islamkingdomfaceBook islamkingdomtwitter islamkingdominstagram islamkingdomyoutube islamkingdomnew

تفسير القرطبى
3607

5-المائدة

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ

سُورَة الْمَائِدَة وَهِيَ مَدَنِيَّة بِإِجْمَاعٍ , وَرُوِيَ أَنَّهَا نَزَلَتْ مُنْصَرَف رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْحُدَيْبِيَة . وَذَكَرَ النَّقَّاش عَنْ أَبِي سَلَمَة أَنَّهُ قَالَ : لَمَّا رَجَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْحُدَيْبِيَة قَالَ : ( يَا عَلِيّ أَشَعَرْت أَنَّهُ نَزَلَتْ عَلَيَّ سُورَة الْمَائِدَة وَنِعْمَتْ الْفَائِدَة ) . قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : هَذَا حَدِيث مَوْضُوع لَا يَحِلّ لِمُسْلِمٍ اِعْتِقَاده ; أَمَا إِنَّا نَقُول : سُورَة | الْمَائِدَة , وَنِعْمَتْ الْفَائِدَة | فَلَا نَأْثُرهُ عَنْ أَحَد وَلَكِنَّهُ كَلَام حَسَن . وَقَالَ اِبْن عَطِيَّة : وَهَذَا عِنْدِي لَا يُشْبِه كَلَام النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَرُوِيَ عَنْهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : ( سُورَة الْمَائِدَة تُدْعَى فِي مَلَكُوت اللَّه الْمُنْقِذَة تُنْقِذ صَاحِبهَا مِنْ أَيْدِي مَلَائِكَة الْعَذَاب ) . وَمِنْ هَذِهِ السُّورَة مَا نَزَلَ فِي حَجَّة الْوَدَاع , وَمِنْهَا مَا أُنْزِلَ عَام الْفَتْح وَهُوَ قَوْله تَعَالَى : | وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآن قَوْم | [ الْمَائِدَة : 2 ] الْآيَة . وَكُلّ مَا أُنْزِلَ مِنْ الْقُرْآن بَعْد هِجْرَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهُوَ مَدَنِيّ , سَوَاء نَزَلَ بِالْمَدِينَةِ أَوْ فِي سَفَر مِنْ الْأَسْفَار , وَإِنَّمَا يُرْسَم بِالْمَكِّيِّ مَا نَزَلَ قَبْل الْهِجْرَة . وَقَالَ أَبُو مَيْسَرَة : | الْمَائِدَة | مِنْ آخِر مَا نَزَلَ لَيْسَ فِيهَا مَنْسُوخ , وَفِيهَا ثَمَان عَشْرَة فَرِيضَة لَيْسَتْ فِي غَيْرهَا ; وَهِيَ : | الْمُنْخَنِقَة وَالْمَوْقُوذَة وَالْمُتَرَدِّيَة وَالنَّطِيحَة وَمَا أَكَلَ السَّبُع | [ الْمَائِدَة : 3 ] , | وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُب وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ | , | وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنْ الْجَوَارِح مُكَلِّبِينَ | [ الْمَائِدَة : 4 ] , | وَطَعَام الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَاب | [ الْمَائِدَة : 5 ] | وَالْمُحْصَنَات مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَاب مِنْ قَبْلكُمْ | [ الْمَائِدَة : 5 ] , وَتَمَام الطُّهُور | إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاة | [ الْمَائِدَة : 6 ] , | وَالسَّارِق وَالسَّارِقَة | [ الْمَائِدَة : 38 ] , | لَا تَقْتُلُوا الصَّيْد وَأَنْتُمْ حُرُم | [ الْمَائِدَة : 95 ] إِلَى قَوْله : | عَزِيز ذُو اِنْتِقَام | [ الْمَائِدَة : 95 ] و | مَا جَعَلَ اللَّه مِنْ بِحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَة وَلَا وَصِيلَة وَلَا حَامٍ | [ الْمَائِدَة : 103 ] , وَقَوْله تَعَالَى : | شَهَادَة بَيْنكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدكُمْ الْمَوْت | [ الْمَائِدَة : 106 ] الْآيَة . قُلْت : وَفَرِيضَة تَاسِعَة عَشْرَة وَهِيَ قَوْله جَلَّ وَعَزَّ : | وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاة | [ الْمَائِدَة : 58 ] لَيْسَ لِلْأَذَانِ ذِكْر فِي الْقُرْآن إِلَّا فِي هَذِهِ السُّورَة , أَمَّا مَا جَاءَ فِي سُورَة | الْجُمُعَة | فَمَخْصُوص بِالْجُمُعَةِ , وَهُوَ فِي هَذِهِ السُّورَة عَامّ لِجَمِيعِ الصَّلَوَات , وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَرَأَ سُورَة | الْمَائِدَة | فِي حَجَّة الْوَدَاع وَقَالَ : ( يَا أَيّهَا النَّاس إِنَّ سُورَة الْمَائِدَة مِنْ آخِر مَا نَزَلَ فَأَحِلُّوا حَلَالهَا وَحَرِّمُوا حَرَامهَا ) وَنَحْوه عَنْ عَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا مَوْقُوفًا ; قَالَ جُبَيْر بْن نُفَيْر : دَخَلْت عَلَى عَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا فَقَالَتْ : هَلْ تَقْرَأ سُورَة | الْمَائِدَة | ؟ فَقُلْت : نَعَمْ , فَقَالَتْ : فَإِنَّهَا مِنْ آخِر مَا أَنْزَلَ اللَّه , فَمَا وَجَدْتُمْ فِيهَا مِنْ حَلَال فَأَحِلُّوهُ وَمَا وَجَدْتُمْ فِيهَا مِنْ حَرَام فَحَرِّمُوهُ , وَقَالَ الشَّعْبِيّ : لَمْ يُنْسَخ مِنْ هَذِهِ السُّورَة إِلَّا قَوْله : | وَلَا الشَّهْر الْحَرَام وَلَا الْهَدْي | [ الْمَائِدَة : 2 ] الْآيَة , وَقَالَ بَعْضهمْ : نُسِخَ مِنْهَا | أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْركُمْ | [ الْمَائِدَة : 106 ] . قَالَ عَلْقَمَة : كُلّ مَا فِي الْقُرْآن | يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا | فَهُوَ مَدَنِيّ و | يَا أَيّهَا النَّاس | [ النِّسَاء : 1 ] فَهُوَ مَكِّيّ ; وَهَذَا خُرِّجَ عَلَى الْأَكْثَر , وَقَدْ تَقَدَّمَ , وَهَذِهِ الْآيَة مِمَّا تَلُوح فَصَاحَتهَا وَكَثْرَة مَعَانِيهَا عَلَى قِلَّة أَلْفَاظهَا لِكُلِّ ذِي بَصِيرَة بِالْكَلَامِ ; فَإِنَّهَا تَضَمَّنَتْ خَمْسَة أَحْكَام : الْأَوَّل : الْأَمْر بِالْوَفَاءِ بِالْعُقُودِ ; الثَّانِي : تَحْلِيل بَهِيمَة الْأَنْعَام ; الثَّالِث : اِسْتِثْنَاء مَا يَلِي بَعْد ذَلِكَ ; الرَّابِع : اِسْتِثْنَاء حَال الْإِحْرَام فِيمَا يُصَاد ; الْخَامِس : مَا تَقْتَضِيه الْآيَة مِنْ إِبَاحَة الصَّيْد لِمَنْ لَيْسَ بِمُحْرِمٍ , وَحَكَى النَّقَّاش أَنَّ أَصْحَاب الْكِنْدِيّ قَالُوا لَهُ : أَيّهَا الْحَكِيم اِعْمَلْ لَنَا مِثْل هَذَا الْقُرْآن فَقَالَ : نَعَمْ ! أَعْمَل مِثْل بَعْضه ; فَاحْتَجَبَ أَيَّامًا كَثِيرَة ثُمَّ خَرَجَ فَقَالَ : وَاَللَّه مَا أَقْدِر وَلَا يُطِيق هَذَا أَحَد ; إِنِّي فَتَحْت الْمُصْحَف فَخَرَجَتْ سُورَة | الْمَائِدَة | فَنَظَرْت فَإِذَا هُوَ قَدْ نَطَقَ بِالْوَفَاءِ وَنَهَى عَنْ النَّكْث , وَحَلَّلَ تَحْلِيلًا عَامًّا , ثُمَّ اِسْتَثْنَى اِسْتِثْنَاء بَعْد اِسْتِثْنَاء , ثُمَّ أَخْبَرَ عَنْ قُدْرَته وَحِكْمَته فِي سَطْرَيْنِ , وَلَا يَقْدِر أَحَد أَنْ يَأْتِيَ بِهَذَا إِلَّا فِي أَجْلَاد .|آمَنُوا|يُقَال : وَفَى وَأَوْفَى لُغَتَانِ : قَالَ اللَّه تَعَالَى : | وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنْ اللَّه | [ التَّوْبَة : 111 ] , وَقَالَ تَعَالَى : | وَإِبْرَاهِيم الَّذِي وَفَّى | [ النَّجْم : 37 ] وَقَالَ الشَّاعِر : <br>أَمَّا ابْنُ طَوْقٍ فَقَدْ أَوْفَى بِذِمَّتِهِ .......... كَمَا وَفَى بِقِلَاصِ النَّجْمِ حَادِيهَا <br>فَجَمَعَ بَيْن اللُّغَتَيْنِ .|أَوْفُوا|الْعُقُود الرُّبُوط , وَاحِدهَا عَقْد ; يُقَال : عَقَدْت الْعَهْد وَالْحَبْل , وَعَقَدْت الْعَسَل فَهُوَ يُسْتَعْمَل فِي الْمَعَانِي وَالْأَجْسَام ; قَالَ الْحُطَيْئَة : <br>قَوْم إِذَا عَقَدُوا عَقْدًا لِجَارِهِمُ .......... شَدُّوا الْعِنَاج وَشَدُّوا فَوْقه الْكَرَبَا <br>فَأَمَرَ اللَّه سُبْحَانه بِالْوَفَاءِ بِالْعُقُودِ ; قَالَ الْحَسَن : يَعْنِي بِذَلِكَ عُقُود الدَّيْن وَهِيَ مَا عَقَدَهُ الْمَرْء عَلَى نَفْسه ; مِنْ بَيْع وَشِرَاء وَإِجَارَة وَكِرَاء وَمُنَاكَحَة وَطَلَاق وَمُزَارَعَة وَمُصَالَحَة وَتَمْلِيك وَتَخْيِير وَعِتْق وَتَدْبِير وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ الْأُمُور , مَا كَانَ ذَلِكَ غَيْر خَارِج عَنْ الشَّرِيعَة ; وَكَذَلِكَ مَا عَقَدَهُ عَلَى نَفْسه لِلَّهِ مِنْ الطَّاعَات , كَالْحَجِّ وَالصِّيَام وَالِاعْتِكَاف وَالْقِيَام وَالنَّذْر وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ طَاعَات مِلَّة الْإِسْلَام , وَأَمَّا نَذْر الْمُبَاح فَلَا يَلْزَم بِإِجْمَاعٍ مِنْ الْأُمَّة ; قَالَهُ اِبْن الْعَرَبِيّ . ثُمَّ قِيلَ : إِنَّ الْآيَة نَزَلَتْ فِي أَهْل الْكِتَاب ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى : | وَإِذْ أَخَذَ اللَّه مِيثَاق الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَاب لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ | [ آل عِمْرَان : 187 ] . قَالَ اِبْن جُرَيْج : هُوَ خَاصّ بِأَهْلِ الْكِتَاب وَفِيهِمْ نَزَلَتْ , وَقِيلَ : هِيَ عَامَّة وَهُوَ الصَّحِيح ; فَإِنَّ لَفْظ الْمُؤْمِنِينَ يَعُمّ مُؤْمِنِي أَهْل الْكِتَاب ; لِأَنَّ بَيْنهمْ وَبَيْن اللَّه عَقْدًا فِي أَدَاء الْأَمَانَة فِيمَا فِي كِتَابهمْ مِنْ أَمْر مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; فَإِنَّهُمْ مَأْمُورُونَ بِذَلِكَ فِي قَوْله : | أَوْفُوا بِالْعُقُودِ | وَغَيْر مَوْضِع . قَالَ اِبْن عَبَّاس : | أَوْفُوا بِالْعُقُودِ | مَعْنَاهُ بِمَا أَحَلَّ وَبِمَا حَرَّمَ وَبِمَا فَرَضَ وَبِمَا حَدَّ فِي جَمِيع الْأَشْيَاء ; وَكَذَلِكَ قَالَ مُجَاهِد وَغَيْره , وَقَالَ اِبْن شِهَاب : قَرَأْت كِتَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي كَتَبَهُ لِعَمْرِو بْن حَزْم حِين بَعَثَهُ إِلَى نَجْرَان وَفِي صَدْره : ( هَذَا بَيَان لِلنَّاسِ مِنْ اللَّه وَرَسُوله | يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ | فَكَتَبَ الْآيَات فِيهَا إِلَى قَوْله : | إِنَّ اللَّه سَرِيع الْحِسَاب | [ الْمَائِدَة : 4 ] ) . وَقَالَ الزَّجَّاج : الْمَعْنَى أَوْفُوا بِعَقْدِ اللَّه عَلَيْكُمْ وَبِعَقْدِكُمْ بَعْضكُمْ عَلَى بَعْض , وَهَذَا كُلّه رَاجِع إِلَى الْقَوْل بِالْعُمُومِ وَهُوَ الصَّحِيح فِي الْبَاب ; قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( الْمُؤْمِنُونَ عِنْد شُرُوطهمْ ) وَقَالَ : ( كُلّ شَرْط لَيْسَ فِي كِتَاب اللَّه فَهُوَ بَاطِل وَإِنْ كَانَ مِائَة شَرْط ) فَبَيَّنَ أَنَّ الشَّرْط أَوْ الْعَقْد الَّذِي يَجِب الْوَفَاء بِهِ مَا وَافَقَ كِتَاب اللَّه أَيْ دِين اللَّه ; فَإِنْ ظَهَرَ فِيهَا مَا يُخَالِف رُدَّ ; كَمَا قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرنَا فَهُوَ رَدّ ) . ذَكَرَ اِبْن إِسْحَاق قَالَ : اِجْتَمَعَتْ قَبَائِل مِنْ قُرَيْش فِي دَار عَبْد اللَّه بْن جُدْعَان - لِشَرَفِهِ وَنَسَبه - فَتَعَاقَدُوا وَتَعَاهَدُوا عَلَى أَلَّا يَجِدُوا بِمَكَّة مَظْلُومًا مِنْ أَهْلهَا أَوْ غَيْرهمْ إِلَّا قَامُوا مَعَهُ حَتَّى تُرَدّ عَلَيْهِ مَظْلِمَته ; فَسَمَّتْ قُرَيْش ذَلِكَ الْحِلْف حِلْف الْفُضُول , وَهُوَ الَّذِي قَالَ فِيهِ الرَّسُول صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَقَدْ شَهِدْت فِي دَار عَبْد اللَّه بْن جُدْعَان حِلْفًا مَا أُحِبّ أَنَّ لِي بِهِ حُمْر النَّعَم وَلَوْ ادُّعِيَ بِهِ فِي الْإِسْلَام لَأَجَبْت ) , وَهَذَا الْحِلْف هُوَ الْمَعْنَى الْمُرَاد فِي قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام : ( وَأَيّمَا حِلْف كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّة لَمْ يَزِدْهُ الْإِسْلَام إِلَّا شِدَّة ) لِأَنَّهُ مُوَافِق لِلشَّرْعِ إِذْ أَمَرَ بِالِانْتِصَافِ مِنْ الظَّالِم ; فَأَمَّا مَا كَانَ مِنْ عُهُودهمْ الْفَاسِدَة وَعُقُودهمْ الْبَاطِلَة عَلَى الظُّلْم وَالْغَارَات فَقَدْ هَدَمَهُ الْإِسْلَام وَالْحَمْد لِلَّهِ . قَالَ اِبْن إِسْحَاق : تَحَامَلَ الْوَلِيد بْن عُتْبَة عَلَى الْحُسَيْن بْن عَلِيّ فِي مَال لَهُ - لِسُلْطَانِ الْوَلِيد ; فَإِنَّهُ كَانَ أَمِيرًا عَلَى الْمَدِينَة - فَقَالَ لَهُ الْحُسَيْن : أَحْلِفُ بِاَللَّهِ لَتُنْصِفَنِّي مِنْ حَقِّي أَوْ لَآخُذَنَّ بِسَيْفِي ثُمَّ لَأَقُومَنَّ فِي مَسْجِد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ لَأَدْعُوَنَّ بِحِلْفِ الْفُضُول . قَالَ عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر : وَأَنَا أَحْلِف بِاَللَّهِ لَئِنْ دَعَانِي لَآخُذَنَّ بِسَيْفِي ثُمَّ لَأَقُومَنَّ مَعَهُ حَتَّى يَنْتَصِف مِنْ حَقّه أَوْ نَمُوت جَمِيعًا ; وَبَلَغَتْ الْمِسْوَر بْن مَخْرَمَة فَقَالَ مِثْل ذَلِكَ ; وَبَلَغَتْ عَبْد الرَّحْمَن بْن عُثْمَان بْن عُبَيْد اللَّه التَّيْمِيّ فَقَالَ مِثْل ذَلِكَ ; فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ الْوَلِيدَ أَنْصَفَهُ .|بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ|الْخِطَاب لِكُلِّ مَنْ اِلْتَزَمَ الْإِيمَان عَلَى وَجْهه وَكَمَاله ; وَكَانَتْ لِلْعَرَبِ سُنَن فِي الْأَنْعَام مِنْ الْبَحِيرَة وَالسَّائِبَة وَالْوَصِيلَة وَالْحَام , يَأْتِي بَيَانهَا ; فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة رَافِعَة لِتِلْكَ الْأَوْهَام الْخَيَالِيَّة , وَالْآرَاء الْفَاسِدَة الْبَاطِلِيَّة , وَاخْتُلِفَ فِي مَعْنَى | بَهِيمَة الْأَنْعَام | وَالْبَهِيمَة اِسْم لِكُلِّ ذِي أَرْبَع ; سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِإِبْهَامِهَا مِنْ جِهَة نَقْص نُطْقهَا وَفَهْمهَا وَعَدَم تَمْيِيزهَا وَعَقْلهَا ; وَمِنْهُ بَاب مُبْهَم أَيْ مُغْلَق , وَلَيْل بَهِيم , وَبُهْمَة لِلشُّجَاعِ الَّذِي لَا يُدْرَى مِنْ أَيْنَ يُؤْتَى لَهُ . و | الْأَنْعَام | : الْإِبِل وَالْبَقَر وَالْغَنَم , سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِلِينِ مَشْيهَا ; قَالَ اللَّه تَعَالَى : | وَالْأَنْعَام خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْء وَمَنَافِع | [ النَّحْل : 5 ] إِلَى قَوْله : | وَتَحْمِل أَثْقَالكُمْ | [ النَّحْل : 7 ] , وَقَالَ تَعَالَى : | وَمِنْ الْأَنْعَام حَمُولَة وَفَرْشًا | [ الْأَنْعَام : 142 ] يَعْنِي كِبَارًا وَصِغَارًا ; ثُمَّ بَيَّنَهَا فَقَالَ : | ثَمَانِيَة أَزْوَاج | [ الزُّمَر : 6 ] إِلَى قَوْله : | أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاء | [ الْبَقَرَة : 133 ] وَقَالَ تَعَالَى : | وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُود الْأَنْعَام بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْم ظَعْنكُمْ وَيَوْم إِقَامَتكُمْ وَمِنْ أَصْوَافهَا | [ النَّحْل : 80 ] يَعْنِي الْغَنَم | وَأَوْبَارهَا | يَعْنِي الْإِبِل | وَأَشْعَارهَا | يَعْنِي الْمَعْز ; فَهَذِهِ ثَلَاثَة أَدِلَّة تُنْبِئ عَنْ تَضَمُّن اِسْم الْأَنْعَام لِهَذِهِ الْأَجْنَاس ; الْإِبِل وَالْبَقَر وَالْغَنَم ; وَهُوَ قَوْل اِبْن عَبَّاس وَالْحَسَن . قَالَ الْهَرَوِيّ : وَإِذَا قِيلَ النَّعَم فَهُوَ الْإِبِل خَاصَّة , وَقَالَ الطَّبَرِيّ : وَقَالَ قَوْم | بَهِيمَة الْأَنْعَام | وَحْشِيّهَا كَالظِّبَاءِ وَبَقَر الْوَحْش وَالْحُمُر وَغَيْر ذَلِكَ , وَذَكَرَهُ غَيْر الطَّبَرِيّ وَالرَّبِيع وَقَتَادَة وَالضَّحَّاك , كَأَنَّهُ قَالَ : أُحِلَّتْ لَكُمْ الْأَنْعَام , فَأُضِيفَ الْجِنْس إِلَى أَخَصّ مِنْهُ . قَالَ اِبْن عَطِيَّة : وَهَذَا قَوْل حَسَن ; وَذَلِكَ أَنَّ الْأَنْعَام هِيَ الثَّمَانِيَة الْأَزْوَاج , وَمَا اِنْضَافَ إِلَيْهَا مِنْ سَائِر الْحَيَوَان يُقَال لَهُ أَنْعَام بِمَجْمُوعِهِ مَعَهَا , وَكَأَنَّ الْمُفْتَرِس كَالْأَسَدِ وَكُلّ ذِي نَاب خَارِج عَنْ حَدّ الْأَنْعَام ; فَبَهِيمَة الْأَنْعَام هِيَ الرَّاعِي مِنْ ذَوَات الْأَرْبَع . قُلْت : فَعَلَى هَذَا يَدْخُل فِيهَا ذَوَات الْحَوَافِر لِأَنَّهَا رَاعِيَة غَيْر مُفْتَرِسَة وَلَيْسَ كَذَلِكَ ; لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى قَالَ : | وَالْأَنْعَام خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْء وَمَنَافِع | [ النَّحْل : 5 ] ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهَا قَوْله : | وَالْخَيْل وَالْبِغَال وَالْحَمِير | [ النَّحْل : 8 ] فَلَمَّا اسْتَأْنَفَ ذِكْرَهَا وَعَطَفَهَا عَلَى الْأَنْعَام دَلَّ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْهَا ; وَاَللَّه أَعْلَمُ , وَقِيلَ : | بَهِيمَة الْأَنْعَام | مَا لَمْ يَكُنْ صَيْدًا ; لِأَنَّ الصَّيْد يُسَمَّى وَحْشًا لَا بَهِيمَة , وَهَذَا رَاجِع إِلَى الْقَوْل الْأَوَّل . وَرُوِيَ عَنْ عَبْد اللَّه بْن عُمَر أَنَّهُ قَالَ : | بَهِيمَة الْأَنْعَام | الْأَجِنَّة الَّتِي تَخْرُج عِنْد الذَّبْح مِنْ بُطُون الْأُمَّهَات ; فَهِيَ تُؤْكَل دُون ذَكَاة , وَقَالَهُ اِبْن عَبَّاس وَفِيهِ بُعْد ; لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى قَالَ : | إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ | وَلَيْسَ فِي الْأَجِنَّة مَا يُسْتَثْنَى ; قَالَ مَالِك : ذَكَاة الذَّبِيحَة ذَكَاة لِجَنِينِهَا إِذَا لَمْ يُدْرَك حَيًّا وَكَانَ قَدْ نَبَتَ شَعْره وَتَمَّ خَلْقه ; فَإِنْ لَمْ يَتِمّ خَلْقه وَلَمْ يَنْبُت شَعْره لَمْ يُؤْكَل إِلَّا أَنْ يُدْرَك حَيًّا فَيُذَكَّى , وَإِنْ بَادَرُوا إِلَى تَذْكِيَته فَمَاتَ بِنَفْسِهِ , فَقِيلَ : هُوَ ذَكِيّ , وَقِيلَ : لَيْسَ بِذَكِيٍّ ; وَسَيَأْتِي لِهَذَا مَزِيد بَيَان إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى :|الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى|أَيْ يُقْرَأ عَلَيْكُمْ فِي الْقُرْآن وَالسُّنَّة مِنْ قَوْله تَعَالَى : | حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَة | [ الْمَائِدَة : 3 ] وَقَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام : ( وَكُلّ ذِي نَاب مِنْ السِّبَاع حَرَام ) . فَإِنْ قِيلَ : الَّذِي يُتْلَى عَلَيْنَا الْكِتَاب لَيْسَ السُّنَّة ; قُلْنَا : كُلّ سُنَّة لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهِيَ مِنْ كِتَاب اللَّه ; وَالدَّلِيل عَلَيْهِ أَمْرَانِ : أَحَدهمَا : حَدِيث الْعَسِيفِ ( لَأَقْضِيَنَّ بَيْنكُمَا بِكِتَابِ اللَّه ) وَالرَّجْم لَيْسَ مَنْصُوصًا فِي كِتَاب اللَّه . الثَّانِي : حَدِيث اِبْن مَسْعُود : وَمَا لِي لَا أَلْعَنُ مَنْ لَعَنَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ فِي كِتَاب اللَّه ; الْحَدِيث , وَسَيَأْتِي فِي سُورَة | الْحَشْر | . وَيَحْتَمِل | إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ | الْآن أَوْ | مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ | فِيمَا بَعْدُ مِنْ مُسْتَقْبَل الزَّمَان عَلَى لِسَان رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; فَيَكُون فِيهِ دَلِيل عَلَى جَوَاز تَأْخِير الْبَيَان عَنْ وَقْت لَا يُفْتَقَر فِيهِ إِلَى تَعْجِيل الْحَاجَة .|عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي|أَيْ مَا كَانَ صَيْدًا فَهُوَ حَلَال فِي الْإِحْلَال دُون الْإِحْرَام , وَمَا لَمْ يَكُنْ صَيْدًا فَهُوَ حَلَال فِي الْحَالَيْنِ . وَاخْتَلَفَ النُّحَاة فِي | إِلَّا مَا يُتْلَى | هَلْ هُوَ اِسْتِثْنَاء أَوْ لَا ؟ فَقَالَ الْبَصْرِيُّونَ : هُوَ اِسْتِثْنَاء مِنْ | بَهِيمَة الْأَنْعَام | و | غَيْر مُحِلِّي الصَّيْد | اِسْتِثْنَاء آخَر أَيْضًا مِنْهُ ; فَالِاسْتِثْنَاءَانِ جَمِيعًا مِنْ قَوْله : | بَهِيمَة الْأَنْعَام | وَهِيَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهَا ; التَّقْدِير : إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ إِلَّا الصَّيْد وَأَنْتُمْ مُحْرِمُونَ ; بِخِلَافِ قَوْله : | إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْم مُجْرِمِينَ . إِلَّا آل لُوط | [ الْحِجْر : 58 - 59 ] عَلَى مَا يَأْتِي , وَقِيلَ : هُوَ مُسْتَثْنًى مِمَّا يَلِيه مِنْ الِاسْتِثْنَاء ; فَيَصِير بِمَنْزِلَةِ قَوْله عَزَّ وَجَلَّ : | إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْم مُجْرِمِينَ | وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَوَجَبَ إِبَاحَة الصَّيْد فِي الْإِحْرَام ; لِأَنَّهُ مُسْتَثْنًى مِنْ الْمَحْظُور إِذْ كَانَ قَوْله تَعَالَى : | إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ | مُسْتَثْنًى مِنْ الْإِبَاحَة ; وَهَذَا وَجْه سَاقِط ; فَإِذًا مَعْنَاهُ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَة الْأَنْعَام غَيْر مُحِلِّي الصَّيْد وَأَنْتُمْ حُرُم إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ سِوَى الصَّيْد , وَيَجُوز أَنْ يَكُون مَعْنَاهُ أَيْضًا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ غَيْر مُحِلِّي الصَّيْد وَأُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَة الْأَنْعَام إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ , وَأَجَازَ الْفَرَّاء أَنْ يَكُون | إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ | فِي مَوْضِع رَفْع عَلَى الْبَدَل عَلَى أَنْ يُعْطَف بِإِلَّا كَمَا يُعْطَف بِلَا ; وَلَا يُجِيزهُ الْبَصْرِيُّونَ إِلَّا فِي النَّكِرَة أَوْ مَا قَارَبَهَا مِنْ أَسْمَاء الْأَجْنَاس نَحْو جَاءَ الْقَوْم إِلَّا زَيْد , وَالنَّصْب عِنْده بِأَنَّ | غَيْر مُحِلِّي الصَّيْد | نُصِبَ عَلَى الْحَال مِمَّا فِي | أَوْفُوا | ; قَالَ الْأَخْفَش : يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ غَيْر مُحِلِّي الصَّيْد , وَقَالَ غَيْره : حَال مِنْ الْكَاف وَالْمِيم فِي | لَكُمْ | وَالتَّقْدِير : أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَة الْأَنْعَام غَيْر مُحِلِّي الصَّيْد . ثُمَّ قِيلَ : يَجُوز أَنْ يَرْجِع الْإِحْلَال إِلَى النَّاس , أَيْ لَا تُحِلُّوا الصَّيْد فِي حَال الْإِحْرَام , وَيَجُوز أَنْ يَرْجِع إِلَى اللَّه تَعَالَى أَيْ أَحْلَلْت لَكُمْ الْبَهِيمَة إِلَّا مَا كَانَ صَيْدًا فِي وَقْت الْإِحْرَام ; كَمَا تَقُول : أَحْلَلْت لَك كَذَا غَيْر مُبِيح لَك يَوْم الْجُمُعَة . فَإِذَا قُلْت يَرْجِع إِلَى النَّاس فَالْمَعْنَى : غَيْر مُحِلِّينَ الصَّيْد , فَحُذِفَتْ النُّون تَخْفِيفًا .|الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ|يَعْنِي الْإِحْرَام بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَة ; يُقَال : رَجُل حَرَام وَقَوْم حُرُم إِذَا أَحْرَمُوا بِالْحَجِّ ; وَمِنْهُ قَوْل الشَّاعِر : <br>فَقُلْت لَهَا فِيئِي إِلَيْكِ فَإِنَّنِي .......... حَرَام وَإِنِّي بَعْد ذَاكَ لَبِيبُ <br>أَيْ مُلَبٍّ , وَسُمِّيَ ذَلِكَ إِحْرَامًا لِمَا يُحَرِّمهُ مَنْ دَخَلَ فِيهِ عَلَى نَفْسه مِنْ النِّسَاء وَالطِّيب وَغَيْرهمَا , وَيُقَال : أَحْرَمَ دَخَلَ فِي الْحَرَم ; فَيَحْرُم صَيْد الْحَرَم أَيْضًا , وَقَرَأَ الْحَسَن وَإِبْرَاهِيم وَيَحْيَى بْن وَثَّاب | حُرْم | بِسُكُونِ الرَّاء ; وَهِيَ لُغَة تَمِيمِيَّة يَقُولُونَ فِي رُسُل : رُسْل وَفِي كُتُب كُتْب وَنَحْوه .|حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا|تَقْوِيَة لِهَذِهِ الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة الْمُخَالِفَة لِمَعْهُودِ أَحْكَام الْعَرَب ; أَيْ فَأَنْتَ يَا مُحَمَّد السَّامِع لِنَسْخِ تِلْكَ الَّتِي عَهِدْت مِنْ أَحْكَامهمْ تَنَبَّهْ , فَإِنَّ الَّذِي هُوَ مَالِك الْكُلّ | يَحْكُم مَا يُرِيد | | لَا مُعَقِّب لِحُكْمِهِ | [ الرَّعْد : 41 ] يُشَرِّع مَا يَشَاء كَمَا يَشَاء .

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آَمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلَا يَجْرِم

خِطَاب لِلْمُؤْمِنِينَ حَقًّا ; أَيْ لَا تَتَعَدَّوْا حُدُود اللَّه فِي أَمْر مِنْ الْأُمُور , وَالشَّعَائِر جَمْع شَعِيرَة عَلَى وَزْن فَعِيلَة , وَقَالَ اِبْن فَارِس : وَيُقَال لِلْوَاحِدَةِ شِعَارَة ; وَهُوَ أَحْسَنُ , وَالشَّعِيرَة الْبَدَنَة تُهْدَى , وَإِشْعَارُهَا أَنْ يُجَزّ سَنَامهَا حَتَّى يَسِيل مِنْهُ الدَّم فَيُعْلَم أَنَّهَا هَدْي . وَالْإِشْعَار الْإِعْلَام مِنْ طَرِيق الْإِحْسَاس ; يُقَال : أَشْعَرَ هَدْيه أَيْ جَعَلَ لَهُ عَلَامَة لِيُعْرَف أَنَّهُ هَدْي ; وَمِنْهُ الْمَشَاعِر الْمَعَالِم , وَاحِدهَا مَشْعَر وَهِيَ الْمَوَاضِع الَّتِي قَدْ أُشْعِرَتْ بِالْعَلَامَاتِ , وَمِنْهُ الشِّعْر , لِأَنَّهُ يَكُون بِحَيْثُ يَقَع الشُّعُور ; وَمِنْهُ الشَّاعِر ; لِأَنَّهُ يَشْعُر بِفِطْنَتِهِ لِمَا لَا يَفْطِن لَهُ غَيْره ; وَمِنْهُ الشَّعِير لِشَعْرَتِهِ الَّتِي فِي رَأْسه ; فَالشَّعَائِر عَلَى قَوْلٍ مَا أُشْعِرَ مِنْ الْحَيَوَانَات لِتُهْدَى إِلَى بَيْت اللَّه , وَعَلَى قَوْلٍ جَمِيع مَنَاسِك الْحَجّ ; قَالَ اِبْن عَبَّاس . وَقَالَ مُجَاهِد : الصَّفَا وَالْمَرْوَة وَالْهَدْي وَالْبُدْن كُلّ ذَلِكَ مِنْ الشَّعَائِر , وَقَالَ الشَّاعِر : <br>نُقَتِّلهُمْ جِيلًا فَجِيلًا تَرَاهُمُ .......... شَعَائِرَ قُرْبَان بِهَا يُتَقَرَّب <br>وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ يَحُجُّونَ وَيَعْتَمِرُونَ وَيُهْدُونَ فَأَرَادَ الْمُسْلِمُونَ أَنْ يُغِيرُوا عَلَيْهِمْ ; فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى : | لَا تُحِلُّوا شَعَائِر اللَّه | . وَقَالَ عَطَاء بْن أَبِي رَبَاح : شَعَائِر اللَّه جَمِيع مَا أَمَرَ اللَّه بِهِ وَنَهَى عَنْهُ , وَقَالَ الْحَسَن : دِين اللَّه كُلّه ; كَقَوْلِهِ : | ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّم شَعَائِر اللَّه فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوب | [ الْحَجّ : 32 ] أَيْ دِين اللَّه . قُلْت : وَهَذَا الْقَوْل هُوَ الرَّاجِح الَّذِي يُقَدَّم عَلَى غَيْره لِعُمُومِهِ . وَقَدْ اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي إِشْعَار الْهَدْي وَهِيَ : فَأَجَازَهُ الْجُمْهُور ; ثُمَّ اِخْتَلَفُوا فِي أَيّ جِهَة يُشْعَر ; فَقَالَ الشَّافِعِيّ وَأَحْمَد وَأَبُو ثَوْر : يَكُون فِي الْجَانِب الْأَيْمَن ; وَرُوِيَ عَنْ اِبْن عُمَر , وَثَبَتَ عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَشْعَرَ نَاقَته فِي صَفْحَة سَنَامهَا الْأَيْمَن ; أَخْرَجَهُ مُسْلِم وَغَيْره وَهُوَ الصَّحِيح , وَرُوِيَ أَنَّهُ أَشْعَرَ بَدَنَة مِنْ الْجَانِب الْأَيْسَر ; قَالَ أَبُو عُمَر بْن عَبْد الْبَرّ : هَذَا عِنْدِي حَدِيث مُنْكَر مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس ; وَالصَّحِيح حَدِيث مُسْلِم عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَالَ : وَلَا يَصِحّ عَنْهُ غَيْره . وَصَفْحَة السَّنَام جَانِبه , وَالسَّنَام أَعْلَى الظَّهْر , وَقَالَتْ طَائِفَة : يَكُون فِي الْجَانِب الْأَيْسَر ; وَهُوَ قَوْل مَالِك , وَقَالَ : لَا بَأْس بِهِ فِي الْجَانِب الْأَيْمَن , وَقَالَ مُجَاهِد : مِنْ أَيّ الْجَانِبَيْنِ شَاءَ ; وَبِهِ قَالَ أَحْمَد فِي أَحَد قَوْلَيْهِ , وَمَنَعَ مِنْ هَذَا كُلّه أَبُو حَنِيفَة وَقَالَ : إِنَّهُ تَعْذِيب لِلْحَيَوَانِ , وَالْحَدِيث يَرُدّ عَلَيْهِ ; وَأَيْضًا فَذَلِكَ يَجْرِي مَجْرَى الْوَسْم الَّذِي يُعْرَف بِهِ الْمِلْك كَمَا تَقَدَّمَ ; وَقَدْ أَوْغَلَ اِبْن الْعَرَبِيّ عَلَى أَبِي حَنِيفَة فِي الرَّدّ وَالْإِنْكَار حِين لَمْ يَرَ الْإِشْعَار فَقَالَ : كَأَنَّهُ لَمْ يَسْمَع بِهَذِهِ الشَّعِيرَة فِي الشَّرِيعَة ! لَهِيَ أَشْهَرُ مِنْهُ فِي الْعُلَمَاء . قُلْت : وَاَلَّذِي رَأَيْته مَنْصُوصًا فِي كُتُب عُلَمَاء الْحَنَفِيَّة الْإِشْعَار مَكْرُوه مِنْ قَوْل أَبِي حَنِيفَة , وَعِنْد أَبِي يُوسُف وَمُحَمَّد لَيْسَ بِمَكْرُوهٍ وَلَا سُنَّة بَلْ هُوَ مُبَاح ; لِأَنَّ الْإِشْعَار لَمَّا كَانَ إِعْلَامًا كَانَ سُنَّة بِمَنْزِلَةِ التَّقْلِيد , وَمِنْ حَيْثُ إِنَّهُ جَرْح وَمُثْلَة كَانَ حَرَامًا , فَكَانَ مُشْتَمِلًا عَلَى السُّنَّة وَالْبِدْعَة فَجُعِلَ مُبَاحًا , وَلِأَبِي حَنِيفَة أَنَّ الْإِشْعَار مُثْلَة وَأَنَّهُ حَرَام مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ تَعْذِيب الْحَيَوَان فَكَانَ مَكْرُوهًا , وَمَا رُوِيَ عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا كَانَ فِي أَوَّل الِابْتِدَاء حِين كَانَتْ الْعَرَب تَنْتَهِب كُلّ مَال إِلَّا مَا جُعِلَ هَدْيًا , وَكَانُوا لَا يَعْرِفُونَ الْهَدْي إِلَّا بِالْإِشْعَارِ ثُمَّ زَالَ لِزَوَالِ الْعُذْر ; هَكَذَا رُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس , وَحُكِيَ عَنْ الشَّيْخ الْإِمَام أَبِي مَنْصُور الْمَاتُرِيدِيّ رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى أَنَّهُ قَالَ : يَحْتَمِل أَنْ أَبَا حَنِيفَة كَرِهَ إِشْعَار أَهْل زَمَانه وَهُوَ الْمُبَالَغَة فِي الْبَضْع عَلَى وَجْه يُخَاف مِنْهُ السِّرَايَة , أَمَّا مَا لَمْ يُجَاوِز الْحَدّ فُعِلَ كَمَا كَانَ يُفْعَل فِي عَهْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهُوَ حَسَن ; وَهَكَذَا ذَكَرَ أَبُو جَعْفَر الطَّحَاوِيّ . فَهَذَا اِعْتِذَار عُلَمَاء الْحَنَفِيَّة لِأَبِي حَنِيفَة عَنْ الْحَدِيث الَّذِي وَرَدَ فِي الْإِشْعَار , فَقَدْ سَمِعُوهُ وَوَصَلَ إِلَيْهِمْ وَعَلِمُوهُ ; قَالُوا : وَعَلَى الْقَوْل بِأَنَّهُ مَكْرُوه لَا يَصِير بِهِ أَحَد مُحْرِمًا ; لِأَنَّ مُبَاشَرَة الْمَكْرُوه لَا تُعَدّ مِنْ الْمَنَاسِك .|اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ|اِسْم مُفْرَد يَدُلّ عَلَى الْجِنْس فِي جَمِيع الْأَشْهُر الْحُرُم وَهِيَ أَرْبَعَة : وَاحِد فَرْد وَثَلَاثَة سَرْد , يَأْتِي بَيَانهَا فِي | بَرَاءَة | ; وَالْمَعْنَى : لَا تَسْتَحِلُّوهَا لِلْقِتَالِ وَلَا لِلْغَارَةِ وَلَا تُبَدِّلُوهَا ; فَإِنَّ اِسْتِبْدَالهَا اِسْتِحْلَال , وَذَلِكَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَهُ مِنْ النَّسِيء ; وَكَذَلِكَ قَوْله : | وَلَا الْهَدْي وَلَا الْقَلَائِد | أَيْ لَا تَسْتَحِلُّوهُ , وَهُوَ عَلَى حَذْف مُضَاف أَيْ وَلَا ذَوَات الْقَلَائِد جَمْع قِلَادَة . فَنَهَى سُبْحَانه عَنْ اِسْتِحْلَال الْهَدْي جُمْلَة , ثُمَّ ذَكَرَ الْمُقَلَّد مِنْهُ تَأْكِيدًا وَمُبَالَغَة فِي التَّنْبِيه عَلَى الْحُرْمَة فِي التَّقْلِيد .|الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا|الْهَدْي مَا أُهْدِيَ إِلَى بَيْت اللَّه تَعَالَى مِنْ نَاقَة أَوْ بَقَرَة أَوْ شَاة ; الْوَاحِدَة هَدْيَة وَهَدِيَّة وَهَدْي . فَمَنْ قَالَ : أَرَادَ بِالشَّعَائِرِ الْمَنَاسِك قَالَ : ذَكَرَ الْهَدْي تَنْبِيهًا عَلَى تَخْصِيصهَا , وَمَنْ قَالَ : الشَّعَائِر الْهَدْي قَالَ : إِنَّ الشَّعَائِر مَا كَانَ مُشْعَرًا أَيْ مُعَلَّمًا بِإِسَالَةِ الدَّم مِنْ سَنَامه , وَالْهَدْي مَا لَمْ يُشْعَر , اكْتُفِيَ فِيهِ بِالتَّقْلِيدِ , وَقِيلَ : الْفَرْق أَنَّ الشَّعَائِر هِيَ الْبُدْن مِنْ الْأَنْعَام , وَالْهَدْي الْبَقَر وَالْغَنَم وَالثِّيَاب وَكُلّ مَا يُهْدَى , وَقَالَ الْجُمْهُور : الْهَدْي عَامّ فِي جَمِيع مَا يُتَقَرَّب بِهِ مِنْ الذَّبَائِح وَالصَّدَقَات ; وَمِنْهُ قَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام : ( الْمُبَكِّر إِلَى الْجُمُعَة كَالْمُهْدِي بَدَنَة ) إِلَى أَنْ قَالَ : ( كَالْمُهْدِي بَيْضَة ) فَسَمَّاهَا هَدْيًا ; وَتَسْمِيَة الْبَيْضَة هَدْيًا لَا مَحْمَل لَهُ إِلَّا أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ الصَّدَقَة ; وَكَذَلِكَ قَالَ الْعُلَمَاء : إِذَا قَالَ جَعَلْت ثَوْبِي هَدْيًا فَعَلَيْهِ أَنْ يَتَصَدَّق بِهِ ; إِلَّا أَنَّ الْإِطْلَاق إِنَّمَا يَنْصَرِف إِلَى أَحَد الْأَصْنَاف الثَّلَاثَة مِنْ الْإِبِل وَالْبَقَر وَالْغَنَم , وَسَوْقهَا إِلَى الْحَرَم وَذَبْحهَا فِيهِ , وَهَذَا إِنَّمَا تُلُقِّيَ مِنْ عُرْف الشَّرْع فِي قَوْله تَعَالَى : | فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اِسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْي | [ الْبَقَرَة : 196 ] وَأَرَادَ بِهِ الشَّاة ; وَقَالَ تَعَالَى : | يَحْكُم بِهِ ذَوَا عَدْل مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغ الْكَعْبَة | [ الْمَائِدَة : 95 ] وَقَالَ تَعَالَى : | فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجّ فَمَا اِسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْي | [ الْبَقَرَة : 196 ] وَأَقَلّه شَاة عِنْد الْفُقَهَاء , وَقَالَ مَالِك : إِذَا قَالَ ثَوْبِي هَدْي يَجْعَل ثَمَنه فِي هَدْي . | وَالْقَلَائِد | مَا كَانَ النَّاس يَتَقَلَّدُونَهُ أَمَنَة لَهُمْ ; فَهُوَ عَلَى حَذْف مُضَاف , أَيْ وَلَا أَصْحَاب الْقَلَائِد ثُمَّ نُسِخَ . قَالَ اِبْن عَبَّاس : آيَتَانِ نُسِخَتَا مِنْ | الْمَائِدَة | آيَة الْقَلَائِد وَقَوْله : | فَإِنْ جَاءُوك فَاحْكُمْ بَيْنهمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ | [ الْمَائِدَة : 42 ] فَأَمَّا الْقَلَائِد فَنَسَخَهَا الْأَمْر بِقَتْلِ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ كَانُوا وَفِي أَيّ شَهْر كَانُوا , وَأَمَّا الْأُخْرَى فَنَسَخَهَا قَوْله تَعَالَى : | وَأَنْ اُحْكُمْ بَيْنهمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّه | [ الْمَائِدَة : 49 ] عَلَى مَا يَأْتِي . وَقِيلَ : أَرَادَ بِالْقَلَائِدِ نَفْس الْقَلَائِد ; فَهُوَ نَهْي عَنْ أَخْذ لِحَاء شَجَر الْحَرَم حَتَّى يُتَقَلَّد بِهِ طَلَبًا لِلْأَمْنِ ; قَالَهُ مُجَاهِد وَعَطَاء وَمُطَرِّف بْن الشِّخِّير , وَاَللَّه أَعْلَمُ , وَحَقِيقَة الْهَدْي كُلّ مُعْطًى لَمْ يُذْكَر مَعَهُ عِوَض . وَاتَّفَقَ الْفُقَهَاء عَلَى أَنَّ مَنْ قَالَ : لِلَّهِ عَلَيَّ هَدْي أَنَّهُ يَبْعَث بِثَمَنِهِ إِلَى مَكَّة . وَأَمَّا الْقَلَائِد فَهِيَ كُلّ مَا عُلِّقَ عَلَى أَسْنِمَة الْهَدَايَا وَأَعْنَاقهَا عَلَامَة أَنَّهُ لِلَّهِ سُبْحَانه ; مِنْ نَعْل أَوْ غَيْره , وَهِيَ سُنَّة إِبْرَاهِيمِيَّة بَقِيَتْ فِي الْجَاهِلِيَّة وَأَقَرَّهَا الْإِسْلَام , وَهِيَ سُنَّة الْبَقَر وَالْغَنَم . قَالَتْ عَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا : أَهْدَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّة إِلَى الْبَيْت غَنَمًا فَقَلَّدَهَا ; أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ وَمُسْلِم ; وَإِلَى هَذَا صَارَ جَمَاعَة مِنْ الْعُلَمَاء : الشَّافِعِيّ وَأَحْمَد وَإِسْحَاق وَأَبُو ثَوْر وَابْن حَبِيب ; وَأَنْكَرَهُ مَالِك وَأَصْحَاب الرَّأْي وَكَأَنَّهُمْ لَمْ يَبْلُغهُمْ هَذَا الْحَدِيث فِي تَقْلِيد الْغَنَم , أَوْ بَلَغَ لَكِنَّهُمْ رَدُّوهُ لِانْفِرَادِ الْأَسْوَد بِهِ عَنْ عَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا ; فَالْقَوْل بِهِ أَوْلَى , وَاَللَّه أَعْلَم , وَأَمَّا الْبَقَر فَإِنْ كَانَتْ لَهَا أَسْنِمَة أُشْعِرَتْ كَالْبُدْنِ ; قَالَ اِبْن عُمَر ; وَبِهِ قَالَ مَالِك , وَقَالَ الشَّافِعِيّ : تُقَلَّد وَتُشْعَر مُطْلَقًا وَلَمْ يُفَرِّقُوا , وَقَالَ سَعِيد بْن جُبَيْر : تُقَلَّد وَلَا تُشْعَر ; وَهَذَا الْقَوْل أَصَحُّ إِذْ لَيْسَ لَهَا سَنَام , وَهِيَ أَشْبَهُ بِالْغَنَمِ مِنْهَا بِالْإِبِلِ , وَاَللَّه أَعْلَمُ . وَاتَّفَقُوا فِيمَنْ قَلَّدَ بَدَنَة عَلَى نِيَّة الْإِحْرَام وَسَاقَهَا أَنَّهُ يَصِير مُحْرِمًا ; قَالَ اللَّه تَعَالَى : | لَا تُحِلُّوا شَعَائِر اللَّه | إِلَى أَنْ قَالَ : | فَاصْطَادُوا | وَلَمْ يَذْكُر الْإِحْرَام لَكِنْ لَمَّا ذَكَرَ التَّقْلِيد عُرِفَ أَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْإِحْرَام . فَإِنْ بَعَثَ بِالْهَدْيِ وَلَمْ يَسُقْ بِنَفْسِهِ لَمْ يَكُنْ مُحْرِمًا ; لِحَدِيثِ عَائِشَة قَالَتْ : أَنَا فَتَلْت قَلَائِد هَدْي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدَيَّ ; ثُمَّ قَلَّدَهَا بِيَدَيْهِ , ثُمَّ بَعَثَ بِهَا مَعَ أَبِي فَلَمْ يَحْرُم عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْء أَحَلَّهُ اللَّه لَهُ حَتَّى نُحِرَ الْهَدْي ; أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ , وَهَذَا مَذْهَب مَالِك وَالشَّافِعِيّ وَأَحْمَد وَإِسْحَق وَجُمْهُور الْعُلَمَاء . وَرُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّهُ قَالَ : يَصِير مُحْرِمًا ; قَالَ اِبْن عَبَّاس : مَنْ أَهْدَى هَدْيًا حَرُمَ عَلَيْهِ مَا يَحْرُم عَلَى الْحَاجّ حَتَّى يُنْحَر الْهَدْي ; رَوَاهُ الْبُخَارِيّ ; وَهَذَا مَذْهَب اِبْن عُمَر وَعَطَاء وَمُجَاهِد وَسَعِيد بْن جُبَيْر , وَحَكَاهُ الْخَطَّابِيّ عَنْ أَصْحَاب الرَّأْي ; وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ جَابِر بْن عَبْد اللَّه قَالَ : كُنْت عِنْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسًا فَقَدَّ قَمِيصه مِنْ جَيْبه ثُمَّ أَخْرَجَهُ مِنْ رِجْلَيْهِ , فَنَظَرَ الْقَوْم إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : ( إِنِّي أُمِرْت بِبُدْنِي الَّتِي بَعَثْت بِهَا أَنْ تُقَلَّد وَتُشْعَر عَلَى مَكَان كَذَا وَكَذَا فَلَبِسْت قَمِيصِي وَنَسِيت فَلَمْ أَكُنْ لِأُخْرِج قَمِيصِي مِنْ رَأْسِي ) وَكَانَ بَعَثَ بِبُدْنِهِ وَأَقَامَ بِالْمَدِينَةِ . فِي إِسْنَاده عَبْد الرَّحْمَن بْن عَطَاء بْن أَبِي لَبِيبَة وَهُوَ ضَعِيف . فَإِنْ قَلَّدَ شَاة وَتَوَجَّهَ مَعَهَا فَقَالَ الْكُوفِيُّونَ : لَا يَصِير مُحْرِمًا ; لِأَنَّ تَقْلِيد الشَّاة لَيْسَ بِمَسْنُونٍ وَلَا مِنْ الشَّعَائِر ; لِأَنَّهُ يُخَاف عَلَيْهَا الذِّئْب فَلَا تَصِل إِلَى الْحَرَم بِخِلَافِ الْبُدْن ; فَإِنَّهَا تُتْرَك حَتَّى تَرِد الْمَاء وَتَرْعَى الشَّجَر وَتَصِل إِلَى الْحَرَم , وَفِي صَحِيح الْبُخَارِيّ عَنْ عَائِشَة أُمّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَتْ : فَتَلْت قَلَائِدهَا مِنْ عِهْن كَانَ عِنْدِي . الْعِهْن الصُّوف الْمَصْبُوغ ; وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى : | وَتَكُون الْجِبَال كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوش | [ الْقَارِعَة : 5 ] . وَلَا يَجُوز بَيْع الْهَدْي وَلَا هِبَته إِذَا قُلِّدَ أَوْ أُشْعِرَ ; لِأَنَّهُ قَدْ وَجَبَ , وَإِنْ مَاتَ مُوجِبه لَمْ يُوَرَّث عَنْهُ وَنَفَذَ لِوَجْهِهِ ; بِخِلَافِ الْأُضْحِيَّة فَإِنَّهَا لَا تَجِب إِلَّا بِالذَّبْحِ خَاصَّة عِنْد مَالِك إِلَّا أَنْ يُوجِبَهَا بِالْقَوْلِ ; فَإِنْ أَوْجَبَهَا بِالْقَوْلِ قَبْل الذَّبْح فَقَالَ : جَعَلْت هَذِهِ الشَّاة أُضْحِيَّة تَعَيَّنَتْ ; وَعَلَيْهِ ; إِنْ تَلِفَتْ ثُمَّ وَجَدَهَا أَيَّام الذَّبْح أَوْ بَعْدهَا ذَبَحَهَا وَلَمْ يَجُزْ لَهُ بَيْعهَا ; فَإِنْ كَانَ اِشْتَرَى أُضْحِيَّة غَيْرهَا ذَبَحَهُمَا جَمِيعًا فِي قَوْل أَحْمَد وَإِسْحَاق , وَقَالَ الشَّافِعِيّ : لَا بَدَل عَلَيْهِ إِذَا ضَلَّتْ أَوْ سُرِقَتْ , إِنَّمَا الْإِبْدَال فِي الْوَاجِب , وَرُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّهُ قَالَ : إِذَا ضَلَّتْ فَقَدْ أَجْزَأَتْ , وَمَنْ مَاتَ يَوْم النَّحْر قَبْل أَنْ يُضَحِّيَ كَانَتْ ضَحِيَّتُهُ مَوْرُوثَة عَنْهُ كَسَائِرِ مَاله بِخِلَافِ الْهَدْي , وَقَالَ أَحْمَد وَأَبُو ثَوْر : تُذْبَح بِكُلِّ حَال , وَقَالَ الْأَوْزَاعِيّ : تُذْبَح إِلَّا أَنْ يَكُون عَلَيْهِ دَيْن لَا وَفَاء لَهُ إِلَّا مِنْ تِلْكَ الْأُضْحِيَّة فَتُبَاع فِي دَيْنه , وَلَوْ مَاتَ بَعْد ذَبْحهَا لَمْ يَرِثهَا عَنْهُ وَرَثَته , وَصَنَعُوا بِهَا مِنْ الْأَكْل وَالصَّدَقَة مَا كَانَ لَهُ أَنْ يَصْنَع بِهَا , وَلَا يَقْتَسِمُونَ لَحْمهَا عَلَى سَبِيل الْمِيرَاث , وَمَا أَصَابَ الْأُضْحِيَّة قَبْل الذَّبْح مِنْ الْعُيُوب كَانَ عَلَى صَاحِبهَا بَدَلهَا بِخِلَافِ الْهَدْي , هَذَا تَحْصِيل مَذْهَب مَالِك , وَقَدْ قِيلَ فِي الْهَدْي عَلَى صَاحِبه الْبَدَل ; وَالْأَوَّل أَصْوَبُ . وَاَللَّه أَعْلَمُ . قَالَ أَبُو اللَّيْث السَّمَرْقَنْدِيّ : وَقَوْله تَعَالَى : | وَلَا الشَّهْر الْحَرَام | مَنْسُوخ بِقَوْلِهِ : | وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّة | [ التَّوْبَة : 36 ] وَقَوْله : | وَلَا الْهَدْي وَلَا الْقَلَائِد | مُحْكَم لَمْ يُنْسَخ ; فَكُلّ مَنْ قَلَّدَ الْهَدْي وَنَوَى الْإِحْرَام صَارَ مُحْرِمًا لَا يَجُوز لَهُ أَنْ يُحِلّ بِدَلِيلِ هَذِهِ الْآيَة ; فَهَذِهِ الْأَحْكَام مَعْطُوف بَعْضهَا عَلَى بَعْض ; بَعْضهَا مَنْسُوخ وَبَعْضهَا غَيْر مَنْسُوخ .|الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ|يَعْنِي الْقَاصِدِينَ لَهُ ; مِنْ قَوْلهمْ أَمَمْت كَذَا أَيْ قَصَدْته , وَقَرَأَ الْأَعْمَش : | وَلَا آمِّي الْبَيْت الْحَرَام | بِالْإِضَافَةِ كَقَوْلِهِ : | غَيْر مُحِلِّي الصَّيْد | وَالْمَعْنَى : لَا تَمْنَعُوا الْكُفَّار الْقَاصِدِينَ الْبَيْت الْحَرَام عَلَى جِهَة التَّعَبُّد وَالْقُرْبَة ; وَعَلَيْهِ فَقِيلَ : مَا فِي هَذِهِ الْآيَات مِنْ نَهْي عَنْ مُشْرِك , أَوْ مُرَاعَاة حُرْمَة لَهُ بِقِلَادَةٍ , أَوْ أَمَّ الْبَيْت فَهُوَ كُلّه مَنْسُوخ بِآيَةِ السَّيْف فِي قَوْله : | فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ | [ التَّوْبَة : 5 ] وَقَوْله : | فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِد الْحَرَام بَعْد عَامهمْ هَذَا | [ التَّوْبَة : 28 ] فَلَا يُمَكَّن الْمُشْرِك مِنْ الْحَجّ , وَلَا يُؤَمَّن فِي الْأَشْهُر الْحُرُم وَإِنْ أَهْدَى وَقَلَّدَ وَحَجَّ ; رُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس وَقَالَهُ اِبْن زَيْد عَلَى مَا يَأْتِي ذِكْره , وَقَالَ قَوْم : الْآيَة مُحْكَمَة لَمْ تُنْسَخ وَهِيَ فِي الْمُسْلِمِينَ , وَقَدْ نَهَى اللَّه عَنْ إِخَافَة مَنْ يَقْصِد بَيْته مِنْ الْمُسْلِمِينَ , وَالنَّهْي عَامّ فِي الشَّهْر الْحَرَام وَغَيْره ; وَلَكِنَّهُ خَصَّ الشَّهْر الْحَرَام بِالذِّكْرِ تَعْظِيمًا وَتَفْضِيلًا ; وَهَذَا يَتَمَشَّى عَلَى قَوْل عَطَاء ; فَإِنَّ الْمَعْنَى لَا تُحِلُّوا مَعَالِم اللَّه , وَهِيَ أَمْره وَنَهْيه وَمَا أَعْلَمَهُ النَّاس فَلَا تُحِلُّوهُ ; وَلِذَلِكَ قَالَ أَبُو مَيْسَرَة : هِيَ مُحْكَمَة , وَقَالَ مُجَاهِد : لَمْ يُنْسَخ مِنْهَا إِلَّا | الْقَلَائِد | وَكَانَ الرَّجُل يَتَقَلَّد بِشَيْءٍ مِنْ لِحَاء الْحَرَم فَلَا يُقْرَب فَنُسِخَ ذَلِكَ . وَقَالَ اِبْن جُرَيْج : هَذِهِ الْآيَة نَهْي عَنْ الْحُجَّاج أَنْ تُقْطَع سُبُلهمْ , وَقَالَ اِبْن زَيْد : نَزَلَتْ الْآيَة عَام الْفَتْح وَرَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَكَّة ; جَاءَ أُنَاس مِنْ الْمُشْرِكِينَ يَحُجُّونَ وَيَعْتَمِرُونَ فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ : يَا رَسُول اللَّه إِنَّمَا هَؤُلَاءِ مُشْرِكُونَ فَلَنْ نَدَعَهُمْ إِلَّا أَنْ نُغِير عَلَيْهِمْ ; فَنَزَلَ الْقُرْآن | وَلَا آمِّينَ الْبَيْت الْحَرَام | . وَقِيلَ : كَانَ هَذَا لِأَمْرِ شُرَيْح بْن ضُبَيْعَة الْبَكْرِيّ - وَيُلَقَّب بِالْحُطَمِ - أَخَذَتْهُ جُنْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ فِي عُمْرَته فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة , ثُمَّ نُسِخَ هَذَا الْحُكْم كَمَا ذَكَرْنَا , وَأَدْرَكَ الْحُطَم هَذَا رِدَّة الْيَمَامَة فَقُتِلَ مُرْتَدًّا وَقَدْ رُوِيَ مِنْ خَبَره أَنَّهُ أَتَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَدِينَةِ , وَخَلَّفَ خَيْله خَارِج الْمَدِينَة فَقَالَ : إِلَامَ تَدْعُو النَّاس ؟ فَقَالَ : ( إِلَى شَهَادَة أَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه وَإِقَام الصَّلَاة وَإِيتَاء الزَّكَاة ) فَقَالَ : حَسَن , إِلَّا أَنَّ لِي أُمَرَاء لَا أَقْطَع أَمْرًا دُونهمْ وَلَعَلِّي أُسْلِم وَآتِي بِهِمْ , وَقَدْ كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِأَصْحَابِهِ : ( يَدْخُل عَلَيْكُمْ رَجُل يَتَكَلَّم بِلِسَانِ شَيْطَان ) ثُمَّ خَرَجَ مِنْ عِنْده فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام : ( لَقَدْ دَخَلَ بِوَجْهِ كَافِر وَخَرَجَ بِقَفَا غَادِر وَمَا الرَّجُل بِمُسْلِمٍ ) . فَمَرَّ بِسَرْحِ الْمَدِينَة فَاسْتَاقَهُ ; فَطَلَبُوهُ فَعَجَزُوا عَنْهُ , فَانْطَلَقَ وَهُوَ يَقُول : <br>قَدْ لَفَّهَا اللَّيْل بِسَوَّاقٍ حُطَمْ .......... لَيْسَ بِرَاعِي إِبِل وَلَا غَنَمْ <br><br>وَلَا بِجَزَّارٍ عَلَى ظَهْر وَضَمْ .......... بَاتُوا نِيَامًا وَابْن هِنْد لَمْ يَنَمْ <br><br>بَاتَ يُقَاسِيهَا غُلَام كَالزَّلَمْ .......... خَدَلَّج السَّاقَيْنِ خَفَّاق الْقَدَمْ <br>فَلَمَّا خَرَجَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَام الْقَضِيَّة سَمِعَ تَلْبِيَة حُجَّاج الْيَمَامَة فَقَالَ : ( هَذَا الْحُطَم وَأَصْحَابه ) , وَكَانَ قَدْ قَلَّدَ مَا نَهَبَ مِنْ سَرْح الْمَدِينَة وَأَهْدَاهُ إِلَى مَكَّة , فَتَوَجَّهُوا فِي طَلَبه ; فَنَزَلَتْ الْآيَة , أَيْ لَا تُحِلُّوا مَا أُشْعِرَ لِلَّهِ وَإِنْ كَانُوا مُشْرِكِينَ ; ذَكَرَهُ اِبْن عَبَّاس . وَعَلَى أَنَّ الْآيَة مُحْكَمَة قَوْله تَعَالَى : | لَا تُحِلُّوا شَعَائِر اللَّه | يُوجِب إِتْمَام أُمُور الْمَنَاسِك ; وَلِهَذَا قَالَ الْعُلَمَاء : إِنَّ الرَّجُل إِذَا دَخَلَ فِي الْحَجّ ثُمَّ أَفْسَدَهُ فَعَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ بِجَمِيعِ أَفْعَال الْحَجّ , وَلَا يَجُوز أَنْ يَتْرُك شَيْئًا مِنْهَا وَإِنْ فَسَدَ حَجّه ; ثُمَّ عَلَيْهِ الْقَضَاء فِي السَّنَة الثَّانِيَة .|الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ|قَالَ فِيهِ جُمْهُور الْمُفَسِّرِينَ : مَعْنَاهُ يَبْتَغُونَ الْفَضْل وَالْأَرْبَاح فِي التِّجَارَة , وَيَبْتَغُونَ مَعَ ذَلِكَ رِضْوَانه فِي ظَنّهمْ وَطَمَعهمْ , وَقِيلَ : كَانَ مِنْهُمْ مَنْ يَبْتَغِي التِّجَارَة , وَمِنْهُمْ مَنْ يَطْلُب بِالْحَجِّ رِضْوَان اللَّه وَإِنْ كَانَ لَا يَنَالهُ ; وَكَانَ مِنْ الْعَرَب مَنْ يَعْتَقِد جَزَاء بَعْد الْمَوْت , وَأَنَّهُ يُبْعَث , وَلَا يَبْعُد أَنْ يَحْصُل لَهُ نَوْع تَخْفِيف فِي النَّار . قَالَ اِبْن عَطِيَّة : هَذِهِ الْآيَة اِسْتِئْلَاف مِنْ اللَّه تَعَالَى لِلْعَرَبِ وَلُطْف بِهِمْ ; لِتَنْبَسِط النُّفُوس , وَتَتَدَاخَل النَّاس , وَيَرِدُونَ الْمَوْسِم فَيَسْتَمِعُونَ الْقُرْآن , وَيَدْخُل الْإِيمَان فِي قُلُوبهمْ وَتَقُوم عِنْدهمْ الْحُجَّة كَاَلَّذِي كَانَ , وَهَذِهِ الْآيَة نَزَلَتْ عَام الْفَتْح فَنَسَخَ اللَّه ذَلِكَ كُلّه بَعْد عَام سَنَة تِسْع ; إِذْ حَجَّ أَبُو بَكْر وَنُودِيَ النَّاس بِسُورَةِ | بَرَاءَة | .|وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ|أَمْر إِبَاحَة - بِإِجْمَاعِ النَّاس - رَفَعَ مَا كَانَ مَحْظُورًا بِالْإِحْرَامِ ; حَكَاهُ كَثِير مِنْ الْعُلَمَاء وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ , بَلْ صِيغَة | اِفْعَلْ | الْوَارِدَة بَعْد الْحَظْر عَلَى أَصْلهَا مِنْ الْوُجُوب ; وَهُوَ مَذْهَب الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّب وَغَيْره ; لِأَنَّ الْمُقْتَضِيَ لِلْوُجُوبِ قَائِم وَتَقَدُّم الْحَظْر لَا يَصْلُح مَانِعًا ; دَلِيله قَوْله تَعَالَى : | فَإِذَا اِنْسَلَخَ الْأَشْهُر الْحُرُم فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ | [ التَّوْبَة : 5 ] فَهَذِهِ | اِفْعَلْ | عَلَى الْوُجُوب ; لِأَنَّ الْمُرَاد بِهَا الْجِهَاد , وَإِنَّمَا فُهِمَتْ الْإِبَاحَة هُنَاكَ وَمَا كَانَ مِثْله مِنْ قَوْله : | فَإِذَا قُضِيَتْ الصَّلَاة فَانْتَشِرُوا | [ الْجُمُعَة : 10 ] | فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ | مِنْ النَّظَر إِلَى الْمَعْنَى وَالْإِجْمَاع , لَا مِنْ صِيغَة الْأَمْر . وَاَللَّه أَعْلَمُ .|فَاصْطَادُوا وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ|أَيْ لَا يَحْمِلَنَّكُمْ ; عَنْ اِبْن عَبَّاس وَقَتَادَة , وَهُوَ قَوْل الْكِسَائِيّ وَأَبِي الْعَبَّاس , وَهُوَ يَتَعَدَّى إِلَى مَفْعُولَيْنِ ; يُقَال : جَرَمَنِي كَذَا عَلَى بُغْضك أَيْ حَمَلَنِي عَلَيْهِ ; قَالَ الشَّاعِر : <br>وَلَقَدْ طَعَنْت أَبَا عُيَيْنَة طَعْنَة .......... جَرَمَتْ فَزَارَة بَعْدهَا أَنْ يَغْضَبُوا <br>وَقَالَ الْأَخْفَشُ : أَيْ وَلَا يُحِقَّنَّكُمْ , وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة وَالْفَرَّاء : مَعْنَى | لَا يَجْرِمَنَّكُمْ | أَيْ لَا يَكْسِبَنَّكُمْ بُغْض قَوْم أَنْ تَعْتَدُوا الْحَقّ إِلَى الْبَاطِل , وَالْعَدْل إِلَى الظُّلْم , قَالَ عَلَيْهِ السَّلَام : ( أَدِّ الْأَمَانَة إِلَى مَنْ اِئْتَمَنَك وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَك ) وَقَدْ مَضَى الْقَوْل فِي هَذَا , وَنَظِير هَذِهِ الْآيَة | فَمَنْ اِعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اِعْتَدَى عَلَيْكُمْ | [ الْبَقَرَة : 194 ] وَقَدْ تَقَدَّمَ مُسْتَوْفًى , وَيُقَال : فُلَان جَرِيمَة أَهْله أَيْ كَاسِبهمْ , فَالْجَرِيمَة وَالْجَارِم بِمَعْنَى الْكَاسِب وَأَجْرَمَ فُلَان أَيْ اكْتَسَبَ الْإِثْم . وَمِنْهُ قَوْل الشَّاعِر : <br>جَرِيمَةُ نَاهِضٍ فِي رَأْسِ نِيقٍ .......... تَرَى لِعِظَامِ مَا جَمَعَتْ صَلِيبَا <br>مَعْنَاهُ كَاسِب قُوت , وَالصَّلِيب الْوَدَك , وَهَذَا هُوَ الْأَصْل فِي بِنَاء ج ر م . قَالَ اِبْن فَارِس : يُقَال جَرَمَ وَأَجْرَمَ , وَلَا جَرَمَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلك : لَا بُدّ وَلَا مَحَالَة ; وَأَصْلهَا مِنْ جَرَمَ أَيْ اِكْتَسَبَ , قَالَ : <br>جَرَمَتْ فَزَارَة بَعْدهَا أَنْ يَغْضَبُوا <br>وَقَالَ آخَر : <br>يَا أَيُّهَا الْمُشْتَكِي عُكْلًا وَمَا جَرَمَتْ .......... إِلَى الْقَبَائِلِ مِنْ قَتْلٍ وَإِبْآسِ <br>وَيُقَال : جَرَمَ يَجْرِم جَرْمًا إِذَا قَطَعَ ; قَالَ الرُّمَّانِيّ عَلِيّ بْن عِيسَى : وَهُوَ الْأَصْل ; فَجَرَمَ بِمَعْنَى حَمَلَ عَلَى الشَّيْء لِقَطْعِهِ مِنْ غَيْره , وَجَرَمَ بِمَعْنَى كَسَبَ لِانْقِطَاعِهِ إِلَى الْكَسْب , وَجَرَمَ بِمَعْنَى حُقّ لِأَنَّ الْحَقّ يُقْطَع عَلَيْهِ , وَقَالَ الْخَلِيل : | لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمْ النَّار | [ النَّحْل : 62 ] لَقَدْ حُقّ أَنَّ لَهُمْ الْعَذَاب , وَقَالَ الْكِسَائِيّ : جَرَمَ وَأَجْرَمَ لُغَتَانِ بِمَعْنًى وَاحِد , أَيْ اِكْتَسَبَ . وَقَرَأَ اِبْن مَسْعُود | يُجْرِمَنَّكُمْ | بِضَمِّ الْيَاء , وَالْمَعْنَى أَيْضًا لَا يَكْسِبَنَّكُمْ ; وَلَا يَعْرِف الْبَصْرِيُّونَ الضَّمّ , وَإِنَّمَا يَقُولُونَ : جَرَمَ لَا غَيْر , وَالشَّنَآن الْبُغْض , وَقُرِئَ بِفَتْحِ النُّون وَإِسْكَانهَا ; يُقَال : شَنِئْت الرَّجُل أَشْنَؤُهُ شَنْأً وَشَنْأَةً وَشَنَآنًا وَشَنْآنًا بِجَزْمِ النُّون , كُلّ ذَلِكَ إِذَا أَبْغَضْته ; أَيْ لَا يَكْسِبَنَّكُمْ بُغْض قَوْم بِصَدِّهِمْ إِيَّاكُمْ أَنْ تَعْتَدُوا ; وَالْمُرَاد بُغْضكُمْ قَوْمًا , فَأَضَافَ الْمَصْدَر إِلَى الْمَفْعُول . قَالَ اِبْن زَيْد : لَمَّا صُدَّ الْمُسْلِمُونَ عَنْ الْبَيْت عَام الْحُدَيْبِيَة مَرَّ بِهِمْ نَاس مِنْ الْمُشْرِكِينَ يُرِيدُونَ الْعُمْرَة ; فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ : نَصُدّهُمْ كَمَا صَدَّنَا أَصْحَابهمْ , فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة ; أَيْ لَا تَعْتَدُوا عَلَى هَؤُلَاءِ , وَلَا تَصُدُّوهُمْ | أَنْ صَدُّوكُمْ | أَصْحَابُهُمْ , بِفَتْحِ الْهَمْزَة مَفْعُول مِنْ أَجْله ; أَيْ لِأَنْ صَدُّوكُمْ , وَقَرَأَ أَبُو عَمْرو وَابْن كَثِير بِكَسْرِ الْهَمْزَة | إِنْ صَدُّوكُمْ | وَهُوَ اِخْتِيَار أَبِي عُبَيْد , وَرُوِيَ عَنْ الْأَعْمَش | إِنْ يَصُدُّوكُمْ | . قَالَ اِبْن عَطِيَّة : فَإِنْ لِلْجَزَاءِ ; أَيْ إِنْ وَقَعَ مِثْل هَذَا الْفِعْل فِي الْمُسْتَقْبَل , وَالْقِرَاءَة الْأُولَى أَمْكَن فِي الْمَعْنَى , وَقَالَ النَّحَّاس : وَأَمَّا | إِنْ صَدُّوكُمْ | بِكَسْرِ | إِنْ | فَالْعُلَمَاء الْجُلَّة بِالنَّحْوِ وَالْحَدِيث وَالنَّظَر يَمْنَعُونَ الْقِرَاءَة بِهَا لِأَشْيَاءَ : مِنْهَا أَنَّ الْآيَة نَزَلَتْ عَام الْفَتْح سَنَة ثَمَان , وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ صَدُّوا الْمُسْلِمِينَ عَام الْحُدَيْبِيَة سَنَة سِتّ , فَالصَّدّ كَانَ قَبْل الْآيَة ; وَإِذَا قُرِئَ 0 بِالْكَسْرِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُون إِلَّا بَعْده ; كَمَا تَقُول : لَا تُعْطِ فُلَانًا شَيْئًا إِنْ قَاتَلَك ; فَهَذَا لَا يَكُون إِلَّا لِلْمُسْتَقْبَلِ , وَإِنْ فَتَحْت كَانَ لِلْمَاضِي , فَوَجَبَ عَلَى هَذَا أَلَّا يَجُوز إِلَّا | أَنْ صَدُّوكُمْ | , وَأَيْضًا فَلَوْ لَمْ يَصِحّ هَذَا الْحَدِيث لَكَانَ الْفَتْح وَاجِبًا ; لِأَنَّ قَوْله : | لَا تُحِلُّوا شَعَائِر اللَّه | إِلَى آخِر الْآيَة يَدُلّ عَلَى أَنَّ مَكَّة كَانَتْ فِي أَيْدِيهمْ , وَأَنَّهُمْ لَا يُنْهَوْنَ عَنْ هَذَا إِلَّا وَهُمْ قَادِرُونَ عَلَى الصَّدّ عَنْ الْبَيْت الْحَرَام , فَوَجَبَ مِنْ هَذَا فَتْح | أَنْ | لِأَنَّهُ لِمَا مَضَى .|الْحَرَامِ أَنْ|فِي مَوْضِع نَصْب ; لِأَنَّهُ مَفْعُول بِهِ , أَيْ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآن قَوْم الِاعْتِدَاء .</p><p>وَأَنْكَرَ أَبُو حَاتِم وَأَبُو عُبَيْد | شَنْآن | بِإِسْكَانِ النُّون ; لِأَنَّ الْمَصَادِر إِنَّمَا تَأْتِي فِي مِثْل هَذَا مُتَحَرِّكَة ; وَخَالَفَهُمَا غَيْرهمَا وَقَالَ : لَيْسَ هَذَا مَصْدَرًا وَلَكِنَّهُ اِسْم الْفَاعِل عَلَى وَزْن كَسْلَان وَغَضْبَان .|تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ|قَالَ الْأَخْفَش : هُوَ مَقْطُوع مِنْ أَوَّل الْكَلَام , وَهُوَ أَمْر لِجَمِيعِ الْخَلْق بِالتَّعَاوُنِ عَلَى الْبِرّ وَالتَّقْوَى ; أَيْ لِيُعِنْ بَعْضكُمْ بَعْضًا , وَتَحَاثُّوا عَلَى مَا أَمَرَ اللَّه تَعَالَى وَاعْمَلُوا بِهِ , وَانْتَهُوا عَمَّا نَهَى اللَّه عَنْهُ وَامْتَنِعُوا مِنْهُ ; وَهَذَا مُوَافِق لِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : ( الدَّالّ عَلَى الْخَيْر كَفَاعِلِهِ ) , وَقَدْ قِيلَ : الدَّالّ عَلَى الشَّرّ كَصَانِعِهِ . ثُمَّ قِيلَ : الْبِرّ وَالتَّقْوَى لَفْظَانِ بِمَعْنًى وَاحِد , وَكُرِّرَ بِاخْتِلَافِ اللَّفْظ تَأْكِيدًا وَمُبَالَغَة , إِذْ كُلّ بِرّ تَقْوَى وَكُلّ تَقْوَى بِرّ . قَالَ اِبْن عَطِيَّة : وَفِي هَذَا تَسَامُح مَا , وَالْعُرْف فِي دَلَالَة هَذَيْنِ اللَّفْظَيْنِ أَنَّ الْبِرّ يَتَنَاوَل الْوَاجِب وَالْمَنْدُوب إِلَيْهِ , وَالتَّقْوَى رِعَايَة الْوَاجِب , فَإِنْ جُعِلَ أَحَدهمَا بَدَل الْآخَر فَبِتَجَوُّزٍ . وَقَالَ الْمَاوَرْدِيّ : نَدَبَ اللَّه سُبْحَانه إِلَى التَّعَاوُن بِالْبِرِّ وَقَرَنَهُ بِالتَّقْوَى لَهُ ; لِأَنَّ فِي التَّقْوَى رِضَا اللَّه تَعَالَى , وَفِي الْبِرّ رِضَا النَّاس , وَمَنْ جَمَعَ بَيْن رِضَا اللَّه تَعَالَى وَرِضَا النَّاس فَقَدْ تَمَّتْ سَعَادَته وَعَمَّتْ نِعْمَته , وَقَالَ اِبْن خُوَيْز مَنْدَاد فِي أَحْكَامه : وَالتَّعَاوُن عَلَى الْبِرّ وَالتَّقْوَى يَكُون بِوُجُوهٍ ; فَوَاجِب عَلَى الْعَالِم أَنْ يُعِين النَّاس بِعِلْمِهِ فَيُعَلِّمهُمْ , وَيُعِينهُمْ الْغَنِيّ بِمَالِهِ , وَالشُّجَاع بِشَجَاعَتِهِ فِي سَبِيل اللَّه , وَأَنْ يَكُون الْمُسْلِمُونَ مُتَظَاهِرِينَ كَالْيَدِ الْوَاحِدَة ( الْمُؤْمِنُونَ تَتَكَافَأ دِمَاؤُهُمْ وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ وَهُمْ يَد عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ ) , وَيَجِب الْإِعْرَاض عَنْ الْمُتَعَدِّي وَتَرْك النُّصْرَة لَهُ وَرَدّه عَمَّا هُوَ عَلَيْهِ . ثُمَّ نَهَى فَقَالَ .|وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ|وَهُوَ الْحُكْم اللَّاحِق عَنْ الْجَرَائِم , وَعَنْ | الْعُدْوَان | وَهُوَ ظُلْم النَّاس .|وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ|ثُمَّ أَمَرَ بِالتَّقْوَى وَتَوَعَّدَ تَوَعُّدًا مُجْمَلًا .

حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَس

تَقَدَّمَ الْقَوْل فِيهِ كَامِلًا فِي الْبَقَرَة .|وَالْمُنْخَنِقَةُ|هِيَ الَّتِي تَمُوت خَنْقًا , وَهُوَ حَبْس النَّفَس سَوَاء فَعَلَ بِهَا ذَلِكَ آدَمِيّ أَوْ اتَّفَقَ لَهَا ذَلِكَ فِي حَبْل أَوْ بَيْن عُودَيْنِ أَوْ نَحْوه , وَذَكَرَ قَتَادَة : أَنَّ أَهْل الْجَاهِلِيَّة كَانُوا يَخْنُقُونَ الشَّاة وَغَيْرهَا فَإِذَا مَاتَتْ أَكَلُوهَا ; وَذَكَرَ نَحْوه اِبْن عَبَّاس .|وَالْمَوْقُوذَةُ|الْمَوْقُوذَة هِيَ الَّتِي تُرْمَى أَوْ تُضْرَب بِحَجَرٍ أَوْ عَصًا حَتَّى تَمُوت مِنْ غَيْر تَذْكِيَة ; عَنْ اِبْن عَبَّاس وَالْحَسَن وَقَتَادَة وَالضَّحَّاك وَالسُّدِّيّ ; يُقَال مِنْهُ : وَقَذَهُ يَقِذهُ وَقْذًا وَهُوَ وَقِيذ , وَالْوَقْذ شِدَّة الضَّرْب , وَفُلَان وَقِيذ أَيْ مُثْخَن ضَرْبًا . قَالَ قَتَادَة : كَانَ أَهْل الْجَاهِلِيَّة يَفْعَلُونَ ذَلِكَ وَيَأْكُلُونَهُ , وَقَالَ الضَّحَّاك : كَانُوا يَضْرِبُونَ الْأَنْعَام بِالْخَشَبِ لِآلِهَتِهِمْ حَتَّى يَقْتُلُوهَا فَيَأْكُلُوهَا , وَمِنْهُ الْمَقْتُولَة بِقَوْسِ الْبُنْدُق , وَقَالَ الْفَرَزْدَق : <br>شَغَّارَة تَقِذ الْفَصِيل بِرِجْلِهَا .......... فَطَّارَة لِقَوَادِم الْأَبْكَارِ <br>وَفِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ عَدِيّ بْن حَاتِم قَالَ : قُلْت يَا رَسُول اللَّه فَإِنِّي أَرْمِي بِالْمِعْرَاضِ الصَّيْد فَأُصِيب ; فَقَالَ : ( إِذَا رَمَيْت بِالْمِعْرَاضِ فَخَزَقَ فَكُلْهُ وَإِنْ أَصَابَهُ بِعَرْضِهِ فَلَا تَأْكُلهُ ) وَفِي رِوَايَة ( فَإِنَّهُ وَقِيذ ) . قَالَ أَبُو عُمَر : اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء قَدِيمًا وَحَدِيثًا فِي الصَّيْد بِالْبُنْدُقِ وَالْحَجَر وَالْمِعْرَاض ; فَمَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّهُ وَقِيذ لَمْ يُجِزْهُ إِلَّا مَا أُدْرِكَ ذَكَاته ; عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ اِبْن عُمَر , وَهُوَ قَوْل مَالِك وَأَبِي حَنِيفَة وَأَصْحَابه وَالثَّوْرِيّ وَالشَّافِعِيّ , وَخَالَفَهُمْ الشَّامِيُّونَ فِي ذَلِكَ ; قَالَ الْأَوْزَاعِيّ فِي الْمِعْرَاض : كُلْهُ خَزَقَ أَوْ لَمْ يَخْزِق ; فَقَدْ كَانَ أَبُو الدَّرْدَاء وَفَضَالَة بْن عُبَيْد وَعَبْد اللَّه بْن عُمَر وَمَكْحُول لَا يَرَوْنَ بِهِ بَأْسًا ; قَالَ أَبُو عُمَر : هَكَذَا ذَكَرَ الْأَوْزَاعِيّ عَنْ عَبْد اللَّه بْن عُمَر , وَالْمَعْرُوف عَنْ اِبْن عُمَر مَا ذَكَرَهُ مَالِك عَنْ نَافِع عَنْهُ , وَالْأَصْل فِي هَذَا الْبَاب وَاَلَّذِي عَلَيْهِ الْعَمَل وَفِيهِ الْحُجَّة لِمَنْ لَجَأَ إِلَيْهِ حَدِيث عَدِيّ بْن حَاتِم وَفِيهِ ( وَمَا أَصَابَ بِعَرْضِهِ فَلَا تَأْكُلهُ فَإِنَّمَا هُوَ وَقِيذ ) .|وَالْمُتَرَدِّيَةُ|الْمُتَرَدِّيَة هِيَ الَّتِي تَتَرَدَّى مِنْ الْعُلُوّ إِلَى السُّفْل فَتَمُوت ; كَانَ ذَلِكَ مِنْ جَبَل أَوْ فِي بِئْر وَنَحْوه ; وَهِيَ مُتَفَعِّلَة مِنْ الرَّدَى وَهُوَ الْهَلَاك ; وَسَوَاء تَرَدَّتْ بِنَفْسِهَا أَوْ رَدَّاهَا غَيْرهَا , وَإِذَا أَصَابَ السَّهْم الصَّيْد فَتَرَدَّى مِنْ جَبَل إِلَى الْأَرْض حَرُمَ أَيْضًا ; لِأَنَّهُ رُبَّمَا مَاتَ بِالصَّدْمَةِ وَالتَّرَدِّي لَا بِالسَّهْمِ ; وَمِنْهُ الْحَدِيث ( وَإِنْ وَجَدْته غَرِيقًا فِي الْمَاء فَلَا تَأْكُلهُ فَإِنَّك لَا تَدْرِي الْمَاء قَتَلَهُ أَوْ سَهْمك ) أَخْرَجَهُ مُسْلِم , وَكَانَتْ الْجَاهِلِيَّة تَأْكُل الْمُتَرَدِّيَ وَلَمْ تَكُنْ تَعْتَقِد مَيْتَة إِلَّا مَا مَاتَ بِالْوَجَعِ وَنَحْوه دُون سَبَب يُعْرَف ; فَأَمَّا هَذِهِ الْأَسْبَاب فَكَانَتْ عِنْدهَا كَالذَّكَاةِ ; فَحَصَرَ الشَّرْع الذَّكَاة فِي صِفَة مَخْصُوصَة عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانهَا , وَبَقِيَتْ هَذِهِ كُلّهَا مَيْتَة , وَهَذَا كُلّه مِنْ الْمُحْكَم الْمُتَّفَق عَلَيْهِ . وَكَذَلِكَ النَّطِيحَة وَأَكِيلَة السَّبُع الَّتِي فَاتَ نَفَسُهَا بِالنَّطْحِ وَالْأَكْل .|وَالنَّطِيحَةُ|النَّطِيحَة فَعِيلَة بِمَعْنَى مَفْعُولَة , وَهِيَ الشَّاة تَنْطَحهَا أُخْرَى أَوْ غَيْر ذَلِكَ فَتَمُوت قَبْل أَنْ تُذَكَّى , وَتَأَوَّلَ قَوْم النَّطِيحَة بِمَعْنَى النَّاطِحَة ; لِأَنَّ الشَّاتَيْنِ قَدْ تَتَنَاطَحَانِ فَتَمُوتَانِ , وَقِيلَ : نَطِيحَة وَلَمْ يَقُلْ نَطِيح , وَحَقّ فَعِيل لَا يُذْكَر فِيهِ الْهَاء كَمَا يُقَال : كَفّ خَضِيب وَلِحْيَة دَهِين ; لَكِنْ ذَكَرَ الْهَاء هَهُنَا لِأَنَّ الْهَاء إِنَّمَا تُحْذَف مِنْ الْفَعِيلَة إِذَا كَانَتْ صِفَة لِمَوْصُوفٍ مَنْطُوق بِهِ ; يُقَال : شَاة نَطِيح وَامْرَأَة قَتِيل , فَإِنْ لَمْ تَذْكُر الْمَوْصُوف أَثْبَتّ الْهَاء فَتَقُول : رَأَيْت قَتِيلَة بَنِي فُلَان وَهَذِهِ نَطِيحَة الْغَنَم ; لِأَنَّك لَوْ لَمْ تَذْكُر الْهَاء فَقُلْت : رَأَيْت قَتِيل بَنِي فُلَان لَمْ يُعْرَف أَرَجُل هُوَ أَمْ اِمْرَأَة . وَقَرَأَ أَبُو مَيْسَرَة | وَالْمَنْطُوحَة | .|وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ|يُرِيدُ كُلَّ مَا افْتَرَسَهُ ذُو نَاب وَأَظْفَار مِنْ الْحَيَوَان , كَالْأَسَدِ وَالنَّمِر وَالثَّعْلَب وَالذِّئْب وَالضَّبْع وَنَحْوهَا , هَذِهِ كُلّهَا سِبَاع . يُقَال : سَبَعَ فُلَان فُلَانًا أَيْ عَضَّهُ بِسِنِّهِ , وَسَبَعَهُ أَيْ عَابَهُ وَوَقَعَ فِيهِ , وَفِي الْكَلَام إِضْمَار , أَيْ وَمَا أَكَلَ مِنْهُ السَّبُع ; لِأَنَّ مَا أَكَلَهُ السَّبُع فَقَدْ فَنِيَ , وَمِنْ الْعَرَب مَنْ يُوقِف اِسْم السَّبُع عَلَى الْأَسَد , وَكَانَتْ الْعَرَب إِذَا أَخَذَ السَّبُع شَاة ثُمَّ خَلَصَتْ مِنْهُ أَكَلُوهَا , وَكَذَلِكَ إِنْ أَكَلَ بَعْضهَا ; قَالَهُ قَتَادَة وَغَيْره وَقَرَأَ الْحَسَن وَأَبُو حَيْوَة | السَّبْع | بِسُكُونِ الْبَاء , وَهِيَ لُغَة لِأَهْلِ نَجْد , وَقَالَ حَسَّان فِي عُتْبَة بْن أَبِي لَهَب : <br>مَنْ يَرْجِع الْعَام إِلَى أَهْله .......... فَمَا أَكِيلُ السَّبْع بِالرَّاجِعِ <br>وَقَرَأَ اِبْن مَسْعُود : | وَأَكِيلَة السَّبُع | وَقَرَأَ عَبْد اللَّه بْن عَبَّاس : | وَأَكِيل السَّبُع | .|إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ|نُصِبَ عَلَى الِاسْتِثْنَاء الْمُتَّصِل , عِنْد الْجُمْهُور مِنْ الْعُلَمَاء وَالْفُقَهَاء , وَهُوَ رَاجِع عَلَى كُلّ مَا أُدْرِكَ ذَكَاته مِنْ الْمَذْكُورَات وَفِيهِ حَيَاة ; فَإِنَّ الذَّكَاة عَامِلَة فِيهِ ; لِأَنَّ حَقّ الِاسْتِثْنَاء أَنْ يَكُون مَصْرُوفًا إِلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْكَلَام , وَلَا يُجْعَل مُنْقَطِعًا إِلَّا بِدَلِيلٍ يَجِب التَّسْلِيم لَهُ . رَوَى اِبْن عُيَيْنَة وَشَرِيك وَجَرِير عَنْ الرُّكَيْن بْن الرَّبِيع عَنْ أَبِي طَلْحَة الْأَسَدِيّ قَالَ : سَأَلْت اِبْن عَبَّاس عَنْ ذِئْب عَدَا عَلَى شَاة فَشَقَّ بَطْنهَا حَتَّى انْتَثَرَ قُصْبهَا فَأَدْرَكْت ذَكَاتهَا فَذَكَّيْتهَا فَقَالَ : كُلْ وَمَا اِنْتَثَرَ مِنْ قُصْبهَا فَلَا تَأْكُل . قَالَ إِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ : السُّنَّة فِي الشَّاة عَلَى مَا وَصَفَ اِبْن عَبَّاس ; فَإِنَّهَا وَإِنْ خَرَجَتْ مَصَارِينهَا فَإِنَّهَا حَيَّة بَعْد , وَمَوْضِع الذَّكَاة مِنْهَا سَالِم ; وَإِنَّمَا يُنْظَر عِنْد الذَّبْح أَحَيَّة هِيَ أَمْ مَيِّتَة , وَلَا يُنْظَر إِلَى فِعْل هَلْ يَعِيش مِثْلهَا ؟ فَكَذَلِكَ الْمَرِيضَة ; قَالَ إِسْحَاق : وَمَنْ خَالَفَ هَذَا فَقَدْ خَالَفَ السُّنَّة مِنْ جُمْهُور الصَّحَابَة وَعَامَّة الْعُلَمَاء . قُلْت : وَإِلَيْهِ ذَهَبَ اِبْن حَبِيب وَذُكِرَ عَنْ أَصْحَاب مَالِك ; وَهُوَ قَوْل اِبْن وَهْب وَالْأَشْهَرُ مِنْ مَذْهَب الشَّافِعِيّ . قَالَ الْمُزَنِيّ : وَأَحْفَظُ لِلشَّافِعِيِّ قَوْلًا آخَر أَنَّهَا لَا تُؤْكَل إِذَا بَلَغَ مِنْهَا السَّبُع أَوْ التَّرَدِّي إِلَى مَا لَا حَيَاة مَعَهُ ; وَهُوَ قَوْل الْمَدَنِيِّينَ , وَالْمَشْهُور مِنْ قَوْل مَالِك , وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ عَبْد الْوَهَّاب فِي تَلْقِينه , وَرُوِيَ عَنْ زَيْد بْن ثَابِت ; ذَكَرَهُ مَالِك فِي مُوَطَّئِهِ , وَإِلَيْهِ ذَهَبَ إِسْمَاعِيل الْقَاضِي وَجَمَاعَة الْمَالِكِيِّينَ الْبَغْدَادِيِّينَ , وَالِاسْتِثْنَاء عَلَى هَذَا الْقَوْل مُنْقَطِع ; أَيْ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ هَذِهِ الْأَشْيَاء لَكِنْ مَا ذَكَّيْتُمْ فَهُوَ الَّذِي لَمْ يُحَرَّم . قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : اِخْتَلَفَ قَوْل مَالِك فِي هَذِهِ الْأَشْيَاء ; فَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ لَا يُؤْكَل إِلَّا مَا ذُكِّيَ بِذَكَاةٍ صَحِيحَة ; وَاَلَّذِي فِي الْمُوَطَّأ أَنَّهُ إِنْ كَانَ ذَبَحَهَا وَنَفَسهَا يَجْرِي , وَهِيَ تَضْطَرِب فَلْيَأْكُلْ ; وَهُوَ الصَّحِيح مِنْ قَوْله الَّذِي كَتَبَهُ بِيَدِهِ وَقَرَأَهُ عَلَى النَّاس مِنْ كُلّ بَلَد طُول عُمْره ; فَهُوَ أَوْلَى مِنْ الرِّوَايَات النَّادِرَة , وَقَدْ أَطْلَقَ عُلَمَاؤُنَا عَلَى الْمَرِيضَة أَنَّ الْمَذْهَب جَوَاز تَذْكِيَتهَا وَلَوْ أَشْرَفَتْ عَلَى الْمَوْت إِذَا كَانَتْ فِيهَا بَقِيَّة حَيَاة ; وَلَيْتَ شِعْرِي أَيّ فَرْق بَيْن بَقِيَّة حَيَاة مِنْ مَرَض , وَبَقِيَّة حَيَاة مِنْ سَبُع لَوْ اِتَّسَقَ النَّظَر , وَسَلِمَتْ مِنْ الشُّبْهَة الْفِكَرُ ! , وَقَالَ أَبُو عَمْرو : قَدْ أَجْمَعُوا فِي الْمَرِيضَة الَّتِي لَا تُرْجَى حَيَاتهَا أَنَّ ذَبْحهَا ذَكَاة لَهَا إِذَا كَانَتْ فِيهَا الْحَيَاة فِي حِين ذَبْحهَا , وَعُلِمَ ذَلِكَ مِنْهَا بِمَا ذَكَرُوا مِنْ حَرَكَة يَدهَا أَوْ رِجْلهَا أَوْ ذَنَبهَا أَوْ نَحْو ذَلِكَ ; وَأَجْمَعُوا أَنَّهَا إِذَا صَارَتْ فِي حَال النَّزْع وَلَمْ تُحَرِّك يَدًا وَلَا رِجْلًا أَنَّهُ لَا ذَكَاة فِيهَا ; وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي فِي الْقِيَاس أَنْ يَكُون حُكْم الْمُتَرَدِّيَة وَمَا ذُكِرَ مَعَهَا فِي الْآيَة , وَاَللَّه أَعْلَمُ . قَوْله تَعَالَى : | ذَكَّيْتُمْ | الذَّكَاة فِي كَلَام الْعَرَب الذَّبْح ; قَالَهُ قُطْرُب , وَقَالَ اِبْن سِيدَهْ فِي [ الْمُحْكَم ] وَالْعَرَب تَقُول ( ذَكَاة الْجَنِين ذَكَاة أُمّه ) ; قَالَ اِبْن عَطِيَّة : وَهَذَا إِنَّمَا هُوَ حَدِيث , وَذَكَّى الْحَيَوَان ذَبَحَهُ ; وَمِنْهُ قَوْل الشَّاعِر : <br>يُذَكِّيهَا الْأَسَلْ <br>قُلْت : الْحَدِيث الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيّ مِنْ حَدِيث أَبِي سَعِيد وَأَبِي هُرَيْرَة وَعَلِيّ وَعَبْد اللَّه عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( ذَكَاة الْجَنِين ذَكَاة أُمّه ) , وَبِهِ يَقُول جَمَاعَة أَهْل الْعِلْم , إِلَّا مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَة أَنَّهُ قَالَ : إِذَا خَرَجَ الْجَنِين مِنْ بَطْن أُمّه مَيِّتًا لَمْ يَحِلّ أَكْله ; لِأَنَّ ذَكَاة نَفْس لَا تَكُون ذَكَاة نَفْسَيْنِ . قَالَ اِبْن الْمُنْذِر : وَفِي قَوْل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( ذَكَاة الْجَنِين ذَكَاة أُمّه ) دَلِيل عَلَى أَنَّ الْجَنِين غَيْر الْأُمّ , وَهُوَ يَقُول : لَوْ أُعْتِقَتْ أَمَة حَامِل أَنَّ عِتْقه عِتْق أُمّه ; وَهَذَا يَلْزَمهُ أَنَّ ذَكَاته ذَكَاة أُمّه ; لِأَنَّهُ إِذَا أَجَازَ أَنْ يَكُون عِتْق وَاحِد عِتْق اِثْنَيْنِ جَازَ أَنْ يَكُون ذَكَاة وَاحِد ذَكَاة اِثْنَيْنِ ; عَلَى أَنَّ الْخَبَر عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَمَا جَاءَ عَنْ أَصْحَابه , وَمَا عَلَيْهِ جُلّ النَّاس مُسْتَغْنًى بِهِ عَنْ قَوْل كُلّ قَائِل , وَأَجْمَعَ أَهْل الْعِلْم عَلَى أَنَّ الْجَنِين إِذَا خَرَجَ حَيًّا أَنَّ ذَكَاة أُمّه لَيْسَتْ بِذَكَاةٍ لَهُ , وَاخْتَلَفُوا إِذَا ذُكِّيَتْ الْأُمّ وَفِي بَطْنهَا جَنِين ; فَقَالَ مَالِك وَجَمِيع أَصْحَابه : ذَكَاته ذَكَاة أُمّه إِذَا كَانَ قَدْ تَمَّ خَلْقه وَنَبَتَ شَعْره , وَذَلِكَ إِذَا خَرَجَ مَيِّتًا أَوْ خَرَجَ بِهِ رَمَق مِنْ الْحَيَاة , غَيْر أَنَّهُ يُسْتَحَبّ أَنْ يُذْبَح إِنْ خَرَجَ يَتَحَرَّك , فَإِنْ سَبَقَهُمْ بِنَفْسِهِ أُكِلَ , وَقَالَ اِبْن الْقَاسِم : ضَحَّيْت بِنَعْجَةٍ فَلَمَّا ذَبَحْتهَا جَعَلَ يَرْكُض وَلَدهَا فِي بَطْنهَا فَأَمَرْتهمْ أَنْ يَتْرُكُوهَا حَتَّى يَمُوت فِي بَطْنهَا , ثُمَّ أَمَرْتهمْ فَشَقُّوا جَوْفهَا فَأُخْرِجَ مِنْهُ فَذَبَحْته فَسَالَ مِنْهُ دَم ; فَأَمَرْت أَهْلِي أَنْ يَشْوُوهُ , وَقَالَ عَبْد اللَّه بْن كَعْب بْن مَالِك . كَانَ أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُونَ : إِذَا أُشْعِرَ الْجَنِين فَذَكَاته ذَكَاة أُمّه . قَالَ اِبْن الْمُنْذِر : وَمِمَّنْ قَالَ ذَكَاته ذَكَاة أُمّه وَلَمْ يَذْكُر أَشْعَرَ أَوْ لَمْ يُشْعِر عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ وَسَعِيد بْن الْمُسَيِّب وَالشَّافِعِيّ وَأَحْمَد وَإِسْحَاق . قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيد الْبَاجِيّ : وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : ( ذَكَاة الْجَنِين ذَكَاة أُمّه أَشْعَرَ أَوْ لَمْ يُشْعِر | إِلَّا أَنَّهُ حَدِيث ضَعِيف ; فَمَذْهَب مَالِك هُوَ الصَّحِيح مِنْ الْأَقْوَال الَّذِي عَلَيْهِ عَامَّة فُقَهَاء الْأَمْصَار . وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيق . قَوْله تَعَالَى : | ذَكَّيْتُمْ | الذَّكَاة فِي اللُّغَة أَصْلهَا التَّمَام , وَمِنْهُ تَمَام السِّنّ , وَالْفَرَس الْمُذَكَّى الَّذِي يَأْتِي بَعْد تَمَام الْقُرُوح بِسَنَةٍ , وَذَلِكَ تَمَام اِسْتِكْمَال الْقُوَّة , وَيُقَال : ذَكَّى يُذَكِّي , وَالْعَرَب تَقُول : جَرْي الْمُذَكِّيَات غِلَاب 22 . وَالذَّكَاء حِدَّة الْقَلْب ; وَقَالَ الشَّاعِر : <br>يُفَضِّلهُ إِذَا اِجْتَهَدُوا عَلَيْهِ .......... تَمَامُ السِّنِّ مِنْهُ وَالذَّكَاءُ <br>وَالذَّكَاء سُرْعَة الْفِطْنَة , وَالْفِعْل مِنْهُ ذَكِيَ يَذْكَى ذَكًا , وَالذَّكْوَة مَا تَذْكُو بِهِ النَّار , وَأَذْكَيْت الْحَرْب وَالنَّار أَوْقَدْتهمَا , وَذُكَاء اِسْم الشَّمْس ; وَذَلِكَ أَنَّهَا تَذْكُو كَالنَّارِ , وَالصُّبْح اِبْن ذُكَاء لِأَنَّهُ مِنْ ضَوْئِهَا . فَمَعْنَى | ذَكَّيْتُمْ | أَدْرَكْتُمْ ذَكَاته عَلَى التَّمَام . ذَكَّيْت الذَّبِيحَة أُذَكِّيهَا مُشْتَقَّة مِنْ التَّطَيُّب ; يُقَال : رَائِحَة ذَكِيَّة ; فَالْحَيَوَان إِذَا أُسِيلَ دَمه فَقَدْ طُيِّبَ , لِأَنَّهُ يَتَسَارَع إِلَيْهِ التَّجْفِيف ; وَفِي حَدِيث مُحَمَّد بْن عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا | ذَكَاة الْأَرْض يُبْسهَا | يُرِيد طَهَارَتهَا مِنْ النَّجَاسَة ; فَالذَّكَاة فِي الذَّبِيحَة تَطْهِيرٌ لَهَا , وَإِبَاحَةٌ لِأَكْلِهَا فَجُعِلَ يُبْسُ الْأَرْض بَعْد النَّجَاسَة تَطْهِيرًا لَهَا وَإِبَاحَةُ الصَّلَاة فِيهَا بِمَنْزِلَةِ الذَّكَاة لِلذَّبِيحَةِ ; وَهُوَ قَوْل أَهْل الْعِرَاق , وَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَاعْلَمْ أَنَّهَا فِي الشَّرْع عِبَارَة عَنْ إِنْهَار الدَّم وَفَرْي الْأَوْدَاج فِي الْمَذْبُوح , وَالنَّحْر فِي الْمَنْحُور وَالْعَقْر فِي غَيْر الْمَقْدُور , مَقْرُونًا بِنِيَّةِ الْقَصْد لِلَّهِ وَذِكْره عَلَيْهِ ; عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانه . وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِيمَا يَقَع بِهِ الذَّكَاة ; فَاَلَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُور مِنْ الْعُلَمَاء أَنَّ كُلّ مَا أَفْرَى الْأَوْدَاج وَأَنْهَرَ الدَّم فَهُوَ مِنْ آلَات الذَّكَاة مَا خَلَا السِّنّ وَالْعَظْم ; عَلَى هَذَا تَوَاتَرَتْ الْآثَار , وَقَالَ بِهِ فُقَهَاء الْأَمْصَار , وَالسِّنّ وَالظُّفْر الْمَنْهِيّ عَنْهُمَا فِي التَّذْكِيَة هُمَا غَيْر الْمَنْزُوعَيْنِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ يَصِير خَنْقًا ; وَكَذَلِكَ قَالَ اِبْن عَبَّاس : ذَلِكَ الْخَنْق ; فَأَمَّا الْمَنْزُوعَانِ فَإِذَا فَرَيَا الْأَوْدَاج فَجَائِز الذَّكَاة بِهِمَا عِنْدهمْ , وَقَدْ كَرِهَ قَوْم السِّنّ وَالظُّفْر وَالْعَظْم عَلَى كُلّ حَال ; مَنْزُوعَة أَوْ غَيْر مَنْزُوعَة ; مِنْهُمْ إِبْرَاهِيم وَالْحَسَن وَاللَّيْث بْن سَعْد , وَرُوِيَ عَنْ الشَّافِعِيّ ; وَحُجَّتهمْ ظَاهِر حَدِيث رَافِع بْن خَدِيج قَالَ : قُلْت يَا رَسُول اللَّه إِنَّا لَاقُو الْعَدُوّ غَدًا وَلَيْسَتْ مَعَنَا مُدًى - فِي رِوَايَة - فَنُذَكِّي بِاللِّيطِ ؟ . وَفِي مُوَطَّأ مَالِك عَنْ نَافِع عَنْ رَجُل مِنْ الْأَنْصَار عَنْ مُعَاذ بْن سَعْد أَوْ سَعْد بْن مُعَاذ : أَنَّ جَارِيَة لِكَعْبِ بْن مَالِك كَانَتْ تَرْعَى غَنَمًا لَهُ بِسَلْعٍ فَأُصِيبَتْ شَاة مِنْهَا فَأَدْرَكَتْهَا فَذَكَّتْهَا بِحَجَرٍ , فَسُئِلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ : ( لَا بَأْس بِهَا وَكُلُوهَا ) , وَفِي مُصَنَّف أَبِي دَاوُد : أَنَذْبَحُ بِالْمَرْوَةِ وَشِقَّة الْعَصَا ؟ قَالَ : ( أَعْجِلْ وَأَرِنْ مَا أَنْهَرَ الدَّم وَذُكِرَ اِسْم اللَّه عَلَيْهِ فَكُلْ لَيْسَ السِّنّ وَالظُّفْر وَسَأُحَدِّثُك أَمَّا السِّنّ فَعَظْم وَأَمَّا الظُّفْر فَمُدَى الْحَبَشَة ) الْحَدِيث أَخْرَجَهُ مُسْلِم , وَرُوِيَ عَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب أَنَّهُ قَالَ : مَا ذُبِحَ بِاللِّيطَةِ وَالشَّطِير وَالظُّرَر فَحِلّ ذَكِيّ . اللِّيطَة فِلْقَة الْقَصَبَة وَيُمْكِن بِهَا الذَّبْح وَالنَّحْر . وَالشَّطِير فِلْقَة الْعُود , وَقَدْ يُمْكِن بِهَا الذَّبْح لِأَنَّ لَهَا جَانِبًا دَقِيقًا , وَالظُّرَر فِلْقَة الْحَجَر يُمْكِن الذَّكَاة بِهَا وَلَا يُمْكِن النَّحْر ; وَعَكْسه الشِّظَاظ يُنْحَر بِهِ , لِأَنَّهُ كَطَرَفِ السِّنَان وَلَا يُمْكِن بِهِ الذَّبْح . قَالَ مَالِك وَجَمَاعَة : لَا تَصِحّ الذَّكَاة إِلَّا بِقَطْعِ الْحُلْقُوم وَالْوَدَجَيْنِ , وَقَالَ الشَّافِعِيّ : يَصِحّ بِقَطْعِ الْحُلْقُوم وَالْمَرِيء وَلَا يَحْتَاج إِلَى الْوَدَجَيْنِ ; لِأَنَّهُمَا مَجْرَى الطَّعَام وَالشَّرَاب الَّذِي لَا يَكُون مَعَهُمَا حَيَاة , وَهُوَ الْغَرَض مِنْ الْمَوْت . وَمَالك وَغَيْره اِعْتَبَرُوا الْمَوْت عَلَى وَجْه يَطِيب مَعَهُ اللَّحْم , وَيَفْتَرِق فِيهِ الْحَلَال - وَهُوَ اللَّحْم - مِنْ الْحَرَام الَّذِي يَخْرُج بِقَطْعِ الْأَوْدَاج وَهُوَ مَذْهَب أَبِي حَنِيفَة ; وَعَلَيْهِ يَدُلّ حَدِيث رَافِع بْن خَدِيج فِي قَوْله : ( مَا أَنْهَرَ الدَّم ) , وَحَكَى الْبَغْدَادِيُّونَ عَنْ مَالِك أَنَّهُ يُشْتَرَط قَطْع أَرْبَع : الْحُلْقُوم وَالْوَدَجَيْنِ وَالْمَرِيء ; وَهُوَ قَوْل أَبِي ثَوْر , وَالْمَشْهُور مَا تَقَدَّمَ وَهُوَ قَوْل اللَّيْث . ثُمَّ اِخْتَلَفَ أَصْحَابنَا فِي قَطْع أَحَد الْوَدَجَيْنِ وَالْحُلْقُوم هَلْ هُوَ ذَكَاة أَمْ لَا ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ . وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّ الذَّبْح مَهْمَا كَانَ فِي الْحَلْق تَحْت الْغَلْصَمَة فَقَدْ تَمَّتْ الذَّكَاة ; وَاخْتُلِفَ فِيمَا إِذَا ذُبِحَ فَوْقهَا وَجَازَهَا إِلَى الْبَدَن هَلْ ذَلِكَ ذَكَاة أَمْ لَا , عَلَى قَوْلَيْنِ : وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِك أَنَّهَا لَا تُؤْكَل ; وَكَذَلِكَ لَوْ ذَبَحَهَا مِنْ الْقَفَا وَاسْتَوْفَى الْقَطْع وَأَنْهَرَ الدَّم وَقَطَعَ الْحُلْقُوم وَالْوَدَجَيْنِ لَمْ تُؤْكَل , وَقَالَ الشَّافِعِيّ : تُؤْكَل ; لِأَنَّ الْمَقْصُود قَدْ حَصَلَ , وَهَذَا يَنْبَنِي عَلَى أَصْل , وَهُوَ أَنَّ الذَّكَاة وَإِنْ كَانَ الْمَقْصُود مِنْهَا إِنْهَار الدَّم فَفِيهَا ضَرْب مِنْ التَّعَبُّد ; وَقَدْ ذَبَحَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَلْق وَنَحَرَ فِي اللَّبَّة وَقَالَ : ( إِنَّمَا الذَّكَاة فِي الْحَلْق وَاللَّبَّة ) فَبَيَّنَ مَحِلّهَا وَعَيَّنَ مَوْضِعهَا , وَقَالَ مُبَيِّنًا لِفَائِدَتِهَا : ( مَا أَنْهَرَ الدَّم وَذُكِرَ اِسْم اللَّه عَلَيْهِ فَكُلْ ) . فَإِذَا أُهْمِلَ ذَلِكَ وَلَمْ تَقَع بِنِيَّةٍ وَلَا بِشَرْطٍ وَلَا بِصِفَةٍ مَخْصُوصَة زَالَ مِنْهَا حَظّ التَّعَبُّد , فَلَمْ تُؤْكَل لِذَلِكَ , وَاللَّه أَعْلَمُ . وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ رَفَعَ يَده قَبْل تَمَام الذَّكَاة ثُمَّ رَجَعَ فِي الْفَوْر وَأَكْمَلَ الذَّكَاة ; فَقِيلَ : يُجْزِئهُ , وَقِيلَ : لَا يُجْزِئهُ ; وَالْأَوَّل أَصَحّ لِأَنَّهُ جَرَحَهَا ثُمَّ ذَكَّاهَا بَعْد وَحَيَاتهَا مُسْتَجْمَعَة فِيهَا . وَيُسْتَحَبّ أَلَّا يَذْبَح إِلَّا مَنْ تُرْضَى حَاله , وَكُلّ مَنْ أَطَاقَهُ وَجَاءَ بِهِ عَلَى سُنَّته مِنْ ذِكْر أَوْ أُنْثَى بَالِغ أَوْ غَيْر بَالِغ جَازَ ذَبْحه إِذَا كَانَ مُسْلِمًا أَوْ كِتَابِيًّا , وَذَبْح الْمُسْلِم أَفْضَلُ مِنْ ذَبْح الْكِتَابِيّ , وَلَا يَذْبَح نُسُكًا إِلَّا مُسْلِم ; فَإِنْ ذَبَحَ النُّسُك كِتَابِيّ فَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيهِ ; وَلَا يَجُوز فِي تَحْصِيل الْمَذْهَب , وَقَدْ أَجَازَهُ أَشْهَب .</p><p>وَمَا اِسْتَوْحَشَ مِنْ الْإِنْسِيّ لَمْ يَجُزْ فِي ذَكَاته إِلَّا مَا يَجُوز فِي ذَكَاة الْإِنْسِيّ , فِي قَوْل مَالِك وَأَصْحَابه وَرَبِيعَة وَاللَّيْث بْن سَعْد ; وَكَذَلِكَ الْمُتَرَدِّي فِي الْبِئْر لَا تَكُون الذَّكَاة فِيهِ إِلَّا فِيمَا بَيْن الْحَلْق وَاللَّبَّة عَلَى سُنَّة الذَّكَاة , وَقَدْ خَالَفَ فِي هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ بَعْض أَهْل الْمَدِينَة وَغَيْرهمْ ; وَفِي الْبَاب حَدِيث رَافِع بْن خَدِيج وَقَدْ تَقَدَّمَ , وَتَمَامه بَعْد قَوْله : ( فَمُدَى الْحَبَشَة ) قَالَ : وَأَصَبْنَا نَهْب إِبِل وَغَنَم فَنَدَّ مِنْهَا بَعِير فَرَمَاهُ رَجُل بِسَهْمٍ فَحَبَسَهُ ; فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ لِهَذِهِ الْإِبِل أَوَابِد كَأَوَابِد الْوَحْش فَإِذَا غَلَبَكُمْ مِنْهَا شَيْء فَافْعَلُوا بِهِ هَكَذَا - وَفِي رِوَايَة - فَكُلُوهُ ) , وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَة وَالشَّافِعِيّ ; قَالَ الشَّافِعِيّ : تَسْلِيط النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى هَذَا الْفِعْل دَلِيل عَلَى أَنَّهُ ذَكَاة ; وَاحْتَجَّ بِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ عَنْ أَبِي الْعُشَرَاء عَنْ أَبِيهِ قَالَ : قُلْت يَا رَسُول اللَّه أَمَا تَكُون الذَّكَاة إِلَّا فِي الْحَلْق وَاللَّبَّة ؟ قَالَ : ( لَوْ طَعَنْت فِي فَخِذهَا لَأَجْزَأَ عَنْك ) . قَالَ يَزِيد بْن هَارُون : وَهُوَ حَدِيث صَحِيح أَعْجَبَ أَحْمَد بْن حَنْبَل وَرَوَاهُ عَنْ أَبِي دَاوُد , وَأَشَارَ عَلَى مَنْ دَخَلَ عَلَيْهِ مِنْ الْحُفَّاظ أَنْ يَكْتُبَهُ . قَالَ أَبُو دَاوُد : لَا يَصْلُح هَذَا إِلَّا فِي الْمُتَرَدِّيَة وَالْمُسْتَوْحِش , وَقَدْ حَمَلَ اِبْن حَبِيب هَذَا الْحَدِيث عَلَى مَا سَقَطَ فِي مَهْوَاة فَلَا يُوصَل إِلَى ذَكَاته إِلَّا بِالطَّعْنِ فِي غَيْر مَوْضِع الذَّكَاة ; وَهُوَ قَوْل انْفَرَدَ بِهِ عَنْ مَالِك وَأَصْحَابه . قَالَ أَبُو عُمَر : قَوْل الشَّافِعِيّ أَظْهَر فِي أَهْل الْعِلْم , وَأَنَّهُ يُؤْكَل بِمَا يُؤْكَل بِهِ الْوَحْشِيّ ; لِحَدِيثِ رَافِع بْن خَدِيج ; وَهُوَ قَوْل اِبْن عَبَّاس وَابْن مَسْعُود ; وَمِنْ جِهَة الْقِيَاس لَمَّا كَانَ الْوَحْشِيّ إِذَا قُدِرَ عَلَيْهِ لَمْ يَحِلّ إِلَّا بِمَا يَحِلّ بِهِ الْإِنْسِيّ ; لِأَنَّهُ صَارَ مَقْدُورًا عَلَيْهِ ; فَكَذَلِكَ يَنْبَغِي فِي الْقِيَاس إِذَا تَوَحَّشَ أَوْ صَارَ فِي مَعْنَى الْوَحْشِيّ مِنْ الِامْتِنَاع أَنْ يَحِلّ بِمَا يَحِلّ بِهِ الْوَحْشِيّ . قُلْت : أَجَابَ عُلَمَاؤُنَا عَنْ حَدِيث رَافِع بْن خَدِيج بِأَنْ قَالُوا : تَسْلِيط النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا هُوَ عَلَى حَبْسه لَا عَلَى ذَكَاته , وَهُوَ مُقْتَضَى الْحَدِيث وَظَاهِره ; لِقَوْلِهِ : ( فَحَبَسَهُ ) وَلَمْ يَقُلْ إِنَّ السَّهْم قَتَلَهُ ; وَأَيْضًا فَإِنَّهُ مَقْدُور عَلَيْهِ فِي غَالِب الْأَحْوَال فَلَا يُرَاعَى النَّادِر مِنْهُ , وَإِنَّمَا يَكُون ذَلِكَ فِي الصَّيْد , وَقَدْ صَرَّحَ الْحَدِيث بِأَنَّ السَّهْم حَبَسَهُ وَبَعْد أَنْ صَارَ مَحْبُوسًا صَارَ مَقْدُورًا عَلَيْهِ ; فَلَا يُؤْكَل إِلَّا بِالذَّبْحِ وَالنَّحْر , وَاللَّه أَعْلَمُ , وَأَمَّا حَدِيث أَبِي الْعُشَرَاء فَقَدْ قَالَ فِيهِ التِّرْمِذِيّ : | حَدِيث غَرِيب لَا نَعْرِفهُ إِلَّا مِنْ حَدِيث حَمَّاد بْن سَلَمَة , وَلَا نَعْرِف لِأَبِي الْعُشَرَاء عَنْ أَبِيهِ غَيْر هَذَا الْحَدِيث , وَاخْتَلَفُوا فِي اِسْم أَبِي الْعُشَرَاء ; فَقَالَ بَعْضهمْ : اِسْمه أُسَامَة بْن قِهْطِم , وَيُقَال : اِسْمه يَسَار بْن بَرْز - وَيُقَال : بَلْز - وَيُقَال : اِسْمه عُطَارِد نُسِبَ إِلَى جَدّه | . فَهَذَا سَنَد مَجْهُول لَا حُجَّة فِيهِ ; وَلَوْ سُلِّمَتْ صِحَّته كَمَا قَالَ يَزِيد بْن هَارُون لَمَّا كَانَ فِيهِ حُجَّة ; إِذْ مُقْتَضَاهُ جَوَاز الذَّكَاة فِي أَيّ عُضْو كَانَ مُطْلَقًا فِي الْمَقْدُور وَغَيْره , وَلَا قَائِل بِهِ فِي الْمَقْدُور ; فَظَاهِره لَيْسَ بِمُرَادٍ قَطْعًا . وَتَأْوِيل أَبِي دَاوُد وَابْن حَبِيب لَهُ غَيْر مُتَّفَق عَلَيْهِ ; فَلَا يَكُون فِيهِ حُجَّة , وَاللَّه أَعْلَمُ . قَالَ أَبُو عُمَر : وَحُجَّة مَالِك أَنَّهُمْ قَدْ أَجْمَعُوا أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَنِدّ الْإِنْسِيّ أَنَّهُ لَا يُذَكَّى إِلَّا بِمَا يُذَكَّى بِهِ الْمَقْدُور عَلَيْهِ , ثُمَّ اِخْتَلَفُوا فَهُوَ عَلَى أَصْله حَتَّى يَتَّفِقُوا . وَهَذَا لَا حُجَّة فِيهِ ; لِأَنَّ إِجْمَاعهمْ إِنَّمَا اِنْعَقَدَ عَلَى مَقْدُور عَلَيْهِ , وَهَذَا غَيْر مَقْدُور عَلَيْهِ . وَمِنْ تَمَام هَذَا الْبَاب قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام : ( إِنَّ اللَّه كَتَبَ الْإِحْسَان عَلَى كُلّ شَيْء فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَة وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْح وَلْيُحِدَّ أَحَدكُمْ شَفْرَته وَلْيُرِحْ ذَبِيحَته ) رَوَاهُ مُسْلِم عَنْ شَدَّاد بْن أَوْس قَالَ : ثِنْتَانِ حَفِظْتهمَا عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( إِنَّ اللَّه كَتَبَ ) فَذَكَرَهُ . قَالَ عُلَمَاؤُنَا : إِحْسَان الذَّبْح فِي الْبَهَائِم الرِّفْق بِهَا ; فَلَا يَصْرَعهَا بِعُنْفٍ وَلَا يَجُرّهَا مِنْ مَوْضِع إِلَى آخَر , وَإِحْدَاد الْآلَة , وَإِحْضَار نِيَّة الْإِبَاحَة وَالْقُرْبَة وَتَوْجِيههَا إِلَى الْقِبْلَة , وَالْإِجْهَاز , وَقَطْع الْوَدَجَيْنِ وَالْحُلْقُوم , وَإِرَاحَتهَا وَتَرْكهَا إِلَى أَنْ تَبْرُد , وَالِاعْتِرَاف لِلَّهِ بِالْمِنَّةِ , وَالشُّكْر لَهُ بِالنِّعْمَةِ ; بِأَنَّهُ سَخَّرَ لَنَا مَا لَوْ شَاءَ لَسَلَّطَهُ عَلَيْنَا , وَأَبَاحَ لَنَا مَا لَوْ شَاءَ لَحَرَّمَهُ عَلَيْنَا . وَقَالَ رَبِيعَة : مِنْ إِحْسَان الذَّبْح أَلَّا يَذْبَح بَهِيمَة وَأُخْرَى تَنْظُر إِلَيْهَا ; وَحُكِيَ جَوَازه عَنْ مَالِك ; وَالْأَوَّل أَحْسَنُ , وَأَمَّا حُسْن الْقِتْلَة فَعَامّ فِي كُلّ شَيْء مِنْ التَّذْكِيَة وَالْقِصَاص وَالْحُدُود وَغَيْرهَا , وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ اِبْن عَبَّاس وَأَبِي هُرَيْرَة قَالَا : نَهَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ شَرِيطَة الشَّيْطَان , زَادَ اِبْن عِيسَى فِي حَدِيثه ( وَهِيَ الَّتِي تُذْبَح فَتُقْطَع وَلَا تُفْرَى الْأَوْدَاج ثُمَّ تُتْرَك فَتَمُوت ) .|وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ|قَالَ اِبْن فَارِس : | النُّصُب | حَجَر كَانَ يُنْصَب فَيُعْبَد وَتُصَبّ عَلَيْهِ دِمَاء الذَّبَائِح , وَهُوَ النَّصْب أَيْضًا , وَالنَّصَائِب حِجَارَة تُنْصَب حَوَالَيْ شَفِير الْبِئْر فَتُجْعَل عَضَائِد , وَغُبَار مُنْتَصِب مُرْتَفِع , وَقِيلَ : | النُّصُب | جَمْع , وَاحِده نِصَاب كَحِمَارٍ وَحُمُر , وَقِيلَ : هُوَ اِسْم مُفْرَد وَالْجَمْع أَنْصَاب ; وَكَانَتْ ثَلَاثمِائَةٍ وَسِتِّينَ حَجَرًا , وَقَرَأَ طَلْحَة | النُّصْب | بِجَزْمِ الصَّاد . وَرُوِيَ عَنْ اِبْن عُمَر | النَّصْب | بِفَتْحِ النُّون وَجَزْم الصَّاد . الْجَحْدَرِيّ : بِفَتْحِ النُّون وَالصَّاد جَعَلَهُ اِسْمًا مُوَحَّدًا كَالْجَبَلِ وَالْجَمَل , وَالْجَمْع أَنْصَاب ; كَالْأَجْمَالِ وَالْأَجْبَال . قَالَ مُجَاهِد : هِيَ حِجَارَة كَانَتْ حَوَالَيْ مَكَّة يَذْبَحُونَ عَلَيْهَا . قَالَ اِبْن جُرَيْج : كَانَتْ الْعَرَب تَذْبَح بِمَكَّة وَتَنْضَح بِالدَّمِ مَا أَقْبَلَ مِنْ الْبَيْت , وَيُشَرِّحُونَ اللَّحْم وَيَضَعُونَهُ عَلَى الْحِجَارَة ; فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَام قَالَ الْمُسْلِمُونَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : نَحْنُ أَحَقّ أَنْ نُعَظِّمَ هَذَا الْبَيْت بِهَذِهِ الْأَفْعَال , فَكَأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام لَمْ يَكْرَه ذَلِكَ ; فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى : | لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا | [ الْحَجّ : 37 ] وَنَزَلَتْ | وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُب | الْمَعْنَى : وَالنِّيَّة فِيهَا تَعْظِيم النُّصُب لَا أَنَّ الذَّبْح عَلَيْهَا غَيْر جَائِز , وَقَالَ الْأَعْشَى : <br>وَذَا النُّصُبَ الْمَنْصُوبَ لَا تَنْسُكَنَّهُ .......... لِعَافِيَةٍ وَاَللَّهَ رَبَّك فَاعْبُدَا <br>وَقِيلَ : | عَلَى | بِمَعْنَى اللَّام ; أَيْ لِأَجْلِهَا ; قَالَ قُطْرُب قَالَ اِبْن زَيْد : مَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُب وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّه شَيْء وَاحِد . قَالَ اِبْن عَطِيَّة : مَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُب جُزْء مِمَّا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّه , وَلَكِنْ خُصَّ بِالذِّكْرِ بَعْد جِنْسه لِشُهْرَةِ الْأَمْر وَشَرَف الْمَوْضِع وَتَعْظِيم النُّفُوس لَهُ .|وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ|مَعْطُوف عَلَى مَا قَبْله , و | أَنْ | فِي مَحَلّ رَفْع , أَيْ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ الِاسْتِقْسَام . وَالْأَزْلَام قِدَاح الْمَيْسِر , وَاحِدهَا زَلَم وَزُلَم ; قَالَ : <br>بَاتَ يُقَاسِيهَا غُلَام كَالزَّلَمْ <br>وَقَالَ آخَر , فَجَمَعَ : <br>فَلَئِنْ جَذِيمَة قَتَّلَتْ سَرَوَاتهَا .......... فَنِسَاؤُهَا يَضْرِبْنَ بِالْأَزْلَامِ <br>وَذَكَرَ مُحَمَّد بْن جَرِير : أَنَّ اِبْن وَكِيع حَدَّثَهُمْ عَنْ أَبِيهِ عَنْ شُرَيْك عَنْ أَبِي حُصَيْن عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر أَنَّ الْأَزْلَام حَصًى بِيض كَانُوا يَضْرِبُونَ بِهَا . قَالَ مُحَمَّد بْن جَرِير : قَالَ لَنَا سُفْيَان بْن وَكِيع : هِيَ الشِّطْرَنْج . فَأَمَّا قَوْل لَبِيد : <br>تَزِلُّ عَنْ الثَّرَى أَزْلَامهَا <br>فَقَالُوا : أَرَادَ أَظْلَاف الْبَقَرَة الْوَحْشِيَّة , وَالْأَزْلَام لِلْعَرَبِ ثَلَاثَة أَنْوَاع : مِنْهَا الثَّلَاثَة الَّتِي كَانَ يَتَّخِذهَا كُلّ إِنْسَان لِنَفْسِهِ , عَلَى أَحَدهَا افْعَلْ , وَعَلَى الثَّانِي لَا تَفْعَل , وَالثَّالِث مُهْمَل لَا شَيْء عَلَيْهِ , فَيَجْعَلهَا فِي خَرِيطَة مَعَهُ , فَإِذَا أَرَادَ فِعْل شَيْء أَدْخَلَ يَده - وَهِيَ مُتَشَابِهَة - فَإِذَا خَرَجَ أَحَدهَا اِئْتَمَرَ وَانْتَهَى بِحَسَبِ مَا يَخْرُج لَهُ , وَإِنْ خَرَجَ الْقِدْح الَّذِي لَا شَيْء عَلَيْهِ أَعَادَ الضَّرْب ; وَهَذِهِ هِيَ الَّتِي ضَرَبَ بِهَا سُرَاقَة بْن مَالِك بْن جُعْشُم حِين اِتَّبَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبَا بَكْر وَقْت الْهِجْرَة ; وَإِنَّمَا قِيلَ لِهَذَا الْفِعْل : اِسْتِقْسَام لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَسْتَقْسِمُونَ بِهِ الرِّزْق وَمَا يُرِيدُونَ ; كَمَا يُقَال : الِاسْتِسْقَاء فِي الِاسْتِدْعَاء لِلسَّقْيِ . وَنَظِير هَذَا الَّذِي حَرَّمَهُ اللَّه تَعَالَى قَوْل الْمُنَجِّم : لَا تَخْرُج مِنْ أَجْل نَجْم كَذَا , وَاخْرُج مِنْ أَجْل نَجْم كَذَا , وَقَالَ جَلَّ وَعَزَّ : | وَمَا تَدْرِي نَفْس مَاذَا تَكْسِب غَدًا | الْآيَة [ لُقْمَان : 34 ] , وَسَيَأْتِي بَيَان هَذَا مُسْتَوْفًى إِنْ شَاءَ اللَّه , وَالنَّوْع الثَّانِي : سَبْعَة قِدَاح كَانَتْ عِنْد هُبَل فِي جَوْف الْكَعْبَة مَكْتُوب عَلَيْهَا مَا يَدُور بَيْن النَّاس مِنْ النَّوَازِل , كُلّ قِدْح مِنْهَا فِيهِ كِتَاب ; قِدْح فِيهِ الْعَقْل مِنْ أَمْر الدِّيَات , وَفِي آخَر | مِنْكُمْ | وَفِي آخَر | مِنْ غَيْركُمْ | , وَفِي آخَر | مُلْصَق | , وَفِي سَائِرهَا أَحْكَام الْمِيَاه وَغَيْر ذَلِكَ , وَهِيَ الَّتِي ضَرَبَ بِهَا عَبْد الْمُطَّلِب عَلَى بَنِيهِ إِذْ كَانَ نَذَرَ نَحْر أَحَدهمْ إِذَا كَمُلُوا عَشَرَة ; الْخَبَر الْمَشْهُور ذَكَرَهُ اِبْن إِسْحَاق . وَهَذِهِ السَّبْعَة أَيْضًا كَانَتْ عِنْد كُلّ كَاهِن مِنْ كُهَّان الْعَرَب وَحُكَّامهمْ ; عَلَى نَحْو مَا كَانَتْ فِي الْكَعْبَة عِنْد هُبَل , وَالنَّوْع الثَّالِث : هُوَ قِدَاح الْمَيْسِر وَهِيَ عَشَرَة ; سَبْعَة مِنْهَا فِيهَا حُظُوظ , وَثَلَاثَة أَغْفَال , وَكَانُوا يَضْرِبُونَ بِهَا مُقَامَرَة لَهْوًا وَلَعِبًا , وَكَانَ عُقَلَاؤُهُمْ يَقْصِدُونَ بِهَا إِطْعَام الْمَسَاكِين وَالْمُعْدَم فِي زَمَن الشِّتَاء وَكَلَب الْبَرْد وَتَعَذُّر التَّحَرُّف , وَقَالَ مُجَاهِد : الْأَزْلَام هِيَ كِعَاب فَارِس وَالرُّوم الَّتِي يَتَقَامَرُونَ بِهَا , وَقَالَ سُفْيَان وَوَكِيع : هِيَ الشِّطْرَنْج ; فَالِاسْتِقْسَام بِهَذَا كُلّه هُوَ طَلَب الْقَسْم وَالنَّصِيب كَمَا بَيَّنَّا ; وَهُوَ مِنْ أَكْل الْمَال بِالْبَاطِلِ , وَهُوَ حَرَام , وَكُلّ مُقَامَرَة بِحَمَامٍ أَوْ بِنَرْدٍ أَوْ شِطْرَنْج أَوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ هَذِهِ الْأَلْعَاب فَهُوَ اِسْتِقْسَام بِمَا هُوَ فِي مَعْنَى الْأَزْلَام حَرَام كُلّه ; وَهُوَ ضَرْب مِنْ التَّكَهُّن وَالتَّعَرُّض لِدَعْوَى عِلْم الْغَيْب . قَالَ اِبْن خُوَيْز مَنْدَاد : وَلِهَذَا نَهَى أَصْحَابنَا عَنْ الْأُمُور الَّتِي يَفْعَلهَا الْمُنَجِّمُونَ عَلَى الطُّرُقَات مِنْ السِّهَام الَّتِي مَعَهُمْ , وَرِقَاع الْفَأْل فِي أَشْبَاه ذَلِكَ , وَقَالَ الْكِيَا الطَّبَرِيّ : وَإِنَّمَا نَهَى اللَّه عَنْهَا فِيمَا يَتَعَلَّق بِأُمُورِ الْغَيْب ; فَإِنَّهُ لَا تَدْرِي نَفْس مَاذَا يُصِيبهَا غَدًا , فَلَيْسَ لِلْأَزْلَامِ فِي تَعْرِيف الْمُغَيَّبَات أَثَر ; فَاسْتَنْبَطَ بَعْض الْجَاهِلِينَ مِنْ هَذَا الرَّدّ عَلَى الشَّافِعِيّ فِي الْإِقْرَاع بَيْن الْمَمَالِيك فِي الْعِتْق , وَلَمْ يَعْلَم هَذَا الْجَاهِل أَنَّ الَّذِي قَالَهُ الشَّافِعِيّ بُنِيَ عَلَى الْأَخْبَار الصَّحِيحَة , وَلَيْسَ مِمَّا يُعْتَرَض عَلَيْهِ بِالنَّهْيِ عَنْ الِاسْتِقْسَام بِالْأَزْلَامِ ; فَإِنَّ الْعِتْق حُكْم شَرْعِيّ , يَجُوز أَنْ يَجْعَل الشَّرْع خُرُوج الْقُرْعَة عَلَمًا عَلَى إِثْبَات حُكْم الْعِتْق قَطْعًا لِلْخُصُومَةِ , أَوْ لِمَصْلَحَةٍ يَرَاهَا , وَلَا يُسَاوِي ذَلِكَ قَوْل الْقَائِل : إِذَا فَعَلْت كَذَا أَوْ قُلْت كَذَا فَذَلِكَ يَدُلّك فِي الْمُسْتَقْبَل عَلَى أَمْر مِنْ الْأُمُور , فَلَا يَجُوز أَنْ يُجْعَل خُرُوج الْقِدَاح عَلَمًا عَلَى شَيْء يَتَجَدَّد فِي الْمُسْتَقْبَل , وَيَجُوز أَنْ يُجْعَل خُرُوج الْقُرْعَة عَلَمًا عَلَى الْعِتْق قَطْعًا ; فَظَهَرَ اِفْتِرَاق الْبَابَيْنِ . وَلَيْسَ مِنْ هَذَا الْبَاب طَلَب الْفَأْل , وَكَانَ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام يُعْجِبهُ أَنْ يَسْمَع يَا رَاشِد يَا نَجِيح ; أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ : حَدِيث صَحِيح غَرِيب ; وَإِنَّمَا كَانَ يُعْجِبهُ الْفَأْل لِأَنَّهُ تَنْشَرِح لَهُ النَّفْس وَتَسْتَبْشِر بِقَضَاءِ الْحَاجَة وَبُلُوغ الْأَمَل ; فَيَحْسُن الظَّنّ بِاَللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ , وَقَدْ قَالَ : ( أَنَا عِنْد ظَنّ عَبْدِي بِي ) , وَكَانَ عَلَيْهِ السَّلَام يَكْرَه الطِّيَرَة ; لِأَنَّهَا مِنْ أَعْمَال أَهْل الشِّرْك ; وَلِأَنَّهَا تَجْلِب ظَنّ السُّوء بِاَللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ . قَالَ الْخَطَّابِيّ : الْفَرْق بَيْن الْفَأْل وَالطِّيَرَة أَنَّ الْفَأْل إِنَّمَا هُوَ مِنْ طَرِيق حُسْن الظَّنّ بِاَللَّهِ , وَالطِّيَرَة إِنَّمَا هِيَ مِنْ طَرِيق الِاتِّكَال عَلَى شَيْء سِوَاهُ , وَقَالَ الْأَصْمَعِيّ : سَأَلْت اِبْن عَوْن عَنْ الْفَأْل فَقَالَ : هُوَ أَنْ يَكُون مَرِيضًا فَيَسْمَع يَا سَالِم , أَوْ يَكُون بَاغِيًا فَيَسْمَع يَا وَاجِد ; وَهَذَا مَعْنَى حَدِيث التِّرْمِذِيّ , وَفِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ : سَمِعْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : ( لَا طِيَرَة وَخَيْرهَا الْفَأْل ) , قِيلَ : يَا رَسُول اللَّه وَمَا الْفَأْل ؟ قَالَ : ( الْكَلِمَة الصَّالِحَة يَسْمَعهَا أَحَدكُمْ ) , وَسَيَأْتِي لِمَعْنَى الطِّيَرَة مَزِيد بَيَان إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى . رُوِيَ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاء رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : إِنَّمَا الْعِلْم بِالتَّعَلُّمِ وَالْحِلْم بِالتَّحَلُّمِ , وَمَنْ يَتَحَرَّ الْخَيْر يُعْطَهُ , وَمَنْ يَتَوَقَّ الشَّرّ يُوقَهُ , وَثَلَاثَة لَا يَنَالُونَ الدَّرَجَات الْعُلَا ; مَنْ تَكَهَّنَ أَوْ اِسْتَقْسَمَ أَوْ رَجَعَ مِنْ سَفَر مِنْ طِيَرَة .|ذَلِكُمْ فِسْقٌ|إِشَارَة إِلَى الِاسْتِقْسَام بِالْأَزْلَامِ , وَالْفِسْق الْخُرُوج , وَقَدْ تَقَدَّمَ , وَقِيلَ يَرْجِع إِلَى جَمِيع مَا ذُكِرَ مِنْ الِاسْتِحْلَال لِجَمِيعِ هَذِهِ الْمُحَرَّمَات , وَكُلّ شَيْء مِنْهَا فِسْق وَخُرُوج مِنْ الْحَلَال إِلَى الْحَرَام , وَالِانْكِفَاف عَنْ هَذِهِ الْمُحَرَّمَات مِنْ الْوَفَاء بِالْعُقُودِ , إِذْ قَالَ : | أَوْفُوا بِالْعُقُودِ | [ الْمَائِدَة : 1 ] .|الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ|يَعْنِي أَنْ تَرْجِعُوا إِلَى دِينهمْ كُفَّارًا . قَالَ الضَّحَّاك : نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة حِين فَتْح مَكَّة ; وَذَلِكَ أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَحَ مَكَّة لِثَمَانٍ بَقِينَ مِنْ رَمَضَان سَنَة تِسْع , وَيُقَال : سَنَة ثَمَان , وَدَخَلَهَا وَنَادَى مُنَادِي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ | أَلَا مَنْ قَالَ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه فَهُوَ آمِن , وَمَنْ وَضَعَ السِّلَاح فَهُوَ آمِن , وَمَنْ أَغْلَقَ بَابه فَهُوَ آمِن | , وَفِي | يَئِسَ | لُغَتَانِ , يَئِسَ يَيْأَس يَأْسًا , وَأَيِسَ يَأْيَس إِيَاسًا وَإِيَاسَة ; قَالَهُ النَّضْر بْن شُمَيْل .|فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ|أَيْ لَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِي فَإِنِّي أَنَا الْقَادِر عَلَى نَصْركُمْ .|الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا|وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِين كَانَ بِمَكَّة لَمْ تَكُنْ إِلَّا فَرِيضَة الصَّلَاة وَحْدهَا , فَلَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَة أَنْزَلَ اللَّه الْحَلَال وَالْحَرَام إِلَى أَنْ حَجَّ ; فَلَمَّا حَجَّ وَكَمُلَ الدِّين نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة : | الْيَوْم أَكْمَلْت لَكُمْ دِينكُمْ | الْآيَة ; عَلَى مَا نُبَيِّنهُ . رَوَى الْأَئِمَّة عَنْ طَارِق بْن شِهَاب قَالَ : جَاءَ رَجُل مِنْ الْيَهُود إِلَى عُمَر فَقَالَ : يَا أَمِير الْمُؤْمِنِينَ آيَة فِي كِتَابكُمْ تَقْرَءُونَهَا لَوْ عَلَيْنَا أُنْزِلَتْ مَعْشَر الْيَهُود لَاتَّخَذْنَا ذَلِكَ الْيَوْم عِيدًا ; قَالَ : وَأَيّ آيَة ؟ قَالَ : | الْيَوْم أَكْمَلْت لَكُمْ دِينكُمْ وَأَتْمَمْت عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيت لَكُمْ الْإِسْلَام دِينًا | فَقَالَ عُمَر : إِنِّي لَأَعْلَمُ الْيَوْم الَّذِي أُنْزِلَتْ فِيهِ وَالْمَكَان الَّذِي أُنْزِلَتْ فِيهِ ; نَزَلَتْ عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَرَفَة فِي يَوْم جُمُعَة . لَفْظ مُسْلِم , وَعِنْد النَّسَائِيّ لَيْلَة جُمُعَة . وَرُوِيَ أَنَّهَا لَمَّا نَزَلَتْ فِي يَوْم الْحَجّ الْأَكْبَر وَقَرَأَهَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَكَى عُمَر ; فَقَالَ لَهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَا يُبْكِيك ) ؟ فَقَالَ : أَبْكَانِي أَنَّا كُنَّا فِي زِيَادَة مِنْ دِيننَا فَأَمَّا إِذْ كَمُلَ فَإِنَّهُ لَمْ يَكْمُل شَيْء إِلَّا نَقَصَ . فَقَالَ لَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( صَدَقْت ) , وَرَوَى مُجَاهِد أَنَّ هَذِهِ الْآيَة نَزَلَتْ يَوْم فَتْح مَكَّة . قُلْت : الْقَوْل الْأَوَّل أَصَحّ , أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي يَوْم جُمُعَة وَكَانَ يَوْم عَرَفَة بَعْد الْعَصْر فِي حَجَّة الْوَدَاع سَنَة عَشْر وَرَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاقِف بِعَرَفَة عَلَى نَاقَته الْعَضْبَاء , فَكَادَ عَضُد النَّاقَة يَنْقَدّ مِنْ ثِقَلهَا فَبَرَكَتْ . و | الْيَوْم | قَدْ يُعَبَّر بِجُزْءٍ مِنْهُ عَنْ جَمِيعه , وَكَذَلِكَ عَنْ الشَّهْر بِبَعْضِهِ ; تَقُول : فَعَلْنَا فِي شَهْر كَذَا وَكَذَا وَفِي سَنَة كَذَا كَذَا , وَمَعْلُوم أَنَّك لَمْ تَسْتَوْعِب الشَّهْر وَلَا السَّنَة ; وَذَلِكَ مُسْتَعْمَل فِي لِسَان الْعَرَب وَالْعَجَم , وَالدِّين عِبَارَة عَنْ الشَّرَائِع الَّتِي شَرَعَ وَفَتَحَ لَنَا ; فَإِنَّهَا نَزَلَتْ نُجُومًا وَآخِر مَا نَزَلَ مِنْهَا هَذِهِ الْآيَة , وَلَمْ يَنْزِل بَعْدهَا حُكْم , قَالَهُ اِبْن عَبَّاس وَالسُّدِّيّ , وَقَالَ الْجُمْهُور : الْمُرَاد مُعْظَم الْفَرَائِض وَالتَّحْلِيل وَالتَّحْرِيم , قَالُوا : وَقَدْ نَزَلَ بَعْد ذَلِكَ قُرْآن كَثِير , وَنَزَلَتْ آيَة الرِّبَا , وَنَزَلَتْ آيَة الْكَلَالَة إِلَى غَيْر ذَلِكَ , وَإِنَّمَا كَمُلَ مُعْظَم الدِّين وَأَمْر الْحَجّ , إِذْ لَمْ يَطُفْ مَعَهُمْ فِي هَذِهِ السَّنَة مُشْرِك , وَلَا طَافَ بِالْبَيْتِ عُرْيَان , وَوَقَفَ النَّاس كُلّهمْ بِعَرَفَة , وَقِيلَ : | أَكْمَلْت لَكُمْ دِينكُمْ | بِأَنْ أَهْلَكْت لَكُمْ عَدُوّكُمْ وَأَظْهَرْت دِينكُمْ عَلَى الدِّين كُلّه كَمَا تَقُول : قَدْ تَمَّ لَنَا مَا نُرِيد إِذَا كُفِيت عَدُوّك . | وَأَتْمَمْت عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي | أَيْ بِإِكْمَالِ الشَّرَائِع وَالْأَحْكَام وَإِظْهَار دِين الْإِسْلَام كَمَا وَعَدْتُكُمْ , إِذْ قُلْت : | وَلِأُتِمّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ | [ الْبَقَرَة : 150 ] وَهِيَ دُخُول مَكَّة . آمِنِينَ مُطْمَئِنِّينَ وَغَيْر ذَلِكَ مِمَّا اِنْتَظَمَتْهُ هَذِهِ الْمِلَّة الْحَنِيفِيَّة إِلَى دُخُول الْجَنَّة فِي رَحْمَة اللَّه تَعَالَى . لَعَلَّ قَائِلًا يَقُول : قَوْله تَعَالَى : | الْيَوْم أَكْمَلْت لَكُمْ دِينكُمْ | يَدُلّ عَلَى أَنَّ الدِّين كَانَ غَيْر كَامِل فِي وَقْت مِنْ الْأَوْقَات , وَذَلِكَ يُوجِب أَنْ يَكُون جَمِيع مَنْ مَاتَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَار وَاَلَّذِينَ شَهِدُوا بَدْرًا وَالْحُدَيْبِيَة وَبَايَعُوا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْبَيْعَتَيْنِ جَمِيعًا , وَبَذَلُوا أَنْفُسهمْ لِلَّهِ مَعَ عَظِيم مَا حَلَّ بِهِمْ مِنْ أَنْوَاع الْمِحَن مَاتُوا عَلَى دِين نَاقِص , وَأَنَّ رَسُو

يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ

الْآيَة نَزَلَتْ بِسَبَبِ عَدِيّ بْن حَاتِم وَزَيْد بْن مُهَلْهَل وَهُوَ زَيْد الْخَيْل الَّذِي سَمَّاهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَيْد الْخَيْر ; قَالَا : يَا رَسُول اللَّه إِنَّا قَوْم نَصِيد بِالْكِلَابِ وَالْبُزَاة , وَإِنَّ الْكِلَاب تَأْخُذ الْبَقَر وَالْحُمُر وَالظِّبَاء فَمِنْهُ مَا نُدْرِك ذَكَاته , وَمِنْهُ مَا تَقْتُلهُ فَلَا نُدْرِك ذَكَاته , وَقَدْ حَرَّمَ اللَّه الْمَيْتَة فَمَاذَا يَحِلّ لَنَا ؟ فَنَزَلَتْ الْآيَة .|مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ|| مَا | فِي مَوْضِع رَفْع بِالِابْتِدَاءِ , وَالْخَبَر | أُحِلَّ لَهُمْ | و | ذَا | زَائِدَة , وَإِنْ شِئْت كَانَتْ بِمَعْنَى الَّذِي , وَيَكُون الْخَبَر | قُلْ أُحِلَّ لَكُمْ الطَّيِّبَات | وَهُوَ الْحَلَال , وَكُلّ حَرَام فَلَيْسَ بِطَيِّبٍ . وَقِيلَ : مَا الْتَذَّهُ آكِله وَشَارِبه وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ فِيهِ ضَرَر فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَة . وَقِيلَ : الطَّيِّبَات الذَّبَائِح , لِأَنَّهَا طَابَتْ بِالتَّذْكِيَةِ .|وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ|أَيْ وَصَيْد مَا عَلَّمْتُمْ ; فَفِي الْكَلَام إِضْمَار لَا بُدّ مِنْهُ , وَلَوْلَاهُ لَكَانَ الْمَعْنَى يَقْتَضِي أَنْ يَكُون الْحِلّ الْمَسْئُول عَنْهُ مُتَنَاوِلًا لِلْمُعَلَّمِ مِنْ الْجَوَارِح الْمِكَلِّبِينَ , وَذَلِكَ لَيْسَ مَذْهَبًا لِأَحَدٍ ; فَإِنَّ الَّذِي يُبِيح لَحْم الْكَلْب فَلَا يُخَصِّص الْإِبَاحَة بِالْمُعَلَّمِ ; وَسَيَأْتِي مَا لِلْعُلَمَاءِ فِي أَكْل الْكَلْب فِي | الْأَنْعَام | إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى . وَقَدْ ذَكَرَ بَعْض مَنْ صَنَّفَ فِي أَحْكَام الْقُرْآن أَنَّ الْآيَة تَدُلّ عَلَى أَنَّ الْإِبَاحَة تَتَنَاوَل مَا عَلَّمْنَاهُ مِنْ الْجَوَارِح , وَهُوَ يَنْتَظِم الْكَلْب وَسَائِر جَوَارِح الطَّيْر , وَذَلِكَ يُوجِب إِبَاحَة سَائِر وُجُوه الِانْتِفَاع , فَدَلَّ عَلَى جَوَاز بَيْع الْكَلْب وَالْجَوَارِح وَالِانْتِفَاع بِهَا بِسَائِرِ وُجُوه الْمَنَافِع إِلَّا مَا خَصَّهُ الدَّلِيل , وَهُوَ الْأَكْل مِنْ الْجَوَارِح أَيْ الْكَوَاسِب مِنْ الْكِلَاب وَسِبَاع الطَّيْر ; وَكَانَ لِعَدِيٍّ كِلَاب خَمْسَة قَدْ سَمَّاهَا بِأَسْمَاءِ أَعْلَام , وَكَانَ أَسْمَاء أَكْلُبه سَلْهَب وَغَلَّاب وَالْمُخْتَلِس وَالْمُتَنَاعِس , قَالَ السُّهَيْلِيّ : وَخَامِس أَشُكّ , قَالَ فِيهِ أَخْطَب , أَوْ قَالَ فِيهِ وَثَّاب . الرَّابِعَة : أَجْمَعَتْ الْأُمَّة عَلَى أَنَّ الْكَلْب إِذَا لَمْ يَكُنْ أَسْوَد وَعَلَّمَهُ مُسْلِم فَيَنْشَلِي إِذَا أُشْلِيَ وَيُجِيب إِذَا دُعِيَ , وَيَنْزَجِر بَعْد ظَفَره بِالصَّيْدِ إِذَا زُجِرَ , وَأَنْ يَكُون لَا يَأْكُل مِنْ صَيْده الَّذِي صَادَهُ , وَأَثَّرَ فِيهِ بِجُرْحٍ أَوْ تَنْيِيب , وَصَادَ بِهِ مُسْلِم وَذَكَرَ اِسْم اللَّه عِنْد إِرْسَاله أَنَّ صَيْده صَحِيح يُؤْكَل بِلَا خِلَاف ; فَإِنْ اِنْخَرَمَ شَرْط مِنْ هَذِهِ الشُّرُوط دَخَلَ الْخِلَاف . فَإِنْ كَانَ الَّذِي يُصَاد بِهِ غَيْر كَلْب كَالْفَهْدِ وَمَا أَشْبَهَهُ وَكَالْبَازِي وَالصَّقْر وَنَحْوهمَا مِنْ الطَّيْر فَجُمْهُور الْأُمَّة عَلَى أَنَّ كُلّ مَا صَادَ بَعْد التَّعْلِيم فَهُوَ جَارِح كَاسِب . يُقَال : جَرَحَ فُلَان وَاجْتَرَحَ إِذَا اِكْتَسَبَ ; وَمِنْهُ الْجَارِحَة لِأَنَّهَا يُكْتَسَب بِهَا , وَمِنْهُ اِجْتِرَاح السَّيِّئَات , وَقَالَ الْأَعْشَى : <br>ذَا جُبَار مُنْضِجًا مِيسَمُهْ .......... يُذْكِر الْجَارِح مَا كَانَ اجْتَرَحْ <br>وَفِي التَّنْزِيل | وَيَعْلَم مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ | [ الْأَنْعَام : 60 ] وَقَالَ : | أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اِجْتَرَحُوا السَّيِّئَات | [ الْجَاثِيَة : 21 ] .|مُكَلِّبِينَ|مَعْنَى | مُكَلِّبِينَ | أَصْحَاب الْكِلَاب وَهُوَ كَالْمُؤَدِّبِ صَاحِب التَّأْدِيب , وَقِيلَ : مَعْنَاهُ مُضْرِينَ عَلَى الصَّيْد كَمَا تُضْرَى الْكِلَاب ; قَالَ الرُّمَّانِيّ : وَكِلَا الْقَوْلَيْنِ مُحْتَمَل . وَلَيْسَ فِي | مُكَلِّبِينَ | دَلِيل عَلَى أَنَّهُ إِنَّمَا أُبِيحَ صَيْد الْكِلَاب خَاصَّة ; لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ قَوْله : | مُؤْمِنِينَ | وَإِنْ كَانَ قَدْ تَمَسَّكَ بِهِ مَنْ قَصَرَ الْإِبَاحَة عَلَى الْكِلَاب خَاصَّة . رُوِيَ عَنْ اِبْن عُمَر فِيمَا حَكَى اِبْن الْمُنْذِر عَنْهُ قَالَ : وَأَمَّا مَا يُصَاد بِهِ مِنْ الْبُزَاة وَغَيْرهَا مِنْ الطَّيْر فَمَا أَدْرَكْت ذَكَاته فَذَكِّهِ فَهُوَ لَك حَلَال , وَإِلَّا فَلَا تَطْعَمْهُ . قَالَ اِبْن الْمُنْذِر : وَسُئِلَ أَبُو جَعْفَر عَنْ الْبَازِي يَحِلّ صَيْده قَالَ : لَا ; إِلَّا أَنْ تُدْرِك ذَكَاته , وَقَالَ الضَّحَّاك وَالسُّدِّيّ : | وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنْ الْجَوَارِح مُكَلِّبِينَ | هِيَ الْكِلَاب خَاصَّة ; فَإِنْ كَانَ الْكَلْب أَسْوَد بَهِيمًا فَكَرِهَ صَيْده الْحَسَن وَقَتَادَة وَالنَّخَعِيّ , وَقَالَ أَحْمَد : مَا أَعْرِف أَحَدًا يُرَخِّص فِيهِ إِذَا كَانَ بَهِيمًا ; وَبِهِ قَالَ إِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ ; فَأَمَّا عَوَامّ أَهْل الْعِلْم بِالْمَدِينَةِ وَالْكُوفَة فَيَرَوْنَ جَوَاز صَيْد كُلّ كَلْب مُعَلَّم , أَمَّا مَنْ مَنَعَ صَيْد الْكَلْب الْأَسْوَد فَلِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( الْكَلْب الْأَسْوَد شَيْطَان ) , أَخْرَجَهُ مُسْلِم . اِحْتَجَّ الْجُمْهُور بِعُمُومِ الْآيَة , وَاحْتَجُّوا أَيْضًا فِي جَوَاز صَيْد الْبَازِي بِمَا ذُكِرَ مِنْ سَبَب النُّزُول , وَبِمَا خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيّ عَنْ عَدِيّ بْن حَاتِم قَالَ : سَأَلْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ صَيْد الْبَازِي فَقَالَ : ( مَا أَمْسَكَ عَلَيْك فَكُلْ ) . فِي إِسْنَاده مُجَالِد وَلَا يُعْرَف إِلَّا مِنْ جِهَته وَهُوَ ضَعِيف , وَبِالْمَعْنَى وَهُوَ أَنَّ كُلّ مَا يَتَأَتَّى مِنْ الْكَلْب يَتَأَتَّى مِنْ الْفَهْد مَثَلًا فَلَا فَارِق إِلَّا فِيمَا لَا مَدْخَل لَهُ فِي التَّأْثِير ; وَهَذَا هُوَ الْقِيَاس فِي مَعْنَى الْأَصْل , كَقِيَاسِ السَّيْف عَلَى الْمُدْيَة وَالْأَمَة عَلَى الْعَبْد , وَقَدْ تَقَدَّمَ . وَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَاعْلَم أَنَّهُ لَا بُدّ لِلصَّائِدِ أَنْ يَقْصِد عِنْد الْإِرْسَال التَّذْكِيَة وَالْإِبَاحَة , وَهَذَا لَا يُخْتَلَف فِيهِ ; لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَام : ( إِذَا أَرْسَلْت كَلْبك وَذَكَرْت اِسْم اللَّه عَلَيْهِ فَكُلْ ) وَهَذَا يَقْتَضِي النِّيَّة وَالتَّسْمِيَة ; فَلَوْ قَصَدَ مَعَ ذَلِكَ اللَّهْوَ فَكَرِهَهُ مَالِك وَأَجَازَهُ اِبْن عَبْد الْحَكَم , وَهُوَ ظَاهِر قَوْل اللَّيْث : مَا رَأَيْت حَقًّا أَشْبَه بِبَاطِلٍ مِنْهُ , يَعْنِي الصَّيْد ; فَأَمَّا لَوْ فَعَلَهُ بِغَيْرِ نِيَّة التَّذْكِيَة فَهُوَ حَرَام ; لِأَنَّهُ مِنْ بَاب الْفَسَاد وَإِتْلَاف حَيَوَان لِغَيْرِ مَنْفَعَة , وَقَدْ نَهَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ قَتْل الْحَيَوَان إِلَّا لِمَأْكَلَةٍ , وَقَدْ ذَهَبَ الْجُمْهُور مِنْ الْعُلَمَاء إِلَى أَنَّ التَّسْمِيَة لَا بُدّ مِنْهَا بِالْقَوْلِ عِنْد الْإِرْسَال ; لِقَوْلِهِ : ( وَذَكَرْت اِسْم اللَّه ) فَلَوْ لَمْ تُوجَد عَلَى أَيّ وَجْه كَانَ لَمْ يُؤْكَل الصَّيْد ; وَهُوَ مَذْهَب أَهْل الظَّاهِر وَجَمَاعَة أَهْل الْحَدِيث , وَذَهَبَتْ جَمَاعَة مِنْ أَصْحَابنَا وَغَيْرهمْ إِلَى أَنَّهُ يَجُوز أَكْل مَا صَادَهُ الْمُسْلِم وَذَبَحَهُ وَإِنْ تَرَكَ التَّسْمِيَة عَمْدًا ; وَحَمَلُوا الْأَمْر بِالتَّسْمِيَةِ عَلَى النَّدْب , وَذَهَبَ مَالِك فِي الْمَشْهُور إِلَى الْفَرْق بَيْن تَرْك التَّسْمِيَة عَمْدًا أَوْ سَهْوًا فَقَالَ : لَا تُؤْكَل مَعَ الْعَمْد وَتُؤْكَل مَعَ السَّهْو ; وَهُوَ قَوْل فُقَهَاء الْأَمْصَار , وَأَحَد قَوْلَيْ الشَّافِعِيّ , وَسَتَأْتِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة فِي | الْأَنْعَام | إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى . ثُمَّ لَا بُدّ أَنْ يَكُون اِنْبِعَاث الْكَلْب بِإِرْسَالٍ مِنْ يَد الصَّائِد بِحَيْثُ يَكُون زِمَامه بِيَدِهِ . فَيُخَلِّي عَنْهُ وَيُغْرِيه عَلَيْهِ فَيَنْبَعِث , أَوْ يَكُون الْجَارِح سَاكِنًا مَعَ رُؤْيَته الصَّيْد فَلَا يَتَحَرَّك لَهُ إِلَّا بِالْإِغْرَاءِ مِنْ الصَّائِد , فَهَذَا بِمَنْزِلَةِ مَا زِمَامه بِيَدِهِ فَأَطْلَقَهُ مُغْرِيًا لَهُ عَلَى أَحَد الْقَوْلَيْنِ ; فَأَمَّا لَوْ اِنْبَعَثَ الْجَارِح مِنْ تِلْقَاء نَفْسه مِنْ غَيْر إِرْسَال وَلَا إِغْرَاء فَلَا يَجُوز صَيْده وَلَا يَحِلّ أَكْله عِنْد الْجُمْهُور وَمَالِك وَالشَّافِعِيّ وَأَبِي ثَوْر وَأَصْحَاب الرَّأْي ; لِأَنَّهُ إِنَّمَا صَادَ لِنَفْسِهِ مِنْ غَيْر إِرْسَال وَأَمْسَكَ عَلَيْهَا , وَلَا صُنْع لِلصَّائِدِ فِيهِ , فَلَا يُنْسَب إِرْسَالُهُ إِلَيْهِ ; لِأَنَّهُ لَا يَصْدُق عَلَيْهِ قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام : ( إِذَا أَرْسَلْت كَلْبك الْمُعَلَّم ) , وَقَالَ عَطَاء بْن أَبِي رَبَاح وَالْأَوْزَاعِيّ : يُؤْكَل صَيْده إِذَا كَانَ أَخْرَجَهُ لِلصَّيْدِ . قَرَأَ الْجُمْهُور | عَلَّمْتُمْ | بِفَتْحِ الْعَيْن وَاللَّام , وَابْن عَبَّاس وَمُحَمَّد بْن الْحَنَفِيَّة بِضَمِّ الْعَيْن وَكَسْر اللَّام , أَيْ مِنْ أَمْر الْجَوَارِح وَالصَّيْد بِهَا . وَالْجَوَارِح الْكَوَاسِب , وَسُمِّيَتْ أَعْضَاء الْإِنْسَان جَوَارِح لِأَنَّهَا تَكْسِب وَتَتَصَرَّف . وَقِيلَ : سُمِّيَتْ جَوَارِح لِأَنَّهَا تَجْرَح وَتُسِيل الدَّم , فَهُوَ مَأْخُوذ مِنْ الْجِرَاح , وَهَذَا ضَعِيف , وَأَهْل اللُّغَة عَلَى خِلَافه , وَحَكَاهُ اِبْن الْمُنْذِر عَنْ قَوْم . و | مُكَلِّبِينَ | قِرَاءَة الْجُمْهُور بِفَتْحِ الْكَاف وَشَدّ اللَّام , وَالْمُكَلِّب مُعَلِّم الْكِلَاب وَمُضْرِيهَا , وَيُقَال لِمَنْ يُعَلِّم غَيْر الْكَلْب : مُكَلِّب ; لِأَنَّهُ يَرُدّ ذَلِكَ الْحَيَوَان كَالْكَلْبِ ; حَكَاهُ بَعْضهمْ , وَيُقَال لِلصَّائِدِ : مُكَلِّب فَعَلَى هَذَا مَعْنَاهُ صَائِدِينَ , وَقِيلَ : الْمُكَلِّب صَاحِب الْكِلَاب , يُقَال : كَلَّبَ فَهُوَ مُكَلِّب وَكَلَّاب , وَقَرَأَ الْحَسَن | مُكْلِبِينَ | بِسُكُونِ الْكَاف وَتَخْفِيف اللَّام , وَمَعْنَاهُ أَصْحَاب كِلَاب , يُقَال : أَمْشَى الرَّجُل كَثُرَتْ مَاشِيَته , وَأَكْلَبَ كَثُرَتْ كِلَابه , وَأَنْشَدَ الْأَصْمَعِيّ : <br>وَكُلّ فَتًى وَإِنْ أَمْشَى فَأَثْرَى .......... سَتَخْلِجُهُ عَنْ الدُّنْيَا مَنُونَ<br>|تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ|أَنَّثَ الضَّمِير مُرَاعَاة لِلَفْظِ الْجَوَارِح ; إِذْ هُوَ جَمْع جَارِحَة , وَلَا خِلَاف بَيْن الْعُلَمَاء فِي شَرْطَيْنِ فِي التَّعْلِيم وَهُمَا : أَنْ يَأْتَمِر إِذَا أُمِرَ وَيَنْزَجِر إِذَا زُجِرَ ; لَا خِلَاف فِي هَذَيْنِ الشَّرْطَيْنِ فِي الْكِلَاب وَمَا فِي مَعْنَاهَا مِنْ سِبَاع الْوُحُوش , وَاخْتُلِفَ فِيمَا يُصَاد بِهِ مِنْ الطَّيْر ; فَالْمَشْهُور أَنَّ ذَلِكَ مُشْتَرَط فِيهَا عِنْد الْجُمْهُور , وَذَكَرَ اِبْن حَبِيب أَنَّهُ لَا يُشْتَرَط فِيهَا أَنْ تَنْزَجِر إِذَا زُجِرَتْ ; فَإِنَّهُ لَا يَتَأَتَّى ذَلِكَ فِيهَا غَالِبًا , فَيَكْفِي أَنَّهَا إِذَا أُمِرَتْ أَطَاعَتْ . وَقَالَ رَبِيعَة : مَا أَجَابَ مِنْهَا إِذَا دُعِيَ فَهُوَ الْمُعَلَّم الضَّارِي ; لِأَنَّ أَكْثَرَ الْحَيَوَان بِطَبْعِهِ يَنْشَلِي , وَقَدْ شَرَطَ الشَّافِعِيّ وَجُمْهُور مِنْ الْعُلَمَاء فِي التَّعْلِيم أَنْ يُمْسِك عَلَى صَاحِبه , وَلَمْ يَشْتَرِطهُ مَالِك فِي الْمَشْهُور عَنْهُ , وَقَالَ الشَّافِعِيّ : الْمُعَلَّم هُوَ الَّذِي إِذَا أَشْلَاهُ صَاحِبه انْشَلَى ; وَإِذَا دَعَاهُ إِلَى الرُّجُوع رَجَعَ إِلَيْهِ , وَيُمْسِك الصَّيْد عَلَى صَاحِبه وَلَا يَأْكُل مِنْهُ ; فَإِذَا فَعَلَ هَذَا مِرَارًا وَقَالَ أَهْل الْعُرْف : صَارَ مُعَلَّمًا فَهُوَ الْمُعَلَّم , وَعَنْ الشَّافِعِيّ أَيْضًا وَالْكُوفِيِّينَ : إِذَا أُشْلِيَ فَانْشَلَى وَإِذَا أَخَذَ حَبَسَ وَفَعَلَ ذَلِكَ مَرَّة بَعْد مَرَّة أُكِلَ صَيْده فِي الثَّالِثَة . وَمِنْ الْعُلَمَاء مَنْ قَالَ : يَفْعَل ذَلِكَ ثَلَاث مَرَّات وَيُؤْكَل صَيْده فِي الرَّابِعَة , وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : إِذَا فَعَلَ ذَلِكَ مَرَّة فَهُوَ مُعَلَّم وَيُؤْكَل صَيْده فِي الثَّانِيَة .|فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ|أَيْ حَبَسْنَ لَكُمْ , وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي تَأْوِيله ; فَقَالَ اِبْن عَبَّاس وَأَبُو هُرَيْرَة وَالنَّخَعِيّ وَقَتَادَة وَابْن جُبَيْر وَعَطَاء بْن أَبِي رَبَاح وَعِكْرِمَة وَالشَّافِعِيّ وَأَحْمَد وَإِسْحَاق وَأَبُو ثَوْر وَالنُّعْمَان وَأَصْحَابه : الْمَعْنَى وَلَمْ يَأْكُل ; فَإِنْ أَكَلَ لَمْ يُؤْكَل مَا بَقِيَ , لِأَنَّهُ أَمْسَكَ عَلَى نَفْسه وَلَمْ يُمْسِك عَلَى رَبّه , وَالْفَهْد عِنْد أَبِي حَنِيفَة وَأَصْحَابه كَالْكَلْبِ وَلَمْ يَشْتَرِطُوا ذَلِكَ فِي الطُّيُور بَلْ يُؤْكَل مَا أَكَلَتْ مِنْهُ , وَقَالَ سَعْد بْن أَبِي وَقَّاص وَعَبْد اللَّه بْن عُمَر وَسَلْمَان الْفَارِسِيّ وَأَبُو هُرَيْرَة أَيْضًا : الْمَعْنَى وَإِنْ أَكَلَ ; فَإِذَا أَكَلَ الْجَارِح كَلْبًا كَانَ أَوْ فَهْدًا أَوْ طَيْرًا أُكِلَ مَا بَقِيَ مِنْ الصَّيْد وَإِنْ لَمْ يَبْقَ إِلَّا بَضْعَة ; وَهَذَا قَوْل مَالِك وَجَمِيع أَصْحَابه , وَهُوَ الْقَوْل الثَّانِي لِلشَّافِعِيِّ , وَهُوَ الْقِيَاس , وَفِي الْبَاب حَدِيثَانِ بِمَعْنَى مَا ذَكَرْنَا أَحَدهمَا : حَدِيث عَدِيّ فِي الْكَلْب الْمُعَلَّم ( وَإِذَا أَكَلَ فَلَا تَأْكُل فَإِنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى نَفْسه ) أَخْرَجَهُ مُسْلِم . الثَّانِي : حَدِيث أَبِي ثَعْلَبَة الْخُشَنِيّ قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صَيْد الْكَلْب : ( إِذَا أَرْسَلْت كَلْبك وَذَكَرْت اِسْم اللَّه عَلَيْهِ فَكُلْ وَإِنْ أَكَلَ مِنْهُ وَكُلْ مَا رَدَّتْ عَلَيْك يَدَاك ) أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد , وَرُوِيَ عَنْ عَدِيّ وَلَا يَصِحّ ; وَالصَّحِيح عَنْهُ حَدِيث مُسْلِم ; وَلَمَّا تَعَارَضَتْ الرِّوَايَتَانِ رَامَ بَعْض أَصْحَابنَا وَغَيْرهمْ الْجَمْع بَيْنهمَا فَحَمَلُوا حَدِيث النَّهْي عَلَى التَّنْزِيه وَالْوَرَع , وَحَدِيث الْإِبَاحَة عَلَى الْجَوَاز , وَقَالُوا : إِنَّ عَدِيًّا كَانَ مُوَسَّعًا عَلَيْهِ فَأَفْتَاهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْكَفِّ وَرَعًا , وَأَبَا ثَعْلَبَة كَانَ مُحْتَاجًا فَأَفْتَاهُ بِالْجَوَازِ ; وَاللَّه أَعْلَمُ , وَقَدْ دَلَّ عَلَى صِحَّة هَذَا التَّأْوِيل قَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام فِي حَدِيث عَدِيّ : ( فَإِنِّي أَخَاف أَنْ يَكُون إِنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى نَفْسه ) هَذَا تَأْوِيل عُلَمَائِنَا . وَقَالَ أَبُو عُمَر فِي كِتَاب | الِاسْتِذْكَار | : وَقَدْ عَارَضَ حَدِيث عَدِيّ هَذَا حَدِيث أَبِي ثَعْلَبَة , وَالظَّاهِر أَنَّ حَدِيث أَبِي ثَعْلَبَة نَاسِخ لَهُ ; فَقَوْله : وَإِنْ أَكَلَ يَا رَسُول اللَّه ؟ قَالَ : ( وَإِنْ أَكَلَ ) . قُلْت : هَذَا فِيهِ نَظَر ; لِأَنَّ التَّارِيخ مَجْهُول ; وَالْجَمْع بَيْن الْحَدِيثَيْنِ أَوْلَى مَا لَمْ يُعْلَم التَّارِيخ ; وَاللَّه أَعْلَمُ . وَأَمَّا أَصْحَاب الشَّافِعِيّ فَقَالُوا : إِنْ كَانَ الْأَكْل عَنْ فَرْط جُوع مِنْ الْكَلْب أُكِلَ وَإِلَّا لَمْ يُؤْكَل ; فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ سُوء تَعْلِيمه , وَقَدْ رُوِيَ عَنْ قَوْم مِنْ السَّلَف التَّفْرِقَة بَيْن مَا أَكَلَ مِنْهُ الْكَلْب وَالْفَهْد فَمَنَعُوهُ , وَبَيْن مَا أَكَلَ مِنْهُ الْبَازِي فَأَجَازُوهُ , قَالَهُ النَّخَعِيّ وَالثَّوْرِيّ وَأَصْحَاب الرَّأْي وَحَمَّاد بْن أَبِي سُلَيْمَان , وَحُكِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس وَقَالُوا : الْكَلْب وَالْفَهْد يُمْكِن ضَرْبه وَزَجْره , وَالطَّيْر لَا يُمْكِن ذَلِكَ فِيهِ , وَحَدّ تَعْلِيمه أَنْ يُدْعَى فَيُجِيب , وَأَنْ يُشْلَى فَيَنْشَلِي ; لَا يُمْكِن فِيهِ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ , وَالضَّرْب يُؤْذِيه . وَالْجُمْهُور مِنْ الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّ الْجَارِح إِذَا شَرِبَ مِنْ دَم الصَّيْد أَنَّ الصَّيْد يُؤْكَل ; قَالَ عَطَاء : لَيْسَ شُرْب الدَّم بِأَكْلٍ ; وَكَرِهَ أَكْل ذَلِكَ الصَّيْد الشَّعْبِيُّ وَسُفْيَان الثَّوْرِيّ , وَلَا خِلَاف بَيْنهمْ أَنَّ سَبَب إِبَاحَة الصَّيْد الَّذِي هُوَ عَقْر الْجَارِح لَهُ لَا بُدّ أَنْ يَكُون مُتَحَقِّقًا غَيْر مَشْكُوك فِيهِ , وَمَعَ الشَّكّ لَا يَجُوز الْأَكْل , وَهِيَ : فَإِنْ وَجَدَ الصَّائِد مَعَ كَلْبه كَلْبًا آخَر فَهُوَ مَحْمُول عَلَى أَنَّهُ غَيْر مُرْسَل مِنْ صَائِد آخَر , وَأَنَّهُ إِنَّمَا اِنْبَعَثَ فِي طَلَب الصَّيْد بِطَبْعِهِ وَنَفْسه , وَلَا يُخْتَلَف فِي هَذَا ; لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام : ( وَإِنْ خَالَطَهَا كِلَاب مِنْ غَيْرهَا فَلَا تَأْكُل - فِي رِوَايَة - فَإِنَّمَا سَمَّيْت عَلَى كَلْبك وَلَمْ تُسَمِّ عَلَى غَيْره ) . فَأَمَّا لَوْ أَرْسَلَهُ صَائِد آخَر فَاشْتَرَكَ الْكَلْبَانِ فِيهِ فَإِنَّهُ لِلصَّائِدَيْنِ يَكُونَانِ شَرِيكَيْنِ فِيهِ . فَلَوْ أَنْفَذَ أَحَد الْكَلْبَيْنِ مَقَاتِله ثُمَّ جَاءَ الْآخَر فَهُوَ لِلَّذِي أَنْفَذَ مَقَاتِله , وَكَذَلِكَ لَا يُؤْكَل مَا رُمِيَ بِسَهْمٍ فَتَرَدَّى مِنْ جَبَل أَوْ غَرِقَ فِي مَاء ; لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام لِعَدِيٍّ : ( وَإِنْ رَمَيْت بِسَهْمِك فَاذْكُرْ اِسْم اللَّه فَإِنْ غَابَ عَنْك يَوْمًا فَلَمْ تَجِد فِيهِ إِلَّا أَثَر سَهْمك فَكُلْ وَإِنْ وَجَدْته غَرِيقًا فِي الْمَاء فَلَا تَأْكُل فَإِنَّك لَا تَدْرِي الْمَاء قَتَلَهُ أَوْ سَهْمك ) , وَهَذَا نَصّ . لَوْ مَاتَ الصَّيْد فِي أَفْوَاه الْكِلَاب مِنْ غَيْر بَضْع لَمْ يُؤْكَل ; لِأَنَّهُ مَاتَ خَنْقًا فَأَشْبَهَ أَنْ يُذْبَح بِسِكِّينٍ كَالَّة فَيَمُوت فِي الذَّبْح قَبْل أَنْ يُفْرَى حَلْقه . وَلَوْ أَمْكَنَهُ أَخْذه مِنْ الْجَوَارِح وَذَبْحه فَلَمْ يَفْعَل حَتَّى مَاتَ لَمْ يُؤْكَل , وَكَانَ مُقَصِّرًا فِي الذَّكَاة ; لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ مَقْدُورًا عَلَى ذَبْحه , وَذَكَاة الْمَقْدُور عَلَيْهِ تُخَالِف ذَكَاة غَيْر الْمَقْدُور عَلَيْهِ , وَلَوْ أَخَذَهُ ثُمَّ مَاتَ قَبْل أَنْ يُخْرِج السِّكِّين , أَوْ تَنَاوَلَهَا وَهِيَ مَعَهُ جَازَ أَكْله ; وَلَوْ لَمْ تَكُنْ السِّكِّين مَعَهُ فَتَشَاغَلَ بِطَلَبِهَا لَمْ تُؤْكَل , وَقَالَ الشَّافِعِيّ : فِيمَا نَالَتْهُ الْجَوَارِح وَلَمْ تُدْمِهِ قَوْلَانِ أَحَدهمَا : أَلَّا يُؤْكَل حَتَّى يُجْرَح ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى : | مِنْ الْجَوَارِح | وَهُوَ قَوْل اِبْن الْقَاسِم ; وَالْآخَر : أَنَّهُ حِلٌّ وَهُوَ قَوْل أَشْهَبَ , قَالَ أَشْهَبُ : إِنْ مَاتَ مِنْ صَدْمَة الْكَلْب أُكِلَ .</p><p>قَوْله : ( فَإِنْ غَابَ عَنْك يَوْمًا فَلَمْ تَجِد فِيهِ إِلَّا أَثَر سَهْمك فَكُلْ ) وَنَحْوه فِي حَدِيث أَبِي ثَعْلَبَة الَّذِي خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُد , غَيْر أَنَّهُ زَادَ ( فَكُلْهُ بَعْد ثَلَاث مَا لَمْ يُنْتِن ) يُعَارِضهُ قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام : ( كُلْ مَا أَصْمَيْت وَدَعْ مَا أَنْمَيْت ) . فَالْإِصْمَاء مَا قُتِلَ مُسْرِعًا وَأَنْتَ تَرَاهُ , وَالْإِنْمَاء أَنْ تَرْمِيَ الصَّيْد فَيَغِيب عَنْك فَيَمُوت وَأَنْتَ لَا تَرَاهُ ; يُقَال : قَدْ أَنْمَيْت الرَّمِيَّة فَنَمَتْ تَنْمِي إِذَا غَابَتْ ثُمَّ مَاتَتْ قَالَ اِمْرُؤُ الْقَيْس : <br>فَهْوَ لَا تَنْمِي رَمِيَّتُهُ .......... مَالَهُ لَا عُدَّ مِنْ نَفَرِهْ <br>وَقَدْ اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي أَكْل الصَّيْد الْغَائِب عَلَى ثَلَاثَة أَقْوَال : يُؤْكَل , وَسَوَاء قَتَلَهُ السَّهْم أَوْ الْكَلْب . الثَّانِي : لَا يُؤْكَل شَيْء مِنْ ذَلِكَ إِذَا غَابَ ; لِقَوْلِهِ : ( كُلْ مَا أَصْمَيْت وَدَعْ مَا أَنْمَيْت ) , وَإِنَّمَا لَمْ يُؤْكَل مَخَافَة أَنْ يَكُون قَدْ أَعَانَ عَلَى قَتْله غَيْر السَّهْم مِنْ الْهَوَامّ . الثَّالِث : الْفَرْق بَيْن السَّهْم فَيُؤْكَل وَبَيْن الْكَلْب فَلَا يُؤْكَل , وَوَجْهه أَنَّ السَّهْم يَقْتُل عَلَى جِهَة وَاحِدَة فَلَا يُشْكِل ; وَالْجَارِح عَلَى جِهَات مُتَعَدِّدَة فَيُشْكِل , وَالثَّلَاثَة الْأَقْوَال لِعُلَمَائِنَا , وَقَالَ مَالِك فِي غَيْر الْمُوَطَّأ : إِذَا بَاتَ الصَّيْد ثُمَّ أَصَابَهُ مَيِّتًا لَمْ يُنْفِذ الْبَازِي أَوْ الْكَلْب أَوْ السَّهْم مَقَاتِله لَمْ يَأْكُلهُ ; قَالَ أَبُو عُمَر : فَهَذَا يَدُلّك عَلَى أَنَّهُ إِذَا بَلَغَ مَقَاتِله كَانَ حَلَالًا عِنْده أَكْله وَإِنْ بَاتَ , إِلَّا أَنَّهُ يَكْرَههُ إِذَا بَاتَ ; لَمَّا جَاءَ عَنْ اِبْن عَبَّاس : | وَإِنْ غَابَ عَنْك لَيْلَة فَلَا تَأْكُل | وَنَحْوه عَنْ الثَّوْرِيّ قَالَ : إِذَا غَابَ عَنْك يَوْمًا كَرِهْت أَكْله , وَقَالَ الشَّافِعِيّ : الْقِيَاس أَلَّا يَأْكُلهُ إِذَا غَابَ عَنْهُ مَصْرَعه , وَقَالَ الْأَوْزَاعِيّ : إِنْ وَجَدَهُ مِنْ الْغَد مَيِّتًا وَوَجَدَ فِيهِ سَهْمه أَوْ أَثَرًا مِنْ كَلْبه فَلْيَأْكُلْهُ ; وَنَحْوه قَالَ أَشْهَب وَعَبْد الْمَلِك وَأَصْبَغ ; قَالُوا : جَائِز أَكْل الصَّيْد وَإِنْ بَاتَ إِذَا نَفَذَتْ مَقَاتِله , وَقَوْله فِي الْحَدِيث : ( مَا لَمْ يُنْتِن ) تَعْلِيل ; لِأَنَّهُ إِذَا أَنْتَنَ لَحِقَ بِالْمُسْتَقْذَرَاتِ الَّتِي تَمُجّهَا الطِّبَاع فَيُكْرَه أَكْلهَا ; فَلَوْ أَكَلَهَا لَجَازَ , كَمَا أَكَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْإِهَالَة السَّنِخَة وَهِيَ الْمُنْتِنَة , وَقِيلَ : هُوَ مُعَلَّل بِمَا يُخَاف مِنْهُ الضَّرَر عَلَى آكِله , وَعَلَى هَذَا التَّعْلِيل يَكُون أَكْله مُحَرَّمًا إِنْ كَانَ الْخَوْف مُحَقَّقًا , وَاللَّه أَعْلَمُ . وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء مِنْ هَذَا الْبَاب فِي الصَّيْد بِكَلْبِ الْيَهُودِيّ وَالنَّصْرَانِيّ إِذَا كَانَ مُعَلَّمًا , فَكَرِهَهُ الْحَسَن الْبَصْرِيّ ; وَأَمَّا كَلْب الْمَجُوسِيّ وَبَازه وَصَقْره فَكَرِهَ الصَّيْدَ بِهَا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَالْحَسَن وَعَطَاء وَمُجَاهِد وَالنَّخَعِيّ وَالثَّوْرِيّ وَإِسْحَاق , وَأَجَازَ الصَّيْد بِكِلَابِهِمْ مَالِك وَالشَّافِعِيّ وَأَبُو حَنِيفَة إِذَا كَانَ الصَّائِد مُسْلِمًا ; قَالُوا : وَذَلِكَ مِثْل شَفْرَته , وَأَمَّا إِنْ كَانَ الصَّائِد مِنْ أَهْل الْكِتَاب فَجُمْهُور الْأُمَّة عَلَى جَوَاز صَيْده غَيْر مَالِك , وَفَرَّقَ بَيْن ذَلِكَ وَبَيْن ذَبِيحَته ; وَتَلَا : | يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمْ اللَّه بِشَيْءٍ مِنْ الصَّيْد تَنَالهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحكُمْ | [ الْمَائِدَة : 94 ] , قَالَ : فَلَمْ يَذْكُر اللَّه فِي هَذَا الْيَهُود وَلَا النَّصَارَى , وَقَالَ اِبْن وَهْب وَأَشْهَبُ : صَيْد الْيَهُودِيّ وَالنَّصْرَانِيّ حَلَال كَذَبِيحَتِهِ ; وَفِي كِتَاب مُحَمَّد لَا يَجُوز صَيْد الصَّابِئ وَلَا ذَبْحه , وَهُمْ قَوْم بَيْن الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَلَا دِين لَهُمْ , وَأَمَّا إِنْ كَانَ الصَّائِد مَجُوسِيًّا فَمَنَعَ مِنْ أَكْله مَالِك وَالشَّافِعِيّ وَأَبُو حَنِيفَة وَأَصْحَابهمْ وَجُمْهُور النَّاس , وَقَالَ أَبُو ثَوْر فِيهَا قَوْلَانِ : أَحَدهمَا : كَقَوْلِ هَؤُلَاءِ , وَالْآخَر : أَنَّ الْمَجُوس مِنْ أَهْل الْكِتَاب وَأَنَّ صَيْدهمْ جَائِز , وَلَوْ اصْطَادَ السَّكْرَان أَوْ ذَبَحَ لَمْ يُؤْكَل صَيْده وَلَا ذَبِيحَته ; لِأَنَّ الذَّكَاة تَحْتَاج إِلَى قَصْد , وَالسَّكْرَان لَا قَصْد لَهُ . الْخَامِسَة عَشْرَة : وَاخْتَلَفَ النُّحَاة فِي | مِنْ | فِي قَوْله تَعَالَى : | مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ | فَقَالَ الْأَخْفَش : هِيَ زَائِدَة كَقَوْلِهِ : | كُلُوا مِنْ ثَمَره | [ الْأَنْعَام : 141 ] , وَخَطَّأَهُ الْبَصْرِيُّونَ وَقَالُوا : | مِنْ | لَا تُزَاد فِي الْإِثْبَات وَإِنَّمَا تُزَاد فِي النَّفْي وَالِاسْتِفْهَام , وَقَوْله : | مِنْ ثَمَره | , | يُكَفِّر عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتكُمْ | [ الْبَقَرَة : 271 ] و | يَغْفِر لَكُمْ مِنْ ذُنُوبكُمْ | [ الْأَحْقَاف : 31 ] لِلتَّبْعِيضِ ; أَجَابَ فَقَالَ : قَدْ قَالَ : | يَغْفِر لَكُمْ ذُنُوبكُمْ | [ الْأَحْزَاب 71 ] بِإِسْقَاطِ | مِنْ | فَدَلَّ عَلَى زِيَادَتهَا فِي الْإِيجَاب ; أُجِيبَ بِأَنَّ | مِنْ | هَهُنَا لِلتَّبْعِيضِ ; لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَحِلّ مِنْ الصَّيْد اللَّحْم دُون الْفَرْث وَالدَّم . قُلْت : هَذَا لَيْسَ بِمُرَادٍ وَلَا مَعْهُود فِي الْأَكْل فَيُعَكِّر عَلَى مَا قَالَ , وَيَحْتَمِل أَنْ يُرِيد | مِمَّا أَمْسَكْنَ | أَيْ مِمَّا أَبْقَتْهُ الْجَوَارِح لَكُمْ ; وَهَذَا عَلَى قَوْل مَنْ قَالَ : لَوْ أَكَلَ الْكَلْب الْفَرِيسَة لَمْ يَضُرّ وَبِسَبَبِ هَذَا الِاحْتِمَال اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي جَوَاز أَكْل الصَّيْد إِذَا أَكَلَ الْجَارِح مِنْهُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ . السَّادِسَة عَشْرَة : وَدَلَّتْ الْآيَة عَلَى جَوَاز اِتِّخَاذ الْكِلَاب وَاقْتِنَائِهَا لِلصَّيْدِ , وَثَبَتَ ذَلِكَ فِي صَحِيح السُّنَّة وَزَادَتْ الْحَرْث وَالْمَاشِيَة ; وَقَدْ كَانَ أَوَّلَ الْإِسْلَامِ أَمْرٌ بِقَتْلِ الْكِلَاب حَتَّى كَانَ يَقْتُل كَلْب الْمُرَيَّةِ مِنْ الْبَادِيَة يَتْبَعهَا ; رَوَى مُسْلِم عَنْ اِبْن عُمَر عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( مَنْ اقْتَنَى كَلْبًا إِلَّا كَلْب صَيْد أَوْ مَاشِيَة نَقَصَ مِنْ أَجْره كُلّ يَوْم قِيرَاطَانِ ) , وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ اِتَّخَذَ كَلْبًا إِلَّا كَلْب مَاشِيَة أَوْ صَيْد أَوْ زَرْع اِنْتَقَصَ مِنْ أَجْره كُلّ يَوْم قِيرَاط ) . قَالَ الزُّهْرِيّ : وَذُكِرَ لِابْنِ عُمَر قَوْل أَبِي هُرَيْرَة فَقَالَ : يَرْحَم اللَّه أَبَا هُرَيْرَة , كَانَ صَاحِب زَرْع ; فَقَدْ دَلَّتْ السُّنَّة عَلَى مَا ذَكَرْنَا , وَجُعِلَ النَّقْص مِنْ أَجْر مَنْ اِقْتَنَاهَا عَلَى غَيْر ذَلِكَ مِنْ الْمَنْفَعَة ; إِمَّا لِتَرْوِيعِ الْكَلْبِ الْمُسْلِمِينَ وَتَشْوِيشه عَلَيْهِمْ بِنُبَاحِهِ - كَمَا قَالَ بَعْض شُعَرَاء الْبَصْرَة , وَقَدْ نَزَلَ بِعَمَّارٍ فَسَمِعَ لِكِلَابِهِ نُبَاحًا فَأَنْشَأَ يَقُول : <br>نَزَلْنَا بِعَمَّارٍ فَأَشْلَى كِلَابه .......... عَلَيْنَا فَكِدْنَا بَيْن بَيْتَيْهِ نُؤْكَل <br><br>فَقُلْت لِأَصْحَابِي أُسِرّ إِلَيْهِمُ .......... إِذَا الْيَوْم أَمْ يَوْم الْقِيَامَة أَطْوَلُ <br>- أَوْ لِمَنْعِ دُخُول الْمَلَائِكَة الْبَيْت , أَوْ لِنَجَاسَتِهِ عَلَى مَا يَرَاهُ الشَّافِعِيّ , أَوْ لِاقْتِحَامِ النَّهْي عَنْ اِتِّخَاذ مَا لَا مَنْفَعَة فِيهِ ; وَاللَّه أَعْلَمُ , وَقَالَ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ : ( قِيرَاطَانِ ) وَفِي الْأُخْرَى ( قِيرَاط ) وَذَلِكَ يَحْتَمِل أَنْ يَكُون فِي نَوْعَيْنِ مِنْ الْكِلَاب أَحَدهمَا أَشَدّ أَذًى مِنْ الْآخَر ; كَالْأَسْوَدِ الَّذِي أَمَرَ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام بِقَتْلِهِ , وَلَمْ يُدْخِلهُ فِي الِاسْتِثْنَاء حِين نَهَى عَنْ قَتْلهَا فَقَالَ : ( عَلَيْكُمْ بِالْأَسْوَدِ الْبَهِيم ذِي النُّقْطَتَيْنِ فَإِنَّهُ شَيْطَان ) أَخْرَجَهُ مُسْلِم , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون ذَلِكَ لِاخْتِلَافِ الْمَوَاضِع , فَيَكُون مُمْسِكه بِالْمَدِينَةِ مَثَلًا أَوْ بِمَكَّة يُنْقَص قِيرَاطَانِ , وَبِغَيْرِهِمَا قِيرَاط ; وَاللَّه أَعْلَمُ , وَأَمَّا الْمُبَاح اِتِّخَاذه فَلَا يَنْقُص أَجْر مُتَّخِذه كَالْفَرَسِ وَالْهِرّ , وَيَجُوز بَيْعه وَشِرَاؤُهُ , حَتَّى قَالَ سَحْنُون : وَيَحُجّ بِثَمَنِهِ , وَكَلْب الْمَاشِيَة الْمُبَاح اِتِّخَاذه عِنْد مَالِك هُوَ الَّذِي يَسْرَح مَعَهَا لَا الَّذِي يَحْفَظهَا فِي الدَّار مِنْ السُّرَّاق , وَكَلْب الزَّرْع هُوَ الَّذِي يَحْفَظهُ مِنْ الْوُحُوش بِاللَّيْلِ وَالنَّهَار لَا مِنْ السُّرَّاق , وَقَدْ أَجَازَ غَيْر مَالِك اِتِّخَاذهَا لِسُرَّاقِ الْمَاشِيَة وَالزَّرْع وَالدَّار فِي الْبَادِيَة , وَفِي هَذِهِ الْآيَة دَلِيل عَلَى أَنَّ الْعَالِم لَهُ مِنْ الْفَضِيلَة مَا لَيْسَ لِلْجَاهِلِ ; لِأَنَّ الْكَلْب إِذَا عُلِمَ يَكُون لَهُ فَضِيلَة عَلَى سَائِر الْكِلَاب , فَالْإِنْسَان إِذَا كَانَ لَهُ عِلْم أَوْلَى أَنْ يَكُون لَهُ فَضْل عَلَى سَائِر النَّاس , لَا سِيَّمَا إِذَا عَمِلَ بِمَا عَلِمَ ; وَهَذَا كَمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب كَرَّمَ اللَّه وَجْهه أَنَّهُ قَالَ : لِكُلِّ شَيْء قِيمَة وَقِيمَة الْمَرْء مَا يُحْسِنهُ .|وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ|أَمْر بِالتَّسْمِيَةِ ; قِيلَ : عِنْد الْإِرْسَال عَلَى الصَّيْد , وَفِقْه الصَّيْد وَالذَّبْح فِي مَعْنَى التَّسْمِيَة وَاحِد , يَأْتِي بَيَانه فِي | الْأَنْعَام | , وَقِيلَ : الْمُرَاد بِالتَّسْمِيَةِ هُنَا التَّسْمِيَة عِنْد الْأَكْل , وَهُوَ الْأَظْهَر , وَفِي صَحِيح مُسْلِم أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِعُمَر بْن أَبِي سَلَمَة : ( يَا غُلَام سَمِّ اللَّه وَكُلْ بِيَمِينِك وَكُلْ مِمَّا يَلِيك ) , وَرُوِيَ مِنْ حَدِيث حُذَيْفَة قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ الشَّيْطَان لَيَسْتَحِلّ الطَّعَام أَلَّا يُذْكَر اِسْم اللَّه عَلَيْهِ ) الْحَدِيث . فَإِنْ نَسِيَ التَّسْمِيَة أَوَّل الْأَكْل فَلْيُسَمِّ آخِره ; وَرَوَى النَّسَائِيّ عَنْ أُمَيَّة بْن مَخْشِيّ - وَكَانَ مِنْ أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى رَجُلًا يَأْكُل وَلَمْ يُسَمِّ اللَّه , فَلَمَّا كَانَ فِي آخِر لُقْمَة قَالَ : بِسْمِ اللَّه أَوَّله وَآخِره ; فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَا زَالَ الشَّيْطَان يَأْكُل مَعَهُ فَلَمَّا سَمَّى قَاءَ مَا أَكَلَهُ ) .|وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ|أَمْرٌ بِالتَّقْوَى عَلَى الْجُمْلَة , وَالْإِشَارَة الْقَرِيبَة هِيَ مَا تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الْآيَات مِنْ الْأَوَامِر , وَسُرْعَة الْحِسَاب هِيَ مِنْ حَيْثُ كَوْنه تَعَالَى قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْء عِلْمًا وَأَحْصَى كُلّ شَيْء عَدَدًا ; فَلَا يَحْتَاج إِلَى مُحَاوَلَة عَدّ وَلَا عَقْد كَمَا يَفْعَلهُ الْحُسَّاب ; وَلِهَذَا قَالَ : | وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ | [ الْأَنْبِيَاء : 47 ] فَهُوَ سُبْحَانه يُحَاسِب الْخَلَائِق دَفْعَة وَاحِدَة . وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون وَعِيدًا بِيَوْمِ الْقِيَامَة كَأَنَّهُ قَالَ : إِنَّ حِسَاب اللَّه لَكُمْ سَرِيع إِتْيَانه ; إِذْ يَوْم الْقِيَامَة قَرِيب , وَيَحْتَمِل أَنْ يُرِيد بِالْحِسَابِ الْمُجَازَاة ; فَكَأَنَّهُ تَوَعَّدَ فِي الدُّنْيَا بِمُجَازَاةٍ سَرِيعَة قَرِيبَة إِنْ لَمْ يَتَّقُوا اللَّه .

الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آَتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُن

أَيْ | الْيَوْم أَكْمَلْت لَكُمْ دِينكُمْ | و | الْيَوْم أُحِلَّ لَكُمْ الطَّيِّبَات | فَأَعَادَ تَأْكِيدًا أَيْ أُحِلَّ لَكُمْ الطَّيِّبَات الَّتِي سَأَلْتُمْ عَنْهَا ; وَكَانَتْ الطَّيِّبَات أُبِيحَتْ لِلْمُسْلِمِينَ قَبْل نُزُول هَذِهِ الْآيَة ; فَهَذَا جَوَاب سُؤَالهمْ إِذْ قَالُوا : مَاذَا أُحِلَّ لَنَا ؟ , وَقِيلَ : أَشَارَ بِذِكْرِ الْيَوْم إِلَى وَقْت مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا يُقَال : هَذِهِ أَيَّام فُلَان ; أَيْ هَذَا أَوَان ظُهُوركُمْ وَشُيُوع الْإِسْلَام ; فَقَدْ أَكْمَلْت بِهَذَا دِينكُمْ , وَأَحْلَلْت لَكُمْ الطَّيِّبَات , وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْر الطَّيِّبَات فِي الْآيَة قَبْل هَذَا .|وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ|اِبْتِدَاء وَخَبَر , وَالطَّعَام اِسْم لِمَا يُؤْكَل وَالذَّبَائِح مِنْهُ , وَهُوَ هُنَا خَاصّ بِالذَّبَائِحِ عِنْد كَثِير مِنْ أَهْل الْعِلْم بِالتَّأْوِيلِ , وَأَمَّا مَا حُرِّمَ عَلَيْنَا مِنْ طَعَامهمْ فَلَيْسَ بِدَاخِلٍ تَحْت عُمُوم الْخِطَاب ; قَالَ اِبْن عَبَّاس : قَالَ اللَّه تَعَالَى : | وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَر اِسْم اللَّه عَلَيْهِ | [ الْأَنْعَام : 121 ] , ثُمَّ اِسْتَثْنَى فَقَالَ : | وَطَعَام الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَاب حِلّ لَكُمْ | يَعْنِي ذَبِيحَة الْيَهُودِيّ وَالنَّصْرَانِيّ ; وَإِنْ كَانَ النَّصْرَانِيّ يَقُول عِنْد الذَّبْح : بِاسْمِ الْمَسِيح وَالْيَهُودِيّ يَقُول : بِاسْمِ عُزَيْر ; وَذَلِكَ لِأَنَّهُمْ يَذْبَحُونَ عَلَى الْمِلَّة , وَقَالَ عَطَاء : كُلْ مِنْ ذَبِيحَة النَّصْرَانِيّ وَإِنْ قَالَ بِاسْمِ الْمَسِيح ; لِأَنَّ اللَّه جَلَّ وَعَزَّ قَدْ أَبَاحَ ذَبَائِحهمْ , وَقَدْ عَلِمَ مَا يَقُولُونَ , وَقَالَ الْقَاسِم بْن مُخَيْمِرَة : كُلْ مِنْ ذَبِيحَته وَإِنْ قَالَ بِاسْمِ سَرْجِس - اِسْم كَنِيسَة لَهُمْ - وَهُوَ قَوْل الزُّهْرِيّ وَرَبِيعَة وَالشَّعْبِيّ وَمَكْحُول ; وَرُوِيَ عَنْ صَحَابِيَّيْنِ : عَنْ أَبِي الدَّرْدَاء وَعُبَادَة بْن الصَّامِت . وَقَالَتْ طَائِفَة : إِذَا سَمِعْت الْكِتَابِيّ يُسَمِّي غَيْر اِسْم اللَّه عَزَّ وَجَلَّ فَلَا تَأْكُل ; وَقَالَ بِهَذَا مِنْ الصَّحَابَة عَلِيّ وَعَائِشَة وَابْن عُمَر ; وَهُوَ قَوْل طَاوُس وَالْحَسَن مُتَمَسِّكِينَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : | وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَر اِسْم اللَّه عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْق | [ الْأَنْعَام : 121 ] , وَقَالَ مَالِك : أَكْرَه ذَلِكَ , وَلَمْ يُحَرِّمهُ . قُلْت : الْعَجَب مِنْ الْكِيَا الطَّبَرِيّ الَّذِي حَكَى الِاتِّفَاق عَلَى جَوَاز ذَبِيحَة أَهْل الْكِتَاب , ثُمَّ أَخَذَ يَسْتَدِلّ بِذَلِكَ عَلَى أَنَّ التَّسْمِيَة عَلَى الذَّبِيحَة لَيْسَتْ بِشَرْطٍ فَقَالَ : وَلَا شَكّ أَنَّهُمْ لَا يُسَمُّونَ عَلَى الذَّبِيحَة إِلَّا الْإِلَه الَّذِي لَيْسَ مَعْبُودًا حَقِيقَة مِثْل الْمَسِيح وَعُزَيْر , وَلَوْ سَمَّوْا الْإِلَه حَقِيقَة لَمْ تَكُنْ تَسْمِيَتهمْ عَلَى طَرِيق الْعِبَادَة , وَإِنَّمَا كَانَ عَلَى طَرِيق آخَر ; وَاشْتِرَاط التَّسْمِيَة لَا عَلَى وَجْه الْعِبَادَة لَا يُعْقَل , وَوُجُود التَّسْمِيَة مِنْ الْكَافِر وَعَدَمهَا بِمَثَابَةٍ وَاحِدَة ; إِذَا لَمْ تُتَصَوَّر مِنْهُ الْعِبَادَة , وَلِأَنَّ النَّصْرَانِيّ إِنَّمَا يَذْبَح عَلَى اِسْم الْمَسِيح , وَقَدْ حَكَمَ اللَّه بِحِلِّ ذَبَائِحهمْ مُطْلَقًا , وَفِي ذَلِكَ دَلِيل عَلَى أَنَّ التَّسْمِيَة لَا تُشْتَرَط أَصْلًا كَمَا يَقُول الشَّافِعِيّ , وَسَيَأْتِي مَا فِي هَذَا لِلْعُلَمَاءِ فِي | الْأَنْعَام | إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى . وَلَا خِلَاف بَيْن الْعُلَمَاء أَنَّ مَا لَا يَحْتَاج إِلَى ذَكَاة كَالطَّعَامِ الَّذِي لَا مُحَاوَلَة فِيهِ كَالْفَاكِهَةِ وَالْبُرّ جَائِز أَكْله ; إِذْ لَا يَضُرّ فِيهِ تَمَلُّك أَحَد . وَالطَّعَام الَّذِي تَقَع فِيهِ مُحَاوَلَة عَلَى ضَرْبَيْنِ : أَحَدهمَا : مَا فِيهِ مُحَاوَلَة صَنْعَة لَا تَعَلُّق لِلدِّينِ بِهَا ; كَخَبْزِ الدَّقِيق , وَعَصْر الزَّيْت وَنَحْوه ; فَهَذَا إِنْ تُجُنِّبَ مِنْ الذِّمِّيّ فَعَلَى وَجْه التَّقَزُّز , وَالضَّرْب الثَّانِي : هِيَ التَّذْكِيَة الَّتِي ذَكَرْنَا أَنَّهَا هِيَ الَّتِي تَحْتَاج إِلَى الدِّين وَالنِّيَّة ; فَلَمَّا كَانَ الْقِيَاس أَلَّا تَجُوز ذَبَائِحهمْ - كَمَا نَقُول إِنَّهُمْ لَا صَلَاة لَهُمْ وَلَا عِبَادَة مَقْبُولَة - رَخَّصَ اللَّه تَعَالَى فِي ذَبَائِحهمْ عَلَى هَذِهِ الْأُمَّة , وَأَخْرَجَهَا النَّصّ عَنْ الْقِيَاس عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ قَوْل اِبْن عَبَّاس ; وَاللَّه أَعْلَمُ . وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء أَيْضًا فِيمَا ذَكَّوْهُ هَلْ تَعْمَل الذَّكَاة فِيمَا حُرِّمَ عَلَيْهِمْ أَوْ لَا ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ ; فَالْجُمْهُور عَلَى أَنَّهَا عَامِلَة فِي كُلّ الذَّبِيحَة مَا حَلَّ لَهُ مِنْهَا وَمَا حُرِّمَ عَلَيْهِ , لِأَنَّهُ مُذَكًّى , وَقَالَتْ جَمَاعَة مِنْ أَهْل الْعِلْم : إِنَّمَا حَلَّ لَنَا مِنْ ذَبِيحَتهمْ مَا حَلَّ لَهُمْ ; لِأَنَّ مَا لَا يَحِلّ لَهُمْ لَا تَعْمَل فِيهِ تَذْكِيَتهمْ ; فَمَنَعَتْ هَذِهِ الطَّائِفَة الطَّرِيف وَالشُّحُوم الْمَحْضَة مِنْ ذَبَائِح أَهْل الْكِتَاب ; وَقَصَرَتْ لَفْظ الطَّعَام عَلَى الْبَعْض , وَحَمَلَتْهُ الْأُولَى عَلَى الْعُمُوم فِي جَمِيع مَا يُؤْكَل , وَهَذَا الْخِلَاف مَوْجُود فِي مَذْهَب مَالِك . قَالَ أَبُو عُمَر : وَكَرِهَ مَالِك شُحُوم الْيَهُود وَأَكْل مَا نَحَرُوا مِنْ الْإِبِل , وَأَكْثَرُ أَهْل الْعِلْم لَا يَرَوْنَ بِذَلِكَ بَأْسًا ; وَسَيَأْتِي هَذَا فِي | الْأَنْعَام | إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى ; وَكَانَ مَالِك رَحِمَهُ اللَّه يَكْرَه مَا ذَبَحُوهُ إِذَا وُجِدَ مَا ذَبَحَهُ الْمُسْلِم , وَكَرِهَ أَنْ يَكُون لَهُمْ أَسْوَاق يَبِيعُونَ فِيهَا مَا يَذْبَحُونَ ; وَهَذَا مِنْهُ رَحِمَهُ اللَّه تَنَزُّه . وَأَمَّا الْمَجُوس فَالْعُلَمَاء مُجْمِعُونَ - إِلَّا مَنْ شَذَّ مِنْهُمْ - عَلَى أَنَّ ذَبَائِحهمْ لَا تُؤْكَل , وَلَا يُتَزَوَّج مِنْهُمْ ; لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا أَهْل كِتَاب عَلَى الْمَشْهُور عِنْد الْعُلَمَاء , وَلَا بَأْس بِأَكْلِ طَعَام مَنْ لَا كِتَاب لَهُ كَالْمُشْرِكِينَ وَعَبَدَة الْأَوْثَان مَا لَمْ يَكُنْ مِنْ ذَبَائِحهمْ وَلَمْ يَحْتَجْ إِلَى ذَكَاة ; إِلَّا الْجُبْن ; لِمَا فِيهِ مِنْ إِنْفَحَة الْمَيْتَة . فَإِنْ كَانَ أَبُو الصَّبِيّ مَجُوسِيًّا وَأُمّه كِتَابِيَّة فَحُكْمه حُكْم أَبِيهِ عِنْد مَالِك , وَعِنْد غَيْره لَا تُؤْكَل ذَبِيحَة الصَّبِيّ إِذَا كَانَ أَحَد أَبَوَيْهِ مِمَّنْ لَا تُؤْكَل ذَبِيحَته . وَأَمَّا ذَبِيحَة نَصَارَى بَنِي تَغْلِب وَذَبَائِح كُلّ دَخِيل فِي الْيَهُودِيَّة وَالنَّصْرَانِيَّة فَكَانَ عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ يَنْهَى عَنْ ذَبَائِح بَنِي تَغْلِب ; لِأَنَّهُمْ عَرَب , وَيَقُول : إِنَّهُمْ لَمْ يَتَمَسَّكُوا بِشَيْءٍ مِنْ النَّصْرَانِيَّة إِلَّا بِشُرْبِ الْخَمْر ; وَهُوَ قَوْل الشَّافِعِيّ ; وَعَلَى هَذَا فَلَيْسَ يُنْهَى عَنْ ذَبَائِح النَّصَارَى الْمُحَقَّقِينَ مِنْهُمْ , وَقَالَ جُمْهُور الْأُمَّة : إِنَّ ذَبِيحَة كُلّ نَصْرَانِيّ حَلَال ; سَوَاء كَانَ مِنْ بَنِي تَغْلِب أَوْ غَيْرهمْ , وَكَذَلِكَ الْيَهُودِيّ , وَاحْتَجَّ اِبْن عَبَّاس بِقَوْلِهِ تَعَالَى : | وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ | [ الْمَائِدَة : 51 ] , فَلَوْ لَمْ تَكُنْ بَنُو تَغْلِب مِنْ النَّصَارَى إِلَّا بِتَوَلِّيهِمْ إِيَّاهُمْ لَأُكِلَتْ ذَبَائِحهمْ . وَلَا بَأْس بِالْأَكْلِ وَالشُّرْب وَالطَّبْخ فِي آنِيَة الْكُفَّار كُلّهمْ , مَا لَمْ تَكُنْ ذَهَبًا أَوْ فِضَّة أَوْ جِلْد خِنْزِير بَعْد أَنْ تُغْسَل وَتُغْلَى ; لِأَنَّهُمْ لَا يَتَوَقَّوْنَ النَّجَاسَات وَيَأْكُلُونَ الْمَيْتَات ; فَإِذَا طَبَخُوا فِي تِلْكَ الْقُدُور تَنَجَّسَتْ , وَرُبَّمَا سَرَتْ النَّجَاسَات فِي أَجْزَاء قُدُور الْفَخَّار ; فَإِذَا طُبِخَ فِيهَا بَعْد ذَلِكَ تُوُقِّعَ مُخَالَطَة تِلْكَ الْأَجْزَاء النَّجِسَة لِلْمَطْبُوخِ فِي الْقِدْر ثَانِيَة ; فَاقْتَضَى الْوَرَع الْكَفّ عَنْهَا . وَرُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّهُ قَالَ : إِنْ كَانَ الْإِنَاء مِنْ نُحَاس أَوْ حَدِيد غُسِلَ , وَإِنْ كَانَ مِنْ فَخَّار أُغْلِيَ فِيهِ الْمَاء ثُمَّ غُسِلَ - هَذَا إِذَا اُحْتِيجَ إِلَيْهِ - وَقَالَهُ مَالِك ; فَأَمَّا مَا يَسْتَعْمِلُونَهُ لِغَيْرِ الطَّبْخ فَلَا بَأْس بِاسْتِعْمَالِهِ مِنْ غَيْر غَسْل ; لِمَا رَوَى الدَّارَقُطْنِيّ عَنْ عُمَر أَنَّهُ تَوَضَّأَ مِنْ بَيْت نَصْرَانِيّ فِي حُقّ نَصْرَانِيَّة ; وَهُوَ صَحِيح وَسَيَأْتِي فِي | الْفُرْقَان | بِكَمَالِهِ , وَفِي صَحِيح مُسْلِم مِنْ حَدِيث أَبِي ثَعْلَبَة الْخُشَنِيّ قَالَ أَتَيْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْت : يَا رَسُول اللَّه إِنَّا بِأَرْضِ قَوْم مِنْ أَهْل كِتَاب نَأْكُل فِي آنِيَتهمْ , وَأَرْض صَيْد , أَصِيد بِقَوْسِي وَأَصِيد بِكَلْبِي الْمُعَلَّم , وَأَصِيد بِكَلْبِي الَّذِي لَيْسَ بِمُعَلَّمٍ ; فَأَخْبِرْنِي مَا الَّذِي يَحِلّ لَنَا مِنْ ذَلِكَ ؟ قَالَ : ( أَمَّا مَا ذَكَرْت أَنَّكُمْ بِأَرْضِ قَوْم مِنْ أَهْل كِتَاب تَأْكُلُونَ فِي آنِيَتهمْ فَإِنْ وَجَدْتُمْ غَيْر آنِيَتهمْ فَلَا تَأْكُلُوا فِيهَا وَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَاغْسِلُوهَا ثُمَّ كُلُوا فِيهَا ) ثُمَّ ذَكَرَ الْحَدِيث .|وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ|دَلِيل عَلَى أَنَّهُمْ مُخَاطَبُونَ بِتَفَاصِيل شَرْعنَا ; أَيْ إِذَا اِشْتَرَوْا مِنَّا اللَّحْم يَحِلّ لَهُمْ اللَّحْم وَيَحِلّ لَنَا الثَّمَن الْمَأْخُوذ مِنْهُمْ .|وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ|الْآيَة . قَدْ تَقَدَّمَ مَعْنَاهَا فِي | الْبَقَرَة | و | النِّسَاء | وَالْحَمْد لِلَّهِ , وَرُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى : | وَالْمُحْصَنَات مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَاب | . هُوَ عَلَى الْعَهْد دُون دَار الْحَرْب فَيَكُون خَاصًّا , وَقَالَ غَيْره : يَجُوز نِكَاح الذِّمِّيَّة وَالْحَرْبِيَّة لِعُمُومِ الْآيَة . وَرُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّهُ قَالَ : | الْمُحْصَنَات | الْعَفِيفَات الْعَاقِلَات , وَقَالَ الشَّعْبِيّ : هُوَ أَنْ تُحْصِن فَرْجهَا فَلَا تَزْنِي , وَتَغْتَسِل مِنْ الْجَنَابَة , وَقَرَأَ الشَّعْبِيّ | وَالْمُحْصِنَات | بِكَسْرِ الصَّاد , وَبِهِ قَرَأَ الْكِسَائِيّ , وَقَالَ مُجَاهِد : | الْمُحْصَنَات | الْحَرَائِر ; قَالَ أَبُو عُبَيْد : يَذْهَب إِلَى أَنَّهُ لَا يَحِلّ نِكَاح إِمَاء أَهْل الْكِتَاب ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى : | فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانكُمْ مِنْ فَتَيَاتكُمْ الْمُؤْمِنَات | [ النِّسَاء : 25 ] وَهَذَا الْقَوْل الَّذِي عَلَيْهِ جُلَّة الْعُلَمَاء .|وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ|قِيلَ : لَمَّا قَالَ تَعَالَى : | وَالْمُحْصَنَات مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَاب | قَالَ نِسَاء أَهْل الْكِتَاب : لَوْلَا أَنَّ اللَّه تَعَالَى رَضِيَ دِيننَا لَمْ يُبِحْ لَكُمْ نِكَاحنَا ; فَنَزَلَتْ | وَمَنْ يَكْفُر بِالْإِيمَانِ | أَيْ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّد . وَقَالَ أَبُو الْهَيْثَم : الْبَاء صِلَة ; أَيْ وَمَنْ يَكْفُر الْإِيمَان أَيْ يَجْحَدهُ|فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ|وَقَرَأَ اِبْن السَّمَيْقَع | فَقَدْ حَبَطَ | بِفَتْحِ الْبَاء , وَقِيلَ : لَمَّا ذُكِرَتْ فَرَائِض وَأَحْكَام يَلْزَم الْقِيَام بِهَا , ذُكِرَ الْوَعِيد عَلَى مُخَالَفَتهَا ; لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ تَأْكِيد الزَّجْر عَنْ تَضْيِيعهَا , وَرُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس وَمُجَاهِد أَنَّ الْمَعْنَى : وَمَنْ يَكْفُر بِاَللَّهِ ; قَالَ الْحَسَن بْن الْفَضْل : إِنْ صَحَّتْ هَذِهِ الرِّوَايَة فَمَعْنَاهَا بِرَبِّ الْإِيمَان . وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو الْحَسَن الْأَشْعَرِيّ : وَلَا يَجُوز أَنْ يُسَمَّى اللَّه إِيمَانًا خِلَافًا لِلْحَشْوِيَّةِ وَالسَّالِمِيَّة ; لِأَنَّ الْإِيمَان مَصْدَر آمَنَ يُؤْمِن إِيمَانًا , وَاسْم الْفَاعِل مِنْهُ مُؤْمِن ; وَالْإِيمَان التَّصْدِيق , وَالتَّصْدِيق لَا يَكُون إِلَّا كَلَامًا , وَلَا يَجُوز أَنْ يَكُون الْبَارِي تَعَالَى كَلَامًا .

