islamkingdomfaceBook islamkingdomtwitter islamkingdominstagram islamkingdomyoutube islamkingdomnew

تفسير القرطبى
3596

7-الأعراف

المص

سُورَة الْأَعْرَاف هِيَ مَكِّيَّة , إِلَّا ثَمَان آيَات , وَهِيَ قَوْله تَعَالَى : | وَاسْأَلْهُمْ عَنْ الْقَرْيَة | [ الْأَعْرَاف : 163 ] إِلَى قَوْله : | وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَل فَوْقهمْ | [ الْأَعْرَاف : 171 ] . وَرَوَى النَّسَائِيّ عَنْ عَائِشَة أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَأَ فِي صَلَاة الْمَغْرِب بِسُورَةِ الْأَعْرَاف , فَرَّقَهَا فِي رَكْعَتَيْنِ . صَحَّحَهُ أَبُو مُحَمَّد عَبْد الْحَقّ .</p><p>اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي الْحُرُوف الَّتِي فِي أَوَائِل السُّورَة ; فَقَالَ عَامِر الشَّعْبِيّ وَسُفْيَان الثَّوْرِيّ وَجَمَاعَة مِنْ الْمُحَدِّثِينَ : هِيَ سِرّ اللَّه فِي الْقُرْآن , وَلِلَّهِ فِي كُلّ كِتَاب مِنْ كُتُبه سِرّ . فَهِيَ مِنْ الْمُتَشَابِه الَّذِي اِنْفَرَدَ اللَّه تَعَالَى بِعِلْمِهِ , وَلَا يَجِب أَنْ يُتَكَلَّم فِيهَا , وَلَكِنْ نُؤْمِن بِهَا وَنَقْرَأ كَمَا جَاءَتْ . وَرُوِيَ هَذَا الْقَوْل عَنْ أَبِي بَكْر الصِّدِّيق وَعَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا . وَذَكَرَ أَبُو اللَّيْث السَّمَرْقَنْدِيّ عَنْ عُمَر وَعُثْمَان وَابْن مَسْعُود أَنَّهُمْ قَالُوا : الْحُرُوف الْمُقَطَّعَة مِنْ الْمَكْتُوم الَّذِي لَا يُفَسَّر . وَقَالَ أَبُو حَاتِم : لَمْ نَجِد الْحُرُوف الْمُقَطَّعَة فِي الْقُرْآن إِلَّا فِي أَوَائِل السُّوَر , وَلَا نَدْرِي مَا أَرَادَ اللَّه جَلَّ وَعَزَّ بِهَا . قُلْت : وَمِنْ هَذَا الْمَعْنَى مَا ذَكَرَهُ أَبُو بَكْر الْأَنْبَارِيّ : حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن الْحُبَاب حَدَّثَنَا أَبُو بَكْر بْن أَبِي طَالِب حَدَّثَنَا أَبُو الْمُنْذِر الْوَاسِطِيّ عَنْ مَالِك بْن مِغْوَل عَنْ سَعِيد بْن مَسْرُوق عَنْ الرَّبِيع بْن خُثَيْم قَالَ : إِنَّ اللَّه تَعَالَى أَنْزَلَ هَذَا الْقُرْآن فَاسْتَأْثَرَ مِنْهُ بِعِلْمِ مَا شَاءَ , وَأَطْلَعَكُمْ عَلَى مَا شَاءَ , فَأَمَّا مَا اِسْتَأْثَرَ بِهِ لِنَفْسِهِ فَلَسْتُمْ بِنَائِلِيهِ فَلَا تُسْأَلُوا عَنْهُ , وَأَمَّا الَّذِي أَطْلَعَكُمْ عَلَيْهِ فَهُوَ الَّذِي تُسْأَلُونَ عَنْهُ وَتُخْبِرُونَ بِهِ , وَمَا بِكُلِّ الْقُرْآن تَعْلَمُونَ , وَلَا بِكُلِّ مَا تَعْلَمُونَ تَعْمَلُونَ . قَالَ أَبُو بَكْر : فَهَذَا يُوَضِّح أَنَّ حُرُوفًا مِنْ الْقُرْآن سُتِرَتْ مَعَانِيهَا عَنْ جَمِيع الْعَالَم , اِخْتِبَارًا مِنْ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ وَامْتِحَانًا ; فَمَنْ آمَنَ بِهَا أُثِيبَ وَسَعِدَ , وَمَنْ كَفَرَ وَشَكَّ أَثِمَ وَبَعُدَ . حَدَّثَنَا أَبُو يُوسُف بْن يَعْقُوب الْقَاضِي حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن أَبِي بَكْر حَدَّثَنَا عَبْد الرَّحْمَن بْن مَهْدِيّ عَنْ سُفْيَان عَنْ الْأَعْمَش عَنْ عُمَارَة عَنْ حُرَيْث بْن ظَهِير عَنْ عَبْد اللَّه قَالَ : مَا آمَنَ مُؤْمِن أَفْضَل مِنْ إِيمَان بِغَيْبٍ , ثُمَّ قَرَأَ : | الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ | [ الْبَقَرَة : 3 ] .</p><p>قُلْت : هَذَا الْقَوْل فِي الْمُتَشَابِه وَحُكْمه , وَهُوَ الصَّحِيح عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانه فِي ( آل عِمْرَان ) إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى . وَقَالَ جَمْع مِنْ الْعُلَمَاء كَبِير : بَلْ يَجِب أَنْ نَتَكَلَّم فِيهَا , وَيُلْتَمَس الْفَوَائِد الَّتِي تَحْتهَا , وَالْمَعَانِي الَّتِي تَتَخَرَّج عَلَيْهَا ; وَاخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ عَلَى أَقْوَال عَدِيدَة ; فَرُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس وَعَلِيّ أَيْضًا : أَنَّ الْحُرُوف الْمُقَطَّعَة فِي الْقُرْآن اِسْم اللَّه الْأَعْظَم , إِلَّا أَنَّا لَا نَعْرِف تَأْلِيفه مِنْهَا . وَقَالَ قُطْرُب وَالْفَرَّاء وَغَيْرهمَا : هِيَ إِشَارَة إِلَى حُرُوف الْهِجَاء أَعْلَمَ اللَّه بِهَا الْعَرَب حِين تَحَدَّاهُمْ بِالْقُرْآنِ أَنَّهُ مُؤْتَلِف مِنْ حُرُوف هِيَ الَّتِي مِنْهَا بِنَاء كَلَامهمْ ; لِيَكُونَ عَجْزهمْ عَنْهُ أَبْلَغَ فِي الْحُجَّة عَلَيْهِمْ إِذْ لَمْ يَخْرُج عَنْ كَلَامهمْ . قَالَ قُطْرُب : كَانُوا يَنْفِرُونَ عِنْد اِسْتِمَاع الْقُرْآن , فَلَمَّا سَمِعُوا : | الم | وَ | المص | اِسْتَنْكَرُوا هَذَا اللَّفْظ , فَلَمَّا أَنْصَتُوا لَهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقْبَلَ عَلَيْهِمْ بِالْقُرْآنِ الْمُؤْتَلِف لِيُثَبِّتهُ فِي أَسْمَاعهمْ وَآذَانهمْ وَيُقِيم الْحُجَّة عَلَيْهِمْ . وَقَالَ قَوْم : رُوِيَ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ لَمَّا أَعْرَضُوا عَنْ سَمَاع الْقُرْآن بِمَكَّة وَقَالُوا : | لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآن وَالْغَوْا فِيهِ | [ فُصِّلَتْ : 26 ] نَزَلَتْ لِيَسْتَغْرِبُوهَا