهَات . وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْأَنْعَام وَالْقَوْل فِي | مَاذَا أَنْزَلَ رَبّكُمْ | كَالْقَوْلِ فِي | مَاذَا يُنْفِقُونَ | [ الْبَقَرَة : 215 ] وَقَوْله : | أَسَاطِير الْأَوَّلِينَ | . خَبَر اِبْتِدَاء مَحْذُوف , التَّقْدِير : الَّذِي أَنْزَلَهُ أَسَاطِير الْأَوَّلِينَ .

لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ

قِيلَ : هِيَ لَام كَيٍّ , وَهِيَ مُتَعَلِّقَة بِمَا قَبْلهَا . وَقِيلَ : لَام الْعَاقِبَة , كَقَوْلِهِ : | لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا | [ الْقَصَص : 8 ] . أَيْ قَوْلهمْ فِي الْقُرْآن وَالنَّبِيّ أَدَّاهُمْ إِلَى أَنْ حَمَلُوا أَوْزَارهمْ ; أَيْ ذُنُوبهمْ . وَقِيلَ : هِيَ لَام الْأَمْر , وَالْمَعْنَى التَّهَدُّد .|كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ|لَمْ يَتْرُكُوا مِنْهَا شَيْئًا لِنَكْبَةٍ أَصَابَتْهُمْ فِي الدُّنْيَا بِكُفْرِهِمْ .|وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ|قَالَ مُجَاهِد : يَحْمِلُونَ وِزْر مَنْ أَضَلُّوهُ وَلَا يَنْقُص مِنْ إِثْم الْمُضَلّ شَيْء . وَفِي الْخَبَر ( أَيّمَا دَاعٍ دَعَا إِلَى ضَلَالَة فَاتُّبِعَ فَإِنَّ عَلَيْهِ مِثْل أَوْزَار مَنْ اِتَّبَعَهُ مِنْ غَيْر أَنْ يَنْقُص مِنْ أَوْزَارهمْ شَيْء وَأَيّمَا دَاعٍ دَعَا إِلَى هُدًى فَاتُّبِعَ فَلَهُ مِثْل أُجُورهمْ مِنْ غَيْر أَنْ يَنْقُص مِنْ أُجُورهمْ شَيْء ) خَرَّجَهُ مُسْلِم بِمَعْنَاهُ . و | مِنْ | لِلْجِنْسِ لَا لِلتَّبْعِيضِ ; فَدُعَاة الضَّلَالَة عَلَيْهِمْ مِثْل أَوْزَار مَنْ اِتَّبَعَهُمْ .|بِغَيْرِ عِلْمٍ|أَيْ يُضِلُّونَ الْخَلْق جَهْلًا مِنْهُمْ بِمَا يَلْزَمهُمْ مِنْ الْآثَام ; إِذْ لَوْ عَلِمُوا لَمَا أَضَلُّوا .|أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ|أَيْ بِئْسَ الْوِزْر الَّذِي يَحْمِلُونَهُ . وَنَظِير هَذِهِ الْآيَة | وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالهمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالهمْ | [ الْعَنْكَبُوت : 13 ] وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي آخِر | الْأَنْعَام | بَيَان قَوْله : | وَلَا تَزِر وَازِرَة وِزْر أُخْرَى | [ الْأَنْعَام : 164 ] .

قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ

أَيْ سَبَقَهُمْ بِالْكُفْرِ أَقْوَام مَعَ الرُّسُل الْمُتَقَدِّمِينَ فَكَانَتْ الْعَاقِبَة الْجَمِيلَة لِلرُّسُلِ .|فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ|قَالَ اِبْن عَبَّاس وَزَيْد بْن أَسْلَمَ وَغَيْرهمَا : إِنَّهُ النُّمْرُود بْن كَنْعَان وَقَوْمه , أَرَادُوا صُعُود السَّمَاء وَقِتَال أَهْله ; فَبَنَوْا الصَّرْح لِيَصْعَدُوا مِنْهُ بَعْد أَنْ صَنَعَ بِالنُّسُورِ مَا صَنَعَ , فَخَرَّ . كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانه فِي آخِر سُورَة [ إِبْرَاهِيم ] . وَمَعْنَى | فَأَتَى اللَّه بُنْيَانهمْ | أَيْ أَتَى أَمْره الْبُنْيَان , إِمَّا زَلْزَلَة أَوْ رِيحًا فَخَرَّبَتْهُ . قَالَ اِبْن عَبَّاس وَوَهْب : كَانَ طُول الصَّرْح فِي السَّمَاء خَمْسَة آلَاف ذِرَاع , وَعَرْضه ثَلَاثَة آلَاف . وَقَالَ كَعْب وَمُقَاتِل : كَانَ طُول فَرْسَخَيْنِ , فَهَبَّتْ رِيح فَأَلْقَتْ رَأْسه فِي الْبَحْر وَخَرَّ عَلَيْهِمْ الْبَاقِي . وَلَمَّا سَقَطَ الصَّرْح تَبَلْبَلَتْ أَلْسُن النَّاس مِنْ الْفَزَع يَوْمئِذٍ , فَتَكَلَّمُوا بِثَلَاثَةٍ وَسَبْعِينَ لِسَانًا , فَلِذَلِكَ سُمِّيَ بَابِل , وَمَا كَانَ لِسَان قَبْل ذَلِكَ إِلَّا السُّرْيَانِيَّة . وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْمَعْنَى فِي | الْبَقَرَة | وَقَرَأَ اِبْن هُرْمُز وَابْن مُحَيْصِن | السُّقُف | بِضَمِّ السِّين وَالْقَاف جَمِيعًا . وَضَمَّ مُجَاهِد السِّين وَأَسْكَنَ الْقَاف تَخْفِيفًا ; كَمَا تَقَدَّمَ فِي | وَبِالنَّجْمِ | فِي الْوَجْهَيْنِ . وَالْأَشْبَه أَنْ يَكُون جَمْع سَقْف . وَالْقَوَاعِد : أُصُول الْبِنَاء , وَإِذَا اِخْتَلَّتْ الْقَوَاعِد سَقَطَ الْبِنَاء . وَقَوْله : | مِنْ فَوْقهمْ | قَالَ اِبْن الْأَعْرَابِيّ : وُكِّدَ لِيُعْلِمك أَنَّهُمْ كَانُوا حَالِّينَ تَحْته . وَالْعَرَب تَقُول : خَرَّ عَلَيْنَا سَقْف وَوَقَعَ عَلَيْنَا حَائِط إِذَا كَانَ يَمْلِكهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَقَعَ عَلَيْهِ . فَجَاءَ بِقَوْلِهِ : | مِنْ فَوْقهمْ | لِيُخْرِج هَذَا الشَّكّ الَّذِي فِي كَلَام الْعَرَب فَقَالَ : | مِنْ فَوْقهمْ | أَيْ عَلَيْهِمْ وَقَعَ وَكَانُوا تَحْته فَهَلَكُوا وَمَا أُفْلِتُوا . وَقِيلَ : إِنَّ الْمُرَاد بِالسَّقْفِ السَّمَاء ; أَيْ إِنَّ الْعَذَاب أَتَاهُمْ مِنْ السَّمَاء الَّتِي هِيَ فَوْقهمْ ; قَالَ اِبْن عَبَّاس . وَقِيلَ : إِنَّ قَوْله : | فَأَتَى اللَّه بُنْيَانهمْ مِنْ الْقَوَاعِد | تَمْثِيل , وَالْمَعْنَى : أَهْلَكَهُمْ فَكَانُوا بِمَنْزِلَةِ مَنْ سَقَطَ عَلَيْهِ بُنْيَانه . وَقِيلَ : الْمَعْنَى أَحْبَطَ اللَّه أَعْمَالهمْ فَكَانُوا بِمَنْزِلَةِ مَنْ سَقَطَ بُنْيَانه . وَقِيلَ : الْمَعْنَى أَبْطَلَ مَكْرهمْ وَتَدْبِيرهمْ فَهَلَكُوا كَمَا هَلَكَ مَنْ نَزَلَ عَلَيْهِ السَّقْف مِنْ فَوْقه . وَعَلَى هَذَا اُخْتُلِفَ فِي الَّذِينَ خَرَّ عَلَيْهِمْ السَّقْف ; فَقَالَ اِبْن عَبَّاس وَابْن زَيْد مَا تَقَدَّمَ . وَقِيلَ : إِنَّهُ بُخْتَنَصَّر وَأَصْحَابه ; قَالَ بَعْض الْمُفَسِّرِينَ . وَقِيلَ : الْمُرَاد الْمُقْتَسِمُونَ الَّذِينَ ذَكَرَهُمْ اللَّه فِي سُورَة الْحِجْر ; قَالَ الْكَلْبِيّ . وَعَلَى هَذَا التَّأْوِيل يَخْرُج وَجْه التَّمْثِيل , وَاَللَّه أَعْلَم .|وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ|أَيْ مِنْ حَيْثُ ظَنُّوا أَنَّهُمْ فِي أَمَان . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : يَعْنِي الْبَعُوضَة الَّتِي أَهْلَكَ اللَّه بِهَا نُمْرُودًا .

ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ

أَيْ يَفْضَحهُمْ بِالْعَذَابِ وَيُذِلّهُمْ بِهِ وَيُهِينهُمْ|وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ|أَيْ بِزَعْمِكُمْ وَفِي دَعْوَاكُمْ , أَيْ الْآلِهَة الَّتِي عَبَدْتُمْ دُونِي , وَهُوَ سُؤَال تَوْبِيخ . وَقَرَأَ اِبْن كَثِير | شُرَكَايَ | بِيَاءٍ مَفْتُوحَة مِنْ غَيْر هَمْز , وَالْبَاقُونَ بِالْهَمْزِ .|الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ|أَيْ تُعَادُونَ أَنْبِيَائِي بِسَبَبِهِمْ , فَلْيَدْفَعُوا عَنْكُمْ هَذَا الْعَذَاب . وَقَرَأَ نَافِع | تُشَاقُّونِ | بِكَسْرِ النُّون عَلَى الْإِضَافَة , أَيْ تُعَادُونَنِي فِيهِمْ . وَفَتَحَهَا الْبَاقُونَ .|قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ|قَالَ اِبْن عَبَّاس : أَيْ الْمَلَائِكَة . وَقِيلَ الْمُؤْمِنُونَ .|إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ|أَيْ الْهَوَان وَالذُّلّ يَوْم الْقِيَامَة .|وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ|أَيْ الْعَذَاب . | عَلَى الْكَافِرِينَ | .

الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ

هَذَا مِنْ صِفَة الْكَافِرِينَ . و | ظَالِمِي أَنْفُسهمْ | نُصِبَ عَلَى الْحَال ; أَيْ وَهُمْ ظَالِمُونَ أَنْفُسهمْ إِذْ أَوْرَدُوهَا مَوَارِد الْهَلَاك . | فَأَلْقَوْا السَّلَم | أَيْ الِاسْتِسْلَام . أَيْ أَقَرُّوا لِلَّهِ بِالرُّبُوبِيَّةِ وَانْقَادُوا عِنْد الْمَوْت وَقَالُوا : | مَا كُنَّا نَعْمَل مِنْ سُوء | أَيْ مِنْ شِرْك . فَقَالَتْ لَهُمْ الْمَلَائِكَة : | بَلَى | قَدْ كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ الْأَسْوَاء . | إِنَّ اللَّه عَلِيم بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ | وَقَالَ عِكْرِمَة . نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة بِالْمَدِينَةِ فِي قَوْم أَسْلَمُوا بِمَكَّة وَلَمْ يُهَاجِرُوا , فَأَخْرَجَتْهُمْ قُرَيْش إِلَى بَدْر كُرْهًا فَقُتِلُوا بِهَا ; فَقَالَ : | الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمْ الْمَلَائِكَة | بِقَبْضِ أَرْوَاحهمْ . | ظَالِمِي أَنْفُسهمْ | فِي مَقَامهمْ بِمَكَّة وَتَرْكهمْ الْهِجْرَة . | فَأَلْقَوْا السَّلَم | يَعْنِي فِي خُرُوجهمْ مَعَهُمْ . وَفِيهِ ثَلَاثَة أَوْجُه : أَحَدهَا : أَنَّهُ الصُّلْح ; قَالَهُ الْأَخْفَش . الثَّانِي : الِاسْتِسْلَام ; قَالَهُ قُطْرُب . الثَّالِث : الْخُضُوع ; قَالَهُ مُقَاتِل . | مَا كُنَّا نَعْمَل مِنْ سُوء | يَعْنِي مِنْ كُفْر . | بَلَى إِنَّ اللَّه عَلِيم بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ | يَعْنِي أَنَّ أَعْمَالهمْ أَعْمَال الْكُفَّار . وَقِيلَ : إِنَّ بَعْض الْمُسْلِمِينَ لَمَّا رَأَوْا قِلَّة الْمُؤْمِنِينَ رَجَعُوا إِلَى الْمُشْرِكِينَ ; فَنَزَلَتْ فِيهِمْ . وَعَلَى الْقَوْل الْأَوَّل فَلَا يَخْرُج كَافِر وَلَا مُنَافِق مِنْ الدُّنْيَا حَتَّى يَنْقَاد وَيَسْتَسْلِم , وَيَخْضَع وَيَذِلّ , وَلَا تَنْفَعهُمْ حِينَئِذٍ تَوْبَة وَلَا إِيمَان ; كَمَا قَالَ : | فَلَمْ يَكُ يَنْفَعهُمْ إِيمَانهمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسنَا | [ غَافِر : 85 ] . وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْمَعْنَى وَتَقَدَّمَ فِي | الْأَنْفَال | إِنَّ الْكُفَّار يُتَوَفَّوْنَ بِالضَّرْبِ وَالْهَوَان وَكَذَلِكَ فِي | الْأَنْعَام | وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي كِتَاب التَّذْكِرَة

فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ

أَيْ يُقَال لَهُمْ ذَلِكَ عِنْد الْمَوْت . وَقِيلَ : هُوَ بِشَارَة لَهُمْ بِعَذَابِ الْقَبْر ; إِذْ هُوَ بَاب مِنْ أَبْوَاب جَهَنَّم لِلْكَافِرِينَ . وَقِيلَ : لَا تَصِل أَهْل الدَّرَكَة الثَّانِيَة إِلَيْهَا مَثَلًا إِلَّا بِدُخُولِ الدَّرَكَة الْأُولَى ثُمَّ الثَّانِيَة ثُمَّ الثَّالِثَة هَكَذَا . وَقِيلَ : لِكُلِّ دَرَكَة بَاب مُفْرَد , فَالْبَعْض يَدْخُلُونَ مِنْ بَاب وَالْبَعْض يَدْخُلُونَ مِنْ بَاب آخَر . فَاَللَّه أَعْلَم .|خَالِدِينَ فِيهَا|أَيْ مَاكِثِينَ فِيهَا .|فَلَبِئْسَ مَثْوَى|أَيْ مَقَام|الْمُتَكَبِّرِينَ|الَّذِينَ تَكَبَّرُوا عَنْ الْإِيمَان وَعَنْ عِبَادَة اللَّه تَعَالَى , وَقَدْ بَيَّنَهُمْ بِقَوْلِهِ الْحَقّ : | إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه يَسْتَكْبِرُونَ | [ الصَّافَّات : 35 ] .

وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآَخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ

أَيْ قَالُوا : أَنْزَلَ خَيْرًا ; وَتَمَّ الْكَلَام . و | مَاذَا | عَلَى هَذَا اِسْم وَاحِد . وَكَانَ يَرِد الرَّجُل مِنْ الْعَرَب مَكَّة فِي أَيَّام الْمَوْسِم فَيَسْأَل الْمُشْرِكِينَ عَنْ مُحَمَّد عَلَيْهِ السَّلَام فَيَقُولُونَ : سَاحِر أَوْ شَاعِر أَوْ كَاهِن أَوْ مَجْنُون . وَيَسْأَل الْمُؤْمِنِينَ فَيَقُولُونَ : أَنْزَلَ اللَّه عَلَيْهِ الْخَيْر وَالْهُدَى , وَالْمُرَاد الْقُرْآن . وَقِيلَ : إِنَّ هَذَا يُقَال لِأَهْلِ الْإِيمَان يَوْم الْقِيَامَة . قَالَ الثَّعْلَبِيّ : فَإِنْ قِيلَ : لِمَ اِرْتَفَعَ الْجَوَاب فِي قَوْله : | أَسَاطِير الْأَوَّلِينَ | [ النَّحْل : 24 ] وَانْتَصَبَ فِي قَوْله : | خَيْرًا | فَالْجَوَاب أَنَّ الْمُشْرِكِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا بِالتَّنْزِيلِ , فَكَأَنَّهُمْ قَالُوا : الَّذِي يَقُولهُ مُحَمَّد هُوَ أَسَاطِير الْأَوَّلِينَ . وَالْمُؤْمِنِينَ آمَنُوا بِالنُّزُولِ فَقَالُوا : أَنْزَلَ خَيْرًا , وَهَذَا مَفْهُوم مَعْنَاهُ مِنْ الْإِعْرَاب , وَالْحَمْد لِلَّهِ .|لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ|قِيلَ : هُوَ مِنْ كَلَام اللَّه عَزَّ وَجَلَّ . وَقِيلَ : هُوَ مِنْ جُمْلَة كَلَام الَّذِينَ اِتَّقَوْا . وَالْحَسَنَة هُنَا : الْجَنَّة ; أَيْ مَنْ أَطَاعَ اللَّه فَلَهُ الْجَنَّة غَدًا . وَقِيلَ : | لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا | الْيَوْم حَسَنَة فِي الدُّنْيَا مِنْ النَّصْر وَالْفَتْح وَالْغَنِيمَة|وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ|أَيْ مَا يَنَالُونَ فِي الْآخِرَة مِنْ ثَوَاب الْجَنَّة خَيْر وَأَعْظَم مِنْ دَار الدُّنْيَا ; لِفَنَائِهَا وَبَقَاء الْآخِرَة .|وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ|فِيهِ وَجْهَانِ : قَالَ الْحَسَن : الْمَعْنَى وَلَنِعْمَ دَار الْمُتَّقِينَ الدُّنْيَا ; لِأَنَّهُمْ نَالُوا بِالْعَمَلِ فِيهَا ثَوَاب الْآخِرَة وَدُخُول الْجَنَّة . وَقِيلَ : الْمَعْنَى وَلَنِعْمَ دَار الْمُتَّقِينَ الْآخِرَة ; وَهَذَا قَوْل الْجُمْهُور . وَعَلَى هَذَا تَكُون | جَنَّات عَدْن | بَدَلًا مِنْ الدَّار فَلِذَلِكَ اِرْتَفَعَ .

جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ

بَدَلًا مِنْ الدَّار فَلِذَلِكَ اِرْتَفَعَ . وَقِيلَ : اِرْتَفَعَ عَلَى تَقْدِير هِيَ جَنَّات , فَهِيَ مُبَيِّنَة لِقَوْلِهِ : | دَار الْمُتَّقِينَ | . أَوْ تَكُون مَرْفُوعَة بِالِابْتِدَاءِ , التَّقْدِير : جَنَّات عَدْن نِعْمَ دَار الْمُتَّقِينَ .|يَدْخُلُونَهَا|فِي مَوْضِع الصِّفَة , أَيْ مَدْخُولَة . وَقِيلَ : | جَنَّات | رُفِعَ بِالِابْتِدَاءِ , وَخَبَره | يَدْخُلُونَهَا | وَعَلَيْهِ يُخَرَّج قَوْل الْحَسَن . وَاَللَّه أَعْلَم .|تَجْرِي|فِي مَوْضِع النَّعْت لِجَنَّاتٍ وَهُوَ مَرْفُوع , لِأَنَّهُ فِعْل مُسْتَقْبَل فَحُذِفَتْ الضَّمَّة مِنْ الْيَاء لِثِقَلِهَا مَعَهَا .|مِنْ تَحْتِهَا|أَيْ مِنْ تَحْت أَشْجَارهَا , وَلَمْ يَجْرِ لَهَا ذِكْر , لِأَنَّ الْجَنَّات دَالَّة عَلَيْهَا .|الْأَنْهَارُ|أَيْ مَاء الْأَنْهَار , فَنُسِبَ الْجَرْي إِلَى الْأَنْهَار تَوَسُّعًا , وَإِنَّمَا يَجْرِي الْمَاء وَحْده فَحُذِفَ اِخْتِصَارًا , كَمَا قَالَ تَعَالَى : | وَاسْأَلْ الْقَرْيَة | [ يُوسُف : 82 ] أَيْ أَهْلهَا . وَقَالَ الشَّاعِر : <br>نُبِّئْت أَنَّ النَّار بَعْدك أُوقِدَتْ .......... وَاسْتَبَّ بَعْدك يَا كُلَيْب الْمَجْلِس <br>أَرَادَ : أَهْل الْمَجْلِس ; فَحَذَفَ . وَالنَّهَر : مَأْخُوذ مِنْ أَنْهَرْت , أَيْ وَسَّعْت , وَمِنْهُ قَوْل قَيْس بْن الْخُطَيْم : <br>مَلَكْت بِهَا كَفِّي فَأَنْهَرْت فَتْقهَا .......... يَرَى قَائِم مِنْ دُونهَا مَا وَرَاءَهَا <br>أَيْ وَسَّعْتهَا , يَصِف طَعْنَة . وَمِنْهُ قَوْل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَا أَنْهَرَ الدَّم وَذُكِرَ اِسْم اللَّه عَلَيْهِ فَكُلُوهُ ) . مَعْنَاهُ : مَا وَسَّعَ الذَّبْح حَتَّى يَجْرِي الدَّم كَالنَّهَرِ . وَجَمْع النَّهَر : نُهْر وَأَنْهَار . وَنَهَر نَهِر : كَثِير الْمَاء ; قَالَ أَبُو ذُؤَيْب : <br>أَقَامَتْ بِهِ فَابْتَنَتْ خَيْمَة .......... عَلَى قَصَب وَفُرَات نَهِر <br>وَرُوِيَ : أَنَّ أَنْهَار الْجَنَّة لَيْسَتْ فِي أَخَادِيد , إِنَّمَا تَجْرِي عَلَى سَطْح الْجَنَّة مُنْضَبِطَة بِالْقُدْرَةِ حَيْثُ شَاءَ أَهْلهَا . وَالْوَقْف عَلَى | الْأَنْهَار | حَسَن وَلَيْسَ بِتَامٍّ ,|لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ|أَيْ مِمَّا تَمَنَّوْهُ وَأَرَادُوهُ .|كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ|أَيْ مِثْل هَذَا الْجَزَاء يَجْزِي اللَّه الْمُتَّقِينَ .

الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ

قَرَأَ الْأَعْمَش وَحَمْزَة | يَتَوَفَّاهُمْ الْمَلَائِكَة | فِي الْمَوْضِعَيْنِ بِالْيَاءِ , وَاخْتَارَهُ أَبُو عُبَيْد ; لِمَا رُوِيَ عَنْ اِبْن مَسْعُود أَنَّهُ قَالَ : إِنَّ قُرَيْشًا زَعَمُوا أَنَّ الْمَلَائِكَة إِنَاث فَذَكِّرُوهُمْ أَنْتُمْ . الْبَاقُونَ بِالتَّاءِ ; لِأَنَّ الْمُرَاد بِهِ الْجَمَاعَة مِنْ الْمَلَائِكَة . و | طَيِّبِينَ | فِيهِ سِتَّة أَقْوَال : الْأَوَّل : | طَيِّبِينَ | طَاهِرِينَ مِنْ الشِّرْك . الثَّانِي : صَالِحِينَ . الثَّالِث : زَاكِيَة أَفْعَالهمْ وَأَقْوَالهمْ . الرَّابِع : طَيِّبِينَ الْأَنْفُس ثِقَة بِمَا يَلْقَوْنَهُ مِنْ ثَوَاب اللَّه تَعَالَى . الْخَامِس : طَيِّبَة نُفُوسهمْ بِالرُّجُوعِ إِلَى اللَّه . السَّادِس : | طَيِّبِينَ | أَنْ تَكُون وَفَاتهمْ طَيِّبَة سَهْلَة لَا صُعُوبَة فِيهَا وَلَا أَلَم ; بِخِلَافِ مَا تُقْبَض بِهِ رُوح الْكَافِر وَالْمُخَلِّط . وَاَللَّه أَعْلَم .|يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ|يَحْتَمِل وَجْهَيْنِ : أَحَدهمَا : أَنْ يَكُون السَّلَام إِنْذَارًا لَهُمْ بِالْوَفَاةِ . الثَّانِي : أَنْ يَكُون تَبْشِيرًا لَهُمْ بِالْجَنَّةِ ; لِأَنَّ السَّلَام أَمَان . وَذَكَرَ اِبْن الْمُبَارَك قَالَ : حَدَّثَنِي حَيْوَة قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو صَخْر عَنْ مُحَمَّد بْن كَعْب الْقُرَظِيّ قَالَ : إِذَا اِسْتَنْقَعَتْ نَفْس الْعَبْد الْمُؤْمِن جَاءَهُ مَلَك الْمَوْت فَقَالَ : السَّلَام عَلَيْك وَلِيّ اللَّهِ اللَّهُ يَقْرَأ عَلَيْك السَّلَام . ثُمَّ نَزَعَ بِهَذِهِ الْآيَة | الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمْ الْمَلَائِكَة طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَام عَلَيْكُمْ | . وَقَالَ اِبْن مَسْعُود : إِذَا جَاءَ مَلَك الْمَوْت يَقْبِض رُوح الْمُؤْمِن قَالَ : رَبّك يُقْرِئك السَّلَام . وَقَالَ مُجَاهِد : إِنَّ الْمُؤْمِن لَيُبَشَّر بِصَلَاحِ وَلَده مِنْ بَعْده لِتَقَرّ عَيْنه . وَقَدْ أَتَيْنَا عَلَى هَذَا فِي ( كِتَاب التَّذْكِرَة ) وَذَكَرْنَا هُنَاكَ الْأَخْبَار الْوَارِدَة فِي هَذَا الْمَعْنَى , وَالْحَمْد لِلَّهِ .|ادْخُلُوا الْجَنَّةَ|يَحْتَمِل وَجْهَيْنِ : أَحَدهمَا : أَنْ يَكُون مَعْنَاهُ أَبْشِرُوا بِدُخُولِ الْجَنَّة . الثَّانِي : أَنْ يَقُولُوا ذَلِكَ لَهُمْ فِي الْآخِرَة|بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ|يَعْنِي فِي الدُّنْيَا مِنْ الصَّالِحَات .

هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ

هَذَا رَاجِع إِلَى الْكُفَّار , أَيْ مَا يَنْتَظِرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ الْمَلَائِكَة لِقَبْضِ أَرْوَاحهمْ وَهُمْ ظَالِمُونَ لِأَنْفُسِهِمْ . وَقَرَأَ الْأَعْمَش وَابْن وَثَّاب وَحَمْزَة وَالْكِسَائِيّ وَخَلَف | يَأْتِيهمْ الْمَلَائِكَة | بِالْيَاءِ . وَالْبَاقُونَ بِالتَّاءِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ .|أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ|أَيْ بِالْعَذَابِ مِنْ الْقَتْل كَيَوْمِ بَدْر , أَوْ الزَّلْزَلَة وَالْخَسْف فِي الدُّنْيَا . وَقِيلَ : الْمُرَاد يَوْم الْقِيَامَة . وَالْقَوْم لَمْ يَنْتَظِرُوا هَذِهِ الْأَشْيَاء لِأَنَّهُمْ مَا آمَنُوا بِهَا , وَلَكِنَّ اِمْتِنَاعهمْ عَنْ الْإِيمَان أَوْجَبَ عَلَيْهِمْ الْعَذَاب , فَأُضِيفَ ذَلِكَ إِلَيْهِمْ , أَيْ عَاقِبَتهمْ الْعَذَاب .|كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ|أَيْ أَصَرُّوا عَلَى الْكُفْر فَأَتَاهُمْ أَمْر اللَّه فَهَلَكُوا .|وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ|أَيْ مَا ظَلَمَهُمْ اللَّه بِتَعْذِيبِهِمْ وَإِهْلَاكهمْ , وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسهمْ بِالشِّرْكِ .

فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ

قِيلَ : فِيهِ تَقْدِيم وَتَأْخِير ; التَّقْدِير : كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلهمْ فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَات مَا عَمِلُوا , وَمَا ظَلَمَهُمْ اللَّه وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسهمْ يَظْلِمُونَ , فَأَصَابَهُمْ عُقُوبَات كُفْرهمْ وَجَزَاء الْخَبِيث مِنْ أَعْمَالهمْ .|وَحَاقَ بِهِمْ|أَيْ أَحَاطَ بِهِمْ وَدَارَ .|مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ|أَيْ عِقَاب اِسْتِهْزَائِهِمْ .

وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ

أَيْ شَيْئًا , و | مِنْ | صِلَة . قَالَ الزَّجَّاج : قَالُوهُ اِسْتِهْزَاء , وَلَوْ قَالُوهُ عَنْ اِعْتِقَاد لَكَانُوا مُؤْمِنِينَ . وَأَخْبَرَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ بِالْغَيْبِ عَمَّا سَيَقُولُونَهُ ; وَظَنُّوا أَنَّ هَذَا مُتَمَسَّك لَهُمْ لَمَّا لَزِمَتْهُمْ الْحُجَّة وَتَيَقَّنُوا بَاطِل مَا كَانُوا عَلَيْهِ . وَالْمَعْنَى : لَوْ شَاءَ اللَّه لَأَرْسَلَ إِلَى آبَائِنَا رَسُولًا فَنَهَاهُمْ عَنْ الشِّرْك وَعَنْ تَحْرِيم مَا أَحَلَّ لَهُمْ فَيَنْتَهُوا فَأَتْبَعْنَاهُمْ عَلَى ذَلِكَ .|كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ|أَيْ مِثْل هَذَا التَّكْذِيب وَالِاسْتِهْزَاء فِعْل مَنْ كَانَ قَبْلهمْ بِالرُّسُلِ فَأُهْلِكُوا .|فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ|أَيْ لَيْسَ عَلَيْهِمْ إِلَّا التَّبْلِيغ , وَأَمَّا الْهِدَايَة فَهِيَ إِلَى اللَّه تَعَالَى .

وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ

أَيْ بِأَنْ اُعْبُدُوا اللَّه وَوَحِّدُوهُ .|وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ|أَيْ اُتْرُكُوا كُلّ مَعْبُود دُون اللَّه كَالشَّيْطَانِ وَالْكَاهِن وَالصَّنَم , وَكُلّ مَنْ دَعَا إِلَى الضَّلَال .|فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ|أَيْ أَرْشَدَهُ إِلَى دِينه وَعِبَادَته .|وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ|أَيْ بِالْقَضَاءِ السَّابِق عَلَيْهِ حَتَّى مَاتَ عَلَى كُفْره , وَهَذَا يَرُدّ عَلَى الْقَدَرِيَّة ; لِأَنَّهُمْ زَعَمُوا أَنَّ اللَّه هَدَى النَّاس كُلّهمْ وَوَفَّقَهُمْ لِلْهُدَى , وَاَللَّه تَعَالَى يَقُول : | فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّه وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَة | وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا فِي غَيْر مَوْضِع|فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ|أَيْ فَسِيرُوا مُعْتَبِرِينَ فِي الْأَرْض|فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ|أَيْ كَيْفَ صَارَ آخِر أَمْرهمْ إِلَى الْخَرَاب وَالْعَذَاب وَالْهَلَاك .

إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ

أَيْ إِنْ تَطْلُب يَا مُحَمَّد بِجَهْدِك هُدَاهُمْ .|فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ|أَيْ لَا يُرْشِد مَنْ أَضَلَّهُ , أَيْ مَنْ سَبَقَ لَهُ مِنْ اللَّه الضَّلَالَة لَمْ يَهْدِهِ . وَهَذِهِ قِرَاءَة اِبْن مَسْعُود وَأَهْل الْكُوفَة . | فَيَهْدِي | فِعْل مُسْتَقْبَل وَمَاضِيه هَدَى . و | مَنْ | فِي مَوْضِع نَصْب | بِيَهْدِي | وَيَجُوز أَنْ يَكُون هَدَى يَهْدِي بِمَعْنَى اِهْتَدَى يَهْتَدِي , رَوَاهُ أَبُو عُبَيْد عَنْ الْفَرَّاء قَالَ : كَمَا قُرِئَ | أَمَّنْ لَا يَهْدِي إِلَّا أَنْ يُهْدَى | [ يُونُس : 35 ] بِمَعْنَى يَهْتَدِي . قَالَ أَبُو عُبَيْد : وَلَا نَعْلَم أَحَدًا رَوَى هَذَا غَيْر الْفَرَّاء , وَلَيْسَ بِمُتَّهَمٍ فِيمَا يَحْكِيه النَّحَّاس : حُكِيَ لِي عَنْ مُحَمَّد بْن يَزِيد كَأَنَّ مَعْنَى | لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلّ | مَنْ عَلِمَ ذَلِكَ مِنْهُ وَسَبَقَ ذَلِكَ لَهُ عِنْده , قَالَ : وَلَا يَكُون يَهْدِي بِمَعْنَى يَهْتَدِي إِلَّا أَنْ يَكُون يُهْدِي أَوْ يَهْدِي . وَعَلَى قَوْل الْفَرَّاء | يَهْدِي | بِمَعْنَى يَهْتَدِي , فَيَكُون | مَنْ | فِي مَوْضِع رَفْع , وَالْعَائِد إِلَى | مَنْ | الْهَاء الْمَحْذُوفَة مِنْ الصِّلَة , وَالْعَائِد إِلَى اِسْم | إِنَّ | الضَّمِير الْمُسْتَكِنّ فِي | يُضِلّ | . وَقَرَأَ الْبَاقُونَ | لَا يُهْدَى | بِضَمِّ الْيَاء وَفَتْح الدَّال , وَاخْتَارَهُ أَبُو عُبَيْد وَأَبُو حَاتِم , عَلَى مَعْنَى مَنْ أَضَلَّهُ اللَّه لَمْ يَهْدِهِ هَادٍ ; دَلِيله قَوْله : | مَنْ يُضْلِلْ اللَّه فَلَا هَادِيَ لَهُ | [ الْأَعْرَاف : 186 ] و | مَنْ | فِي مَوْضِع رَفْع عَلَى أَنَّهُ اِسْم مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِله , وَهِيَ بِمَعْنَى الَّذِي , وَالْعَائِد عَلَيْهَا مِنْ صِلَتهَا مَحْذُوف , وَالْعَائِد عَلَى اِسْم إِنَّ مِنْ | فَإِنَّ اللَّه | الضَّمِير الْمُسْتَكِنّ فِي | يُضِلّ | .

وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ

هَذَا تَعْجِيب مِنْ صُنْعهمْ , إِذْ أَقْسَمُوا بِاَللَّهِ وَبَالَغُوا فِي تَغْلِيظ الْيَمِين بِأَنَّ اللَّه لَا يَبْعَث مَنْ يَمُوت . وَوَجْه التَّعْجِيب أَنَّهُمْ يُظْهِرُونَ تَعْظِيم اللَّه فَيُقْسِمُونَ بِهِ ثُمَّ يُعَجِّزُونَهُ عَنْ بَعْث الْأَمْوَات . وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَة : كَانَ لِرَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ عَلَى مُشْرِك دَيْن فَتَقَاضَاهُ , وَكَانَ فِي بَعْض كَلَامه : وَاَلَّذِي أَرْجُوهُ بَعْد الْمَوْت إِنَّهُ لَكَذَا , فَأَقْسَمَ الْمُشْرِك بِاَللَّهِ : لَا يَبْعَث اللَّه مَنْ يَمُوت ; فَنَزَلَتْ الْآيَة . وَقَالَ قَتَادَة : ذُكِرَ لَنَا أَنَّ اِبْن عَبَّاس قَالَ لَهُ رَجُل : يَا ابْن عَبَّاس , إِنَّ نَاسًا يَزْعُمُونَ أَنَّ عَلِيًّا مَبْعُوث بَعْد الْمَوْت قَبْل السَّاعَة , وَيَتَأَوَّلُونَ هَذِهِ الْآيَة . فَقَالَ اِبْن عَبَّاس : كَذَبَ أُولَئِكَ ! إِنَّمَا هَذِهِ الْآيَة عَامَّة لِلنَّاسِ , لَوْ كَانَ عَلِيّ مَبْعُوثًا قَبْل الْقِيَامَة مَا نَكَحْنَا نِسَاءَهُ وَلَا قَسَمْنَا مِيرَاثه .|بَلَى|هَذَا رَدّ عَلَيْهِمْ ; أَيْ بَلَى لَيَبْعَثَنَّهُمْ .|وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا|مَصْدَر مُؤَكَّد ; لِأَنَّ قَوْله | يَبْعَثهُمْ | يَدُلّ عَلَى الْوَعْد , أَيْ وَعَدَ الْبَعْث وَعْدًا حَقًّا .|وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ|أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ . وَفِي الْبُخَارِيّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( قَالَ اللَّه تَعَالَى كَذَّبَنِي اِبْن آدَم وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ وَشَتَمَنِي وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ فَأَمَّا تَكْذِيبه إِيَّايَ فَقَوْله لَنْ يُعِيدنِي كَمَا بَدَأَنِي وَأَمَّا شَتْمه إِيَّايَ فَقَوْله اِتَّخَذَ اللَّه وَلَدًا وَأَنَا الْأَحَد الصَّمَد لَمْ يَلِد وَلَمْ يُولَد وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَد ) . وَقَدْ تَقَدَّمَ وَيَأْتِي

لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ

أَيْ لِيُظْهِر لَهُمْ .|الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ|أَيْ مِنْ أَمْر الْبَعْث .|وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا|بِالْبَعْثِ وَأَقْسَمُوا عَلَيْهِ|أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ|وَقِيلَ : الْمَعْنَى وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلّ أُمَّة رَسُولًا لِيُبَيِّن لَهُمْ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ , وَاَلَّذِي اِخْتَلَفَ فِيهِ الْمُشْرِكُونَ وَالْمُسْلِمُونَ أُمُور : مِنْهَا الْبَعْث , وَمِنْهَا عِبَادَة الْأَصْنَام , وَمِنْهَا إِقْرَار قَوْم بِأَنَّ مُحَمَّدًا حَقّ وَلَكِنْ مَنَعَهُمْ مِنْ اِتِّبَاعه التَّقْلِيد ; كَأَبِي طَالِب .

إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ

أَعْلَمَهُمْ سُهُولَة الْخَلْق عَلَيْهِ , أَيْ إِذَا أَرَدْنَا أَنْ نَبْعَث مَنْ يَمُوت فَلَا تَعَب عَلَيْنَا وَلَا نَصَب فِي إِحْيَائِهِمْ , وَلَا فِي غَيْر ذَلِكَ مِمَّا نُحْدِثهُ ; لِأَنَّا إِنَّمَا نَقُول لَهُ كُنْ فَيَكُون . قِرَاءَة اِبْن عَامِر وَالْكِسَائِيّ | فَيَكُونَ | نَصْبًا عَطْفًا عَلَى أَنْ نَقُول . وَقَالَ الزَّجَّاج : يَجُوز أَنْ يَكُون نَصْبًا عَلَى جَوَاب | كُنْ | . الْبَاقُونَ بِالرَّفْعِ عَلَى مَعْنَى فَهُوَ يَكُون . وَقَدْ مَضَى الْقَوْل فِيهِ فِي | الْبَقَرَة | مُسْتَوْفًى وَقَالَ اِبْن الْأَنْبَارِيّ : أَوْقَعَ لَفْظ الشَّيْء عَلَى الْمَعْلُوم عِنْد اللَّه قَبْل الْخَلْق لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ مَا وُجِدَ وَشُوهِدَ . وَفِي الْآيَة دَلِيل عَلَى أَنَّ الْقُرْآن غَيْر مَخْلُوق ; لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ قَوْله : | كُنْ | مَخْلُوقًا لَاحْتَاجَ إِلَى قَوْل ثَانٍ , وَالثَّانِي إِلَى ثَالِث وَتَسَلْسَلَ وَكَانَ مُحَالًا . وَفِيهَا دَلِيل عَلَى أَنَّ اللَّه سُبْحَانه مُرِيد لِجَمِيعِ الْحَوَادِث كُلّهَا خَيْرهَا وَشَرّهَا نَفْعهَا وَضُرّهَا ; وَالدَّلِيل عَلَى ذَلِكَ أَنَّ مَنْ يُرَى فِي سُلْطَانه مَا يَكْرَههُ وَلَا يُرِيدهُ فَلِأَحَدِ شَيْئَيْنِ : إِمَّا لِكَوْنِهِ جَاهِلًا لَا يَدْرِي , وَإِمَّا لِكَوْنِهِ مَغْلُوبًا لَا يُطِيق , وَلَا يَجُوز ذَلِكَ فِي وَصْفه سُبْحَانه , وَقَدْ قَامَ الدَّلِيل عَلَى أَنَّهُ خَالِق لِاكْتِسَابِ الْعِبَاد , وَيَسْتَحِيل أَنْ يَكُون فَاعِلًا لِشَيْءٍ وَهُوَ غَيْر مُرِيد لَهُ ; لِأَنَّ أَكْثَر أَفْعَالنَا يَحْصُل عَلَى خِلَاف مَقْصُودنَا وَإِرَادَتنَا , فَلَوْ لَمْ يَكُنْ الْحَقّ سُبْحَانه مُرِيدًا لَهَا لَكَانَتْ تِلْكَ الْأَفْعَال تَحْصُل مِنْ غَيْر قَصْد ; وَهَذَا قَوْل الطَّبِيعِيِّينَ , وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُوَحِّدُونَ عَلَى خِلَافه وَفَسَاده .

وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآَخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ

تَقَدَّمَ فِي | النِّسَاء | مَعْنَى الْهِجْرَة , وَهِيَ تَرْك الْأَوْطَان وَالْأَهْل وَالْقَرَابَة فِي اللَّه أَوْ فِي دِين اللَّه , وَتَرْك السَّيِّئَات .|وَقِيلَ : | فِي | بِمَعْنَى اللَّام , أَيْ لِلَّهِ .|مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا|أَيْ عُذِّبُوا فِي اللَّه . نَزَلَتْ فِي صُهَيْب وَبِلَال وَخَبَّاب وَعَمَّار , عَذَّبَهُمْ أَهْل مَكَّة حَتَّى قَالُوا لَهُمْ مَا أَرَادُوا , فَلَمَّا خَلَّوْهُمْ هَاجَرُوا إِلَى الْمَدِينَة ; قَالَهُ الْكَلْبِيّ . وَقِيلَ : نَزَلَتْ فِي أَبِي جَنْدَل بْن سُهَيْل . وَقَالَ قَتَادَة : الْمُرَاد أَصْحَاب مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , ظَلَمَهُمْ الْمُشْرِكُونَ بِمَكَّة وَأَخْرَجُوهُمْ حَتَّى لَحِقَ طَائِفَة مِنْهُمْ بِالْحَبَشَةِ ; ثُمَّ بَوَّأَهُمْ اللَّه تَعَالَى دَار الْهِجْرَة وَجَعَلَ لَهُمْ أَنْصَارًا مِنْ الْمُؤْمِنِينَ . وَالْآيَة تَعُمّ الْجَمِيع .|لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً|فِي الْحَسَنَة سِتَّة أَقْوَال :</p><p>الْأَوَّل : نُزُول الْمَدِينَة ; قَالَهُ اِبْن عَبَّاس وَالْحَسَن وَالشَّعْبِيّ وَقَتَادَة .</p><p>الثَّانِي : الرِّزْق الْحَسَن ; قَالَهُ مُجَاهِد .</p><p>الثَّالِث : النَّصْر عَلَى عَدُوّهُمْ ; قَالَهُ الضَّحَّاك .</p><p>الرَّابِع : إِنَّهُ لِسَان صِدْق ; حَكَاهُ اِبْن جُرَيْج .</p><p>الْخَامِس : مَا اِسْتَوْلَوْا عَلَيْهِ مِنْ فُتُوح الْبِلَاد وَصَارَ لَهُمْ فِيهَا مِنْ الْوِلَايَات .</p><p>السَّادِس : مَا بَقِيَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا مِنْ الثَّنَاء , وَمَا صَارَ فِيهَا لِأَوْلَادِهِمْ مِنْ الشَّرَف . وَكُلّ ذَلِكَ اِجْتَمَعَ لَهُمْ بِفَضْلِ اللَّه , وَالْحَمْد لِلَّهِ .|وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ|أَيْ وَلَأَجْر دَار الْآخِرَة أَكْبَر , أَيْ أَكْبَر مِنْ أَنْ يَعْلَمهُ أَحَد قَبْل أَنْ يُشَاهِدهُ ; | وَإِذَا رَأَيْت ثَمَّ رَأَيْت نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا | [ الْإِنْسَان : 20 ]|لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ|أَيْ لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ الظَّالِمُونَ يَعْلَمُونَ ذَلِكَ . وَقِيلَ : هُوَ رَاجِع إِلَى الْمُؤْمِنِينَ . أَيْ لَوْ رَأَوْا ثَوَاب الْآخِرَة وَعَايَنُوهُ لَعَلِمُوا أَنَّهُ أَكْبَر مِنْ حَسَنَة الدُّنْيَا . وَرُوِيَ أَنَّ عُمَر بْن الْخَطَّاب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ كَانَ إِذَا دَفَعَ إِلَى الْمُهَاجِرِينَ الْعَطَاء قَالَ : هَذَا مَا وَعَدَكُمْ اللَّه فِي الدُّنْيَا وَمَا ادَّخَرَ لَكُمْ فِي الْآخِرَة أَكْثَر ; ثُمَّ تَلَا عَلَيْهِمْ هَذِهِ الْآيَة .

الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ

قِيلَ : | الَّذِينَ | بَدَل مِنْ | الَّذِينَ | الْأَوَّل . وَقِيلَ : مِنْ الضَّمِير فِي | لَنُبَوِّئَنَّهُمْ | وَقِيلَ : هُمْ الَّذِينَ صَبَرُوا عَلَى دِينهمْ . | وَعَلَى رَبّهمْ يَتَوَكَّلُونَ | فِي كُلّ أُمُورهمْ . وَقَالَ بَعْض أَهْل التَّحْقِيق : خِيَار الْخَلْق مَنْ إِذَا نَابَهُ أَمْر صَبَرَ , وَإِذَا عَجَزَ عَنْ أَمْر تَوَكَّلَ ; قَالَ اللَّه تَعَالَى : | الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبّهمْ يَتَوَكَّلُونَ | .

وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ

قِرَاءَة الْعَامَّة | يُوحَى | بِالْيَاءِ وَفَتْح الْحَاء . وَقَرَأَ حَفْص عَنْ عَاصِم | نُوحِي إِلَيْهِمْ | بِنُونِ الْعَظَمَة وَكَسْر الْحَاء . نَزَلَتْ فِي مُشْرِكِي مَكَّة حَيْثُ أَنْكَرُوا نُبُوَّة مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالُوا : اللَّه أَعْظَم مِنْ أَنْ يَكُون رَسُوله بَشَرًا , فَهَلَّا بَعَثَ إِلَيْنَا مَلَكًا ; فَرَدَّ اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ : | وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلك | إِلَى الْأُمَم الْمَاضِيَة يَا مُحَمَّد | إِلَّا رِجَالًا | آدَمِيِّينَ .|فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ|قَالَ سُفْيَان : يَعْنِي مُؤْمِنِي أَهْل الْكِتَاب . وَقِيلَ : الْمَعْنَى فَاسْأَلُوا أَهْل الْكِتَاب فَإِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا فَهُمْ مُعْتَرِفُونَ بِأَنَّ الرُّسُل كَانُوا مِنْ الْبَشَر . رُوِيَ مَعْنَاهُ عَنْ اِبْن عَبَّاس وَمُجَاهِد . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : أَهْل الذِّكْر أَهْل الْقُرْآن . وَقِيلَ : أَهْل الْعِلْم , وَالْمَعْنَى مُتَقَارِب .|إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ|يُخْبِرُونَكُمْ أَنَّ جَمِيع الْأَنْبِيَاء كَانُوا بَشَرًا .

بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ

قِيلَ : | بِالْبَيِّنَاتِ , مُتَعَلِّق | بِأَرْسَلْنَا | . وَفِي الْكَلَام تَقْدِيم وَتَأْخِير , أَيْ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلك بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُر إِلَّا رِجَالًا - أَيْ غَيْر رِجَال , | فَإِلَّا | بِمَعْنَى غَيْر ; كَقَوْلِهِ : لَا إِلَه إِلَّا اللَّه , وَهَذَا قَوْل الْكَلْبِيّ - نُوحِي إِلَيْهِمْ . وَقِيلَ : فِي الْكَلَام حَذْف دَلَّ عَلَيْهِ | أَرْسَلْنَا | أَيْ أَرْسَلْنَاهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُر . وَلَا يَتَعَلَّق | بِالْبَيِّنَاتِ | | بِأَرْسَلْنَا | الْأَوَّل عَلَى هَذَا الْقَوْل ; لِأَنَّ مَا قَبْل | إِلَّا | لَا يَعْمَل فِيمَا بَعْدهَا , وَإِنَّمَا يَتَعَلَّق بِأَرْسَلْنَا الْمُقَدَّرَة , أَيْ أَرْسَلْنَاهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ . وَقِيلَ : مَفْعُول | بِتَعْلَمُونَ | وَالْبَاء زَائِدَة , أَوْ نُصِبَ بِإِضْمَارِ أَعْنِي ; كَمَا قَالَ الْأَعْشَى : <br>وَلَيْسَ مُجِيرًا إِنْ أَتَى الْحَيّ خَائِف .......... وَلَا قَائِلًا إِلَّا هُوَ الْمُتَعَيَّبَا <br>أَيْ أَعْنِي الْمُتَعَيَّب . وَالْبَيِّنَات : الْحُجَج وَالْبَرَاهِين . وَالزُّبُر : الْكُتُب . وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي آل عِمْرَان|وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ|يَعْنِي الْقُرْآن .|لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ|فِي هَذَا الْكِتَاب مِنْ الْأَحْكَام وَالْوَعْد وَالْوَعِيد بِقَوْلِك وَفِعْلك ; فَالرَّسُول صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُبِين عَنْ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ مُرَاده مِمَّا أَجْمَلَهُ فِي كِتَابه مِنْ أَحْكَام الصَّلَاة وَالزَّكَاة , وَغَيْر ذَلِكَ مِمَّا لَمْ يُفَصِّلهُ .|وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ|فَيَتَّعِظُونَ .

أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ

أَيْ بِالسَّيِّئَاتِ , وَهَذَا وَعِيد لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ اِحْتَالُوا فِي إِبْطَال الْإِسْلَام .|أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ|قَالَ اِبْن عَبَّاس : كَمَا خَسَفَ بِقَارُون , يُقَال : خَسَفَ الْمَكَان يَخْسِف خُسُوفًا ذَهَبَ فِي الْأَرْض , وَخَسَفَ اللَّه بِهِ الْأَرْض خُسُوفًا أَيْ غَابَ بِهِ فِيهَا ; وَمِنْهُ قَوْله : | فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْض | [ الْقَصَص : 81 ] . وَخَسَفَ هُوَ فِي الْأَرْض وَخُسِفَ بِهِ . وَالِاسْتِفْهَام بِمَعْنَى الْإِنْكَار ; أَيْ يَجِب أَلَّا يَأْمَنُوا عُقُوبَة تَلْحَقهُمْ كَمَا لَحِقَتْ الْمُكَذِّبِينَ .|أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ|كَمَا فُعِلَ بِقَوْمِ لُوط وَغَيْرهمْ . يُرِيد يَوْم بَدْر ; فَإِنَّهُمْ أُهْلِكُوا ذَلِكَ الْيَوْم , وَلَمْ يَكُنْ شَيْء مِنْهُ فِي حِسَابهمْ .

أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ

أَيْ فِي أَسْفَارهمْ وَتَصَرُّفهمْ ; قَالَهُ قَتَادَة . وَقِيلَ : | فِي تَقَلُّبهمْ | عَلَى فِرَاشهمْ أَيْنَمَا كَانُوا . وَقَالَ الضَّحَّاك : بِاللَّيْلِ وَالنَّهَار .|فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ|أَيْ مُسَابِقِينَ اللَّه وَلَا فَائِتِيهِ .

أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ

قَالَ اِبْن عَبَّاس وَمُجَاهِد وَغَيْرهمْ أَيْ عَلَى تَنَقُّص مِنْ أَمْوَالهمْ وَمَوَاشِيهمْ وَزُرُوعهمْ . وَكَذَا قَالَ اِبْن الْأَعْرَابِيّ : أَيْ عَلَى تَنَقُّص مِنْ الْأَمْوَال وَالْأَنْفُس وَالثَّمَرَات حَتَّى أَهْلَكَهُمْ كُلّهمْ . وَقَالَ الضَّحَّاك : هُوَ مِنْ الْخَوْف ; الْمَعْنَى : يَأْخُذ طَائِفَة وَيَدَع طَائِفَة , فَتَخَاف الْبَاقِيَة أَنْ يَنْزِل بِهَا مَا نَزَلَ بِصَاحِبَتِهَا . وَقَالَ الْحَسَن : | عَلَى تَخَوُّف | أَنْ يَأْخُذ الْقَرْيَة فَتَخَافهُ الْقَرْيَة الْأُخْرَى , وَهَذَا هُوَ مَعْنَى الْقَوْل الَّذِي قَبْله بِعَيْنِهِ , وَهُمَا رَاجِعَانِ إِلَى الْمَعْنَى الْأَوَّل , وَأَنَّ التَّخَوُّف التَّنَقُّص ; تَخَوُّفه تَنَقُّصه , وَتَخَوَّفَهُ الدَّهْر وَتَخَوَّنَهُ - بِالْفَاءِ وَالنُّون - بِمَعْنًى ; يُقَال : تَخَوَّنَنِي فُلَان حَقِّي إِذَا تَنَقَّصَك . قَالَ ذُو الرُّمَّة : <br>لَا , بَلْ هُوَ الشَّوْق مِنْ دَار تَخَوَّنَهَا .......... مَرًّا سَحَاب وَمَرًّا بَارِح تَرِب <br>وَقَالَ لَبِيد : <br>تَخَوَّنَهَا نُزُولِي وَارْتِحَالِي <br>أَيْ تَنَقَّصَ لَحْمهَا وَشَحْمهَا . وَقَالَ الْهَيْثَم بْن عَدِيّ : التَّخَوُّف | بِالْفَاءِ | التَّنَقُّص , لُغَة لِأَزْدِشَنُوءَةَ . وَأَنْشَدَ : <br>تَخَوَّفَ غَدْرهمْ مَالِي وَأَهْدَى .......... سَلَاسِل فِي الْحُلُوق لَهَا صَلِيل <br>وَقَالَ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب : بَيْنَمَا عُمَر بْن الْخَطَّاب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ عَلَى الْمِنْبَر قَالَ : يَا أَيّهَا النَّاس , مَا تَقُولُونَ فِي قَوْل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : | أَوْ يَأْخُذهُمْ عَلَى تَخَوُّف | فَسَكَتَ النَّاس , فَقَالَ شَيْخ مِنْ بَنِي هُذَيْل : هِيَ لُغَتنَا يَا أَمِير الْمُؤْمِنِينَ , التَّخَوُّف التَّنَقُّص . فَخَرَجَ رَجُل فَقَالَ : يَا فُلَان , مَا فَعَلَ دَيْنك ؟ قَالَ : تَخَوَّفْته , أَيْ تَنَقَّصْته ; فَرَجَعَ فَأَخْبَرَ عُمَر فَقَالَ عُمَر : أَتَعْرِفُ الْعَرَب ذَلِكَ فِي أَشْعَارهمْ ؟ قَالَ نَعَمْ ; قَالَ شَاعِرنَا أَبُو كَبِير الْهُذَلِيّ يَصِف نَاقَة تَنَقَّصَ السَّيْر سَنَامهَا بَعْد تَمْكه وَاكْتِنَازه : <br>تَخَوَّفَ الرَّحْل مِنْهَا تَامِكًا قَرِدًا .......... كَمَا تَخَوَّفَ عُود النَّبْعَة السَّفَن <br>فَقَالَ عُمَر : يَا أَيّهَا النَّاس , عَلَيْكُمْ بِدِيوَانِكُمْ شِعْر الْجَاهِلِيَّة فَإِنَّ فِيهِ تَفْسِير كِتَابكُمْ وَمَعَانِي كَلَامكُمْ . تَمَكَ السَّنَام يَتْمِك تَمْكًا , أَيْ طَالَ وَارْتَفَعَ , فَهُوَ تَامِك . وَالسَّفَن وَالْمِسْفَن مَا يُنْجَر بِهِ الْخَشَب . وَقَالَ اللَّيْث بْن سَعْد : | عَلَى تَخَوُّف | عَلَى عَجَل . وَقَالَ : عَلَى تَقْرِيع بِمَا قَدَّمُوهُ مِنْ ذُنُوبهمْ , وَهَذَا مَرْوِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس أَيْضًا . وَقَالَ قَتَادَة : | عَلَى تَخَوُّف | أَنْ يُعَاقِب أَوْ يَتَجَاوَز .|فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ|أَيْ لَا يُعَاجِل بَلْ يُمْهِل .

أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ

قَرَأَ حَمْزَة وَالْكِسَائِيّ وَخَلَف وَيَحْيَى وَالْأَعْمَش | تَرَوْا | بِالتَّاءِ , عَلَى أَنَّ الْخِطَاب لِجَمِيعِ النَّاس . الْبَاقُونَ بِالْيَاءِ خَبَرًا عَنْ الَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَات ; وَهُوَ الِاخْتِيَار .|إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ|| مِنْ شَيْء | يَعْنِي مِنْ جِسْم قَائِم لَهُ ظِلّ مِنْ شَجَرَة أَوْ جَبَل ; قَالَهُ اِبْن عَبَّاس . وَإِنْ كَانَتْ الْأَشْيَاء كُلّهَا سَمِيعَة مُطِيعَة لِلَّهِ تَعَالَى .|يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ|| يَتَفَيَّأ ظِلَاله | قَرَأَ أَبُو عَمْرو وَيَعْقُوب وَغَيْرهمَا بِالتَّاءِ لِتَأْنِيثِ الظِّلَال . الْبَاقُونَ بِالْيَاءِ , وَاخْتَارَهُ أَبُو عُبَيْد . أَيْ يَمِيل مِنْ جَانِب إِلَى جَانِب , وَيَكُون أَوَّل النَّهَار عَلَى حَال وَيَتَقَلَّص ثُمَّ يَعُود فِي آخِر النَّهَار عَلَى حَالَة أُخْرَى ; فَدَوَرَانهَا وَمَيَلَانهَا مِنْ مَوْضِع إِلَى مَوْضِع سُجُودهَا ; وَمِنْهُ قِيلَ لِلظِّلِّ بِالْعَشِيِّ : فَيْء ; لِأَنَّهُ فَاءَ مِنْ الْمَغْرِب إِلَى الْمَشْرِق , أَيْ رَجَعَ . وَالْفَيْء الرُّجُوع ; وَمِنْهُ | حَتَّى تَفِيء إِلَى أَمْر اللَّه | [ الْحُجُرَات : 9 ] . رُوِيَ مَعْنَى هَذَا الْقَوْل عَنْ الضَّحَّاك وَقَتَادَة وَغَيْرهمَا , وَقَدْ مَضَى هَذَا الْمَعْنَى فِي سُورَة | الرَّعْد | وَقَالَ الزَّجَّاج : يَعْنِي سُجُود الْجِسْم , وَسُجُوده اِنْقِيَاده وَمَا يَرَى فِيهِ مِنْ أَثَر الصَّنْعَة , وَهَذَا عَامّ فِي كُلّ جِسْم .</p><p>وَوَحَّدَ الْيَمِين فِي قَوْله : | عَنْ الْيَمِين | وَجَمَعَ الشِّمَال ; لِأَنَّ مَعْنَى الْيَمِين وَإِنْ كَانَ وَاحِدًا الْجَمْعُ . وَلَوْ قَالَ : عَنْ الْأَيْمَان وَالشَّمَائِل , وَالْيَمِين وَالشَّمَائِل , أَوْ الْيَمِين وَالشِّمَال , أَوْ الْأَيْمَان وَالشِّمَال لَجَازَ ; لِأَنَّ الْمَعْنَى لِلْكَثْرَةِ . وَأَيْضًا فَمِنْ شَأْن الْعَرَب إِذَا اِجْتَمَعَتْ عَلَامَتَانِ فِي شَيْء وَاحِد أَنْ تَجْمَع إِحْدَاهُمَا وَتُفْرِد الْأُخْرَى ; كَقَوْلِهِ تَعَالَى : | خَتَمَ اللَّه عَلَى قُلُوبهمْ وَعَلَى سَمْعهمْ | [ الْبَقَرَة : 7 ] وَكَقَوْلِهِ : | وَيُخْرِجهُمْ مِنْ الظُّلُمَات إِلَى النُّور | [ الْمَائِدَة : 16 ] وَلَوْ قَالَ عَلَى أَسْمَاعهمْ وَإِلَى الْأَنْوَار لَجَازَ . وَيَجُوز أَنْ يَكُون رَدّ الْيَمِين عَلَى لَفْظ | مَا | وَالشِّمَال عَلَى مَعْنَاهَا . وَمِثْل هَذَا فِي الْكَلَام كَثِير . قَالَ الشَّاعِر : <br>الْوَارِدُونَ وَتَيْم فِي ذُرَا سَبَإٍ .......... قَدْ عَضَّ أَعْنَاقهمْ جِلْد الْجَوَامِيس <br>وَلَمْ يَقُلْ جُلُود . وَقِيلَ : وَحَّدَ الْيَمِين لِأَنَّ الشَّمْس إِذَا طَلَعَتْ وَأَنْتَ مُتَوَجِّه إِلَى الْقِبْلَة اِنْبَسَطَ الظِّلّ عَنْ الْيَمِين ثُمَّ فِي حَال يَمِيل إِلَى جِهَة الشِّمَال ثُمَّ حَالَات , فَسَمَّاهَا شَمَائِل .|وَهُمْ دَاخِرُونَ|أَيْ خَاضِعُونَ صَاغِرُونَ . وَالدُّخُور : الصَّغَار وَالذُّلّ . يُقَال : دَخَرَ الرَّجُل - بِالْفَتْحِ - فَهُوَ دَاخِر , وَأَدْخَرَهُ اللَّه . وَقَالَ ذُو الرُّمَّة : <br>فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا دَاخِر فِي مُخَيِّس .......... وَمُنْجَحِر فِي غَيْر أَرْضك فِي جُحْر <br>كَذَا نَسَبَهُ الْمَاوَرْدِيّ لِذِي الرُّمَّة , وَنَسَبَهُ الْجَوْهَرِيّ لِلْفَرَزْدَقِ وَقَالَ : الْمُخَيِّس اِسْم سِجْن كَانَ بِالْعِرَاقِ ; أَيْ مَوْضِع التَّذَلُّل , وَقَالَ . <br>أَمَا تَرَانِي كَيِّسًا مُكَيِّسًا .......... بَنَيْت بَعْد نَافِع مُخَيَّسًا<br>

وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ

أَيْ مِنْ كُلّ مَا يَدِبّ عَلَى الْأَرْض .|وَالْمَلَائِكَةُ|يَعْنِي الْمَلَائِكَة الَّذِينَ فِي الْأَرْض , وَإِنَّمَا أَفْرَدَهُمْ بِالذِّكْرِ لِاخْتِصَاصِهِمْ بِشَرَفِ الْمَنْزِلَة , فَمَيَّزَهُمْ مِنْ صِفَة الدَّبِيب بِالذِّكْرِ وَإِنْ دَخَلُوا فِيهَا ; كَقَوْلِهِ : | فِيهِمَا فَاكِهَة وَنَخْل وَرُمَّان | [ الرَّحْمَن : 68 ] . وَقِيلَ : لِخُرُوجِهِمْ مِنْ جُمْلَة مَا يَدِبّ لِمَا جَعَلَ اللَّه لَهُمْ مِنْ الْأَجْنِحَة , فَلَمْ يَدْخُلُوا فِي الْجُمْلَة فَلِذَلِكَ ذَكَرُوا . وَقِيلَ : أَرَادَ | وَلِلَّهِ يَسْجُد مَنْ فِي السَّمَوَات | مِنْ الْمَلَائِكَة وَالشَّمْس وَالْقَمَر وَالنُّجُوم وَالرِّيَاح وَالسَّحَاب , | وَمَا فِي الْأَرْض مِنْ دَابَّة | وَتَسْجُد مَلَائِكَة الْأَرْض .|وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ|عَنْ عِبَادَة رَبّهمْ . وَهَذَا رَدّ عَلَى قُرَيْش حَيْثُ زَعَمُوا أَنَّ الْمَلَائِكَة بَنَات اللَّه .

يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ

أَيْ عِقَاب رَبّهمْ وَعَذَابه , لِأَنَّ الْعَذَاب الْمُهْلِك إِنَّمَا يَنْزِل مِنْ السَّمَاء . وَقِيلَ : الْمَعْنَى يَخَافُونَ قُدْرَة رَبّهمْ الَّتِي هِيَ فَوْق قُدْرَتهمْ ; فَفِي الْكَلَام حَذْف . وَقِيلَ : مَعْنَى | يَخَافُونَ رَبّهمْ مِنْ فَوْقهمْ | يَعْنِي الْمَلَائِكَة , يَخَافُونَ رَبّهمْ وَهِيَ مِنْ فَوْق مَا فِي الْأَرْض مِنْ دَابَّة وَمَعَ ذَلِكَ يَخَافُونَ ; فَلِأَنْ يَخَاف مَنْ دُونهمْ أَوْلَى ; دَلِيل هَذَا الْقَوْل قَوْله تَعَالَى : | وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ||وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ|يَعْنِي الْمَلَائِكَة .

وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ

قِيلَ : الْمَعْنَى لَا تَتَّخِذُوا اِثْنَيْنِ إِلَهَيْنِ . وَقِيلَ : جَاءَ قَوْله | اِثْنَيْنِ | تَوْكِيدًا . وَلَمَّا كَانَ الْإِلَه الْحَقّ لَا يَتَعَدَّد وَأَنَّ كُلّ مَنْ يَتَعَدَّد فَلَيْسَ بِإِلَهٍ , اِقْتَصَرَ عَلَى ذِكْر الِاثْنَيْنِ ; لِأَنَّهُ قَصَدَ نَفْي التَّعْدِيد .|إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ|يَعْنِي ذَاته الْمُقَدَّسَة . وَقَدْ قَامَ الدَّلِيل الْعَقْلِيّ وَالشَّرْعِيّ عَلَى وَحْدَانِيّته حَسْبَمَا تَقَدَّمَ فِي | الْبَقَرَة | بَيَانه وَذَكَرْنَاهُ فِي اِسْمه الْوَاحِد فِي شَرْح الْأَسْمَاء وَالْحَمْد لِلَّهِ .|فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ|أَيْ خَافُونِ . وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي | الْبَقَرَة |

وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ

الدِّين : الطَّاعَة وَالْإِخْلَاص . و | وَاصِبًا | مَعْنَاهُ دَائِمًا ; قَالَهُ الْفَرَّاء , حَكَاهُ الْجَوْهَرِيّ . وَصَبَ الشَّيْء يَصِب وُصُوبًا , أَيْ دَامَ . وَوَصَبَ الرَّجُل عَلَى الْأَمْر إِذَا وَاظَبَ عَلَيْهِ . وَالْمَعْنَى : طَاعَة اللَّه وَاجِبَة أَبَدًا . وَمِمَّنْ قَالَ وَاصِبًا دَائِمًا : الْحَسَن وَمُجَاهِد وَقَتَادَة وَالضَّحَّاك . وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى : | وَلَهُمْ عَذَاب وَاصِب | [ الصَّافَّات : 9 ] أَيْ دَائِم . وَقَالَ الدُّؤَلِيّ : <br>لَا أَبْتَغِي الْحَمْد الْقَلِيل بَقَاؤُهُ .......... بِدَمٍ يَكُون الدَّهْر أَجْمَع وَاصِبا <br>أَنْشَدَ الْغَزْنَوِيّ وَالثَّعْلَبِيّ وَغَيْرهمَا : <br>مَا أَبْتَغِي الْحَمْد الْقَلِيل بَقَاؤُهُ .......... يَوْمًا بِذَمِّ الدَّهْر أَجْمَعَ وَاصِبَا <br>وَقِيلَ : الْوَصَب التَّعَب وَالْإِعْيَاء ; أَيْ تَجِب طَاعَة اللَّه وَإِنْ تَعِبَ الْعَبْد فِيهَا . وَمِنْهُ قَوْل الشَّاعِر : <br>لَا يَمَسّك السَّاق مِنْ أَيْنَ وَلَا وَصَب .......... وَلَا يَعَضّ عَلَى شُرْسُوفِهِ الصُّفْر <br>وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : | وَاصِبًا | وَاجِبًا . الْفَرَّاء وَالْكَلْبِيّ : خَالِصًا .|أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ|أَيْ لَا يَنْبَغِي أَنْ تَتَّقُوا غَيْر اللَّه . | فَغَيْر | نُصِبَ ب | تَتَّقُونَ | .

وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ

قَالَ الْفَرَّاء . | مَا | بِمَعْنَى الْجَزَاء . وَالْبَاء فِي | بِكُمْ | مُتَعَلِّقَة بِفِعْلٍ مُضْمَر , تَقْدِيره : وَمَا يَكُنْ بِكُمْ . | مِنْ نِعْمَة | أَيْ صِحَّة جِسْم وَسَعَة رِزْق وَوَلَد فَمِنْ اللَّه . وَقِيلَ : الْمَعْنَى وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَة فَمِنْ اللَّه هِيَ .|ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ|أَيْ السَّقَم وَالْبَلَاء وَالْقَحْط .|فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ|أَيْ تَضِجُّونَ بِالدُّعَاءِ . يُقَال : جَأَرَ يَجْأَر جُؤَارًا . وَالْجُؤَار مِثْل الْخُوَار ; يُقَال : جَأَرَ الثَّوْر يَجْأَر , أَيْ صَاحَ . وَقَرَأَ بَعْضهمْ | عِجْلًا جَسَدًا لَهُ جُؤَار | ; حَكَاهُ الْأَخْفَش . وَجَأَرَ الرَّجُل إِلَى اللَّه , أَيْ تَضَرَّعَ بِالدُّعَاءِ . وَقَالَ الْأَعْشَى يَصِف بَقَرَة : <br>فَطَافَتْ ثَلَاثًا بَيْن يَوْم وَلَيْلَة .......... وَكَانَ النَّكِير أَنْ تُضِيف وَتَجْأَرَا<br>

ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ

أَيْ الْبَلَاء وَالسَّقَم .|إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ|بَعْد إِزَالَة الْبَلَاء وَبَعْد الْجُؤَار . فَمَعْنَى الْكَلَام التَّعْجِيب مِنْ الْإِشْرَاك بَعْد النَّجَاة مِنْ الْهَلَاك , وَهَذَا الْمَعْنَى مُكَرَّر فِي الْقُرْآن , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي | الْأَنْعَام وَيُونُس | وَيَأْتِي فِي | سُبْحَان | وَغَيْرهمَا وَقَالَ الزَّجَّاج : هَذَا خَاصّ بِمَنْ كَفَرَ .