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى

ذَكَرَ الْقُشَيْرِيّ وَابْن عَطِيَّة أَنَّ هَذِهِ الْآيَة نَزَلَتْ فِي قِصَّة عَائِشَة حِين فَقَدَتْ الْعِقْد فِي غَزْوَة الْمُرَيْسِيع , وَهِيَ آيَة الْوُضُوء . قَالَ اِبْن عَطِيَّة : لَكِنْ مِنْ حَيْثُ كَانَ الْوُضُوء مُتَقَرِّرًا عِنْدهمْ مُسْتَعْمَلًا , فَكَأَنَّ الْآيَة لَمْ تَزِدْهُمْ فِيهِ إِلَّا تِلَاوَته , وَإِنَّمَا أَعْطَتْهُمْ الْفَائِدَة وَالرُّخْصَة فِي التَّيَمُّم , وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي آيَة | النِّسَاء | خِلَاف هَذَا , وَاللَّه أَعْلَمُ . وَمَضْمُون هَذِهِ الْآيَة دَاخِل فِيمَا أُمِرَ بِهِ مِنْ الْوَفَاء بِالْعُقُودِ وَأَحْكَام الشَّرْع , وَفِيمَا ذُكِرَ مِنْ إِتْمَام النِّعْمَة ; فَإِنَّ هَذِهِ الرُّخْصَة مِنْ إِتْمَام النِّعَم . وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي الْمَعْنَى الْمُرَاد بِقَوْلِهِ : | إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاة | عَلَى أَقْوَال ; فَقَالَتْ طَائِفَة : هَذَا لَفْظ عَامّ فِي كُلّ قِيَام إِلَى الصَّلَاة , سَوَاء كَانَ الْقَائِم مُتَطَهِّرًا أَوْ مُحْدِثًا ; فَإِنَّهُ يَنْبَغِي لَهُ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاة أَنْ يَتَوَضَّأ , وَكَانَ عَلِيّ يَفْعَلهُ وَيَتْلُو هَذِهِ الْآيَة ; ذَكَرَهُ أَبُو مُحَمَّد الدَّارِمِيّ فِي مُسْنَده , وَرُوِيَ مِثْله عَنْ عِكْرِمَة , وَقَالَ اِبْن سِيرِينَ : كَانَ الْخُلَفَاء يَتَوَضَّئُونَ لِكُلِّ صَلَاة . قُلْت : فَالْآيَة عَلَى هَذَا مُحْكَمَة لَا نَسْخ فِيهَا , وَقَالَتْ طَائِفَة : الْخِطَاب خَاصّ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; قَالَ عَبْد اللَّه بْن حَنْظَلَة بْن أَبِي عَامِر الْغَسِيل : إِنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمِرَ بِالْوُضُوءِ عِنْد كُلّ صَلَاة فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ ; فَأُمِرَ بِالسِّوَاكِ وَرُفِعَ عَنْهُ الْوُضُوء إِلَّا مِنْ حَدَث , وَقَالَ عَلْقَمَة بْن الْفَغْوَاء عَنْ أَبِيهِ - وَهُوَ مِنْ الصَّحَابَة , وَكَانَ دَلِيل رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى تَبُوك : نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة رُخْصَة لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; لِأَنَّهُ كَانَ لَا يَعْمَل عَمَلًا إِلَّا وَهُوَ عَلَى وُضُوء , وَلَا يُكَلِّم أَحَدًا وَلَا يَرُدّ سَلَامًا إِلَى غَيْر ذَلِكَ ; فَأَعْلَمَهُ اللَّه بِهَذِهِ الْآيَة أَنَّ الْوُضُوء إِنَّمَا هُوَ لِلْقِيَامِ إِلَى الصَّلَاة فَقَطْ دُون سَائِر الْأَعْمَال , وَقَالَتْ طَائِفَة : الْمُرَاد بِالْآيَةِ الْوُضُوء لِكُلِّ صَلَاة طَلَبًا لِلْفَضْلِ ; وَحَمَلُوا الْأَمْر عَلَى النَّدْب , وَكَانَ كَثِير مِنْ الصَّحَابَة مِنْهُمْ اِبْن عُمَر يَتَوَضَّئُونَ لِكُلِّ صَلَاة طَلَبًا لِلْفَضْلِ , وَكَانَ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام يَفْعَل ذَلِكَ إِلَى أَنْ جَمَعَ يَوْم الْفَتْح بَيْن الصَّلَوَات الْخَمْس بِوُضُوءٍ وَاحِد , إِرَادَة الْبَيَان لِأُمَّتِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قُلْت : وَظَاهِر هَذَا الْقَوْل أَنَّ الْوُضُوء لِكُلِّ صَلَاة قَبْل وُرُود النَّاسِخ كَانَ مُسْتَحَبًّا لَا إِيجَابًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ ; فَإِنَّ الْأَمْر إِذَا وَرَدَ , مُقْتَضَاهُ الْوُجُوب ; لَا سِيَّمَا عِنْد الصَّحَابَة رِضْوَان اللَّه عَلَيْهِمْ , عَلَى مَا هُوَ مَعْرُوف مِنْ سِيرَتهمْ , وَقَالَ آخَرُونَ : إِنَّ الْفَرْض فِي كُلّ وُضُوء كَانَ لِكُلِّ صَلَاة ثُمَّ نُسِخَ فِي فَتْح مَكَّة ; وَهَذَا غَلَط لِحَدِيثِ أَنَس قَالَ : كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَوَضَّأ لِكُلِّ صَلَاة , وَإِنَّ أُمَّته كَانَتْ عَلَى خِلَاف ذَلِكَ , وَسَيَأْتِي ; وَلِحَدِيثِ سُوَيْد بْن النُّعْمَان أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى وَهُوَ بِالصَّهْبَاءِ الْعَصْر وَالْمَغْرِب بِوُضُوءٍ وَاحِد ; وَذَلِكَ فِي غَزْوَة خَيْبَر , وَهِيَ سَنَة سِتّ , وَقِيلَ : سَنَة سَبْع , وَفَتْح مَكَّة كَانَ فِي سَنَة ثَمَان ; وَهُوَ حَدِيث صَحِيح رَوَاهُ مَالِك فِي مُوَطَّئِهِ , وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ وَمُسْلِم ; فَبَانَ بِهَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ أَنَّ الْفَرْض لَمْ يَكُنْ قَبْل الْفَتْح لِكُلِّ صَلَاة . فَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ رَوَى مُسْلِم عَنْ بُرَيْدَة بْن الْحُصَيْب أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَتَوَضَّأ لِكُلِّ صَلَاة , فَلَمَّا كَانَ يَوْم الْفَتْح صَلَّى الصَّلَوَات بِوُضُوءٍ وَاحِد , وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ , فَقَالَ عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : لَقَدْ صَنَعْت الْيَوْم شَيْئًا لَمْ تَكُنْ تَصْنَعهُ ; فَقَالَ : ( عَمْدًا صَنَعْته يَا عُمَر ) . فَلِمَ سَأَلَهُ عُمَر وَاسْتَفْهَمَهُ ؟ قِيلَ لَهُ : إِنَّمَا سَأَلَهُ لِمُخَالَفَتِهِ عَادَته مُنْذُ صَلَاته بِخَيْبَر ; وَاللَّه أَعْلَمُ . وَرَوَى التِّرْمِذِيّ عَنْ أَنَس أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَتَوَضَّأ لِكُلِّ صَلَاة طَاهِرًا وَغَيْر طَاهِر ; قَالَ حُمَيْد : قُلْت لِأَنَسٍ : وَكَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ أَنْتُمْ ؟ قَالَ : كُنَّا نَتَوَضَّأ وُضُوءًا وَاحِدًا ; قَالَ : حَدِيث حَسَن صَحِيح ; وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : ( الْوُضُوء عَلَى الْوُضُوء نُور ) فَكَانَ عَلَيْهِ السَّلَام يَتَوَضَّأ مُجَدِّدًا لِكُلِّ صَلَاة , وَقَدْ سَلَّمَ عَلَيْهِ رَجُل وَهُوَ يَبُول فَلَمْ يَرُدّ عَلَيْهِ حَتَّى تَيَمَّمَ ثُمَّ رَدَّ السَّلَام وَقَالَ : ( إِنِّي كَرِهْت أَنْ أَذْكُر اللَّه إِلَّا عَلَى طُهْر ) رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ , وَقَالَ السُّدِّيّ وَزَيْد بْن أَسْلَمَ : مَعْنَى الْآيَة | إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاة | يُرِيد مِنْ الْمَضَاجِع يَعْنِي النَّوْم , وَالْقَصْد بِهَذَا التَّأْوِيل أَنْ يَعُمّ الْأَحْدَاث بِالذِّكْرِ , وَلَا سِيَّمَا النَّوْم الَّذِي هُوَ مُخْتَلَف فِيهِ هَلْ هُوَ حَدَث فِي نَفْسه أَمْ لَا ؟ وَفِي الْآيَة عَلَى هَذَا التَّأْوِيل تَقْدِيم وَتَأْخِير ; التَّقْدِير : يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاة مِنْ النَّوْم , أَوْ جَاءَ أَحَد مِنْكُمْ مِنْ الْغَائِط أَوْ لَامَسْتُمْ النِّسَاء - يَعْنِي الْمُلَامَسَة الصُّغْرَى - فَاغْسِلُوا ; فَتَمَّتْ أَحْكَام الْمُحْدِث حَدَثًا أَصْغَرَ . ثُمَّ قَالَ : | وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا | فَهَذَا حُكْم نَوْع آخَر ; ثُمَّ قَالَ لِلنَّوْعَيْنِ جَمِيعًا : | وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَر أَوْ جَاءَ أَحَد مِنْكُمْ مِنْ الْغَائِط أَوْ لَامَسْتُمْ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُوا مَاء فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا | [ النِّسَاء : 43 ] . وَقَالَ بِهَذَا التَّأْوِيل مُحَمَّد بْن مَسْلَمَة مِنْ أَصْحَاب مَالِك - رَحِمَهُ اللَّه - وَغَيْره , وَقَالَ جُمْهُور أَهْل الْعِلْم : مَعْنَى الْآيَة إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاة مُحْدِثِينَ ; وَلَيْسَ فِي الْآيَة عَلَى هَذَا تَقْدِيم وَتَأْخِير , بَلْ تَرَتَّبَ فِي الْآيَة حُكْم وَاجِد الْمَاء إِلَى قَوْله : | فَاطَّهَّرُوا | وَدَخَلَتْ الْمُلَامَسَة الصُّغْرَى فِي قَوْله | مُحْدِثِينَ | . ثُمَّ ذَكَرَ بَعْد قَوْله : | وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا | حُكْم عَادِم الْمَاء مِنْ النَّوْعَيْنِ جَمِيعًا , وَكَانَتْ الْمُلَامَسَة هِيَ الْجِمَاع , وَلَا بُدّ أَنْ يَذْكُر الْجُنُب الْعَادِم الْمَاء كَمَا ذَكَرَ الْوَاجِد ; وَهَذَا تَأْوِيل الشَّافِعِيّ وَغَيْره ; وَعَلَيْهِ تَجِيء أَقْوَال الصَّحَابَة كَسَعْدِ بْن أَبِي وَقَّاص وَابْن عَبَّاس وَأَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ وَغَيْرهمْ . قُلْت : وَهَذَانِ التَّأْوِيلَانِ أَحْسَنُ مَا قِيلَ فِي الْآيَة ; وَاللَّه أَعْلَمُ , وَمَعْنَى | إِذَا قُمْتُمْ | إِذَا أَرَدْتُمْ , كَمَا قَالَ تَعَالَى : | فَإِذَا قَرَأْت الْقُرْآن فَاسْتَعِذْ | [ النَّحْل : 98 ] , أَيْ إِذَا أَرَدْت ; لِأَنَّ الْوُضُوء حَالَة الْقِيَام إِلَى الصَّلَاة لَا يُمْكِن .|الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى|ذَكَرَ تَعَالَى أَرْبَعَة أَعْضَاء : الْوَجْه وَفَرْضه الْغَسْل وَالْيَدَيْنِ كَذَلِكَ وَالرَّأْس وَفَرْضه الْمَسْح اِتِّفَاقًا وَاخْتُلِفَ فِي الرِّجْلَيْنِ عَلَى مَا يَأْتِي , لَمْ يُذْكَر سِوَاهَا فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ مَا عَدَاهَا آدَاب وَسُنَن , وَاللَّه أَعْلَمُ , وَلَا بُدّ فِي غَسْل الْوَجْه مِنْ نَقْل الْمَاء إِلَيْهِ , وَإِمْرَار الْيَد عَلَيْهِ ; وَهَذِهِ حَقِيقَة الْغَسْل عِنْدنَا , وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي | النِّسَاء | , وَقَالَ غَيْرنَا : إِنَّمَا عَلَيْهِ إِجْرَاء الْمَاء وَلَيْسَ عَلَيْهِ دَلْك بِيَدِهِ ; وَلَا شَكّ أَنَّهُ إِذَا اِنْغَمَسَ الرَّجُل فِي الْمَاء وَغَمَسَ وَجْهه أَوْ يَده وَلَمْ يُدَلِّك يُقَال : غَسَلَ وَجْهه وَيَده , وَمَعْلُوم أَنَّهُ لَا يُعْتَبَر فِي ذَلِكَ غَيْر حُصُول الِاسْم , فَإِذَا حَصَلَ كَفَى , وَالْوَجْه فِي اللُّغَة مَأْخُوذ مِنْ الْمُوَاجَهَة , وَهُوَ عُضْو مُشْتَمِل عَلَى أَعْضَاء وَلَهُ طُول وَعَرْض ; فَحَدّه فِي الطُّول مِنْ مُبْتَدَإ سَطْح الْجَبْهَة إِلَى مُنْتَهَى اللَّحْيَيْنِ , وَمِنْ الْأُذُن إِلَى الْأُذُن فِي الْعَرْض , وَهَذَا فِي الْأَمْرَد ; وَأَمَّا الْمُلْتَحِي فَإِذَا اِكْتَسَى الذَّقْن بِالشَّعْرِ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُون خَفِيفًا أَوْ كَثِيفًا ; فَإِنْ كَانَ الْأَوَّل بِحَيْثُ تَبِين مِنْهُ الْبَشَرَة فَلَا بُدّ مِنْ إِيصَال الْمَاء إِلَيْهَا , وَإِنْ كَانَ كَثِيفًا فَقَدْ اِنْتَقَلَ الْفَرْض إِلَيْهِ كَشَعْرِ الرَّأْس ; ثُمَّ مَا زَادَ عَلَى الذَّقْن مِنْ الشَّعْر وَاسْتَرْسَلَ مِنْ اللِّحْيَة , فَقَالَ سَحْنُون عَنْ اِبْن الْقَاسِم : سَمِعْت مَالِكًا سُئِلَ : هَلْ سَمِعْت بَعْض أَهْل الْعِلْم يَقُول إِنَّ اللِّحْيَة مِنْ الْوَجْه فَلْيُمِرَّ عَلَيْهَا الْمَاء ؟ قَالَ : نَعَمْ , وَتَخْلِيلهَا فِي الْوُضُوء لَيْسَ مِنْ أَمْر النَّاس , وَعَابَ ذَلِكَ عَلَى مَنْ فَعَلَهُ , وَذَكَرَ اِبْن الْقَاسِم أَيْضًا عَنْ مَالِك قَالَ : يُحَرِّك الْمُتَوَضِّئ ظَاهِر لِحْيَته مِنْ غَيْر أَنْ يُدْخِل يَده فِيهَا ; قَالَ : وَهِيَ مِثْل أَصَابِع الرِّجْلَيْنِ . قَالَ اِبْن عَبْد الْحَكَم : تَخْلِيل اللِّحْيَة وَاجِب فِي الْوُضُوء وَالْغُسْل . قَالَ أَبُو عُمَر : رُوِيَ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ خَلَّلَ لِحْيَته فِي الْوُضُوء مِنْ وُجُوه كُلّهَا ضَعِيفَة . وَذَكَرَ اِبْن خُوَيْز مَنْدَاد : أَنَّ الْفُقَهَاء اِتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ تَخْلِيل اللِّحْيَة لَيْسَ بِوَاجِبٍ فِي الْوُضُوء , إِلَّا شَيْء رُوِيَ عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر ; قَوْله : مَا بَال الرَّجُل يَغْسِل لِحْيَته قَبْل أَنْ تَنْبُت فَإِذَا نَبَتَتْ لَمْ يَغْسِلهَا , وَمَا بَال الْأَمْرَد يَغْسِل ذَقْنه وَلَا يَغْسِلهُ ذُو اللِّحْيَة ؟ قَالَ الطَّحَاوِيّ : التَّيَمُّم وَاجِب فِيهِ مَسْح الْبَشَرَة قَبْل نَبَات الشَّعْر فِي الْوَجْه ثُمَّ سَقَطَ بَعْده عِنْد جَمِيعهمْ . فَكَذَلِكَ الْوُضُوء . قَالَ أَبُو عُمَر : مَنْ جَعَلَ غَسْل اللِّحْيَة كُلّهَا وَاجِبًا جَعَلَهَا وَجْهًا ; لِأَنَّ الْوَجْه مَأْخُوذ مِنْ الْمُوَاجَهَة , وَاَللَّه قَدْ أَمَرَ بِغَسْلِ الْوَجْه أَمْرًا مُطْلَقًا لَمْ يَخُصّ صَاحِب لِحْيَة مِنْ أَمْرَد ; فَوَجَبَ غَسْلهَا بِظَاهِرِ الْقُرْآن لِأَنَّهَا بَدَل مِنْ الْبَشَرَة . قُلْت : وَاخْتَارَ هَذَا الْقَوْل اِبْن الْعَرَبِيّ وَقَالَ : وَبِهِ أَقُول ; لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَغْسِل لِحْيَته , خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيّ وَغَيْره ; فَعُيِّنَ الْمُحْتَمَل بِالْفِعْلِ , وَحَكَى اِبْن الْمُنْذِر عَنْ إِسْحَاق أَنَّ مَنْ تَرَكَ تَخْلِيل لِحْيَته عَامِدًا أَعَادَ , وَرَوَى التِّرْمِذِيّ عَنْ عُثْمَان بْن عَفَّان أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُخَلِّل لِحْيَته ; قَالَ : هَذَا حَدِيث حَسَن صَحِيح ; قَالَ أَبُو عُمَر : وَمَنْ لَمْ يُوجِب غَسْل مَا اِنْسَدَلَ مِنْ اللِّحْيَة ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الْأَصْل الْمَأْمُور بِغَسْلِهِ الْبَشَرَة , فَوَجَبَ غَسْل مَا ظَهَرَ فَوْق الْبَشَرَة , وَمَا اِنْسَدَلَ مِنْ اللِّحْيَة لَيْسَ تَحْته مَا يَلْزَم غَسْله , فَيَكُون غَسْل اللِّحْيَة بَدَلًا مِنْهُ , وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فِي غَسْل مَا وَرَاء الْعِذَار إِلَى الْأُذُن ; فَرَوَى اِبْن وَهْب عَنْ مَالِك قَالَ : لَيْسَ مَا خَلْف الصُّدْغ الَّذِي مِنْ وَرَاء شَعْر اللِّحْيَة إِلَى الذَّقْن مِنْ الْوَجْه . قَالَ أَبُو عُمَر : لَا أَعْلَم أَحَدًا مِنْ فُقَهَاء الْأَمْصَار قَالَ بِمَا رَوَاهُ اِبْن وَهْب عَنْ مَالِك , وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة وَأَصْحَابه : الْبَيَاض بَيْن الْعِذَار وَالْأُذُن مِنْ الْوَجْه , وَغَسْله وَاجِب ; وَنَحْوه قَالَ الشَّافِعِيّ وَأَحْمَد , وَقِيلَ : يَغْسِل الْبَيَاض اِسْتِحْبَابًا ; قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : وَالصَّحِيح عِنْدِي أَنَّهُ لَا يَلْزَم غَسْله إِلَّا لِلْأَمْرَدِ لَا لِلْمُعْذِرِ . قُلْت : وَهُوَ اِخْتِيَار الْقَاضِي عَبْد الْوَهَّاب ; وَسَبَب الْخِلَاف هَلْ تَقَع عَلَيْهِ الْمُوَاجَهَة أَمْ لَا ؟ وَاللَّه أَعْلَمُ , وَبِسَبَبِ هَذَا الِاحْتِمَال اِخْتَلَفُوا هَلْ يَتَنَاوَل الْأَمْر بِغَسْلِ الْوَجْه بَاطِن الْأَنْف وَالْفَم أَمْ لَا ؟ فَذَهَبَ أَحْمَد بْن حَنْبَل وَإِسْحَاق وَغَيْرهمَا إِلَى وُجُوب ذَلِكَ فِي الْوُضُوء وَالْغُسْل , إِلَّا أَنَّ أَحْمَد قَالَ : يُعِيد مَنْ تَرَكَ الِاسْتِنْشَاق فِي وُضُوئِهِ وَلَا يُعِيد مَنْ تَرَكَ الْمَضْمَضَة , وَقَالَ عَامَّة الْفُقَهَاء : هُمَا سُنَّتَانِ فِي الْوُضُوء وَالْغُسْل ; لِأَنَّ الْأَمْر إِنَّمَا يَتَنَاوَل الظَّاهِر دُون الْبَاطِن , وَالْعَرَب لَا تُسَمِّي وَجْهًا إِلَّا مَا وَقَعَتْ بِهِ الْمُوَاجَهَة , ثُمَّ إِنَّ اللَّه تَعَالَى لَمْ يَذْكُرهُمَا فِي كِتَابه , وَلَا أَوْجَبَهُمَا الْمُسْلِمُونَ , وَلَا اِتَّفَقَ الْجَمِيع عَلَيْهِ ; وَالْفَرَائِض لَا تَثْبُت إِلَّا مِنْ هَذِهِ الْوُجُوه , وَقَدْ مَضَى هَذَا الْمَعْنَى فِي | النِّسَاء | , وَأَمَّا الْعَيْنَانِ فَالنَّاس كُلّهمْ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ دَاخِل الْعَيْنَيْنِ لَا يَلْزَم غَسْله , إِلَّا مَا رُوِيَ عَنْ عَبْد اللَّه بْن عُمَر أَنَّهُ كَانَ يَنْضَح الْمَاء فِي عَيْنَيْهِ ; وَإِنَّمَا سَقَطَ غَسْلهمَا لِلتَّأَذِّي بِذَلِكَ وَالْحَرَج بِهِ ; قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : وَلِذَلِكَ كَانَ عَبْد اللَّه بْن عُمَر لَمَّا عَمِيَ يَغْسِل عَيْنَيْهِ إِذْ كَانَ لَا يَتَأَذَّى بِذَلِكَ ; وَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا مِنْ حُكْم الْوَجْه فَلَا بُدّ مِنْ غَسْل جُزْء مِنْ الرَّأْس مَعَ الْوَجْه مِنْ غَيْر تَحْدِيد , كَمَا لَا بُدّ عَلَى الْقَوْل بِوُجُوبِ عُمُوم الرَّأْس مِنْ مَسْح جُزْء مَعَهُ مِنْ الْوَجْه لَا يَتَقَدَّر ; وَهَذَا يَنْبَنِي عَلَى أَصْل مِنْ أُصُول الْفِقْه وَهُوَ : | أَنَّ مَا لَا يَتِمّ الْوَاجِب إِلَّا بِهِ وَاجِب مِثْله | وَاللَّه أَعْلَمُ . وَجُمْهُور الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّ الْوُضُوء لَا بُدّ فِيهِ مِنْ نِيَّة ; لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَام : ( إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ ) . قَالَ الْبُخَارِيّ : فَدَخَلَ فِيهِ الْإِيمَان وَالْوُضُوء وَالصَّلَاة وَالزَّكَاة وَالْحَجّ وَالصَّوْم وَالْأَحْكَام ; وَقَالَ اللَّه تَعَالَى : | قُلْ كُلٌّ يَعْمَل عَلَى شَاكِلَته | [ الْإِسْرَاء : 84 ] , يَعْنِي عَلَى نِيَّته . وَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَلَكِنْ جِهَاد وَنِيَّة ) , وَقَالَ كَثِير مِنْ الشَّافِعِيَّة : لَا حَاجَة إِلَى نِيَّة ; وَهُوَ قَوْل الْحَنَفِيَّة ; قَالُوا : لَا تَجِب النِّيَّة إِلَّا فِي الْفُرُوض الَّتِي هِيَ مَقْصُودَة لِأَعْيَانِهَا وَلَمْ تُجْعَل سَبَبًا لِغَيْرِهَا , فَأَمَّا مَا كَانَ شَرْطًا لِصِحَّةِ فِعْل آخَر فَلَيْسَ يَجِب ذَلِكَ فِيهِ بِنَفْسِ وُرُود الْأَمْر إِلَّا بِدَلَالَةٍ تُقَارِنهُ , وَالطَّهَارَة شَرْط ; فَإِنَّ مَنْ لَا صَلَاة عَلَيْهِ لَا يَجِب عَلَيْهِ فَرْض الطَّهَارَة , كَالْحَائِضِ وَالنُّفَسَاء . اِحْتَجَّ عُلَمَاؤُنَا وَبَعْض الشَّافِعِيَّة بِقَوْلِهِ تَعَالَى : | إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاة فَاغْسِلُوا وُجُوهكُمْ | فَلَمَّا وَجَبَ فِعْل الْغَسْل كَانَتْ النِّيَّة شَرْطًا فِي صِحَّة الْفِعْل ; 0 لِأَنَّ الْفَرْض مِنْ قِبَل اللَّه تَعَالَى فَيَنْبَغِي أَنْ يَجِب فِعْل مَا أَمَرَ اللَّه بِهِ ; فَإِذَا قُلْنَا : إِنَّ النِّيَّة لَا تَجِب عَلَيْهِ لَمْ يَجِب عَلَيْهِ الْقَصْد إِلَى فِعْل مَا أَمَرَهُ اللَّه تَعَالَى , وَمَعْلُوم أَنَّ الَّذِي اِغْتَسَلَ تَبَرُّدًا أَوْ لِغَرَضٍ مَا , قَصَدَ أَدَاء الْوَاجِب ; وَصَحَّ فِي الْحَدِيث أَنَّ الْوُضُوء يُكَفِّر ; فَلَوْ صَحَّ بِغَيْرِ نِيَّة لَمَا كَفَّرَ , وَقَالَ تَعَالَى : | وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّه مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّين | [ الْبَيِّنَة : 5 ] . قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ , قَالَ بَعْض عُلَمَائِنَا : إِنَّ مَنْ خَرَجَ إِلَى النَّهْر بِنِيَّةِ الْغُسْل أَجْزَأَهُ , وَإِنْ عَزَبَتْ نِيَّته فِي الطَّرِيق , وَلَوْ خَرَجَ إِلَى الْحَمَّام فَعَزَبَتْ فِي أَثْنَاء الطَّرِيق بَطَلَتْ النِّيَّة . قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْر بْن الْعَرَبِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : فَرَكَّبَ عَلَى هَذَا سَفَاسِفَة الْمُفْتِينَ أَنَّ نِيَّة الصَّلَاة تَتَخَرَّج عَلَى الْقَوْلَيْنِ , وَأَوْرَدُوا فِيهَا نَصًّا عَمَّنْ لَا يُفَرِّق بَيْن الظَّنّ وَالْيَقِين بِأَنَّهُ قَالَ : يَجُوز أَنْ تَتَقَدَّم فِيهَا النِّيَّة عَلَى التَّكْبِير ; وَيَا لَلَّهِ وَيَا لَلْعَالَمِينَ مِنْ أُمَّة أَرَادَتْ أَنْ تَكُون مُفْتِيَة مُجْتَهِدَة فَمَا وَفَّقَهَا اللَّه وَلَا سَدَّدَهَا ! ; اِعْلَمُوا رَحِمَكُمْ اللَّه أَنَّ النِّيَّة فِي الْوُضُوء مُخْتَلَف فِي وُجُوبهَا بَيْن الْعُلَمَاء , وَقَدْ اِخْتَلَفَ فِيهَا قَوْل مَالِك ; فَلَمَّا نَزَلَتْ عَنْ مَرْتَبَة الِاتِّفَاق سُومِحَ فِي تَقْدِيمهَا فِي بَعْض الْمَوَاضِع , فَأَمَّا الصَّلَاة فَلَمْ يَخْتَلِف أَحَد مِنْ الْأَئِمَّة فِيهَا , وَهِيَ أَصْل مَقْصُود , فَكَيْفَ يُحْمَل الْأَصْل الْمَقْصُود الْمُتَّفَق عَلَيْهِ عَلَى الْفَرْع التَّابِع الْمُخْتَلَف فِيهِ ! هَلْ هَذَا إِلَّا غَايَة الْغَبَاوَة ؟ وَأَمَّا الصَّوْم فَإِنَّ الشَّرْع رَفَعَ الْحَرَج فِيهِ لَمَّا كَانَ اِبْتِدَاؤُهُ فِي وَقْت الْغَفْلَة بِتَقْدِيمِ النِّيَّة عَلَيْهِ . قَوْله تَعَالَى : | وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِق | وَاخْتَلَفَ النَّاس فِي دُخُول الْمَرَافِق فِي التَّحْدِيد ; فَقَالَ قَوْم : نَعَمْ ; لِأَنَّ مَا بَعْد | إِلَى | إِذَا كَانَ مِنْ نَوْع مَا قَبْلهَا دَخَلَ فِيهِ ; قَالَ سِيبَوَيْهِ وَغَيْره , وَقَدْ مَضَى هَذَا فِي | الْبَقَرَة | مُبَيَّنًا , وَقِيلَ : لَا يَدْخُل الْمَرْفِقَانِ فِي الْغَسْل ; وَالرِّوَايَتَانِ مَرْوِيَّتَانِ عَنْ مَالِك ; الثَّانِيَة لِأَشْهَبَ ; وَالْأُولَى عَلَيْهَا أَكْثَرُ الْعُلَمَاء وَهُوَ الصَّحِيح ; لِمَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ عَنْ جَابِر أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا تَوَضَّأَ أَدَارَ الْمَاء عَلَى مَرْفِقَيْهِ , وَقَدْ قَالَ بَعْضهمْ : إِنَّ | إِلَى | بِمَعْنَى مَعَ , كَقَوْلِهِمْ : الذَّوْد إِلَى الذَّوْد إِبِل , أَيْ مَعَ الذَّوْد , وَهَذَا لَا يُحْتَاج إِلَيْهِ كَمَا بَيَّنَّاهُ فِي | النِّسَاء | ; وَلِأَنَّ الْيَد عِنْد الْعَرَب تَقَع عَلَى أَطْرَاف الْأَصَابِع إِلَى الْكَتِف , وَكَذَلِكَ الرِّجْل تَقَع عَلَى الْأَصَابِع إِلَى أَصْل الْفَخِذ ; فَالْمِرْفَق دَاخِل تَحْت اِسْم الْيَد , فَلَوْ كَانَ الْمَعْنَى مَعَ الْمَرَافِق لَمْ يُفِدْ , فَلَمَّا قَالَ : | إِلَى | اِقْتَطَعَ مِنْ حَدّ الْمَرَافِق عَنْ الْغَسْل , وَبَقِيَتْ الْمَرَافِق مَغْسُولَة إِلَى الظُّفْر , وَهَذَا كَلَام صَحِيح يَجْرِي عَلَى الْأُصُول لُغَة وَمَعْنًى ; قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : وَمَا فَهِمَ أَحَد مَقْطَع الْمَسْأَلَة إِلَّا الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّد فَإِنَّهُ قَالَ : إِنَّ قَوْله | إِلَى الْمَرَافِق | حَدّ لِلْمَتْرُوكِ مِنْ الْيَدَيْنِ لَا لِلْمَغْسُولِ فِيهِمَا ; وَلِذَلِكَ تَدْخُل الْمَرَافِق فِي الْغُسْل . قُلْت : وَلَمَّا كَانَ الْيَد وَالرِّجْل تَنْطَلِق فِي اللُّغَة عَلَى مَا ذَكَرْنَا كَانَ أَبُو هُرَيْرَة يَبْلُغ بِالْوُضُوءِ إِبْطه وَسَاقه وَيَقُول : سَمِعْت خَلِيلِي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : ( تَبْلُغ الْحِلْيَة مِنْ الْمُؤْمِن حَيْثُ يَبْلُغ الْوُضُوء ) . قَالَ الْقَاضِي عِيَاض : وَالنَّاس مُجْمِعُونَ عَلَى خِلَاف هَذَا , وَأَلَّا يَتَعَدَّى بِالْوُضُوءِ حُدُوده ; لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَام : ( فَمَنْ زَادَ فَقَدْ تَعَدَّى وَظَلَمَ ) . وَقَالَ غَيْره : كَانَ هَذَا الْفِعْل مَذْهَبًا لَهُ وَمِمَّا اِنْفَرَدَ بِهِ , وَلَمْ يَحْكِهِ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنَّمَا اِسْتَنْبَطَهُ مِنْ قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام : ( أَنْتُمْ الْغُرّ الْمُحَجَّلُونَ ) وَمِنْ قَوْله : ( تَبْلُغ الْحِلْيَة ) كَمَا ذُكِرَ . قَوْله تَعَالَى : | وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ | تَقَدَّمَ فِي | النِّسَاء | أَنَّ الْمَسْح لَفْظ مُشْتَرَك , وَأَمَّا الرَّأْس فَهُوَ عِبَارَة عَنْ الْجُمْلَة الَّتِي يَعْلَمهَا النَّاس ضَرُورَة وَمِنْهَا الْوَجْه , فَلَمَّا ذَكَرَهُ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ فِي الْوُضُوء وَعَيَّنَ الْوَجْه لِلْغَسْلِ بَقِيَ بَاقِيه لِلْمَسْحِ , وَلَوْ لَمْ يَذْكُر الْغَسْل لَلَزِمَ مَسْح جَمِيعه , مَا عَلَيْهِ شَعْر مِنْ الرَّأْس وَمَا فِيهِ الْعَيْنَانِ وَالْأَنْف وَالْفَم ; وَقَدْ أَشَارَ مَالِك فِي وُجُوب مَسْح الرَّأْس إِلَى مَا ذَكَرْنَاهُ ; فَإِنَّهُ سُئِلَ عَنْ الَّذِي يَتْرُك بَعْض رَأْسه فِي الْوُضُوء فَقَالَ : أَرَأَيْت إِنْ تَرَكَ غَسْل بَعْض وَجْهه أَكَانَ يُجْزِئهُ ؟ وَوَضَحَ بِهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ أَنَّ الْأُذُنَيْنِ مِنْ الرَّأْس , وَأَنَّ حُكْمهمَا حُكْم الرَّأْس خِلَافًا لِلزُّهْرِيِّ , حَيْثُ قَالَ : هُمَا مِنْ الْوَجْه يُغْسَلَانِ مَعَهُ , وَخِلَافًا لِلشَّعْبِيِّ , حَيْثُ قَالَ : مَا أَقْبَلَ مِنْهُمَا مِنْ الْوَجْه وَظَاهِرهمَا مِنْ الرَّأْس ; وَهُوَ قَوْل الْحَسَن وَإِسْحَاق , وَحَكَاهُ اِبْن أَبِي هُرَيْرَة عَنْ الشَّافِعِيّ , وَسَيَأْتِي بَيَان حُجَّتهمَا ; وَإِنَّمَا سُمِّيَ الرَّأْس رَأْسًا لِعُلُوِّهِ وَنَبَات الشَّعْر فِيهِ , وَمِنْهُ رَأْس الْجَبَل ; وَإِنَّمَا قُلْنَا إِنَّ الرَّأْس اِسْم لِجُمْلَةِ أَعْضَاء لِقَوْلِ الشَّاعِر : <br>إِذَا اِحْتَمَلُوا رَأْسِي وَفِي الرَّأْس أَكْثَرِي .......... وَغُودِرَ عِنْد الْمُلْتَقَى ثَمَّ سَائِرِي <br>وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي تَقْدِير مَسْحه عَلَى أَحَد عَشَر قَوْلًا ; ثَلَاثَة لِأَبِي حَنِيفَة , وَقَوْلَانِ لِلشَّافِعِيِّ , وَسِتَّة أَقْوَال لِعُلَمَائِنَا ; وَالصَّحِيح مِنْهَا وَاحِد وَهُوَ وُجُوب التَّعْمِيم لِمَا ذَكَرْنَاهُ . وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّ مَنْ مَسَحَ رَأْسه كُلّه فَقَدْ أَحْسَنَ وَفَعَلَ مَا يَلْزَمهُ ; وَالْبَاء مُؤَكِّدَة زَائِدَة لَيْسَتْ لِلتَّبْعِيضِ : وَالْمَعْنَى وَامْسَحُوا رُءُوسكُمْ , وَقِيلَ : دُخُولهَا هُنَا كَدُخُولِهَا فِي التَّيَمُّم فِي قَوْله : | فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ | فَلَوْ كَانَ مَعْنَاهَا التَّبْعِيض لَأَفَادَتْهُ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِع , وَهَذَا قَاطِع . وَقِيلَ : إِنَّمَا دَخَلَتْ لِتُفِيدَ مَعْنًى بَدِيعًا وَهُوَ أَنَّ الْغَسْل لُغَة يَقْتَضِي مَغْسُولًا بِهِ , وَالْمَسْح لُغَة لَا يَقْتَضِي مَمْسُوحًا بِهِ ; فَلَوْ قَالَ : وَامْسَحُوا رُءُوسكُمْ لَأَجْزَأَ الْمَسْح بِالْيَدِ إِمْرَارًا مِنْ غَيْر شَيْء عَلَى الرَّأْس ; فَدَخَلَتْ الْبَاء لِتُفِيدَ مَمْسُوحًا بِهِ وَهُوَ الْمَاء , فَكَأَنَّهُ قَالَ : وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ الْمَاء ; وَذَلِكَ فَصِيح فِي اللُّغَة عَلَى وَجْهَيْنِ ; إِمَّا عَلَى الْقَلْب كَمَا أَنْشَدَ سِيبَوَيْهِ : <br>كَنُوَاحِ رِيش حَمَامَة بَخْدِيَّة 53 .......... وَمَسَحْتِ بِاللِّثَتَيْنِ عَصْف الْإِثْمِد <br>وَاللِّثَة هِيَ الْمَمْسُوحَة بِعَصْفِ الْإِثْمِد فَقَلَبَ , وَأَمَّا عَلَى الِاشْتِرَاك فِي الْفِعْل وَالتَّسَاوِي فِي نِسْبَته كَقَوْلِ الشَّاعِر : <br>مِثْل الْقَنَافِذ هَدَّاجُونَ قَدْ بَلَغَتْ .......... نَجْرَان أَوْ بَلَغَتْ سَوْءَاتهمْ هَجَرُ <br>فَهَذَا مَا لِعُلَمَائِنَا فِي مَعْنَى الْبَاء , وَقَالَ الشَّافِعِيّ : اِحْتَمَلَ قَوْل اللَّه تَعَالَى : | وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ | بَعْض الرَّأْس وَمَسْح جَمِيعه فَدَلَّتْ السُّنَّة أَنَّ مَسْح بَعْضه يُجْزِئ , وَهُوَ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَسَحَ بِنَاصِيَتِهِ ; وَقَالَ فِي مَوْضِع آخَر : فَإِنْ قِيلَ قَدْ قَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : | فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ | فِي التَّيَمُّم أَيُجْزِئُ بَعْض الْوَجْه فِيهِ ؟ قِيلَ لَهُ : مَسْح الْوَجْه فِي التَّيَمُّم بَدَل مِنْ غَسْله ; فَلَا بُدّ أَنْ يَأْتِيَ بِالْمَسْحِ عَلَى جَمِيع مَوْضِع الْغَسْل مِنْهُ , وَمَسْح الرَّأْس أَصْل ; فَهَذَا فَرْق مَا بَيْنهمَا . أَجَابَ عُلَمَاؤُنَا عَنْ الْحَدِيث بِأَنْ قَالُوا : لَعَلَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَلَ ذَلِكَ لِعُذْرٍ لَا سِيَّمَا وَكَانَ هَذَا الْفِعْل مِنْهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي السَّفَر وَهُوَ مَظِنَّة الْأَعْذَار , وَمَوْضِع الِاسْتِعْجَال وَالِاخْتِصَار , وَحَذْف كَثِير مِنْ الْفَرَائِض لِأَجْلِ الْمَشَقَّات وَالْأَخْطَار ; ثُمَّ هُوَ لَمْ يَكْتَفِ بِالنَّاصِيَةِ حَتَّى مَسَحَ عَلَى الْعِمَامَة ; أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ حَدِيث الْمُغِيرَة بْن شُعْبَة ; فَلَوْ لَمْ يَكُنْ مَسْح جَمِيع الرَّأْس وَاجِبًا لَمَا مَسَحَ عَلَى الْعِمَامَة ; وَاللَّه أَعْلَمُ . وَجُمْهُور الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّ مَسْحَة وَاحِدَة مُوعِبَة كَامِلَة تُجْزِئ , وَقَالَ الشَّافِعِيّ : يَمْسَح رَأْسه ثَلَاثًا ; وَرُوِيَ عَنْ أَنَس وَسَعِيد بْن جُبَيْر وَعَطَاء , وَكَانَ اِبْن سِيرِينَ يَمْسَح مَرَّتَيْنِ . قَالَ أَبُو دَاوُد : وَأَحَادِيث عُثْمَان الصِّحَاح كُلّهَا تَدُلّ عَلَى أَنَّ مَسْح الرَّأْس مَرَّة ; فَإِنَّهُمْ ذَكَرُوا الْوُضُوء ثَلَاثًا , قَالُوا فِيهَا : وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ وَلَمْ يَذْكُرُوا عَدَدًا . وَاخْتَلَفُوا مِنْ أَيْنَ يَبْدَأ بِمَسْحِهِ ; فَقَالَ مَالِك : يَبْدَأ بِمُقَدَّمِ رَأْسه , ثُمَّ يَذْهَب بِيَدَيْهِ إِلَى مُؤَخَّره , ثُمَّ يَرُدّهُمَا إِلَى مُقَدَّمه ; عَلَى حَدِيث عَبْد اللَّه بْن زَيْد أَخْرَجَهُ مُسْلِم ; وَبِهِ يَقُول الشَّافِعِيّ وَابْن حَنْبَل , وَكَانَ الْحَسَن بْن حَيّ يَقُول : يَبْدَأ بِمُؤَخَّرِ الرَّأْس ; عَلَى حَدِيث الرُّبَيِّع بِنْت مُعَوِّذ بْن عَفْرَاء ; وَهُوَ حَدِيث يُخْتَلَف فِي أَلْفَاظه , وَهُوَ يَدُور عَلَى عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد بْن عَقِيل وَلَيْسَ بِالْحَافِظِ عِنْدهمْ ; أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد مِنْ رِوَايَة بِشْر بْن الْمُفَضَّل عَنْ عَبْد اللَّه عَنْ الرُّبَيِّع , وَرَوَى اِبْن عَجْلَان عَنْهُ عَنْ الرُّبَيِّع : أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَضَّأَ عِنْدنَا فَمَسَحَ الرَّأْس كُلّه مِنْ قَرْن الشَّعْر كُلّ نَاحِيَة بِمُنْصَبّ الشَّعْر , لَا يُحَرِّك الشَّعْر عَنْ هَيْئَته ; وَرُوِيَتْ هَذِهِ الصِّفَة عَنْ اِبْن عُمَر , وَأَنَّهُ كَانَ يَبْدَأ مِنْ وَسَط رَأْسه , وَأَصَحّ مَا فِي هَذَا الْبَاب حَدِيث عَبْد اللَّه بْن زَيْد ; وَكُلّ مَنْ أَجَازَ بَعْض الرَّأْس فَإِنَّمَا يَرَى ذَلِكَ الْبَعْض فِي مُقَدَّم الرَّأْس . وَرُوِيَ عَنْ إِبْرَاهِيم وَالشَّعْبِيّ أَنَّهُمَا قَالَا : أَيّ نَوَاحِي رَأْسك مَسَحْت أَجْزَأَ عَنْك , وَمَسَحَ عُمَر الْيَافُوخ فَقَطْ , وَالْإِجْمَاع مُنْعَقِد عَلَى اِسْتِحْسَان الْمَسْح بِالْيَدَيْنِ مَعًا , وَعَلَى الْإِجْزَاء إِنْ مَسَحَ بِيَدٍ وَاحِدَة , وَاخْتُلِفَ فِيمَنْ مَسَحَ بِإِصْبَعٍ وَاحِدَة حَتَّى عَمَّ مَا يَرَى أَنَّهُ يُجْزِئهُ مِنْ الرَّأْس ; فَالْمَشْهُور أَنَّ ذَلِكَ يُجْزِئ , وَهُوَ قَوْل سُفْيَان الثَّوْرِيّ ; قَالَ سُفْيَان : إِنْ مَسَحَ رَأْسه بِإِصْبَعٍ وَاحِدَة أَجْزَأَهُ , وَقِيلَ : إِنَّ ذَلِكَ لَا يُجْزِئ ; لِأَنَّهُ خُرُوج عَنْ سُنَّة الْمَسْح وَكَأَنَّهُ لَعِب , إِلَّا أَنْ يَكُون ذَلِكَ عَنْ ضَرُورَة مَرَض فَيَنْبَغِي أَلَّا يُخْتَلَف فِي الْإِجْزَاء . قَالَ أَبُو حَنِيفَة وَأَبُو يُوسُف وَمُحَمَّد : لَا يُجْزِئ مَسْح الرَّأْس بِأَقَلّ مِنْ ثَلَاث أَصَابِع ; وَاخْتَلَفُوا فِي رَدّ الْيَدَيْنِ عَلَى شَعْر الرَّأْس هَلْ هُوَ فَرْض أَوْ سُنَّة - بَعْد الْإِجْمَاع عَلَى أَنَّ الْمَسْحَة الْأُولَى فَرْض بِالْقُرْآنِ - فَالْجُمْهُور عَلَى أَنَّهُ سُنَّة , وَقِيلَ : هُوَ فَرْض . فَلَوْ غَسَلَ مُتَوَضِّئ رَأْسه بَدَل الْمَسْح فَقَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : لَا نَعْلَم خِلَافًا أَنَّ ذَلِكَ يُجْزِئهُ , إِلَّا مَا أَخْبَرَنَا الْإِمَام فَخْر الْإِسْلَام الشَّاشِيّ فِي الدَّرْس عَنْ أَبِي الْعَبَّاس بْن الْقَاصّ مِنْ أَصْحَابهمْ قَالَ : لَا يُجْزِئهُ , وَهَذَا تَوَلُّج فِي مَذْهَب الدَّاوُدِيَّة الْفَاسِد مِنْ اِتِّبَاع الظَّاهِر الْمُبْطِل لِلشَّرِيعَةِ الَّذِي ذَمَّهُ اللَّه فِي قَوْله : | يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنْ الْحَيَاة الدُّنْيَا | [ الرُّوم : 7 ] , وَقَالَ تَعَالَى : | أَمْ بِظَاهِرٍ مِنْ الْقَوْل | [ الرَّعْد : 33 ] وَإِلَّا فَقَدْ جَاءَ هَذَا الْغَاسِل بِمَا أُمِرَ وَزِيَادَة . فَإِنْ قِيلَ : هَذِهِ زِيَادَة خَرَجَتْ عَنْ اللَّفْظ الْمُتَعَبَّد بِهِ ; قُلْنَا : وَلَمْ يَخْرُج عَنْ مَعْنَاهُ فِي إِيصَال الْفِعْل إِلَى الْمَحَلّ ; وَكَذَلِكَ لَوْ مَسَحَ رَأْسه ثُمَّ حَلَقَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ إِعَادَة الْمَسْح . وَأَمَّا الْأُذُنَانِ فَهُمَا مِنْ الرَّأْس عِنْد مَالِك وَأَحْمَد وَالثَّوْرِيّ وَأَبِي حَنِيفَة وَغَيْرهمْ , ثُمَّ اِخْتَلَفُوا فِي تَجْدِيد الْمَاء ; فَقَالَ مَالِك وَأَحْمَد : يَسْتَأْنِف لَهُمَا مَاء جَدِيدًا سِوَى الْمَاء الَّذِي مَسَحَ بِهِ الرَّأْس , عَلَى مَا فَعَلَ اِبْن عُمَر ; وَهَكَذَا قَالَ الشَّافِعِيّ فِي تَجْدِيد الْمَاء , وَقَالَ : هُمَا سُنَّة عَلَى حَالهمَا لَا مِنْ الْوَجْه وَلَا مِنْ الرَّأْس ; لِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّهُ لَا يَحْلِق مَا عَلَيْهِمَا مِنْ الشَّعْر فِي الْحَجّ ; وَقَوْل أَبِي ثَوْر فِي هَذَا كَقَوْلِ الشَّافِعِيّ , وَقَالَ الثَّوْرِيّ وَأَبُو حَنِيفَة : يُمْسَحَانِ مَعَ الرَّأْس بِمَاءٍ وَاحِد ; وَرُوِيَ عَنْ جَمَاعَة مِنْ السَّلَف مِثْل هَذَا الْقَوْل مِنْ الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ , وَقَالَ دَاوُد : إِنْ مَسَحَ أُذُنَيْهِ فَحَسَن , وَإِلَّا فَلَا شَيْء عَلَيْهِ ; إِذْ لَيْسَتَا مَذْكُورَتَيْنِ فِي الْقُرْآن . قِيلَ لَهُ : اِسْم الرَّأْس تَضَمَّنَهُمَا كَمَا بَيَّنَّاهُ , وَقَدْ جَاءَتْ الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة فِي كِتَاب النَّسَائِيّ وَأَبِي دَاوُد وَغَيْرهمَا بِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَسَحَ ظَاهِرهمَا وَبَاطِنهمَا , وَأَدْخَلَ أَصَابِعه فِي صِمَاخَيْهِ , وَإِنَّمَا يَدُلّ عَدَم ذِكْرهمَا مِنْ الْكِتَاب عَلَى أَنَّهُمَا لَيْسَتَا بِفَرْضٍ كَغَسْلِ الْوَجْه وَالْيَدَيْنِ , وَثَبَتَتْ سُنَّة مَسْحهمَا بِالسُّنَّةِ , وَأَهْل الْعِلْم يَكْرَهُونَ لِلْمُتَوَضِّئِ تَرْك مَسْح أُذُنَيْهِ وَيَجْعَلُونَهُ تَارِك سُنَّة مِنْ سُنَن النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَلَا يُوجِبُونَ عَلَيْهِ إِعَادَة إِلَّا إِسْحَاق فَإِنَّهُ قَالَ : إِنْ تَرَكَ مَسْح أُذُنَيْهِ لَمْ يُجْزِهِ , وَقَالَ أَحْمَد : إِنْ تَرَكَهُمَا عَمْدًا أَحْبَبْت أَنْ يُعِيد , وَرُوِيَ عَنْ عَلِيّ بْن زِيَاد مِنْ أَصْحَاب مَالِك أَنَّهُ قَالَ : مَنْ تَرَكَ سُنَّة مِنْ سُنَن الْوُضُوء أَوْ الصَّلَاة عَامِدًا أَعَادَ ; وَهَذَا عِنْد الْفُقَهَاء ضَعِيف , وَلَيْسَ لِقَائِلِهِ سَلَف وَلَا لَهُ حَظّ مِنْ النَّظَر , وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يُعْرَف الْفَرْض الْوَاجِب مِنْ غَيْره ; وَاللَّه أَعْلَمُ . اِحْتَجَّ مَنْ قَالَ : هُمَا مِنْ الْوَجْه بِمَا ثَبَتَ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ يَقُول فِي سُجُوده : ( سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ وَصَوَّرَهُ وَشَقَّ سَمْعه وَبَصَره ) فَأَضَافَ السَّمْع إِلَى الْوَجْه فَثَبَتَ أَنْ يَكُون لَهُمَا حُكْم الْوَجْه , وَفِي مُصَنَّف أَبِي دَاوُد مِنْ حَدِيث عُثْمَان : فَغَسَلَ بُطُونهمَا وَظُهُورهمَا مَرَّة وَاحِدَة , ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ ثُمَّ قَالَ : أَيْنَ السَّائِلُونَ عَنْ الْوُضُوء ؟ هَكَذَا رَأَيْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَوَضَّأ . اِحْتَجَّ مَنْ قَالَ : يُغْسَل ظَاهِرهمَا مَعَ الْوَجْه , وَبَاطِنهَا يُمْسَح مَعَ الرَّأْس بِأَنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ قَدْ أَمَرَ بِغَسْلِ الْوَجْه وَأَمَرَ بِمَسْحِ الرَّأْس ; فَمَا وَاجَهَك مِنْ الْأُذُنَيْنِ وَجَبَ غَسْله ; لِأَنَّهُ مِنْ الْوَجْه وَمَا لَمْ يُوَاجِهك وَجَبَ مَسْحه لِأَنَّهُ مِنْ الرَّأْس , وَهَذَا تَرُدّهُ الْآثَار بِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَمْسَح ظَاهِر أُذُنَيْهِ وَبَاطِنهمَا مِنْ حَدِيث عَلِيّ وَعُثْمَان وَابْن عَبَّاس وَالرُّبَيِّع وَغَيْرهمْ . اِحْتَجَّ مَنْ قَالَ : هُمَا مِنْ الرَّأْس بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ حَدِيث الصُّنَابِحِيّ : ( فَإِذَا مَسَحَ رَأْسه خَرَجَتْ الْخَطَايَا مِنْ رَأْسه حَتَّى تَخْرُج مِنْ أُذُنَيْهِ ) الْحَدِيث أَخْرَجَهُ مَالِك . قَوْله تَعَالَى : | وَأَرْجُلَكُمْ | قَرَأَ نَافِع وَابْن عَامِر وَالْكِسَائِيّ | وَأَرْجُلَكُمْ | بِالنَّصْبِ ; وَرَوَى الْوَلِيد بْن مُسْلِم عَنْ نَافِع أَنَّهُ قَرَأَ | وَأَرْجُلُكُمْ | بِالرَّفْعِ وَهِيَ قِرَاءَة الْحَسَن وَالْأَعْمَش سُلَيْمَان ; وَقَرَأَ اِبْن كَثِير وَأَبُو عَمْرو وَحَمْزَة | وَأَرْجُلِكُمْ | بِالْخَفْضِ وَبِحَسَبِ هَذِهِ الْقِرَاءَات اِخْتَلَفَ الصَّحَابَة وَالتَّابِعُونَ ; فَمَنْ قَرَأَ بِالنَّصْبِ جَعَلَ الْعَامّ | اِغْسِلُوا | وَبَنَى عَلَى أَنَّ الْفَرْض فِي الرِّجْلَيْنِ الْغَسْل دُون الْمَسْح , وَهَذَا مَذْهَب الْجُمْهُور وَالْكَافَّة مِنْ الْعُلَمَاء , وَهُوَ الثَّابِت مِنْ فِعْل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَاللَّازِم مِنْ قَوْله فِي غَيْر مَا حَدِيث , وَقَدْ رَأَى قَوْمًا يَتَوَضَّئُونَ وَأَعْقَابهمْ تَلُوح فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْته ( وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنْ النَّار أَسْبِغُوا الْوُضُوء ) . ثُمَّ إِنَّ اللَّه حَدَّهُمَا فَقَالَ : | إِلَى الْكَعْبَيْنِ | كَمَا قَالَ فِي الْيَدَيْنِ | إِلَى الْمَرَافِق | فَدَلَّ عَلَى وُجُوب غَسْلهمَا ; وَاللَّه أَعْلَمُ , وَمَنْ قَرَأَ بِالْخَفْضِ جَعَلَ الْعَامِل الْبَاء , قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : اِتَّفَقَتْ الْعُلَمَاء عَلَى وُجُوب غَسْلهمَا , وَمَا عَلِمْت مَنْ رَدَّ ذَلِكَ سِوَى الطَّبَرِيّ مِنْ فُقَهَاء الْمُسْلِمِينَ , وَالرَّافِضَة مِنْ غَيْرهمْ , وَتَعَلَّقَ الطَّبَرِيّ بِقِرَاءَةِ الْخَفْض . قُلْت : قَدْ رُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّهُ قَالَ : الْوُضُوء غَسْلَتَانِ وَمَسْحَتَانِ , وَرُوِيَ أَنَّ الْحَجَّاج خَطَبَ بِالْأَهْوَازِ فَذَكَرَ الْوُضُوء فَقَالَ : اِغْسِلُوا وُجُوهكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلكُمْ , فَإِنَّهُ لَيْسَ شَيْء مِنْ اِبْن آدَم أَقْرَبَ مِنْ خَبَثه مِنْ قَدَمَيْهِ , فَاغْسِلُوا بُطُونهمَا وَظُهُورهمَا وَعَرَاقِيبهمَا . فَسَمِعَ ذَلِكَ أَنَس بْن مَالِك فَقَالَ : صَدَقَ اللَّه وَكَذَبَ الْحَجَّاج ; قَالَ اللَّه وَتَعَالَى : | وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلكُمْ | . قَالَ : وَكَانَ إِذَا مَسَحَ رِجْلَيْهِ بَلَّهُمَا , وَرُوِيَ عَنْ أَنَس أَيْضًا أَنَّهُ قَالَ : نَزَلَ الْقُرْآن بِالْمَسْحِ وَالسُّنَّة بِالْغَسْلِ , وَكَانَ عِكْرِمَة يَمْسَح رِجْلَيْهِ وَقَالَ : لَيْسَ فِي الرِّجْلَيْنِ غَسْل إِنَّمَا نَزَلَ فِيهِمَا الْمَسْح , وَقَالَ عَامِر الشَّعْبِيّ : نَزَلَ جِبْرِيل بِالْمَسْحِ ; أَلَا تَرَى أَنَّ التَّيَمُّم يُمْسَح فِيهِ مَا كَانَ غَسْلًا , وَيُلْغَى مَا كَانَ مَسْحًا , وَقَالَ قَتَادَة : اِفْتَرَضَ اللَّه غَسْلَتَيْنِ وَمَسْحَتَيْنِ , وَذَهَبَ اِبْن جَرِير الطَّبَرِيّ إِلَى أَنَّ فَرْضهمَا التَّخْيِير بَيْن الْغَسْل وَالْمَسْح , وَجَعَلَ الْقِرَاءَتَيْنِ كَالرِّوَايَتَيْنِ ; قَالَ النَّحَّاس : وَمِنْ أَحْسَنِ مَا قِيلَ فِيهِ أَنَّ الْمَسْح وَالْغَسْل وَاجِبَانِ جَمِيعًا , فَالْمَسْح وَاجِب عَلَى قِرَاءَة مَنْ قَرَأَ بِالْخَفْضِ , وَالْغَسْل وَاجِب عَلَى قِرَاءَة مَنْ قَرَأَ بِالنَّصْبِ , وَالْقِرَاءَتَانِ بِمَنْزِلَةِ آيَتَيْنِ . قَالَ اِبْن عَطِيَّة : وَذَهَبَ قَوْم مِمَّنْ يَقْرَأ بِالْكَسْرِ إِلَى أَنَّ الْمَسْح فِي الرِّجْلَيْنِ هُوَ الْغَسْل . قُلْت : وَهُوَ الصَّحِيح ; فَإِنَّ لَفْظ الْمَسْح مُشْتَرَك , يُطْلَق بِمَعْنَى الْمَسْح وَيُطْلَق بِمَعْنَى الْغَسْل ; قَالَ الْهَرَوِيّ : أَخْبَرَنَا الْأَزْهَرِيّ أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْر مُحَمَّد بْن عُثْمَان بْن سَعِيد الدَّارِيّ عَنْ أَبِي حَاتِم عَنْ أَبِي زَيْد الْأَنْصَارِيّ قَالَ : الْمَسْح فِي كَلَام الْعَرَب يَكُون غَسْلًا وَيَكُون مَسْحًا , وَمِنْهُ يُقَال لِلرَّجُلِ إِذَا تَوَضَّأَ فَغَسَلَ أَعْضَاءَهُ : قَدْ تَمَسَّحَ ; وَيُقَال : مَسَحَ اللَّه مَا بِك إِذَا غَسَلَك وَطَهَّرَك مِنْ الذُّنُوب , فَإِذَا ثَبَتَ بِالنَّقْلِ عَنْ الْعَرَب أَنَّ الْمَسْح يَكُون بِمَعْنَى الْغَسْل فَتَرَجَّحَ قَوْل مَنْ قَالَ : إِنَّ الْمُرَاد بِقِرَاءَةِ الْخَفْض الْغَسْل ; بِقِرَاءَةِ النَّصْب الَّتِي لَا اِحْتِمَال فِيهَا , وَبِكَثْرَةِ الْأَحَادِيث الثَّابِتَة بِالْغَسْلِ , وَالتَّوَعُّد عَلَى تَرْك غَسْلهَا فِي أَخْبَار صِحَاح لَا تُحْصَى كَثْرَة أَخْرَجَهَا الْأَئِمَّة ; ثُمَّ إِنَّ الْمَسْح فِي الرَّأْس إِنَّمَا دَخَلَ بَيْن مَا يُغْسَل لِبَيَانِ التَّرْتِيب عَلَى أَنَّهُ مَفْعُول قَبْل الرِّجْلَيْنِ , التَّقْدِير فَاغْسِلُوا وُجُوهكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِلَى الْمَرَافِق وَأَرْجُلكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ ; فَلَمَّا كَانَ الرَّأْس مَفْعُولًا قَبْل الرِّجْلَيْنِ قُدِّمَ عَلَيْهِمَا فِي التِّلَاوَة - وَاللَّه أَعْلَمُ - لَا أَنَّهُمَا مُشْتَرِكَانِ مَعَ الرَّأْس لِتَقَدُّمِهِ عَلَيْهِمَا فِي صِفَة التَّطْهِير , وَقَدْ رَوَى عَاصِم بْن كُلَيْب عَنْ أَبِي عَبْد الرَّحْمَن السُّلَمِيّ قَالَ : قَرَأَ الْحَسَن وَالْحُسَيْن - رَحْمَة اللَّه عَلَيْهِمَا - عَلَيَّ ( وَأَرْجُلِكُمْ ) فَسَمِعَ عَلِيّ ذَلِكَ وَكَانَ يَقْضِي بَيْن النَّاس فَقَالَ : ( وَأَرْجُلَكُمْ ) هَذَا مِنْ الْمُقَدَّم وَالْمُؤَخَّر مِنْ الْكَلَام , وَرَوَى أَبُو إِسْحَاق عَنْ الْحَارِث عَنْ عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ : اِغْسِلُوا الْأَقْدَام إِلَى الْكَعْبَيْنِ , وَكَذَا رُوِيَ عَنْ اِبْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس أَنَّهُمَا قَرَآ ( وَأَرْجُلكُمْ ) بِالنَّصْبِ , وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ الْخَفْض فِي الرِّجْلَيْنِ إِنَّمَا جَاءَ مُقَيَّدًا لِمَسْحِهِمَا لَكِنْ إِذَا كَانَ عَلَيْهِمَا خُفَّانِ , وَتَلَقَّيْنَا هَذَا الْقَيْد مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , إِذْ لَمْ يَصِحّ عَنْهُ أَنَّهُ مَسَحَ رِجْلَيْهِ إِلَّا وَعَلَيْهِمَا خُفَّانِ , فَبَيَّنَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِفِعْلِهِ الْحَال الَّتِي تُغْسَل فِيهِ الرِّجْل وَالْحَال الَّتِي تُمْسَح فِيهِ , وَهَذَا حَسَن . فَإِنْ قِيلَ : إِنَّ الْمَسْح عَلَى الْخُفَّيْنِ مَنْسُوخ بِسُورَةِ ( الْمَائِدَة ) - وَقَدْ قَالَهُ ابْن عَبَّاس , وَرَدَّ الْمَسْح أَبُو هُرَيْرَة وَعَائِشَة , وَأَنْكَرَهُ مَالِك فِي رِوَايَة عَنْهُ - فَالْجَوَاب أَنَّ مَنْ نَفَى شَيْئًا وَأَثْبَتَهُ غَيْره فَلَا حُجَّة لِلنَّافِي , وَقَدْ أَثْبَتَ الْمَسْح عَلَى الْخُفَّيْنِ عَدَد كَثِير مِنْ الصَّحَابَة وَغَيْرهمْ , وَقَدْ قَالَ الْحَسَن : حَدَّثَنِي سَبْعُونَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُمْ مَسَحُوا عَلَى الْخُفَّيْنِ ; وَقَدْ ثَبَتَ بِالنَّقْلِ الصَّحِيح عَنْ هَمَّام قَالَ : بَالَ جَرِير ثُمَّ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ ; قَالَ إِبْرَاهِيم النَّخَعِيّ : وَإِنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَالَ ثُمَّ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ , وَقَالَ إِبْرَاهِيم النَّخَعِيّ : كَانَ يُعْجِبهُمْ هَذَا الْحَدِيث ; لِأَنَّ إِسْلَام جَرِير كَانَ بَعْد نُزُول ( الْمَائِدَة ) وَهَذَا نَصّ يَرُدّ مَا ذَكَرُوهُ وَمَا اِحْتَجُّوا بِهِ مِنْ رِوَايَة الْوَاقِدِيّ عَنْ عَبْد الْحَمِيد بْن جَعْفَر عَنْ أَبِيهِ أَنَّ جَرِيرًا أَسْلَمَ فِي سِتَّة عَشَرَ مِنْ شَهْر رَمَضَان , وَأَنَّ ( الْمَائِدَة ) نَزَلَتْ فِي ذِي الْحِجَّة يَوْم عَرَفَات , وَهَذَا حَدِيث لَا يَثْبُت لِوَهَاهُ ; وَإِنَّمَا نَزَلَ مِنْهَا يَوْم عَرَفَة | الْيَوْم أَكْمَلْت لَكُمْ دِينكُمْ | عَلَى مَا تَقَدَّمَ ; قَالَ أَحْمَد بْن حَنْبَل : أَنَا أَسْتَحْسِن حَدِيث جَرِير فِي الْمَسْح عَلَى الْخُفَّيْنِ ; لِأَنَّ إِسْلَامه كَانَ بَعْد نُزُول ( الْمَائِدَة ) وَأَمَّا مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة وَعَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا فَلَا يَصِحّ , أَمَّا عَائِشَة فَلَمْ يَكُنْ عِنْدهَا بِذَلِك

وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ

قِيلَ : هُوَ الْمِيثَاق الَّذِي فِي قَوْله عَزَّ وَجَلَّ : | وَإِذْ أَخَذَ رَبّك مِنْ بَنِي آدَم | [ الْأَعْرَاف : 172 ] ; قَالَ مُجَاهِد وَغَيْره , وَنَحْنُ وَإِنْ لَمْ نَذْكُرهُ فَقَدْ أَخْبَرَنَا الصَّادِق بِهِ , فَيَجُوز أَنْ نُؤْمَر بِالْوَفَاءِ بِهِ , وَقِيلَ : هُوَ خِطَاب لِلْيَهُودِ بِحِفْظِ مَا أُخِذَ عَلَيْهِمْ فِي التَّوْرَاة ; وَاَلَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُور مِنْ الْمُفَسِّرِينَ كَابْنِ عَبَّاس وَالسُّدِّيّ هُوَ الْعَهْد وَالْمِيثَاق الَّذِي جَرَى لَهُمْ مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى السَّمْع وَالطَّاعَة فِي الْمَنْشَط وَالْمَكْرَه إِذْ قَالُوا : سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا , كَمَا جَرَى لَيْلَة الْعَقَبَة وَتَحْت الشَّجَرَة , وَأَضَافَهُ تَعَالَى إِلَى نَفْسه كَمَا قَالَ : | إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّه | [ الْفَتْح : 10 ] فَبَايَعُوا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْد الْعَقَبَة عَلَى أَنْ يَمْنَعُوهُ مِمَّا يَمْنَعُونَ مِنْهُ أَنْفُسهمْ وَنِسَاءَهُمْ وَأَبْنَاءَهُمْ , وَأَنْ يَرْحَل إِلَيْهِمْ هُوَ وَأَصْحَابه , وَكَانَ أَوَّل مَنْ بَايَعَهُ الْبَرَاء بْن مَعْرُور , وَكَانَ لَهُ فِي تِلْكَ اللَّيْلَة الْمَقَام الْمَحْمُود فِي التَّوَثُّق لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَالشَّدّ لِعَقْدِ أَمْره , وَهُوَ الْقَائِل : وَاَلَّذِي بَعَثَك بِالْحَقِّ لَأَمْنَعَنَّك مِمَّا نَمْنَع مِنْهُ أُزُرَنَا , فَبَايِعْنَا يَا رَسُول اللَّه فَنَحْنُ وَاَللَّه أَبْنَاء الْحُرُوب وَأَهْل الْحَلْقَة وَرِثْنَاهَا كَابِرًا عَنْ كَابِر . الْخَبَر الْمَشْهُور فِي سِيرَة اِبْن إِسْحَاق , وَيَأْتِي ذِكْر بَيْعَة الرِّضْوَان فِي مَوْضِعهَا , وَقَدْ اِتَّصَلَ هَذَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى : | أَوْفُوا بِالْعُقُودِ | [ الْمَائِدَة : 1 ] فَوَفَّوْا بِمَا قَالُوا ; جَزَاهُمْ اللَّه تَعَالَى عَنْ نَبِيّهمْ وَعَنْ الْإِسْلَام خَيْرًا , وَرَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ وَأَرْضَاهُمْ .|وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ|أَيْ فِي مُخَالَفَته إِنَّهُ عَالِم بِكُلِّ شَيْء .

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ

الْآيَة تَقَدَّمَ مَعْنَاهَا فِي | النِّسَاء | , وَالْمَعْنَى : أَتْمَمْت عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي فَكُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ , أَيْ لِأَجْلِ ثَوَاب اللَّه ; فَقُومُوا بِحَقِّهِ , وَاشْهَدُوا بِالْحَقِّ مِنْ غَيْر مَيْل إِلَى أَقَارِبكُمْ , وَحَيْف عَلَى أَعْدَائِكُمْ .|بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا|عَلَى تَرْك الْعَدْل وَإِيثَار الْعُدْوَان عَلَى الْحَقّ , وَفِي هَذَا دَلِيل عَلَى نُفُوذ حُكْم الْعَدُوّ عَلَى عَدُوّهُ فِي اللَّه تَعَالَى وَنُفُوذ شَهَادَته عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ أَمَرَ بِالْعَدْلِ وَإِنْ أَبْغَضَهُ , وَلَوْ كَانَ حُكْمه عَلَيْهِ وَشَهَادَته لَا تَجُوز فِيهِ مَعَ الْبُغْض لَهُ لَمَا كَانَ لِأَمْرِهِ بِالْعَدْلِ فِيهِ وَجْه , وَدَلَّتْ الْآيَة أَيْضًا عَلَى أَنَّ كُفْر الْكَافِر لَا يَمْنَع مِنْ الْعَدْل عَلَيْهِ , وَأَنْ يُقْتَصَر بِهِمْ عَلَى الْمُسْتَحَقّ مِنْ الْقِتَال وَالِاسْتِرْقَاق , وَأَنَّ الْمُثْلَة بِهِمْ غَيْر جَائِزَة وَإِنْ قَتَلُوا نِسَاءَنَا وَأَطْفَالنَا وَغَمُّونَا بِذَلِكَ ; فَلَيْسَ لَنَا أَنْ نَقْتُلهُمْ بِمُثْلَةٍ قَصْدًا لِإِيصَالِ الْغَمّ وَالْحُزْن إِلَيْهِمْ ; وَإِلَيْهِ أَشَارَ عَبْد اللَّه بْن رَوَاحَة بِقَوْلِهِ فِي الْقِصَّة الْمَشْهُورَة : هَذَا مَعْنَى الْآيَة . وَتَقَدَّمَ فِي صَدْر هَذِهِ السُّورَة مَعْنَى قَوْله : | لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآن قَوْم | , وَقُرِئَ | وَلَا يُجْرِمَنَّكُمْ | قَالَ الْكِسَائِيّ : هُمَا لُغَتَانِ . وَقَالَ الزَّجَّاج : مَعْنَى | لَا يُجْرِمَنَّكُمْ | لَا يُدْخِلَنَّكُمْ فِي الْجُرْم ; كَمَا تَقُول : آثَمَنِي أَيْ أَدْخَلَنِي فِي الْإِثْم .|تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا|أَيْ لِأَنْ تَتَّقُوا اللَّه , وَقِيلَ : لِأَنْ تَتَّقُوا النَّار .|اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا|فِيهِ مَعْنَى التَّهْدِيد وَالْوَعِيد .

وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ

أَيْ قَالَ اللَّه فِي حَقّ الْمُؤْمِنِينَ : | لَهُمْ مَغْفِرَة وَأَجْر عَظِيم | أَيْ لَا تَعْرِف كُنْهَهُ أَفْهَامُ الْخَلْق ; كَمَا قَالَ : | فَلَا تَعْلَم نَفْس مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّة أَعْيُن | [ السَّجْدَة : 17 ] , وَإِذَا قَالَ اللَّه تَعَالَى : | أَجْر عَظِيم | و | أَجْر كَرِيم | [ يس : 11 ] و | أَجْر كَبِير | [ هُود : 11 ] فَمَنْ ذَا الَّذِي يَقْدُر قَدْره ؟ , وَلَمَّا كَانَ الْوَعْد مِنْ قَبِيل الْقَوْل حَسُنَ إِدْخَال اللَّام فِي قَوْله : | لَهُمْ مَغْفِرَة | وَهُوَ فِي مَوْضِع نَصْب ; لِأَنَّهُ وَقَعَ مَوْقِع الْمَوْعُود بِهِ , عَلَى مَعْنَى وَعَدَهُمْ أَنَّ لَهُمْ مَغْفِرَة أَوْ وَعَدَهُمْ مَغْفِرَة إِلَّا أَنَّ الْجُمْلَة وَقَعَتْ مَوْقِع الْمُفْرَد ; كَمَا قَالَ الشَّاعِر : <br>وَجَدْنَا الصَّالِحِينَ لَهُمْ جَزَاء .......... وَجَنَّات وَعَيْنًا سَلْسَبِيلَا <br>وَمَوْضِع الْجُمْلَة نَصْب ; وَلِذَلِكَ عُطِفَ عَلَيْهَا بِالنَّصْبِ , وَقِيلَ : هُوَ فِي مَوْضِع رَفْع عَلَى أَنَّ يَكُون الْمَوْعُود بِهِ مَحْذُوفًا ; عَلَى تَقْدِير لَهُمْ مَغْفِرَة وَأَجْر عَظِيم فِيمَا وَعَدَهُمْ بِهِ , وَهَذَا الْمَعْنَى عَنْ الْحَسَن .

وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ

نَزَلَتْ فِي بَنِي النَّضِير , وَقِيلَ فِي جَمِيع الْكُفَّار .

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ

قَالَ جَمَاعَة : نَزَلَتْ بِسَبَبِ فِعْل الْأَعْرَابِيّ فِي غَزْوَة ذَات الرِّقَاع حِين اِخْتَرَطَ سَيْف النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ : مَنْ يَعْصِمك مِنِّي يَا مُحَمَّد ؟ كَمَا تَقَدَّمَ فِي | النِّسَاء | , وَفِي الْبُخَارِيّ : أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعَا النَّاس فَاجْتَمَعُوا وَهُوَ جَالِس عِنْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يُعَاقِبهُ , وَذَكَرَ الْوَاقِدِيّ وَابْن أَبِي حَاتِم أَنَّهُ أَسْلَمَ , وَذَكَرَ قَوْم أَنَّهُ ضَرَبَ بِرَأْسِهِ فِي سَاق شَجَرَة حَتَّى مَاتَ , وَفِي الْبُخَارِيّ فِي غَزْوَة ذَات الرِّقَاع أَنَّ اِسْم الرَّجُل غَوْرَث بْن الْحَارِث ( بِالْغَيْنِ مَنْقُوطَة مَفْتُوحَة وَسُكُون الْوَاو بَعْدهَا رَاء وَثَاء مُثَلَّثَة ) وَقَدْ ضَمَّ بَعْضهمْ الْغَيْن , وَالْأَوَّل أَصَحّ , وَذَكَرَ أَبُو حَاتِم مُحَمَّد بْن إِدْرِيس الرَّازِيّ , وَأَبُو عَبْد اللَّه مُحَمَّد بْن عُمَر الْوَاقِدِيّ أَنَّ اِسْمه دُعْثُور بْن الْحَارِث , وَذَكَرَ أَنَّهُ أَسْلَمَ كَمَا تَقَدَّمَ , وَذَكَرَ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق أَنَّ اِسْمه عَمْرو بْن جِحَاش وَهُوَ أَخُو بَنِي النَّضِير , وَذَكَرَ بَعْضهمْ أَنَّ قِصَّة عَمْرو بْن جِحَاش فِي غَيْر هَذِهِ الْقِصَّة , وَاَللَّه أَعْلَمُ , وَقَالَ قَتَادَة وَمُجَاهِد وَغَيْرهمَا : نَزَلَتْ فِي قَوْم مِنْ الْيَهُود جَاءَهُمْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَعِينهُمْ فِي دِيَة فَهَمُّوا بِقَتْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَنَعَهُ اللَّه مِنْهُمْ . قَالَ الْقُشَيْرِيّ : وَقَدْ تَنْزِل الْآيَة فِي قِصَّة ثُمَّ يَنْزِل ذِكْرُهَا مَرَّة أُخْرَى لِادِّكَارِ مَا سَبَقَ . | أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ | أَيْ بِالسُّوءِ . | فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ | أَيْ مَنَعَهُمْ .

وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآَتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآَمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا

قَالَ اِبْن عَطِيَّة : هَذِهِ الْآيَاتُ الْمُتَضَمِّنَةُ الْخَبَرَ عَنْ نَقْضِهِمْ مَوَاثِيقَ اللَّه تَعَالَى تُقَوِّي أَنَّ الْآيَة الْمُتَقَدِّمَة فِي كَفّ الْأَيْدِي إِنَّمَا كَانَتْ فِي بَنِي النَّضِير , وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي كَيْفِيَّة بَعْث هَؤُلَاءِ النُّقَبَاء بَعْد الْإِجْمَاع عَلَى أَنَّ النَّقِيب كَبِير الْقَوْم , الْقَائِم بِأُمُورِهِمْ الَّذِي يُنَقِّب عَنْهَا وَعَنْ مَصَالِحهمْ فِيهَا , وَالنَّقَّاب : الرَّجُل الْعَظِيم الَّذِي هُوَ فِي النَّاس عَلَى هَذِهِ الطَّرِيقَة ; وَمِنْهُ قِيلَ فِي عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : إِنَّهُ كَانَ لَنَقَّابًا . فَالنُّقَبَاء الضُّمَّان , وَاحِدهمْ نَقِيب , وَهُوَ شَاهِد الْقَوْم وَضَمِينهمْ ; يُقَال : نَقَبَ عَلَيْهِمْ , وَهُوَ حَسَن النَّقِيبَة أَيْ حَسَن الْخَلِيقَة , وَالنَّقْب وَالنُّقْب الطَّرِيق فِي الْجَبَل , وَإِنَّمَا قِيلَ : نَقِيب لِأَنَّهُ يَعْلَم دَخِيلَة أَمْر الْقَوْم , وَيَعْرِف مَنَاقِبهمْ وَهُوَ الطَّرِيق إِلَى مَعْرِفَة أُمُورهمْ , وَقَالَ قَوْم : النُّقَبَاء الْأُمَنَاء عَلَى قَوْمهمْ ; وَهَذَا كُلّه قَرِيب بَعْضه مِنْ بَعْض , وَالنَّقِيب أَكْبَرُ مَكَانَة مِنْ الْعَرِيف . قَالَ عَطَاء بْن يَسَار : حَمَلَة الْقُرْآن عُرَفَاء أَهْل الْجَنَّة ; ذَكَرَهُ الدَّارِمِيّ فِي مُسْنَده . قَالَ قَتَادَة - رَحِمَهُ اللَّه وَغَيْره : هَؤُلَاءِ النُّقَبَاء قَوْم كِبَار مِنْ كُلّ سِبْط , تَكَفَّلَ كُلّ وَاحِد بِسِبْطِهِ بِأَنْ يُؤْمِنُوا وَيَتَّقُوا اللَّه ; وَنَحْو هَذَا كَانَ النُّقَبَاء لَيْلَة الْعَقَبَة ; بَايَعَ فِيهَا سَبْعُونَ رَجُلًا وَامْرَأَتَانِ . فَاخْتَارَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ السَّبْعِينَ اِثْنَيْ عَشَر رَجُلًا , وَسَمَّاهُمْ النُّقَبَاء اِقْتِدَاء بِمُوسَى صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَقَالَ الرَّبِيع وَالسُّدِّيّ وَغَيْرهمَا : إِنَّمَا بُعِثَ النُّقَبَاء مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل أُمَنَاء عَلَى الِاطِّلَاع عَلَى الْجَبَّارِينَ وَالسَّبْر لِقُوَّتِهِمْ وَمَنَعَتهمْ ; فَسَارُوا لِيَخْتَبِرُوا حَال مَنْ بِهَا , وَيُعْلِمُوهُ بِمَا اِطَّلَعُوا عَلَيْهِ فِيهَا حَتَّى يَنْظُر فِي الْغَزْو إِلَيْهِمْ ; فَاطَّلَعُوا مِنْ الْجَبَّارِينَ عَلَى قُوَّة عَظِيمَة - عَلَى مَا يَأْتِي - وَظَنُّوا أَنَّهُمْ لَا قِبَل لَهُمْ بِهَا ; فَتَعَاقَدُوا بَيْنهمْ عَلَى أَنْ يُخْفُوا ذَلِكَ عَنْ بَنِي إِسْرَائِيل , وَأَنْ يُعْلِمُوا بِهِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام , فَلَمَّا اِنْصَرَفُوا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيل خَانَ مِنْهُمْ عَشَرَة فَعَرَّفُوا قَرَابَاتهمْ , وَمَنْ وَثِقُوهُ عَلَى سِرّهمْ ; فَفَشَا الْخَبَر حَتَّى اِعْوَجَّ أَمْر بَنِي إِسْرَائِيل فَقَالُوا : | اِذْهَبْ أَنْتَ وَرَبّك فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ | [ الْمَائِدَة : 24 ] . فَفِي الْآيَة دَلِيل عَلَى قَبُول خَبَر الْوَاحِد فِيمَا يَفْتَقِر إِلَيْهِ الْمَرْء , وَيَحْتَاج إِلَى اِطِّلَاعه مِنْ حَاجَاته الدِّينِيَّة وَالدُّنْيَوِيَّة ; فَتُرَكَّب عَلَيْهِ الْأَحْكَام , وَيَرْتَبِط بِهِ الْحَلَال وَالْحَرَام ; وَقَدْ جَاءَ أَيْضًا مِثْله فِي الْإِسْلَام ; قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِهَوَازِن : ( اِرْجِعُوا حَتَّى يَرْفَع إِلَيْنَا عُرَفَاؤُكُمْ أَمْركُمْ ) . أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ . وَفِيهَا أَيْضًا دَلِيل عَلَى اِتِّخَاذ الْجَاسُوس , وَالتَّجَسُّس : التَّبَحُّث , وَقَدْ بَعَثَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بُسْبَسَةَ عَيْنًا ; أَخْرَجَهُ مُسْلِم , وَسَيَأْتِي حُكْم الْجَاسُوس فِي | الْمُمْتَحِنَة | إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى , وَأَمَّا أَسْمَاء نُقَبَاء بَنِي إِسْرَائِيل فَقَدْ ذَكَرَ أَسْمَاءَهُمْ مُحَمَّد بْن حَبِيب فِي | الْمُحَبَّر | فَقَالَ : مِنْ سِبْط روبيل شموع بْن ركوب , وَمِنْ سِبْط شمعون شوقوط بْن حوري , وَمِنْ سِبْط يَهُوذَا كالب بْن يوقنا , وَمِنْ سِبْط السَّاحِر يوغول بْن يُوسُف , وَمِنْ سِبْط أفراثيم بْن يُوسُف يُوشَع بْن النُّون , وَمِنْ سِبْط بِنْيَامِين يلظى بْن روقو , وَمِنْ سِبْط ربالون كرابيل بْن سودا وَمِنْ سِبْط منشا بْن يُوسُف كدي بْن سوشا , وَمِنْ سِبْط دان عمائيل بْن كسل , وَمِنْ سِبْط شير ستور بْن مِيخَائِيلَ , وَمِنْ سِبْط نفتال يوحنا بْن وقوشا , وَمِنْ سِبْط كاذاكوال بْن موخي ; فَالْمُؤْمِنُونَ مِنْهُمْ يُوشَع وكالب , وَدَعَا مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام عَلَى الْآخَرِينَ فَهَلَكُوا مَسْخُوطًا عَلَيْهِمْ ; قَالَهُ الْمَاوَرْدِيّ , وَأَمَّا نُقَبَاء لَيْلَة الْعَقَبَة فَمَذْكُورُونَ فِي سِيرَة اِبْن إِسْحَاق فَلْيُنْظَرُوا هُنَاكَ .|وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ|قَالَ الرَّبِيع بْن أَنَس : قَالَ ذَلِكَ لِلنُّقَبَاءِ , وَقَالَ غَيْره : قَالَ ذَلِكَ لِجَمِيعِ بَنِي إِسْرَائِيل , وَكُسِرَتْ | إِنَّ | لِأَنَّهَا مُبْتَدَأَة . | مَعَكُمْ | لِأَنَّهُ ظَرْف , أَيْ بِالنَّصْرِ وَالْعَوْن . ثُمَّ اِبْتَدَأَ فَقَالَ : | لَئِنْ أَقَمْتُمْ الصَّلَاة | إِلَى أَنْ قَالَ | لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ ||وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ|أَيْ رَدَدْتُمْ عَنْهُمْ أَعْدَاءَهُمْ .|وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا|يَعْنِي الصَّدَقَات ; وَلَمْ يَقُلْ إِقْرَاضًا , وَهَذَا مِمَّا جَاءَ مِنْ الْمَصْدَر بِخِلَافِ الْمَصْدَر كَقَوْلِهِ : | وَاَللَّه أَنْبَتَكُمْ مِنْ الْأَرْض نَبَاتًا | [ نُوح : 17 ] , | فَتَقَبَّلَهَا رَبّهَا بِقَبُولٍ حَسَن | [ آل عِمْرَان : 37 ] وَقَدْ تَقَدَّمَ . ثُمَّ قِيلَ : | حَسَنًا | أَيْ طَيِّبَة بِهَا نُفُوسكُمْ , وَقِيلَ : يَبْتَغُونَ بِهَا وَجْه اللَّه , وَقِيلَ : حَلَالًا , وَقِيلَ : | قَرْضًا | اِسْم لَا مَصْدَر .|لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ|أَيْ إِنْ فَعَلْتُمْ ذَلِكَ|وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ|وَاللَّام فِي | لَئِنْ | لَام تَوْكِيد وَمَعْنَاهَا الْقَسَم ; وَكَذَا | لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ | , | وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ | , وَقِيلَ : الْمَعْنَى لَئِنْ أَقَمْتُمْ الصَّلَاة لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتكُمْ , وَتَضَمَّنَ شَرْطًا آخَر لِقَوْلِهِ : | لَأُكَفِّرَنَّ | أَيْ إِنْ فَعَلْتُمْ ذَلِكَ لَأُكَفِّرَنَّ , وَقِيلَ : قَوْله | لَئِنْ أَقَمْتُمْ الصَّلَاة | جَزَاء لِقَوْلِهِ : | إِنِّي مَعَكُمْ | وَشَرْط لِقَوْلِهِ : | لَأُكَفِّرَنَّ | وَالتَّعْزِير : التَّعْظِيم وَالتَّوْقِير ; وَأَنْشَدَ أَبُو عُبَيْدَة : <br>وَكَمْ مِنْ مَاجِد لَهُمُ كَرِيم .......... وَمِنْ لَيْثٍ يُعَزَّر فِي النَّدِيّ <br>أَيْ يُعَظَّم وَيُوَقَّر , وَالتَّعْزِير : الضَّرْب دُون الْحَدّ , وَالرَّدّ ; تَقُول : عَزَّرْت فُلَانًا إِذَا أَدَّبْته وَرَدَدْته عَنْ الْقَبِيح . فَقَوْله : | عَزَّرْتُمُوهُمْ | أَيْ رَدَدْتُمْ عَنْهُمْ أَعْدَاءَهُمْ .|فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ|أَيْ بَعْد الْمِيثَاق .|فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ|أَيْ أَخْطَأَ قَصْد الطَّرِيق , وَاللَّه أَعْلَمُ .

فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَ

أَيْ فَبِنَقْضِهِمْ مِيثَاقهمْ , | مَا | زَائِدَة لِلتَّوْكِيدِ , عَنْ قَتَادَة وَسَائِر أَهْل الْعِلْم ; وَذَلِكَ أَنَّهَا تُؤَكِّد الْكَلَام بِمَعْنَى تُمَكِّنهُ فِي النَّفْس مِنْ جِهَة حُسْن النَّظْم , وَمِنْ جِهَة تَكْثِيره لِلتَّوْكِيدِ ; كَمَا قَالَ : <br>لِشَيْءٍ مَا يُسَوَّدُ مَنْ يَسُود <br>فَالتَّأْكِيد بِعَلَامَةٍ مَوْضُوعَة كَالتَّأْكِيدِ بِالتَّكْرِيرِ .|لَعَنَّاهُمْ|قَالَ اِبْن عَبَّاس : عَذَّبْنَاهُمْ بِالْجِزْيَةِ . وَقَالَ الْحَسَن وَمُقَاتِل : بِالْمَسْخِ . عَطَاء : أَبْعَدْنَاهُمْ ; وَاللَّعْن الْإِبْعَاد وَالطَّرْد مِنْ الرَّحْمَة .|وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً|أَيْ صُلْبَة لَا تَعِي خَيْرًا وَلَا تَفْعَلهُ ; وَالْقَاسِيَة وَالْعَاتِيَة بِمَعْنًى وَاحِد , وَقَرَأَ الْكِسَائِيّ وَحَمْزَة : | قَسِيَّة | بِتَشْدِيدِ الْيَاء مِنْ غَيْر أَلِف ; وَهِيَ قِرَاءَة اِبْن مَسْعُود وَالنَّخَعِيّ وَيَحْيَى بْن وَثَّاب , وَالْعَام الْقَسِيّ الشَّدِيد الَّذِي لَا مَطَر فِيهِ , وَقِيلَ : هُوَ مِنْ الدَّرَاهِم الْقَسِيَّات أَيْ الْفَاسِدَة الرَّدِيئَة ; فَمَعْنَى | قَسِيَّة | عَلَى هَذَا لَيْسَتْ بِخَالِصَةِ الْإِيمَان , أَيْ فِيهَا نِفَاق . قَالَ النَّحَّاس : وَهَذَا قَوْل حَسَن ; لِأَنَّهُ يُقَال : دِرْهَم قَسِيّ إِذَا كَانَ مَغْشُوشًا بِنُحَاسٍ أَوْ غَيْره . يُقَال : دِرْهَم قَسِيّ ( مُخَفَّف السِّين مُشَدَّد الْيَاء ) مِثَال شَقِيّ أَيْ زَائِف ; ذَكَرَ ذَلِكَ أَبُو عُبَيْد وَأَنْشَدَ : <br>لَهَا صَوَاهِلُ فِي صُمّ السِّلَام كَمَا .......... صَاحَ الْقَسِيَّاتُ فِي أَيْدِي الصَّيَارِيفِ <br>يَصِف وَقْع الْمَسَاحِي فِي الْحِجَارَة , وَقَالَ الْأَصْمَعِيّ وَأَبُو عُبَيْد : دِرْهَم قَسِيّ كَأَنَّهُ مُعَرَّب قَاشِي . قَالَ الْقُشَيْرِيّ : وَهَذَا بَعِيد ; لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْقُرْآن مَا لَيْسَ مِنْ لُغَة الْعَرَب , بَلْ الدِّرْهَم الْقَسِيّ مِنْ الْقَسْوَة وَالشِّدَّة أَيْضًا ; لِأَنَّ مَا قَلَّتْ نُقْرَته يَقْسُو وَيَصْلُب , وَقَرَأَ الْأَعْمَش : | قَسِيَة | بِتَخْفِيفِ الْيَاء عَلَى وَزْن فَعِلَة نَحْو عَمِيَة وَشَجِيَة ; مِنْ قَسِيَ يَقْسَى لَا مِنْ قَسَا يَقْسُو , وَقَرَأَ الْبَاقُونَ عَلَى وَزْن فَاعِلَة ; وَهُوَ اِخْتِيَار أَبِي عُبَيْد ; وَهُمَا لُغَتَانِ مِثْل الْعَلِيَّة وَالْعَالِيَة , وَالزَّكِيَّة وَالزَّاكِيَة . قَالَ أَبُو جَعْفَر النَّحَّاس : أَوْلَى مَا فِيهِ أَنْ تَكُون قَسِيَّة بِمَعْنَى قَاسِيَة , إِلَّا أَنَّ فَعِيلَة أَبْلَغُ مِنْ فَاعِلَة . فَالْمَعْنَى : جَعَلْنَا قُلُوبهمْ غَلِيظَة نَابِيَة عَنْ الْإِيمَان وَالتَّوْفِيق لِطَاعَتِي ; لِأَنَّ الْقَوْم لَمْ يُوصَفُوا بِشَيْءٍ مِنْ الْإِيمَان فَتَكُون قُلُوبهمْ مَوْصُوفَة بِأَنَّ إِيمَانهَا خَالَطَهُ كُفْر , كَالدَّرَاهِمِ الْقَسِيَّة الَّتِي خَالَطَهَا غِشّ . قَالَ الرَّاجِز : <br>قَدْ قَسَوْت وَقَسَتْ لِدَاتِي<br>|يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ|أَيْ يَتَأَوَّلُونَهُ عَلَى غَيْر تَأْوِيله , وَيُلْقُونَ ذَلِكَ إِلَى الْعَوَامّ , وَقِيلَ : مَعْنَاهُ يُبَدِّلُونَ حُرُوفه . و | يُحَرِّفُونَ | فِي مَوْضِع نَصْب , أَيْ جَعَلْنَا قُلُوبهمْ قَاسِيَة مُحَرِّفِينَ , وَقَرَأَ السُّلَمِيّ وَالنَّخَعِيّ | الْكَلَام | بِالْأَلِفِ وَذَلِكَ أَنَّهُمْ غَيَّرُوا صِفَة مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَآيَة الرَّجْم .|وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ|أَيْ نَسُوا عَهْد اللَّه الَّذِي أَخَذَهُ الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِمْ مِنْ الْإِيمَان بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَبَيَان نَعْته .|وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ|أَيْ وَأَنْتَ يَا مُحَمَّد لَا تَزَال الْآن تَقِف | عَلَى خَائِنَة مِنْهُمْ ||عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ|وَالْخَائِنَة الْخِيَانَة ; قَالَ قَتَادَة , وَهَذَا جَائِز فِي اللُّغَة , وَيَكُون مِثْل قَوْلهمْ : قَائِلَة بِمَعْنَى قَيْلُولَة , وَقِيلَ : هُوَ نَعْت لِمَحْذُوفٍ وَالتَّقْدِير فِرْقَة خَائِنَة , وَقَدْ تَقَع | خَائِنَة | لِلْوَاحِدِ كَمَا يُقَال : رَجُل نَسَّابَة وَعَلَّامَة ; فَخَائِنَة عَلَى هَذَا لِلْمُبَالَغَةِ ; يُقَال : رَجُل خَائِنَة إِذَا بَالَغْت فِي وَصْفه بِالْخِيَانَةِ . قَالَ الشَّاعِر : <br>حَدَّثْت نَفْسك بِالْوَفَاءِ وَلَمْ تَكُنْ .......... لِلْغَدْرِ خَائِنَة مُغِلّ الْإِصْبَعِ <br>قَالَ اِبْن عَبَّاس : | عَلَى خَائِنَة | أَيْ مَعْصِيَة , وَقِيلَ : كَذِب وَفُجُور , وَكَانَتْ خِيَانَتهمْ نَقْضهمْ الْعَهْد بَيْنهمْ وَبَيْن رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَمُظَاهَرَتهمْ الْمُشْرِكِينَ عَلَى حَرْب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; كَيَوْمِ الْأَحْزَاب وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ هَمّهمْ بِقَتْلِهِ وَسَبّه .|إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ|لَمْ يَخُونُوا فَهُوَ اِسْتِثْنَاء مِنْ الْهَاء وَالْمِيم اللَّتَيْنِ فِي | خَائِنَة مِنْهُمْ | .|فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ|فِي مَعْنَاهُ قَوْلَانِ : فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ مَا دَامَ بَيْنك وَبَيْنهمْ عَهْد وَهُمْ أَهْل الذِّمَّة , وَالْقَوْل الْآخَر أَنَّهُ مَنْسُوخ بِآيَةِ السَّيْف , وَقِيلَ : بِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ | وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْم خِيَانَة | [ الْأَنْفَال : 58 ] .

وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ

أَيْ فِي التَّوْحِيد وَالْإِيمَان بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; إِذْ هُوَ مَكْتُوب فِي الْإِنْجِيل , وَمَعْنَى | أَخَذْنَا مِيثَاقهمْ | هُوَ كَقَوْلِك : أَخَذْت مِنْ زَيْد ثَوْبه وَدِرْهَمه ; قَالَهُ الْأَخْفَش , وَرُتْبَة | الَّذِينَ | أَنْ تَكُون بَعْد | أَخَذْنَا | وَقَبْل الْمِيثَاق ; فَيَكُون التَّقْدِير : أَخَذْنَا مِنْ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى مِيثَاقهمْ ; لِأَنَّهُ فِي مَوْضِع الْمَفْعُول الثَّانِي لِأَخَذْنَا , وَتَقْدِيره عِنْد الْكُوفِيِّينَ وَمِنْ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى مَنْ أَخَذْنَا مِيثَاقه ; فَالْهَاء وَالْمِيم تَعُودَانِ عَلَى | مَنْ | الْمَحْذُوفَة , وَعَلَى الْقَوْل الْأَوَّل تَعُودَانِ عَلَى | الَّذِينَ | , وَلَا يُجِيز النَّحْوِيُّونَ أَخَذْنَا مِيثَاقهمْ مِنْ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى , وَلَا أَلْيَنَهَا لَبِسْت مِنْ الثِّيَاب ; لِئَلَّا يَتَقَدَّم مُضْمَر عَلَى ظَاهِر , وَفِي قَوْلهمْ : | إِنَّا نَصَارَى | وَلَمْ يَقُلْ مِنْ النَّصَارَى دَلِيل عَلَى أَنَّهُمْ اِبْتَدَعُوا النَّصْرَانِيَّة وَتَسَمَّوْا بِهَا ; رُوِيَ مَعْنَاهُ عَنْ الْحَسَن .|فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ|وَهُوَ الْإِيمَان بِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ; أَيْ لَمْ يَعْمَلُوا بِمَا أُمِرُوا بِهِ , وَجَعَلُوا ذَلِكَ الْهَوَى وَالتَّحْرِيف سَبَبًا لِلْكُفْرِ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .|فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ|أَيْ هَيَّجْنَا , وَقِيلَ : أَلْصَقْنَا بِهِمْ ; مَأْخُوذ مِنْ الْغِرَاء وَهُوَ مَا يُلْصِق الشَّيْء بِالشَّيْءِ كَالصَّمْغِ وَشِبْهه . يُقَال : غَرِيَ بِالشَّيْءِ يَغْرَى غَرًا | بِفَتْحِ الْغَيْن | مَقْصُورًا وَغِرَاء | بِكَسْرِ الْغَيْن | مَمْدُودًا إِذَا أُولِعَ بِهِ كَأَنَّهُ اِلْتَصَقَ بِهِ , وَحَكَى الرُّمَّانِيّ : الْإِغْرَاء تَسْلِيط بَعْضهمْ عَلَى بَعْض , وَقِيلَ : الْإِغْرَاء التَّحْرِيش , وَأَصْله اللُّصُوق ; يُقَال : غَرِيت بِالرَّجُلِ غَرًا - مَقْصُور وَمَمْدُود مَفْتُوح الْأَوَّل - إِذَا لَصِقْت بِهِ , وَقَالَ كُثَيِّر . <br>إِذَا قِيلَ مَهْلًا قَالَتْ الْعَيْن بِالْبُكَا .......... غِرَاءً وَمَدَّتْهَا حَوَافِلُ نُهَّلُ <br>وَأَغْرَيْت زَيْدًا بِكَذَا حَتَّى غَرِيَ بِهِ ; وَمِنْهُ الْغِرَاء الَّذِي يُغْرَى بِهِ لِلُصُوقِهِ ; فَالْإِغْرَاء بِالشَّيْءِ الْإِلْصَاق بِهِ مِنْ جِهَة التَّسْلِيط عَلَيْهِ , وَأَغْرَيْت الْكَلْب أَيْ أَوْلَعْته بِالصَّيْدِ . | بَيْنهمْ | ظَرْف لِلْعَدَاوَةِ . | وَالْبَغْضَاء | الْبُغْض . أَشَارَ بِهَذَا إِلَى الْيَهُود وَالنَّصَارَى لِتَقَدُّمِ ذِكْرهمَا . عَنْ السُّدِّيّ وَقَتَادَة : بَعْضهمْ لِبَعْضٍ عَدُوّ , وَقِيلَ : أَشَارَ إِلَى اِفْتِرَاق النَّصَارَى خَاصَّة ; قَالَهُ الرَّبِيع بْن أَنَس , لِأَنَّهُمْ أَقْرَب مَذْكُور ; وَذَلِكَ أَنَّهُمْ اِفْتَرَقُوا إِلَى الْيَعَاقِبَة وَالنُّسُّطُورِيَّة وَالْمَلْكَانِيَّة ; أَيْ كَفَّرَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا . قَالَ النَّحَّاس : وَمِنْ أَحْسَنِ مَا قِيلَ فِي مَعْنَى | أَغْرَيْنَا بَيْنهمْ الْعَدَاوَة وَالْبَغْضَاء | أَنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ أَمَرَ بِعَدَاوَةِ الْكُفَّار وَإِبْغَاضهمْ , فَكُلّ فِرْقَة مَأْمُورَة بِعَدَاوَةِ صَاحِبَتهَا وَإِبْغَاضهَا لِأَنَّهُمْ كُفَّار .|وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ|تَهْدِيد لَهُمْ ; أَيْ سَيَلْقَوْنَ جَزَاء نَقْضِ الْمِيثَاق .

يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ

الْكِتَاب اِسْم جِنْس بِمَعْنَى الْكُتُب ; فَجَمِيعهمْ مُخَاطَبُونَ .|الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ|مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .|رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ|أَيْ مِنْ كُتُبكُمْ ; مِنْ الْإِيمَان بِهِ , وَمِنْ آيَة الرَّجْم , وَمِنْ قِصَّة أَصْحَاب السَّبْت الَّذِينَ مُسِخُوا قِرَدَة ; فَإِنَّهُمْ كَانُوا يُخْفُونَهَا .|الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ|أَيْ يَتْرُكهُ وَلَا يُبَيِّنهُ , وَإِنَّمَا يُبَيِّن مَا فِيهِ حُجَّة عَلَى نُبُوَّته , وَدَلَالَة عَلَى صِدْقه وَشَهَادَة بِرِسَالَتِهِ , وَيَتْرُك مَا لَمْ يَكُنْ بِهِ حَاجَة إِلَى تَبْيِينه , وَقِيلَ | وَيَعْفُو عَنْ كَثِير | يَعْنِي يَتَجَاوَز عَنْ كَثِير فَلَا يُخْبِركُمْ بِهِ , وَذُكِرَ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَحْبَارهمْ جَاءَ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلَهُ فَقَالَ : يَا هَذَا عَفَوْت عَنَّا ؟ فَأَعْرَضَ عَنْهُ رَسُول اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يُبَيِّن ; وَإِنَّمَا أَرَادَ الْيَهُودِيّ أَنْ يُظْهِر مُنَاقَضَة كَلَامه , فَلَمَّا لَمْ يُبَيِّن لَهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ مِنْ عِنْده فَذَهَبَ وَقَالَ لِأَصْحَابِهِ : أَرَى أَنَّهُ صَادِق فِيمَا يَقُول : لِأَنَّهُ كَانَ وَجَدَ فِي كِتَابه أَنَّهُ لَا يُبَيِّن لَهُ مَا سَأَلَهُ عَنْهُ . | قَدْ جَاءَكُمْ مِنْ اللَّه نُور | أَيْ ضِيَاء ; قِيلَ : الْإِسْلَام , وَقِيلَ : مُحَمَّد عَلَيْهِ السَّلَام ; عَنْ الزَّجَّاج .|كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ|أَيْ الْقُرْآن ; فَإِنَّهُ يُبَيِّن الْأَحْكَام , وَقَدْ تَقَدَّمَ .

يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ

أَيْ مَا رَضِيَهُ اللَّه .|سُبُلَ السَّلَامِ|طُرُق السَّلَامَة الْمُوصِلَة إِلَى دَار السَّلَام الْمُنَزَّهَة عَنْ كُلّ آفَة , وَالْمُؤَمَّنَة مِنْ كُلّ مَخَافَة ; وَهِيَ الْجَنَّة , وَقَالَ الْحَسَن وَالسُّدِّيّ : | السَّلَام | اللَّه عَزَّ وَجَلَّ ; فَالْمَعْنَى دِين اللَّه - وَهُوَ الْإِسْلَام - كَمَا قَالَ : | إِنَّ الدِّين عِنْد اللَّه الْإِسْلَام | [ آل عِمْرَان : 19 ] .|وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ|أَيْ مِنْ ظُلُمَات الْكُفْر وَالْجَهَالَات إِلَى نُور الْإِسْلَام وَالْهِدَايَات .|بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ|أَيْ بِتَوْفِيقِهِ وَإِرَادَته .

لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ

تَقَدَّمَ فِي آخِر | النِّسَاء | بَيَانه وَالْقَوْل فِيهِ . وَكُفْر النَّصَارَى فِي دَلَالَة هَذَا الْكَلَام إِنَّمَا كَانَ بِقَوْلِهِمْ : إِنَّ اللَّه هُوَ الْمَسِيح اِبْن مَرْيَم عَلَى جِهَة الدَّيْنُونَة بِهِ ; لِأَنَّهُمْ لَوْ قَالُوهُ عَلَى جِهَة الْحِكَايَة مُنْكِرِينَ لَهُ لَمْ يَكْفُرُوا .|قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ|أَيْ مِنْ أَمْر اللَّه . و | يَمْلِك | بِمَعْنَى يَقْدِر ; مِنْ قَوْلهمْ مَلَكْت عَلَى فُلَان أَمْرَهُ أَيْ اِقْتَدَرْت عَلَيْهِ . أَيْ فَمَنْ يَقْدِر أَنْ يَمْنَع مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا ؟ فَأَعْلَمَ اللَّه تَعَالَى أَنَّ الْمَسِيح لَوْ كَانَ إِلَهًا لَقَدَرَ عَلَى دَفْع مَا يَنْزِل بِهِ أَوْ بِغَيْرِهِ , وَقَدْ أَمَاتَ أُمّه وَلَمْ يَتَمَكَّن مِنْ دَفْع الْمَوْت عَنْهَا ; فَلَوْ أَهْلَكَهُ هُوَ أَيْضًا فَمَنْ يَدْفَعهُ عَنْ ذَلِكَ أَوْ يَرُدّهُ .|وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا|وَالْمَسِيح وَأُمّه بَيْنهمَا مَخْلُوقَانِ مَحْدُودَانِ مَحْصُورَانِ , وَمَا أَحَاطَ بِهِ الْحَدّ وَالنِّهَايَة لَا يَصْلُح لِلْإِلَهِيَّةِ , وَقَالَ | وَمَا بَيْنهمَا | وَلَمْ يَقُلْ وَمَا بَيْنهنَّ ; لِأَنَّهُ أَرَادَ النَّوْعَيْنِ وَالصِّنْفَيْنِ كَمَا قَالَ الرَّاعِي : <br>طَرَقَا فَتِلْكَ هَمَاهِمِي أَقْرِيهمَا .......... قُلُصًا لَوَاقِحَ كَالْقِسِيِّ وَحُوَّلَا <br>فَقَالَ : | طَرَقَا | ثُمَّ قَالَ : | فَتِلْكَ هَمَاهِمِي | .|يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ|عِيسَى مِنْ أُمّ بِلَا أَب آيَة لِعِبَادِهِ .

وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَ

قَالَ اِبْن عَبَّاس : خَوَّفَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْمًا مِنْ الْيَهُود الْعِقَاب فَقَالُوا : لَا نَخَاف فَإِنَّا أَبْنَاء اللَّه وَأَحِبَّاؤُهُ ; فَنَزَلَتْ الْآيَة . قَالَ اِبْن إِسْحَاق : أَتَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نُعْمَان بْن أَضَا وَبَحْرِيّ بْن عَمْرو وَشَأْس بْن عَدِيّ فَكَلَّمُوهُ وَكَلَّمَهُمْ , وَدَعَاهُمْ إِلَى اللَّه عَزَّ وَجَلَّ وَحَذَّرَهُمْ نِقْمَته فَقَالُوا : مَا تُخَوِّفنَا يَا مُحَمَّد ؟ ; نَحْنُ أَبْنَاء اللَّه وَأَحِبَّاؤُهُ , كَقَوْلِ النَّصَارَى ; فَأَنْزَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ فِيهِمْ | وَقَالَتْ الْيَهُود وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاء اللَّه وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبكُمْ بِذُنُوبِكُمْ | إِلَى آخِر الْآيَة . قَالَ لَهُمْ مُعَاذ بْن جَبَل وَسَعْد بْن عُبَادَة وَعُقْبَة بْن وَهْب : يَا مَعْشَر يَهُود اِتَّقُوا اللَّه , فَوَاَللَّهِ إِنَّكُمْ لَتَعْلَمُونَ أَنَّهُ رَسُول اللَّه , وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَذْكُرُونَهُ لَنَا قَبْل مَبْعَثه , وَتَصِفُونَهُ لَنَا بِصِفَتِهِ ; فَقَالَ رَافِع بْن حُرَيْمِلَة وَوَهْب بْن يَهُوذَا : مَا قُلْنَا هَذَا لَكُمْ , وَلَا أَنْزَلَ اللَّه مِنْ كِتَاب بَعْد مُوسَى , وَلَا أَرْسَلَ بَشِيرًا وَلَا نَذِيرًا مِنْ بَعْده ; فَأَنْزَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : | يَا أَهْل الْكِتَاب قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولنَا يُبَيِّن لَكُمْ عَلَى فَتْرَة مِنْ الرُّسُل | إِلَى قَوْله : | وَاَللَّه عَلَى كُلّ شَيْء قَدِير | . السُّدِّيّ : زَعَمَتْ الْيَهُود أَنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ أَوْحَى إِلَى إِسْرَائِيل عَلَيْهِ السَّلَام أَنَّ وَلَدك بِكْرِي مِنْ الْوَلَد . قَالَ غَيْره : وَالنَّصَارَى قَالَتْ نَحْنُ أَبْنَاء اللَّه ; لِأَنَّ فِي الْإِنْجِيل حِكَايَة عَنْ عِيسَى | أَذْهَبُ إِلَى أَبِي وَأَبِيكُمْ | , وَقِيلَ : الْمَعْنَى : نَحْنُ أَبْنَاء رُسُل اللَّه , فَهُوَ عَلَى حَذْف مُضَاف , وَبِالْجُمْلَةِ . فَإِنَّهُمْ رَأَوْا لِأَنْفُسِهِمْ فَضْلًا ; فَرَدَّ عَلَيْهِمْ قَوْلهمْ فَقَالَ|قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ|فَلَمْ يَكُونُوا يَخْلُونَ مِنْ أَحَد وَجْهَيْنِ ; إِمَّا أَنْ يَقُولُوا هُوَ يُعَذِّبنَا . فَيُقَال لَهُمْ : فَلَسْتُمْ إِذًا أَبْنَاءَهُ وَأَحِبَّاءَهُ ; فَإِنَّ الْحَبِيب لَا يُعَذِّب حَبِيبه , وَأَنْتُمْ تُقِرُّونَ بِعَذَابِهِ ; فَذَلِكَ دَلِيل عَلَى كَذِبكُمْ - وَهَذَا هُوَ الْمُسَمَّى عِنْد الْجَدَلِيِّينَ بِبُرْهَانِ الْخُلْف - أَوْ يَقُولُوا : لَا يُعَذِّبنَا فَيُكَذِّبُوا مَا فِي كُتُبهمْ , وَمَا جَاءَتْ بِهِ رُسُلهمْ , وَيُبِيحُوا الْمَعَاصِيَ وَهُمْ مُعْتَرِفُونَ بِعَذَابِ الْعُصَاة مِنْهُمْ ; وَلِهَذَا يَلْتَزِمُونَ أَحْكَام كُتُبهمْ , وَقِيلَ : مَعْنَى | يُعَذِّبكُمْ | عَذَّبَكُمْ ; فَهُوَ بِمَعْنَى الْمُضِيّ ; أَيْ فَلِمَ مَسَخَكُمْ قِرَدَة وَخَنَازِير ؟ وَلِمَ عَذَّبَ مَنْ قَبْلكُمْ مِنْ الْيَهُود وَالنَّصَارَى بِأَنْوَاعِ الْعَذَاب وَهُمْ أَمْثَالكُمْ ؟ لِأَنَّ اللَّه سُبْحَانه لَا يَحْتَجّ عَلَيْهِمْ بِشَيْءٍ لَمْ يَكُنْ بَعْد , لِأَنَّهُمْ رُبَّمَا يَقُولُونَ لَا نُعَذَّب غَدًا , بَلْ يَحْتَجُّ عَلَيْهِمْ بِمَا عَرَفُوهُ .|بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ|أَيْ كَسَائِرِ خَلْقه يُحَاسِبكُمْ عَلَى الطَّاعَة وَالْمَعْصِيَة , وَيُجَازِي كُلًّا بِمَا عَمِلَ .|يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ|أَيْ لِمَنْ تَابَ مِنْ الْيَهُود .|وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ|مَنْ مَاتَ عَلَيْهَا .|وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا|فَلَا شَرِيك لَهُ يُعَارِضهُ .|وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ|أَيْ يَئُول أَمْر الْعِبَاد إِلَيْهِ فِي الْآخِرَة .

يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ

يَعْنِي مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .|رَسُولُنَا يُبَيِّنُ|اِنْقِطَاع حُجَّتهمْ حَتَّى لَا يَقُولُوا غَدًا مَا جَاءَنَا رَسُول .|لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ|أَيْ سُكُون ; يُقَال فَتَرَ الشَّيْء سَكَنَ , وَقِيلَ : | عَلَى فَتْرَة | عَلَى اِنْقِطَاع مَا بَيْن النَّبِيِّينَ ; عَنْ أَبِي عَلِيّ وَجَمَاعَة أَهْل الْعِلْم , حَكَاهُ الرُّمَّانِيّ ; قَالَ : وَالْأَصْل فِيهَا اِنْقِطَاع الْعَمَل عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ الْجِدّ فِيهِ , مِنْ قَوْلهمْ : فَتَرَ عَنْ عَمَله وَفَتَّرْته عَنْهُ , وَمِنْهُ فَتَرَ الْمَاء إِذَا اِنْقَطَعَ عَمَّا كَانَ مِنْ السُّخُونَة إِلَى الْبَرْد . وَامْرَأَة فَاتِرَة الطَّرْف أَيْ مُنْقَطِعَة عَنْ حِدَّة النَّظَر , وَفُتُور الْبَدَن كَفُتُورِ الْمَاء , وَالْفِتْر مَا بَيْن السَّبَّابَة وَالْإِبْهَام إِذَا فَتَحْتهمَا , وَالْمَعْنَى ; أَيْ مَضَتْ لِلرُّسُلِ مُدَّة قَبْله , وَاخْتُلِفَ فِي قَدْر مُدَّة تِلْكَ الْفَتْرَة ; فَذَكَرَ مُحَمَّد بْن سَعْد فِي كِتَاب | الطَّبَقَات | عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : كَانَ بَيْن مُوسَى بْن عِمْرَان وَعِيسَى اِبْن مَرْيَم عَلَيْهِمَا السَّلَام أَلْف سَنَة وَسَبْعمِائَةِ سَنَة , وَلَمْ يَكُنْ بَيْنهمَا فَتْرَة , وَأَنَّهُ أُرْسِلَ بَيْنهمَا أَلْف نَبِيّ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل سِوَى مَنْ أُرْسِلَ مِنْ غَيْرهمْ . وَكَانَ بَيْن مِيلَاد عِيسَى وَالنَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَمْسمِائَةِ سَنَة وَتِسْع وَسِتُّونَ سَنَة , بُعِثَ فِي أَوَّلهَا ثَلَاثَة أَنْبِيَاء ; وَهُوَ قَوْله تَعَالَى : | إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ اِثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ | [ يس : 14 ] وَاَلَّذِي عُزِّزَ بِهِ | شمعون | وَكَانَ مِنْ الْحَوَارِيِّينَ , وَكَانَتْ الْفَتْرَة الَّتِي لَمْ يَبْعَث اللَّه فِيهَا رَسُولًا أَرْبَعمِائَةِ سَنَة وَأَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ سَنَة , وَذَكَرَ الْكَلْبِيّ أَنَّ بَيْن عِيسَى وَمُحَمَّد عَلَيْهِمَا السَّلَام خَمْسمِائَةِ سَنَة وَتِسْعًا وَسِتِّينَ , وَبَيْنهمَا أَرْبَعَة أَنْبِيَاء ; وَاحِد مِنْ الْعَرَب مِنْ بَنِي عَبْس وَهُوَ خَالِد بْن سِنَان . قَالَ الْقُشَيْرِيّ : وَمِثْل هَذَا مِمَّا لَا يُعْلَم إِلَّا بِخَبَرِ صِدْق . وَقَالَ قَتَادَة : كَانَ بَيْن عِيسَى وَمُحَمَّد عَلَيْهِمَا السَّلَام سِتّمِائَةِ سَنَة ; وَقَالَهُ مُقَاتِل وَالضَّحَّاك وَوَهْب بْن مُنَبِّه , إِلَّا أَنَّ وَهْبًا زَادَ عِشْرِينَ سَنَة , وَعَنْ الضَّحَّاك أَيْضًا أَرْبَعمِائَةٍ وَبِضْع وَثَلَاثُونَ سَنَة , وَذَكَرَ اِبْن سَعْد عَنْ عِكْرِمَة قَالَ : بَيْن آدَم وَنُوح عَشَرَة قُرُون , كُلّهمْ عَلَى الْإِسْلَام . قَالَ اِبْن سَعْد : أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن عَمْرو بْن وَاقِد الْأَسْلَمِيّ عَنْ غَيْر وَاحِد قَالُوا : كَانَ بَيْن آدَم وَنُوح عَشَرَة قُرُون , وَالْقَرْن مِائَة سَنَة , وَبَيْن نُوح وَإِبْرَاهِيم عَشَرَة قُرُون , وَالْقَرْن مِائَة سَنَة , وَبَيْن إِبْرَاهِيم وَمُوسَى بْن عِمْرَان عَشَرَة قُرُون , وَالْقَرْن مِائَة سَنَة ; فَهَذَا مَا بَيْن آدَم وَمُحَمَّد عَلَيْهِمَا السَّلَام مِنْ الْقُرُون وَالسِّنِينَ . وَاللَّه أَعْلَمُ .|الرُّسُلِ أَنْ|أَيْ لِئَلَّا أَوْ كَرَاهِيَة أَنْ تَقُولُوا ; فَهُوَ فِي مَوْضِع نَصْب .|تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ|| مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِير | أَيْ مُبَشِّر . | وَلَا نَذِير | أَيْ مُنْذِر , وَيَجُوز | مِنْ بَشِير وَلَا نَذِير | عَلَى الْمَوْضِع . قَالَ اِبْن عَبَّاس : قَالَ مُعَاذ بْن جَبَل وَسَعْد بْن عُبَادَة وَعُقْبَة بْن وَهْب لِلْيَهُودِ ; يَا مَعْشَر يَهُود اِتَّقُوا اللَّه , فَوَاَللَّهِ إِنَّكُمْ لَتَعْلَمُونَ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُول اللَّه , وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَذْكُرُونَهُ لَنَا قَبْل مَبْعَثه وَتَصِفُونَهُ بِصِفَتِهِ ; فَقَالُوا : مَا أَنْزَلَ اللَّه مِنْ كِتَاب بَعْد مُوسَى وَلَا أَرْسَلَ بَعْده مِنْ بَشِير وَلَا نَذِير ; فَنَزَلَتْ الْآيَة .|وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ|عَلَى إِرْسَال مَنْ شَاءَ مِنْ خَلْقه . وَقِيلَ : قَدِير عَلَى إِنْجَاز مَا بَشَّرَ بِهِ وَأَنْذَرَ مِنْهُ .

وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآَتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ

تَبْيِين مِنْ اللَّه تَعَالَى أَنَّ أَسْلَافهمْ تَمَرَّدُوا عَلَى مُوسَى وَعَصَوْهُ ; فَكَذَلِكَ هَؤُلَاءِ عَلَى مُحَمَّد عَلَيْهِ السَّلَام , وَهُوَ تَسْلِيَة لَهُ ; أَيْ يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اُذْكُرُوا نِعْمَة اللَّه عَلَيْكُمْ , وَاذْكُرُوا قِصَّة مُوسَى , وَرُوِيَ عَنْ عَبْد اللَّه بْن كَثِير أَنَّهُ قَرَأَ | يَا قَوْمُ اذْكُرُوا | بِضَمِّ الْمِيم , وَكَذَلِكَ مَا أَشْبَهَهُ ; وَتَقْدِيره يَا أَيّهَا الْقَوْم .|عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ|لَمْ يَنْصَرِف ; لِأَنَّهُ فِيهِ أَلِف التَّأْنِيث .|أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ|أَيْ تَمْلِكُونَ أَمْركُمْ لَا يَغْلِبكُمْ عَلَيْهِ غَالِب بَعْد أَنْ كُنْتُمْ مَمْلُوكِينَ لِفِرْعَوْن مَقْهُورِينَ , فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهُ بِالْغَرَقِ ; فَهُمْ مُلُوك بِهَذَا الْوَجْه , وَبِنَحْوِهِ فَسَّرَ السُّدِّيّ وَالْحُسَيْن وَغَيْرهمَا . قَالَ السُّدِّيّ : مَلَكَ كُلّ وَاحِد مِنْهُ نَفْسه وَأَهْله وَمَاله , وَقَالَ قَتَادَة : إِنَّمَا قَالَ : | وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا | لِأَنَّا كُنَّا نَتَحَدَّث أَنَّهُمْ أَوَّل مَنْ خَدَمَ مِنْ بَنِي آدَم . قَالَ اِبْن عَطِيَّة : وَهَذَا ضَعِيف ; لِأَنَّ الْقِبْط قَدْ كَانُوا يَسْتَخْدِمُونَ بَنِي إِسْرَائِيل , وَظَاهِر أَمْر بَنِي آدَم أَنَّ بَعْضهمْ كَانَ يُسَخِّر بَعْضًا مُذْ تَنَاسَلُوا وَكَثُرُوا , وَإِنَّمَا اِخْتَلَفَتْ الْأُمَم فِي مَعْنَى التَّمْلِيك فَقَطْ , وَقِيلَ : جَعَلَكُمْ ذَوِي مَنَازِل لَا يُدْخَل عَلَيْكُمْ إِلَّا بِإِذْنٍ ; رُوِيَ مَعْنَاهُ عَنْ جَمَاعَة مِنْ أَهْل الْعِلْم . قَالَ اِبْن عَبَّاس : إِنَّ الرَّجُل إِذَا لَمْ يَدْخُل أَحَد بَيْتَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَهُوَ مَلِك , وَعَنْ الْحَسَن أَيْضًا وَزَيْد بْن أَسْلَمَ مَنْ كَانَتْ لَهُ دَار وَزَوْجَة وَخَادِم فَهُوَ مَلِك ; وَهُوَ قَوْل عَبْد اللَّه بْن عَمْرو كَمَا فِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ أَبِي عَبْد الرَّحْمَن الْحُبُلِيّ قَالَ : سَمِعْت عَبْد اللَّه بْن عَمْرو بْن الْعَاص وَسَأَلَهُ رَجُل فَقَالَ : أَلَسْنَا مِنْ فُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ ؟ فَقَالَ لَهُ عَبْد اللَّه : أَلَك اِمْرَأَة تَأْوِي إِلَيْهَا ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالَ : أَلَك مَنْزِل تَسْكُنهُ ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالَ : فَأَنْتَ مِنْ الْأَغْنِيَاء . قَالَ : فَإِنَّ لِي خَادِمًا . قَالَ : فَأَنْتَ مِنْ الْمُلُوك . قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : وَفَائِدَة هَذَا أَنَّ الرَّجُل إِذَا وَجَبَتْ عَلَيْهِ كَفَّارَة وَمَلَكَ دَارًا وَخَادِمًا بَاعَهُمَا فِي الْكَفَّارَة وَلَمْ يَجُزْ لَهُ الصِّيَام , لِأَنَّهُ قَادِر عَلَى الرَّقَبَة وَالْمُلُوك لَا يُكَفِّرُونَ بِالصِّيَامِ , وَلَا يُوصَفُونَ بِالْعَجْزِ عَنْ الْإِعْتَاق , وَقَالَ اِبْن عَبَّاس وَمُجَاهِد : جَعَلَهُمْ مُلُوكًا بِالْمَنِّ وَالسَّلْوَى وَالْحَجَر وَالْغَمَام , أَيْ هُمْ مَخْدُومُونَ كَالْمُلُوكِ , وَعَنْ اِبْن عَبَّاس أَيْضًا يَعْنِي الْخَادِم وَالْمَنْزِل ; وَقَالَهُ مُجَاهِد وَعِكْرِمَة وَالْحَكَم بْن عُيَيْنَة , وَزَادُوا الزَّوْجَة ; وَكَذَا قَالَ زَيْد بْن أَسْلَمَ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ فِيمَا يُعْلَم - عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ كَانَ لَهُ بَيْت - أَوْ قَالَ مَنْزِل - يَأْوِي إِلَيْهِ وَزَوْجَة وَخَادِم يَخْدُمهُ فَهُوَ مَلِك ) ; ذَكَرَهُ النَّحَّاس , وَيُقَال : مَنْ اِسْتَغْنَى عَنْ غَيْره فَهُوَ مَلِك ; وَهَذَا كَمَا قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ أَصْبَحَ آمِنًا فِي سِرْبه مُعَافًى فِي بَدَنه وَلَهُ قُوت يَوْمه فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا بِحَذَافِيرِهَا ) .|مُلُوكًا|أَيْ أَعْطَاكُمْ|وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ|وَالْخِطَاب مِنْ مُوسَى لِقَوْمِهِ فِي قَوْل جُمْهُور الْمُفَسِّرِينَ ; وَهُوَ وَجْه الْكَلَام . مُجَاهِد : وَالْمُرَاد بِالْإِيتَاءِ الْمَنّ وَالسَّلْوَى وَالْحَجَر وَالْغَمَام , وَقِيلَ : كَثْرَة الْأَنْبِيَاء فِيهِمْ , وَالْآيَات الَّتِي جَاءَتْهُمْ , وَقِيلَ : قُلُوبًا سَلِيمَة مِنْ الْغِلّ وَالْغِشّ , وَقِيلَ : إِحْلَال الْغَنَائِم وَالِانْتِفَاع بِهَا . قُلْت : وَهَذَا الْقَوْل مَرْدُود ; فَإِنَّ الْغَنَائِم لَمْ تَحِلّ لِأَحَدٍ إِلَّا لِهَذِهِ الْأُمَّة عَلَى مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيح ; وَسَيَأْتِي بَيَانه إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى , وَهَذِهِ الْمَقَالَة مِنْ مُوسَى تَوْطِئَة لِنُفُوسِهِمْ حَتَّى تُعَزَّز وَتَأْخُذ الْأَمْر بِدُخُولِ أَرْض الْجَبَّارِينَ بِقُوَّةٍ , وَتُنْقِذ فِي ذَلِكَ نُفُوذ مَنْ أَعَزَّهُ اللَّه وَرَفَعَ مِنْ شَأْنه , وَمَعْنَى | مِنْ الْعَالَمِينَ | أَيْ عَالَمِي زَمَانِكُمْ ; عَنْ الْحَسَن . وَقَالَ اِبْن جُبَيْر وَأَبُو مَالِك : الْخِطَاب لِأُمَّةِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; وَهَذَا عُدُول عَنْ ظَاهِر الْكَلَام بِمَا لَا يَحْسُن مِثْله . وَتَظَاهَرَتْ الْأَخْبَار أَنَّ دِمَشْق قَاعِدَة الْجَبَّارِينَ .

يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ

وَ| الْمُقَدَّسَة | مَعْنَاهُ الْمُطَهَّرَة . مُجَاهِد : الْمُبَارَكَة ; وَالْبَرَكَة التَّطْهِير مِنْ الْقُحُوط وَالْجُوع وَنَحْوه . قَتَادَة : هِيَ الشَّام . مُجَاهِد : الطُّور وَمَا حَوْله . اِبْن عَبَّاس وَالسُّدِّيّ وَابْن زَيْد : هِيَ أَرِيحَاء . قَالَ الزَّجَّاج : دِمَشْق وَفِلَسْطِين وَبَعْض : الْأُرْدُنّ , وَقَوْل قَتَادَة يَجْمَع هَذَا كُلّه .|الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ|أَيْ فَرَضَ دُخُولهَا عَلَيْكُمْ وَوَعَدَكُمْ دُخُولهَا وَسُكْنَاهَا لَكُمْ . وَلَمَّا خَرَجَتْ بَنُو إِسْرَائِيل مِنْ مِصْر أَمَرَهُمْ بِجِهَادِ أَهْل أَرِيحَاء مِنْ بِلَاد فِلَسْطِين فَقَالُوا : لَا عِلْم لَنَا بِتِلْكَ الدِّيَار ; فَبَعَثَ بِأَمْرِ اللَّه اِثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا , مِنْ كُلّ سِبْط رَجُل يَتَجَسَّسُونَ الْأَخْبَار عَلَى مَا تَقَدَّمَ , فَرَأَوْا سُكَّانهَا الْجَبَّارِينَ مِنْ الْعَمَالِقَة , وَهُمْ ذَوُو أَجْسَام هَائِلَة ; حَتَّى قِيلَ : إِنَّ بَعْضهمْ رَأَى هَؤُلَاءِ النُّقَبَاء فَأَخَذَهُمْ فِي كُمّه مَعَ فَاكِهَة كَانَ قَدْ حَمَلَهَا مِنْ بُسْتَانه وَجَاءَ بِهِمْ إِلَى الْمَلِك فَنَثَرَهُمْ بَيْن يَده وَقَالَ : إِنَّ هَؤُلَاءِ يُرِيدُونَ قِتَالنَا ; فَقَالَ لَهُمْ الْمَلِك : اِرْجِعُوا إِلَى صَاحِبكُمْ فَأَخْبِرُوهُ خَبَرنَا ; عَلَى مَا تَقَدَّمَ , وَقِيلَ : إِنَّهُمْ لَمَّا رَجَعُوا أَخَذُوا مِنْ عِنَب تِلْكَ الْأَرْض عُنْقُودًا فَقِيلَ : حَمَلَهُ رَجُل وَاحِد , وَقِيلَ : حَمَلَهُ النُّقَبَاء الِاثْنَا عَشَرَ . قُلْت : وَهَذَا أَشْبَهُ ; فَإِنَّهُ يُقَال : إِنَّهُمْ لَمَّا وَصَلُوا إِلَى الْجَبَّارِينَ وَجَدُوهُمْ يَدْخُل فِي كُمّ أَحَدهمْ رَجُلَانِ مِنْهُمْ , وَلَا يَحْمِل عُنْقُود أَحَدهمْ إِلَّا خَمْسَةٌ مِنْهُمْ فِي خَشَبَة , وَيَدْخُل فِي شَطْر الرُّمَّانَة إِذَا نُزِعَ حَبّه خَمْسَة أَنْفُس أَوْ أَرْبَعَة . قُلْت : وَلَا تَعَارُض بَيْن هَذَا وَالْأَوَّل ; فَإِنَّ ذَلِكَ الْجَبَّار الَّذِي أَخَذَهُمْ فِي كُمّه - وَيُقَال : فِي حِجْره - هُوَ عوج بْن عناق وَكَانَ أَطْوَلهمْ قَامَة وَأَعْظَمَهُمْ خَلْقًا ; عَلَى مَا يَأْتِي مِنْ ذِكْره إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى , وَكَانَ طُول سَائِرهمْ سِتَّةَ أَذْرُعٍ وَنِصْفًا فِي قَوْل مُقَاتِل . وَقَالَ الْكَلْبِيّ : كَانَ طُول كُلّ رَجُل مِنْهُمْ ثَمَانِينَ ذِرَاعًا , وَاللَّه أَعْلَمُ . فَلَمَّا أَذَاعُوا الْخَبَر مَا عَدَا يُوشَع وكالب بْن يوقنا , وَامْتَنَعَتْ بَنُو إِسْرَائِيل مِنْ الْجِهَاد عُوقِبُوا بِالتِّيهِ أَرْبَعِينَ سَنَة إِلَى أَنْ مَاتَ أُولَئِكَ الْعُصَاة وَنَشَأَ أَوْلَادهمْ , فَقَاتَلُوا الْجَبَّارِينَ وَغَلَبُوهُمْ .|لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا|أَيْ لَا تَرْجِعُوا عَنْ طَاعَتِي وَمَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ مِنْ قِتَال الْجَبَّارِينَ , وَقِيلَ : لَا تَرْجِعُوا عَنْ طَاعَة اللَّه إِلَى مَعْصِيَته , وَالْمَعْنَى وَاحِد .

قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ

أَيْ عِظَام الْأَجْسَام طِوَال , وَقَدْ تَقَدَّمَ ; يُقَال : نَخْلَة جَبَّارَة أَيْ طَوِيلَة , وَالْجَبَّار الْمُتَعَظِّم الْمُمْتَنِع مِنْ الذُّلّ وَالْفَقْر . وَقَالَ الزَّجَّاج : الْجَبَّار مِنْ الْآدَمِيِّينَ الْعَاتِي , وَهُوَ الَّذِي يُجْبِر النَّاس عَلَى مَا يُرِيد ; فَأَصْله عَلَى هَذَا مِنْ الْإِجْبَار وَهُوَ الْإِكْرَاه ; فَإِنَّهُ يُجْبِر غَيْره عَلَى مَا يُرِيدهُ ; وَأَجْبَرَهُ أَيْ أَكْرَهَهُ . وَقِيلَ : هُوَ مَأْخُوذ مِنْ جَبْر الْعَظْم ; فَأَصْل الْجَبَّار عَلَى هَذَا الْمُصْلِحُ أَمْرَ نَفْسِهِ , ثُمَّ اُسْتُعْمِلَ فِي كُلّ مَنْ جَرَّ لِنَفْسِهِ نَفْعًا بِحَقٍّ أَوْ بَاطِل , وَقِيلَ : إِنَّ جَبْر الْعَظْم رَاجِع إِلَى مَعْنَى الْإِكْرَاه . قَالَ الْفَرَّاء : لَمْ أَسْمَعْ فَعَّالًا مِنْ أَفْعَلَ إِلَّا فِي حَرْفَيْنِ ; جَبَّار مِنْ أَجْبَرَ وَدَرَّاك مِنْ أَدْرَكَ . ثُمَّ قِيلَ : كَانَ هَؤُلَاءِ مِنْ بَقَايَا عَاد , وَقِيلَ : هُمْ مِنْ وَلَد عيصوا بْن إِسْحَاق , وَكَانُوا مِنْ الرُّوم , وَكَانَ مَعَهُمْ عوج الْأَعْنَق , وَكَانَ طُوله ثَلَاثَة آلَاف ذِرَاع وَثَلَثمِائَةٍ وَثَلَاثَة وَثَلَاثِينَ ذِرَاعًا ; قَالَهُ اِبْن عُمَر , وَكَانَ يَحْتَجِنُ السَّحَاب أَيْ يَجْذِبهُ بِمِحْجَنِهِ وَيَشْرَب مِنْهُ , وَيَتَنَاوَل الْحُوت مِنْ قَاع الْبَحْر فَيَشْوِيه بِعَيْنِ الشَّمْس يَرْفَعهُ إِلَيْهَا ثُمَّ يَأْكُلهُ , وَحَضَرَ طُوفَان نُوح عَلَيْهِ السَّلَام وَلَمْ يُجَاوِز رُكْبَتَيْهِ وَكَانَ عُمْره ثَلَاثَة آلَاف وَسِتّمِائَةِ سَنَة , وَأَنَّهُ قَلَعَ صَخْرَة عَلَى قَدْر عَسْكَر مُوسَى لِيَرْضَخهُمْ بِهَا , فَبَعَثَ اللَّه طَائِرًا فَنَقَرَهَا وَوَقَعَتْ فِي عُنُقه فَصَرَعَتْهُ , وَأَقْبَلَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام وَطُوله عَشَرَة أَذْرُع ; وَعَصَاهُ عَشَرَة أَذْرُع وَتَرَقَّى فِي السَّمَاء عَشَرَة أَذْرُع فَمَا أَصَابَ إِلَّا كَعْبه وَهُوَ مَصْرُوع فَقَتَلَهُ , وَقِيلَ : بَلْ ضَرَبَهُ فِي الْعِرْق الَّذِي تَحْت كَعْبه فَصَرَعَهُ فَمَاتَ وَوَقَعَ عَلَى نِيل مِصْر فَجَسَرَهُمْ سَنَة . ذَكَرَ هَذَا الْمَعْنَى بِاخْتِلَافِ أَلْفَاظٍ مُحَمَّدُ بْن إِسْحَاق وَالطَّبَرِيّ وَمَكِّيّ وَغَيْرهمْ , وَقَالَ الْكَلْبِيّ : عوج مِنْ وَلَد هَارُوت وَمَارُوت حَيْثُ وَقَعَا بِالْمَرْأَةِ فَحَمَلَتْ , وَاللَّه أَعْلَمُ .|جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا|يَعْنِي الْبَلْدَة إِيلِيَاء , وَيُقَال : أَرِيحَاء أَيْ حَتَّى يُسَلِّمُوهَا لَنَا مِنْ غَيْر قِتَال , وَقِيلَ : قَالُوا ذَلِكَ خَوْفًا مِنْ الْجَبَّارِينَ وَلَمْ يَقْصِدُوا الْعِصْيَان ; فَإِنَّهُمْ قَالُوا : | فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ |

قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ

قَالَ اِبْن عَبَّاس وَغَيْره : هُمَا يُوشَع وكالب بْن يوقنا وَيُقَال اِبْن قانيا , وَكَانَا مِنْ الِاثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا . و | يَخَافُونَ | أَيْ مِنْ الْجَبَّارِينَ . قَتَادَة : يَخَافُونَ اللَّه تَعَالَى , وَقَالَ الضَّحَّاك : هُمَا رَجُلَانِ كَانَا فِي مَدِينَة الْجَبَّارِينَ عَلَى دِين مُوسَى ; فَمَعْنَى | يَخَافُونَ | عَلَى هَذَا أَيْ مِنْ الْعَمَالِقَة مِنْ حَيْثُ الطَّبْع لِئَلَّا يَطَّلِعُوا عَلَى إِيمَانهمْ فَيَفْتِنُوهُمْ وَلَكِنْ وَثِقَا بِاَللَّهِ , وَقِيلَ : يَخَافُونَ ضَعْف بَنِي إِسْرَائِيل وَجُبْنهمْ , وَقَرَأَ مُجَاهِد وَابْن جُبَيْر | يُخَافُونَ | بِضَمِّ الْيَاء , وَهَذَا يُقَوِّي أَنَّهُمَا مِنْ غَيْر قَوْم مُوسَى .|أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا|أَيْ بِالْإِسْلَامِ أَوْ بِالْيَقِينِ وَالصَّلَاح .|ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ|قَالَا لِبَنِي إِسْرَائِيل لَا يَهُولَنَّكُمْ عِظَم أَجْسَامهمْ فَقُلُوبهمْ مُلِئَتْ رُعْبًا مِنْكُمْ ; فَأَجْسَامهمْ عَظِيمَة وَقُلُوبهمْ ضَعِيفَة , وَكَانُوا قَدْ عَلِمُوا أَنَّهُمْ إِذَا دَخَلُوا مِنْ ذَلِكَ الْبَاب كَانَ لَهُمْ الْغَلَب , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُونَا قَالَا ذَلِكَ ثِقَة بِوَعْدِ اللَّه . ثُمَّ قَالَا :|وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ|مُصَدِّقِينَ بِهِ ; فَإِنَّهُ يَنْصُركُمْ . ثُمَّ قِيلَ عَلَى الْقَوْل الْأَوَّل : لَمَّا قَالَا هَذَا أَرَادَ بَنُو إِسْرَائِيل رَجْمهمَا بِالْحِجَارَةِ , وَقَالُوا : نُصَدِّقكُمَا وَنَدَع قَوْل عَشَرَة ! .

قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ

وَهَذَا عِنَاد وَحَيْد عَنْ الْقِتَال , وَإِيَاسٌ مِنْ النَّصْرِ .|فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ|ثُمَّ جَهِلُوا صِفَة الرَّبّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فَقَالُوا | فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبّك فَقَاتِلَا | وَصَفُوهُ بِالذَّهَابِ وَالِانْتِقَال , وَاَللَّه مُتَعَالٍ عَنْ ذَلِكَ , وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا مُشَبِّهَة ; وَهُوَ مَعْنَى قَوْل الْحَسَن ; لِأَنَّهُ قَالَ : هُوَ كُفْر مِنْهُمْ بِاَللَّهِ , وَهُوَ الْأَظْهَر فِي مَعْنَى الْكَلَام , وَقِيلَ : أَيْ أَنَّ نُصْرَة رَبّك لَك أَحَقّ مِنْ نُصْرَتنَا , وَقِتَاله مَعَك - إِنْ كُنْت رَسُوله - أَوْلَى مِنْ قِتَالنَا ; فَعَلَى هَذَا يَكُون ذَلِكَ مِنْهُمْ كُفْر ; لِأَنَّهُمْ شَكُّوا فِي رِسَالَته . وَقِيلَ الْمَعْنَى : اِذْهَبْ أَنْتَ فَقَاتِلْ وَلْيُعِنْك رَبّك , وَقِيلَ : أَرَادُوا بِالرَّبِّ هَارُون , وَكَانَ أَكْبَرَ مِنْ مُوسَى وَكَانَ مُوسَى يُطِيعهُ . وَبِالْجُمْلَةِ فَقَدْ فَسَقُوا بِقَوْلِهِمْ ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى : | فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْم الْفَاسِقِينَ | أَيْ لَا تَحْزَن عَلَيْهِمْ .|فَقَاتِلَا إِنَّا هَا|أَيْ لَا نَبْرَح وَلَا نُقَاتِل , وَيَجُوز | قَاعِدِينَ | عَلَى الْحَال ; لِأَنَّ الْكَلَام قَدْ تَمَّ قَبْله .

قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ

لِأَنَّهُ كَانَ يُطِيعهُ , وَقِيلَ الْمَعْنَى : إِنِّي لَا أَمْلِك إِلَّا نَفْسِي , ثُمَّ اِبْتَدَأَ فَقَالَ : | وَأَخِي | . أَيْ وَأَخِي أَيْضًا لَا يَمْلِك إِلَّا نَفْسه ; فَأَخِي عَلَى الْقَوْل الْأَوَّل فِي مَوْضِع نَصْب عَطْفًا عَلَى نَفْسِي , وَعَلَى الثَّانِي فِي مَوْضِع رَفْع , وَإِنْ شِئْت عَطَفْت عَلَى اِسْم إِنَّ وَهِيَ الْيَاء ; أَيْ إِنِّي وَأَخِي لَا نَمْلِك إِلَّا أَنْفُسنَا , وَإِنْ شِئْت عَطَفْت عَلَى الْمُضْمَر فِي أَمْلِك كَأَنَّهُ قَالَ : لَا أَمْلِك أَنَا وَأَخِي إِلَّا أَنْفُسنَا .|فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ|يُقَال : بِأَيِّ وَجْه سَأَلَهُ الْفَرْق بَيْنه وَبَيْن هَؤُلَاءِ الْقَوْم ؟ فَفِيهِ أَجْوِبَة ; الْأَوَّل : بِمَا يَدُلّ عَلَى بُعْدهمْ عَنْ الْحَقّ , وَذَهَابهمْ عَنْ الصَّوَاب فِيمَا اِرْتَكَبُوا مِنْ الْعِصْيَان ; وَلِذَلِكَ أُلْقُوا فِي التِّيه . الثَّانِي : بِطَلَبِ التَّمْيِيز أَيْ مَيِّزْنَا عَنْ جَمَاعَتهمْ وَجُمْلَتهمْ وَلَا تُلْحِقنَا بِهِمْ فِي الْعِقَاب , وَقِيلَ الْمَعْنَى : فَاقْضِ بَيْننَا وَبَيْنهمْ بِعِصْمَتِك إِيَّانَا مِنْ الْعِصْيَان الَّذِي اِبْتَلَيْتهمْ بِهِ ; وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى : | فِيهَا يُفْرَق كُلّ أَمْر حَكِيم | [ الدُّخَان : 4 ] أَيْ يُقْضَى . وَقَدْ فَعَلَ لَمَّا أَمَاتَهُمْ فِي التِّيه , وَقِيلَ : إِنَّمَا أَرَادَ فِي الْآخِرَة , أَيْ اِجْعَلْنَا فِي الْجَنَّة وَلَا تَجْعَلنَا مَعَهُمْ فِي النَّار ; وَالشَّاهِد عَلَى الْفَرْق الَّذِي يَدُلّ عَلَى الْمُبَاعَدَة فِي الْأَحْوَال قَوْل الشَّاعِر : <br>يَا رَبِّ فَافْرُقْ بَيْنه وَبَيْنِي .......... أَشَدَّ مَا فَرَّقْتَ بَيْنَ اِثْنَيْنِ <br>وَرَوَى اِبْن عُيَيْنَة عَنْ عَمْرو بْن دِينَار عَنْ عُبَيْد بْن عُمَيْر أَنَّهُ قَرَأَ : | فَافْرِقْ | بِكَسْرِ الرَّاء .

قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ

قَوْله تَعَالَى : | قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَة عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَة يَتِيهُونَ فِي الْأَرْض | اِسْتَجَابَ اللَّه دُعَاءَهُ وَعَاقَبَهُمْ فِي التِّيه أَرْبَعِينَ سَنَة , وَأَصْل التِّيه فِي اللُّغَة الْحَيْرَة ; يُقَال مِنْهُ : تَاهَ يَتِيه تِيهًا وَتَوْهًا إِذَا تَحَيَّرَ . وَتَيَّهْته وَتَوَّهْته بِالْيَاءِ وَالْوَاو , وَالْيَاء أَكْثَر , وَالْأَرْض التَّيْهَاء الَّتِي لَا يُهْتَدَى فِيهَا ; وَأَرْض تِيه وَتَيْهَاء وَمِنْهَا قَالَ : <br>تِيهٌ أَتَاوِيه عَلَى السُّقَّاطِ <br>وَقَالَ آخَر : <br>بِتَيْهَاءَ قَفْرٍ وَالْمَطِيُّ كَأَنَّهَا .......... قَطَا الْحَزْن قَدْ كَانَتْ فِرَاخًا بُيُوضُهَا <br>فَكَانُوا يَسِيرُونَ فِي فَرَاسِخ قَلِيلَة - قِيلَ : فِي قَدْر سِتَّة فَرَاسِخ - يَوْمهمْ وَلَيْلَتهمْ فَيُصْبِحُونَ حَيْثُ أَمْسَوْا وَيُمْسُونَ حَيْثُ أَصْبَحُوا ; فَكَانُوا سَيَّارَة لَا قَرَار لَهُمْ . وَاخْتُلِفَ هَلْ كَانَ مَعَهُمْ مُوسَى وَهَارُون ؟ فَقِيلَ : لَا ; لِأَنَّ التِّيه عُقُوبَة , وَكَانَتْ سِنُو التِّيهِ بِعَدَدِ أَيَّام الْعِجْل , فَقُوبِلُوا عَلَى كُلّ يَوْم سَنَة ; وَقَدْ قَالَ : | فَافْرُقْ بَيْننَا وَبَيْن الْقَوْم الْفَاسِقِينَ | , وَقِيلَ : كَانَا مَعَهُمْ لَكِنْ سَهَّلَ اللَّه الْأَمْر عَلَيْهِمَا كَمَا جَعَلَ النَّار بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيم , وَمَعْنَى | مُحَرَّمَة | أَيْ أَنَّهُمْ مَمْنُوعُونَ مِنْ دُخُولهَا ; كَمَا يُقَال : حَرَّمَ اللَّه وَجْهك عَلَى النَّار , وَحَرَّمْت عَلَيْك دُخُول الدَّار ; فَهُوَ تَحْرِيم مَنْع لَا تَحْرِيم شَرْع , عَنْ أَكْثَرِ أَهْل التَّفْسِير ; كَمَا قَالَ الشَّاعِر : <br>جَالَتْ لِتَصْرَعنِي فَقُلْت لَهَا اُقْصُرِي .......... إِنِّي اِمْرُؤٌ صَرْعِي عَلَيْك حَرَامُ <br>أَيْ أَنَا فَارِس فَلَا يُمْكِنك صَرْعِي , وَقَالَ أَبُو عَلِيّ : يَجُوز أَنْ يَكُون تَحْرِيم تَعَبُّد , وَيُقَال : كَيْفَ يَجُوز عَلَى جَمَاعَة كَثِيرَة مِنْ الْعُقَلَاء أَنْ يَسِيرُوا فِي فَرَاسِخ يَسِيرَة فَلَا يَهْتَدُوا لِلْخُرُوجِ مِنْهَا ؟ فَالْجَوَاب : قَالَ أَبُو عَلِيّ : قَدْ يَكُون ذَلِكَ بِأَنْ يُحَوِّل اللَّه الْأَرْض الَّتِي هِيَ عَلَيْهَا إِذَا نَامُوا فَيَرُدّهُمْ إِلَى الْمَكَان الَّذِي اِبْتَدَءُوا مِنْهُ , وَقَدْ يَكُون بِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الِاشْتِبَاه وَالْأَسْبَاب الْمَانِعَة مِنْ الْخُرُوج عَنْهَا عَلَى طَرِيق الْمُعْجِزَة الْخَارِجَة عَنْ الْعَادَة . | أَرْبَعِينَ | ظَرْف زَمَان لِلتِّيهِ ; فِي قَوْل الْحَسَن وَقَتَادَة ; قَالَا : وَلَمْ يَدْخُلهَا أَحَد مِنْهُمْ ; فَالْوَقْف عَلَى هَذَا عَلَى | عَلَيْهِمْ | , وَقَالَ الرَّبِيع بْن أَنَس وَغَيْره : إِنَّ | أَرْبَعِينَ سَنَة | ظَرْف لِلتَّحْرِيمِ , فَالْوَقْف عَلَى هَذَا عَلَى | أَرْبَعِينَ سَنَة | ; فَعَلَى الْأَوَّل إِنَّمَا دَخَلَهَا أَوْلَادهمْ ; قَالَهُ اِبْن عَبَّاس . وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ إِلَّا يُوشَع وكالب , فَخَرَجَ مِنْهُمْ يُوشَع بِذُرِّيَّاتِهِمْ إِلَى تِلْكَ الْمَدِينَة وَفَتَحُوهَا , وَعَلَى الثَّانِي : فَمَنْ بَقِيَ مِنْهُمْ بَعْد أَرْبَعِينَ سَنَة دَخَلُوهَا . وَرُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّ مُوسَى وَهَارُون مَاتَا فِي التِّيه . قَالَ غَيْره : وَنَبَّأَ اللَّه يُوشَع وَأَمَرَهُ بِقِتَالِ الْجَبَّارِينَ , وَفِيهَا حُبِسَتْ عَلَيْهِ الشَّمْس حَتَّى دَخَلَ الْمَدِينَة , وَفِيهَا أُحْرِقَ الَّذِي وُجِدَ الْغُلُولُ عِنْده , وَكَانَتْ تَنْزِل مِنْ السَّمَاء إِذَا غَنِمُوا نَار بَيْضَاء فَتَأْكُل الْغَنَائِم ; وَكَانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى قَبُولهَا , فَإِنْ كَانَ فِيهَا غُلُول لَمْ تَأْكُلهُ , وَجَاءَتْ السِّبَاع وَالْوُحُوش فَأَكَلَتْهُ ; فَنَزَلَتْ النَّار فَلَمْ تَأْكُل مَا غَنِمُوا فَقَالَ : إِنَّ فِيكُمْ الْغُلُول فَلْتُبَايِعْنِي كُلّ قَبِيلَة فَبَايَعَتْهُ , فَلَصِقَتْ يَد رَجُل مِنْهُمْ بِيَدِهِ فَقَالَ : فِيكُمْ الْغُلُول فَلْيُبَايِعْنِي كُلّ رَجُل مِنْكُمْ فَبَايَعُوهُ رَجُلًا رَجُلًا حَتَّى لَصِقَتْ يَد رَجُل مِنْهُمْ بِيَدِهِ فَقَالَ : عِنْدك الْغُلُول فَأَخْرَجَ مِثْل رَأْس الْبَقَرَة مِنْ ذَهَب , فَنَزَلَتْ النَّار فَأَكَلَتْ الْغَنَائِم , وَكَانَتْ نَارًا بَيْضَاء مِثْل الْفِضَّة لَهَا حَفِيف أَيْ صَوْت مِثْل صَوْت الشَّجَر وَجَنَاح الطَّائِر فِيمَا يَذْكُرُونَ ; فَذَكَرُوا أَنَّهُ أُحْرِقَ الْغَالّ وَمَتَاعه بِغَوْرٍ يُقَال لَهُ الْآن عَاجِز , عُرِفَ بِاسْمِ الْغَالّ ; وَكَانَ اِسْمه عَاجِزًا . قُلْت : وَيُسْتَفَاد مِنْ هَذَا عُقُوبَة الْغَالّ قَبْلنَا , وَقَدْ تَقَدَّمَ حُكْمه فِي مِلَّتنَا , وَبَيَان مَا اِنْبَهَمَ مِنْ اِسْم النَّبِيّ وَالْغَالّ فِي الْحَدِيث الصَّحِيح عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ( غَزَا نَبِيّ مِنْ الْأَنْبِيَاء ) الْحَدِيث أَخْرَجَهُ مُسْلِم وَفِيهِ قَالَ : ( فَغَزَا فَأَدْنَى لِلْقَرْيَةِ حِين صَلَاة الْعَصْر أَوْ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ فَقَالَ لِلشَّمْسِ أَنْتِ مَأْمُورَة وَأَنَا مَأْمُور اللَّهُمَّ اِحْبِسْهَا عَلَيَّ شَيْئًا فَحُبِسَتْ عَلَيْهِ حَتَّى فَتَحَ اللَّه عَلَيْهِ - قَالَ : فَجَمَعُوا مَا غَنِمُوا فَأَقْبَلَتْ النَّار لِتَأْكُلهُ فَأَبَتْ أَنْ تَطْعَمهُ فَقَالَ : فِيكُمْ غُلُول فَلْيُبَايِعْنِي مِنْ كُلّ قَبِيلَة رَجُل فَبَايَعُوهُ - قَالَ - فَلَصِقَتْ يَده بِيَدِ رَجُلَيْنِ أَوْ ثَلَاثَة فَقَالَ فِيكُمْ الْغُلُول ) وَذَكَرَ نَحْو مَا تَقَدَّمَ . قَالَ عُلَمَاؤُنَا : وَالْحِكْمَة فِي حَبْس الشَّمْس عَلَى يُوشَع عِنْد قِتَاله أَهْل أَرِيحَاء وَإِشْرَافه عَلَى فَتْحهَا عَشِيّ يَوْم الْجُمُعَة , وَإِشْفَاقه مِنْ أَنْ تَغْرُب الشَّمْس قَبْل الْفَتْح أَنَّهُ لَوْ لَمْ تُحْبَس عَلَيْهِ حَرُمَ عَلَيْهِ الْقِتَال لِأَجْلِ السَّبْت , وَيَعْلَم بِهِ عَدُوّهُمْ فَيُعْمِل فِيهِمْ السَّيْف وَيَجْتَاحهُمْ ; فَكَانَ ذَلِكَ آيَة لَهُ خُصَّ بِهَا بَعْد أَنْ كَانَتْ نُبُوَّته ثَابِتَة بِخَبَرِ مُوسَى عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام , عَلَى مَا يُقَال , وَاللَّه أَعْلَمُ , وَفِي هَذَا الْحَدِيث يَقُول عَلَيْهِ السَّلَام : ( فَلَمْ تَحِلّ الْغَنَائِم لِأَحَدٍ مِنْ قَبْلنَا ) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ رَأَى ضَعْفنَا وَعَجْزنَا فَطَيَّبَهَا لَنَا , وَهَذَا يَرُدّ قَوْل مَنْ قَالَ فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : | وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنْ الْعَالَمِينَ | إِنَّهُ تَحْلِيل الْغَنَائِم وَالِانْتِفَاع بِهَا , وَمِمَّنْ قَالَ إِنَّ مُوسَى عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام مَاتَ بِالتِّيهِ عَمْرو بْن مَيْمُون الْأَوْدِيّ , وَزَادَ وَهَارُون ; وَكَانَا خَرَجَا فِي التِّيه إِلَى بَعْض الْكُهُوف فَمَاتَ هَارُون فَدَفَنَهُ مُوسَى وَانْصَرَفَ إِلَى بَنِي إِسْرَائِيل ; فَقَالُوا : مَا فَعَلَ هَارُون ؟ فَقَالَ : مَاتَ ; قَالُوا : كَذَبْت وَلَكِنَّك قَتَلْته لِحُبِّنَا لَهُ , وَكَانَ مُحَبًّا فِي بَنِي إِسْرَائِيل ; فَأَوْحَى اللَّه تَعَالَى إِلَيْهِ أَنْ اِنْطَلِقْ بِهِمْ إِلَى قَبْره فَإِنِّي بَاعِثه حَتَّى يُخْبِرهُمْ أَنَّهُ مَاتَ مَوْتًا وَلَمْ تَقْتُلهُ ; فَانْطَلَقَ بِهِمْ إِلَى قَبْره فَنَادَى يَا هَارُون فَخَرَجَ مِنْ قَبْره يَنْفُض رَأْسه فَقَالَ : أَنَا قَاتِلك ؟ قَالَ : لَا ; وَلَكِنِّي مُتّ ; قَالَ : فَعُدْ إِلَى مَضْجَعك ; وَانْصَرَفَ , وَقَالَ الْحَسَن : إِنَّ مُوسَى لَمْ يَمُتْ بِالتِّيهِ , وَقَالَ غَيْره : إِنَّ مُوسَى فَتَحَ أَرِيحَاء , وَكَانَ يُوشَع عَلَى مُقَدِّمَته فَقَاتَلَ الْجَبَابِرَة الَّذِينَ كَانُوا بِهَا , ثُمَّ دَخَلَهَا مُوسَى بِبَنِي إِسْرَائِيل فَأَقَامَ فِيهَا مَا شَاءَ اللَّه أَنْ يُقِيم , ثُمَّ قَبَضَهُ اللَّه تَعَالَى إِلَيْهِ لَا يَعْلَم بِقَبْرِهِ أَحَد مِنْ الْخَلَائِق . قَالَ الثَّعْلَبِيّ : وَهُوَ أَصَحّ الْأَقَاوِيل . قُلْت : قَدْ رَوَى مُسْلِم عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ : أُرْسِلَ مَلَك الْمَوْت إِلَى مُوسَى عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام فَلَمَّا جَاءَهُ صَكَّهُ فَفَقَأَ عَيْنه فَرَجَعَ إِلَى رَبّه فَقَالَ : | أَرْسَلْتنِي إِلَى عَبْد لَا يُرِيد الْمَوْت | قَالَ : فَرَدَّ اللَّه إِلَيْهِ عَيْنه وَقَالَ : | اِرْجِعْ إِلَيْهِ فَقُلْ لَهُ يَضَع يَده عَلَى مَتْن ثَوْر فَلَهُ بِمَا غَطَّتْ يَده بِكُلِّ شَعْرَة سَنَة | قَالَ : | أَيْ رَبّ ثُمَّ مَهْ | , قَالَ : | ثُمَّ الْمَوْت | قَالَ : | فَالْآن | ; فَسَأَلَ اللَّه أَنْ يُدْنِيَهُ مِنْ الْأَرْض الْمُقَدَّسَة رَمْيَة بِحَجَرٍ ; فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَلَوْ كُنْت ثَمَّ لَأَرَيْتُكُمْ قَبْره إِلَى جَانِب الطَّرِيق تَحْت الْكَثِيب الْأَحْمَر ) فَهَذَا نَبِيّنَا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ عَلِمَ قَبْره وَوَصَفَ مَوْضِعه , وَرَآهُ فِيهِ قَائِمًا يُصَلِّي كَمَا فِي حَدِيث الْإِسْرَاء , إِلَّا أَنَّهُ يَحْتَمِل أَنْ يَكُون أَخْفَاهُ اللَّه عَنْ الْخَلْق سِوَاهُ وَلَمْ يَجْعَلهُ مَشْهُورًا عِنْدهمْ ; وَلَعَلَّ ذَلِكَ لِئَلَّا يُعْبَد , وَاللَّه أَعْلَمُ , وَيَعْنِي بِالطَّرِيقِ طَرِيق بَيْت الْمَقْدِس , وَوَقَعَ فِي بَعْض الرِّوَايَات إِلَى جَانِب الطُّور مَكَان الطَّرِيق , وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي تَأْوِيل لَطْم مُوسَى عَيْن مَلَك الْمَوْت وَفَقْئِهَا عَلَى أَقْوَال ; مِنْهَا : أَنَّهَا كَانَتْ عَيْنًا مُتَخَيَّلَة لَا حَقِيقَة , وَهَذَا بَاطِل , لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى أَنَّ مَا يَرَاهُ الْأَنْبِيَاء مِنْ صُوَر الْمَلَائِكَة لَا حَقِيقَة لَهُ , وَمِنْهَا : أَنَّهَا كَانَتْ عَيْنًا مَعْنَوِيَّة وَإِنَّمَا فَقَأَهَا بِالْحُجَّةِ , وَهَذَا مَجَاز لَا حَقِيقَة , وَمِنْهَا : أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَام لَمْ يَعْرِف الْمَوْت , وَأَنَّهُ رَأَى رَجُلًا دَخَلَ مَنْزِله بِغَيْرِ إِذْنه يُرِيد نَفْسه فَدَافَعَ عَنْ نَفْسه فَلَطَمَ عَيْنه فَفَقَأَهَا ; وَتَجِب الْمُدَافَعَة فِي هَذَا بِكُلِّ مُمْكِن , وَهَذَا وَجْه حَسَن ; لِأَنَّهُ حَقِيقَة فِي الْعَيْن وَالصَّكّ ; قَالَهُ الْإِمَام أَبُو بَكْر بْن خُزَيْمَة , غَيْر أَنَّهُ اُعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِمَا فِي الْحَدِيث ; وَهُوَ أَنَّ مَلَك الْمَوْت لَمَّا رَجَعَ إِلَى اللَّه تَعَالَى قَالَ : | يَا رَبّ أَرْسَلْتنِي إِلَى عَبْد لَا يُرِيد الْمَوْت | فَلَوْ لَمْ يَعْرِفهُ مُوسَى لَمَا صَدَقَ الْقَوْلُ مِنْ مَلَك الْمَوْت ; وَأَيْضًا قَوْله فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى : | أَجِبْ رَبّك | يَدُلّ عَلَى تَعْرِيفه بِنَفْسِهِ , وَاللَّه أَعْلَمُ . وَمِنْهَا : أَنَّ مُوسَى عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام كَانَ سَرِيع الْغَضَب , إِذَا غَضِبَ طَلَعَ الدُّخَان مِنْ قَلَنْسُوَته وَرَفَعَ شَعْرُ بَدَنه جُبَّتَهُ ; وَسُرْعَة غَضَبه كَانَتْ سَبَبًا لِصَكِّهِ مَلَك الْمَوْت . قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : وَهَذَا كَمَا تَرَى , فَإِنَّ الْأَنْبِيَاء مَعْصُومُونَ أَنْ يَقَع مِنْهُمْ اِبْتِدَاء مِثْل هَذَا فِي الرِّضَا وَالْغَضَب , وَمِنْهَا وَهُوَ الصَّحِيح مِنْ هَذِهِ الْأَقْوَال : أَنَّ مُوسَى عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام عَرَفَ مَلَك الْمَوْت , وَأَنَّهُ جَاءَ لِيَقْبِض رُوحه لَكِنَّهُ جَاءَ مَجِيء الْجَزْم بِأَنَّهُ قَدْ أُمِرَ بِقَبْضِ رُوحه مِنْ غَيْر تَخْيِير , وَعِنْد مُوسَى مَا قَدْ نَصَّ عَلَيْهِ نَبِيّنَا مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ ( أَنَّ اللَّه لَا يَقْبِض رُوح نَبِيّ حَتَّى يُخَيِّرهُ ) فَلَمَّا جَاءَهُ عَلَى غَيْر الْوَجْه الَّذِي أُعْلِمَ بَادَرَ بِشَهَامَتِهِ وَقُوَّة نَفْسه إِلَى أَدَبه , فَلَطَمَهُ فَفَقَأَ عَيْنه اِمْتِحَانًا لِمَلَكِ الْمَوْت ; إِذْ لَمْ يُصَرِّح لَهُ بِالتَّخْيِيرِ , وَمِمَّا يَدُلّ عَلَى صِحَّة هَذَا , أَنَّهُ لَمَّا رَجَعَ إِلَيْهِ مَلَك الْمَوْت فَخَيَّرَهُ بَيْن الْحَيَاة وَالْمَوْت اِخْتَارَ الْمَوْث وَاسْتَسْلَمَ , وَاَللَّه بِغَيْبِهِ أَحْكَمُ وَأَعْلَمُ . هَذَا أَصَحّ مَا قِيلَ فِي وَفَاة مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام , وَقَدْ ذَكَرَ الْمُفَسِّرُونَ فِي ذَلِكَ قِصَصًا وَأَخْبَارًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِصِحَّتِهَا ; وَفِي الصَّحِيح غُنْيَة عَنْهَا . وَكَانَ عُمْر مُوسَى مِائَة وَعِشْرِينَ سَنَة ; فَيُرْوَى أَنَّ يُوشَع رَآهُ بَعْد مَوْته فِي الْمَنَام فَقَالَ لَهُ : كَيْفَ وَجَدْت الْمَوْت ؟ فَقَالَ : | كَشَاةٍ تُسْلَخ وَهِيَ حَيَّة | , وَهَذَا صَحِيح مَعْنًى ; قَالَ : صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيث الصَّحِيح : ( إِنَّ لِلْمَوْتِ سَكَرَات ) عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ فِي كِتَاب | التَّذْكِرَة | , وَقَوْله : | فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْم الْفَاسِقِينَ | أَيْ لَا تَحْزَن , وَالْأَسَى الْحُزْن ; أَسِيَ يَأْسَى أَيْ حَزِنَ , قَالَ : <br>يَقُولُونَ لَا تَهْلِك أَسًى وَتَجَمَّلِ<br>

وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آَدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآَخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ

فِيهِ مَسْأَلَتَانِ </subtitle>الْأُولَى : وَجْه اِتِّصَال هَذِهِ الْآيَة بِمَا قَبْلهَا التَّنْبِيه مِنْ اللَّه تَعَالَى عَلَى أَنَّ ظُلْم الْيَهُود , وَنَقْضَهُمْ الْمَوَاثِيقَ وَالْعُهُودَ كَظُلْمِ اِبْن آدَم لِأَخِيهِ . الْمَعْنَى : إِنْ هَمَّ هَؤُلَاءِ الْيَهُودُ بِالْفَتْكِ بِك يَا مُحَمَّد فَقَدْ قَتَلُوا قَبْلك الْأَنْبِيَاء , وَقَتَلَ قَابِيلُ هَابِيلَ , وَالشَّرّ قَدِيم . أَيْ ذَكِّرْهُمْ هَذِهِ الْقِصَّة فَهِيَ قِصَّة صِدْق , لَا كَالْأَحَادِيثِ الْمَوْضُوعَة ; وَفِي ذَلِكَ تَبْكِيت لِمَنْ خَالَفَ الْإِسْلَام , وَتَسْلِيَة لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَاخْتُلِفَ فِي اِبْنَيْ آدَم ; فَقَالَ الْحَسَن الْبَصْرِيّ : لَيْسَا لِصُلْبِهِ , كَانَا رَجُلَيْنِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل - ضَرَبَ اللَّه بِهِمَا الْمَثَل فِي إِبَانَة حَسَد الْيَهُود - وَكَانَ بَيْنهمَا خُصُومَة , فَتَقَرَّبَا بِقُرْبَانَيْنِ وَلَمْ تَكُنْ الْقَرَابِين إِلَّا فِي بَنِي إِسْرَائِيل . قَالَ اِبْن عَطِيَّة : وَهَذَا وَهْم , وَكَيْفَ يَجْهَل صُورَة الدَّفْن أَحَد مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل حَتَّى يَقْتَدِيَ بِالْغُرَابِ ؟ وَالصَّحِيح أَنَّهُمَا اِبْنَاهُ لِصُلْبِهِ ; هَذَا قَوْل الْجُمْهُور مِنْ الْمُفَسِّرِينَ وَقَالَهُ اِبْن عَبَّاس وَابْن عُمَر وَغَيْرهمَا ; وَهُمَا قَابِيل وَهَابِيل , وَكَانَ قُرْبَانُ قَابِيل حُزْمَة مِنْ سُنْبُل - لِأَنَّهُ كَانَ صَاحِب زَرْع - وَاخْتَارَهَا مِنْ أَرْدَإِ زَرْعه , ثُمَّ إِنَّهُ وَجَدَ فِيهَا سُنْبُلَة طَيِّبَة فَفَرَكَهَا وَأَكَلَهَا , وَكَانَ قُرْبَانُ هَابِيل كَبْشًا - لِأَنَّهُ كَانَ صَاحِب غَنَم - أَخَذَهُ مِنْ أَجْوَدِ غَنَمه . | فَتُقُبِّلَ | فَرُفِعَ إِلَى الْجَنَّة , فَلَمْ يَزَلْ يَرْعَى فِيهَا إِلَى أَنْ فُدِيَ بِهِ الذَّبِيح عَلَيْهِ السَّلَام ; قَالَهُ سَعِيد بْن جُبَيْر وَغَيْره . فَلَمَّا تُقُبِّلَ قُرْبَانُ هَابِيل لِأَنَّهُ كَانَ مُؤْمِنًا - قَالَ لَهُ قَابِيل حَسَدًا : - لِأَنَّهُ كَانَ كَافِرًا - أَتَمْشِي عَلَى الْأَرْض يَرَاك النَّاسُ أَفْضَلَ مِنِّي ! | لَأَقْتُلَنَّك | وَقِيلَ : سَبَب هَذَا الْقُرْبَانِ أَنَّ حَوَّاء عَلَيْهَا السَّلَام كَانَتْ تَلِد فِي كُلّ بَطْن ذَكَرًا وَأُنْثَى - إِلَّا شيثا عَلَيْهِ السَّلَام فَإِنَّهَا وَلَدَتْهُ مُنْفَرِدًا عِوَضًا مِنْ هَابِيل عَلَى مَا يَأْتِي , وَاسْمه هِبَة اللَّه ; لِأَنَّ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ لِحَوَّاء لَمَّا وَلَدَتْهُ : هَذَا هِبَة اللَّه لَك بَدَل هَابِيل , وَكَانَ آدَم يَوْم وُلِدَ شِيث اِبْن ثَلَاثِينَ وَمِائَة سَنَة - وَكَانَ يُزَوِّج الذَّكَر مِنْ هَذَا الْبَطْن الْأُنْثَى مِنْ الْبَطْن الْآخَر , وَلَا تَحِلّ لَهُ أُخْته تَوْأَمَته ; فَوَلَدَتْ مَعَ قَابِيل أُخْتًا جَمِيلَة وَاسْمهَا إقليمياء , وَمَعَ هَابِيل أُخْتًا لَيْسَتْ كَذَلِكَ وَاسْمهَا ليوذا ; فَلَمَّا أَرَادَ آدَم تَزْوِيجهمَا قَالَ قَابِيل : أَنَا أَحَقّ بِأُخْتِي , فَأَمَرَهُ آدَم فَلَمْ يَأْتَمِرْ , وَزَجَرَهُ فَلَمْ يَنْزَجِر ; فَاتَّفَقُوا عَلَى التَّقْرِيب ; قَالَهُ جَمَاعَة مِنْ الْمُفَسِّرِينَ مِنْهُمْ اِبْن مَسْعُود . وَرُوِيَ أَنَّ آدَم حَضَرَ ذَلِكَ , وَاللَّه أَعْلَمُ . وَقَدْ رُوِيَ فِي هَذَا الْبَاب عَنْ جَعْفَر الصَّادِق : أَنَّ آدَم لَمْ يَكُنْ يُزَوِّج اِبْنَته مِنْ اِبْنه ; وَلَوْ فَعَلَ ذَلِكَ آدَم لَمَا رَغِبَ عَنْهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَلَا كَانَ دِينُ آدَمَ إِلَّا دِينَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَأَنَّ اللَّه تَعَالَى لَمَّا أَهَبَطَ آدَم وَحَوَّاء إِلَى الْأَرْض وَجَمَعَ بَيْنهمَا وَلَدَتْ حَوَّاء بِنْتًا فَسَمَّاهَا عناقا فَبَغَتْ , وَهِيَ أَوَّل مَنْ بَغَى عَلَى وَجْه الْأَرْض ; فَسَلَّطَ اللَّه عَلَيْهَا مَنْ قَتَلَهَا , ثُمَّ وَلَدَتْ لِآدَم قَابِيل , ثُمَّ وَلَدَتْ لَهُ هَابِيل ; فَلَمَّا أَدْرَكَ قَابِيل أَظْهَرَ اللَّه لَهُ جِنِّيَّة مِنْ وَلَد الْجِنّ , يُقَال لَهَا : جمالة فِي صُورَة إِنْسِيَّة ; وَأَوْحَى اللَّه إِلَى آدَم أَنْ زَوِّجْهَا مِنْ قَابِيل فَزَوَّجَهَا مِنْهُ . فَلَمَّا أَدْرَكَ هَابِيل أَهْبَطَ اللَّه إِلَى آدَم حُورِيَّة فِي صِفَة إِنْسِيَّة وَخَلَقَ لَهَا رَحِمًا , وَكَانَ اِسْمهَا بزلة , فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهَا هَابِيل أَحَبَّهَا ; فَأَوْحَى اللَّه إِلَى آدَم أَنْ زَوِّجْ بزلة مِنْ هَابِيل فَفَعَلَ . فَقَالَ قَابِيل : يَا أَبَتِ أَلَسْت أَكْبَرَ مِنْ أَخِي ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالَ : فَكُنْتُ أَحَقَّ بِمَا فَعَلْتَ بِهِ مِنْهُ ! فَقَالَ لَهُ آدَم : يَا بُنَيّ إِنَّ اللَّه قَدْ أَمَرَنِي بِذَلِكَ , وَإِنَّ الْفَضْل بِيَدِ اللَّه يُؤْتِيه مَنْ يَشَاء , فَقَالَ : لَا وَاَللَّه , وَلَكِنَّك آثَرْته عَلَيَّ . فَقَالَ آدَم : | فَقَرِّبَا قُرْبَانًا فَأَيّكُمَا يُقْبَل قُرْبَانه فَهُوَ أَحَقُّ بِالْفَضْلِ | . قُلْت : هَذِهِ الْقِصَّة عَنْ جَعْفَر مَا أَظُنّهَا تَصِحّ , وَأَنَّ الْقَوْل مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَنَّهُ كَانَ يُزَوِّج غُلَام هَذَا الْبَطْن لِجَارِيَةِ تِلْكَ الْبَطْن , وَالدَّلِيل عَلَى هَذَا مِنْ الْكِتَاب قَوْله تَعَالَى : | يَا أَيّهَا النَّاس اِتَّقُوا رَبّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْس وَاحِدَة وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاء | [ النِّسَاء : 1 ] , وَهَذَا كَالنَّصِّ ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ , حَسْبَمَا تَقَدَّمَ بَيَانه فِي سُورَة | الْبَقَرَة | . وَكَانَ جَمِيع مَا وَلَدَتْهُ حَوَّاء أَرْبَعِينَ مِنْ ذَكَر وَأُنْثَى فِي عِشْرِينَ بَطْنًا ; أَوَّلهمْ قَابِيل وَتَوْأَمَته إقليمياء , وَآخِرهمْ عَبْد الْمُغِيث . ثُمَّ بَارَكَ اللَّه فِي نَسْل آدَم . قَالَ اِبْن عَبَّاس : لَمْ يَمُتْ آدَم حَتَّى بَلَغَ وَلَده وَوَلَد وَلَده أَرْبَعِينَ أَلْفًا , وَمَا رُوِيَ عَنْ جَعْفَر - مِنْ قَوْله : فَوَلَدَتْ بِنْتًا وَأَنَّهَا بَغَتْ - فَيُقَال : مَعَ مَنْ بَغَتْ ؟ أَمَعَ جِنِّيّ تَسَوَّلَ لَهَا ! وَمِثْل هَذَا يَحْتَاج إِلَى نَقْل صَحِيح يَقْطَع الْعُذْر , وَذَلِكَ مَعْدُوم , وَاللَّه أَعْلَمُ , وَفِي قَوْل هَابِيل | قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّل اللَّه مِنْ الْمُتَّقِينَ | كَلَام قَبْله مَحْذُوف ; لِأَنَّهُ لَمَّا قَالَ لَهُ قَابِيل : | لَأَقْتُلَنَّك | قَالَ لَهُ : وَلِمَ تَقْتُلنِي وَأَنَا لَمْ أَجْنِ شَيْئًا ؟ , وَلَا ذَنْب لِي فِي قَبُول اللَّه قُرْبَانِي , أَمَا إِنِّي اِتَّقَيْته وَكُنْت عَلَى لَاحِبِ الْحَقّ وَإِنَّمَا يَتَقَبَّل اللَّه مِنْ الْمُتَّقِينَ . قَالَ اِبْن عَطِيَّة : الْمُرَاد بِالتَّقْوَى هُنَا اِتِّقَاء الشِّرْك بِإِجْمَاعِ أَهْل السُّنَّة ; فَمَنْ اِتَّقَاهُ وَهُوَ مُوَحِّد فَأَعْمَاله الَّتِي تَصْدُق فِيهَا نِيَّته مَقْبُولَة ; وَأَمَّا الْمُتَّقِي الشِّرْك وَالْمَعَاصِي فَلَهُ الدَّرَجَة الْعُلْيَا مِنْ الْقَبُول وَالْخَتْم بِالرَّحْمَةِ ; عُلِمَ ذَلِكَ بِإِخْبَارِ اللَّه تَعَالَى لَا أَنَّ ذَلِكَ يَجِب عَلَى اللَّه تَعَالَى عَقْلًا , وَقَالَ عَدِيّ بْن ثَابِت وَغَيْره : قُرْبَان مُتَّقِي هَذِهِ الْأُمَّةِ الصَّلَاةُ . قُلْت : وَهَذَا خَاصّ فِي نَوْع مِنْ الْعِبَادَات , وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَالَ مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْته بِالْحَرْبِ وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبّ إِلَيَّ مِمَّا اِفْتَرَضْت عَلَيْهِ وَمَا يَزَال عَبْدِي يَتَقَرَّب إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبّهُ فَإِذَا أَحْبَبْته كُنْت سَمْعه الَّذِي يَسْمَع بِهِ وَبَصَره الَّذِي يُبْصِر بِهِ وَيَده الَّتِي يَبْطِش بِهَا وَرِجْله الَّتِي يَمْشِي بِهَا وَلَئِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ وَلَئِنْ اِسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ وَمَا تَرَدَّدْت عَنْ شَيْء أَنَا فَاعِله تَرَدُّدِي عَنْ نَفْس الْمُؤْمِن يَكْرَه الْمَوْت وَأَنَا أَكْرَه مَسَاءَتَهُ ) .

لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ

الْآيَة . أَيْ لَئِنْ قَصَدْت قَتْلِي فَأَنَا لَا أَقْصِد قَتْلك ; فَهَذَا اِسْتِسْلَام مِنْهُ . وَفِي الْخَبَر : ( إِذَا كَانَتْ الْفِتْنَة فَكُنْ كَخَيْرِ اِبْنَيْ آدَم ) , وَرَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ سَعْد بْن أَبِي وَقَّاص قَالَ قُلْت يَا رَسُول : إِنْ دَخَلَ عَلَيَّ بَيْتِي وَبَسَطَ يَده إِلَيَّ لِيَقْتُلنِي ؟ قَالَ فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( كُنْ كَخَيْرِ اِبْنَيْ آدَم ) وَتَلَا هَذِهِ الْآيَة | لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدك لِتَقْتُلنِي | . قَالَ مُجَاهِد : كَانَ الْفَرْض عَلَيْهِمْ حِينَئِذٍ أَلَّا يَسْتَلّ أَحَد سَيْفًا , وَأَلَّا يَمْتَنِع مِمَّنْ يُرِيد قَتْله . قَالَ عُلَمَاؤُنَا : وَذَلِكَ مِمَّا يَجُوز وُرُود التَّعَبُّد بِهِ , إِلَّا أَنَّ فِي شَرْعنَا يَجُوز دَفْعه إِجْمَاعًا , وَفِي وُجُوب ذَلِكَ عَلَيْهِ خِلَاف , وَالْأَصَحّ وُجُوب ذَلِكَ ; لِمَا فِيهِ مِنْ النَّهْي عَنْ الْمُنْكَر , وَفِي الْحَشْوِيَّة قَوْم لَا يُجَوِّزُونَ لِلْمَصُولِ عَلَيْهِ الدَّفْع ; وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ أَبِي ذَرّ , وَحَمَلَهُ الْعُلَمَاء عَلَى تَرْك الْقِتَال فِي الْفِتْنَة , وَكَفّ الْيَد عِنْد الشُّبْهَة ; عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ فِي كِتَاب | التَّذْكِرَة | , وَقَالَ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو وَجُمْهُور النَّاس : كَانَ هَابِيل أَشَدّ قُوَّة مِنْ قَابِيل وَلَكِنَّهُ تَحَرَّجَ . قَالَ اِبْن عَطِيَّة : وَهَذَا هُوَ الْأَظْهَر , وَمِنْ هَاهُنَا يَقْوَى أَنَّ قَابِيل إِنَّمَا هُوَ عَاصٍ لَا كَافِر ; لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَافِرًا لَمْ يَكُنْ لِلتَّحَرُّجِ هُنَا وَجْه , وَإِنَّمَا وَجْه التَّحَرُّج فِي هَذَا أَنَّ الْمُتَحَرِّج يَأْبَى أَنْ يُقَاتِل مُوَحِّدًا , وَيَرْضَى بِأَنْ يُظْلَم لِيُجَازَى فِي الْآخِرَة ; وَنَحْو هَذَا فَعَلَ عُثْمَان رَضِيَ اللَّه عَنْهُ , وَقِيلَ : الْمَعْنَى لَا أَقْصِد قَتْلك بَلْ أَقْصِد الدَّفْع عَنْ نَفْسِي , وَعَلَى هَذَا قِيلَ : كَانَ نَائِمًا فَجَاءَ قَابِيل وَرَضَخَ رَأْسه بِحَجَرٍ عَلَى مَا يَأْتِي , وَمُدَافَعَة الْإِنْسَان عَمَّنْ يُرِيد ظُلْمه جَائِزَة وَإِنْ أَتَى عَلَى نَفْس الْعَادِي , وَقِيلَ : لَئِنْ بَدَأْت بِقَتْلِي فَلَا أَبْدَأ بِالْقَتْلِ . وَقِيلَ : أَرَادَ لَئِنْ بَسَطْت إِلَيَّ يَدك ظُلْمًا فَمَا أَنَا بِظَالِمٍ ; إِنِّي أَخَاف اللَّه رَبّ الْعَالَمِينَ .

إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ

قِيلَ : مَعْنَاهُ مَعْنَى قَوْل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِذَا اِلْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِل وَالْمَقْتُول فِي النَّار ) قِيلَ : يَا رَسُول اللَّه هَذَا الْقَاتِل فَمَا بَال الْمَقْتُول ؟ قَالَ : ( إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْل صَاحِبه ) وَكَأَنَّ هَابِيل أَرَادَ إِنِّي لَسْت بِحَرِيصٍ عَلَى قَتْلك ; فَالْإِثْم الَّذِي كَانَ يَلْحَقنِي لَوْ كُنْت , حَرِيصًا عَلَى قَتْلك أُرِيد أَنْ تَحْمِلهُ أَنْتَ مَعَ إِثْمك فِي قَتْلِي , وَقِيلَ : الْمَعْنَى | بِإِثْمِي | الَّذِي يَخْتَصّ بِي فِيمَا فَرَّطْت ; أَيْ يُؤْخَذ فِي سَيِّئَاتِي فَتُطْرَح عَلَيْك بِسَبَبِ ظُلْمك لِي , وَتَبُوء بِإِثْمِك فِي قَتْلك ; وَهَذَا يَعْضِدهُ قَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام : ( يُؤْتَى يَوْم الْقِيَامَة بِالظَّالِمِ وَالْمَظْلُوم فَيُؤْخَذ مِنْ حَسَنَات الظَّالِم فَتُزَاد فِي حَسَنَات الْمَظْلُوم حَتَّى يَنْتَصِف فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَات أُخِذَ مِنْ سَيِّئَات الْمَظْلُوم فَتُطْرَح عَلَيْهِ ) . أَخْرَجَهُ مُسْلِم بِمَعْنَاهُ , وَقَدْ تَقَدَّمَ , وَيَعْضِدهُ قَوْله تَعَالَى : | وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالهمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالهمْ | [ الْعَنْكَبُوت : 13 ] وَهَذَا بَيِّن لَا إِشْكَال فِيهِ , وَقِيلَ : الْمَعْنَى إِنِّي أُرِيد أَلَّا تَبُوء بِإِثْمِي وَإِثْمك كَمَا قَالَ تَعَالَى : | وَأَلْقَى فِي الْأَرْض رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيد بِكُمْ | [ النَّحْل : 15 ] أَيْ لِئَلَّا تَمِيد بِكُمْ . وَقَوْله تَعَالَى : | يُبَيِّن اللَّه لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا | [ النِّسَاء : 176 ] أَيْ لِئَلَّا تَضِلُّوا فَحَذَفَ | لَا | . قُلْت : وَهَذَا ضَعِيف ; لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَام : ( لَا تُقْتَل نَفْس ظُلْمًا إِلَّا كَانَ عَلَى اِبْن آدَم الْأَوَّل كِفْل مِنْ دَمهَا لِأَنَّهُ أَوَّل مَنْ سَنَّ الْقَتْل ) , فَثَبَتَ بِهَذَا أَنَّ إِثْم الْقَتْل حَاصِل ; وَلِهَذَا قَالَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاء : إِنَّ الْمَعْنَى تَرْجِع بِإِثْمِ قَتْلِي وَإِثْمك الَّذِي عَمِلْته قَبْل قَتْلِي . قَالَ الثَّعْلَبِيّ : هَذَا قَوْل عَامَّة أَكْثَرِ الْمُفَسِّرِينَ , وَقِيلَ : هُوَ اِسْتِفْهَام , أَيْ أَوَ إِنِّي أُرِيد ؟ عَلَى جِهَة الْإِنْكَار ; كَقَوْلِهِ تَعَالَى : | وَتِلْكَ نِعْمَة | أَيْ أَوَ تِلْكَ نِعْمَة ؟ وَهَذَا لِأَنَّ إِرَادَة الْقَتْل مَعْصِيَة . حَكَاهُ الْقُشَيْرِيّ وَسُئِلَ أَبُو الْحَسَن بْن كَيْسَان : كَيْفَ يُرِيد الْمُؤْمِن أَنْ يَأْثَم أَخُوهُ وَأَنْ يَدْخُل النَّار ؟ فَقَالَ : إِنَّمَا وَقَعَتْ الْإِرَادَة بَعْدَمَا بَسَطَ يَده إِلَيْهِ بِالْقَتْلِ ; وَالْمَعْنَى : لَئِنْ بَسَطْت إِلَيَّ يَدك لِتَقْتُلنِي لَأَمْتَنِعَنَّ مِنْ ذَلِكَ مُرِيدًا لِلثَّوَابِ ; فَقِيلَ لَهُ : فَكَيْفَ قَالَ : بِإِثْمِي وَإِثْمك ; وَأَيُّ إِثْم لَهُ إِذَا قُتِلَ ؟ فَقَالَ : فِيهِ ثَلَاثَة أَجْوِبَة ; أَحَدهَا : أَنْ تَبُوء بِإِثْمِ قَتْلِي وَإِثْم ذَنْبك الَّذِي مِنْ أَجْله لَمْ يُتَقَبَّل قُرْبَانك , وَيُرْوَى هَذَا الْقَوْل عَنْ مُجَاهِد , وَالْوَجْه الْآخَر : أَنْ تَبُوء بِإِثْمِ قَتْلِي وَإِثْم اِعْتِدَائِك عَلَيَّ ; لِأَنَّهُ قَدْ يَأْثَم بِالِاعْتِدَاءِ وَإِنْ لَمْ يَقْتُل , وَالْوَجْه الثَّالِث : أَنَّهُ لَوْ بَسَطَ يَده إِلَيْهِ أَثِمَ ; فَرَأَى أَنَّهُ إِذَا أَمْسَكَ عَنْ ذَلِكَ فَإِثْمه يَرْجِع عَلَى صَاحِبه . فَصَارَ هَذَا مِثْل قَوْلك : الْمَال بَيْنه وَبَيْن زَيْد ; أَيْ الْمَال بَيْنهمَا , فَالْمَعْنَى أَنْ تَبُوء بِإِثْمِنَا , وَأَصْل | بَاءَ | رَجَعَ إِلَى الْمَبَاءَة , وَهِيَ الْمَنْزِل . | وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنْ اللَّه | [ الْبَقَرَة : 61 ] أَيْ رَجَعُوا , وَقَدْ مَضَى فِي | الْبَقَرَة | مُسْتَوْفًى , وَقَالَ الشَّاعِر : <br>أَلَا تَنْتَهِي عَنَّا مُلُوك وَتَتَّقِي .......... مَحَارِمنَا لَا يَبْؤُء الدَّمُ بِالدَّمِ <br>أَيْ لَا يَرْجِع الدَّم بِالدَّمِ فِي الْقَوَد .|فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ|دَلِيل عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا فِي ذَلِكَ الْوَقْت مُكَلَّفِينَ قَدْ لَحِقَهُمْ الْوَعْد وَالْوَعِيد , وَقَدْ اُسْتُدِلَّ بِقَوْلِ هَابِيل لِأَخِيهِ قَابِيل : | فَتَكُون مِنْ أَصْحَاب النَّار | عَلَى أَنَّهُ كَانَ كَافِرًا ; لِأَنَّ لَفْظ أَصْحَاب النَّار إِنَّمَا وَرَدَ فِي الْكُفَّار حَيْثُ وَقَعَ فِي الْقُرْآن , وَهَذَا مَرْدُود هُنَا بِمَا ذَكَرْنَاهُ عَنْ أَهْل الْعِلْم فِي تَأْوِيل الْآيَة , وَمَعْنَى | مِنْ أَصْحَاب النَّار | مُدَّة كَوْنك فِيهَا , وَاللَّه أَعْلَمُ .

فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ

قَوْله تَعَالَى : | فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسه | . أَيْ سَوَّلَتْ وَسَهَّلَتْ نَفْسه عَلَيْهِ الْأَمْر وَشَجَّعَتْهُ وَصَوَّرَتْ لَهُ أَنَّ قَتْل أَخِيهِ طَوْع سَهْل لَهُ يُقَال : طَاعَ الشَّيْء أَيْ سَهُلَ وَانْقَادَ . وَطَوَّعَهُ فُلَان لَهُ أَيْ سَهَّلَهُ . قَالَ الْهَرَوِيّ : طَوَّعَتْ وَأَطَاعَتْ وَاحِد ; يُقَال : طَاعَ لَهُ كَذَا إِذَا أَتَاهُ طَوْعًا . وَقِيلَ : طَاوَعَتْهُ نَفْسه فِي قَتْل أَخِيهِ ; فَنُزِعَ الْخَافِضُ فَانْتَصَبَ . وَرُوِيَ أَنَّهُ جَهِلَ كَيْفَ يَقْتُلهُ فَجَاءَ إِبْلِيس بِطَائِرٍ - أَوْ حَيَوَان غَيْره - فَجَعَلَ يَشْدَخ رَأْسه بَيْن حَجَرَيْنِ لِيَقْتَدِيَ بِهِ قَابِيل فَفَعَلَ ; قَالَهُ اِبْن جُرَيْج وَمُجَاهِد وَغَيْرهمَا , وَقَالَ اِبْن عَبَّاس وَابْن مَسْعُود : وَجَدَهُ نَائِمًا فَشَدَّ رَأْسه بِحَجَرٍ وَكَانَ ذَلِكَ فِي ثَوْر - جَبَل بِمَكَّة - قَالَهُ اِبْن عَبَّاس , وَقِيلَ : عِنْد عَقَبَة حِرَاء ; حَكَاهُ مُحَمَّد بْن جَرِير الطَّبَرِيّ , وَقَالَ جَعْفَر الصَّادِق : بِالْبَصْرَةِ فِي مَوْضِع الْمَسْجِد الْأَعْظَم , وَكَانَ لِهَابِيل يَوْم قَتَلَهُ قَابِيل عِشْرُونَ سَنَة , وَيُقَال : إِنَّ قَابِيل كَانَ يَعْرِف الْقَتْل بِطَبْعِهِ ; لِأَنَّ الْإِنْسَان وَإِنْ لَمْ يَرَ الْقَتْل فَإِنَّهُ يَعْلَم بِطَبْعِهِ أَنَّ النَّفْس فَانِيَة وَيُمْكِن إِتْلَافهَا ; فَأَخَذَ حَجَرًا فَقَتَلَهُ بِأَرْضِ الْهِنْد , وَاللَّه أَعْلَمُ . وَلَمَّا قَتَلَهُ نَدِمَ فَقَعَدَ يَبْكِي عِنْد رَأْسه إِذْ أَقْبَلَ غُرَابَانِ فَاقْتَتَلَا فَقَتَلَ أَحَدهمَا الْآخَر ثُمَّ حَفَرَ لَهُ حُفْرَة فَدَفَنَهُ ; فَفَعَلَ الْقَاتِل بِأَخِيهِ كَذَا , وَالسَّوْءَة يُرَاد بِهَا الْعَوْرَة , وَقِيلَ : يُرَاد بِهَا جِيفَة الْمَقْتُول ; ثُمَّ إِنَّهُ هَرَبَ إِلَى أَرْض عَدَن مِنْ الْيَمَن , فَأَتَاهُ إِبْلِيس وَقَالَ : إِنَّمَا أَكَلَتْ النَّار قُرْبَان أَخِيك لِأَنَّهُ كَانَ يَعْبُد النَّار , فَانْصِبْ أَنْتَ أَيْضًا نَارًا تَكُون لَك وَلِعَقِبِك , فَبَنَى بَيْت نَار , فَهُوَ أَوَّل مَنْ عَبَدَ النَّار فِيمَا قِيلَ , وَاللَّه أَعْلَمُ , وَرُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّهُ لَمَّا قَتَلَهُ وَآدَم بِمَكَّة اشْتَاكَ الشَّجَر , وَتَغَيَّرَتْ الْأَطْعِمَة , وَحَمُضَتْ الْفَوَاكِه , وَمَلُحَتْ الْمِيَاه , وَاغْبَرَّتْ الْأَرْض ; فَقَالَ آدَم عَلَيْهِ السَّلَام : قَدْ حَدَثَ فِي الْأَرْض حَدَث , فَأَتَى الْهِنْد فَإِذَا قَابِيل قَدْ قَتَلَ هَابِيل . وَقِيلَ : إِنَّ قَابِيل هُوَ الَّذِي اِنْصَرَفَ إِلَى آدَم , فَلَمَّا وَصَلَ إِلَيْهِ قَالَ لَهُ : أَيْنَ هَابِيل ؟ فَقَالَ : لَا أَدْرِي كَأَنَّك وَكَّلْتنِي بِحِفْظِهِ . فَقَالَ لَهُ آدَم : أَفَعَلْتهَا ؟ ! وَاَللَّه إِنَّ دَمه لَيُنَادِي , اللَّهُمَّ اِلْعَنْ أَرْضًا شَرِبَتْ دَم هَابِيل . فَرُوِيَ أَنَّهُ مِنْ حِينِئِذٍ مَا شَرِبَتْ أَرْض دَمًا . ثُمَّ إِنَّ آدَم بَقِيَ مِائَة سَنَة لَمْ يَضْحَك , حَتَّى جَاءَهُ مَلَك فَقَالَ لَهُ : حَيَّاك اللَّه يَا آدَم وَبَيَّاك . فَقَالَ : مَا بَيَّاك ؟ قَالَ : أَضْحَكَك ; قَالَ مُجَاهِد وَسَالِم بْن أَبِي الْجَعْد . وَلَمَّا مَضَى مِنْ عُمْر آدَم مِائَة وَثَلَاثُونَ سَنَة - وَذَلِكَ بَعْد قَتْل هَابِيل بِخَمْسِ سِنِينَ وَلَدَتْ لَهُ شيثا , وَتَفْسِيره هِبَة اللَّه , أَيْ خَلَفًا مِنْ هَابِيل , وَقَالَ مُقَاتِل : كَانَ قَبْل قَتْل قَابِيل هَابِيلَ السِّبَاع وَالطُّيُور تَسْتَأْنِس بِآدَم , فَلَمَّا قَتَلَ قَابِيل هَابِيل هَرَبُوا , فَلَحِقَتْ الطُّيُور بِالْهَوَاءِ , وَالْوُحُوش بِالْبَرِيَّةِ , وَلَحِقَتْ السِّبَاع بِالْغِيَاضِ . وَرُوِيَ أَنَّ آدَم لَمَّا تَغَيَّرَتْ الْحَال قَالَ : <br>تَغَيَّرَتْ الْبِلَاد وَمَنْ عَلَيْهَا .......... فَوَجْه الْأَرْض مُغْبَرّ قَبِيحُ <br><br>تَغَيَّرَ كُلُّ ذِي طَعْم وَلَوْن .......... وَقَلَّ بَشَاشَة الْوَجْه الْمَلِيح <br>فِي أَبْيَات كَثِيرَة ذَكَرَهَا الثَّعْلَبِيّ وَغَيْره . قَالَ اِبْن عَطِيَّة : هَكَذَا هُوَ الشِّعْر بِنَصْبِ | بَشَاشَةَ | وَكَفّ التَّنْوِين . قَالَ الْقُشَيْرِيّ وَغَيْره قَالَ اِبْن عَبَّاس : مَا قَالَ آدَم الشِّعْر , وَإِنَّ مُحَمَّدًا وَالْأَنْبِيَاء كُلّهمْ فِي النَّهْي عَنْ الشِّعْر سَوَاء ; لَكِنْ لَمَّا قُتِلَ هَابِيل رَثَاهُ آدَم وَهُوَ سُرْيَانِيّ , فَهِيَ مَرْثِيَّة بِلِسَانِ السُّرْيَانِيَّة أَوْصَى بِهَا إِلَى اِبْنه شيث وَقَالَ : إِنَّك وَصِيِّي فَاحْفَظْ مِنِّي هَذَا الْكَلَام لِيُتَوَارَث ; فَحُفِظَتْ مِنْهُ إِلَى زَمَان يَعْرُب بْن قَحْطَان , فَتَرْجَمَ عَنْهُ يَعْرُب بِالْعَرَبِيَّةِ وَجَعَلَهُ شِعْرًا . رُوِيَ مِنْ حَدِيث أَنَس قَالَ : سُئِلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ يَوْم الثُّلَاثَاء فَقَالَ : ( يَوْم الدَّم فِيهِ حَاضَتْ حَوَّاء وَفِيهِ قَتَلَ اِبْن آدَم أَخَاهُ ) , وَثَبَتَ فِي صَحِيح مُسْلِم وَغَيْره عَنْ عَبْد اللَّه قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا تُقْتَل نَفْس ظُلْمًا إِلَّا كَانَ عَلَى اِبْن آدَم الْأَوَّل كِفْل مِنْ دَمهَا لِأَنَّهُ كَانَ أَوَّل مَنْ سَنَّ الْقَتْل ) , وَهَذَا نَصّ عَلَى التَّعْلِيل ; وَبِهَذَا الِاعْتِبَار يَكُون عَلَى إِبْلِيس كِفْل مِنْ مَعْصِيَة كُلّ مَنْ عَصَى بِالسُّجُودِ ; لِأَنَّهُ أَوَّل مَنْ عَصَى بِهِ , وَكَذَلِكَ كُلّ مَنْ أَحْدَثَ فِي دِين اللَّه مَا لَا يَجُوز مِنْ الْبِدَع وَالْأَهْوَاء ; قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَام سُنَّة حَسَنَة كَانَ لَهُ أَجْرهَا وَأَجْر مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَام سُنَّة سَيِّئَة كَانَ عَلَيْهِ وِزْرهَا وَوِزْر مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة ) , وَهَذَا نَصّ فِي الْخَيْر وَالشَّرّ , وَقَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ أَخْوَف مَا أَخَاف عَلَى أُمَّتِي الْأَئِمَّة الْمُضِلُّونَ ) , وَهَذَا كُلّه صَرِيح , وَنَصّ صَحِيح فِي مَعْنَى الْآيَة , وَهَذَا مَا لَمْ يَتُبْ الْفَاعِل مِنْ تِلْكَ الْمَعْصِيَة , لِأَنَّ آدَم عَلَيْهِ السَّلَام كَانَ أَوَّل مَنْ خَالَفَ فِي أَكْل مَا نُهِيَ عَنْهُ , وَلَا يَكُون عَلَيْهِ شَيْء مِنْ أَوْزَار مَنْ عَصَى بِأَكْلِ مَا نُهِيَ عَنْهُ وَلَا شُرْبِهِ مِنْ بَعْده بِالْإِجْمَاعِ ; لِأَنَّ آدَم تَابَ مِنْ ذَلِكَ وَتَابَ اللَّه عَلَيْهِ , فَصَارَ كَمَنْ لَمْ يَجْنِ , وَوَجْه آخَر : فَإِنَّهُ أَكَلَ نَاسِيًا عَلَى الصَّحِيح مِنْ الْأَقْوَال , كَمَا بَيَّنَّاهُ فِي | الْبَقَرَة | وَالنَّاسِي غَيْر آثِم وَلَا مُؤَاخَذ . تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الْآيَة الْبَيَان عَنْ حَال الْحَاسِد , حَتَّى إِنَّهُ قَدْ يَحْمِلهُ حَسَده عَلَى إِهْلَاك نَفْسه بِقَتْلِ أَقْرَبِ النَّاس إِلَيْهِ قَرَابَة , وَأَمَسّهُ بِهِ رَحِمًا , وَأَوْلَاهُمْ بِالْحُنُوِّ عَلَيْهِ وَدَفْع الْأَذِيَّة عَنْهُ .|فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ|أَيْ مِمَّنْ خَسِرَ حَسَنَاته , وَقَالَ , مُجَاهِد : عُلِّقَتْ إِحْدَى رِجْلَيْ الْقَاتِل بِسَاقِهَا إِلَى فَخِذهَا مِنْ يَوْمئِذٍ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة , وَوَجْهه إِلَى الشَّمْس حَيْثُمَا دَارَتْ , عَلَيْهِ فِي الصَّيْف حَظِيرَة مِنْ نَار , وَعَلَيْهِ فِي الشِّتَاء مِنْ ثَلْج . قَالَ اِبْن عَطِيَّة : فَإِنْ صَحَّ هَذَا فَهُوَ مِنْ خُسْرَانه الَّذِي تَضَمَّنَهُ قَوْله تَعَالَى : | فَأَصْبَحَ مِنْ الْخَاسِرِينَ | وَإِلَّا فَالْخُسْرَان يَعُمّ خُسْرَان الدُّنْيَا وَالْآخِرَة . قُلْت : وَلَعَلَّ هَذَا يَكُون عُقُوبَته عَلَى الْقَوْل بِأَنَّهُ عَاصٍ لَا كَافِر ; فَيَكُون الْمَعْنَى | فَأَصْبَحَ مِنْ الْخَاسِرِينَ | أَيْ فِي الدُّنْيَا , وَاللَّه أَعْلَمُ .

فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ

قَالَ مُجَاهِد : بَعَثَ اللَّه غُرَابَيْنِ فَاقْتَتَلَا حَتَّى قَتَلَ أَحَدهمَا صَاحِبه ثُمَّ حَفَرَ فَدَفَنَهُ , وَكَانَ اِبْن آدَمَ هَذَا أَوَّل مَنْ قُتِلَ , وَقِيلَ : إِنَّ الْغُرَاب بَحَثَ الْأَرْض عَلَى طُعْمه لِيُخْفِيَهُ إِلَى وَقْت الْحَاجَة إِلَيْهِ ; لِأَنَّهُ مِنْ عَادَة الْغُرَاب فِعْل ذَلِكَ ; فَتَنَبَّهَ قَابِيل ذَلِكَ عَلَى مُوَارَاة أَخِيهِ . وَرُوِيَ أَنَّ قَابِيل لَمَّا قَتَلَ هَابِيل جَعَلَهُ فِي جِرَاب , وَمَشَى بِهِ يَحْمِلهُ فِي عُنُقه مِائَة سَنَة ; قَالَهُ مُجَاهِد , وَرَوَى اِبْن الْقَاسِم عَنْ مَالِك أَنَّهُ حَمَلَهُ سَنَة وَاحِدَة ; وَقَالَهُ اِبْن عَبَّاس , وَقِيلَ : حَتَّى أَرْوَح وَلَا يَدْرِي مَا يَصْنَع بِهِ إِلَى أَنْ اقْتَدَى بِالْغُرَابِ كَمَا تَقَدَّمَ , وَفِي الْخَبَر عَنْ أَنَس قَالَ : سَمِعْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : ( اِمْتَنَّ اللَّه عَلَى اِبْن آدَم بِثَلَاثٍ بَعْد ثَلَاث بِالرِّيحِ بَعْد الرُّوح فَلَوْلَا أَنَّ الرِّيح يَقَع بَعْد الرُّوح مَا دَفَنَ حَمِيم حَمِيمًا وَبِالدُّودِ فِي الْجُثَّة فَلَوْلَا أَنَّ الدُّود يَقَع فِي الْجُثَّة لَاكْتَنَزَتْهَا الْمُلُوك وَكَانَتْ خَيْرًا لَهُمْ مِنْ الدَّرَاهِم وَالدَّنَانِير وَبِالْمَوْتِ بَعْد الْكِبَر وَإِنَّ الرَّجُل لَيَكْبَر حَتَّى يَمَلَّ نَفْسه وَيَمَلّهُ أَهْله وَوَلَده وَأَقْرِبَاؤُهُ فَكَانَ الْمَوْت أَسْتَرَ لَهُ ) , وَقَالَ قَوْم : كَانَ قَابِيل يَعْلَم الدَّفْن , وَلَكِنْ تَرَكَ أَخَاهُ بِالْعَرَاءِ اِسْتِخْفَافًا بِهِ , فَبَعَثَ اللَّه غُرَابًا يَبْحَث التُّرَاب عَلَى هَابِيل لِيَدْفِنهُ , فَقَالَ عِنْد ذَلِكَ : | يَا وَيْلَتَى أَعَجَزْت أَنْ أَكُون مِثْل هَذَا الْغُرَاب فَأُوَارِيَ سَوْءَة أَخِي فَأَصْبَحَ مِنْ النَّادِمِينَ | , حَيْثُ رَأَى إِكْرَام اللَّه لِهَابِيل بِأَنْ قَيَّضَ لَهُ الْغُرَاب حَتَّى وَارَاهُ , وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ نَدَم تَوْبَة , وَقِيلَ : إِنَّمَا نَدَمه كَانَ عَلَى فَقْده لَا عَلَى قَتْله , وَإِنْ كَانَ فَلَمْ يَكُنْ مُوَفِّيًا شُرُوطَهُ . أَوْ نَدِمَ وَلَمْ يَسْتَمِرّ نَدَمه ; فَقَالَ اِبْن عَبَّاس : وَلَوْ كَانَتْ نَدَامَته عَلَى قَتْله لَكَانَتْ النَّدَامَة تَوْبَة مِنْهُ , وَيُقَال : إِنَّ آدَم وَحَوَّاء أَتَيَا قَبْره وَبَكَيَا أَيَّامًا عَلَيْهِ . ثُمَّ إِنَّ قَابِيل كَانَ عَلَى ذِرْوَة جَبَل فَنَطَحَهُ ثَوْر فَوَقَعَ إِلَى السَّفْح وَقَدْ تَفَرَّقَتْ عُرُوقه . وَيُقَال : دَعَا عَلَيْهِ آدَم فَانْخَسَفَتْ بِهِ الْأَرْض , وَيُقَال : إِنَّ قَابِيل اِسْتَوْحَشَ بَعْد قَتْل هَابِيل وَلَزِمَ الْبَرِيَّة , وَكَانَ لَا يَقْدِر عَلَى مَا يَأْكُلهُ إِلَّا مِنْ الْوَحْش , فَكَانَ إِذَا ظَفِرَ بِهِ وَقَذَهُ حَتَّى يَمُوت ثُمَّ يَأْكُلهُ . قَالَ اِبْن عَبَّاس : فَكَانَتْ الْمَوْقُوذَة حَرَامًا مِنْ لَدُنْ قَابِيل بْن آدَم , وَهُوَ أَوَّل مَنْ يُسَاق مِنْ الْآدَمِيِّينَ إِلَى النَّار ; وَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى : | رَبّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنْ الْجِنّ وَالْإِنْس | [ فُصِّلَتْ : 29 ] الْآيَة , فَإِبْلِيس رَأْس الْكَافِرِينَ مِنْ الْجِنّ , وَقَابِيل رَأْس الْخَطِيئَة مِنْ الْإِنْس ; عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانه فِي | حم فُصِّلَتْ | إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى , وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ النَّدَم فِي ذَلِكَ الْوَقْت لَمْ يَكُنْ تَوْبَة , وَاَللَّه بِكُلِّ ذَلِكَ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ , وَظَاهِر الْآيَة أَنَّ هَابِيل هُوَ أَوَّل مَيِّت مِنْ بَنِي آدَم ; وَلِذَلِكَ جُهِلَتْ سُنَّة الْمُوَارَاة ; وَكَذَلِكَ حَكَى الطَّبَرِيّ عَنْ اِبْن إِسْحَاق عَنْ بَعْض أَهْل الْعِلْم بِمَا فِي كُتُب الْأَوَائِل , وَقَوْله | يَبْحَث | مَعْنَاهُ يُفَتِّش التُّرَاب بِمِنْقَارِهِ وَيُثِيرهُ . وَمِنْ هَذَا سُمِّيَتْ سُورَة | بَرَاءَة | الْبُحُوث ; لِأَنَّهَا فَتَّشَتْ عَنْ الْمُنَافِقِينَ ; وَمِنْ ذَلِكَ قَوْل الشَّاعِر : <br>إِنْ النَّاسُ غَطَّوْنِي تَغَطَّيْت عَنْهُمُ .......... وَإِنْ بَحَثُونِي كَانَ فِيهِمْ مَبَاحِث <br>وَفِي الْمَثَل : لَا تَكُنْ كَالْبَاحِثِ عَلَى الشَّفْرَة ; قَالَ الشَّاعِر : <br>فَكَانَتْ كَعَنْزِ السُّوء قَامَتْ بِرِجْلِهَا .......... إِلَى مُدْيَة مَدْفُونَة تَسْتَثِيرهَا <br>بَعَثَ اللَّه الْغُرَاب حِكْمَة ; لِيَرَى اِبْن آدَم كَيْفِيَّة الْمُوَارَاة , وَهُوَ مَعْنَى قَوْله تَعَالَى : | ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ | [ عَبَسَ : 21 ] , فَصَارَ فِعْل الْغُرَاب فِي الْمُوَارَاة سُنَّة بَاقِيَة فِي الْخَلْق , فَرْضًا عَلَى جَمِيع النَّاس عَلَى الْكِفَايَة , مَنْ فَعَلَهُ مِنْهُمْ سَقَطَ فَرْضه . عَنْ الْبَاقِينَ . وَأَخَصُّ النَّاس بِهِ الْأَقْرَبُونَ الَّذِينَ يَلُونَهُ , ثُمَّ الْجِيرَة , ثُمَّ سَائِر الْمُسْلِمِينَ , وَأَمَّا الْكُفَّار فَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ عَلِيّ قَالَ : قُلْت لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ عَمّك الشَّيْخ الضَّالّ قَدْ مَاتَ ; قَالَ : ( اِذْهَبْ فَوَارِ أَبَاك التُّرَاب ثُمَّ لَا تُحْدِثَنَّ شَيْئًا حَتَّى تَأْتِيَنِي ) فَذَهَبْت فَوَارَيْته وَجِئْته فَأَمَرَنِي فَاغْتَسَلْت وَدَعَا لِي , وَيُسْتَحَبّ فِي الْقَبْر سَعَته وَإِحْسَانه ; لِمَا رَوَاهُ اِبْن مَاجَهْ عَنْ هِشَام بْن عَامِر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( اِحْفِرُوا وَأَوْسِعُوا وَأَحْسِنُوا ) , وَرُوِيَ عَنْ الْأَدْرَع السُّلَمِيّ قَالَ : جِئْت لَيْلَة أَحْرُس النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; فَإِذَا رَجُل قِرَاءَته عَالِيَة , فَخَرَجَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْت : يَا رَسُول اللَّه : هَذَا مُرَاءٍ ; قَالَ : فَمَاتَ بِالْمَدِينَةِ فَفَرَغُوا مِنْ جِهَازه فَحَمَلُوا نَعْشه , فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( اُرْفُقُوا بِهِ رَفَقَ اللَّه بِهِ إِنَّهُ كَانَ يُحِبّ اللَّه وَرَسُوله ) . قَالَ : وَحَضَرَ حُفْرَته فَقَالَ : ( أَوْسِعُوا لَهُ وَسَّعَ اللَّه عَلَيْهِ ) فَقَالَ بَعْض أَصْحَابه : يَا رَسُول اللَّه لَقَدْ حَزِنْت عَلَيْهِ ؟ فَقَالَ : ( أَجَلْ إِنَّهُ كَانَ يُحِبّ اللَّه وَرَسُوله ) ; أَخْرَجَهُ عَنْ أَبِي بَكْر بْن أَبِي شَيْبَة عَنْ زَيْد بْن الْحُبَاب . عَنْ مُوسَى بْن عُبَيْدَة عَنْ سَعِيد بْن أَبِي سَعِيد . قَالَ أَبُو عُمَر بْن عَبْد الْبَرّ : أَدْرَعُ السُّلَمِيّ رَوَى عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدِيثًا وَاحِدًا , وَرَوَى عَنْهُ سَعِيد بْن أَبِي سَعِيد الْمَقْبُرِيّ ; وَأَمَّا هِشَام بْن عَامِر بْن أُمَيَّة بْن الْحَسْحَاس بْن عَامِر بْن غَنْم بْن عَدِيّ بْن النَّجَّار الْأَنْصَارِيّ , كَانَ يُسَمَّى فِي الْجَاهِلِيَّة شِهَابًا فَغَيَّرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِسْمه فَسَمَّاهُ هِشَامًا , وَاسْتُشْهِدَ أَبُوهُ عَامِر يَوْم أُحُد . سَكَنَ هِشَام الْبَصْرَة وَمَاتَ بِهَا ; ذُكِرَ هَذَا فِي كِتَاب الصَّحَابَة . ثُمَّ قِيلَ : اللَّحْد أَفْضَل مِنْ الشِّقّ ; فَإِنَّهُ الَّذِي اِخْتَارَهُ اللَّه لِرَسُولِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; فَإِنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا تُوُفِّيَ كَانَ بِالْمَدِينَةِ رَجُلَانِ أَحَدهمَا يَلْحَد وَالْآخَر لَا يَلْحَد ; فَقَالُوا : أَيّهمَا جَاءَ أَوَّلَ عَمِلَ عَمَله , فَجَاءَ الَّذِي يَلْحَد فَلَحَدَ لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; ذَكَرَهُ مَالِك فِي الْمُوَطَّأ عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ , وَأَخْرَجَهُ اِبْن مَاجَهْ عَنْ أَنَس بْن مَالِك وَعَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا , وَالرَّجُلَانِ هُمَا أَبُو طَلْحَة وَأَبُو عُبَيْدَة ; وَكَانَ أَبُو طَلْحَة يَلْحَد وَأَبُو عُبَيْدَة يَشُقّ , وَاللَّحْد هُوَ أَنْ يَحْفِر فِي جَانِب الْقَبْر إِنْ كَانَتْ تُرْبَة صُلْبَة , يُوضَع فِيهِ الْمَيِّت ثُمَّ يُوضَع عَلَيْهِ اللِّبْن ثُمَّ يُهَال التُّرَاب ; قَالَ سَعْد بْن أَبِي وَقَّاص فِي مَرَضه الَّذِي هَلَكَ فِيهِ : اِلْحَدُوا لِي لَحْدًا وَانْصِبُوا عَلَيَّ اللِّبْن نَصْبًا كَمَا صُنِعَ بِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . أَخْرَجَهُ مُسْلِم . وَرَوَى اِبْن مَاجَهْ وَغَيْره عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( اللَّحْد لَنَا وَالشَّقّ لِغَيْرِنَا ) . رَوَى اِبْن مَاجَهْ عَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب قَالَ : حَضَرْت اِبْن عُمَر فِي جِنَازَة فَلَمَّا وَضَعَهَا فِي اللَّحْد قَالَ : بِسْمِ اللَّه وَفِي سَبِيل اللَّه وَعَلَى مِلَّة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَلَمَّا أَخَذَ فِي تَسْوِيَة [ اللَّبِن عَلَى ] اللَّحْد قَالَ : اللَّهُمَّ أَجِرْهَا مِنْ الشَّيْطَان وَمِنْ عَذَاب الْقَبْر , اللَّهُمَّ جَافِ الْأَرْض عَنْ جَنْبَيْهَا , وَصَعِّدْ رُوحهَا وَلَقِّهَا مِنْك رِضْوَانًا . قُلْت يَا اِبْن عُمَر أَشَيْء سَمِعْته مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمْ قُلْته بِرَأْيِك ؟ قَالَ : إِنِّي إِذًا لَقَادِر عَلَى الْقَوْل ! بَلْ شَيْء سَمِعْته مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَرُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى عَلَى جِنَازَة ثُمَّ أَتَى قَبْر الْمَيِّت فَحَثَا عَلَيْهِ مِنْ قِبَل رَأْسه ثَلَاثًا . فَهَذَا مَا تَعَلَّقَ فِي مَعْنَى الْآيَة مِنْ الْأَحْكَام , وَالْأَصْل فِي | يَا وَيْلَتَى | يَا وَيْلَتِي ثُمَّ أُبْدِلَ مِنْ الْيَاء أَلِف , وَقَرَأَ الْحَسَن عَلَى الْأَصْل بِالْيَاءِ , وَالْأَوَّل أَفْصَحُ ; لِأَنَّ حَذْف الْيَاء فِي النِّدَاء أَكْثَرُ , وَهِيَ كَلِمَة تَدْعُو بِهَا الْعَرَب عِنْد الْهَلَاك ; قَالَهُ سِيبَوَيْهِ , وَقَالَ الْأَصْمَعِيّ : | وَيْل | بُعْد , وَقَرَأَ الْحَسَن : | أَعَجِزْت | بِكَسْرِ الْجِيم . قَالَ النَّحَّاس : وَهِيَ لُغَة شَاذَّة ; إِنَّمَا يُقَال عَجِزَتْ الْمَرْأَةُ إِذَا عَظُمَتْ عَجِيزَتهَا , وَعَجَزْت عَنْ الشَّيْء عَجْزًا وَمَعْجِزَة وَمَعْجَزَة , وَاللَّه أَعْلَمُ .

مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِال

أَيْ مِنْ جَرَّاء ذَلِكَ الْقَاتِل وَجَرِيرَته , وَقَالَ الزَّجَّاج : أَيْ مِنْ جِنَايَته ; يُقَال : أَجَلَ الرَّجُل عَلَى أَهْله شَرًّا يَأْجُل أَجْلًا إِذَا جَنَى ; مِثْل أَخَذَ يَأْخُذ أَخْذًا . قَالَ الْخِنَّوْت : <br>وَأَهْل خِبَاء صَالِح كُنْت بَيْنهمْ .......... قَدْ احْتَرَبُوا فِي عَاجِل أَنَا آجِلُه <br>أَيْ جَانِيهِ , وَقِيلَ : أَنَا جَارُّهُ عَلَيْهِمْ , وَقَالَ عَدِيّ بْن زَيْد : <br>أَجَلْ إِنَّ اللَّه قَدْ فَضَّلَكُمْ .......... فَوْق مَنْ أَحْكَأَ صُلْبًا بِإِزَارِ <br>وَأَصْله الْجَرّ ; وَمِنْهُ الْأَجَلُ لِأَنَّهُ وَقْت يُجَرّ إِلَيْهِ الْعَقْد الْأَوَّل , وَمِنْهُ الْآجِل نَقِيض الْعَاجِل , وَهُوَ بِمَعْنَى يُجَرّ إِلَيْهِ أَمْرٌ مُتَقَدِّم , وَمِنْهُ أَجَلْ بِمَعْنَى نَعَمْ . لِأَنَّهُ اِنْقِيَاد إِلَى مَا جُرَّ إِلَيْهِ , وَمِنْهُ الْإِجْل لِلْقَطِيعِ مِنْ بَقَر الْوَحْش ; لِأَنَّ بَعْضه يَنْجَرّ إِلَى بَعْض ; قَالَهُ الرُّمَّانِيّ , وَقَرَأَ يَزِيد بْن الْقَعْقَاع أَبُو جَعْفَر : | مِنِ اجْلِ ذَلِكَ | بِكَسْرِ النُّون وَحَذْف الْهَمْزَة وَهِيَ لُغَة , وَالْأَصْل | مِنْ إِجْل ذَلِكَ | فَأُلْقِيَتْ كَسْرَة الْهَمْزَة عَلَى النُّون وَحُذِفَتْ الْهَمْزَة . ثُمَّ قِيلَ : يَجُوز أَنْ يَكُون قَوْله : | مِنْ أَجْل ذَلِكَ | مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ : | مِنْ النَّادِمِينَ | [ الْمَائِدَة : 31 ] , فَالْوَقْف عَلَى قَوْله : | مِنْ أَجْل ذَلِكَ | , وَيَجُوز أَنْ يَكُون مُتَعَلِّقًا بِمَا بَعْده وَهُوَ | كَتَبْنَا | . فـ | ـمِنْ أَجْل | اِبْتِدَاء كَلَام وَالتَّمَام | مِنْ النَّادِمِينَ | ; وَعَلَى هَذَا أَكْثَر النَّاس ; أَيْ مِنْ سَبَب هَذِهِ النَّازِلَة كَتَبْنَا , وَخَصَّ بَنِي إِسْرَائِيل بِالذِّكْرِ - وَقَدْ تَقَدَّمَتْهُمْ أُمَم قَبْلهمْ كَانَ قَتْل النَّفْس فِيهِمْ مَحْظُورًا - لِأَنَّهُمْ أَوَّل أُمَّة نَزَلَ الْوَعِيد عَلَيْهِمْ فِي قَتْل الْأَنْفُس مَكْتُوبًا , وَكَانَ قَبْل ذَلِكَ قَوْلًا مُطْلَقًا ; فَغُلِّظَ الْأَمْرُ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيل بِالْكِتَابِ بِحَسَبِ طُغْيَانهمْ وَسَفْكهمْ الدِّمَاء .|أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ|وَمَعْنَى | بِغَيْرِ نَفْس | أَيْ بِغَيْرِ أَنْ يَقْتُل نَفْسًا فَيَسْتَحِقّ الْقَتْل , وَقَدْ حَرَّمَ اللَّه الْقَتْل فِي جَمِيع الشَّرَائِع إِلَّا بِثَلَاثِ خِصَال : كُفْر بَعْد إِيمَان , أَوْ زِنًى بَعْد إِحْصَان , أَوْ قَتْل نَفْس ظُلْمًا وَتَعَدِّيًا .|أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ|أَيْ شِرْك , وَقِيلَ : قَطْع طَرِيق , وَقَرَأَ الْحَسَن : | أَوْ فَسَادًا | بِالنَّصْبِ عَلَى تَقْدِير حَذْف فِعْل يَدُلّ عَلَيْهِ أَوَّل الْكَلَام تَقْدِيره ; أَوْ أَحْدَثَ فَسَادًا ; وَالدَّلِيل عَلَيْهِ قَوْله : | مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْس | لِأَنَّهُ مِنْ أَعْظَم الْفَسَاد . وَقَرَأَ الْعَامَّة : | فَسَادٍ | بِالْجَرِّ عَلَى مَعْنَى أَوْ بِغَيْرِ فَسَاد .|فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا|اِضْطَرَبَ لَفْظ الْمُفَسِّرِينَ فِي تَرْتِيب هَذَا التَّشْبِيه لِأَجْلِ أَنَّ عِقَاب مَنْ قَتَلَ النَّاس جَمِيعًا أَكْثَرُ مِنْ عِقَاب مَنْ قَتَلَ وَاحِدًا ; فَرُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّهُ قَالَ : الْمَعْنَى مَنْ قَتَلَ نَبِيًّا أَوْ إِمَام عَدْل فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاس جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهُ بِأَنْ شَدَّ عَضُده وَنَصَرَهُ فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاس جَمِيعًا , وَعَنْهُ أَيْضًا أَنَّهُ قَالَ : الْمَعْنَى مَنْ قَتَلَ نَفْسًا وَاحِدَة وَانْتَهَكَ حُرْمَتهَا فَهُوَ مِثْل مَنْ قَتَلَ النَّاس جَمِيعًا , وَمَنْ تَرَكَ قَتْل نَفْس وَاحِدَة وَصَانَ حُرْمَتهَا وَاسْتَحْيَاهَا خَوْفًا مِنْ اللَّه فَهُوَ كَمَنْ أَحْيَا النَّاس جَمِيعًا , وَعَنْهُ أَيْضًا . الْمَعْنَى فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاس جَمِيعًا عِنْد الْمَقْتُول , وَمَنْ أَحْيَاهَا وَاسْتَنْقَذَهَا مِنْ هَلَكَة فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاس جَمِيعًا عِنْد الْمُسْتَنْقَذ , وَقَالَ مُجَاهِد : الْمَعْنَى أَنَّ الَّذِي يَقْتُل النَّفْس الْمُؤْمِنَة مُتَعَمِّدًا جَعَلَ اللَّه جَزَاءَهُ جَهَنَّم وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا ; يَقُول : لَوْ قَتَلَ النَّاس جَمِيعًا لَمْ يُزَدْ عَلَى ذَلِكَ , وَمَنْ لَمْ يَقْتُل فَقَدْ حَيِيَ النَّاس مِنْهُ , وَقَالَ اِبْن زَيْد : الْمَعْنَى أَنَّ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا فَيَلْزَمهُ مِنْ الْقَوَد وَالْقِصَاص مَا يَلْزَم مَنْ قَتْل النَّاس جَمِيعًا , قَالَ : وَمَنْ أَحْيَاهَا أَيْ مَنْ عَفَا عَمَّنْ وَجَبَ لَهُ قَتْله ; وَقَالَهُ الْحَسَن أَيْضًا ; أَيْ هُوَ الْعَفْو بَعْد الْمَقْدِرَة , وَقِيلَ : الْمَعْنَى أَنَّ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا فَالْمُؤْمِنُونَ كُلّهمْ خُصَمَاؤُهُ ; لِأَنَّهُ قَدْ وَتَرَ الْجَمِيع , وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاس جَمِيعًا , أَيْ يَجِب عَلَى الْكُلّ شُكْره , وَقِيلَ : جُعِلَ إِثْم قَاتِل الْوَاحِد إِثْم قَاتِل الْجَمِيع ; وَلَهُ أَنْ يَحْكُم بِمَا يُرِيد , وَقِيلَ : كَانَ هَذَا مُخْتَصًّا بِبَنِي إِسْرَائِيل تَغْلِيظًا عَلَيْهِمْ . قَالَ اِبْن عَطِيَّة : وَعَلَى الْجُمْلَة فَالتَّشْبِيه عَلَى مَا قِيلَ 0 وَاقِع كُلّه , وَالْمُنْتَهِكُ فِي وَاحِدٍ مَلْحُوظٌ بِعَيْنِ مُنْتَهِكِ الْجَمِيعِ ; وَمِثَاله رَجُلَانِ حَلَفَا عَلَى شَجَرَتَيْنِ أَلَا يَطْعَمَا مِنْ ثَمَرهمَا شَيْئًا , فَطَعِمَ أَحَدهمَا وَاحِدَة مِنْ ثَمَر شَجَرَته , وَطَعِمَ الْآخَر ثَمَر شَجَرَته كُلّهَا , فَقَدْ اِسْتَوَيَا فِي الْحِنْث , وَقِيلَ : الْمَعْنَى أَنَّ مَنْ اِسْتَحَلَّ وَاحِدًا فَقَدْ اِسْتَحَلَّ الْجَمِيع ; لِأَنَّهُ أَنْكَرَ الشَّرْع , وَفِي قَوْله|وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ|تَجَوُّز ; فَإِنَّهُ عِبَارَة عَنْ التَّرْك وَالْإِنْقَاذ مِنْ هَلَكَة , وَإِلَّا فَالْإِحْيَاء حَقِيقَة - الَّذِي هُوَ الِاخْتِرَاع - إِنَّمَا هُوَ لِلَّهِ تَعَالَى , وَإِنَّمَا هَذَا الْإِحْيَاء بِمَنْزِلَةِ قَوْل نَمْرُود اللَّعِين : | أَنَا أُحْيِي وَأُمِيت | [ الْبَقَرَة : 258 ] فَسَمَّى التَّرْك إِحْيَاء . ثُمَّ أَخْبَرَ اللَّه عَنْ بَنِي إِسْرَائِيل أَنَّهُمْ جَاءَتْهُمْ الرُّسُل بِالْبَيِّنَاتِ , وَأَنَّ أَكْثَرهمْ مُجَاوِزُونَ الْحَدّ , وَتَارِكُونَ أَمْر اللَّه .

إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَ

فِي الْآخِرَة عَذَاب عَظِيم | <subtitle>فِيهَا ثَلَاثَة عَشْرَة مَسْأَلَة </subtitle>الْأُولَى : اِخْتَلَفَ النَّاس فِي سَبَب نُزُول هَذِهِ الْآيَة ; فَاَلَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُور أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي الْعُرَنِيِّينَ ; رَوَى الْأَئِمَّة وَاللَّفْظ لِأَبِي دَاوُد عَنْ أَنَس بْن مَالِك : أَنَّ قَوْمًا مِنْ عُكْل - أَوْ قَالَ مِنْ عُرَيْنَة - قَدِمُوا عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاجْتَوَوْا الْمَدِينَة ; فَأَمَرَ لَهُمْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِلِقَاحٍ وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَشْرَبُوا مِنْ أَبْوَالهَا وَأَلْبَانهَا فَانْطَلَقُوا , فَلَمَّا صَحُّوا قَتَلُوا رَاعِي النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاسْتَاقُوا النَّعَم ; فَبَلَغَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَبَرُهُمْ مِنْ أَوَّل النَّهَار فَأَرْسَلَ فِي آثَارهمْ ; فَمَا ارْتَفَعَ النَّهَار حَتَّى جِيءَ بِهِمْ ; فَأَمَرَ بِهِمْ فَقُطِّعَتْ أَيْدِيهمْ وَأَرْجُلهمْ وَسَمَرَ أَعْيُنهمْ وَأُلْقُوا فِي الْحَرَّة يَسْتَسْقُونَ فَلَا يُسْقَوْنَ . قَالَ أَبُو قِلَابَة : فَهَؤُلَاءِ قَوْم سَرَقُوا وَقَتَلُوا وَكَفَرُوا بَعْد إِيمَانهمْ وَحَارَبُوا اللَّه وَرَسُوله , وَفِي رِوَايَة : فَأَمَرَ بِمَسَامِير فَأُحْمِيَتْ فَكَحَلَهُمْ وَقَطَعَ أَيْدِيهمْ وَأَرْجُلهمْ وَمَا حَسَمَهُمْ ; وَفِي رِوَايَة : فَبَعَثَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي طَلَبهمْ قَافَة فَأُتِيَ بِهِ قَالَ : فَأَنْزَلَ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي ذَلِكَ : | إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّه وَرَسُوله وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْض فَسَادًا | الْآيَة , وَفِي رِوَايَة قَالَ أَنَس : فَلَقَدْ رَأَيْت أَحَدهمْ يَكْدِمُ الْأَرْض بِفِيهِ عَطَشًا حَتَّى مَاتُوا , وَفِي الْبُخَارِيّ قَالَ جَرِير بْن عَبْد اللَّه فِي حَدِيثه : فَبَعَثَنِي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي نَفَر مِنْ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى أَدْرَكْنَاهُمْ وَقَدْ أَشْرَفُوا عَلَى بِلَادهمْ , فَجِئْنَا بِهِمْ إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ جَرِير : فَكَانُوا يَقُولُونَ الْمَاء , وَيَقُول رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( النَّار ) , وَقَدْ حَكَى أَهْل التَّوَارِيخ وَالسِّيَر : أَنَّهُمْ قَطَعُوا يَدَيْ الرَّاعِي وَرِجْلَيْهِ , وَغَرَزُوا الشَّوْك فِي عَيْنَيْهِ حَتَّى مَاتَ , وَأُدْخِلَ الْمَدِينَة مَيِّتًا , وَكَانَ اِسْمه يَسَار وَكَانَ نُوبِيًّا , وَكَانَ هَذَا الْفِعْل مِنْ الْمُرْتَدِّينَ سَنَة سِتّ مِنْ الْهِجْرَة , وَفِي بَعْض الرِّوَايَات عَنْ أَنَس : أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْرَقَهُمْ بِالنَّارِ بَعْدَمَا قَتَلَهُمْ . وَرُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس وَالضَّحَّاك : أَنَّهَا نَزَلَتْ بِسَبَبِ قَوْم مِنْ أَهْل الْكِتَاب كَانَ بَيْنهمْ وَبَيْن رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَهْد فَنَقَضُوا الْعَهْد وَقَطَعُوا السَّبِيل وَأَفْسَدُوا فِي الْأَرْض , وَفِي مُصَنَّف أَبِي دَاوُد عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : | إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّه وَرَسُوله | إِلَى قَوْله : | غَفُور رَحِيم | نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة فِي الْمُشْرِكِينَ فَمَنْ أُخِذَ مِنْهُمْ قَبْل أَنْ يُقْدَر عَلَيْهِ لَمْ يَمْنَعهُ ذَلِكَ أَنْ يُقَام عَلَيْهِ الْحَدّ الَّذِي أَصَابَهُ , وَمِمَّنْ قَالَ : إِنَّ الْآيَة نَزَلَتْ فِي الْمُشْرِكِينَ عِكْرِمَةُ وَالْحَسَنُ , وَهَذَا ضَعِيف يَرُدّهُ قَوْله تَعَالَى : | قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَر لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ | [ الْأَنْفَال : 38 ] , وَقَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام : ( الْإِسْلَام يَهْدِم مَا قَبْله ) أَخْرَجَهُ مُسْلِم ; وَالصَّحِيح الْأَوَّل لِنُصُوصِ الْأَحَادِيث الثَّابِتَة فِي ذَلِكَ . وَقَالَ مَالِك وَالشَّافِعِيّ وَأَبُو ثَوْر وَأَصْحَاب الرَّأْي : الْآيَة نَزَلَتْ فِيمَنْ خَرَجَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يَقْطَع السَّبِيل وَيَسْعَى فِي الْأَرْض بِالْفَسَادِ . قَالَ اِبْن الْمُنْذِر : قَوْل مَالِك صَحِيح , وَقَالَ أَبُو ثَوْر مُحْتَجًّا لِهَذَا الْقَوْل : وَفِي الْآيَة دَلِيل عَلَى أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي غَيْر أَهْل الشِّرْك ; وَهُوَ قَوْله جَلَّ ثَنَاؤُهُ : | إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْل أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ | وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ أَهْل الشِّرْك إِذَا وَقَعُوا فِي أَيْدِينَا فَأَسْلَمُوا أَنَّ دِمَاءَهُمْ تُحَرَّم ; فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْآيَة نَزَلَتْ فِي أَهْل الْإِسْلَام , وَحَكَى الطَّبَرِيّ عَنْ بَعْض أَهْل الْعِلْم : أَنَّ هَذِهِ الْآيَة نَسَخَتْ فِعْل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْعُرَنِيِّينَ , فَوَقَفَ الْأَمْر عَلَى هَذِهِ الْحُدُود , وَرَوَى مُحَمَّد بْن سِيرِينَ قَالَ : كَانَ هَذَا قَبْل أَنْ تَنْزِل الْحُدُود ; يَعْنِي حَدِيث أَنَس ; ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُد , وَقَالَ قَوْم مِنْهُمْ اللَّيْث بْن سَعْد : مَا فَعَلَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِوَفْدِ عُرَيْنَة نُسِخَ ; إِذْ لَا يَجُوز التَّمْثِيل بِالْمُرْتَدِّ . قَالَ أَبُو الزِّنَاد : إِنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا قَطَعَ الَّذِينَ سَرَقُوا لِقَاحه وَسَمَلَ أَعْيُنهمْ بِالنَّارِ عَاتَبَهُ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ فِي ذَلِكَ ; فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى فِي ذَلِكَ | إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّه وَرَسُوله وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْض فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا | الْآيَة . أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد . قَالَ أَبُو الزِّنَاد : فَلَمَّا وُعِظَ وَنُهِيَ عَنْ الْمُثْلَة لَمْ يَعُدْ . وَحُكِيَ عَنْ جَمَاعَة أَنَّ هَذِهِ الْآيَة لَيْسَتْ بِنَاسِخَةٍ لِذَلِكَ الْفِعْل ; لِأَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ فِي مَرَّتَيْنِ , لَا سِيَّمَا وَقَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيح مُسْلِم وَكِتَاب النَّسَائِيّ وَغَيْرهمَا قَالَ : إِنَّمَا سَمَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْيُن أُولَئِكَ لِأَنَّهُمْ سَمَلُوا أَعْيُن الرُّعَاة ; فَكَانَ هَذَا قِصَاصًا , وَهَذِهِ الْآيَة فِي الْمُحَارِب الْمُؤْمِن . قُلْت : وَهَذَا قَوْل حَسَن , وَهُوَ مَعْنَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مَالِك وَالشَّافِعِيّ ; وَلِذَلِكَ قَالَ اللَّه تَعَالَى : | إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْل أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ | وَمَعْلُوم أَنَّ الْكُفَّار لَا تَخْتَلِف أَحْكَامهمْ فِي زَوَال الْعُقُوبَة عَنْهُمْ بِالتَّوْبَةِ بَعْد الْقُدْرَة كَمَا تَسْقُط قَبْل الْقُدْرَة , وَالْمُرْتَدّ يَسْتَحِقّ الْقَتْل بِنَفْسِ الرِّدَّة - دُون الْمُحَارَبَة - وَلَا يُنْفَى وَلَا تُقْطَع يَده وَلَا رِجْله وَلَا يُخَلَّى سَبِيله بَلْ يُقْتَل إِنْ لَمْ يُسْلِم , وَلَا يُصْلَب أَيْضًا ; فَدَلَّ أَنَّ مَا اِشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ الْآيَة مَا عُنِيَ بِهِ الْمُرْتَدّ , وَقَالَ تَعَالَى فِي حَقّ الْكُفَّار : | قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَر لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ | [ الْأَنْفَال : 38 ] . وَقَالَ فِي الْمُحَارِبِينَ : | إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا | الْآيَة ; وَهَذَا بَيِّن , وَعَلَى مَا قَرَّرْنَاهُ فِي أَوَّل الْبَاب لَا إِشْكَال وَلَا لَوْم وَلَا عِتَاب إِذْ هُوَ مُقْتَضَى الْكِتَاب ; قَالَ اللَّه تَعَالَى : | فَمَنْ اِعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اِعْتَدَى عَلَيْكُمْ | [ الْبَقَرَة : 194 ] فَمَثَّلُوا فَمُثِّلَ بِهِمْ , إِلَّا أَنَّهُ يَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْعِتَاب إِنْ صَحَّ عَلَى الزِّيَادَة فِي الْقَتْل , وَذَلِكَ تَكْحِيلهمْ بِمَسَامِير مُحْمَاة وَتَرْكهمْ عَطَاشَى حَتَّى مَاتُوا , وَاللَّه أَعْلَمُ , وَحَكَى الطَّبَرِيّ عَنْ السُّدِّيّ : أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَسْمُل أَعْيُن الْعُرَنِيِّينَ وَإِنَّمَا أَرَادَ ذَلِكَ ; فَنَزَلَتْ الْآيَة نَاهِيَة عَنْ ذَلِكَ , وَهَذَا ضَعِيف جِدًّا ; فَإِنَّ الْأَخْبَار الثَّابِتَة وَرَدَتْ بِالسَّمْلِ ; وَفِي صَحِيح الْبُخَارِيّ : فَأَمَرَ بِمَسَامِير فَأُحْمِيَتْ فَكَحَلَهُمْ , وَلَا خِلَاف بَيْن أَهْل الْعِلْم أَنَّ حُكْم هَذِهِ الْآيَة مُتَرَتِّب فِي الْمُحَارِبِينَ مِنْ أَهْل الْإِسْلَام وَإِنْ كَانَتْ نَزَلَتْ فِي الْمُرْتَدِّينَ أَوْ الْيَهُود , وَفِي قَوْله تَعَالَى : | إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّه وَرَسُوله | اِسْتِعَارَة وَمَجَاز ; إِذْ اللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى لَا يُحَارَب وَلَا يُغَالَب لِمَا هُوَ عَلَيْهِ مِنْ صِفَات الْكَمَال , وَلِمَا وَجَبَ لَهُ مِنْ التَّنْزِيه عَنْ الْأَضْدَاد وَالْأَنْدَاد , وَالْمَعْنَى : يُحَارِبُونَ أَوْلِيَاء اللَّه ; فَعَبَّرَ بِنَفْسِهِ الْعَزِيزَة عَنْ أَوْلِيَائِهِ إِكْبَارًا لِإِذَايَتهمْ , كَمَا عَبَّرَ بِنَفْسِهِ عَنْ الْفُقَرَاء الضُّعَفَاء فِي قَوْله : | مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِض اللَّه قَرْضًا حَسَنًا | [ الْبَقَرَة : 245 ] حَثًّا عَلَى الِاسْتِعْطَاف عَلَيْهِمْ ; وَمِثْله فِي صَحِيح السُّنَّة ( اِسْتَطْعَمْتُك فَلَمْ تُطْعِمنِي ) . الْحَدِيث أَخْرَجَهُ مُسْلِم , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي | الْبَقَرَة | , وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِيمَنْ يَسْتَحِقّ اِسْم الْمُحَارَبَة ; فَقَالَ مَالِك : الْمُحَارِب عِنْدنَا مَنْ حَمَلَ عَلَى النَّاس فِي مِصْر أَوْ فِي بَرِّيَّة وَكَابَرَهُمْ عَنْ أَنْفُسهمْ وَأَمْوَالهمْ دُون نَائِرَة وَلَا ذَحْل وَلَا عَدَاوَة ; قَالَ اِبْن الْمُنْذِر : اُخْتُلِفَ عَنْ مَالِك فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة , فَأَثْبَتَ الْمُحَارَبَة فِي الْمِصْر مَرَّة وَنَفَى ذَلِكَ مَرَّة ; وَقَالَتْ طَائِفَة : حُكْم ذَلِكَ فِي الْمِصْر أَوْ فِي الْمَنَازِل وَالطُّرُق وَدِيَار أَهْل الْبَادِيَة وَالْقُرَى سَوَاء وَحُدُودهمْ وَاحِدَة ; وَهَذَا قَوْل الشَّافِعِيّ وَأَبِي ثَوْر ; قَالَ اِبْن الْمُنْذِر : كَذَلِكَ هُوَ لِأَنَّ كُلًّا يَقَع عَلَيْهِ اِسْم الْمُحَارَبَة , وَالْكِتَاب عَلَى الْعُمُوم , وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يُخْرِج مِنْ جُمْلَة الْآيَة قَوْمًا بِغَيْرِ حُجَّة , وَقَالَتْ طَائِفَة : لَا تَكُون الْمُحَارَبَة فِي الْمِصْر إِنَّمَا تَكُون خَارِجًا عَنْ الْمِصْر ; هَذَا قَوْل سُفْيَان الثَّوْرِيّ وَإِسْحَاق وَالنُّعْمَان , وَالْمُغْتَال كَالْمُحَارِبِ وَهُوَ الَّذِي يَحْتَال فِي قَتْل إِنْسَان عَلَى أَخْذ مَاله , وَإِنْ لَمْ يُشْهِر السِّلَاح لَكِنْ دَخَلَ عَلَيْهِ بَيْته أَوْ صَحِبَهُ فِي سَفَر فَأَطْعَمَهُ سُمًّا فَقَتَلَهُ فَيُقْتَل حَدًّا لَا قَوَ