لِيَكْفُرُوا بِمَا آَتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ

أَيْ لِيَجْحَدُوا نِعْمَة اللَّه الَّتِي أَنْعَمَ بِهَا عَلَيْهِمْ مِنْ كَشْف الضُّرّ وَالْبَلَاء . أَيْ أَشْرَكُوا لِيَجْحَدُوا , فَاللَّام لَام كَي . وَقِيلَ لَام الْعَاقِبَة . وَقِيلَ : | لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ | أَيْ لِيَجْعَلُوا النِّعْمَة سَبَبًا لِلْكُفْرِ , وَكُلّ هَذَا فِعْل خَبِيث ; كَمَا قَالَ : <br>وَالْكُفْر مَخْبَثَة لِنَفْسِ الْمُنْعِم<br>|فَتَمَتَّعُوا|أَمْر تَهْدِيد . وَقَرَأَ عَبْد اللَّه | قُلْ تَمَتَّعُوا | .|فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ|أَيْ عَاقِبَة أَمْركُمْ .

وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ

ذَكَرَ نَوْعًا آخَر مِنْ جَهَالَتهمْ , وَأَنَّهُمْ يَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ أَنَّهُ يَضُرّ وَيَنْفَع - وَهِيَ الْأَصْنَام - شَيْئًا مِنْ أَمْوَالهمْ يَتَقَرَّبُونَ بِهِ إِلَيْهِ ; قَالَهُ مُجَاهِد وَقَتَادَة وَغَيْرهمَا . ف | يَعْلَمُونَ | عَلَى هَذَا لِلْمُشْرِكِينَ . وَقِيلَ هِيَ لِلْأَوْثَانِ , وَجَرَى بِالْوَاوِ وَالنُّون مَجْرَى مَنْ يَعْقِل , فَهُوَ رَدّ عَلَى | مَا | وَمَفْعُول يَعْلَم مَحْذُوف , وَالتَّقْدِير : وَيَجْعَل هَؤُلَاءِ الْكُفَّار لِلْأَصْنَامِ الَّتِي لَا تَعْلَم شَيْئًا نَصِيبًا . وَقَدْ مَضَى فِي | الْأَنْعَام | تَفْسِير هَذَا الْمَعْنَى فِي قَوْله | فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا | [ الْأَنْعَام : 136 ]|تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ|رَجَعَ مِنْ الْخَبَر إِلَى الْخِطَاب فَقَالَ : | تَاللَّهِ لَتُسْئَلُنَّ | وَهَذَا سُؤَال تَوْبِيخ .|عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ|أَيْ تَخْتَلِقُونَهُ مِنْ الْكَذِب عَلَى اللَّه أَنَّهُ أَمَرَكُمْ بِهَذَا .

وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ

نَزَلَتْ فِي خُزَاعَة وَكِنَانَة ; فَإِنَّهُمْ زَعَمُوا أَنَّ الْمَلَائِكَة بَنَات اللَّه , فَكَانُوا يَقُولُونَ أَلْحَقُوا الْبَنَات بِالْبَنَاتِ .|سُبْحَانَهُ|نَزَّهَ نَفْسه وَعَظَّمَهَا عَمَّا نَسَبُوهُ إِلَيْهِ مِنْ اِتِّخَاذ الْأَوْلَاد .|وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ|أَيْ يَجْعَلُونَ لِأَنْفُسِهِمْ الْبَنِينَ وَيَأْنَفُونَ مِنْ الْبَنَات . وَمَوْضِع | مَا | رُفِعَ بِالِابْتِدَاءِ , وَالْخَبَر | لَهُمْ | وَتَمَّ الْكَلَام عِنْد قَوْله : | سُبْحَانه | . وَأَجَازَ الْفَرَّاء كَوْنهَا نَصْبًا , عَلَى تَقْدِير : وَيَجْعَلُونَ لَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ . وَأَنْكَرَهُ الزَّجَّاج وَقَالَ : الْعَرَب تَسْتَعْمِل فِي مِثْل هَذَا وَيَجْعَلُونَ لِأَنْفُسِهِمْ .

وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ

أَيْ أُخْبِرَ أَحَدهمْ بِوِلَادَةِ بِنْت .|ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا|أَيْ مُتَغَيِّرًا , وَلَيْسَ يُرِيد السَّوَاد الَّذِي هُوَ ضِدّ الْبَيَاض , وَإِنَّمَا هُوَ كِنَايَة عَنْ غَمّه بِالْبِنْتِ . وَالْعَرَب تَقُول لِكُلِّ مَنْ لَقِيَ مَكْرُوهًا : قَدْ اِسْوَدَّ وَجْهه غَمًّا وَحُزْنًا ; قَالَهُ الزَّجَّاج . وَحَكَى الْمَاوَرْدِيّ أَنَّ الْمُرَاد سَوَاد اللَّوْن قَالَ : وَهُوَ قَوْل الْجُمْهُور .|وَهُوَ كَظِيمٌ|أَيْ مُمْتَلِئ مِنْ الْغَمّ . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : حَزِين . وَقَالَ الْأَخْفَش : هُوَ الَّذِي يَكْظِم غَيْظه فَلَا يُظْهِرهُ . وَقِيلَ : إِنَّهُ الْمَغْمُوم الَّذِي يُطْبِق فَاهُ فَلَا يَتَكَلَّم مِنْ الْغَمّ ; مَأْخُوذ مِنْ الْكِظَامَة وَهُوَ شَدّ فَم الْقِرْبَة ; قَالَ عَلِيّ بْن عِيسَى . وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْمَعْنَى فِي سُورَة | يُوسُف |

يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ

أَيْ يَخْتَفِي وَيَتَغَيَّب .|مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ|أَيْ مِنْ سُوء الْحُزْن وَالْعَار وَالْحَيَاء الَّذِي يَلْحَقهُ بِسَبَبِ الْبِنْت .|أَيُمْسِكُهُ|ذَكَّرَ الْكِنَايَة لِأَنَّهُ مَرْدُود عَلَى | مَا | .|عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ|أَيْ هَوَان . وَكَذَا قَرَأَ عِيسَى الثَّقَفِيّ | عَلَى هَوَان | وَالْهُون الْهَوَان بِلُغَةِ قُرَيْش ; قَالَهُ الْيَزِيدِيّ وَحَكَاهُ أَبُو عُبَيْد عَنْ الْكِسَائِيّ . وَقَالَ الْفَرَّاء : هُوَ الْقَلِيل بِلُغَةِ تَمِيم . وَقَالَ الْكِسَائِيّ : هُوَ الْبَلَاء وَالْمَشَقَّة . وَقَالَتْ الْخَنْسَاء : <br>نُهِين النُّفُوس وَهُونُ النُّفُو .......... س يَوْم الْكَرِيهَة أَبْقَى لَهَا <br>وَقَرَأَ الْأَعْمَش | أَيُمْسِكُهُ عَلَى سُوء | ذَكَرَهُ النَّحَّاس , قَالَ : وَقَرَأَ الْجَحْدَرِيّ | أَمْ يَدُسّهَا فِي التُّرَاب | يَرُدّهُ عَلَى قَوْله : | بِالْأُنْثَى | وَيَلْزَمهُ أَنْ يَقْرَأ | أَيُمْسِكُهَا | . وَقِيلَ : يَرْجِع الْهَوَان إِلَى الْبِنْت ; أَيْ أَيُمْسِكُهَا وَهِيَ مُهَانَة عِنْده . وَقِيلَ : يَرْجِع إِلَى الْمَوْلُود لَهُ ; أَيُمْسِكُهُ عَلَى رَغْم أَنْفه أَمْ يَدُسّهُ فِي التُّرَاب , وَهُوَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَهُ مِنْ دَفْن الْبِنْت حَيَّة . قَالَ قَتَادَة : كَانَ مُضَر وَخُزَاعَة يَدْفِنُونَ الْبَنَات أَحْيَاء ; وَأَشَدّهمْ فِي هَذَا تَمِيم . زَعَمُوا خَوْف الْقَهْر عَلَيْهِمْ وَطَمَع غَيْر الْأَكْفَاء فِيهِنَّ . وَكَانَ صَعْصَعَة بْن نَاجِيَة عَمّ الْفَرَزْدَق إِذَا أَحَسَّ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَجَّهَ إِلَى وَالِد الْبِنْت إِبِلًا يَسْتَحْيِيهَا بِذَلِكَ . فَقَالَ الْفَرَزْدَق يَفْتَخِر : <br>وَعَمِّي الَّذِي مَنَعَ الْوَائِدَات .......... وَأَحْيَا الْوَئِيد فَلَمْ يُوأَد <br>وَقِيلَ : دَسّهَا إِخْفَاؤُهَا عَنْ النَّاس حَتَّى لَا تُعْرَف , كَالْمَدْسُوسِ فِي التُّرَاب لِإِخْفَائِهِ عَنْ الْأَبْصَار ; وَهَذَا مُحْتَمَل .</p><p>مَسْأَلَة : ثَبَتَ فِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ عَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا قَالَتْ : جَاءَتْنِي اِمْرَأَة وَمَعَهَا اِبْنَتَانِ لَهَا , فَسَأَلَتْنِي فَلَمْ تَجِد عِنْدِي غَيْر تَمْرَة وَاحِدَة , فَأَعْطَيْتهَا إِيَّاهَا فَأَخَذَتْهَا فَقَسَمَتْهَا بَيْن اِبْنَتَيْهَا وَلَمْ تَأْكُل مِنْهَا شَيْئًا , ثُمَّ قَامَتْ فَخَرَجَتْ وَابْنَتَاهَا , فَدَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَحَدَّثْته حَدِيثهَا , فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ اُبْتُلِيَ مِنْ الْبَنَات بِشَيْءٍ فَأَحْسَنَ إِلَيْهِنَّ كُنَّ لَهُ سِتْرًا مِنْ النَّار ) . فَفِي هَذَا الْحَدِيث مَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ الْبَنَات بَلِيَّة , ثُمَّ أَخْبَرَ أَنَّ فِي الصَّبْر عَلَيْهِنَّ وَالْإِحْسَان إِلَيْهِنَّ مَا يَقِي مِنْ النَّار . وَعَنْ عَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ : جَاءَتْنِي مِسْكِينَة تَحْمِل اِبْنَتَيْنِ لَهَا , فَأَطْعَمْتهَا ثَلَاث تَمَرَات فَأَعْطَتْ كُلّ وَاحِدَة مِنْهُمَا تَمْرَة , وَرَفَعَتْ إِلَى فِيهَا تَمْرَة لِتَأْكُلهَا فَاسْتَطْعَمَتْهَا اِبْنَتَاهَا فَشَقَّتْ التَّمْرَة الَّتِي كَانَتْ تُرِيد أَنْ تَأْكُلهَا بَيْنهمَا ; فَأَعْجَبَنِي شَأْنهَا , فَذَكَرْت الَّذِي صَنَعَتْ لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : ( إِنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ قَدْ أَوْجَبَ لَهَا بِهَا الْجَنَّة أَوْ أَعْتَقَهَا بِهَا مِنْ النَّار ) . وَعَنْ أَنَس بْن مَالِك قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ عَالَ جَارِيَتَيْنِ حَتَّى تَبْلُغَا جَاءَ يَوْم الْقِيَامَة أَنَا وَهُوَ ) وَضَمَّ أَصَابِعه , خَرَّجَهُمَا أَيْضًا مُسْلِم رَحِمَهُ اللَّه وَخَرَّجَ أَبُو نُعَيْم الْحَافِظ مِنْ حَدِيث الْأَعْمَش عَنْ أَبِي وَائِل عَنْ عَبْد اللَّه قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ كَانَتْ لَهُ بِنْت فَأَدَّبَهَا فَأَحْسَنَ أَدَبهَا وَعَلَّمَهَا فَأَحْسَنَ تَعْلِيمهَا وَأَسْبَغَ عَلَيْهَا مِنْ نِعَم اللَّه الَّتِي أَسْبَغَ عَلَيْهِ كَانَتْ لَهُ سِتْرًا أَوْ حِجَابًا مِنْ النَّار ) . وَخُطِبَ إِلَى عَقِيل بْن عُلَّفَة اِبْنَته الْجَرْبَاء فَقَالَ : <br>إِنِّي وَإِنْ سِيقَ إِلَيَّ الْمَهْر .......... أَلْف وَعُبْدَان وَخَوْر عَشْر <br><br>أَحَبّ أَصْهَارِي إِلَيَّ الْقَبْر <br>وَقَالَ عَبْد اللَّه بْن طَاهِر : <br>لِكُلِّ أَبِي بِنْت يُرَاعِي شُؤُونهَا .......... ثَلَاثَة أَصْهَار إِذَا حُمِدَ الصِّهْر <br><br>فَبَعْل يُرَاعِيهَا وَخِدْر يُكِنّهَا .......... وَقَبْر يُوَارِيهَا وَخَيْرهمْ الْقَبْر<br>|أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ|أَيْ فِي إِضَافَة الْبَنَات إِلَى خَالِقهمْ وَإِضَافَة الْبَنِينَ إِلَيْهِمْ . نَظِيره | أَلَكُمْ الذَّكَر وَلَهُ الْأُنْثَى . تِلْكَ إِذًا قِسْمَة ضِيزَى | [ النَّجْم : 21 ] أَيْ جَائِرَة , وَسَيَأْتِي .

لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ

أَيْ لِهَؤُلَاءِ الْوَاصِفِينَ لِلَّهِ الْبَنَات|مَثَلُ السَّوْءِ|أَيْ صِفَة السَّوْء مِنْ الْجَهْل وَالْكُفْر . وَقِيلَ : هُوَ وَصْفهمْ اللَّه تَعَالَى بِالصَّاحِبَةِ وَالْوَلَد . وَقِيلَ : أَيْ الْعَذَاب وَالنَّار .|وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى|أَيْ الْوَصْف الْأَعْلَى مِنْ الْإِخْلَاص وَالتَّوْحِيد ; قَالَهُ قَتَادَة . وَقِيلَ : أَيْ الصِّفَة الْعُلْيَا بِأَنَّهُ خَالِق رَازِق قَادِر وَمُجَازٍ . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : | مَثَل السَّوْء | النَّار , و | الْمَثَل الْأَعْلَى | شَهَادَة أَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه . وَقِيلَ : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء . وَقِيلَ : | وَلِلَّهِ الْمَثَل الْأَعْلَى | كَقَوْلِهِ : | اللَّه نُور السَّمَوَات وَالْأَرْض مَثَل نُوره | [ النُّور : 35 ] . فَإِنْ قِيلَ : كَيْفَ أَضَافَ الْمَثَل هُنَا إِلَى نَفْسه وَقَدْ قَالَ : | فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَال | [ النَّحْل : 74 ] فَالْجَوَاب أَنَّ قَوْله : | فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَال | أَيْ الْأَمْثَال الَّتِي تُوجِب الْأَشْبَاه وَالنَّقَائِص ; أَيْ لَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ مَثَلًا يَقْتَضِي نَقْصًا وَتَشْبِيهًا بِالْخَلْقِ . وَالْمَثَل الْأَعْلَى وَصْفه بِمَا لَا شَبِيه لَهُ وَلَا نَظِير , جَلَّ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُول الظَّالِمُونَ وَالْجَاحِدُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا .|وَهُوَ الْعَزِيزُ|| الْعَزِيز | مَعْنَاهُ الْمَنِيع الَّذِي لَا يُنَال وَلَا يُغَالَب . وَقَالَ اِبْن كَيْسَان : مَعْنَاهُ الَّذِي لَا يُعْجِزهُ شَيْء ; دَلِيله : | وَمَا كَانَ اللَّه لِيُعْجِزهُ مِنْ شَيْء فِي السَّمَاوَات وَلَا فِي الْأَرْض | . [ فَاطِر : 44 ] . الْكِسَائِيّ : | الْعَزِيز | الْغَالِب ; وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى : | وَعَزَّنِي فِي الْخِطَاب | [ ص : 23 ] وَفِي الْمَثَل : { مَنْ عَزَّ بَزَّ } أَيْ مَنْ غَلَبَ سَلَبَ . وَقِيلَ : | الْعَزِيز | الَّذِي لَا مِثْل لَهُ ; بَيَانه | لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء | [ الشُّورَى : 11 ] .|الْحَكِيمُ|| الْحَكِيم | مَعْنَاهُ الْحَاكِم , وَبَيْنهمَا مَزِيد الْمُبَالَغَة . وَقِيلَ مَعْنَاهُ الْمُحْكِم وَيَجِيء الْحَكِيم عَلَى هَذَا مِنْ صِفَات الْفِعْل , صُرِفَ عَنْ مُفْعِل إِلَى فَعِيل , كَمَا صُرِفَ عَنْ مُسْمِع إِلَى سَمِيع وَمُؤْلِم إِلَى أَلِيم , قَالَهُ اِبْن الْأَنْبَارِيّ . وَقَالَ قَوْم : الْمَانِع مِنْ الْفَسَاد , وَمِنْهُ سُمِّيَتْ حَكَمَة اللِّجَام , لِأَنَّهَا تَمْنَع الْفَرَس مِنْ الْجَرْي وَالذَّهَاب فِي غَيْر قَصْد . قَالَ جَرِير : <br>أَبَنِي حَنِيفَة أَحْكِمُوا سُفَهَاءَكُمْ .......... إِنِّي أَخَاف عَلَيْكُمْ أَنْ أَغْضَبَا <br>أَيْ اِمْنَعُوهُمْ مِنْ الْفَسَاد . وَقَالَ زُهَيْر : <br>الْقَائِد الْخَيْل مَكْنُوبًا دَوَابِرُهَا .......... قَدْ أُحْكِمَتْ حَكَمَات الْقِدّ وَالْأَبَقَا <br>الْقِدّ : الْجِلْد . وَالْأَبَق : الْقُنَّب . وَالْعَرَب تَقُول : أُحْكِمَ الْيَتِيم عَنْ كَذَا وَكَذَا , يُرِيدُونَ مَنْعَهُ . وَالسُّورَة الْمُحْكَمَة : الْمَمْنُوعَة مِنْ التَّغْيِير وَكُلّ التَّبْدِيل , وَأَنْ يُلْحَق بِهَا مَا يَخْرُج عَنْهَا , وَيُزَاد عَلَيْهَا مَا لَيْسَ مِنْهَا , وَالْحِكْمَة مِنْ هَذَا , لِأَنَّهَا تَمْنَع صَاحِبهَا مِنْ الْجَهْل . وَيُقَال : أَحْكَمَ الشَّيْء إِذَا أَتْقَنَهُ وَمَنَعَهُ مِنْ الْخُرُوج عَمَّا يُرِيد . فَهُوَ مُحْكِم وَحَكِيم عَلَى التَّكْثِير .

وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ

أَيْ بِكُفْرِهِمْ وَافْتِرَائِهِمْ , وَعَاجِلهمْ .|مَا تَرَكَ عَلَيْهَا|أَيْ عَلَى الْأَرْض , فَهُوَ كِنَايَة عَنْ غَيْر مَذْكُور , لَكِنْ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْله : | مِنْ دَابَّة ||مِنْ دَابَّةٍ|فَإِنَّ الدَّابَّة لَا تَدِبّ إِلَّا عَلَى الْأَرْض . وَالْمَعْنَى الْمُرَاد مِنْ دَابَّة كَافِرَة , فَهُوَ خَاصّ . وَقِيلَ : الْمَعْنَى أَنَّهُ لَوْ أَهْلَكَ الْآبَاء بِكُفْرِهِمْ لَمْ تَكُنْ الْأَبْنَاء . وَقِيلَ : الْمُرَاد بِالْآيَةِ الْعُمُوم ; أَيْ لَوْ أَخَذَ اللَّه الْخَلْق بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْر هَذِهِ الْأَرْض مِنْ دَابَّة مِنْ نَبِيّ وَلَا غَيْره ; وَهَذَا قَوْل الْحَسَن . وَقَالَ اِبْن مَسْعُود وَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَة : لَوْ أَخَذَ اللَّه الْخَلَائِق بِذُنُوبِ الْمُذْنِبِينَ لَأَصَابَ الْعَذَاب جَمِيع الْخَلْق حَتَّى الْجِعْلَان فِي حُجْرهَا , وَلَأَمْسَكَ الْأَمْطَار مِنْ السَّمَاء وَالنَّبَات مِنْ الْأَرْض فَمَاتَ الدَّوَابّ , وَلَكِنَّ اللَّه يَأْخُذ بِالْعَفْوِ وَالْفَضْل ; كَمَا قَالَ : | وَيَعْفُو عَنْ كَثِير | [ الشُّورَى : 30 ] .|وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ|أَيْ أَجَل مَوْتهمْ وَمُنْتَهَى أَعْمَارهمْ . أَوْ الْوَقْت الْمَعْلُوم عِنْد اللَّه عَزَّ وَجَلَّ . وَقَرَأَ اِبْن سِيرِينَ | جَاءَ آجَالهمْ | بِالْجَمْعِ وَقِيلَ : | فَإِذَا جَاءَ أَجَلهمْ | أَيْ فَإِذَا جَاءَ يَوْم الْقِيَامَة . وَاَللَّه أَعْلَم .|لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً|أَيْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَة وَلَا أَقَلّ مِنْ سَاعَة ; إِلَّا أَنَّ السَّاعَة خُصَّتْ بِالذِّكْرِ لِأَنَّهَا أَقَلّ أَسْمَاء الْأَوْقَات , وَهِيَ ظَرْف زَمَان .|وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ|دَلَّ بِهَذَا عَلَى أَنَّ الْمَقْتُول إِنَّمَا يُقْتَل بِأَجَلِهِ . وَأَجَل الْمَوْت هُوَ وَقْت الْمَوْت ; كَمَا أَنَّ أَجَل الدَّيْن هُوَ وَقْت حُلُوله . وَكُلّ شَيْء وُقِّتَ بِهِ شَيْء فَهُوَ أَجَل لَهُ . وَأَجَل الْإِنْسَان هُوَ الْوَقْت الَّذِي يَعْلَم اللَّه أَنَّهُ يَمُوت الْحَيّ فِيهِ لَا مَحَالَة . وَهُوَ وَقْت لَا يَجُوز تَأْخِير مَوْته عَنْهُ , لَا مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ لَيْسَ مَقْدُورًا تَأْخِيره . وَقَالَ كَثِير مِنْ الْمُعْتَزِلَة إِلَّا مَنْ شَذَّ مِنْهُمْ : إِنَّ الْمَقْتُول مَاتَ بِغَيْرِ أَجَله الَّذِي ضُرِبَ لَهُ , وَإِنَّهُ لَوْ لَمْ يُقْتَل لَحَيِيَ . وَهَذَا غَلَط , لِأَنَّ الْمَقْتُول لَمْ يَمُتْ مِنْ أَجْل قَتْل غَيْره لَهُ , بَلْ مِنْ أَجْل مَا فَعَلَهُ اللَّه مِنْ إِزْهَاق نَفْسه عِنْد الضَّرْب لَهُ . فَإِنْ قِيلَ : فَإِنْ مَاتَ بِأَجَلِهِ فَلِمَ تَقْتُلُونَ ضَارِبه وَتَقْتَصُّونَ مِنْهُ ؟ . قِيلَ لَهُ : نَقْتُلهُ لِتَعَدِّيهِ وَتَصَرُّفه فِيمَا لَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَصَرَّف فِيهِ , لَا لِمَوْتِهِ وَخُرُوج الرُّوح إِذْ لَيْسَ ذَلِكَ مِنْ فِعْله . وَلَوْ تُرِكَ النَّاس وَالتَّعَدِّي مِنْ غَيْر قِصَاص لَأَدَّى ذَلِكَ إِلَى الْفَسَاد وَدَمَار الْعِبَاد . وَهَذَا وَاضِح .</p><p>فَإِنْ قِيلَ : فَكَيْفَ يَعُمّ بِالْهَلَاكِ مَعَ أَنَّ فِيهِمْ مُؤْمِنًا لَيْسَ بِظَالِمٍ ؟ قِيلَ : يَجْعَل هَلَاك الظَّالِم اِنْتِقَامًا وَجَزَاء , وَهَلَاك الْمُؤْمِن مُعَوَّضًا بِثَوَابِ الْآخِرَة . وَفِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ عَبْد اللَّه بْن عُمَر قَالَ : سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : ( إِذَا أَرَادَ اللَّه بِقَوْمٍ عَذَابًا أَصَابَ الْعَذَاب مَنْ كَانَ فِيهِمْ ثُمَّ بُعِثُوا عَلَى نِيَّاتهمْ ) . وَعَنْ أُمّ سَلَمَة وَسُئِلَتْ عَنْ الْجَيْش الَّذِي يُخْسَف بِهِ وَكَانَ ذَلِكَ فِي أَيَّام اِبْن الزُّبَيْر , فَقَالَتْ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( يَعُوذ بِالْبَيْتِ عَائِذ فَيُبْعَث إِلَيْهِ بَعْث فَإِذَا كَانُوا بِبَيْدَاء مِنْ الْأَرْض خُسِفَ بِهِمْ ) فَقُلْت : يَا رَسُول اللَّه , فَكَيْفَ بِمَنْ كَانَ كَارِهًا ؟ قَالَ : ( يُخْسَف بِهِ مَعَهُمْ وَلَكِنَّهُ يُبْعَث يَوْم الْقِيَامَة عَلَى نِيَّته ) . وَقَدْ أَتَيْنَا عَلَى هَذَا الْمَعْنَى مُجَوَّدًا فِي | كِتَاب التَّذْكِرَة | وَتَقَدَّمَ فِي [ الْمَائِدَة ] وَآخِر [ الْأَنْعَام ] مَا فِيهِ كِفَايَة , وَالْحَمْد لِلَّهِ .

وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ

أَيْ مِنْ الْبَنَات .|وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ|أَيْ وَتَقُول أَلْسِنَتهمْ الْكَذِب . | الْكَذِب | مَفْعُول | تَصِف | و | أَنَّ | فِي مَحَلّ نَصْب بَدَل مِنْ الْكَذِب ; لِأَنَّهُ بَيَان لَهُ . وَقِيلَ : | الْحُسْنَى | الْجَزَاء الْحَسَن ; قَالَهُ الزَّجَّاج . وَقَرَأَ اِبْن عَبَّاس وَأَبُو الْعَالِيَة وَمُجَاهِد وَابْن مُحَيْصِن | الْكُذُب | بِرَفْعِ الْكَاف وَالذَّال وَالْبَاء نَعْتًا لِلْأَلْسِنَةِ ; وَكَذَا | وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِف أَلْسِنَتكُمْ الْكَذِب | [ النَّحْل : 116 ] . وَالْكُذُب جَمْع كَذُوب ; مِثْل رَسُول وَرُسُل وَصَبُور وَصُبُر وَشَكُور وَشُكُر .|أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى|قَالَ مُجَاهِد : هُوَ قَوْلهمْ إِنَّ لَهُمْ الْبَنِينَ وَلِلَّهِ الْبَنَات .|لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ|قَالَ الْخَلِيل : | لَا جَرَمَ | كَلِمَة تَحْقِيق وَلَا تَكُون إِلَّا جَوَابًا ; يُقَال : فَعَلُوا ذَلِكَ ; فَيُقَال : لَا جَرَمَ سَيَنْدَمُونَ . أَيْ حَقًّا أَنَّ لَهُمْ النَّار .|وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ|مُتْرَكُونَ مَنْسِيُّونَ فِي النَّار ; قَالَهُ اِبْن الْأَعْرَابِيّ وَأَبُو عُبَيْدَة وَالْكِسَائِيّ وَالْفَرَّاء , وَهُوَ قَوْل سَعِيد بْن جُبَيْر وَمُجَاهِد . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس وَسَعِيد بْن جُبَيْر أَيْضًا : مُبْعَدُونَ . قَتَادَة وَالْحَسَن : مُعَجَّلُونَ إِلَى النَّار مُقَدَّمُونَ إِلَيْهَا . وَالْفَارِط : الَّذِي يَتَقَدَّم إِلَى الْمَاء ; وَمِنْهُ قَوْل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَنَا فَرَطكُمْ عَلَى الْحَوْض ) أَيْ مُتَقَدَّمكُمْ . وَقَالَ الْقَطَامِيّ : <br>فَاسْتَعْجَلُونَا وَكَانُوا مِنْ صَحَابَتنَا .......... كَمَا تَعَجَّلَ فُرَّاط لِوُرَّادِ <br>وَالْفُرَّاط : الْمُتَقَدِّمُونَ فِي طَلَب الْمَاء . وَالْوُرَّاد : الْمُتَأَخِّرُونَ . وَقَرَأَ نَافِع فِي رِوَايَة وَرْش | مُفْرِطُونَ | بِكَسْرِ الرَّاء وَتَخْفِيفهَا , وَهِيَ قِرَاءَة عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس , وَمَعْنَاهُ مُسْرِفُونَ فِي الذُّنُوب وَالْمَعْصِيَة , أَيْ أَفْرَطُوا فِيهَا . يُقَال : أَفْرَطَ فُلَان عَلَى فُلَان إِذَا أَرْبَى عَلَيْهِ , وَقَالَ لَهُ أَكْثَر مِمَّا قَالَ مِنْ الشَّرّ . وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَر الْقَارِئ | مُفَرِّطُونَ | بِكَسْرِ الرَّاء وَتَشْدِيدهَا , أَيْ مُضَيِّعُونَ أَمْر اللَّه ; فَهُوَ مِنْ التَّفْرِيط فِي الْوَاجِب .

تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ

أَيْ أَعْمَالهمْ الْخَبِيثَة . هَذَا تَسْلِيَة لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنَّ مَنْ تَقَدَّمَهُ مِنْ الْأَنْبِيَاء قَدْ كَفَرَ بِهِمْ قَوْمهمْ .|فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ|أَيْ نَاصِرهمْ فِي الدُّنْيَا عَلَى زَعْمهمْ . وَقِيلَ : | فَهُوَ وَلِيّهمْ | أَيْ قَرِينهمْ فِي النَّار . | الْيَوْم | يَعْنِي يَوْم الْقِيَامَة , وَأَطْلَقَ عَلَيْهِ اِسْم الْيَوْم لِشُهْرَتِهِ . وَقِيلَ يُقَال لَهُمْ يَوْم الْقِيَامَة : هَذَا وَلِيّكُمْ فَاسْتَنْصِرُوا بِهِ لِيُنَجِّيَكُمْ مِنْ الْعَذَاب , عَلَى جِهَة التَّوْبِيخ لَهُمْ .|وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ|فِي الْآخِرَة .

وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ

أَيْ الْقُرْآن|إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ|مِنْ الدِّين وَالْأَحْكَام فَتَقُوم الْحُجَّة عَلَيْهِمْ بِبَيَانِك . وَعَطَفَ | هُدًى وَرَحْمَة | عَلَى مَوْضِع قَوْله : | لِتُبَيِّن | لِأَنَّ مَحَلّه نَصْب . وَمَجَاز الْكَلَام : وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْك الْكِتَاب إِلَّا تِبْيَانًا لِلنَّاسِ .|وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ|أَيْ رُشْدًا وَرَحْمَة لِلْمُؤْمِنِينَ .

وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ

أَيْ السَّحَاب .|مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا|عَادَ الْكَلَام إِلَى تَعْدَاد النِّعَم وَبَيَان كَمَال الْقُدْرَة .|إِنَّ فِي ذَلِكَ|أَيْ دَلَالَة عَلَى الْبَعْث عَلَى وَحْدَانِيّته ; إِذْ عَلِمُوا أَنَّ مَعْبُودهمْ لَا يَسْتَطِيع شَيْئًا , فَتَكُون هَذِهِ الدَّلَالَة .|لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ|عَنْ اللَّه تَعَالَى بِالْقُلُوبِ لَا بِالْآذَانِ ; | فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَار وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوب الَّتِي فِي الصُّدُور | [ الْحَجّ : 46 ] .

وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ

قَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْل فِي الْأَنْعَام , وَهِيَ هُنَا الْأَصْنَاف الْأَرْبَعَة : الْإِبِل وَالْبَقَر وَالضَّأْن وَالْمَعْز . | لَعِبْرَة | أَيْ دَلَالَة عَلَى قُدْرَة اللَّه وَوَحْدَانِيّته وَعَظَمَته . وَالْعِبْرَة أَصْلهَا تَمْثِيل الشَّيْء بِالشَّيْءِ لِتُعْرَف حَقِيقَته مِنْ طَرِيق الْمُشَاكَلَة , وَمِنْهُ | فَاعْتَبِرُوا | [ الْحَشْر : 2 ] . وَقَالَ أَبُو بَكْر الْوَرَّاق : الْعِبْرَة فِي الْأَنْعَام تَسْخِيرهَا لِأَرْبَابِهَا وَطَاعَتهَا لَهُمْ , وَتَمَرُّدك عَلَى رَبّك وَخِلَافك لَهُ فِي كُلّ شَيْء . وَمِنْ أَعْظَم الْعِبَر بَرِيء يَحْمِل مُذْنِبًا .|نُسْقِيكُمْ|قِرَاءَة أَهْل الْمَدِينَة وَابْن عَامِر وَعَاصِم فِي رِوَايَة أَبِي بَكْر بِفَتْحِ النُّون مِنْ سَقَى يَسْقِي . وَقَرَأَ الْبَاقُونَ وَحَفْص عَنْ عَاصِم بِضَمِّ النُّون مِنْ أَسْقَى يُسْقِي , وَهِيَ قِرَاءَة الْكُوفِيِّينَ وَأَهْل مَكَّة . قِيلَ : هُمَا لُغَتَانِ . وَقَالَ لَبِيد : <br>سَقَى قَوْمِي بَنِي مَجْد وَأَسْقَى .......... نُمَيْرًا وَالْقَبَائِل مِنْ هِلَال <br>وَقِيلَ : يُقَال لِمَا كَانَ مِنْ يَدك إِلَى فِيهِ سَقَيْته , فَإِذَا جَعَلْت لَهُ شَرَابًا أَوْ عَرَضْته لِأَنْ يَشْرَب بِفِيهِ أَوْ يَزْرَعهُ قُلْت أَسْقَيْته ; قَالَ اِبْن عَزِيز , وَقَدْ تَقَدَّمَ . وَقَرَأَتْ فِرْقَة | تُسْقِيكُمْ | بِالتَّاءِ , وَهِيَ ضَعِيفَة , يَعْنِي الْأَنْعَام . وَقُرِئَ بِالْيَاءِ , أَيْ يَسْقِيكُمْ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ . وَالْقُرَّاء عَلَى الْقِرَاءَتَيْنِ الْمُتَقَدِّمَتَيْنِ ;|فَفَتْحُ النُّون لُغَةُ قُرَيْش وَضَمُّهَا لُغَةُ حِمْيَر .|مِمَّا فِي بُطُونِهِ|اِخْتَلَفَ النَّاس فِي الضَّمِير مِنْ قَوْله : | مِمَّا فِي بُطُونه | عَلَى مَاذَا يَعُود . فَقِيلَ : هُوَ عَائِد إِلَى مَا قَبْله وَهُوَ جَمْع الْمُؤَنَّث . قَالَ سِيبَوَيْهِ : الْعَرَب تُخْبِر عَنْ الْأَنْعَام بِخَبَرِ الْوَاحِد . قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : وَمَا أَرَاهُ عَوَّلَ عَلَيْهِ إِلَّا مِنْ هَذِهِ الْآيَة , وَهَذَا لَا يُشْبِه مَنْصِبه وَلَا يَلِيق بِإِدْرَاكِهِ . وَقِيلَ : لَمَّا كَانَ لَفْظ الْجَمْع وَهُوَ اِسْم الْجِنْس يُذَكَّر وَيُؤَنَّث فَيُقَال : هُوَ الْأَنْعَام وَهِيَ الْأَنْعَام , جَازَ عَوْد الضَّمِير بِالتَّذْكِيرِ ; وَقَالَ الزَّجَّاج , وَقَالَ الْكِسَائِيّ : مَعْنَاهُ مِمَّا فِي بُطُون مَا ذَكَرْنَاهُ , فَهُوَ عَائِد عَلَى الْمَذْكُور ; وَقَدْ قَالَ اللَّه تَعَالَى : | إِنَّهَا تَذْكِرَة . فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ | [ عَبَسَ : 11 - 12 ] وَقَالَ الشَّاعِر : <br>مِثْل الْفِرَاخ نُتِفَتْ حَوَاصِله <br>وَمِثْله كَثِير . وَقَالَ الْكِسَائِيّ : | مِمَّا فِي بُطُونه | أَيْ مِمَّا فِي بُطُون بَعْضه ; إِذْ الذُّكُور لَا أَلْبَان لَهَا , وَهُوَ الَّذِي عَوَّلَ عَلَيْهِ أَبُو عُبَيْدَة . وَقَالَ الْفَرَّاء : الْأَنْعَام وَالنَّعَم وَاحِد , وَالنَّعَم يُذَكَّر , وَلِهَذَا تَقُول الْعَرَب : هَذَا نَعَم وَارِد , فَرَجَعَ الضَّمِير إِلَى لَفْظ النَّعَم الَّذِي هُوَ بِمَعْنَى الْأَنْعَام . قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : إِنَّمَا رَجَعَ التَّذْكِير إِلَى مَعْنَى الْجَمْع , وَالتَّأْنِيث إِلَى مَعْنَى الْجَمَاعَة , فَذَكَرَهُ هُنَا بِاعْتِبَارِ لَفْظ الْجَمْع , وَأَنَّثَهُ فِي سُورَة الْمُؤْمِنِينَ بِاعْتِبَارِ لَفْظ الْجَمَاعَة فَقَالَ : | نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونهَا | [ الْمُؤْمِنُونَ : 21 ] وَبِهَذَا التَّأْوِيل يَنْتَظِم الْمَعْنَى اِنْتِظَامًا حَسَنًا . وَالتَّأْنِيث بِاعْتِبَارِ لَفْظ الْجَمَاعَة وَالتَّذْكِير بِاعْتِبَارِ لَفْظ الْجَمْع أَكْثَر مِنْ رَمْل يَبْرِينَ وَتَيْهَاء فِلَسْطِين .</p><p>اِسْتَنْبَطَ بَعْض الْعُلَمَاء الْجِلَّة وَهُوَ الْقَاضِي إِسْمَاعِيل مِنْ عَوْد هَذَا الضَّمِير , أَنَّ لَبَن الْفَحْل يُفِيد التَّحْرِيم , وَقَالَ : إِنَّمَا جِيءَ بِهِ مُذَكَّرًا لِأَنَّهُ رَاجِع إِلَى ذِكْر النَّعَم ; لِأَنَّ اللَّبَن لِلذَّكَرِ مَحْسُوب , وَلِذَلِكَ قَضَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنَّ لَبَن الْفَحْل يُحَرِّم حِين أَنْكَرَتْهُ عَائِشَة فِي حَدِيث أَفْلَح أَخِي أَبِي الْقُعَيْس ( فَلِلْمَرْأَةِ السَّقْي وَلِلرَّجُلِ اللِّقَاح ) فَجَرَى الِاشْتِرَاك فِيهِ بَيْنهمَا . وَقَدْ مَضَى الْقَوْل فِي تَحْرِيم لَبَن الْفَحْل فِي | النِّسَاء | وَالْحَمْد لِلَّهِ|مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا|نَبَّهَ سُبْحَانه عَلَى عَظِيم قُدْرَته بِخُرُوجِ اللَّبَن خَالِصًا بَيْن الْفَرْث وَالدَّم . وَالْفَرْث : الزِّبْل الَّذِي يَنْزِل إِلَى الْكَرِش , فَإِذَا خَرَجَ لَمْ يُسَمَّ فَرْثًا . يُقَال : أَفْرَثْت الْكَرِش إِذَا أَخْرَجْت مَا فِيهَا . وَالْمَعْنَى : أَنَّ الطَّعَام يَكُون فِيهِ مَا فِي الْكَرِش وَيَكُون مِنْهُ الدَّم , ثُمَّ يَخْلُص اللَّبَن مِنْ الدَّم ; فَأَعْلَمَ اللَّه سُبْحَانه أَنَّ هَذَا اللَّبَن يَخْرُج مِنْ بَيْن ذَلِكَ وَبَيْن الدَّم فِي الْعُرُوق . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : إِنَّ الدَّابَّة تَأْكُل الْعَلَف فَإِذَا اِسْتَقَرَّ فِي كَرِشهَا طَبَخَتْهُ فَكَانَ أَسْفَله فَرْثًا وَأَوْسَطه لَبَنًا وَأَعْلَاهُ دَمًا , وَالْكَبِد مُسَلَّط عَلَى هَذِهِ الْأَصْنَاف فَتَقْسِم الدَّم وَتُمَيِّزهُ وَتُجْرِيهِ فِي الْعُرُوق , وَتُجْرِي اللَّبَن فِي الضَّرْع وَيَبْقَى الْفَرْث كَمَا هُوَ فِي الْكَرِش ; | حِكْمَة بَالِغَة فَمَا تُغْنِ النُّذُر | [ الْقَمَر : 5 ] . | خَالِصًا | يُرِيد مِنْ حُمْرَة الدَّم وَقَذَارَة الْفَرْث وَقَدْ جَمَعَهُمَا وِعَاء وَاحِد . وَقَالَ اِبْن بَحْر : خَالِصًا بَيَاضه . قَالَ النَّابِغَة : <br>بِخَالِصَةِ الْأَرْدَان خُضْر الْمَنَاكِب <br>أَيْ بِيض الْأَكْمَام . وَهَذِهِ قُدْرَة لَا تَنْبَغِي إِلَّا لِلْقَائِمِ عَلَى كُلّ شَيْء بِالْمَصْلَحَةِ .</p><p>قَالَ النَّقَّاش : فِي هَذَا دَلِيل عَلَى أَنَّ الْمَنِيّ لَيْسَ بِنَجَسٍ . وَقَالَهُ أَيْضًا غَيْره وَاحْتَجَّ بِأَنْ قَالَ : كَمَا يَخْرُج اللَّبَن مِنْ بَيْن الْفَرْث وَالدَّم سَائِغًا خَالِصًا كَذَلِكَ يَجُوز أَنْ يَخْرُج الْمَنِيّ عَلَى مَخْرَج الْبَوْل طَاهِرًا . قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : إِنَّ هَذَا لَجَهْل عَظِيم وَأَخْذ شَنِيع . اللَّبَن جَاءَ الْخَبَر عَنْهُ مَجِيء النِّعْمَة وَالْمِنَّة الصَّادِرَة عَنْ الْقُدْرَة لِيَكُونَ عِبْرَة , فَاقْتَضَى ذَلِكَ كُلّه وَصْف الْخُلُوص وَاللَّذَّة ; وَلَيْسَ الْمَنِيّ مِنْ هَذِهِ الْحَالَة حَتَّى يَكُون مُلْحَقًا بِهِ أَوْ مَقِيسًا عَلَيْهِ .</p><p>قُلْت : قَدْ يُعَارَض هَذَا بِأَنْ يُقَال : وَأَيّ مِنَّة أَعْظَم وَأَرْفَع مِنْ خُرُوج الْمَنِيّ الَّذِي يَكُون عَنْهُ الْإِنْسَان الْمُكَرَّم ; وَقَدْ قَالَ تَعَالَى : | يَخْرُج مِنْ بَيْن الصُّلْب وَالتَّرَائِب | [ الطَّارِق : 7 ] , وَقَالَ : | وَاَللَّه جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَة | [ النَّحْل : 72 ] وَهَذَا غَايَة فِي الِامْتِنَان . فَإِنْ قِيلَ : إِنَّهُ يَتَنَجَّس بِخُرُوجِهِ فِي مَجْرَى الْبَوْل , قُلْنَا : هُوَ مَا أَرَدْنَاهُ , فَالنَّجَاسَة عَارِضَة وَأَصْله طَاهِر ; وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ مَخْرَجه غَيْر مَخْرَج الْبَوْل وَخَاصَّة الْمَرْأَة ; فَإِنَّ مَدْخَل الذَّكَر مِنْهَا وَمَخْرَج الْوَلَد غَيْر مَخْرَج الْبَوْل عَلَى مَا قَالَهُ الْعُلَمَاء . وَقَدْ تَقَدَّمَ فَإِنْ قِيلَ : أَصْله دَم فَهُوَ نَجَس , قُلْنَا يَنْتَقِض بِالْمِسْكِ , فَإِنَّ أَصْله دَم وَهُوَ طَاهِر . وَمِمَّنْ قَالَ بِطَهَارَتِهِ الشَّافِعِيّ وَأَحْمَد وَإِسْحَاق وَأَبُو ثَوْر وَغَيْرهمْ ; لِحَدِيثِ عَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا قَالَتْ : كُنْت أَفْرُكهُ مِنْ ثَوْب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَابِسًا بِظُفُرِي . قَالَ الشَّافِعِيّ : فَإِنْ لَمْ يُفْرَك فَلَا بَأْس بِهِ . وَكَانَ سَعْد بْن أَبِي وَقَّاص يَفْرُك الْمَنِيّ مِنْ ثَوْبه . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : هُوَ كَالنُّخَامَةِ أَمِطْهُ عَنْك بِإِذْخِرَة وَامْسَحْهُ بِخِرْقَةٍ . فَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ ثَبَتَ عَنْ عَائِشَة أَنَّهَا قَالَتْ : كُنْت أَغْسِل الْمَنِيّ مِنْ ثَوْب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ يَخْرُج إِلَى الصَّلَاة فِي ذَلِكَ الثَّوْب وَأَنَا أَنْظُر إِلَى أَثَر الْغُسْل فِيهِ . قُلْنَا : يَحْتَمِل أَنْ تَكُون غَسَلَتْهُ اِسْتِقْذَارًا كَالْأَشْيَاءِ الَّتِي تُزَال مِنْ الثَّوْب كَالنَّجَاسَةِ , وَيَكُون هَذَا جَمْعًا بَيْن الْأَحَادِيث . وَاَللَّه أَعْلَم . وَقَالَ مَالِك وَأَصْحَابه وَالْأَوْزَاعِيّ : هُوَ نَجَس . قَالَ مَالِك : غَسْل الِاحْتِلَام مِنْ الثَّوْب أَمْر وَاجِب مُجْتَمَع عَلَيْهِ عِنْدنَا , وَهُوَ قَوْل الْكُوفِيِّينَ . وَيُرْوَى عَنْ عُمَر بْن الْخَطَّاب وَابْن مَسْعُود وَجَابِر بْن سَمُرَة أَنَّهُمْ غَسَلُوهُ مِنْ ثِيَابهمْ . وَاخْتُلِفَ فِيهِ عَنْ اِبْن عُمَر وَعَائِشَة . وَعَلَى هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ فِي نَجَاسَة الْمَنِيّ وَطَهَارَته التَّابِعُونَ .</p><p>فِي هَذِهِ الْآيَة دَلِيل عَلَى جَوَاز الِانْتِفَاع بِالْأَلْبَانِ مِنْ الشُّرْب وَغَيْره , فَأَمَّا لَبَن الْمَيْتَة فَلَا يَجُوز الِانْتِفَاع بِهِ ; لِأَنَّهُ مَائِع طَاهِر حَصَلَ فِي وِعَاء نَجَس , وَذَلِكَ أَنَّ ضَرْع الْمَيْتَة نَجَس وَاللَّبَن طَاهِر فَإِذَا حُلِبَ صَارَ مَأْخُوذًا مِنْ وِعَاء نَجَس . فَأَمَّا لَبَن الْمَرْأَة الْمَيِّتَة فَاخْتَلَفَ أَصْحَابنَا فِيهِ , فَمَنْ قَالَ : إِنَّ الْإِنْسَان طَاهِر حَيًّا وَمَيِّتًا فَهُوَ طَاهِر . وَمَنْ قَالَ : يَنْجُس بِالْمَوْتِ فَهُوَ نَجِس . وَعَلَى الْقَوْلَيْنِ جَمِيعًا تَثْبُت الْحُرْمَة ; لِأَنَّ الصَّبِيّ قَدْ يَغْتَذِي بِهِ كَمَا يَغْتَذِي مِنْ الْحَيَّة , وَذَلِكَ أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( الرَّضَاع مَا أَنْبَتَ اللَّحْم وَأَنْشَزَ الْعَظْم ) . وَلَمْ يَخُصّ . وَقَدْ مَضَى فِي | النِّسَاء ||سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ|أَيْ لَذِيذًا هَيِّنًا لَا يَغَصّ بِهِ مَنْ شَرِبَهُ . يُقَال : سَاغَ الشَّرَاب يَسُوغ سَوْغًا أَيْ سَهُلَ مَدْخَله فِي الْحَلْق , وَأَسَاغَهُ شَارَبَهُ , وَسُغْته أَنَا أَسِيغهُ وَأَسُوغهُ , يَتَعَدَّى , وَالْأَجْوَد أَسَغْته إِسَاغَة . يُقَال : أَسِغْ لِي غُصَّتِي أَيْ أَمْهِلْنِي وَلَا تُعْجِلنِي ; وَقَالَ تَعَالَى : | يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَاد يُسِيغهُ | [ إِبْرَاهِيم : 17 ] . وَالسِّوَاغ - بِكَسْرِ السِّين - مَا أَسَغْت بِهِ غُصَّتك . يُقَال : الْمَاء سِوَاغ الْغُصَص ; وَمِنْهُ قَوْل الْكُمَيْت : <br>فَكَانَتْ سِوَاغًا أَنْ جَئْزت بِغُصَّةٍ <br>وَرُوِيَ أَنَّ اللَّبَن لَمْ يَشْرَق بِهِ أَحَد قَطُّ , وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .</p><p>فِي هَذِهِ الْآيَة دَلِيل عَلَى اِسْتِعْمَال الْحَلَاوَة وَالْأَطْعِمَة اللَّذِيذَة وَتَنَاوُلهَا , وَلَا يُقَال : إِنَّ ذَلِكَ يُنَاقِض الزُّهْد أَوْ يُبَاعِدهُ , لَكِنْ إِذَا كَانَ مِنْ وَجْهه وَمِنْ غَيْر سَرَف وَلَا إِكْثَار . وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْمَعْنَى فِي | الْمَائِدَة | وَغَيْرهَا وَفِي الصَّحِيح عَنْ أَنَس قَالَ : لَقَدْ سَقَيْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَدَحِي هَذَا الشَّرَاب كُلّه : الْعَسَل وَالنَّبِيذ وَاللَّبَن وَالْمَاء . وَقَدْ كَرِهَ بَعْض الْقُرَّاء أَكْل الْفَالُوذَج وَاللَّبَن مِنْ الطَّعَام , وَأَبَاحَهُ عَامَّة الْعُلَمَاء . وَرُوِيَ عَنْ الْحَسَن أَنَّهُ كَانَ عَلَى مَائِدَة وَمَعَهُ مَالِك بْن دِينَار , فَأُتِيَ بِفَالُوذَج فَامْتَنَعَ عَنْ أَكْله , فَقَالَ لَهُ الْحَسَن : كُلْ فَإِنَّ عَلَيْك فِي الْمَاء الْبَارِد أَكْثَر مِنْ هَذَا .</p><p>رَوَى أَبُو دَاوُد وَغَيْره عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : أُتِيَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِلَبَنٍ فَشَرِبَ , فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِذَا أَكَلَ أَحَدكُمْ طَعَامًا فَلْيَقُلْ اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِيهِ وَأَطْعِمْنَا خَيْرًا مِنْهُ . وَإِذَا سُقِيَ لَبَنًا فَلْيَقُلْ اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِيهِ وَزِدْنَا مِنْهُ فَإِنَّهُ لَيْسَ شَيْء يَجْزِي عَنْ الطَّعَام وَالشَّرَاب إِلَّا اللَّبَن ) . قَالَ عُلَمَاؤُنَا : فَكَيْفَ لَا يَكُون ذَلِكَ وَهُوَ أَوَّل مَا يَغْتَذِي بِهِ الْإِنْسَان وَتَنْمِي بِهِ الْجُثَث وَالْأَبْدَان , فَهُوَ قُوت خَلِيّ عَنْ الْمَفَاسِد بِهِ قِوَام الْأَجْسَام , وَقَدْ جَعَلَهُ اللَّه تَعَالَى عَلَامَة لِجِبْرِيل عَلَى هِدَايَة هَذِهِ الْأُمَّة الَّتِي هِيَ خَيْر الْأُمَم أُمَّة ; فَقَالَ فِي الصَّحِيح : ( فَجَاءَنِي جِبْرِيل بِإِنَاءٍ مِنْ خَمْر وَإِنَاء مِنْ لَبَن فَاخْتَرْت اللَّبَن فَقَالَ لِي جِبْرِيل اِخْتَرْت الْفِطْرَة أَمَا إِنَّك لَوْ اِخْتَرْت الْخَمْر غَوَتْ أُمَّتك ) . ثُمَّ إِنَّ فِي الدُّعَاء بِالزِّيَادَةِ مِنْهُ عَلَامَة الْخِصْب وَظُهُور الْخَيْرَات وَالْبَرَكَات ; فَهُوَ مُبَارَك كُلّه .

وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ

| وَمِنْ ثَمَرَات النَّخِيل | قَالَ الطَّبَرِيّ : التَّقْدِير وَمِنْ ثَمَرَات النَّخِيل وَالْأَعْنَاب مَا تَتَّخِذُونَ ; فَحَذَفَ | مَا | وَدَلَّ عَلَى حَذْفه قَوْله : | مِنْهُ | . وَقِيلَ : الْمَحْذُوف شَيْء , وَالْأَمْر قَرِيب . وَقِيلَ : مَعْنَى | مِنْهُ | أَيْ مِنْ الْمَذْكُور , فَلَا يَكُون فِي الْكَلَام حَذْف وَهُوَ أَوْلَى . وَيَجُوز أَنْ يَكُون قَوْله : | وَمِنْ ثَمَرَات | عَطْفًا عَلَى | الْأَنْعَام | ; أَيْ وَلَكُمْ مِنْ ثَمَرَات النَّخِيل وَالْأَعْنَاب عِبْرَة . وَيَجُوز أَنْ يَكُون مَعْطُوفًا عَلَى | مِمَّا | أَيْ وَنُسْقِيكُمْ أَيْضًا مَشْرُوبَات مِنْ ثَمَرَات .</p><p>| سَكَرًا | السَّكَر مَا يُسْكِر ; هَذَا هُوَ الْمَشْهُور فِي اللُّغَة . قَالَ اِبْن عَبَّاس : نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة قَبْل تَحْرِيم الْخَمْر . وَأَرَادَ بِالسَّكَرِ الْخَمْر , وَبِالرِّزْقِ الْحَسَن جَمِيع مَا يُؤْكَل وَيُشْرَب حَلَالًا مِنْ هَاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ . وَقَالَ بِهَذَا الْقَوْل اِبْن جُبَيْر وَالنَّخَعِيّ وَالشَّعْبِيّ وَأَبُو ثَوْر . وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ السَّكَر الْخَلّ بِلُغَةِ الْحَبَشَة , وَالرِّزْق الْحَسَن الطَّعَام . وَقِيلَ : السَّكَر الْعَصِير الْحُلْو الْحَلَال , وَسُمِّيَ سَكَرًا لِأَنَّهُ قَدْ يَصِير مُسْكِرًا إِذَا بَقِيَ , فَإِذَا بَلَغَ الْإِسْكَار حَرُمَ . قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : أَسَدّ هَذِهِ الْأَقْوَال قَوْل اِبْن عَبَّاس , وَيُخَرَّج ذَلِكَ عَلَى أَحَد مَعْنَيَيْنِ , إِمَّا أَنْ يَكُون ذَلِكَ قَبْل تَحْرِيم الْخَمْر , وَإِمَّا أَنْ يَكُون الْمَعْنَى : أَنْعَمَ اللَّه عَلَيْكُمْ بِثَمَرَاتِ النَّخِيل وَالْأَعْنَاب تَتَّخِذُونَ مِنْهُ مَا حَرَّمَ اللَّه عَلَيْكُمْ اِعْتِدَاء مِنْكُمْ , وَمَا أَحَلَّ لَكُمْ اِتِّفَاقًا أَوْ قَصْدًا إِلَى مَنْفَعَة أَنْفُسكُمْ . وَالصَّحِيح أَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْل تَحْرِيم الْخَمْر فَتَكُون مَنْسُوخَة ; فَإِنَّ هَذِهِ الْآيَة مَكِّيَّة بِاتِّفَاقٍ مِنْ الْعُلَمَاء , وَتَحْرِيم الْخَمْر مَدَنِيّ .</p><p>قُلْت : فَعَلَى أَنَّ السَّكَر الْخَلّ أَوْ الْعَصِير الْحُلْو لَا نَسْخ , وَتَكُون الْآيَة مُحْكَمَة وَهُوَ حَسَن . قَالَ اِبْن عَبَّاس : الْحَبَشَة يُسَمُّونَ الْخَلّ السَّكَر , إِلَّا أَنَّ الْجُمْهُور عَلَى أَنَّ السَّكَر الْخَمْر , مِنْهُمْ اِبْن مَسْعُود وَابْن عُمَر وَأَبُو رَزِين وَالْحَسَن وَمُجَاهِد وَابْن أَبِي لَيْلَى وَالْكَلْبِيّ وَغَيْرهمْ مِمَّنْ تَقَدَّمَ ذِكْرهمْ , كُلّهمْ قَالُوا : السَّكَر مَا حَرَّمَهُ اللَّه مِنْ ثَمَرَتَيْهِمَا . وَكَذَا قَالَ أَهْل اللُّغَة : السَّكَر اِسْم لِلْخَمْرِ وَمَا يُسْكِر , وَأَنْشَدُوا : <br>بِئْسَ الصُّحَاة وَبِئْسَ الشُّرْب شُرْبهمْ .......... إِذَا جَرَى فِيهِمْ الْمُزَّاء وَالسَّكَر <br>وَالرِّزْق الْحَسَن : مَا أَحَلَّهُ اللَّه مِنْ ثَمَرَتَيْهِمَا . وَقِيلَ : إِنَّ قَوْله | تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا | خَبَر مَعْنَاهُ الِاسْتِفْهَام بِمَعْنَى الْإِنْكَار , أَيْ أَتَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَتَدَعُونَ رِزْقًا حَسَنًا الْخَلّ وَالزَّبِيب وَالتَّمْر ; كَقَوْلِهِ : | فَهُمْ الْخَالِدُونَ | [ الْأَنْبِيَاء : 34 ] أَيْ أَفَهُمْ الْخَالِدُونَ . وَاَللَّه أَعْلَم . وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة : السَّكَر الطُّعْم ; يُقَال : هَذَا سَكَر لَك أَيْ طُعْم . وَأَنْشَدَ : <br>جَعَلْت عَيْب الْأَكْرَمِينَ سَكَرَا <br>أَيْ جَعَلْت ذَمّهمْ طُعْمًا . وَهَذَا اِخْتِيَار الطَّبَرِيّ أَنَّ السَّكَر مَا يُطْعَم مِنْ الطَّعَام وَحَلَّ شُرْبه مِنْ ثِمَار النَّخِيل وَالْأَعْنَاب , وَهُوَ الرِّزْق الْحَسَن , فَاللَّفْظ مُخْتَلِف وَالْمَعْنَى وَاحِد ; مِثْل | إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّه | [ يُوسُف : 86 ] وَهَذَا حَسَن وَلَا نَسْخ , إِلَّا أَنَّ الزَّجَّاج قَالَ : قَوْل أَبِي عُبَيْدَة هَذَا لَا يُعْرَف , وَأَهْل التَّفْسِير عَلَى خِلَافه , وَلَا حُجَّة لَهُ فِي الْبَيْت الَّذِي أَنْشَدَهُ ; لِأَنَّ مَعْنَاهُ عِنْد غَيْره أَنَّهُ يَصِف أَنَّهَا تَتَخَمَّر بِعُيُوبِ النَّاس . وَقَالَ الْحَنَفِيُّونَ : الْمُرَاد بِقَوْلِهِ : | سَكَرًا | مَا لَا يُسْكِر مِنْ الْأَنْبِذَة ; وَالدَّلِيل عَلَيْهِ أَنَّ اللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى اِمْتَنَّ عَلَى عِبَاده بِمَا خَلَقَ لَهُمْ مِنْ ذَلِكَ , وَلَا يَقَع الِامْتِنَان إِلَّا بِمُحَلَّلٍ لَا بِمُحَرَّمٍ , فَيَكُون ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى جَوَاز شُرْب مَا دُون الْمُسْكِر مِنْ النَّبِيذ , فَإِذَا اِنْتَهَى إِلَى السُّكْر لَمْ يَجُزْ , وَعَضَّدُوا هَذَا مِنْ السُّنَّة بِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : ( حَرَّمَ اللَّه الْخَمْر بِعَيْنِهَا وَالسُّكْر مِنْ غَيْرهَا ) . وَبِمَا رَوَاهُ عَبْد الْمَلِك بْن نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر قَالَ : رَأَيْت رَجُلًا جَاءَ إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ عِنْد الرُّكْن , وَدَفَعَ إِلَيْهِ الْقَدَح فَرَفَعَهُ إِلَى فِيهِ فَوَجَدَهُ شَدِيدًا فَرَدَّهُ إِلَى صَاحِبه , فَقَالَ لَهُ حِينَئِذٍ رَجُل مِنْ الْقَوْم : يَا رَسُول اللَّه , أَحَرَام هُوَ ؟ فَقَالَ : ( عَلَيَّ بِالرَّجُلِ ) فَأُتِيَ بِهِ فَأَخَذَ مِنْهُ الْقَدَح , ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ فَصَبَّهُ فِيهِ ثُمَّ رَفَعَهُ إِلَى فِيهِ فَقَطَّبَ , ثُمَّ دَعَا بِمَاءِ أَيْضًا فَصَبَّهُ فِيهِ ثُمَّ قَالَ : ( إِذَا اِغْتَلَمَتْ عَلَيْكُمْ هَذِهِ الْأَوْعِيَة فَاكْسِرُوا مُتُونهَا بِالْمَاءِ ) . وَرُوِيَ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَام كَانَ يُنْبَذ لَهُ فَيَشْرَبهُ ذَلِكَ الْيَوْم , فَإِذَا كَانَ مِنْ الْيَوْم الثَّانِي أَوْ الثَّالِث سَقَاهُ الْخَادِم إِذَا تَغَيَّرَ , وَلَوْ كَانَ حَرَامًا مَا سَقَاهُ إِيَّاهُ . قَالَ الطَّحَاوِيّ : وَقَدْ رَوَى أَبُو عَوْن الثَّقَفِيّ عَنْ عَبْد اللَّه بْن شَدَّاد عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : حُرِّمَتْ الْخَمْر بِعَيْنِهَا الْقَلِيل مِنْهَا وَالْكَثِير وَالسَّكَر مِنْ كُلّ شَرَاب , خَرَّجَهُ الدَّارَقُطْنِيّ أَيْضًا . فَفِي هَذَا الْحَدِيث وَمَا كَانَ مِثْله , أَنَّ غَيْر الْخَمْر لَمْ تُحَرَّم عَيْنه كَمَا حُرِّمَتْ الْخَمْر بِعَيْنِهَا . قَالُوا : وَالْخَمْر شَرَاب الْعِنَب لَا خِلَاف فِيهَا , وَمِنْ حُجَّتهمْ أَيْضًا مَا رَوَاهُ شَرِيك بْن عَبْد اللَّه , حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاق|الْهَمْدَانِيّ عَنْ عَمْرو بْن مَيْمُون قَالَ قَالَ عُمَر بْن الْخَطَّاب : إِنَّا نَأْكُل لُحُوم هَذِهِ الْإِبِل وَلَيْسَ يَقْطَعهُ فِي بُطُوننَا إِلَّا النَّبِيذ . قَالَ شَرِيك : وَرَأَيْت الثَّوْرِيّ يَشْرَب النَّبِيذ فِي بَيْت حَبْر أَهْل زَمَانه مَالِك بْن مِغْوَل . وَالْجَوَاب أَنَّ قَوْلهمْ : إِنَّ اللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى اِمْتَنَّ عَلَى عِبَاده وَلَا يَكُون اِمْتِنَانه إِلَّا بِمَا أَحَلَّ فَصَحِيح ; بَيْد أَنَّهُ يَحْتَمِل أَنْ يَكُون ذَلِكَ قَبْل تَحْرِيم الْخَمْر كَمَا بَيَّنَّاهُ فَيَكُون مَنْسُوخًا كَمَا قَدَّمْنَاهُ . قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : إِنْ قِيلَ كَيْفَ يُنْسَخ هَذَا وَهُوَ خَبَر وَالْخَبَر لَا يَدْخُلهُ النَّسْخ , قُلْنَا : هَذَا كَلَام مَنْ لَمْ يَتَحَقَّق الشَّرِيعَة , وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْخَبَر إِذَا كَانَ عَنْ الْوُجُود الْحَقِيقِيّ أَوْ عَنْ إِعْطَاء ثَوَاب فَضْلًا مِنْ اللَّه فَهُوَ الَّذِي لَا يَدْخُلهُ النَّسْخ , فَأَمَّا إِذَا تَضَمَّنَ الْخَبَر حُكْمًا شَرْعِيًّا فَالْأَحْكَام تَتَبَدَّل وَتُنْسَخ , جَاءَتْ بِخَبَرٍ أَوْ أَمْر , وَلَا يَرْجِع النَّسْخ إِلَى نَفْس اللَّفْظ وَإِنَّمَا يَرْجِع إِلَى مَا تَضَمَّنَهُ , فَإِذَا فَهِمْتُمْ هَذَا خَرَجْتُمْ عَنْ الصِّنْف الْغَبِيّ الَّذِي أَخْبَرَ اللَّه عَنْ الْكُفَّار فِيهِ بِقَوْلِهِ : | وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَة مَكَان آيَة وَاَللَّه أَعْلَم بِمَا يُنَزِّل قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرهمْ لَا يَعْلَمُونَ | [ النَّحْل : 101 ] . الْمَعْنَى أَنَّهُمْ جَهِلُوا أَنَّ الرَّبّ يَأْمُر بِمَا يَشَاء وَيُكَلِّف مَا يَشَاء , وَيَرْفَع مِنْ ذَلِكَ بِعَدْلِهِ مَا يَشَاء وَيُثْبِت مَا يَشَاء وَعِنْده أُمّ الْكِتَاب .</p><p>قُلْت : هَذَا تَشْنِيع شَنِيع حَتَّى يَلْحَق فِيهِ الْعُلَمَاء الْأَخْيَار فِي قُصُور الْفَهْم بِالْكُفَّارِ , وَالْمَسْأَلَة أُصُولِيَّة , وَهِيَ أَنَّ الْأَخْبَار عَنْ الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة هَلْ يَجُوز نَسْخهَا أَمْ لَا ؟ اُخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ , وَالصَّحِيح جَوَازه لِهَذِهِ الْآيَة وَمَا كَانَ مِثْلهَا , وَلِأَنَّ الْخَبَر عَنْ مَشْرُوعِيَّة حُكْم مَا يَتَضَمَّن طَلَب ذَلِكَ الْمَشْرُوع , وَذَلِكَ الطَّلَب هُوَ الْحُكْم الشَّرْعِيّ الَّذِي يُسْتَدَلّ عَلَى نَسْخه . وَاَللَّه أَعْلَم . وَأَمَّا مَا ذَكَرُوا مِنْ الْأَحَادِيث فَالْأَوَّل وَالثَّانِي ضَعِيفَانِ ; لِأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَام قَدْ رُوِيَ عَنْهُ بِالنَّقْلِ الثَّابِت أَنَّهُ قَالَ : ( كُلّ شَرَاب أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَام ) وَقَالَ : ( كُلّ مُسْكِر خَمْر وَكُلّ مُسْكِر حَرَام ) وَقَالَ : ( مَا أَسْكَرَ كَثِيره فَقَلِيله حَرَام ) . قَالَ النَّسَائِيّ : وَهَؤُلَاءِ أَهْل الثَّبْت وَالْعَدَالَة مَشْهُورُونَ بِصِحَّةِ النَّقْل , وَعَبْد الْمَلِك لَا يَقُوم مَقَام وَاحِد مِنْهُمْ وَلَوْ عَاضَدَهُ مِنْ أَشْكَاله جَمَاعَة , وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيق . وَأَمَّا الثَّالِث وَإِنْ كَانَ صَحِيحًا فَإِنَّهُ مَا كَانَ يَسْقِيه لِلْخَادِمِ عَلَى أَنَّهُ مُسْكِر , وَإِنَّمَا كَانَ يَسْقِيه لِأَنَّهُ مُتَغَيِّر الرَّائِحَة . وَكَانَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَكْرَه أَنْ تُوجَد مِنْهُ الرَّائِحَة , فَلِذَلِكَ لَمْ يَشْرَبهُ , وَلِذَلِكَ تَحَيَّلَ عَلَيْهِ أَزْوَاجه فِي عَسَل زَبِيب بِأَنْ قِيلَ لَهُ : إِنَّا نَجِد مِنْك رِيح مَغَافِير , يَعْنِي رِيحًا مُنْكَرَة , فَلَمْ يَشْرَبهُ بَعْدُ . وَسَيَأْتِي فِي التَّحْرِيم . وَأَمَّا حَدِيث اِبْن عَبَّاس فَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ خِلَاف ذَلِكَ مِنْ رِوَايَة عَطَاء وَطَاوُس وَمُجَاهِد أَنَّهُ قَالَ : مَا أَسْكَرَ كَثِيره فَقَلِيله حَرَام , وَرَوَاهُ عَنْهُ قَيْس بْن دِينَار . وَكَذَلِكَ فُتْيَاهُ فِي الْمُسْكِر ; قَالَهُ الدَّارَقُطْنِيّ . وَالْحَدِيث الْأَوَّل رَوَاهُ عَنْهُ عَبْد اللَّه بْن شَدَّاد وَقَدْ خَالَفَهُ الْجَمَاعَة , فَسَقَطَ الْقَوْل بِهِ مَعَ مَا ثَبَتَ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَأَمَّا مَا رُوِيَ عَنْ عُمَر مِنْ قَوْله : لَيْسَ يَقْطَعهُ فِي بُطُوننَا إِلَّا النَّبِيذ , فَإِنَّهُ يُرِيد غَيْر الْمُسْكِر بِدَلِيلِ مَا ذَكَرْنَا . وَقَدْ رَوَى النَّسَائِيّ عَنْ عُتْبَة بْن فَرْقَد قَالَ : كَانَ النَّبِيذ الَّذِي شَرِبَهُ عُمَر بْن الْخَطَّاب قَدْ خُلِّلَ . قَالَ النَّسَائِيّ : وَمِمَّا يَدُلّ عَلَى صِحَّة هَذَا حَدِيث السَّائِب , قَالَ الْحَارِث بْن مِسْكِين قِرَاءَة عَلَيْهِ وَأَنَا أَسْمَع عَنْ اِبْن الْقَاسِم : حَدَّثَنِي مَالِك عَنْ اِبْن شِهَاب عَنْ السَّائِب بْن يَزِيد , أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ عُمَر بْن الْخَطَّاب خَرَجَ عَلَيْهِمْ فَقَالَ : إِنِّي وَجَدْت مِنْ فُلَان رِيح شَرَاب , فَزَعَمَ أَنَّهُ شَرَاب الطِّلَاء , وَأَنَا سَائِل عَمَّا شَرِبَ , فَإِنْ كَانَ مُسْكِرًا جَلَدْته , فَجَلَدَهُ عُمَر بْن الْخَطَّاب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ الْحَدّ تَامًّا . وَقَدْ قَالَ فِي خُطْبَته عَلَى مِنْبَر رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَمَّا بَعْد , أَيّهَا النَّاس فَإِنَّهُ نَزَلَ تَحْرِيم الْخَمْر وَهِيَ مِنْ خَمْسَة : مِنْ الْعِنَب وَالْعَسَل وَالتَّمْر وَالْحِنْطَة وَالشَّعِير . وَالْخَمْر مَا خَامَرَ الْعَقْل . وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْمَائِدَة . فَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ أَحَلَّ شُرْبه إِبْرَاهِيم النَّخَعِيّ وَأَبُو جَعْفَر الطَّحَاوِيّ وَكَانَ إِمَام أَهْل زَمَانه , وَكَانَ سُفْيَان الثَّوْرِيّ يَشْرَبهُ . قُلْنَا : ذَكَرَ النَّسَائِيّ فِي كِتَابه أَنَّ أَوَّل مَنْ أَحَلَّ الْمُسْكِر مِنْ الْأَنْبِذَة إِبْرَاهِيم النَّخَعِيّ , وَهَذِهِ زَلَّة مِنْ عَالِم وَقَدْ حَذَّرْنَا مِنْ زَلَّة الْعَالِم , وَلَا حُجَّة فِي قَوْل أَحَد مَعَ السُّنَّة . وَذَكَرَ النَّسَائِيّ أَيْضًا عَنْ اِبْن الْمُبَارَك قَالَ : مَا وَجَدْت الرُّخْصَة فِي الْمُسْكِر عَنْ أَحَد صَحِيحًا إِلَّا عَنْ إِبْرَاهِيم . قَالَ أَبُو أُسَامَة : مَا رَأَيْت رَجُلًا أَطْلَب لِلْعِلْمِ مِنْ عَبْد اللَّه بْن الْمُبَارَك الشَّامَات وَمِصْر وَالْيَمَن وَالْحِجَاز . وَأَمَّا الطَّحَاوِيّ وَسُفْيَان لَوْ صَحَّ ذَلِكَ عَنْهُمَا لَمْ يَحْتَجّ بِهِمَا عَلَى مَنْ خَالَفَهُمَا مِنْ الْأَئِمَّة فِي تَحْرِيم الْمُسْكِر مَعَ مَا ثَبَتَ مِنْ السُّنَّة ; عَلَى أَنَّ الطَّحَاوِيّ قَدْ ذَكَرَ فِي كِتَابه الْكَبِير فِي الِاخْتِلَاف خِلَاف ذَلِكَ . قَالَ أَبُو عُمَر بْن عَبْد الْبَرّ فِي كِتَاب التَّمْهِيد لَهُ : قَالَ أَبُو جَعْفَر الطَّحَاوِيّ اِتَّفَقَتْ الْأُمَّة عَلَى أَنَّ عَصِير الْعِنَب إِذَا اِشْتَدَّ وَغَلَى وَقَذَفَ بِالزَّبَدِ فَهُوَ خَمْر وَمُسْتَحِلّه كَافِر . وَاخْتَلَفُوا فِي نَقِيع التَّمْر إِذَا غَلَى وَأَسْكَرَ . قَالَ : فَهَذَا يَدُلّك عَلَى أَنَّ حَدِيث يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : ( الْخَمْر مِنْ هَاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ النَّخْلَة وَالْعِنَب ) غَيْر مَعْمُول بِهِ عِنْدهمْ ; لِأَنَّهُمْ لَوْ قَبِلُوا الْحَدِيث لَأَكْفَرُوا مُسْتَحِلّ نَقِيع التَّمْر , فَثَبَتَ أَنَّهُ لَمْ يَدْخُل فِي الْخَمْر الْمُحَرَّمَة غَيْر عَصِير الْعِنَب الَّذِي قَدْ اِشْتَدَّ وَبَلَغَ أَنْ يُسْكِر . قَالَ : ثُمَّ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُون التَّحْرِيم مُعَلَّقًا بِهَا فَقَطْ غَيْر مَقِيس عَلَيْهَا غَيْرهَا أَوْ يَجِب الْقِيَاس عَلَيْهَا , فَوَجَدْنَاهُمْ جَمِيعًا قَدْ قَاسُوا عَلَيْهَا نَقِيع التَّمْر إِذَا غَلَى وَأَسْكَرَ كَثِيره وَكَذَلِكَ نَقِيع الزَّبِيب . قَالَ : فَوَجَبَ قِيَاسًا عَلَى ذَلِكَ أَنْ يُحَرَّم كُلّ مَا أَسْكَرَ مِنْ الْأَشْرِبَة . قَالَ : وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : ( كُلّ مُسْكِر حَرَام ) وَاسْتُغْنِيَ عَنْ مُسْنَده لِقَبُولِ الْجَمِيع لَهُ , وَإِنَّمَا الْخِلَاف بَيْنهمْ فِي تَأْوِيله , فَقَالَ بَعْضهمْ : أَرَادَ بِهِ جِنْس مَا يُسْكِر . وَقَالَ بَعْضهمْ : أَرَادَ بِهِ مَا يَقَع السُّكْر عِنْده كَمَا لَا يُسَمَّى قَاتِلًا إِلَّا مَعَ وُجُود الْقَتْل .</p><p>قُلْت : فَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ مُحَرَّم عِنْد الطَّحَاوِيّ لِقَوْلِهِ , فَوَجَبَ قِيَاسًا عَلَى ذَلِكَ أَنْ يُحَرَّم كُلّ مَا أَسْكَرَ مِنْ الْأَشْرِبَة . وَقَدْ رَوَى الدَّارَقُطْنِيّ فِي سُنَنه عَنْ عَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ : إِنَّ اللَّه لَمْ يُحَرِّم الْخَمْر لِاسْمِهَا وَإِنَّمَا حَرَّمَهَا لِعَاقِبَتِهَا , فَكُلّ شَرَاب يَكُون عَاقِبَته كَعَاقِبَةِ الْخَمْر فَهُوَ حَرَام كَتَحْرِيمِ الْخَمْر . قَالَ اِبْن الْمُنْذِر : وَجَاءَ أَهْل الْكُوفَة بِأَخْبَارٍ مَعْلُولَة , وَإِذَا اِخْتَلَفَ النَّاس فِي الشَّيْء وَجَبَ رَدّ ذَلِكَ إِلَى كِتَاب اللَّه وَسُنَّة رَسُوله عَلَيْهِ السَّلَام , وَمَا رُوِيَ عَنْ بَعْض التَّابِعِينَ أَنَّهُ شَرِبَ الشَّرَاب الَّذِي يُسْكِر كَثِيره فَلِلْقَوْمِ ذُنُوب يَسْتَغْفِرُونَ اللَّه مِنْهَا , وَلَيْسَ يَخْلُو ذَلِكَ مِنْ أَحَد مَعْنَيَيْنِ : إِمَّا مُخْطِئ أَخْطَأَ فِي التَّأْوِيل عَلَى حَدِيث سَمِعَهُ , أَوْ رَجُل أَتَى ذَنْبًا لَعَلَّهُ أَنْ يُكْثِر مِنْ الِاسْتِغْفَار لِلَّهِ تَعَالَى , وَالنَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حُجَّة اللَّه عَلَى الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّة . وَقَدْ قِيلَ فِي تَأْوِيل الْآيَة : إِنَّهَا إِنَّمَا ذُكِرَتْ لِلِاعْتِبَارِ , أَيْ مَنْ قَدَرَ عَلَى خَلْق هَذِهِ الْأَشْيَاء قَادِر عَلَى الْبَعْث , وَهَذَا الِاعْتِبَار لَا يَخْتَلِف بِأَنْ كَانَتْ الْخَمْر حَلَالًا أَوْ حَرَامًا , فَاتِّخَاذ السَّكَر لَا يَدُلّ عَلَى التَّحْرِيم , وَهُوَ كَمَا قَالَ تَعَالَى : | قُلْ فِيهِمَا إِثْم كَبِير وَمَنَافِع لِلنَّاسِ | [ الْبَقَرَة : 219 ] . وَاَللَّه أَعْلَم .

وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ

قَدْ مَضَى الْقَوْل فِي الْوَحْي وَأَنَّهُ قَدْ يَكُون بِمَعْنَى الْإِلْهَام , وَهُوَ مَا يَخْلُقهُ اللَّه تَعَالَى فِي الْقَلْب اِبْتِدَاء مِنْ غَيْر سَبَب ظَاهِر , وَهُوَ مِنْ قَوْله تَعَالَى : | وَنَفْس وَمَا سَوَّاهَا . فَأَلْهَمَهَا فُجُورهَا وَتَقْوَاهَا | [ الشَّمْس : 7 - 8 ] . وَمِنْ ذَلِكَ الْبَهَائِم وَمَا يَخْلُق اللَّه سُبْحَانه فِيهَا مِنْ دَرْك مَنَافِعهَا وَاجْتِنَاب مَضَارّهَا وَتَدْبِير مَعَاشهَا . وَقَدْ أَخْبَرَ عَزَّ وَجَلَّ بِذَلِكَ عَنْ الْمَوَات فَقَالَ : | تُحَدِّث أَخْبَارهَا . بِأَنَّ رَبّك أَوْحَى لَهَا | [ الزَّلْزَلَة : 4 - 5 ] . قَالَ إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ . لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي الْمَوَات قُدْرَة لَمْ يُدْرَ مَا هِيَ , لَمْ يَأْتِهَا رَسُولٌ مِنْ عِنْد اللَّه وَلَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَرَّفَهَا ذَلِكَ ; أَيْ أَلْهَمَهَا . وَلَا خِلَاف بَيْن الْمُتَأَوِّلِينَ أَنَّ الْوَحْي هُنَا بِمَعْنَى الْإِلْهَام . وَقَرَأَ يَحْيَى بْن وَثَّاب | إِلَى النَّحَل | بِفَتْحِ الْحَاء . وَسُمِّيَ نَحْلًا لِأَنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ نَحَلَهُ الْعَسَل الَّذِي يَخْرُج مِنْهُ ; قَالَهُ الزَّجَّاج . الْجَوْهَرِيّ : وَالنَّحْل وَالنَّحْلَة الدَّبْر يَقَع عَلَى الذَّكَر وَالْأُنْثَى , حَتَّى يُقَال : يَعْسُوب . وَالنَّحْل يُؤَنَّث فِي لُغَة أَهْل الْحِجَاز , وَكُلّ جَمْع لَيْسَ بَيْنه وَبَيْن وَاحِده إِلَّا الْهَاء . وَرُوِيَ مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : ( الذِّبَّان كُلّهَا فِي النَّار يَجْعَلهَا عَذَابًا لِأَهْلِ النَّار إِلَّا النَّحْل ) ذَكَرَهُ التِّرْمِذِيّ الْحَكِيم فِي نَوَادِر الْأُصُول . وَرُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : نَهَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ قَتْل النَّمْلَة وَالنَّحْلَة وَالْهُدْهُد وَالصُّرَد , خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُد أَيْضًا , وَسَيَأْتِي فِي [ النَّمْل ] إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى .|أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ|هَذَا إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا مَالِك . وَجَعَلَ اللَّه بُيُوت النَّحْل فِي هَذِهِ الثَّلَاثَة الْأَنْوَاع , إِمَّا فِي الْجِبَال وَكِوَاهَا , وَإِمَّا فِي مُتَجَوِّف الْأَشْجَار , وَإِمَّا فِيمَا يُعَرِّش اِبْن آدَم مِنْ الْأَجْبَاح وَالْخَلَايَا وَالْحِيطَان وَغَيْرهَا . وَعَرَشَ مَعْنَاهُ هُنَا هَيَّأَ , وَأَكْثَر مَا يُسْتَعْمَل فِيمَا يَكُون مِنْ إِتْقَان الْأَغْصَان وَالْخَشَب وَتَرْتِيب ظِلَالهَا ; وَمِنْهُ الْعَرِيش الَّذِي صُنِعَ لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْم بَدْر , وَمِنْ هَذَا لَفْظَة الْعَرْش . يُقَال : عَرَشَ يَعْرِش وَيَعْرُش [ بِكَسْرِ الرَّاء وَضَمّهَا ] , وَقُرِئَ بِهِمَا . قَرَأَ اِبْن عَامِر بِالضَّمِّ وَسَائِرهمْ بِالْكَسْرِ , وَاخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ عَنْ عَاصِم .</p><p>قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : وَمِنْ عَجِيب مَا خَلَقَ اللَّه فِي النَّحْل أَنْ أَلْهَمَهَا لِاِتِّخَاذِ بُيُوتهَا مُسَدَّسَة , فَبِذَلِكَ اِتَّصَلَتْ حَتَّى صَارَتْ كَالْقِطْعَةِ الْوَاحِدَة , وَذَلِكَ أَنَّ الْأَشْكَال مِنْ الْمُثَلَّث إِلَى الْمُعَشَّر إِذَا جُمِعَ كُلّ وَاحِد مِنْهَا إِلَى أَمْثَاله لَمْ يَتَّصِل وَجَاءَتْ بَيْنهمَا فُرَج , إِلَّا الشَّكْل الْمُسَدَّس ; فَإِنَّهُ إِذَا جُمِعَ إِلَى أَمْثَاله اِتَّصَلَ كَأَنَّهُ كَالْقِطْعَةِ الْوَاحِدَة .

ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ

وَذَلِكَ أَنَّهَا إِنَّمَا تَأْكُل النُّوَّار مِنْ الْأَشْجَار .|فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ|أَيْ طُرُق رَبّك . وَالسُّبُل : الطُّرُق , وَأَضَافَهَا إِلَيْهِ لِأَنَّهُ خَالِقهَا . أَيْ اُدْخُلِي طُرُق رَبّك لِطَلَبِ الرِّزْق فِي الْجِبَال وَخِلَال الشَّجَر .|ذُلُلًا|جَمْع ذَلُول وَهُوَ الْمُنْقَاد ; أَيْ مُطِيعَة مُسَخَّرَة . ف | ذُلُلًا | حَال مِنْ النَّحْل . أَيْ تَنْقَاد وَتَذْهَب حَيْثُ شَاءَ صَاحِبهَا ; لِأَنَّهَا تَتْبَع أَصْحَابهَا حَيْثُ ذَهَبُوا ; قَالَهُ اِبْن زَيْد . وَقِيلَ : الْمُرَاد بِقَوْلِهِ | ذُلُلًا | السُّبُل . يَقُول : مُذَلَّل طُرُقهَا سَهْلَة لِلسُّلُوكِ عَلَيْهَا ; وَاخْتَارَهُ الطَّبَرِيّ , و | ذُلُلًا | حَال مِنْ السُّبُل . وَالْيَعْسُوب سَيِّد النَّحْل , إِذَا وَقَفَ وَقَفَتْ وَإِذَا سَارَ سَارَتْ .|يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ|رَجَعَ الْخِطَاب إِلَى الْخَبَر عَلَى جِهَة تَعْدِيد النِّعْمَة وَالتَّنْبِيه عَلَى الْعِبْرَة فَقَالَ : | يَخْرُج مِنْ بُطُونهَا شَرَاب | يَعْنِي الْعَسَل . وَجُمْهُور النَّاس عَلَى أَنَّ الْعَسَل يَخْرُج مِنْ أَفْوَاه النَّحْل ; وَوَرَدَ عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ فِي تَحْقِيره لِلدُّنْيَا : أَشْرَف لِبَاس اِبْن آدَم فِيهَا لُعَاب دُودَة , وَأَشْرَف شَرَابه رَجِيع نَحْلَة . فَظَاهِر هَذَا أَنَّهُ مِنْ غَيْر الْفَم . وَبِالْجُمْلَةِ فَإِنَّهُ يَخْرُج وَلَا يُدْرَى مِنْ فِيهَا أَوْ أَسْفَلهَا , وَلَكِنْ لَا يَتِمّ صَلَاحه إِلَّا بِحَمْيِ أَنْفَاسهَا . وَقَدْ صَنَعَ أرسطاطاليس بَيْتًا مِنْ زُجَاج لِيَنْظُر إِلَى كَيْفِيَّة مَا تَصْنَع , فَأَبَتْ أَنْ تَعْمَل حَتَّى لَطَّخَتْ بَاطِن الزَّجَّاج بِالطِّينِ ; ذَكَرَهُ الْغَزْنَوِيّ . وَقَالَ : | مِنْ بُطُونهَا | لِأَنَّ اِسْتِحَالَة الْأَطْعِمَة لَا تَكُون إِلَّا فِي الْبَطْن .|مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ|يُرِيد أَنْوَاعه مِنْ الْأَحْمَر وَالْأَبْيَض وَالْأَصْفَر وَالْجَامِد وَالسَّائِل , وَالْأُمّ وَاحِدَة وَالْأَوْلَاد مُخْتَلِفُونَ دَلِيل عَلَى أَنَّ الْقُدْرَة نَوَّعَتْهُ بِحَسَبِ تَنْوِيع الْغِذَاء , كَمَا يَخْتَلِف طَعْمه بِحَسَبِ اِخْتِلَاف الْمَرَاعِي ; وَمِنْ هَذَا الْمَعْنَى قَوْل زَيْنَب لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( جَرَسَتْ نَحْله الْعُرْفُط ) حِين شَبَّهَتْ رَائِحَته بِرَائِحَةِ الْمَغَافِير .|فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ|الضَّمِير لِلْعَسَلِ ; قَالَ الْجُمْهُور . أَيْ فِي الْعَسَل شِفَاء لِلنَّاسِ . وَرُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس وَالْحَسَن وَمُجَاهِد وَالضَّحَّاك وَالْفَرَّاء وَابْن كَيْسَان : الضَّمِير لِلْقُرْآنِ ; أَيْ فِي الْقُرْآن شِفَاء . النَّحَّاس : وَهَذَا قَوْل حَسَن ; أَوْ فِيمَا قَصَصْنَا عَلَيْكُمْ مِنْ الْآيَات وَالْبَرَاهِين شِفَاء لِلنَّاسِ . وَقِيلَ : الْعَسَل فِيهِ شِفَاء , وَهَذَا الْقَوْل بَيِّنٌ أَيْضًا ; لِأَنَّ أَكْثَر الْأَشْرِبَة وَالْمَعْجُونَات الَّتِي يَتَعَالَج بِهَا أَصْلهَا مِنْ الْعَسَل . قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْر بْن الْعَرَبِيّ : مَنْ قَالَ إِنَّهُ الْقُرْآن بَعِيد مَا أَرَاهُ يَصِحّ عَنْهُمْ , وَلَوْ صَحَّ نَقْلًا لَمْ يَصِحّ عَقْلًا ; فَإِنَّ مَسَاق الْكَلَام كُلّه لِلْعَسَلِ , لَيْسَ لِلْقُرْآنِ فِيهِ ذِكْر . قَالَ اِبْن عَطِيَّة : وَذَهَبَ قَوْم مِنْ أَهْل الْجَهَالَة إِلَى أَنَّ هَذِهِ الْآيَة يُرَاد بِهَا أَهْل الْبَيْت وَبَنُو هَاشِم , وَأَنَّهُمْ النَّحْل , وَأَنَّ الشَّرَاب الْقُرْآن وَالْحِكْمَة , وَقَدْ ذَكَرَ هَذَا بَعْضهمْ فِي مَجْلِس الْمَنْصُور أَبِي جَعْفَر الْعَبَّاسِيّ , فَقَالَ لَهُ رَجُل مِمَّنْ حَضَرَ : جَعَلَ اللَّه طَعَامك وَشَرَابك مِمَّا يَخْرُج مِنْ بُطُون بَنِي هَاشِم , فَأَضْحَكَ الْحَاضِرِينَ وَبُهِتَ الْآخَر وَظَهَرَتْ سَخَافَة قَوْله .</p><p>اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي قَوْله تَعَالَى : | فِيهِ شِفَاء لِلنَّاسِ | هَلْ هُوَ عَلَى عُمُومه أَمْ لَا ; فَقَالَتْ طَائِفَة : هُوَ عَلَى الْعُمُوم فِي كُلّ حَال وَلِكُلِّ أَحَد , فَرُوِيَ عَنْ اِبْن عُمَر أَنَّهُ كَانَ لَا يَشْكُو قُرْحَة وَلَا شَيْئًا إِلَّا جَعَلَ عَلَيْهِ عَسَلًا , حَتَّى الدُّمَّل إِذَا خَرَجَ عَلَيْهِ طَلَى عَلَيْهِ عَسَلًا . وَحَكَى النَّقَّاش عَنْ أَبِي وَجْرَة أَنَّهُ كَانَ يَكْتَحِل بِالْعَسَلِ وَيَسْتَمْشِي بِالْعَسَلِ وَيَتَدَاوَى بِالْعَسَلِ . وَرُوِيَ أَنَّ عَوْف بْن مَالِك الْأَشْجَعِيّ مَرِضَ فَقِيلَ لَهُ : أَلَا نُعَالِجك ؟ فَقَالَ : اِئْتُونِي بِالْمَاءِ , فَإِنَّ اللَّه تَعَالَى يَقُول : | وَنَزَّلْنَا مِنْ السَّمَاء مَاء مُبَارَكًا | [ ق : 9 ] ثُمَّ قَالَ : اِئْتُونِي بِعَسَلٍ , فَإِنَّ اللَّه تَعَالَى يَقُول : | فِيهِ شِفَاء لِلنَّاسِ | وَائْتُونِي بِزَيْتٍ , فَإِنَّ اللَّه تَعَالَى يَقُول : | مِنْ شَجَرَة مُبَارَكَة | [ النُّور : 35 ] فَجَاءُوهُ بِذَلِكَ كُلّه فَخَلَطَهُ جَمِيعًا ثُمَّ شَرِبَهُ فَبَرِئَ . وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : إِنَّهُ عَلَى الْعُمُوم إِذَا خُلِطَ بِالْخَلِّ وَيُطْبَخ فَيَأْتِي شَرَابًا يُنْتَفَع بِهِ فِي كُلّ حَالَة مِنْ كُلّ دَاء . وَقَالَتْ طَائِفَة : إِنَّ ذَلِكَ عَلَى الْخُصُوص وَلَا يَقْتَضِي الْعُمُوم فِي كُلّ عِلَّة وَفِي كُلّ إِنْسَان , بَلْ إِنَّهُ خَبَر عَنْ أَنَّهُ يَشْفِي كَمَا يَشْفِي غَيْره مِنْ الْأَدْوِيَة فِي بَعْض وَعَلَى حَال دُون حَال ; فَفَائِدَة الْآيَة إِخْبَار مِنْهُ فِي أَنَّهُ دَوَاء لِمَا كَثُرَ الشِّفَاء بِهِ وَصَارَ خَلِيطًا وَمُعِينًا لِلْأَدْوِيَةِ فِي الْأَشْرِبَة وَالْمَعَاجِين ; وَلَيْسَ هَذَا بِأَوَّلِ لَفْظ خُصِّصَ فَالْقُرْآن مَمْلُوء مِنْهُ وَلُغَة الْعَرَب يَأْتِي فِيهَا الْعَامّ كَثِيرًا بِمَعْنَى الْخَاصّ وَالْخَاصّ بِمَعْنَى الْعَامّ . وَمِمَّا يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى الْعُمُوم أَنَّ | شِفَاء | نَكِرَة فِي سِيَاق الْإِثْبَات , وَلَا عُمُوم فِيهَا بِاتِّفَاقِ أَهْل اللِّسَان وَمُحَقِّقِي أَهْل الْعِلْم وَمُخْتَلِفِي أَهْل الْأُصُول . لَكِنْ قَدْ حَمَلَتْهُ طَائِفَة مِنْ أَهْل الصِّدْق وَالْعَزْم عَلَى الْعُمُوم . فَكَانُوا يَسْتَشْفُونَ بِالْعَسَلِ مِنْ كُلّ الْأَوْجَاع وَالْأَمْرَاض , وَكَانُوا يُشْفَوْنَ مِنْ عِلَلهمْ بِبَرَكَةِ الْقُرْآن وَبِصِحَّةِ التَّصْدِيق وَالْإِيقَان . اِبْن الْعَرَبِيّ : وَمَنْ ضَعُفَتْ نِيَّته وَغَلَبَتْهُ عَلَى الدِّين عَادَتُهُ أَخَذَهُ مَفْهُومًا عَلَى قَوْل الْأَطِبَّاء , وَالْكُلّ مِنْ حِكَم الْفَعَّال لِمَا يَشَاء .</p><p>إِنْ قَالَ قَائِل : قَدْ رَأَيْنَا مَنْ يَنْفَعهُ الْعَسَل وَمَنْ يَضُرّهُ , فَكَيْفَ يَكُون شِفَاء لِلنَّاسِ ؟ قِيلَ لَهُ : الْمَاء حَيَاة كُلّ شَيْء وَقَدْ رَأَيْنَا مَنْ يَقْتُلهُ الْمَاء إِذَا أَخَذَهُ عَلَى مَا يُضَادّهُ مِنْ عِلَّة فِي الْبَدَن , وَقَدْ رَأَيْنَا شِفَاء الْعَسَل فِي أَكْثَر هَذِهِ الْأَشْرِبَة ; قَالَ مَعْنَاهُ الزَّجَّاج . وَقَدْ اِتَّفَقَ الْأَطِبَّاء عَنْ بَكْرَة أَبِيهِمْ عَلَى مَدْح عُمُوم مَنْفَعَة السَّكَنْجَبِين فِي كُلّ مَرَض , وَأَصْله الْعَسَل وَكَذَلِكَ سَائِر الْمَعْجُونَات , عَلَى أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ حَسَمَ دَاء الْإِشْكَال وَأَزَاحَ وَجْه الِاحْتِمَال حِين أَمَرَ الَّذِي يَشْتَكِي بَطْنه بِشُرْبِ الْعَسَل , فَلَمَّا أَخْبَرَهُ أَخُوهُ بِأَنَّهُ لَمْ يَزِدْهُ إِلَّا اِسْتِطْلَاقًا أَمَرَهُ بِعَوْدِ الشَّرَاب لَهُ فَبَرِئَ ; وَقَالَ : ( صَدَقَ اللَّه وَكَذَبَ بَطْن أَخِيك ) .</p><p>اِعْتَرَضَ بَعْض زَنَادِقَة الْأَطِبَّاء عَلَى هَذَا الْحَدِيث فَقَالَ : قَدْ أَجْمَعَتْ الْأَطِبَّاء عَلَى أَنَّ الْعَسَل يُسْهِل فَكَيْفَ يُوصَف لِمَنْ بِهِ الْإِسْهَال ; فَالْجَوَاب أَنَّ ذَلِكَ الْقَوْل حَقّ فِي نَفْسه لِمَنْ حَصَلَ لَهُ التَّصْدِيق بِنَبِيِّهِ عَلَيْهِ السَّلَام , فَيَسْتَعْمِلهُ عَلَى الْوَجْه الَّذِي عَيَّنَهُ وَفِي الْمَحَلّ الَّذِي أَمَرَهُ بِعَقْدِ نِيَّة وَحُسْن طَوِيَّة , فَإِنَّهُ يَرَى مَنْفَعَته وَيُدْرِك بَرَكَته , كَمَا قَدْ اِتَّفَقَ لِصَاحِبِ هَذَا الْعَسَل وَغَيْره كَمَا تَقَدَّمَ . وَأَمَّا مَا حُكِيَ مِنْ الْإِجْمَاع فَدَلِيل عَلَى جَهْله بِالنَّقْلِ حَيْثُ لَمْ يُقَيِّد وَأَطْلَقَ . قَالَ الْإِمَام أَبُو عَبْد اللَّه الْمَازِرِيّ : يَنْبَغِي أَنْ يَعْلَم أَنَّ الْإِسْهَال يَعْرِض مِنْ ضُرُوب كَثِيرَة , مِنْهَا الْإِسْهَال الْحَادِث عَنْ التُّخُم وَالْهَيْضَات ; وَالْأَطِبَّاء مُجْمِعُونَ فِي مِثْل هَذَا عَلَى أَنَّ عِلَاجه بِأَنْ يُتْرَك لِلطَّبِيعَةِ وَفِعْلهَا , وَإِنْ اِحْتَاجَتْ إِلَى مُعِين عَلَى الْإِسْهَال أُعِينَتْ مَا دَامَتْ الْقُوَّة بَاقِيَة , فَأَمَّا حَبْسهَا فَضَرَر , فَإِذَا وَضَحَ هَذَا قُلْنَا : فَيُمْكِن أَنْ يَكُون ذَلِكَ الرَّجُل أَصَابَهُ الْإِسْهَال عَنْ اِمْتِلَاء وَهَيْضَة فَأَمَرَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِشُرْبِ الْعَسَل فَزَادَهُ إِلَى أَنْ فَنِيَتْ الْمَادَّة فَوَقَفَ الْإِسْهَال فَوَافَقَهُ شُرْب الْعَسَل . فَإِذَا خَرَجَ هَذَا عَنْ صِنَاعَة الطِّبّ أَذِنَ ذَلِكَ بِجَهْلِ الْمُعْتَرِض بِتِلْكَ الصِّنَاعَة . قَالَ : وَلَسْنَا نَسْتَظْهِر عَلَى قَوْل نَبِيّنَا بِأَنْ يُصَدِّقهُ الْأَطِبَّاء بَلْ لَوْ كَذَّبُوهُ لَكَذَّبْنَاهُمْ وَلَكَفَّرْنَاهُمْ وَصَدَّقْنَاهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; فَإِنْ أَوْجَدُونَا بِالْمُشَاهَدَةِ صِحَّة مَا قَالُوهُ فَنَفْتَقِر حِينَئِذٍ إِلَى تَأْوِيل كَلَام رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَخْرِيجه عَلَى مَا يَصِحّ إِذْ قَامَتْ الدَّلَالَة عَلَى أَنَّهُ لَا يَكْذِب .</p><p>فِي قَوْله تَعَالَى : | فِيهِ شِفَاء لِلنَّاسِ | دَلِيل عَلَى جَوَاز التَّعَالُج بِشُرْبِ الدَّوَاء وَغَيْر ذَلِكَ خِلَافًا لِمَنْ كَرِهَ ذَلِكَ مِنْ جِلَّة الْعُلَمَاء , وَهُوَ يَرُدّ عَلَى الصُّوفِيَّة الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّ الْوِلَايَة لَا تَتِمّ إِلَّا إِذَا رَضِيَ بِجَمِيعِ مَا نَزَلَ بِهِ مِنْ الْبَلَاء , وَلَا يَجُوز لَهُ مُدَاوَاة . وَلَا مَعْنَى لِمَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ , رَوَى|الصَّحِيح عَنْ جَابِر عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : ( لِكُلِّ دَاء دَوَاء فَإِذَا أُصِيبَ دَوَاءُ الدَّاء بَرَأَ بِإِذْنِ اللَّه ) . وَرَوَى أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ عَنْ أُسَامَة بْن شَرِيك قَالَ قَالَتْ الْأَعْرَاب : أَلَا نَتَدَاوَى يَا رَسُول اللَّه ؟ قَالَ : ( نَعَمْ . يَا عِبَاد اللَّه تَدَاوَوْا فَإِنَّ اللَّه لَمْ يَضَع دَاء إِلَّا وَضَعَ لَهُ شِفَاء أَوْ دَوَاء إِلَّا دَاء وَاحِد ) قَالُوا : يَا رَسُول اللَّه وَمَا هُوَ ؟ قَالَ : ( الْهَرَم ) لَفْظ التِّرْمِذِيّ , وَقَالَ : حَدِيث حَسَن صَحِيح . وَرُوِيَ عَنْ أَبِي خُزَامَة عَنْ أَبِيهِ قَالَ : سَأَلْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْت : يَا رَسُول اللَّه , أَرَأَيْت رُقًى نَسْتَرْقِيهَا وَدَوَاء نَتَدَاوَى بِهِ وَتُقَاة نَتَّقِيهَا , هَلْ تَرُدّ مِنْ قَدَر اللَّه شَيْئًا ؟ قَالَ : ( هِيَ مِنْ قَدَر اللَّه ) قَالَ : حَدِيث حَسَن , وَلَا يُعْرَف لِأَبِي خُزَامَة غَيْر هَذَا الْحَدِيث . وَقَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنْ كَانَ فِي شَيْء مِنْ أَدْوِيَتكُمْ خَيْر فَفِي شَرْطَة مِحْجَم أَوْ شَرْبَة مِنْ عَسَل أَوْ لَذْعَة بِنَارٍ وَمَا أُحِبّ أَنْ أَكْتَوِي ) أَخْرَجَهُ الصَّحِيح . وَالْأَحَادِيث فِي هَذَا الْبَاب أَكْثَر مِنْ أَنْ تُحْصَى . وَعَلَى إِبَاحَة التَّدَاوِي وَالِاسْتِرْقَاء جُمْهُور الْعُلَمَاء . رُوِيَ أَنَّ اِبْن عُمَر اِكْتَوَى مِنْ اللَّقْوَة وَرَقِيَ مِنْ الْعَقْرَب . وَعَنْ اِبْن سِيرِينَ أَنَّ اِبْن عُمَر كَانَ يَسْقِي وَلَده التِّرْيَاق . وَقَالَ مَالِك : لَا بَأْس بِذَلِكَ . وَقَدْ اِحْتَجَّ مَنْ كَرِهَ ذَلِكَ بِمَا رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَة قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( دَخَلَتْ أُمَّة بِقَضِّهَا وَقَضِيضهَا الْجَنَّة كَانُوا لَا يَسْتَرْقُونَ وَلَا يَكْتَوُونَ وَلَا يَتَطَيَّرُونَ وَعَلَى رَبّهمْ يَتَوَكَّلُونَ ) . قَالُوا : فَالْوَاجِب عَلَى الْمُؤْمِن أَنْ يَتْرُك ذَلِكَ اِعْتِصَامًا بِاَللَّهِ وَتَوَكُّلًا عَلَيْهِ وَثِقَة بِهِ وَانْقِطَاعًا إِلَيْهِ ; فَإِنَّ اللَّه تَعَالَى قَدْ عَلِمَ أَيَّام الْمَرَض وَأَيَّام الصِّحَّة فَلَوْ حَرَصَ الْخَلْق عَلَى تَقْلِيل ذَلِكَ أَوْ زِيَادَته مَا قَدَرُوا ; قَالَ اللَّه تَعَالَى : | مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَة فِي الْأَرْض وَلَا فِي أَنْفُسكُمْ إِلَّا فِي كِتَاب مِنْ قَبْل أَنْ نَبْرَأهَا | [ الْحَدِيد : 22 ] . وَمِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا جَمَاعَة مِنْ أَهْل الْفَضْل وَالْأَثَر , وَهُوَ قَوْل اِبْن مَسْعُود وَأَبِي الدَّرْدَاء رِضْوَان اللَّه عَلَيْهِمْ . دَخَلَ عُثْمَان بْن عَفَّان عَلَى اِبْن مَسْعُود فِي مَرَضه الَّذِي قُبِضَ فِيهِ فَقَالَ لَهُ عُثْمَان : مَا تَشْتَكِي ؟ قَالَ ذُنُوبِي . قَالَ : فَمَا تَشْتَهِي ؟ قَالَ رَحْمَة رَبِّي . قَالَ : أَلَا أَدْعُو لَك طَبِيبًا ؟ قَالَ : الطَّبِيب أَمْرَضَنِي . .. وَذَكَرَ الْحَدِيث . وَسَيَأْتِي بِكَمَالِهِ فِي فَضْل الْوَاقِعَة إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى . وَذَكَرَ وَكِيع قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو هِلَال عَنْ مُعَاوِيَة بْن قُرَّة قَالَ : مَرِضَ أَبُو الدَّرْدَاء فَعَادُوهُ وَقَالُوا : أَلَا نَدْعُو لَك طَبِيبًا ؟ قَالَ : الطَّبِيب أَضْجَعَنِي . وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الرَّبِيع بْن خَيْثَم . وَكَرِهَ سَعِيد بْن جُبَيْر الرُّقَى . وَكَانَ الْحَسَن يَكْرَه شُرْب الْأَدْوِيَة كُلّهَا إِلَّا اللَّبَن وَالْعَسَل . وَأَجَابَ الْأَوَّلُونَ عَنْ الْحَدِيث بِأَنَّهُ لَا حُجَّة فِيهِ , لِأَنَّهُ يَحْتَمِل أَنْ يَكُون قَصَدَ إِلَى نَوْع مِنْ الْكَيّ مَكْرُوه بِدَلِيلِ كَيّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُبَيًّا يَوْم الْأَحْزَاب عَلَى أَكْحَله لَمَّا رُمِيَ . وَقَالَ : ( الشِّفَاء فِي ثَلَاثَة ) كَمَا تَقَدَّمَ . وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون قَصَدَ إِلَى الرُّقَى بِمَا لَيْسَ فِي كِتَاب اللَّه , وَقَدْ قَالَ سُبْحَانه وَتَعَالَى : | وَنُنَزِّل مِنْ الْقُرْآن مَا هُوَ شِفَاء | [ الْإِسْرَاء : 82 ] عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانه . وَرَقَى أَصْحَابه وَأَمَرَهُمْ بِالرُّقْيَةِ ; عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانه .</p><p>ذَهَبَ مَالِك وَجَمَاعَة أَصْحَابه إِلَى أَنْ لَا زَكَاة فِي الْعَسَل وَإِنْ كَانَ مَطْعُومًا مُقْتَاتًا . وَاخْتَلَفَ فِيهِ قَوْل الشَّافِعِيّ , وَالَذَى قَطَعَ بِهِ فِي قَوْله الْجَدِيد : أَنَّهُ لَا زَكَاة فِيهِ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة بِوُجُوبِ زَكَاة الْعَسَل فِي قَلِيله وَكَثِيره ; لِأَنَّ النِّصَاب عِنْده فِيهِ لَيْسَ بِشَرْطٍ . وَقَالَ مُحَمَّد بْن الْحَسَن : لَا شَيْء فِيهِ حَتَّى يَبْلُغ ثَمَانِيَة أَفْرَاق , وَالْفَرَق سِتَّة وَثَلَاثُونَ رِطْلًا مِنْ أَرْطَال الْعِرَاق . وَقَالَ أَبُو يُوسُف : فِي كُلّ عَشَرَة أَزْقَاق زِقّ ; مُتَمَسِّكًا بِمَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ عَنْ اِبْن عُمَر قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فِي الْعَسَل فِي كُلّ عَشَرَة أَزْقَاق زِقّ ) قَالَ أَبُو عِيسَى : فِي إِسْنَاده مَقَال , وَلَا يَصِحّ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الْبَاب كَبِير شَيْء , وَالْعَمَل عَلَى هَذَا عِنْد أَكْثَر أَهْل الْعِلْم , وَبِهِ يَقُول أَحْمَد وَإِسْحَاق , وَقَالَ بَعْض أَهْل الْعِلْم : لَيْسَ فِي الْعَسَل شَيْء .|إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ|أَيْ يَعْتَبِرُونَ ; وَمِنْ الْعِبْرَة فِي النَّحْل بِإِنْصَافِ النَّظَر وَإِلْطَاف الْفِكْر فِي عَجِيب أَمْرهَا . فَيَشْهَد الْيَقِين بِأَنَّ مُلْهِمهَا الصَّنْعَة اللَّطِيفَة مَعَ الْبِنْيَة الضَّعِيفَة , وَحِذْقهَا بِاحْتِيَالِهَا فِي تَفَاوُت أَحْوَالهَا هُوَ اللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى ; كَمَا قَالَ : | وَأَوْحَى رَبّك إِلَى النَّحْل | [ النَّحْل : 68 ] الْآيَة . ثُمَّ أَنَّهَا تَأْكُل الْحَامِض وَالْمُرّ وَالْحُلْو وَالْمَالِح وَالْحَشَائِش الضَّارَّة , فَيَجْعَلهُ اللَّه تَعَالَى عَسَلًا حُلْوًا وَشِفَاء , وَفِي هَذَا دَلِيل عَلَى قُدْرَته .

وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ

يَعْنِي أَرْدَأَهُ وَأَوْضَعهُ . وَقِيلَ : الَّذِي يُنْقِص قُوَّته وَعَقْله وَيُصَيِّرهُ إِلَى الْخَرَف وَنَحْوه . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : يَعْنِي إِلَى أَسْفَل الْعُمُر , يَصِير كَالصَّبِيِّ الَّذِي لَا عَقْل لَهُ ; وَالْمَعْنَى مُتَقَارِب . وَفِي صَحِيح الْبُخَارِيّ عَنْ أَنَس بْن مَالِك قَالَ كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَعَوَّذ يَقُول : ( اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذ بِك مِنْ الْكَسَل وَأَعُوذ بِك مِنْ الْجُبْن وَأَعُوذ بِك مِنْ الْهَرَم وَأَعُوذ بِك مِنْ الْبُخْل ) . وَفِي حَدِيث سَعْد بْن أَبِي وَقَّاص ( وَأَعُوذ بِك أَنْ أُرَدّ إِلَى أَرْذَل الْعُمُر ) الْحَدِيث . خَرَّجَهُ الْبُخَارِيّ .

وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ

أَيْ جَعَلَ مِنْكُمْ غَنِيًّا وَحُرًّا وَعَبْدًا .|فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا|أَيْ فِي الرِّزْق .|بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ|أَيْ لَا يَرُدّ الْمَوْلَى عَلَى مَا مَلَكَتْ يَمِينه مِمَّا رُزِقَ شَيْئًا حَتَّى يَسْتَوِي الْمَمْلُوك وَالْمَالِك فِي الْمَال . وَهَذَا مَثَل ضَرَبَهُ اللَّه لِعَبَدَةِ الْأَصْنَام , أَيْ إِذَا لَمْ يَكُنْ عَبِيدكُمْ مَعَكُمْ سَوَاء فَكَيْفَ تَجْعَلُونَ عَبِيدِي مَعِي سَوَاء ; فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ يُشْرِكهُمْ عَبِيدهمْ فِي أَمْوَالهمْ لَمْ يَجُزْ لَهُمْ أَنْ يُشَارِكُوا اللَّه تَعَالَى فِي عِبَادَة غَيْره مِنْ الْأَوْثَان وَالْأَنْصَاب وَغَيْرهمَا مِمَّا عُبِدَ ; كَالْمَلَائِكَةِ وَالْأَنْبِيَاء وَهُمْ عَبِيده وَخَلْقه . حَكَى مَعْنَاهُ الطَّبَرِيّ , وَقَالَهُ اِبْن عَبَّاس وَمُجَاهِد وَقَتَادَة وَغَيْرهمْ . وَعَنْ اِبْن عَبَّاس أَيْضًا أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي نَصَارَى نَجْرَان حِين قَالُوا عِيسَى اِبْن اللَّه فَقَالَ اللَّه لَهُمْ | فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقهمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانهمْ | أَيْ لَا يَرُدّ الْمَوْلَى عَلَى مَا مَلَكَتْ يَمِينه مِمَّا رُزِقَ حَتَّى يَكُون الْمَوْلَى وَالْعَبْد فِي الْمَال شَرَعًا سَوَاء , فَكَيْفَ تَرْضَوْنَ لِي مَا لَا تَرْضَوْنَ لِأَنْفُسِكُمْ فَتَجْعَلُونَ لِي وَلَدًا مِنْ عَبِيدِي . وَنَظِيرهَا | ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسكُمْ هَلْ لَكُمْ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانكُمْ مِنْ شُرَكَاء فِيمَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاء | [ الرُّوم : 28 ] عَلَى مَا يَأْتِي . وَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّ الْعَبْد لَا يَمْلِك , عَلَى مَا يَأْتِي آنِفًا .

وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ

جَعَلَ بِمَعْنَى خَلَقَ وَقَدْ تَقَدَّمَ | مِنْ أَنْفُسكُمْ أَزْوَاجًا | يَعْنِي آدَم خَلَقَ مِنْهُ حَوَّاء . وَقِيلَ : الْمَعْنَى جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسكُمْ , أَيْ مِنْ جِنْسكُمْ وَنَوْعكُمْ وَعَلَى خِلْقَتكُمْ ; كَمَا قَالَ : | لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُول مِنْ أَنْفُسكُمْ | [ التَّوْبَة : 128 ] أَيْ مِنْ الْآدَمِيِّينَ . وَفِي هَذَا رَدّ عَلَى الْعَرَب الَّتِي كَانَتْ تَعْتَقِد أَنَّهَا كَانَتْ تَزَوَّجَ الْجِنّ وَتُبَاضِعهَا , حَتَّى رُوِيَ أَنَّ عَمْرو بْن هِنْد تَزَوَّجَ مِنْهُمْ غُولًا وَكَانَ يُخَبِّئُوهَا عَنْ الْبَرْق لِئَلَّا تَرَاهُ فَتَنْفِر , فَلَمَّا كَانَ فِي بَعْض اللَّيَالِي لَمَعَ الْبَرْق وَعَايَنَتْهُ السِّعْلَاة فَقَالَتْ : عَمْرو ! وَنَفَرَتْ , فَلَمْ يَرَهَا أَبَدًا . وَهَذَا مِنْ أَكَاذِيبهَا , وَإِنْ كَانَ جَائِزًا فِي حُكْم اللَّه وَحِكْمَته فَهُوَ رَدّ عَلَى الْفَلَاسِفَة الَّذِينَ يُنْكِرُونَ وُجُود الْجِنّ وَيُحِيلُونَ طَعَامهمْ . | أَزْوَاجًا | زَوْج الرَّجُل هِيَ ثَانِيَته , فَإِنَّهُ فَرْد فَإِذَا اِنْضَافَتْ إِلَيْهِ كَانَا زَوْجَيْنِ , وَإِنَّمَا جُعِلَتْ الْإِضَافَة إِلَيْهِ دُونهَا لِأَنَّهُ أَصْلهَا فِي الْوُجُود كَمَا تَقَدَّمَ .|وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ|ظَاهِر فِي تَعْدِيد النِّعْمَة فِي الْأَبْنَاء , وَوُجُود الْأَبْنَاء يَكُون مِنْهُمَا مَعًا ; وَلَكِنَّهُ لَمَّا كَانَ خَلْق الْمَوْلُود فِيهَا وَانْفِصَاله عَنْهَا أُضِيفَ إِلَيْهَا , وَلِذَلِكَ تَبِعَهَا فِي الرِّقّ وَالْحُرِّيَّة وَصَارَ مِثْلهَا فِي الْمَالِيَّة . قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : سَمِعْت إِمَام الْحَنَابِلَة بِمَدِينَةِ السَّلَام أَبَا الْوَفَاء عَلِيّ بْن عَقِيل يَقُول : إِنَّمَا تَبِعَ الْوَلَد الْأُمّ فِي الْمَالِيَّة وَصَارَ بِحُكْمِهَا فِي الرِّقّ وَالْحُرِّيَّة ; لِأَنَّهُ اِنْفَصَلَ عَنْ الْأَب نُطْفَة لَا قِيمَة لَهُ وَلَا مَالِيَّة فِيهِ وَلَا مَنْفَعَة , وَإِنَّمَا اِكْتَسَبَ مَا اِكْتَسَبَ بِهَا وَمِنْهَا فَلِأَجْلِ ذَلِكَ تَبِعَهَا . كَمَا لَوْ أَكَلَ رَجُل تَمْرًا فِي أَرْض رَجُل وَسَقَطَتْ مِنْهُ نَوَاة فِي الْأَرْض مِنْ يَد الْآكِل فَصَارَتْ نَخْلَة فَإِنَّهَا مِلْك صَاحِب الْأَرْض دُون الْآكِل بِإِجْمَاعٍ مِنْ الْأُمَّة لِأَنَّهَا اِنْفَصَلَتْ عَنْ الْآكِل وَلَا قِيمَة لَهَا .</p><p>وَيَخْدُم الرَّجُل زَوْجَته فِيمَا خَفَّ مِنْ الْخِدْمَة وَيُعِينهَا , لِمَا رَوَتْهُ عَائِشَة أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَكُون فِي مِهْنَة أَهْله فَإِذَا سَمِعَ الْأَذَان خَرَجَ . وَهَذَا قَوْل مَالِك : وَيُعِينهَا . وَفِي أَخْلَاق النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ يَخْصِف النَّعْل وَيَقُمّ الْبَيْت وَيَخِيط الثَّوْب . وَقَالَتْ عَائِشَة وَقَدْ قِيلَ لَهَا : مَا كَانَ يَعْمَل رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَيْته ؟ قَالَتْ : كَانَ بَشَرًا مِنْ الْبَشَر يَفْلِي ثَوْبه وَيَحْلُب شَاته وَيَخْدُم نَفْسه .</p><p>وَيُنْفِق عَلَى خَادِمَة وَاحِدَة , وَقِيلَ عَلَى أَكْثَر ; عَلَى قَدْر الثَّرْوَة وَالْمَنْزِلَة . وَهَذَا أَمْر دَائِر عَلَى الْعُرْف الَّذِي هُوَ أَصْل مِنْ أُصُول الشَّرِيعَة , فَإِنَّ نِسَاء الْأَعْرَاب وَسُكَّان الْبَوَادِي يَخْدُمْنَ أَزْوَاجهنَّ فِي اِسْتِعْذَاب الْمَاء وَسِيَاسَة الدَّوَابّ , وَنِسَاء الْحَوَاضِر يَخْدُم الْمُقِلّ مِنْهُمْ زَوْجَته فِيمَا خَفَّ وَيُعِينهَا , وَأَمَّا أَهْل الثَّرْوَة فَيَخْدُمُونَ أَزْوَاجهنَّ وَيَتَرَفَّهْنَ مَعَهُمْ إِذَا كَانَ لَهُمْ مَنْصِب ذَلِكَ ; فَإِنْ كَانَ أَمْرًا مُشْكِلًا شَرَطَتْ عَلَيْهِ الزَّوْجَة ذَلِكَ , فَتُشْهِد أَنَّهُ قَدْ عَرَفَ أَنَّهَا مِمَّنْ لَا تَخْدُم نَفْسهَا فَالْتَزَمَ إِخْدَامهَا , فَيُنَفِّذ ذَلِكَ وَتَنْقَطِع الدَّعْوَى فِيهِ .|وَحَفَدَةً|رَوَى اِبْن الْقَاسِم عَنْ مَالِك قَالَ وَسَأَلْته عَنْ قَوْله تَعَالَى : | بَنِينَ وَحَفَدَة | قَالَ : الْحَفَدَة الْخَدَم وَالْأَعْوَان فِي رَأْيِي . وَرُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى : | وَحَفَدَة | قَالَ هُمْ الْأَعْوَان , مَنْ أَعَانَك فَقَدْ حَفَدَك . قِيلَ لَهُ : فَهَلْ تَعْرِف الْعَرَب ذَلِكَ ؟ قَالَ نَعَمْ وَتَقُول أَوَمَا سَمِعْت قَوْل الشَّاعِر : <br>حَفَدَ الْوَلَائِد حَوْلهنَّ وَأَسْلَمَتْ .......... بِأَكُفِّهِنَّ أَزِمَّة الْأَجْمَال <br>أَيْ أَسْرَعْنَ الْخِدْمَة . وَالْوَلَائِد : الْخَدَم , الْوَاحِدَة وَلِيدَة ; قَالَ الْأَعْشَى : <br>كَلَّفْت مَجْهُولهَا نُوقًا يَمَانِيَة .......... إِذَا الْحُدَاة عَلَى أَكْسَائهَا حَفَدُوا <br>أَيْ أَسْرَعُوا . وَقَالَ اِبْن عَرَفَة : الْحَفَدَة عِنْد الْعَرَب الْأَعْوَان , فَكُلّ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَطَاعَ فِيهِ وَسَارَعَ فَهُوَ حَافِد , قَالَ : وَمِنْهُ قَوْلهمْ إِلَيْك نَسْعَى وَنَحْفِد , وَالْحَفَدَان السُّرْعَة . قَالَ أَبُو عُبَيْد : الْحَفْد الْعَمَل وَالْخِدْمَة . وَقَالَ الْخَلِيل بْن أَحْمَد : الْحَفَدَة عِنْد الْعَرَب الْخَدَم , وَقَالَهُ مُجَاهِد . وَقَالَ الْأَزْهَرِيّ : قِيلَ الْحَفَدَة أَوْلَاد الْأَوْلَاد . وَرُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس . وَقِيلَ الْأَخْتَان ; قَالَهُ اِبْن مَسْعُود وَعَلْقَمَة وَأَبُو الضُّحَى وَسَعِيد بْن جُبَيْر وَإِبْرَاهِيم ; وَمِنْهُ قَوْل الشَّاعِر : <br>فَلَوْ أَنَّ نَفْسِي طَاوَعَتْنِي لَأَصْبَحَتْ .......... لَهَا حَفَد مَا يُعَدّ كَثِير <br><br>وَلَكِنَّهَا نَفْس عَلَيَّ أَبِيَّة .......... عَيُوف لِإِصْهَارِ اللِّئَام قَذُور <br>وَرَوَى زِرّ عَنْ عَبْد اللَّه قَالَ : الْحَفَدَة الْأَصْهَار ; وَقَالَهُ إِبْرَاهِيم , وَالْمَعْنَى مُتَقَارِب . قَالَ الْأَصْمَعِيّ : الْخَتَن مَنْ كَانَ مِنْ قِبَل الْمَرْأَة , مِثْل أَبِيهَا وَأَخِيهَا وَمَا أَشْبَهَهُمَا ; وَالْأَصْهَار مِنْهَا جَمِيعًا . يُقَال : أَصْهَرَ فُلَان إِلَى بَنِي فُلَان وَصَاهَرَ . وَقَوْل عَبْد اللَّه هُمْ الْأَخْتَان , يَحْتَمِل الْمَعْنَيَيْنِ جَمِيعًا . يَحْتَمِل أَنْ يَكُون أَرَادَ أَبَا الْمَرْأَة وَمَا أَشْبَهَهُ مِنْ أَقْرِبَائِهَا , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون أَرَادَ وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجكُمْ بَنِينَ وَبَنَات تُزَوِّجُونَهُنَّ , فَيَكُون لَكُمْ بِسَبَبِهِنَّ أَخْتَان . وَقَالَ عِكْرِمَة : الْحَفَدَة مَنْ نَفَعَ الرَّجُل مِنْ وَلَده ; وَأَصْله مِنْ حَفَدَ يَحْفِد - بِفَتْحِ الْعَيْن فِي الْمَاضِي وَكَسْرهَا فِي الْمُسْتَقْبَل - إِذَا أَسْرَعَ فِي سَيْره ; كَمَا قَالَ كَثِير : <br>حَفَدَ الْوَلَائِد بَيْنهنَّ . .. الْبَيْت <br>وَيُقَال : حَفَدَتْ وَأَحْفَدَتْ , لُغَتَانِ إِذَا خَدَمَتْ . وَيُقَال : حَافِد وَحَفَد ; مِثْل خَادِم وَخَدَم , وَحَافِد وَحَفَدَة مِثْل كَافِر وَكَفَرَة . قَالَ الْمَهْدَوِيّ : وَمَنْ جَعَلَ الْحَفَدَة الْخَدَم جَعَلَهُ مُنْقَطِعًا مِمَّا قَبْله يَنْوِي بِهِ التَّقْدِيم ; كَأَنَّهُ قَالَ : جَعَلَ لَكُمْ حَفَدَة وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجكُمْ بَنِينَ .</p><p>قُلْت : مَا قَالَهُ الْأَزْهَرِيّ مِنْ أَنَّ الْحَفَدَة أَوْلَاد الْأَوْلَاد هُوَ ظَاهِر الْقُرْآن بَلْ نَصّه ; أَلَا تَرَى أَنَّهُ قَالَ : | وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَة | فَجَعَلَ الْحَفَدَة وَالْبَنِينَ مِنْهُنَّ . وَقَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : الْأَظْهَر عِنْدِي فِي قَوْله | بَنِينَ وَحَفَدَة | أَنَّ الْبَنِينَ أَوْلَاد الرَّجُل لِصُلْبِهِ وَالْحَفَدَة أَوْلَاد وَلَده , وَلَيْسَ فِي قُوَّة اللَّفْظ أَكْثَر مِنْ هَذَا , وَيَكُون تَقْدِير الْآيَة عَلَى هَذَا : وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجكُمْ بَنِينَ وَمِنْ الْبَنِينَ حَفَدَة . وَقَالَ مَعْنَاهُ الْحَسَن .</p><p>إِذَا فَرَّعْنَا عَلَى قَوْل مُجَاهِد وَابْن عَبَّاس وَمَالِك وَعُلَمَاء اللُّغَة فِي قَوْلهمْ إِنَّ الْحَفَدَة الْخَدَم وَالْأَعْوَان , فَقَدْ خَرَجَتْ خِدْمَة الْوَلَد وَالزَّوْجَة مِنْ الْقُرْآن بِأَبْدَع بَيَان ; قَالَهُ اِبْن الْعَرَبِيّ . رَوَى الْبُخَارِيّ|وَغَيْره عَنْ سَهْل بْن سَعْد أَنَّ أَبَا أُسَيْد السَّاعِدِيّ دَعَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعُرْسِهِ فَكَانَتْ اِمْرَأَته خَادِمهمْ . .. الْحَدِيث , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي سُورَة | هُود | وَفِي الصَّحِيح عَنْ عَائِشَة قَالَتْ : أَنَا فَتَلْت قَلَائِد بُدْن النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِي . الْحَدِيث . وَلِهَذَا قَالَ عُلَمَاؤُنَا : عَلَيْهَا أَنْ تَفْرِش الْفِرَاش وَتَطْبُخ الْقِدْر وَتَقُمّ الدَّار , بِحَسَبِ حَالهَا وَعَادَة مِثْلهَا ; قَالَ اللَّه تَعَالَى : | وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجهَا لِيَسْكُن إِلَيْهَا | [ الْأَعْرَاف : 189 ] فَكَأَنَّهُ جَمَعَ لَنَا فِيهَا السَّكَن وَالِاسْتِمْتَاع وَضَرْبًا مِنْ الْخِدْمَة بِحَسَبِ جَرْي الْعَادَة .|وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ|أَيْ مِنْ الثِّمَار وَالْحُبُوب وَالْحَيَوَان .|أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ|يَعْنِي الْأَصْنَام ; قَالَهُ اِبْن عَبَّاس . | يُؤْمِنُونَ | قِرَاءَة الْجُمْهُور بِالْيَاءِ . وَقَرَأَ أَبُو عَبْد الرَّحْمَن بِالتَّاءِ .|وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ|أَيْ بِالْإِسْلَامِ . | هُمْ يَكْفُرُونَ | .

وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ

يَعْنِي الْمَطَر .|وَالْأَرْضِ|يَعْنِي النَّبَات .|شَيْئًا|قَالَ الْأَخْفَش : هُوَ بَدَل مِنْ الرِّزْق . وَقَالَ الْفَرَّاء : هُوَ مَنْصُوب بِإِيقَاعِ الرِّزْق عَلَيْهِ ; أَيْ يَعْبُدُونَ مَا لَا يَمْلِك أَنْ يَرْزُقهُمْ شَيْئًا .|وَلَا يَسْتَطِيعُونَ|أَيْ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْء , يَعْنِي الْأَصْنَام .

فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ

أَيْ لَا تُشَبِّهُوا بِهِ هَذِهِ الْجَمَادَات ; لِأَنَّهُ وَاحِد قَادِر لَا مِثْل لَهُ . وَقَدْ تَقَدَّمَ

ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ

نَبَّهَ تَعَالَى عَلَى ضَلَالَة الْمُشْرِكِينَ , وَهُوَ مُنْتَظِم بِمَا قَبْله مِنْ ذِكْر نِعَم اللَّه عَلَيْهِمْ وَعَدَم مِثْل ذَلِكَ مِنْ آلِهَتهمْ . | ضَرَبَ اللَّه مَثَلًا | أَيْ بَيَّنَ شَبَهًا ; ثُمَّ ذَكَرَ ذَلِكَ فَقَالَ : | عَبْدًا مَمْلُوكًا | أَيْ كَمَا لَا يَسْتَوِي عِنْدكُمْ عَبْد مَمْلُوك لَا يَقْدِر مِنْ أَمْره عَلَى شَيْء وَرَجُل حُرّ قَدْ رُزِقَ رِزْقًا حَسَنًا فَكَذَلِكَ أَنَا وَهَذِهِ الْأَصْنَام . فَاَلَّذِي هُوَ مِثَال فِي هَذِهِ الْآيَة هُوَ عَبْد بِهَذِهِ الصِّفَة مَمْلُوك لَا يَقْدِر عَلَى شَيْء مِنْ الْمَال وَلَا مِنْ أَمْر نَفْسه , وَإِنَّمَا هُوَ مُسَخَّر بِإِرَادَةِ سَيِّده . وَلَا يَلْزَم مِنْ الْآيَة أَنَّ الْعَبِيد كُلّهمْ بِهَذِهِ الصِّفَة ; فَإِنَّ النَّكِرَة فِي الْإِثْبَات لَا تَقْتَضِي الشُّمُول عِنْد أَهْل اللِّسَان كَمَا تَقَدَّمَ , وَإِنَّمَا تُفِيد وَاحِدًا , فَإِذَا كَانَتْ بَعْد أَمْر أَوْ نَهْي أَوْ مُضَافَة إِلَى مَصْدَر كَانَتْ لِلْعُمُومِ الشُّيُوعِيّ ; كَقَوْلِهِ : أَعْتِقْ رَجُلًا وَلَا تُهِنْ رَجُلًا , وَالْمَصْدَر كَإِعْتَاقِ رَقَبَة , فَأَيّ رَجُل أَعْتَقَ فَقَدْ خَرَجَ عَنْ عُهْدَة الْخِطَاب , وَيَصِحّ مِنْهُ الِاسْتِثْنَاء . وَقَالَ قَتَادَة : هَذَا الْمَثَل لِلْمُؤْمِنِ وَالْكَافِر ; فَذَهَبَ قَتَادَة إِلَى أَنَّ الْعَبْد الْمَمْلُوك هُوَ الْكَافِر ; لِأَنَّهُ لَا يَنْتَفِع فِي الْآخِرَة بِشَيْءٍ مِنْ عِبَادَته , وَإِلَى أَنَّ مَعْنَى | وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا | الْمُؤْمِن . وَالْأَوَّل عَلَيْهِ الْجُمْهُور مِنْ أَهْل التَّأْوِيل . قَالَ الْأَصَمّ : الْمُرَاد بِالْعَبْدِ الْمَمْلُوك الَّذِي رُبَّمَا يَكُون أَشَدّ مِنْ مَوْلَاهُ أَسْرًا وَأَنْضَر وَجْهًا , وَهُوَ لِسَيِّدِهِ ذَلِيل لَا يَقْدِر إِلَّا عَلَى مَا أَذِنَ لَهُ فِيهِ ; فَقَالَ اللَّه تَعَالَى ضَرْبًا لِلْمِثَالِ . أَيْ فَإِذَا كَانَ هَذَا شَأْنكُمْ وَشَأْن عَبِيدكُمْ فَكَيْفَ جَعَلْتُمْ أَحْجَارًا مَوَاتًا شُرَكَاء لِلَّهِ تَعَالَى فِي خَلْقه وَعِبَادَته , وَهِيَ لَا تَعْقِل وَلَا تَسْمَع .</p><p>فَهِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ هَذِهِ الْآيَة وَمِمَّا قَبْلهَا نُقْصَان رُتْبَة الْعَبْد عَنْ الْحُرّ فِي الْمِلْك , وَأَنَّهُ لَا يَمْلِك شَيْئًا وَإِنْ مُلِّكَ . قَالَ أَهْل الْعِرَاق : الرِّقّ يُنَافِي الْمِلْك , فَلَا يَمْلِك شَيْئًا أَلْبَتَّةَ بِحَالٍ , وَهُوَ قَوْل الشَّافِعِيّ فِي الْجَدِيد , وَبِهِ قَالَ الْحَسَن وَابْن سِيرِينَ . وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : يَمْلِك إِلَّا أَنَّهُ نَاقِص الْمِلْك , لِأَنَّ لِسَيِّدِهِ أَنْ يَنْتَزِعهُ مِنْهُ أَيّ وَقْت شَاءَ , وَهُوَ قَوْل مَالِك وَمَنْ اِتَّبَعَهُ , وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيّ فِي الْقَدِيم . وَهُوَ قَوْل أَهْل الظَّاهِر ; وَلِهَذَا قَالَ أَصْحَابنَا : لَا تَجِب عَلَيْهِ عِبَادَة الْأَمْوَال مِنْ زَكَاة وَكَفَّارَات , وَلَا مِنْ عِبَادَات الْأَبْدَان مَا يَقْطَعهُ عَنْ خِدْمَة سَيِّده كَالْحَجِّ وَالْجِهَاد وَغَيْر ذَلِكَ . وَفَائِدَة هَذِهِ الْمَسْأَلَة أَنَّ سَيِّده لَوْ مَلَّكَهُ جَارِيَة جَازَ لَهُ أَنْ يَطَأهَا بِمِلْكِ الْيَمِين , وَلَوْ مَلَّكَهُ أَرْبَعِينَ مِنْ الْغَنَم فَحَالَ عَلَيْهَا الْحَوْل لَمْ تَجِب عَلَى السَّيِّد زَكَاتهَا لِأَنَّهَا مِلْك غَيْره , وَلَا عَلَى الْعَبْد لِأَنَّ مِلْكه غَيْر مُسْتَقِرّ . وَالْعِرَاقِيّ يَقُول : لَا يَجُوز لَهُ أَنْ يَطَأ الْجَارِيَة , وَالزَّكَاة فِي النِّصَاب وَاجِبَة عَلَى السَّيِّد كَمَا كَانَتْ . وَدَلَائِل هَذِهِ الْمَسْأَلَة لِلْفَرِيقَيْنِ فِي كُتُب الْخِلَاف . وَأَدَلّ دَلِيل لَنَا قَوْله تَعَالَى : | اللَّه الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ | [ الرُّوم : 40 ] فَسَوَّى بَيْن الْعَبْد وَالْحُرّ فِي الرِّزْق وَالْخَلْق . وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام : ( مَنْ أَعْتَقَ عَبْدًا وَلَهُ مَال . .. ) فَأَضَافَ الْمَال إِلَيْهِ . وَكَانَ اِبْن عُمَر يَرَى عَبْده يَتَسَرَّى فِي مَاله فَلَا يَعِيب عَلَيْهِ ذَلِكَ . وَرُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّ عَبْدًا لَهُ طَلَّقَ اِمْرَأَته طَلْقَتَيْنِ فَأَمَرَهُ أَنْ يَرْتَجِعهَا بِمِلْكِ الْيَمِين ; فَهَذَا دَلِيل عَلَى أَنَّهُ يَمْلِك مَا بِيَدِهِ وَيَفْعَل فِيهِ مَا يَفْعَل الْمَالِك فِي مِلْكه مَا لَمْ يَنْتَزِعهُ سَيِّده . وَاَللَّه أَعْلَم .</p><p>وَقَدْ اِسْتَدَلَّ بَعْض الْعُلَمَاء بِهَذِهِ الْآيَة عَلَى أَنَّ طَلَاق الْعَبْد بِيَدِ سَيِّده , وَعَلَى أَنَّ بَيْع الْأَمَة طَلَاقهَا ; مُعَوِّلًا عَلَى قَوْله تَعَالَى : | لَا يَقْدِر عَلَى شَيْء | . قَالَ : فَظَاهِره يُفِيد أَنَّهُ لَا يَقْدِر عَلَى شَيْء أَصْلًا , لَا عَلَى الْمِلْك وَلَا عَلَى غَيْره فَهُوَ عَلَى عُمُومه , إِلَّا أَنْ يَدُلّ دَلِيل عَلَى خِلَافه . وَفِيمَا ذَكَرْنَاهُ عَنْ اِبْن عُمَر وَابْن عَبَّاس مَا يَدُلّ عَلَى التَّخْصِيص . وَاَللَّه تَعَالَى أَعْلَم .</p><p>قَالَ أَبُو مَنْصُور فِي عَقِيدَته : الرِّزْق مَا وَقَعَ الِاغْتِذَاء بِهِ . وَهَذِهِ الْآيَة تَرُدّ هَذَا التَّخْصِيص ; وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى : | وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ | [ الْبَقَرَة : 3 ] . و | أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ | [ الْبَقَرَة : 254 ] وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ قَوْل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( جُعِلَ رِزْقِي تَحْت ظِلّ رُمْحِي ) وَقَوْله : ( أَرْزَاق أُمَّتِي فِي سَنَابِك خَيْلهَا وَأَسِنَّة رِمَاحهَا ) . فَالْغَنِيمَة كُلّهَا رِزْق , وَكُلّ مَا صَحَّ بِهِ الِانْتِفَاع فَهُوَ رِزْق , وَهُوَ مَرَاتِب : أَعْلَاهَا مَا يُغَذِّي . وَقَدْ حَصَرَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وُجُوه الِانْتِفَاع فِي قَوْله : ( يَقُول اِبْن آدَم مَالِي مَالِي وَهَلْ لَك مِنْ مَالِك إِلَّا مَا أَكَلْت فَأَفْنَيْت أَوْ لَبِسْت فَأَبْلَيْت أَوْ تَصَدَّقْت فَأَمْضَيْت ) . وَفِي مَعْنَى اللِّبَاس يَدْخُل الرُّكُوب وَغَيْر ذَلِكَ . وَفِي أَلْسِنَة الْمُحَدِّثِينَ : السَّمَاع رِزْق , يَعْنُونَ سَمَاع الْحَدِيث , وَهُوَ صَحِيح .|وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا|هُوَ الْمُؤْمِن , يُطِيع اللَّه فِي نَفْسه وَمَاله . وَالْكَافِر مَا لَمْ يُنْفِق فِي الطَّاعَة صَارَ كَالْعَبْدِ الَّذِي لَا يَمْلِك شَيْئًا .|هَلْ يَسْتَوُونَ|أَيْ لَا يَسْتَوُونَ , وَلَمْ يَقُلْ يَسْتَوِيَانِ لِمَكَانِ | مَنْ | لِأَنَّهُ اِسْم مُبْهَم يَصْلُح لِلْوَاحِدِ وَالِاثْنَيْنِ وَالْجَمْع وَالْمُذَكَّر وَالْمُؤَنَّث . وَقِيلَ : | إِنَّ عَبْدًا مَمْلُوكًا | , | وَمَنْ رَزَقْنَاهُ | أُرِيدَ بِهِمَا الشُّيُوع فِي الْجِنْس .|الْحَمْدُ لِلَّهِ|أَيْ هُوَ مُسْتَحِقّ لِلْحَمْدِ دُون مَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونه ; إِذْ لَا نِعْمَة لِلْأَصْنَامِ عَلَيْهِمْ مِنْ يَد وَلَا مَعْرُوف فَتُحْمَد عَلَيْهِ , إِنَّمَا الْحَمْد الْكَامِل لِلَّهِ ; لِأَنَّهُ الْمُنْعِم الْخَالِق .|بَلْ أَكْثَرُهُمْ|أَيْ أَكْثَر الْمُشْرِكِينَ .|لَا يَعْلَمُونَ|أَنَّ الْحَمْد لِي , وَجَمِيع النِّعْمَة مِنِّي . وَذَكَرَ الْأَكْثَر وَهُوَ يُرِيد الْجَمِيع , فَهُوَ خَاصّ أُرِيدَ بِهِ التَّعْمِيم . وَقِيلَ : أَيْ بَلْ أَكْثَر الْخَلْق لَا يَعْلَمُونَ , وَذَلِكَ أَنَّ أَكْثَرهمْ الْمُشْرِكُونَ .

وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ

هَذَا مَثَل آخَر ضَرَبَهُ اللَّه تَعَالَى لِنَفْسِهِ وَلِلْوَثَنِ , فَالْأَبْكَم الَّذِي لَا يَقْدِر عَلَى شَيْء هُوَ الْوَثَن , وَاَلَّذِي يَأْمُر بِالْعَدْلِ هُوَ اللَّه تَعَالَى ; قَالَهُ قَتَادَة وَغَيْره . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : الْأَبْكَم عَبْد كَانَ لِعُثْمَان رَضِيَ اللَّه عَنْهُ , وَكَانَ يَعْرِض عَلَيْهِ الْإِسْلَام فَيَأْبَى , وَيَأْمُر بِالْعَدْلِ عُثْمَان . وَعَنْهُ أَيْضًا أَنَّهُ مَثَل لِأَبِي بَكْر الصِّدِّيق وَمَوْلَى لَهُ كَافِر . وَقِيلَ : الْأَبْكَم أَبُو جَهْل , وَاَلَّذِي يَأْمُر بِالْعَدْلِ عَمَّار بْن يَاسِر الْعَنْسِيّ , وَعَنْس | بِالنُّونِ | حَيّ مِنْ مَذْحِج , وَكَانَ حَلِيفًا لِبَنِي مَخْزُوم رَهْط أَبِي جَهْل , وَكَانَ أَبُو جَهْل يُعَذِّبهُ عَلَى الْإِسْلَام وَيُعَذِّب أُمّه سُمَيَّة , وَكَانَتْ مَوْلَاة لِأَبِي جَهْل , وَقَالَ لَهَا ذَات يَوْم : إِنَّمَا آمَنْتِ بِمُحَمَّدٍ لِأَنَّك تُحِبِّينَهُ لِجَمَالِهِ , ثُمَّ طَعَنَهَا بِالرُّمْحِ فِي قُبُلهَا فَمَاتَتْ , فَهِيَ أَوَّل شَهِيد مَاتَ فِي الْإِسْلَام , رَحِمَهَا اللَّه . مِنْ كِتَاب النَّقَّاش وَغَيْره . وَسَيَأْتِي هَذَا فِي آيَة الْإِكْرَاه مُبَيَّنًا إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى . وَقَالَ عَطَاء : الْأَبْكَم أُبَيّ بْن خَلَف , كَانَ لَا يَنْطِق بِخَيْرٍ . | وَهُوَ كَلّ عَلَى مَوْلَاهُ | أَيْ قَوْمه لِأَنَّهُ كَانَ يُؤْذِيهِمْ وَيُؤْذِي عُثْمَان بْن مَظْعُون . وَقَالَ مُقَاتِل : نَزَلَتْ فِي هِشَام بْن عَمْرو بْن الْحَارِث , كَانَ كَافِرًا قَلِيل الْخَيْر يُعَادِي النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَقِيلَ : إِنَّ الْأَبْكَم الْكَافِر , وَاَلَّذِي يَأْمُر بِالْعَدْلِ الْمُؤْمِن جُمْلَة بِجُمْلَةٍ ; رُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس وَهُوَ حَسَن لِأَنَّهُ يَعُمّ . وَالْأَبْكَم الَّذِي لَا نُطْق لَهُ . وَقِيلَ الَّذِي لَا يَعْقِل . وَقِيلَ الَّذِي لَا يَسْمَع وَلَا يُبْصِر . وَفَى التَّفْسِير إِنَّ الْأَبْكَم هَا هُنَا الْوَثَن . بَيَّنَ أَنَّهُ لَا قُدْرَة لَهُ وَلَا أَمْر , وَأَنَّ غَيْره يَنْقُلهُ وَيَنْحِتهُ فَهُوَ كَلّ عَلَيْهِ . وَاَللَّه الْآمِر بِالْعَدْلِ , الْغَالِب عَلَى كُلّ شَيْء .|وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ|أَيْ ثِقْل عَلَى وَلِيّه وَقَرَابَته , وَوَبَال عَلَى صَاحِبه وَابْن عَمّه . وَقَدْ يُسَمَّى الْيَتِيم كَلًّا لِثِقَلِهِ عَلَى مَنْ يَكْفُلهُ ; وَمِنْهُ قَوْل الشَّاعِر : <br>أَكُول لِمَالِ الْكَلّ قَبْل شَبَابه .......... إِذَا كَانَ عَظْم الْكَلّ غَيْر شَدِيد <br>وَالْكَلّ أَيْضًا الَّذِي لَا وَلَد لَهُ وَلَا وَالِد . وَالْكَلّ الْعِيَال , وَالْجَمْع الْكُلُول , يُقَال مِنْهُ : كَلَّ السِّكِّين يَكِلّ كَلًّا أَيْ غَلُظَتْ شَفْرَته فَلَمْ يَقْطَع .|أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ|قَرَأَ الْجُمْهُور | يُوَجِّههُ | وَهُوَ خَطّ الْمُصْحَف ; أَيْ أَيْنَمَا يُرْسِلهُ صَاحِبه لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ , لِأَنَّهُ لَا يَعْرِف وَلَا يَفْهَم مَا يُقَال لَهُ وَلَا يَفْهَم عَنْهُ . وَقَرَأَ يَحْيَى بْن وَثَّاب | أَيْنَمَا يُوَجَّهُ | عَلَى الْفِعْل الْمَجْهُول . وَرُوِيَ عَنْ اِبْن مَسْعُود أَيْضًا | تَوَجَّهَ | عَلَى الْخِطَاب .|هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ|أَيْ هَلْ يَسْتَوِي هَذَا الْأَبْكَم وَمَنْ يَأْمُر بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى الصِّرَاط الْمُسْتَقِيم .

وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ

تَقَدَّمَ مَعْنَاهُ وَهَذَا مُتَّصِل بِقَوْلِهِ | إِنَّ اللَّه يَعْلَم وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ | [ النَّحْل : 74 ] أَيْ شَرَعَ التَّحْلِيل وَالتَّحْرِيم إِنَّمَا يَحْسُن مِمَّنْ يُحِيط بِالْعَوَاقِبِ وَالْمَصَالِح وَأَنْتُمْ أَيّهَا الْمُشْرِكُونَ لَا تُحِيطُونَ بِهَا فَلَمْ تَتَحَكَّمُونَ .|وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ|وَتُجَازُونَ فِيهَا بِأَعْمَالِكُمْ . وَالسَّاعَة هِيَ الْوَقْت الَّذِي تَقُوم فِيهِ الْقِيَامَة ; سُمِّيَتْ سَاعَة لِأَنَّهَا تَفْجَأ النَّاس فِي سَاعَة فَيَمُوت الْخَلْق بِصَيْحَةٍ . وَاللَّمْح النَّظَر بِسُرْعَةٍ ; يُقَال لَمَحَهُ لَمْحًا وَلَمَحَانًا . وَوَجْه التَّأْوِيل أَنَّ السَّاعَة لَمَّا كَانَتْ آتِيَة وَلَا بُدّ جُعِلَتْ مِنْ الْقُرْب كَلَمْحِ الْبَصَر . وَقَالَ الزَّجَّاج : لَمْ يُرِدْ أَنَّ السَّاعَة تَأْتِي فِي لَمْح الْبَصَر , وَإِنَّمَا وَصَفَ سُرْعَة الْقُدْرَة عَلَى الْإِتْيَان بِهَا ; أَيْ يَقُول لِلشَّيْءِ كُنْ فَيَكُون . وَقِيلَ : إِنَّمَا مَثَّلَ بِلَمْحِ الْبَصَر لِأَنَّهُ يَلْمَح السَّمَاء مَعَ مَا هِيَ عَلَيْهِ مِنْ الْبُعْد مِنْ الْأَرْض . وَقِيلَ : هُوَ تَمْثِيل لِلْقُرْبِ ; كَمَا يَقُول الْقَائِل : مَا السَّنَة إِلَّا لَحْظَة , وَشَبَهه . وَقِيلَ : الْمَعْنَى هُوَ عِنْد اللَّه كَذَلِكَ لَا عِنْد الْمَخْلُوقِينَ ; دَلِيله قَوْله : | إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا . وَنَرَاهُ قَرِيبًا | . [ الْمَعَارِج : 6 - 7 ] .|أَوْ هُوَ أَقْرَبُ|لَيْسَ | أَوْ | لِلشَّكِّ بَلْ لِلتَّمْثِيلِ بِأَيِّهِمَا أَرَادَ الْمُمَثِّل . وَقِيلَ : دَخَلَتْ لِشَكِّ الْمُخَاطَب . وَقِيلَ : | أَوْ | بِمَنْزِلَةِ بَلْ .|إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ|عُمُوم , وَمَعْنَاهُ عِنْد الْمُتَكَلِّمِينَ فِيمَا يَجُوز وَصْفه تَعَالَى بِالْقُدْرَةِ عَلَيْهِ . وَأَجْمَعَتْ الْأُمَّة عَلَى تَسْمِيَة اللَّه تَعَالَى بِالْقَدِيرِ , فَهُوَ سُبْحَانه قَدِير قَادِر مُقْتَدِر . وَالْقَدِير أَبْلَغ فِي الْوَصْف مِنْ الْقَادِر ; قَالَهُ الزَّجَّاجِيّ . وَقَالَ الْهَرَوِيّ : وَالْقَدِير وَالْقَادِر بِمَعْنًى وَاحِد ; يُقَال : قَدَرْت عَلَى الشَّيْء أَقْدِر قَدْرًا وَقَدَرًا وَمَقْدُرَة وَمَقْدِرَة وَقُدْرَانًا ; أَيْ قُدْرَة . وَالِاقْتِدَار عَلَى الشَّيْء : الْقُدْرَة عَلَيْهِ . فَاَللَّه جَلَّ وَعَزَّ قَادِر مُقْتَدِر قَدِير عَلَى كُلّ مُمْكِن يَقْبَل الْوُجُود وَالْعَدَم . فَيَجِب عَلَى كُلّ مُكَلَّف أَنْ يَعْلَم أَنَّ اللَّه تَعَالَى قَادِر , لَهُ قُدْرَة بِهَا فَعَلَ وَيَفْعَل مَا يَشَاء عَلَى وَفْق عِلْمه وَاخْتِيَاره . وَيَجِب عَلَيْهِ أَيْضًا أَنْ يَعْلَم أَنَّ لِلْعَبْدِ قُدْرَة يَكْتَسِب بِهَا مَا أَقْدَره اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِ عَلَى مَجْرَى الْعَادَة , وَأَنَّهُ غَيْر مُسْتَبِدّ بِقُدْرَتِهِ .

وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ

ذَكَرَ أَنَّ مِنْ نِعَمه أَنْ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُون أُمَّهَاتكُمْ أَطْفَالًا لَا عِلْم لَكُمْ بِشَيْءٍ . وَفِيهِ ثَلَاثَة أَقَاوِيل : أَحَدهَا : لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا مِمَّا أُخِذَ عَلَيْكُمْ مِنْ الْمِيثَاق فِي أَصْلَاب آبَائِكُمْ . الثَّانِي : لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا مِمَّا قُضِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ السَّعَادَة وَالشَّقَاء . الثَّالِث : لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا مِنْ مَنَافِعكُمْ ; وَقَرَأَ الْأَعْمَش وَابْن وَثَّاب وَحَمْزَة | إِمَّهَاتِكُمْ | هُنَا وَفِي النُّور وَالزُّمَر وَالنَّجْم , بِكَسْرِ الْهَمْزَة وَالْمِيم . وَأَمَّا الْكِسَائِيّ فَكَسَرَ الْهَمْزَة وَفَتَحَ الْمِيم ; وَإِنَّمَا كَانَ هَذَا لِلْإِتْبَاعِ . الْبَاقُونَ بِضَمِّ الْهَمْزَة وَفَتْح الْمِيم عَلَى الْأَصْل . وَأَصْل الْأُمَّهَات : أُمَّات , فَزِيدَتْ الْهَاء تَأْكِيدًا كَمَا زَادُوا هَاء فِي أَهْرَقْت الْمَاء وَأَصْله أَرَقْت .|وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ|أَيْ الَّتِي تَعْلَمُونَ بِهَا وَتُدْرِكُونَ ; لِأَنَّ اللَّه جَعَلَ ذَلِكَ لِعِبَادِهِ قَبْل إِخْرَاجهمْ مِنْ الْبُطُون وَإِنَّمَا أَعْطَاهُمْ ذَلِكَ بَعْد مَا أَخْرَجَهُمْ ; أَيْ وَجَعَلَ لَكُمْ السَّمْع لِتَسْمَعُوا بِهِ الْأَمْر وَالنَّهْي , وَالْأَبْصَار لِتُبْصِرُوا بِهَا آثَار صُنْعه , وَالْأَفْئِدَة لِتَصِلُوا بِهَا إِلَى مَعْرِفَته . وَالْأَفْئِدَة : جَمْع الْفُؤَاد نَحْو غُرَاب وَأَغْرِبَة . وَقَدْ قِيلَ فِي ضِمْن قَوْله | وَجَعَلَ لَكُمْ السَّمْع | إِثْبَات النُّطْق لِأَنَّ مَنْ لَمْ يَسْمَع لَمْ يَتَكَلَّم , وَإِذَا وُجِدَتْ حَاسَّة السَّمْع وُجِدَ النُّطْق .|لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ|فِيهِ تَأْوِيلَانِ : أَحَدهمَا : تَشْكُرُونَ نِعَمه . الثَّانِي : يَعْنِي تُبْصِرُونَ آثَار صَنْعَته ; لِأَنَّ إِبْصَارهَا يُؤَدِّي إِلَى الشُّكْر .

أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ

قَرَأَ يَحْيَى بْن وَثَّاب وَالْأَعْمَش وَابْن عَامِر وَحَمْزَة وَيَعْقُوب | تَرَوْا | بِالتَّاءِ عَلَى الْخِطَاب , وَاخْتَارَهُ أَبُو عُبَيْد . الْبَاقُونَ بِالْيَاءِ عَلَى الْخَبَر . | مُسَخَّرَات | مُذَلَّلَات لِأَمْرِ اللَّه تَعَالَى ; قَالَهُ الْكَلْبِيّ . وَقِيلَ : | مُسَخَّرَات | مُذَلَّلَات لِمَنَافِعِكُمْ . وَفِي قَوْله | مُسَخَّرَات | دَلِيل عَلَى مُسَخِّر سَخَّرَهَا وَمُدَبِّر مَكَّنَهَا مِنْ التَّصَرُّف .|فِي جَوِّ السَّمَاءِ|الْجَوّ مَا بَيْن السَّمَاء وَالْأَرْض ; وَأَضَافَ الْجَوّ إِلَى السَّمَاء لِارْتِفَاعِهِ عَنْ الْأَرْض .|مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ|فِي حَال الْقَبْض وَالْبَسْط وَالِاصْطِفَاف . بَيَّنَ لَهُمْ كَيْفَ يَعْتَبِرُونَ بِهَا عَلَى وَحْدَانِيّته .|إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ|أَيْ عَلَامَات وَعِبَرًا وَدَلَالَات .|لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ|بِاَللَّهِ وَبِمَا جَاءَتْ بِهِ رُسُلهمْ .

وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ

| جَعَلَ لَكُمْ | مَعْنَاهُ صَيَّرَ . وَكُلّ مَا عَلَاك فَأَظَلَّك فَهُوَ سَقْف وَسَمَاء , وَكُلّ مَا أَقَلَّك فَهُوَ أَرْض , وَكُلّ مَا سَتَرَك مِنْ جِهَاتك الْأَرْبَع فَهُوَ جِدَار ; فَإِذَا اِنْتَظَمَتْ وَاتَّصَلَتْ فَهُوَ بَيْت . وَهَذِهِ الْآيَة فِيهَا تَعْدِيد نِعَم اللَّه تَعَالَى عَلَى النَّاس فِي الْبُيُوت , فَذَكَرَ أَوَّلًا بُيُوت الْمُدُن وَهِيَ الَّتِي لِلْإِقَامَةِ الطَّوِيلَة . وَقَوْله : | سَكَنًا | أَيْ تَسْكُنُونَ فِيهَا وَتَهْدَأ جَوَارِحكُمْ مِنْ الْحَرَكَة , وَقَدْ تَتَحَرَّك فِيهِ وَتَسْكُن فِي غَيْره ; إِلَّا أَنَّ الْقَوْل خَرَجَ عَلَى الْغَالِب . وَعَدَّ هَذَا فِي جُمْلَة النِّعَم فَإِنَّهُ لَوْ شَاءَ خَلَقَ الْعَبْد مُضْطَرِبًا أَبَدًا كَالْأَفْلَاكِ لَكَانَ ذَلِكَ كَمَا خَلَقَ وَأَرَادَ , لَوْ خَلَقَهُ سَاكِنًا كَالْأَرْضِ لَكَانَ كَمَا خَلَقَ وَأَرَادَ , وَلَكِنَّهُ أَوْجَدَهُ خَلْقًا يَتَصَرَّف لِلْوَجْهَيْنِ , وَيَخْتَلِف حَاله بَيْن الْحَالَتَيْنِ , وَرَدَّدَهُ كَيْفَ وَأَيْنَ . وَالسَّكَن مَصْدَر يُوصَف بِهِ الْوَاحِد وَالْجَمْع .|وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا|ذَكَرَ تَعَالَى بُيُوت النُّقْلَة وَالرِّحْلَة فَقَالَ | وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُود الْأَنْعَام بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا | أَيْ مِنْ الْأَنْطَاع وَالْأَدَم . | بُيُوتًا | يَعْنِي الْخِيَام وَالْقِبَاب يَخِفّ عَلَيْكُمْ حَمْلهَا فِي الْأَسْفَار .|يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ|الظَّعْن : سَيْر الْبَادِيَة فِي الِانْتِجَاع وَالتَّحَوُّل مِنْ مَوْضِع إِلَى مَوْضِع ; وَمِنْهُ قَوْل عَنْتَرَة : <br>ظَعَنَ الَّذِينَ فِرَاقهمْ أَتَوَقَّع .......... وَجَرَى بِبَيْنِهِمْ الْغُرَاب الْأَبْقَع <br>وَالظَّعْن الْهَوْدَج أَيْضًا ; قَالَ : <br>أَلَا هَلْ هَاجَك الْأَظْعَان إِذْ بَانُوا .......... وَإِذْ جَادَتْ بِوَشْكِ الْبَيْن غِرْبَان <br>وَقُرِئَ بِإِسْكَانِ الْعَيْن وَفَتْحهَا كَالشَّعْرِ وَالشَّعَر . وَقِيلَ : يَحْتَمِل أَنْ يَعُمّ بُيُوت الْأَدَم وَبُيُوت الشَّعْر وَبُيُوت الصُّوف ; لِأَنَّ هَذِهِ مِنْ الْجُلُود لِكَوْنِهَا ثَابِتَة فِيهَا ; نَحَا إِلَى ذَلِكَ اِبْن سَلَّام . وَهُوَ اِحْتِمَال حَسَن , وَيَكُون قَوْله | وَمِنْ أَصْوَافهَا | اِبْتِدَاء كَلَام , كَأَنَّهُ قَالَ جَعَلَ أَثَاثًا ; يُرِيد الْمَلَابِس وَالْوِطَاء , وَغَيْر ذَلِكَ ; قَالَ الشَّاعِر : <br>أَهَاجَتْك الظَّعَائِن يَوْم بَانُوا .......... بِذِي الزِّيّ الْجَمِيل مِنْ الْأَثَاث <br>وَيَحْتَمِل أَنْ يُرِيد بِقَوْلِهِ | مِنْ جُلُود الْأَنْعَام | بُيُوت الْأَدَم فَقَطْ كَمَا قَدَّمْنَاهُ أَوَّلًا . وَيَكُون قَوْله | وَمِنْ أَصْوَافهَا | عَطْفًا عَلَى قَوْله | مِنْ جُلُود الْأَنْعَام | أَيْ جَعَلَ بُيُوتًا أَيْضًا . قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : وَهَذَا أَمْر اِنْتَشَرَ فِي تِلْكَ الدِّيَار , وَعَزَبَتْ عَنْهُ بِلَادنَا , فَلَا تُضْرَب الْأَخْبِيَة عِنْدنَا إِلَّا مِنْ الْكَتَّان وَالصُّوف , وَقَدْ كَانَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُبَّة مِنْ أَدَم , وَنَاهِيك مِنْ أَدَم الطَّائِف غَلَاء فِي الْقِيمَة , وَاعْتِلَاء فِي الصَّنْعَة , وَحُسْنًا فِي الْبَشَرَة , وَلَمْ يَعُدّ ذَلِكَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَرَفًا وَلَا رَآهُ سَرَفًا ; لِأَنَّهُ مِمَّا اِمْتَنَّ اللَّه سُبْحَانه مِنْ نِعْمَته وَأَذِنَ فِيهِ مِنْ مَتَاعه , وَظَهَرَتْ وُجُوه مَنْفَعَته فِي الِاكْتِنَان وَالِاسْتِظْلَال الَّذِي لَا يَقْدِر عَلَى الْخُرُوج عَنْهُ جِنْس الْإِنْسَان . وَمِنْ غَرِيب مَا جَرَى أَنِّي زُرْت بَعْض الْمُتَزَهِّدِينَ مِنْ الْغَافِلِينَ مَعَ بَعْض الْمُحَدِّثِينَ , فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ فِي خِبَاء كَتَّان فَعَرَضَ عَلَيْهِ صَاحِبِي الْمُحَدِّث أَنْ يَحْمِلهُ إِلَى مَنْزِله ضَيْفًا , وَقَالَ : إِنَّ هَذَا مَوْضِع يَكْثُر فِيهِ الْحَرّ وَالْبَيْت أَرْفَق بِك وَأَطْيَب لِنَفْسِي فِيك ; فَقَالَ : هَذَا الْخِبَاء لَنَا كَثِير , وَكَانَ فِي صُنْعنَا مِنْ الْحَقِير ; فَقُلْت : لَيْسَ كَمَا زَعَمْت فَقَدْ كَانَ لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ رَئِيس الزُّهَّاد قُبَّة مِنْ أَدَم طَائِفِيّ يُسَافِر مَعَهَا وَيَسْتَظِلّ بِهَا ; فَبُهِتَ , وَرَأَيْته عَلَى مَنْزِلَة مِنْ الْعِيّ فَتَرَكْته مَعَ صَاحِبِي وَخَرَجْت عَنْهُ .|وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا|أَذِنَ اللَّه سُبْحَانه بِالِانْتِفَاعِ بِصُوفِ الْغَنَم وَوَبَر الْإِبِل وَشَعْر الْمَعْز , كَمَا أَذِنَ فِي الْأَعْظَم , وَهُوَ ذَبْحهَا وَأَكْل لُحُومهَا , وَلَمْ يَذْكُر الْقُطْن وَالْكَتَّان لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي بِلَاد الْعَرَب الْمُخَاطَبِينَ بِهِ , وَإِنَّمَا عَدَّدَ عَلَيْهِمْ مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِمْ , وَخُوطِبُوا فِيمَا عَرَفُوا بِمَا فَهِمُوا . وَمَا قَامَ مَقَام هَذِهِ وَنَابَ مَنَابهَا فَيَدْخُل فِي الِاسْتِعْمَال وَالنِّعْمَة مَدْخَلهَا ; وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى : | وَيُنَزِّل مِنْ السَّمَاء مِنْ جِبَال فِيهَا مِنْ بَرَد | [ النُّور : 43 ] ; فَخَاطَبَهُمْ بِالْبَرَدِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَعْرِفُونَ نُزُوله كَثِيرًا عِنْدهمْ , وَسَكَتَ عَنْ ذِكْر الثَّلْج ; لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي بِلَادهمْ , وَهُوَ مِثْله فِي الصِّفَة وَالْمَنْفَعَة , وَقَدْ ذَكَرَهُمَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعًا فِي التَّطْهِير فَقَالَ : ( اللَّهُمَّ اِغْسِلْنِي بِمَاءٍ وَثَلْج وَبَرَد ) . قَالَ اِبْن عَبَّاس : الثَّلْج شَيْء أَبْيَض يَنْزِل مِنْ السَّمَاء وَمَا رَأَيْته قَطُّ . وَقِيلَ : إِنَّ تَرْك ذِكْر الْقُطْن وَالْكَتَّان إِنَّمَا كَانَ إِعْرَاضًا عَنْ التَّرَف ; إِذْ مَلْبَس عِبَاد اللَّه الصَّالِحِينَ إِنَّمَا هُوَ الصُّوف . وَهَذَا فِيهِ نَظَر ; فَإِنَّهُ سُبْحَانه يَقُول : | يَا بَنِي آدَم قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتكُمْ | [ الْأَعْرَاف : 26 ] حَسْبَمَا تَقَدَّمَ بَيَانه فِي | الْأَعْرَاف وَقَالَ هُنَا : | وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيل | فَأَشَارَ إِلَى الْقُطْن وَالْكَتَّان فِي لَفْظَة | سَرَابِيل | وَاَللَّه أَعْلَم . و | أَثَاثًا | قَالَ الْخَلِيل : مَتَاعًا مُنْضَمًّا بَعْضه إِلَى بَعْض ; مِنْ أَثّ إِذَا كَثُرَ . قَالَ : <br>وَفَرْع يَزِين الْمَتْن أَسْوَد فَاحِم .......... أَثِيث كَقِنْوِ النَّخْلَة الْمُتَعَثْكِل <br>اِبْن عَبَّاس : | أَثَاثًا | ثِيَابًا . وَقَدْ تَقَدَّمَ</p><p>وَتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الْآيَة جَوَاز الِانْتِفَاع بِالْأَصْوَافِ وَالْأَوْبَار وَالْأَشْعَار عَلَى كُلّ حَال , وَلِذَلِكَ قَالَ أَصْحَابنَا : صُوف الْمَيْتَة وَشَعْرهَا طَاهِر يَجُوز الِانْتِفَاع بِهِ عَلَى كُلّ حَال , وَيُغْسَل مَخَافَة أَنْ يَكُون عَلِقَ بِهِ وَسَخ ; وَكَذَلِكَ رَوَتْ أُمّ سَلَمَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : ( لَا بَأْس بِجِلْدِ الْمَيْتَة إِذَا دُبِغَ وَصُوفهَا وَشَعْرهَا إِذَا غُسِلَ ) لِأَنَّهُ مِمَّا لَا يَحُلّهُ الْمَوْت , سَوَاء كَانَ شَعْر مَا يُؤْكَل لَحْمه أَوْ لَا , كَشَعْرِ اِبْن آدَم وَالْخِنْزِير , فَإِنَّهُ طَاهِر كُلّه ; وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَة , وَلَكِنَّهُ زَادَ عَلَيْنَا فَقَالَ : الْقَرْن وَالسِّنّ وَالْعَظْم مِثْل الشَّعْر ; قَالَ : لِأَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاء كُلّهَا لَا رُوح فِيهَا لَا تُنَجَّس بِمَوْتِ الْحَيَوَان . وَقَالَ الْحَسَن الْبَصْرِيّ وَاللَّيْث بْن سَعْد وَالْأَوْزَاعِيّ : إِنَّ الشُّعُور كُلّهَا نَجِسَة وَلَكِنَّهَا تَطْهُر بِالْغَسْلِ . وَعَنْ الشَّافِعِيّ ثَلَاث رِوَايَات : الْأُولَى : طَاهِرَة لَا تُنَجَّس بِالْمَوْتِ . الثَّانِيَة : تُنَجَّس . الثَّالِثَة : الْفَرْق بَيْن شَعْر اِبْن آدَم وَغَيْره , فَشَعْر اِبْن آدَم طَاهِر وَمَا عَدَاهُ نَجَس . وَدَلِيلنَا عُمُوم قَوْله تَعَالَى : | وَمِنْ أَصْوَافهَا | الْآيَة . فَمَنَّ عَلَيْنَا بِأَنْ جَعَلَ لَنَا الِانْتِفَاع بِهَا , وَلَمْ يَخُصّ شَعْر الْمَيْتَة مِنْ الْمُذَكَّاة , فَهُوَ عُمُوم إِلَّا أَنْ يَمْنَع مِنْهُ دَلِيل . وَأَيْضًا فَإِنَّ الْأَصْل كَوْنهَا طَاهِرَة قَبْل الْمَوْت بِإِجْمَاعٍ , فَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ اِنْتَقَلَ إِلَى نَجَاسَة فَعَلَيْهِ الدَّلِيل . فَإِنْ قِيلَ قَوْله : | حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَة | [ الْمَائِدَة : 3 ] وَذَلِكَ عِبَارَة عَنْ الْجُمْلَة . قُلْنَا : نَخُصّهُ بِمَا ذَكَرْنَا ; فَإِنَّهُ مَنْصُوص عَلَيْهِ فِي ذِكْر الصُّوف , وَلَيْسَ فِي آيَتكُمْ ذِكْره صَرِيحًا , فَكَانَ دَلِيلنَا أَوْلَى . وَاَللَّه أَعْلَم . وَقَدْ عَوَّلَ الشَّيْخ الْإِمَام أَبُو إِسْحَاق إِمَام الشَّافِعِيَّة بِبَغْدَاد عَلَى أَنَّ الشَّعْر جُزْء مُتَّصِل بِالْحَيَوَانِ خِلْقَة , فَهُوَ يَنْمِي بِنَمَائِهِ وَيَتَنَجَّس بِمَوْتِهِ كَسَائِرِ الْأَجْزَاء . وَأُجِيبَ بِأَنَّ النَّمَاء لَيْسَ بِدَلِيلٍ عَلَى الْحَيَاة ; لِأَنَّ النَّبَات يَنْمِي وَلَيْسَ بِحَيٍّ . وَإِذَا عَوَّلُوا عَلَى النَّمَاء الْمُتَّصِل لِمَا عَلَى الْحَيَوَان عَوَّلْنَا نَحْنُ عَلَى الْإِبَانَة الَّتِي تَدُلّ عَلَى عَدَم الْإِحْسَاس الَّذِي يَدُلّ عَلَى عَدَم الْحَيَاة . وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ الْحَنَفِيُّونَ فِي الْعَظْم وَالسِّنّ وَالْقَرْن أَنَّهُ مِثْل الشَّعْر , فَالْمَشْهُور عِنْدنَا أَنَّ ذَلِكَ نَجَس كَاللَّحْمِ . وَقَالَ اِبْن وَهْب مِثْل قَوْل أَبِي حَنِيفَة . وَلَنَا قَوْل ثَالِث : هَلْ تَلْحَق أَطْرَاف الْقُرُون وَالْأَظْلَاف بِأُصُولِهَا أَوْ بِالشَّعْرِ , قَوْلَانِ . وَكَذَلِكَ الشَّعْرِيّ مِنْ الرِّيش حُكْمه حُكْم الشَّعْر , وَالْعَظْمِيّ مِنْهُ حُكْمه حُكْمه . وَدَلِيلنَا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا تَنْتَفِعُوا مِنْ الْمَيْتَة بِشَيْءٍ ) وَهَذَا عَامّ فِيهَا وَفِي كُلّ جُزْء مِنْهَا , إِلَّا مَا قَامَ دَلِيله ; وَمِنْ الدَّلِيل الْقَاطِع عَلَى ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى : | قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَام وَهِيَ رَمِيم | [ يس : 78 ] , وَقَالَ تَعَالَى : | وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَام كَيْفَ نُنْشِزُهَا | [ الْبَقَرَة : 259 ] , وَقَالَ : | فَكَسَوْنَا الْعِظَام لَحْمًا | [ الْمُؤْمِنُونَ : 14 ] , وَقَالَ : | أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَة | [ النَّازِعَات : 11 ] فَالْأَصْل هِيَ الْعِظَام , وَالرُّوح وَالْحَيَاة فِيهَا كَمَا فِي اللَّحْم وَالْجِلْد . وَفِي حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عُكَيْم : ( لَا تَنْتَفِعُوا مِنْ الْمَيْتَة بِإِهَابٍ وَلَا عَصَب ) . فَإِنْ قِيلَ : قَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيح أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي شَاة مَيْمُونَة : ( أَلَا اِنْتَفَعْتُمْ بِجِلْدِهَا ) ؟ فَقَالُوا : يَا رَسُول اللَّه , إِنَّهَا مَيْتَة . فَقَالَ : ( إِنَّمَا حَرُمَ أَكْلهَا ) وَالْعَظْم لَا يُؤْكَل . قُلْنَا : الْعَظْم يُؤْكَل , وَخَاصَّة عَظْم الْجَمَل الرَّضِيع وَالْجَدْي وَالطَّيْر , وَعَظْم الْكَبِير يُشْوَى وَيُؤْكَل . وَمَا ذَكَرْنَاهُ قَبْل يَدُلّ عَلَى وُجُود الْحَيَاة فِيهِ , وَمَا كَانَ طَاهِرًا بِالْحَيَاةِ وَيُسْتَبَاح بِالذَّكَاةِ يَنْجُس بِالْمَوْتِ . وَاَللَّه أَعْلَم .</p><p>| مِنْ جُلُود الْأَنْعَام | عَامّ فِي جِلْد الْحَيّ وَالْمَيِّت , فَيَجُوز الِانْتِفَاع بِجُلُودِ الْمَيْتَة وَإِنْ لَمْ تُدْبَغ ; وَبِهِ قَالَ اِبْن شِهَاب الزُّهْرِيّ وَاللَّيْث بْن سَعْد . قَالَ الطَّحَاوِيّ : لَمْ نَجِد عَنْ أَحَد مِنْ الْفُقَهَاء جَوَاز بَيْع جِلْد الْمَيْتَة قَبْل الدِّبَاغ إِلَّا عَنْ اللَّيْث . قَالَ أَبُو عُمَر : يَعْنِي مِنْ الْفُقَهَاء أَئِمَّة الْفَتْوَى بِالْأَمْصَارِ بَعْد التَّابِعِينَ , وَأَمَّا اِبْن شِهَاب فَذَلِكَ عَنْهُ صَحِيح , وَهُوَ قَوْل أَبَاهُ جُمْهُور أَهْل الْعِلْم . وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُمَا خِلَاف هَذَا الْقَوْل , وَالْأَوَّل أَشْهَر .</p><p>قُلْت : قَدْ ذَكَرَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي سُنَنه حَدِيث يَحْيَى بْن أَيُّوب عَنْ يُونُس وَعُقَيْل عَنْ الزُّهْرِيّ , وَحَدِيث بَقِيَّة عَنْ الزُّبَيْدِيّ , وَحَدِيث مُحَمَّد بْن كَثِير الْعَبْدِيّ وَأَبِي سَلَمَة الْمِنْقَرِيّ عَنْ سُلَيْمَان بْن كَثِير عَنْ الزُّهْرِيّ , وَقَالَ فِي آخِرهَا : هَذِهِ أَسَانِيد صِحَاح .</p><p>اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي جِلْد الْمَيْتَة إِذَا دُبِغَ هَلْ يَطْهُر أَمْ لَا ; فَذَكَرَ اِبْن عَبْد الْحَكَم عَنْ مَالِك مَا يُشْبِه مَذْهَب اِبْن شِهَاب فِي ذَلِكَ . وَذَكَرَهُ اِبْن خُوَيْز مِنْدَاد فِي كِتَابه عَنْ اِبْن عَبْد الْحَكَم أَيْضًا . قَالَ اِبْن خُوَيْز مِنْدَاد : وَهُوَ قَوْل الزُّهْرِيّ وَاللَّيْث . قَالَ : وَالظَّاهِر مِنْ مَذْهَب مَالِك مَا ذَكَرَهُ اِبْن عَبْد الْحَكَم , وَهُوَ أَنَّ الدِّبَاغ لَا يُطَهِّر جِلْد الْمَيْتَة , وَلَكِنْ يُبِيح الِانْتِفَاع بِهِ فِي الْأَشْيَاء الْيَابِسَة , وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ وَلَا يُؤْكَل فِيهِ . وَفِي الْمُدَوَّنَة لِابْنِ الْقَاسِم : مَنْ اِغْتَصَبَ جِلْد مَيْتَة غَيْر مَدْبُوغ فَأَتْلَفَهُ كَانَ عَلَيْهِ قِيمَته . وَحُكِيَ أَنَّ ذَلِكَ قَوْل مَالِك . وَذَكَرَ أَبُو الْفَرَج أَنَّ مَالِكًا قَالَ : مَنْ اِغْتَصَبَ لِرَجُلٍ جِلْد مَيْتَة غَيْر مَدْبُوغ فَلَا شَيْء عَلَيْهِ . قَالَ إِسْمَاعِيل : إِلَّا أَنْ يَكُون لِمَجُوسِيٍّ . وَرَوَى اِبْن وَهْب , وَابْن عَبْد الْحَكَم عَنْ مَالِك جَوَاز بَيْعه , وَهَذَا فِي جِلْد كُلّ مَيْتَة إِلَّا الْخِنْزِير وَحْده ; لِأَنَّ الزَّكَاة لَا تَعْمَل فِيهِ , فَالدِّبَاغ أَوْلَى . قَالَ أَبُو عُمَر : وَكُلّ جِلْد ذَكِيّ فَجَائِز اِسْتِعْمَاله لِلْوُضُوءِ وَغَيْره . وَكَانَ مَالِك يَكْرَه الْوُضُوء فِي إِنَاء جِلْد الْمَيْتَة بَعْد الدِّبَاغ عَلَى اِخْتِلَاف مِنْ قَوْله , وَمَرَّة قَالَ : إِنَّهُ لَمْ يَكْرَههُ إِلَّا فِي خَاصَّة نَفْسه , وَتُكْرَه الصَّلَاة عَلَيْهِ وَبَيْعه , وَتَابَعَهُ عَلَى ذَلِكَ جَمَاعَة مِنْ أَصْحَابه . وَأَمَّا أَكْثَر الْمَدَنِيِّينَ فَعَلَى إِبَاحَة ذَلِكَ وَإِجَازَته ; لِقَوْلِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَيّمَا إِهَاب دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ ) . وَعَلَى هَذَا أَكْثَر أَهْل الْحِجَاز وَالْعِرَاق مِنْ أَهْل الْفِقْه وَالْحَدِيث , . وَهُوَ اِخْتِيَار اِبْن وَهْب .</p><p>ذَهَبَ الْإِمَام أَحْمَد بْن حَنْبَل رَضِيَ اللَّه عَنْهُ إِلَى أَنَّهُ لَا يَجُوز الِانْتِفَاع بِجُلُودِ الْمَيْتَة فِي شَيْء وَإِنْ دُبِغَتْ ; لِأَنَّهَا كَلَحْمِ الْمَيْتَة . وَالْأَخْبَار بِالِانْتِفَاعِ بَعْد الدِّبَاغ تَرُدّ قَوْله . وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ عَبْد اللَّه بْن عُكَيْم - رَوَاهُ أَبُو دَاوُد - قَالَ : قُرِئَ عَلَيْنَا كِتَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَرْضِ جُهَيْنَة وَأَنَا غُلَام شَابّ : ( أَلَّا تَسْتَمْتِعُوا مِنْ الْمَيْتَة بِإِهَابٍ وَلَا عَصَب ) . وَفِي رِوَايَة : قَبْل مَوْته بِشَهْرٍ . رَوَاهُ الْقَاسِم بْن مُخَيْمِرَة عَنْ عَبْد اللَّه بْن عُكَيْم , قَالَ : حَدَّثَنَا مَشْيَخَة لَنَا أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَتَبَ إِلَيْهِمْ . . قَالَ دَاوُد بْن عَلِيّ : سَأَلْت يَحْيَى بْن مَعِين عَنْ هَذَا الْحَدِيث , فَضَعَّفَهُ وَقَالَ : لَيْسَ بِشَيْءٍ , إِنَّمَا يَقُول حَدَّثَنِي الْأَشْيَاخ , قَالَ أَبُو عُمَر : وَلَوْ كَانَ ثَابِتًا لَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُون مُخَالِفًا لِلْأَحَادِيثِ الْمَرْوِيَّة عَنْ اِبْن عَبَّاس وَعَائِشَة وَسَلَمَة بْن الْمُحَبِّق وَغَيْرهمْ , لِأَنَّهُ جَائِز أَنْ يَكُون مَعْنَى حَدِيث اِبْن عُكَيْم ( أَلَّا تَنْتَفِعُوا مِنْ الْمَيْتَة بِإِهَابٍ ) قَبْل الدِّبَاغ ; وَإِذَا اِحْتَمَلَ أَلَّا يَكُون مُخَالِفًا فَلَيْسَ لَنَا أَنْ نَجْعَلهُ مُخَالِفًا , وَعَلَيْنَا أَنْ نَسْتَعْمِل الْخَبَرَيْنِ مَا أَمْكَنَ , وَحَدِيث عَبْد اللَّه بْن عُكَيْم وَإِنْ كَانَ قَبْل مَوْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِشَهْرٍ كَمَا جَاءَ فِي الْخَبَر فَيُمْكِن أَنْ تَكُون قِصَّة مَيْمُونَة وَسَمَاع اِبْن عَبَّاس مِنْهُ ( أَيّمَا إِهَاب دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ ) قَبْل مَوْته بِجُمْعَةٍ أَوْ دُون جُمْعَة , وَاَللَّه أَعْلَم .</p><p>الْمَشْهُور عِنْدنَا أَنَّ جِلْد الْخِنْزِير لَا يَدْخُل فِي الْحَدِيث وَلَا يَتَنَاوَلهُ الْعُمُوم , وَكَذَلِكَ الْكَلْب عِنْد الشَّافِعِيّ . وَعِنْد الْأَوْزَاعِيّ وَأَبِي ثَوْر : لَا يَطْهُر بِالدِّبَاغِ إِلَّا جِلْد مَا يُؤْكَل لَحْمه . وَرَوَى مَعْن بْن عِيسَى عَنْ مَالِك أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ جِلْد الْخِنْزِير إِذَا دُبِغَ فَكَرِهَهُ . قَالَ اِبْن وَضَّاح : وَسَمِعْت سَحْنُونًا يَقُول لَا بَأْس بِهِ ; وَكَذَلِكَ قَالَ مُحَمَّد بْن عَبْد الْحَكَم وَدَاوُد بْن عَلِيّ وَأَصْحَابه ; لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَام : ( أَيّمَا مَسْك دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ ) . قَالَ أَبُو عُمَر : يَحْتَمِل أَنْ يَكُون أَرَادَ بِهَذَا الْقَوْل عُمُوم الْجُلُود الْمَعْهُود الِانْتِفَاع بِهَا , فَأَمَّا الْخِنْزِير فَلَمْ يَدْخُل فِي الْمَعْنَى لِأَنَّهُ غَيْر مَعْهُود الِانْتِفَاع بِجِلْدِهِ , إِذْ لَا تَعْمَل فِيهِ الذَّكَاة . وَدَلِيل آخَر وَهُوَ مَا قَالَهُ النَّضْر بْن شُمَيْل : إِنَّ الْإِهَاب جِلْد الْبَقَر وَالْغَنَم وَالْإِبِل , وَمَا عَدَاهُ فَإِنَّمَا يُقَال لَهُ : جِلْد لَا إِهَاب .</p><p>قُلْت : وَجِلْد الْكَلْب وَمَا لَا يُؤْكَل لَحْمه أَيْضًا غَيْر مَعْهُود الِانْتِفَاع بِهِ فَلَا يَطْهُر ; وَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَكْل كُلّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاع حَرَام ) فَلَيْسَتْ الذَّكَاة فِيهَا ذَكَاة , كَمَا أَنَّهَا لَيْسَتْ فِي الْخِنْزِير ذَكَاة . وَرَوَى النَّسَائِيّ عَنْ الْمِقْدَام بْن مَعْدِيكَرِبَ قَالَ : ( نَهَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْحَرِير وَالذَّهَب وَمَيَاثِر النُّمُور )</p><p>اِخْتَلَفَ الْفُقَهَاء فِي الدِّبَاغ الَّتِي تَطْهُر بِهِ جُلُود الْمَيْتَة مَا هُوَ ؟ فَقَالَ أَصْحَاب مَالِك وَهُوَ الْمَشْهُور مِنْ مَذْهَبه : كُلّ شَيْء دَبَغَ الْجِلْد مِنْ مِلْح أَوْ قَرَظ أَوْ شَبّ أَوْ غَيْر ذَلِكَ فَقَدْ جَازَ الِانْتِفَاع بِهِ . وَكَذَلِكَ قَالَ أَبُو حَنِيفَة وَأَصْحَابه , وَهُوَ قَوْل دَاوُد . وَلِلشَّافِعِيِّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة قَوْلَانِ : أَحَدهمَا : هَذَا , وَالْآخَر أَنَّهُ لَا يُطَهِّر إِلَّا الشَّبّ وَالْقَرَظ ; لِأَنَّهُ الدِّبَاغ الْمَعْهُود عَلَى عَهْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَعَلَيْهِ خَرَّجَ الْخَطَّابِيّ - وَاَللَّه أَعْلَم - مَا رَوَاهُ النَّسَائِيّ عَنْ مَيْمُونَة زَوْج النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ مَرَّ بِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رِجَال مِنْ قُرَيْش يَجُرُّونَ شَاة لَهُمْ مِثْل الْحِصَان ; فَقَالَ لَهُمْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَوْ أَخَذْتُمْ إِهَابهَا ) قَالُوا . إِنَّهَا مَيْتَة , فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( يُطَهِّرهَا الْمَاء وَالْقَرَظ ) .|أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ|الْأَثَاث مَتَاع الْبَيْت , وَاحِدهَا أَثَاثَة ; هَذَا قَوْل أَبِي زَيْد الْأَنْصَارِيّ . وَقَالَ الْأُمَوِيّ : الْأَثَاث مَتَاع الْبَيْت , وَجَمْعه آثّة وَأُثُث . وَقَالَ غَيْرهمَا : الْأَثَاث جَمِيع أَنْوَاع الْمَال وَلَا وَاحِد لَهُ مِنْ لَفْظه . وَقَالَ الْخَلِيل : أَصْله مِنْ الْكَثْرَة وَاجْتِمَاع بَعْض الْمَتَاع إِلَى بَعْض حَتَّى يَكْثُر ; وَمِنْهُ شَعْر أَثِيث أَيْ كَثِير . وَأَثَّ شَعْر فُلَان يَأَثّ أَثًّا إِذَا كَثُرَ وَالْتَفَّ ; قَالَ اِمْرُؤُ الْقَيْس : <br>وَفَرْع يَزِين الْمَتْن أَسْوَد فَاحِم .......... أَثِيث كَقِنْوِ النَّخْلَة الْمُتَعَثْكِل <br>وَقِيلَ : الْأَثَاث مَا يُلْبَس وَيُفْتَرَش . وَقَدْ تَأَثَّثْت إِذَا اِتَّخَذْت أَثَاثًا . وَعَنْ اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُ | أَثَاثًا | مَالًا . وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْل فِي الْحِين ; وَهُوَ هُنَا وَقْت غَيْر مُعَيَّن بِحَسَبِ كُلّ إِنْسَان , إِمَّا بِمَوْتِهِ وَإِمَّا بِفَقْدِ تِلْكَ الْأَشْيَاء الَّتِي هِيَ أَثَاث . وَمِنْ هَذِهِ اللَّفْظَة قَوْل الشَّاعِر : <br>أَهَاجَتْك الظَّعَائِن يَوْم بَانُوا .......... بِذِي الزِّيّ الْجَمِيل مِنْ الْأَثَاث<br>

وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ

الظِّلَال : كُلّ مَا يُسْتَظَلّ بِهِ مِنْ الْبُيُوت وَالشَّجَر . وَقَوْله | مِمَّا خَلَقَ | يَعُمّ جَمِيع الْأَشْخَاص الْمُظِلَّة .|وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا|الْأَكْنَان : جَمْع كِنّ , وَهُوَ الْحَافِظ مِنْ الْمَطَر وَالرِّيح وَغَيْر ذَلِكَ ; وَهِيَ هُنَا الْغِيرَان فِي الْجِبَال , جَعَلَهَا اللَّه عُدَّة لِلْخَلْقِ يَأْوُونَ إِلَيْهَا وَيَتَحَصَّنُونَ بِهِ أَوْ يَعْتَزِلُونَ عَنْ الْخَلْق فِيهَا . وَفِي الصَّحِيح أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَام كَانَ فِي أَوَّل أَمْره يَتَعَبَّد بِغَارِ حِرَاء وَيَمْكُث فِيهِ اللَّيَالِي . . الْحَدِيث , وَفِي صَحِيح الْبُخَارِيّ قَالَ : خَرَجَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ مَكَّة مُهَاجِرًا هَارِبًا مِنْ قَوْمه فَارًّا بِدِينِهِ مَعَ صَاحِبه أَبِي بَكْر حَتَّى لَحِقَا بِغَارٍ فِي جَبَل ثَوْر , فَكَمَنَا فِيهِ ثَلَاث لَيَالٍ يَبِيت عِنْدهمَا فِيهِ عَبْد اللَّه بْن أَبِي بَكْر وَهُوَ غُلَام شَابّ ثَقِف لَقِن فَيُدْلِج مِنْ عِنْدهمَا بِسَحَرٍ فَيُصْبِح مَعَ قُرَيْش بِمَكَّة كَبَائِتٍ فَلَا يَسْمَع أَمْرًا يُكَادَانِ بِهِ إِلَّا وَعَاهُ حَتَّى يَأْتِيهِمَا بِخَبَرِ ذَلِكَ حِين يَخْتَلِط الظَّلَام , وَيَرْعَى عَلَيْهِمَا عَامِر بْن فُهَيْرَة مَوْلَى أَبِي بَكْر مِنْحَة مِنْ غَنَم فَيُرِيحهَا عَلَيْهِمَا حَتَّى تَذْهَب سَاعَة مِنْ الْعِشَاء فَيَبِيتَانِ فِي رِسْل , وَهُوَ لَبَن مِنْحَتهمَا وَرَضِيفهمَا حَتَّى يَنْعَق بِهِمَا عَامِر بْن فُهَيْرَة بِغَلَسٍ , يَفْعَل ذَلِكَ فِي كُلّ لَيْلَة مِنْ تِلْكَ اللَّيَالِي الثَّلَاث . .. وَذَكَرَ الْحَدِيث . انْفَرَدَ بِإِخْرَاجِهِ الْبُخَارِيّ . إِنْ قَالَ قَائِل : كَيْفَ قَالَ | وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ الْجِبَال أَكْنَانًا | وَلَمْ يَذْكُر السَّهْل , فَالْجَوَاب أَنَّ الْقَوْم كَانُوا أَصْحَاب جِبَال وَلَمْ يَكُونُوا أَصْحَاب سَهْل , وَأَيْضًا : فَذِكْر أَحَدهمَا يَدُلّ عَلَى الْآخَر ; وَمِنْهُ قَوْل الشَّاعِر : <br>وَمَا أَدْرِي إِذَا يَمَّمْت أَرْضًا .......... أُرِيد الْخَيْر أَيّهمَا يَلِينِي <br><br>أَأَلْخَيْر الَّذِي أَنَا أَبْتَغِيه .......... أَمْ الشَّرّ الَّذِي هُوَ يَبْتَغِينِي<br>|وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ|يَعْنِي الْقُمْص , وَاحِدهَا سِرْبَال .|وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ|يَعْنِي الدُّرُوع الَّتِي تَقِي النَّاس فِي الْحَرْب ; وَمِنْهُ قَوْل كَعْب بْن زُهَيْر : <br>شُمّ الْعَرَانِين أَبْطَال لَبُوسهمْ .......... مِنْ نَسْج دَاوُد فِي الْهَيْجَا سَرَابِيل <br>إِنْ قَالَ قَائِل كَيْفَ قَالَ | تَقِيكُمْ الْحَرّ | وَلَمْ يَذْكُر الْبَرْد ؟ فَالْجَوَاب أَنَّهُمْ كَانُوا أَهْل حَرّ وَلَمْ يَكُونُوا أَهْل بَرْد , فَذَكَرَ لَهُمْ نِعَمه الَّتِي تَخْتَصّ بِهِمْ كَمَا خَصَّهُمْ بِذِكْرِ الصُّوف وَغَيْره , وَلَمْ يَذْكُر الْقُطْن وَالْكَتَّان وَلَا الثَّلْج - كَمَا تَقَدَّمَ - فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِبِلَادِهِمْ ; قَالَ مَعْنَاهُ عَطَاء الْخُرَاسَانِيّ وَغَيْره . وَأَيْضًا : فَذِكْر أَحَدهمَا يَدُلّ عَلَى الْآخَر ; وَمِنْهُ قَوْل الشَّاعِر : <br>وَمَا أَدْرِي إِذَا يَمَّمْت أَرْضًا .......... أُرِيد الْخَيْر أَيّهمَا يَلِينِي <br><br>أَأَلْخَيْر الَّذِي أَنَا أَبْتَغِيه .......... أَمْ الشَّرّ الَّذِي هُوَ يَبْتَغِينِي<br>قَالَ الْعُلَمَاء : فِي قَوْله تَعَالَى : | وَسَرَابِيل تَقِيكُمْ بَأْسكُمْ | دَلِيل عَلَى اِتِّخَاذ الْعِبَاد عُدَّة الْجِهَاد لِيَسْتَعِينُوا بِهَا عَلَى قِتَال الْأَعْدَاء , وَقَدْ لَبِسَهَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تُقَاة الْجِرَاحَة وَإِنْ كَانَ يَطْلُب الشَّهَادَة , وَلَيْسَ لِلْعَبْدِ أَنْ يَطْلُبهَا بِأَنْ يَسْتَسْلِم لِلْحُتُوفِ وَلِلطَّعْنِ بِالسِّنَانِ وَلِلضَّرْبِ بِالسُّيُوفِ , وَلَكِنَّهُ يَلْبَس لَأْمَة حَرْب لِتَكُونَ لَهُ قُوَّة عَلَى قِتَال عَدُوّهُ , وَيُقَاتِل لِتَكُونَ كَلِمَة اللَّه هِيَ الْعُلْيَا , وَيَفْعَل اللَّه بَعْد مَا يَشَاء .|كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ|قَرَأَ اِبْن مُحَيْصِن وَحُمَيْد | تَتِمّ | بِتَاءَيْنِ , | نِعْمَتُهُ | رَفْعًا عَلَى أَنَّهَا الْفَاعِل . الْبَاقُونَ | يُتِمّ | بِضَمِّ الْيَاء عَلَى أَنَّ اللَّه هُوَ يُتِمّهَا . و | تُسْلِمُونَ | قِرَاءَة اِبْن عَبَّاس وَعِكْرِمَة | تَسْلَمُونَ | بِفَتْحِ التَّاء وَاللَّام , أَيْ تَسْلَمُونَ مِنْ الْجِرَاح , وَإِسْنَاده ضَعِيف ; رَوَاهُ عَبَّاد بْن الْعَوَّام عَنْ حَنْظَلَة عَنْ شَهْر عَنْ اِبْن عَبَّاس . الْبَاقُونَ بِضَمِّ التَّاء , وَمَعْنَاهُ تَسْتَسْلِمُونَ وَتَنْقَادُونَ إِلَى مَعْرِفَة اللَّه وَطَاعَته شُكْرًا عَلَى نِعَمه . قَالَ أَبُو عُبَيْد : وَالِاخْتِيَار قِرَاءَة الْعَامَّة ; لِأَنَّ مَا أَنْعَمَ اللَّه بِهِ عَلَيْنَا مِنْ الْإِسْلَام أَفْضَل مِمَّا أَنْعَمَ بِهِ مِنْ السَّلَامَة مِنْ الْجِرَاح .

فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ

أَيْ أَعْرَضُوا عَنْ النَّظَر وَالِاسْتِدْلَال وَالْإِيمَان .|فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ|أَيْ لَيْسَ عَلَيْك إِلَّا التَّبْلِيغ , وَأَمَّا الْهِدَايَة فَإِلَيْنَا .

يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ

قَالَ السُّدِّيّ : يَعْنِي مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , أَيْ يَعْرِفُونَ نُبُوَّته | ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا | وَيُكَذِّبُونَهُ . وَقَالَ مُجَاهِد : يُرِيد مَا عَدَّدَ اللَّه عَلَيْهِمْ فِي هَذِهِ السُّورَة مِنْ النِّعَم ; أَيْ يَعْرِفُونَ أَنَّهَا مِنْ عِنْد اللَّه وَيُنْكِرُونَهَا بِقَوْلِهِمْ إِنَّهُمْ وَرِثُوا ذَلِكَ عَنْ آبَائِهِمْ . وَبِمِثْلِهِ قَالَ قَتَادَة . وَقَالَ عَوْن بْن عَبْد اللَّه : هُوَ قَوْل الرَّجُل لَوْلَا فُلَان لَكَانَ كَذَا , وَلَوْلَا فُلَان مَا أَصَبْت كَذَا , وَهُمْ يَعْرِفُونَ النَّفْع وَالضُّرّ مِنْ عِنْد اللَّه . وَقَالَ الْكَلْبِيّ : هُوَ أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا عَرَّفَهُمْ بِهَذِهِ النِّعَم كُلّهَا عَرَفُوهَا وَقَالُوا : نَعَمْ , هِيَ كُلّهَا نِعَم مِنْ اللَّه , وَلَكِنَّهَا بِشَفَاعَةِ آلِهَتنَا . وَقِيلَ : يَعْرِفُونَ نِعْمَة اللَّه بِتَقَلُّبِهِمْ فِيهَا , وَيُنْكِرُونَهَا بِتَرْكِ الشُّكْر عَلَيْهَا . وَيَحْتَمِل سَادِسًا : يَعْرِفُونَهَا فِي الشِّدَّة وَيُنْكِرُونَهَا فِي الرَّخَاء . وَيَحْتَمِل سَابِعًا : يَعْرِفُونَهَا بِأَقْوَالِهِمْ وَيُنْكِرُونَهَا بِأَفْعَالِهِمْ . وَيَحْتَمِل ثَامِنًا : يَعْرِفُونَهَا بِقُلُوبِهِمْ وَيَجْحَدُونَهَا بِأَلْسِنَتِهِمْ ; نَظِيرهَا | وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسهمْ | [ النَّمْل : 14 ]|وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ|يَعْنِي جَمِيعهمْ .

وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ

نَظِيره : | فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلّ أُمَّة بِشَهِيدٍ | [ النِّسَاء : 41 ] ذَكَرَ أَبُو اللَّيْث السَّمَرْقَنْدِيّ : حَدَّثَنَا الْخَلِيل بْن أَحْمَد قَالَ : حَدَّثَنَا اِبْن مَنِيع قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو كَامِل قَالَ : حَدَّثَنَا فُضَيْل عَنْ يُونُس بْن مُحَمَّد بْن فَضَالَة عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى أَتَاهُمْ فِي بَنِي ظُفْر فَجَلَسَ عَلَى الصَّخْرَة الَّتِي فِي بَنِي ظُفْر وَمَعَهُ اِبْن مَسْعُود وَمُعَاذ وَنَاس مِنْ أَصْحَابه فَأَمَرَ قَارِئًا يَقْرَأ حَتَّى إِذَا أَتَى عَلَى آيَة | فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلّ أُمَّة بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِك عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا | بَكَى رَسُول اللَّه صَلَّى حَتَّى اِخْضَلَّتْ وَجْنَتَاهُ ; فَقَالَ : ( يَا رَبّ هَذَا عَلَى مَنْ أَنَا بَيْن ظَهْرَانَيْهِمْ فَكَيْفَ مَنْ لَمْ أَرَهُمْ ) . وَرَوَى الْبُخَارِيّ عَنْ عَبْد اللَّه قَالَ . قَالَ لِي رَسُول اللَّه صَلَّى : ( اِقْرَأْ عَلَيَّ ) قُلْت : أَقْرَأ عَلَيْك وَعَلَيْك أُنْزِلَ ؟ قَالَ : ( إِنِّي أُحِبّ أَنْ أَسْمَعهُ مِنْ غَيْرِي ) فَقَرَأْت عَلَيْهِ سُورَة [ النِّسَاء ] حَتَّى بَلَغْت | فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلّ أُمَّة بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِك عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا | قَالَ : ( أَمْسِكْ ) فَإِذَا عَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ . وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم وَقَالَ بَدَل قَوْله ( أَمْسِكْ ) : فَرَفَعْت رَأْسِي - أَوْ غَمَزَنِي رَجُل إِلَى جَنْبِي - فَرَفَعْت رَأْسِي فَرَأَيْت دُمُوعه تَسِيل . قَالَ عُلَمَاؤُنَا : بُكَاء النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّمَ إِنَّمَا كَانَ لِعَظِيمِ مَا تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الْآيَة مِنْ هَوْل الْمَطْلَع وَشِدَّة الْأَمْر ; إِذْ يُؤْتَى بِالْأَنْبِيَاءِ شُهَدَاء عَلَى أُمَمهمْ بِالتَّصْدِيقِ وَالتَّكْذِيب , وَيُؤْتَى بِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْم الْقِيَامَة شَهِيدًا . وَهَذَا اِسْتِفْهَام مَعْنَاهُ التَّوْبِيخ . وَقِيلَ : الْإِشَارَة إِلَى جَمِيع أُمَّته . ذَكَرَ اِبْن الْمُبَارَك أَخْبَرَنَا رَجُل مِنْ الْأَنْصَار عَنْ الْمِنْهَال بْن عُمَر وَحَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب يَقُول : لَيْسَ مِنْ يَوْم إِلَّا تُعْرَض عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمَّته غَدْوَة وَعَشِيَّة فَيَعْرِفهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَأَعْمَالهمْ فَلِذَلِكَ يَشْهَد عَلَيْهِمْ ; يَقُول اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى | فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلّ أُمَّة بِشَهِيدٍ | يَعْنِي بِنَبِيِّهَا .|ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا|أَيْ فِي الِاعْتِذَار وَالْكَلَام ; كَقَوْلِهِ : | وَلَا يُؤْذَن لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ | [ الْمُرْسَلَات : 36 ] . وَذَلِكَ حِين تُطْبَق عَلَيْهِمْ جَهَنَّم , كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَوَّل [ الْحِجْر ] وَيَأْتِي .|وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ|يَعْنِي يَسْتَرْضُونَ , أَيْ لَا يُكَلَّفُونَ أَنْ يُرْضُوا رَبّهمْ ; لِأَنَّ الْآخِرَة لَيْسَتْ بِدَارِ تَكْلِيف , وَلَا يُتْرَكُونَ إِلَى رُجُوع الدُّنْيَا فَيَتُوبُونَ . وَأَصْل الْكَلِمَة مِنْ الْعَتْب وَهِيَ الْمَوْجِدَة ; يُقَال : عَتَبَ عَلَيْهِ يَعْتِب إِذَا وَجَدَ عَلَيْهِ , فَإِذَا فَاوَضَهُ مَا عَتَبَ عَلَيْهِ فِيهِ قِيلَ عَاتَبَهُ , فَإِذَا رَجَعَ إِلَى مَسَرَّتك فَقَدْ أَعْتَبَ , وَالِاسْم الْعُتْبَى وَهُوَ رُجُوع الْمَعْتُوب عَلَيْهِ إِلَى مَا يُرْضِي الْعَاتِب ; قَالَهُ الْهَرَوِيّ . وَقَالَ النَّابِغَة : <br>فَإِنْ كُنْت مَظْلُومًا فَعَبْدًا ظَلَمْته .......... وَإِنْ كُنْت ذَا عُتْبَى فَمِثْلك يُعْتِب<br>

وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذَابَ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ

أَيْ أَشْرَكُوا .|الْعَذَابَ|أَيْ عَذَاب جَهَنَّم بِالدُّخُولِ فِيهَا .|فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ|أَيْ لَا يُمْهَلُونَ ; إِذْ لَا تَوْبَة لَهُمْ ثَمَّ .

وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ قَالُوا رَبَّنَا هَؤُلَاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوا مِنْ دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ

أَيْ أَصْنَامهمْ وَأَوْثَانهمْ الَّتِي عَبَدُوهَا وَذَلِكَ أَنَّ اللَّه يَبْعَث مَعْبُودِيهِمْ فَيَتَّبِعُونَهُمْ حَتَّى يُورِدُوهُمْ النَّار . وَفِي صَحِيح مُسْلِم : ( مَنْ كَانَ يَعْبُد شَيْئًا فَلْيَتْبَعْهُ فَيَتْبَع مَنْ كَانَ يَعْبُد الشَّمْس الشَّمْس وَيَتْبَع مَنْ كَانَ يَعْبُد الْقَمَر الْقَمَر وَيَتْبَع مَنْ كَانَ يَعْبُد الطَّوَاغِيت الطَّوَاغِيت . .. ) الْحَدِيث , خَرَّجَهُ مِنْ حَدِيث أَنَس , وَالتِّرْمِذِيّ مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة , وَفِيهِ : ( فَيُمَثَّل لِصَاحِبِ الصَّلِيب صَلِيبه وَلِصَاحِبِ التَّصَاوِير تَصَاوِيره وَلِصَاحِبِ النَّار نَاره فَيَتَّبِعُونَ مَا كَانُوا يَعْبُدُونَ . .. ) وَذَكَرَ الْحَدِيث .|قَالُوا رَبَّنَا هَؤُلَاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوا مِنْ دُونِكَ|أَيْ الَّذِينَ جَعَلْنَاهُمْ لَك شُرَكَاء .|فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ|أَيْ أَلْقَتْ إِلَيْهِمْ الْآلِهَة الْقَوْل , أَيْ نَطَقَتْ بِتَكْذِيبِ مَنْ عَبَدَهَا بِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ آلِهَة , وَلَا أَمَرَتْهُمْ بِعِبَادَتِهَا , فَيُنْطِق اللَّه الْأَصْنَام حَتَّى تَظْهَر عِنْد ذَلِكَ فَضِيحَة الْكُفَّار . وَقِيلَ : الْمُرَاد بِذَلِكَ الْمَلَائِكَة الَّذِينَ عَبَدُوهُمْ .

وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ

يَعْنِي الْمُشْرِكِينَ , أَيْ اِسْتَسْلَمُوا لِعَذَابِهِ وَخَضَعُوا لِعِزِّهِ . وَقِيلَ : اِسْتَسْلَمَ الْعَابِد وَالْمَعْبُود وَانْقَادُوا لِحُكْمِهِ فِيهِمْ .|وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ|أَيْ زَالَ عَنْهُمْ مَا زَيَّنَ لَهُمْ الشَّيْطَان وَمَا كَانُوا يُؤَمِّلُونَ مِنْ شَفَاعَة آلِهَتهمْ .

الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ

قَالَ اِبْن مَسْعُود : عَقَارِب أَنْيَابهَا كَالنَّخْلِ الطِّوَال , وَحَيَّات مِثْل أَعْنَاق الْإِبِل , وَأَفَاعِي كَأَنَّهَا الْبَخَاتِيّ تَضْرِبهُمْ , فَتِلْكَ الزِّيَادَة وَقِيلَ : الْمَعْنَى يَخْرُجُونَ مِنْ النَّار إِلَى الزَّمْهَرِير فَيُبَادِرُونَ مِنْ شِدَّة بَرْده إِلَى النَّار . وَقِيلَ : الْمَعْنَى زِدْنَا الْقَادَة عَذَابًا فَوْق السَّفَلَة , فَأَحَد الْعَذَابَيْنِ عَلَى كُفْرهمْ وَالْعَذَاب الْآخَر عَلَى صَدّهمْ .|بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ|فِي الدُّنْيَا مِنْ الْكُفْر وَالْمَعْصِيَة .

وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ

وَهُمْ الْأَنْبِيَاء شُهَدَاء عَلَى أُمَمهمْ يَوْم الْقِيَامَة بِأَنَّهُمْ قَدْ بَلَّغُوا الرِّسَالَة وَدَعَوْهُمْ إِلَى الْإِيمَان , فِي كُلّ زَمَان شَهِيدٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا ; وَفِيهِمْ قَوْلَانِ : أَحَدهمَا : أَنَّهُمْ أَئِمَّة الْهُدَى الَّذِينَ هُمْ خُلَفَاء الْأَنْبِيَاء . الثَّانِي : أَنَّهُمْ الْعُلَمَاء الَّذِينَ حَفِظَ اللَّه بِهِمْ شَرَائِع أَنْبِيَائِهِ .</p><p>قُلْت : فَعَلَى هَذَا لَمْ تَكُنْ فَتْرَة إِلَّا وَفِيهَا مَنْ يُوَحِّد اللَّه ; كَقُسِّ بْن سَاعِدَة , وَزَيْد بْن عَمْرو بْن نُفَيْل الَّذِي قَالَ فِيهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( يُبْعَث أُمَّة وَحْده ) , وَسَطِيح , وَوَرَقَة بْن نَوْفَل الَّذِي قَالَ فِيهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( رَأَيْته يَنْغَمِس فِي أَنْهَار الْجَنَّة ) . فَهَؤُلَاءِ وَمَنْ كَانَ مِثْلهمْ حُجَّة عَلَى أَهْل زَمَانهمْ وَشَهِيد عَلَيْهِمْ . وَاَللَّه أَعْلَم .</p><p>كَمَا ثَبَتَ فِي صَحِيح الْبُخَارِيّ عَنْ أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيّ قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( يُدْعَى نُوح عَلَيْهِ السَّلَام يَوْم الْقِيَامَة فَيَقُول لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْك يَا رَبّ فَيَقُول هَلْ بَلَّغْت فَيَقُول نَعَمْ فَيُقَال لِأُمَّتِهِ هَلْ بَلَّغَكُمْ فَيَقُولُونَ مَا أَتَانَا مِنْ نَذِير فَيَقُول مَنْ يَشْهَد لَك فَيَقُول مُحَمَّد وَأُمَّته فَيَشْهَدُونَ أَنَّهُ قَدْ بَلَّغَ وَيَكُون الرَّسُول عَلَيْكُمْ شَهِيدًا فَذَلِكَ قَوْله عَزَّ وَجَلَّ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّة وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاس وَيَكُون الرَّسُول عَلَيْكُمْ شَهِيدًا . .. ) . وَذَكَرَ هَذَا الْحَدِيث مُطَوَّلًا اِبْن الْمُبَارَك بِمَعْنَاهُ , وَفِيهِ : ( فَتَقُول تِلْكَ الْأُمَم كَيْفَ يَشْهَد عَلَيْنَا مَنْ لَمْ يُدْرِكنَا فَيَقُول لَهُمْ الرَّبّ سُبْحَانه كَيْفَ تَشْهَدُونَ عَلَى مَنْ لَمْ تُدْرِكُوا فَيَقُولُونَ رَبّنَا بَعَثْت إِلَيْنَا رَسُولًا وَأَنْزَلْت إِلَيْنَا عَهْدك وَكِتَابك وَقَصَصْت عَلَيْنَا أَنَّهُمْ قَدْ بَلَّغُوا فَشَهِدْنَا بِمَا عَهِدْت إِلَيْنَا فَيَقُول الرَّبّ صَدَقُوا فَذَل