فَيَفْتَحُونَ لَهَا أَسْمَاعهمْ فَيَسْمَعُونَ الْقُرْآن بَعْدهَا فَتَجِب عَلَيْهِمْ الْحُجَّة . وَقَالَ جَمَاعَة : هِيَ حُرُوف دَالَّة عَلَى أَسْمَاء أُخِذَتْ مِنْهَا وَحُذِفَتْ بَقِيَّتهَا ; كَقَوْلِ اِبْن عَبَّاس وَغَيْره : الْأَلِف مِنْ اللَّه , وَاللَّام مِنْ جِبْرِيل , وَالْمِيم مِنْ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَقِيلَ : الْأَلِف مِفْتَاح اِسْمه اللَّه , وَاللَّام مِفْتَاح اِسْمه لَطِيف , وَالْمِيم مِفْتَاح اِسْمه مَجِيد . وَرَوَى أَبُو الضُّحَى عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي قَوْله : | الم | قَالَ : أَنَا اللَّه أَعْلَم , | الر | أَنَا اللَّه أَرَى , | المص | أَنَا اللَّه أَفْصِل . فَالْأَلِف تُؤَدِّي عَنْ مَعْنَى أَنَا , وَاللَّام تُؤَدِّي عَنْ اِسْم اللَّه , وَالْمِيم تُؤَدِّي عَنْ مَعْنَى أَعْلَم . وَاخْتَارَ هَذَا الْقَوْل الزَّجَّاج وَقَالَ : أَذْهَب إِلَى أَنَّ كُلّ حَرْف مِنْهَا يُؤَدِّي عَنْ مَعْنًى ; وَقَدْ تَكَلَّمَتْ الْعَرَب بِالْحُرُوفِ الْمُقَطَّعَة نَظْمًا لَهَا وَوَضْعًا بَدَل الْكَلِمَات الَّتِي الْحُرُوف مِنْهَا , كَقَوْلِهِ : <br>فَقُلْت لَهَا قِفِي فَقَالَتْ قَاف <br>أَرَادَ : قَالَتْ وَقَفْت . وَقَالَ زُهَيْر : <br>بِالْخَيْرِ خَيْرَات وَإِنْ شَرًّا فَا .......... وَلَا أُرِيد الشَّرّ إِلَّا أَنْ تَا <br>أَرَادَ : وَإِنْ شَرًّا فَشَرّ . وَأَرَادَ : إِلَّا أَنْ تَشَاء . وَقَالَ آخَر : <br>نَادَوْهُمْ أَلَا الْجُمُوا أَلَا تَا .......... قَالُوا جَمِيعًا كُلّهمْ أَلَا فَا <br>أَرَادَ : أَلَا تَرْكَبُونَ , قَالُوا : أَلَا فَارْكَبُوا . وَفِي الْحَدِيث : ( مَنْ أَعَانَ عَلَى قَتْل مُسْلِم بِشَطْرِ كَلِمَة ) قَالَ شَقِيق : هُوَ أَنْ يَقُول فِي اُقْتُلْ : اُقْ ; كَمَا قَالَ عَلَيْهِ السَّلَام ( كَفَى بِالسَّيْفِ شَا ) مَعْنَاهُ : شَافِيًا . وَقَالَ زَيْد بْن أَسْلَم : هِيَ أَسْمَاء لِلسُّوَرِ . وَقَالَ الْكَلْبِيّ : هِيَ أَقْسَام أَقْسَمَ اللَّه تَعَالَى بِهَا لِشَرَفِهَا وَفَضْلِهَا , وَهِيَ مِنْ أَسْمَائِهِ ; عَنْ اِبْن عَبَّاس أَيْضًا , وَرَدَّ بَعْض الْعُلَمَاء هَذَا الْقَوْل فَقَالَ : لَا يَصِحّ أَنْ يَكُون قَسَمًا لِأَنَّ الْقَسَم مَعْقُود عَلَى حُرُوف مِثْل : إِنَّ وَقَدْ وَلَقَدْ وَمَا ; وَلَمْ يُوجَد هَهُنَا حَرْف مِنْ هَذِهِ الْحُرُوف , فَلَا يَجُوز أَنْ يَكُون يَمِينًا . وَالْجَوَاب أَنْ يُقَال : مَوْضِع الْقَسَم قَوْله تَعَالَى : | لَا رَيْب فِيهِ | فَلَوْ أَنَّ إِنْسَانًا حَلَفَ فَقَالَ : وَاَللَّه هَذَا الْكِتَاب لَا رَيْب فِيهِ ; لَكَانَ الْكَلَام سَدِيدًا , وَتَكُون | لَا | جَوَاب الْقَسَم . فَثَبَتَ أَنَّ قَوْل الْكَلْبِيّ وَمَا رُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس سَدِيد صَحِيح . فَإِنْ قِيلَ : مَا الْحِكْمَة فِي الْقَسَم مِنْ اللَّه تَعَالَى , وَكَانَ الْقَوْم فِي ذَلِكَ الزَّمَان عَلَى صِنْفَيْنِ : مُصَدِّق , وَمُكَذِّب ; فَالْمُصَدِّق يُصَدِّق بِغَيْرِ قَسَم , وَالْمُكَذِّب لَا يُصَدِّق مَعَ الْقَسَم ؟ . قِيلَ لَهُ : الْقُرْآن نَزَلَ بِلُغَةِ الْعَرَب ; وَالْعَرَب إِذَا أَرَادَ بَعْضهمْ أَنْ يُؤَكِّد كَلَامه أَقْسَمَ عَلَى كَلَامه ; وَاَللَّه تَعَالَى أَرَادَ أَنْ يُؤَكِّد عَلَيْهِمْ الْحُجَّة فَأَقْسَمَ أَنَّ الْقُرْآن مِنْ عِنْده . وَقَالَ بَعْضهمْ : | الم | أَيْ أَنْزَلْت عَلَيْك هَذَا الْكِتَاب مِنْ اللَّوْح الْمَحْفُوظ . وَقَالَ قَتَادَة فِي قَوْله : | الم | قَالَ اِسْم مِنْ أَسْمَاء الْقُرْآن . وَرُوِيَ عَنْ مُحَمَّد بْن عَلِيّ التِّرْمِذِيّ أَنَّهُ قَالَ : إِنَّ اللَّه تَعَالَى أَوْدَعَ جَمِيع مَا فِي تِلْكَ السُّورَة مِنْ الْأَحْكَام وَالْقَصَص فِي الْحُرُوف الَّتِي ذَكَرَهَا فِي أَوَّل السُّورَة , وَلَا يَعْرِف ذَلِكَ إِلَّا نَبِيّ أَوْ وَلِيّ , ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ فِي جَمِيع السُّورَة لِيَفْقَهَ النَّاس . وَقِيلَ غَيْر هَذَا مِنْ الْأَقْوَال ; فَاَللَّه أَعْلَم . وَالْوَقْف عَلَى هَذِهِ الْحُرُوف عَلَى السُّكُون لِنُقْصَانِهَا إِلَّا إِذَا أَخْبَرْت عَنْهَا أَوْ عَطَفْتهَا فَإِنَّك تُعْرِبُهَا . وَاخْتُلِفَ : هَلْ لَهَا مَحَلٌّ مِنْ الْإِعْرَاب ؟ فَقِيلَ : لَا ; لِأَنَّهَا لَيْسَتْ أَسْمَاء مُتَمَكِّنَة , وَلَا أَفْعَالًا مُضَارِعَة ; وَإِنَّمَا هِيَ بِمَنْزِلَةِ حُرُوف التَّهَجِّي فَهِيَ مَحْكِيَّة . هَذَا مَذْهَب الْخَلِيل وَسِيبَوَيْهِ . وَمَنْ قَالَ : إِنَّهَا أَسْمَاء السُّوَر فَمَوْضِعهَا عِنْده الرَّفْع عَلَى أَنَّهَا عِنْده خَبَر اِبْتِدَاء مُضْمَر ; أَيْ هَذِهِ | الم | ; كَمَا تَقُول : هَذِهِ سُورَة الْبَقَرَة . أَوْ تَكُون رَفْعًا عَلَى الِابْتِدَاء وَالْخَبَر ذَلِكَ ; كَمَا تَقُول : زَيْد ذَلِكَ الرَّجُل . وَقَالَ اِبْن كَيْسَان النَّحْوِيّ : | الم | فِي مَوْضِع نَصْب ; كَمَا تَقُول : اِقْرَأْ | الم | أَوْ عَلَيْك | الم | . وَقِيلَ : فِي مَوْضِع خَفْض بِالْقَسَمِ ; لِقَوْلِ اِبْن عَبَّاس : إِنَّهَا أَقْسَام أَقْسَمَ اللَّه بِهَا .

كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ

و | كِتَاب | خَبَره . كَأَنَّهُ قَالَ : | المص | حُرُوف | كِتَاب أُنْزِلَ إِلَيْك | وَقَالَ الْكِسَائِيّ : أَيْ هَذَا كِتَاب .|فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ|| حَرَج | أَيْ ضِيق ; أَيْ لَا يَضِيق صَدْرك بِالْإِبْلَاغِ ; لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَام أَنَّهُ قَالَ : ( إِنِّي أَخَاف أَنْ يَثْلَغُوا رَأْسِي فَيَدَعُوهُ خُبْزَة ) الْحَدِيث . خَرَّجَهُ مُسْلِم . قَالَ إِلْكِيَا : فَظَاهِره النَّهْي , وَمَعْنَاهُ نَفْي الْحَرَج عَنْهُ ; أَيْ لَا يَضِيق صَدْرك أَلَّا يُؤْمِنُوا بِهِ , فَإِنَّمَا عَلَيْك الْبَلَاغ , وَلَيْسَ عَلَيْك سِوَى الْإِنْذَار بِهِ مِنْ شَيْء مِنْ إِيمَانهمْ أَوْ كُفْرهمْ , وَمِثْله قَوْله تَعَالَى : | فَلَعَلَّك بَاخِع نَفْسك | [ الْكَهْف : 6 ] الْآيَة . وَقَالَ : | لَعَلَّك بَاخِع نَفْسك أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ | [ الشُّعَرَاء : 3 ] . وَمَذْهَب مُجَاهِد وَقَتَادَة أَنَّ الْحَرَج هُنَا الشَّكّ , وَلَيْسَ هَذَا شَكّ الْكُفْر إِنَّمَا هُوَ شَكُّ الضِّيق . وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى : | وَلَقَدْ نَعْلَم أَنَّك يَضِيقُ صَدْرك بِمَا يَقُولُونَ | [ الْحِجْر : 97 ] . وَقِيلَ : الْخِطَاب لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُرَاد أُمَّتُهُ . وَفِيهِ بُعْد . وَالْهَاء فِي | مِنْهُ | لِلْقُرْآنِ . وَقِيلَ : لِلْإِنْذَارِ ; أَيْ أُنْزِلَ إِلَيْك الْكِتَاب لِتُنْذِر بِهِ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرك حَرَج مِنْهُ . فَالْكَلَام فِيهِ تَقْدِيم وَتَأْخِير . وَقِيلَ لِلتَّكْذِيبِ الَّذِي يُعْطِيه قُوَّة الْكَلَام . أَيْ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرك ضِيق مِنْ تَكْذِيب الْمُكَذِّبِينَ لَهُ . | وَذِكْرَى | يَجُوز أَنْ يَكُون فِي مَوْضِع رَفْع وَنَصْب وَخَفْض . فَالرَّفْع مِنْ وَجْهَيْنِ ; قَالَ الْبَصْرِيُّونَ : هِيَ رَفْع عَلَى إِضْمَار مُبْتَدَأ . وَقَالَ الْكِسَائِيّ : عَطْف عَلَى | كِتَاب | وَالنَّصْب مِنْ وَجْهَيْنِ ; عَلَى الْمَصْدَر ; أَيْ وَذَكِّرْ بِهِ ذِكْرَى ; قَالَ الْبَصْرِيُّونَ . وَقَالَ الْكِسَائِيّ : عَطْف عَلَى الْهَاء فِي | أَنْزَلْنَاهُ | . وَالْخَفْض حَمْلًا عَلَى مَوْضِع | لِتُنْذِر بِهِ | وَالْإِنْذَار لِلْكَافِرِينَ , وَالذِّكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ ; لِأَنَّهُمْ الْمُنْتَفِعُونَ بِهِ .

اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ

يَعْنِي الْكِتَاب وَالسُّنَّة . قَالَ اللَّه تَعَالَى : | وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُول فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا | [ الْحَشْر : 7 ] . وَقَالَتْ فِرْقَة : هَذَا أَمْر يَعُمّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأُمَّته . وَالظَّاهِر أَنَّهُ أَمْر لِجَمِيعِ النَّاس دُونه . أَيْ اِتَّبِعُوا مِلَّة الْإِسْلَام وَالْقُرْآن , وَأَحِلُّوا حَلَاله وَحَرِّمُوا حَرَامه , وَامْتَثِلُوا أَمْره , وَاجْتَنِبُوا نَهْيَهُ . وَدَلَّتْ الْآيَة عَلَى تَرْك اِتِّبَاع الْآرَاء مَعَ وُجُود النَّصِّ .|وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ|| مِنْ دُونِهِ | مِنْ غَيْره . وَالْهَاء تَعُود عَلَى الرَّبّ سُبْحَانه , وَالْمَعْنَى : لَا تَعْبُدُوا مَعَهُ غَيْره , وَلَا تَتَّخِذُوا مَنْ عَدَلَ عَنْ دِين اللَّه وَلِيًّا . وَكُلّ مَنْ رَضِيَ مَذْهَبًا فَأَهْل ذَلِكَ الْمَذْهَب أَوْلِيَاؤُهُ . وَرُوِيَ عَنْ مَالِك بْن دِينَار أَنَّهُ قَرَأَ | وَلَا تَبْتَغُوا مِنْ دُونه أَوْلِيَاء | أَيْ وَلَا تَطْلُبُوا . وَلَمْ يَنْصَرِف | أَوْلِيَاء | لِأَنَّ فِيهِ أَلِف التَّأْنِيث . وَقِيلَ : تَعُود عَلَى | مَا | مِنْ قَوْله : | اِتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبّكُمْ | .|قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ|| مَا | زَائِدَة . وَقِيلَ : تَكُون مَعَ الْفِعْل مَصْدَرًا .

وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ

| كَمْ | لِلتَّكْثِيرِ ; كَمَا أَنَّ | رُبَّ | لِلتَّقْلِيلِ . وَهِيَ فِي مَوْضِع رَفْع بِالِابْتِدَاءِ , وَ | أَهْلَكْنَا | الْخَبَر . أَيْ وَكَثِير مِنْ الْقُرَى - وَهِيَ مَوَاضِع اِجْتِمَاع النَّاس - أَهْلَكْنَاهَا . وَيَجُوز النَّصْب بِإِضْمَارِ فِعْل بَعْدهَا , وَلَا يُقَدَّر قَبْلهَا ; لِأَنَّ الِاسْتِفْهَام لَا يَعْمَل فِيهِ مَا قَبْله . وَيُقَوِّي الْأَوَّل قَوْله : | وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ الْقُرُون مِنْ بَعْد نُوح | وَلَوْلَا اِشْتِغَال | أَهْلَكْنَا | بِالضَّمِيرِ لَانْتَصَبَ بِهِ مَوْضِع | كَمْ | . وَيَجُوز أَنْ يَكُون | أَهْلَكْنَا | صِفَة لِلْقَرْيَةِ , وَ | كَمْ | فِي الْمَعْنَى هِيَ الْقَرْيَة ; فَإِذَا وَصَفْت الْقَرْيَة فَكَأَنَّك قَدْ وَصَفْت كَمْ . يَدُلّ عَلَى ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى : | وَكَمْ مِنْ مَلَك فِي السَّمَاوَات لَا تُغْنِي شَفَاعَتهمْ شَيْئًا | [ النَّجْم : 26 ] فَعَادَ الضَّمِير عَلَى | كَمْ | . عَلَى الْمَعْنَى ; إِذْ كَانَتْ الْمَلَائِكَة فِي الْمَعْنَى . فَلَا يَصِحّ عَلَى هَذَا التَّقْدِير أَنْ يَكُون | كَمْ | فِي مَوْضِع نَصْب بِإِضْمَارِ فِعْل بَعْدهَا . | فَجَاءَهَا بَأْسنَا | فِيهِ إِشْكَال لِلْعَطْفِ بِالْفَاءِ . فَقَالَ الْفَرَّاء : الْفَاء بِمَعْنَى الْوَاو , فَلَا يَلْزَم التَّرْتِيب . وَقِيلَ : أَيْ وَكَمْ مِنْ قَرْيَة أَرَدْنَا إِهْلَاكهَا فَجَاءَهَا بَأْسنَا ; كَقَوْلِهِ : | فَإِذَا قَرَأْت الْقُرْآن فَاسْتَعِذْ بِاَللَّهِ مِنْ الشَّيْطَان الرَّجِيم | [ النَّحْل : 98 ] . وَقِيلَ : إِنَّ الْهَلَاك . وَاقِع بِبَعْضِ الْقَوْم ; فَيَكُون التَّقْدِير : وَكَمْ مِنْ قَرْيَة أَهْلَكْنَا بَعْضهَا فَجَاءَهَا بَأْسنَا فَأَهْلَكْنَا الْجَمِيع . وَقِيلَ : الْمَعْنَى وَكَمْ مِنْ قَرْيَة أَهْلَكْنَاهَا فِي حُكْمنَا فَجَاءَهَا بَأْسنَا . وَقِيلَ : أَهْلَكْنَاهَا بِإِرْسَالِنَا مَلَائِكَة الْعَذَاب إِلَيْهَا , فَجَاءَهَا بَأْسنَا وَهُوَ الِاسْتِئْصَال . وَالْبَأْس , الْعَذَاب الْآتِي عَلَى النَّفْس . وَقِيلَ : الْمَعْنَى أَهْلَكْنَاهَا فَكَانَ إِهْلَاكنَا إِيَّاهُمْ فِي وَقْت كَذَا ; فَمَجِيء الْبَأْس عَلَى هَذَا هُوَ الْإِهْلَاك . وَقِيلَ : الْبَأْس غَيْر الْإِهْلَاك ; كَمَا ذَكَرْنَا . وَحَكَى الْفَرَّاء أَيْضًا أَنَّهُ إِذَا كَانَ مَعْنَى الْفِعْلَيْنِ وَاحِدًا أَوْ كَالْوَاحِدِ قَدَّمْت أَيّهمَا شِئْت ; فَيَكُون الْمَعْنَى وَكَمْ مِنْ قَرْيَة جَاءَهَا بَأْسنَا فَأَهْلَكْنَاهَا ; مِثْل دَنَا فَقَرُبَ , وَقَرُبَ فَدَنَا , وَشَتَمَنِي فَأَسَاءَ , وَأَسَاءَ فَشَتَمَنِي ; لِأَنَّ الْإِسَاءَة وَالشَّتْم شَيْء وَاحِد . وَكَذَلِكَ قَوْله : | اِقْتَرَبَتْ السَّاعَة وَانْشَقَّ الْقَمَر | [ الْقَمَر : 1 ] . الْمَعْنَى - وَاَللَّه أَعْلَم - اِنْشَقَّ الْقَمَر فَاقْتَرَبَتْ السَّاعَة . وَالْمَعْنَى وَاحِد . | بَيَاتًا | أَيْ لَيْلًا ; وَمِنْهُ الْبَيْت , لِأَنَّهُ يُبَات فِيهِ . يُقَال : بَاتَ يَبِيت بَيْتًا وَبَيَاتًا .</p><p>| أَوْ هُمْ قَائِلُونَ | أَيْ أَوْ وَهُمْ قَائِلُونَ , فَاسْتَثْقَلُوا فَحَذَفُوا الْوَاو ; قَالَهُ الْفَرَّاء . وَقَالَ الزَّجَّاج : هَذَا خَطَأ , إِذَا عَادَ الذِّكْر اُسْتُغْنِيَ عَنْ الْوَاو , تَقُول : جَاءَنِي زَيْد رَاكِبًا أَوْ هُوَ مَاشٍ , وَلَا يُحْتَاج إِلَى الْوَاو . قَالَ الْمَهْدَوِيّ : وَلَمْ يَقُلْ بَيَاتًا أَوْ وَهُمْ قَائِلُونَ لِأَنَّ فِي الْجُمْلَة ضَمِيرًا يَرْجِع إِلَى الْأَوَّل فَاسْتُغْنِيَ عَنْ الْوَاو . وَهُوَ مَعْنَى قَوْل الزَّجَّاج سَوَاء , وَلَيْسَ أَوْ لِلشَّكِّ بَلْ لِلتَّفْصِيلِ ; كَقَوْلِك : لَأُكْرِمَنَّك مُنْصِفًا لِي أَوْ ظَالِمًا . وَهَذِهِ الْوَاو تُسَمَّى عِنْد النَّحْوِيِّينَ وَاو الْوَقْت . وَ | قَائِلُونَ | مِنْ الْقَائِلَة وَهِيَ الْقَيْلُولَة ; وَهِيَ نَوْم نِصْف النَّهَار . وَقِيلَ : الِاسْتِرَاحَة نِصْف النَّهَار إِذَا اِشْتَدَّ الْحَرّ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهَا نَوْم . وَالْمَعْنَى جَاءَهُمْ عَذَابُنَا وَهُمْ غَافِلُونَ إِمَّا لَيْلًا وَإِمَّا نَهَارًا . وَالدَّعْوَى الدُّعَاء ; وَمِنْهُ قَوْل : | وَآخِر دَعْوَاهُمْ | [ يُونُس : 10 ] . وَحَكَى النَّحْوِيُّونَ : اللَّهُمَّ أَشْرِكْنَا فِي صَالِح دَعْوَى مَنْ دَعَاك . وَقَدْ تَكُون الدَّعْوَى بِمَعْنَى الِادِّعَاء . وَالْمَعْنَى : أَنَّهُمْ لَمْ يَخْلُصُوا عِنْد الْإِهْلَاك إِلَّا عَلَى الْإِقْرَار بِأَنَّهُمْ كَانُوا ظَالِمِينَ .

فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ

و | دَعْوَاهُمْ | فِي مَوْضِع نَصْب خَبَر كَانَ , وَاسْمهَا | إِلَّا أَنْ قَالُوا | .</p><p>| إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ | الْمَعْنَى : أَنَّهُمْ لَمْ يَخْلُصُوا عِنْد الْإِهْلَاك إِلَّا عَلَى الْإِقْرَار بِأَنَّهُمْ كَانُوا ظَالِمِينَ . نَظِيره | فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا | [ النَّمْل : 56 ] وَيَجُوز أَنْ تَكُون الدَّعْوَى رَفْعًا , وَ | أَنْ قَالُوا | نَصْبًا ; كَقَوْلِهِ تَعَالَى : | لَيْسَ الْبِرُّ أَنْ تُوَلُّوا | [ الْبَقَرَة : 177 ] بِرَفْعِ | الْبِرّ | وَقَوْله : | ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوءَ أَنْ كَذَّبُوا | [ الرُّوم : 10 ] بِرَفْعِ | عَاقِبَة | .

فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ

دَلِيل عَلَى أَنَّ الْكُفَّار يُحَاسَبُونَ . وَفِي التَّنْزِيل | ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ | [ الْغَاشِيَة : 26 ] . وَفِي سُورَة الْقَصَص | وَلَا يُسْأَل عَنْ ذُنُوبِهِمْ الْمُجْرِمُونَ | [ الْقَصَص : 78 ] يَعْنِي إِذَا اِسْتَقَرُّوا فِي الْعَذَاب . وَالْآخِرَة مَوَاطِن : مَوْطِن يُسْأَلُونَ فِيهِ لِلْحِسَابِ . وَمَوْطِن لَا يُسْأَلُونَ فِيهِ . وَسُؤَالُهُمْ تَقْرِير وَتَوْبِيخ وَإِفْضَاح . وَسُؤَال الرُّسُل سُؤَال اِسْتِشْهَاد بِهِمْ وَإِفْصَاح ; أَيْ عَنْ جَوَاب الْقَوْم لَهُمْ . وَهُوَ مَعْنَى قَوْله : | لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ | [ الْأَحْزَاب : 8 ] عَلَى مَا يَأْتِي .</p><p>وَقِيلَ : الْمَعْنَى | فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ | أَيْ الْأَنْبِيَاء | وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ | أَيْ الْمَلَائِكَة الَّذِينَ أُرْسِلُوا إِلَيْهِمْ . وَاللَّام فِي | فَلَنَسْأَلَنَّ | لَام الْقَسَم وَحَقِيقَتهَا التَّوْكِيد .

فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ

قَالَ اِبْن عَبَّاس : يَنْطِق عَلَيْهِمْ .|وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ|أَيْ كُنَّا شَاهِدِينَ لِأَعْمَالِهِمْ . وَدَلَّتْ الْآيَة عَلَى أَنَّ اللَّه تَعَالَى عَالِمٌ بِعِلْمٍ .

وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ

اِبْتِدَاء وَخَبَر . وَيَجُوز أَنْ يَكُون | الْحَقّ | نَعْته , وَالْخَبَر | يَوْمئِذٍ | . وَيَجُوز نَصْب | الْحَقّ | عَلَى الْمَصْدَر . وَالْمُرَاد بِالْوَزْنِ وَزْن أَعْمَال الْعِبَاد بِالْمِيزَانِ . قَالَ اِبْن عُمَر : تُوزَن صَحَائِف أَعْمَال الْعِبَاد . وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح , وَهُوَ الَّذِي وَرَدَ بِهِ الْخَبَر عَلَى مَا يَأْتِي . وَقِيلَ : الْمِيزَان الْكِتَاب الَّذِي فِيهِ أَعْمَال الْخَلْق . وَقَالَ مُجَاهِد : الْمِيزَان الْحَسَنَات وَالسَّيِّئَات بِأَعْيَانِهَا . وَعَنْهُ أَيْضًا وَالضَّحَّاك وَالْأَعْمَش : الْوَزْن وَالْمِيزَان بِمَعْنَى الْعَدْل وَالْقَضَاء , وَذِكْر الْوَزْن ضَرْب مَثَل ; كَمَا تَقُول : هَذَا الْكَلَام فِي وَزْن هَذَا وَفِي وِزَانِهِ , أَيْ يُعَادِلهُ وَيُسَاوِيه وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ وَزْن . قَالَ الزَّجَّاج : هَذَا سَائِغ مِنْ جِهَة اللِّسَان , وَالْأَوْلَى أَنْ يُتَّبَع مَا جَاءَ فِي الْأَسَانِيد الصِّحَاح مِنْ ذِكْر الْمِيزَان . قَالَ الْقُشَيْرِيّ : وَقَدْ أَحْسَنَ فِيمَا قَالَ , إِذْ لَوْ حُمِلَ الْمِيزَان عَلَى هَذَا فَلْيُحْمَلْ الصِّرَاط عَلَى الدِّين الْحَقّ , وَالْجَنَّة وَالنَّار عَلَى مَا يَرِد عَلَى الْأَرْوَاح دُون الْأَجْسَاد , وَالشَّيَاطِين وَالْجِنّ عَلَى الْأَخْلَاق الْمَذْمُومَة , وَالْمَلَائِكَة عَلَى الْقُوَى الْمَحْمُودَة . وَقَدْ أَجْمَعَتْ الْأُمَّة فِي الصَّدْر الْأَوَّل عَلَى الْأَخْذ بِهَذِهِ الظَّوَاهِر مِنْ غَيْر تَأْوِيل . وَإِذَا أَجْمَعُوا عَلَى مَنْع التَّأْوِيل وَجَبَ الْأَخْذ بِالظَّاهِرِ , وَصَارَتْ هَذِهِ الظَّوَاهِر نُصُوصًا . قَالَ اِبْن فُورك : وَقَدْ أَنْكَرَتْ الْمُعْتَزِلَة الْمِيزَان بِنَاء مِنْهُمْ عَلَى أَنَّ الْأَعْرَاض يَسْتَحِيل وَزْنهَا , إِذْ لَا تَقُوم بِأَنْفُسِهَا . وَمِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ مَنْ يَقُول : إِنَّ اللَّه تَعَالَى يُقَلِّب الْأَعْرَاض أَجْسَامًا فَيَزِنهَا يَوْم الْقِيَامَة . وَهَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ عِنْدَنَا , وَالصَّحِيح أَنَّ الْمَوَازِين تَثْقُل بِالْكُتُبِ الَّتِي فِيهَا الْأَعْمَال مَكْتُوبَة , وَبِهَا تَخِفُّ . وَقَدْ رُوِيَ فِي الْخَبَر مَا يُحَقِّق ذَلِكَ , وَهُوَ أَنَّهُ رُوِيَ ( أَنَّ مِيزَان بَعْض بَنِي آدَم كَادَ يَخِفُّ بِالْحَسَنَاتِ فَيُوضَع فِيهِ رَقٌّ مَكْتُوب فِيهِ | لَا إِلَه إِلَّا اللَّه | فَيَثْقُل ) . فَقَدْ عُلِمَ أَنَّ ذَلِكَ يَرْجِع إِلَى وَزْن مَا كُتِبَ فِيهِ الْأَعْمَال لَا نَفْس الْأَعْمَال , وَأَنَّ اللَّه سُبْحَانه يُخَفِّف الْمِيزَان إِذَا أَرَادَ , وَيُثْقِلهُ إِذَا أَرَادَ بِمَا يُوضَع فِي كِفَّتَيْهِ مِنْ الصُّحُف الَّتِي فِيهَا الْأَعْمَال . وَفِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ صَفْوَان بْن مُحْرِز قَالَ قَالَ رَجُل لِابْنِ عُمَر : كَيْفَ سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي النَّجْوَى ؟ قَالَ سَمِعْته يَقُول : ( يُدْنَى الْمُؤْمِن مِنْ رَبّه يَوْم الْقِيَامَة حَتَّى يَضَع عَلَيْهِ كَنَفه فَيُقَرِّرهُ بِذُنُوبِهِ فَيَقُول هَلْ تَعْرِف فَيَقُول أَيْ رَبّ أَعْرِف قَالَ فَإِنِّي قَدْ سَتَرْتهَا عَلَيْك فِي الدُّنْيَا وَإِنِّي أَغْفِرهَا لَك الْيَوْم فَيُعْطَى صَحِيفَة حَسَنَاته وَأَمَّا الْكُفَّار وَالْمُنَافِقُونَ فَيُنَادَى بِهِمْ عَلَى رُءُوس الْخَلَائِق هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّه ) . فَقَوْله : ( فَيُعْطَى صَحِيفَة حَسَنَاته ) دَلِيل عَلَى أَنَّ الْأَعْمَال تُكْتَب فِي الصُّحُف وَتُوزَن . وَرَوَى اِبْن مَاجَهْ مِنْ حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَمْرو قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( يُصَاح بِرَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي يَوْم الْقِيَامَة عَلَى رُءُوس الْخَلَائِق فَيُنْشَر عَلَيْهِ تِسْعَة وَتِسْعُونَ سِجِلًّا كُلّ سِجِلّ مَدّ الْبَصَر ثُمَّ يَقُول اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى هَلْ تُنْكِر مِنْ هَذَا شَيْئًا فَيَقُول لَا يَا رَبّ فَيَقُول أَظْلَمَتْك كَتَبَتِي الْحَافِظُونَ فَيَقُول لَا ثُمَّ يَقُول أَلَك عُذْر أَلَك حَسَنَة فَيَهَاب الرَّجُل فَيَقُول لَا فَيَقُول بَلَى إِنَّ لَك عِنْدنَا حَسَنَات وَإِنَّهُ لَا ظُلْم عَلَيْك الْيَوْم فَتُخْرَج لَهُ بِطَاقَة فِيهَا أَشْهَد أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ فَيَقُول يَا رَبّ مَا هَذِهِ الْبِطَاقَة مَعَ هَذِهِ السِّجِلَّات فَيَقُول إِنَّك لَا تُظْلَمُ فَتُوضَع السِّجِلَّات فِي كِفَّة وَالْبِطَاقَة فِي كِفَّة فَطَاشَتْ السِّجِلَّات وَثَقُلَتْ الْبِطَاقَة ) . زَادَ التِّرْمِذِيّ ( فَلَا يَثْقُل مَعَ اِسْم اللَّه شَيْء ) وَقَالَ : حَدِيث حَسَن غَرِيب . وَسَيَأْتِي لِهَذَا الْبَاب مَزِيد بَيَان فِي | الْكَهْف وَالْأَنْبِيَاء | إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى . قَوْله تَعَالَى : | فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ . وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسهمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ | جَمْع مِيزَان , وَأَصْله مِوْزَان , قُلِبَتْ الْوَاو يَاء لِكَسْرَةِ مَا قَبْلهَا . وَقِيلَ : يَجُوز أَنْ يَكُون هُنَاكَ مَوَازِين لِلْعَامِلِ الْوَاحِد يُوزَن بِكُلِّ مِيزَان مِنْهَا صِنْف مِنْ أَعْمَالِهِ . وَيُمْكِن أَنْ يَكُون ذَلِكَ مِيزَانًا وَاحِدًا عُبِّرَ عَنْهُ بِلَفْظِ الْجَمْع ; كَمَا تَقُول : خَرَجَ فُلَان إِلَى مَكَّة عَلَى الْبِغَال , وَخَرَجَ إِلَى الْبَصْرَة فِي السُّفُن . وَفِي التَّنْزِيل : | كَذَّبَتْ قَوْم نُوح الْمُرْسَلِينَ | [ الشُّعَرَاء : 105 ] . | كَذَّبَتْ عَاد الْمُرْسَلِينَ | [ الشُّعَرَاء : 123 ] . وَإِنَّمَا هُوَ رَسُول وَاحِد فِي أَحَد التَّأْوِيلَيْنِ . وَقِيلَ : الْمَوَازِين جَمْع مَوْزُون , لَا جَمْع مِيزَان . أَرَادَ بِالْمَوَازِينِ الْأَعْمَال الْمَوْزُونَة . | وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينه | مِثْله .|فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ|قَالَ اِبْن عَبَّاس : تُوزَن الْحَسَنَات وَالسَّيِّئَات فِي مِيزَان لَهُ لِسَان وَكِفَّتَانِ ; فَأَمَّا الْمُؤْمِن فَيُؤْتَى بِعَمَلِهِ فِي أَحْسَن صُورَة فَيُوضَع فِي كِفَّة الْمِيزَان فَتَثْقُل حَسَنَاته عَلَى سَيِّئَاته ; فَذَلِكَ قَوْله : | فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينه فَأُولَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ |

وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآَيَاتِنَا يَظْلِمُونَ

يُؤْتَى بِعَمَلِ الْكَافِر فِي أَقْبَح صُورَة فَيُوضَع فِي كِفَّة الْمِيزَان فَيَخِفّ وَزْنه حَتَّى يَقَع فِي النَّار . وَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ اِبْن عَبَّاس قَرِيب مِمَّا قِيلَ : يَخْلُق اللَّه تَعَالَى كُلّ جُزْء مِنْ أَعْمَال الْعِبَاد جَوْهَرًا فَيَقَع الْوَزْن عَلَى تِلْكَ الْجَوَاهِر . وَرَدَّهُ اِبْن فُورك وَغَيْره . وَفِي الْخَبَر ( إِذَا خَفَّتْ حَسَنَات الْمُؤْمِن أَخْرَجَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِطَاقَة كَالْأُنْمُلَةِ فَيُلْقِيهَا فِي كِفَّة الْمِيزَان الْيُمْنَى الَّتِي فِيهَا حَسَنَاته فَتَرْجَح الْحَسَنَات فَيَقُول ذَلِكَ الْعَبْد الْمُؤْمِن لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي ! مَا أَحْسَنَ وَجْهَك وَمَا أَحْسَنَ خَلْقَك فَمَنْ أَنْتَ ؟ فَيَقُول أَنَا مُحَمَّد نَبِيُّك وَهَذِهِ صَلَوَاتك الَّتِي كُنْت تُصَلِّي عَلَيَّ قَدْ وَفَّيْتُك أَحْوَج مَا تَكُون إِلَيْهَا ) . ذَكَرَهُ الْقُشَيْرِيّ فِي تَفْسِيره . وَذَكَرَ أَنَّ الْبِطَاقَة ( بِكَسْرِ الْبَاء ) رُقْعَة فِيهَا رَقْم الْمَتَاع بِلُغَةِ أَهْل مِصْر . وَقَالَ اِبْن مَاجَهْ : قَالَ مُحَمَّد بْن يَحْيَى : الْبِطَاقَة الرُّقْعَة , وَأَهْل مِصْر يَقُولُونَ لِلرُّقْعَةِ بِطَاقَة . وَقَالَ حُذَيْفَة : صَاحِب الْمَوَازِين يَوْم الْقِيَامَة جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام , يَقُول اللَّه تَعَالَى : ( يَا جِبْرِيل زِنْ بَيْنهمْ فَرُدَّ مِنْ بَعْض عَلَى بَعْض ) . قَالَ : وَلَيْسَ ثَمَّ ذَهَبٌ وَلَا فِضَّة ; فَإِنْ كَانَ لِلظَّالِمِ حَسَنَات أُخِذَ مِنْ حَسَنَاته فَرُدَّ عَلَى الْمَظْلُوم , وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَات أُخِذَ مِنْ سَيِّئَات الْمَظْلُوم فَتُحْمَل عَلَى الظَّالِم ; فَيَرْجِع الرَّجُل وَعَلَيْهِ مِثْل الْجِبَال . وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَنَّ اللَّه تَعَالَى يَقُول يَوْم الْقِيَامَة يَا آدَم اُبْرُزْ إِلَى جَانِب الْكُرْسِيّ عِنْد الْمِيزَان وَانْظُرْ مَا يُرْفَع إِلَيْك مِنْ أَعْمَال بَنِيك فَمَنْ رَجَحَ خَيْره عَلَى شَرّه مِثْقَال حَبَّة فَلَهُ الْجَنَّة وَمَنْ رَجَحَ شَرّه عَلَى خَيْره مِثْقَال حَبَّة فَلَهُ النَّار حَتَّى تَعْلَم أَنِّي لَا أُعَذِّب إِلَّا ظَالِمًا ) .

وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ

أَيْ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ قَرَارًا وَمِهَادًا , وَهَيَّأْنَا لَكُمْ فِيهَا أَسْبَاب الْمَعِيشَة . وَالْمَعَايِش جَمْع مَعِيشَة , أَيْ مَا يُتَعَيَّش بِهِ مِنْ الْمَطْعَم وَالْمَشْرَب وَمَا تَكُون بِهِ الْحَيَاة . يُقَال : عَاشَ يَعِيش عَيْشًا وَمَعَاشًا وَمَعِيشًا وَمَعِيشَة وَعِيشَة . وَقَالَ الزَّجَّاج : الْمَعِيشَة مَا يُتَوَصَّل بِهِ إِلَى الْعَيْش . وَمَعِيشَة فِي قَوْل الْأَخْفَش وَكَثِير مِنْ النَّحْوِيِّينَ مَفْعَلَة . وَقَرَأَ الْأَعْرَج : | مَعَائِش | بِالْهَمْزِ . وَكَذَا رَوَى خَارِجَة بْن مُصْعَب عَنْ نَافِع . قَالَ النَّحَّاس : وَالْهَمْز لَحْن لَا يَجُوز ; لِأَنَّ الْوَاحِدَة مَعِيشَة , أَصْلهَا مَعِيشَة , فَزِيدَتْ أَلِف الْوَصْل وَهِيَ سَاكِنَة وَالْيَاء سَاكِنَة , فَلَا بُدّ مِنْ تَحْرِيك إِذْ لَا سَبِيل إِلَى الْحَذْف , وَالْأَلِف لَا تُحَرَّك فَحُرِّكَتْ الْيَاء بِمَا كَانَ يَجِب لَهَا فِي الْوَاحِد . وَنَظِيره مِنْ الْوَاو مَنَارَة وَمَنَاوِر , وَمَقَام وَمَقَاوِم ; كَمَا قَالَ الشَّاعِر : <br>وَإِنِّي لَقَوَّام مَقَاوِم لَمْ يَكُنْ .......... جَرِير وَلَا مَوْلَى جَرِير يَقُومهَا <br>وَكَذَا مُصِيبَة وَمَصَاوِب . هَذَا الْجَيِّد , وَلُغَة شَاذَّة مَصَائِب . قَالَ الْأَخْفَش : إِنَّمَا جَازَ مَصَائِب ; لِأَنَّ الْوَاحِدَة مُعْتَلَّة . قَالَ الزَّجَّاج : هَذَا خَطَأ يَلْزَمهُ عَلَيْهِ أَنْ يَقُول مَقَائِم . وَلَكِنَّ الْقَوْل أَنَّهُ مِثْل وِسَادَة وَإِسَادَة . وَقِيلَ : لَمْ يَجُزْ الْهَمْز فِي مَعَايِش لِأَنَّ الْمَعِيشَة مَفْعَلَة ; فَالْيَاء أَصْلِيَّة , وَإِنَّمَا يُهْمَز إِذَا كَانَتْ الْيَاء زَائِدَة مِثْل مَدِينَة وَمَدَائِن , وَصَحِيفَة وَصَحَائِف , وَكَرِيمَة وَكَرَائِم , وَوَظِيفَة وَوَظَائِف , وَشَبَهه .

وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ

لَمَّا ذَكَرَ نِعَمَهُ ذَكَرَ اِبْتِدَاء خَلْقه . وَقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنَى الْخَلْق فِي غَيْر مَوْضِع | ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ | أَيْ خَلَقْنَاكُمْ نُطَفًا ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ , ثُمَّ إِنَّا نُخْبِركُمْ أَنَّا قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اُسْجُدُوا لِآدَم . وَعَنْ اِبْن عَبَّاس وَالضَّحَّاك وَغَيْرهمَا : الْمَعْنَى خَلَقْنَا آدَم ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ فِي ظَهْره . وَقَالَ الْأَخْفَش : | ثُمَّ | بِمَعْنَى الْوَاو . وَقِيلَ : الْمَعْنَى | وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ | يَعْنِي آدَم عَلَيْهِ السَّلَام , ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اُسْجُدُوا لِآدَم , ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ; عَلَى التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير . وَقِيلَ : | وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ | يَعْنِي آدَم ; ذُكِرَ بِلَفْظِ الْجَمْع لِأَنَّهُ أَبُو الْبَشَر . | ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ | رَاجِع إِلَيْهِ أَيْضًا . كَمَا يُقَال : نَحْنُ قَتَلْنَاكُمْ ; أَيْ قَتَلْنَا سَيِّدَكُمْ .</p><p>| ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اُسْجُدُوا لِآدَم | وَعَلَى هَذَا لَا تَقْدِيم وَلَا تَأْخِير ; عَنْ اِبْن عَبَّاس أَيْضًا . وَقِيلَ : الْمَعْنَى وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ , يُرِيد آدَم وَحَوَّاء ; فَآدَم مِنْ التُّرَاب وَحَوَّاء مِنْ ضِلَع مِنْ أَضْلَاعه , ثُمَّ وَقَعَ التَّصْوِير بَعْد ذَلِكَ . فَالْمَعْنَى : وَلَقَدْ خَلَقْنَا أَبَوَيْكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاهُمَا ; قَالَهُ الْحَسَن . وَقِيلَ : الْمَعْنَى خَلَقْنَاكُمْ فِي ظَهْر آدَم ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ حِين أَخَذْنَا عَلَيْكُمْ الْمِيثَاق . هَذَا قَوْل مُجَاهِد , رَوَاهُ عَنْهُ اِبْن جُرَيْج وَابْن أَبِي نَجِيح . قَالَ النَّحَّاس : وَهَذَا أَحْسَن الْأَقْوَال . يَذْهَب مُجَاهِد إِلَى أَنَّهُ خَلَقَهُمْ فِي ظَهْر آدَم , ثُمَّ صَوَّرَهُمْ حِينَ أَخَذَ عَلَيْهِمْ الْمِيثَاقَ , ثُمَّ كَانَ السُّجُود بَعْد . وَيُقَوِّي هَذَا | وَإِذْ أَخَذَ رَبُّك مِنْ بَنِي آدَم مِنْ ظُهُورهمْ ذُرِّيَّتهمْ | [ الْأَعْرَاف : 172 ] . وَالْحَدِيث ( أَنَّهُ أَخْرَجَهُمْ أَمْثَال الذَّرّ فَأَخَذَ عَلَيْهِمْ الْمِيثَاق ) . وَقِيلَ : | ثُمَّ | لِلْإِخْبَارِ , أَيْ وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ يَعْنِي فِي ظَهْر آدَم صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ أَيْ فِي الْأَرْحَام . قَالَ النَّحَّاس : هَذَا صَحِيح عَنْ اِبْن عَبَّاس . قُلْت : كُلّ هَذِهِ الْأَقْوَال مُحْتَمَل , وَالصَّحِيح مِنْهَا مَا يُعَضِّدُهُ التَّنْزِيل ; قَالَ اللَّه تَعَالَى : | وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَان مِنْ سُلَالَة مِنْ طِين | [ الْمُؤْمِنُونَ : 12 ] يَعْنِي آدَم . وَقَالَ : | وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا | [ النِّسَاء : 1 ] . ثُمَّ قَالَ : | جَعَلْنَاهُ | أَيْ جَعَلْنَا نَسْلَهُ وَذُرِّيَّتَهُ | نُطْفَة فِي قَرَار مَكِين | [ الْمُؤْمِنُونَ : 13 ] الْآيَة . فَآدَم خُلِقَ مِنْ طِينٍ ثُمَّ صُوِّرَ وَأُكْرِمَ بِالسُّجُودِ , وَذُرِّيَّته صُوِّرُوا فِي أَرْحَام الْأُمَّهَات بَعْد أَنْ خُلِقُوا فِيهَا وَفِي أَصْلَاب الْآبَاء . وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَّل سُورَة | الْأَنْعَام | أَنَّ كُلّ إِنْسَان مَخْلُوق مِنْ نُطْفَة وَتُرْبَة ; فَتَأَمَّلْهُ وَقَالَ هُنَا : | خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ | وَقَالَ فِي آخِر الْحَشْر : | هُوَ اللَّه الْخَالِق الْبَارِئ الْمُصَوِّر | [ الْحَشْر : 24 ] . فَذَكَرَ التَّصْوِير بَعْد الْبَرْء . وَسَيَأْتِي بَيَان ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى . وَقِيلَ : مَعْنَى | وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ | أَيْ خَلْقنَا الْأَرْوَاح أَوَّلًا ثُمَّ صَوَّرْنَا الْأَشْبَاح آخِرًا .|فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ|اِسْتِثْنَاء مِنْ غَيْر الْجِنْس . وَقِيلَ : مِنْ الْجِنْس . وَقَدْ اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء : هَلْ كَانَ مِنْ الْمَلَائِكَة أَمْ لَا . كَمَا سَبَقَ بَيَانه فِي | الْبَقَرَة |

قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ

| مَا | فِي مَوْضِع رَفْع بِالِابْتِدَاءِ ; أَيْ أَيُّ شَيْء مَنَعَك . وَهَذَا سُؤَال تَوْبِيخ .|أَلَّا تَسْجُدَ|فِي مَوْضِع نَصْب , أَيْ مِنْ أَنْ تَسْجُد . وَ | لَا | زَائِدَة . وَفِي ص | مَا مَنَعَك أَنْ تَسْجُد | [ ص : 75 ] وَقَالَ الشَّاعِر : <br>أَبَى جُوده لَا الْبُخْل فَاسْتَعْجَلَتْ بِهِ .......... نَعَمْ مِنْ فَتًى لَا يَمْنَع الْجُود نَائِله <br>أَرَادَ أَبَى جُوده الْبُخْل , فَزَادَ | لَا | . وَقِيلَ : لَيْسَتْ بِزَائِدَةٍ ; فَإِنَّ الْمَنْع فِيهِ طَرَف مِنْ الْقَوْل وَالدُّعَاء , فَكَأَنَّهُ قَالَ : مَنْ قَالَ لَك أَلَّا تَسْجُد ؟ أَوْ مَنْ دَعَاك إِلَى أَلَّا تَسْجُد ؟ كَمَا تَقُول : قَدْ قُلْت لَك أَلَّا تَفْعَل كَذَا . وَقِيلَ : فِي الْكَلَام حَذْف , وَالتَّقْدِير : مَا مَنَعَك مِنْ الطَّاعَة وَأَحْوَجَك إِلَى أَلَّا تَسْجُد . قَالَ الْعُلَمَاء : الَّذِي أَحْوَجَهُ إِلَى تَرْك السُّجُود هُوَ الْكِبْر وَالْحَسَد ; وَكَانَ أَضْمَرَ ذَلِكَ فِي نَفْسه إِذَا أُمِرَ بِذَلِكَ . وَكَانَ أَمْره مِنْ قَبْل خَلْق آدَم ; يَقُول اللَّه تَعَالَى : | إِنِّي خَالِق بَشَرًا مِنْ طِين . فَإِذَا سَوَّيْته وَنَفَخْت فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ | [ ص : 71 - 72 ] . فَكَأَنَّهُ دَخَلَهُ أَمْر عَظِيم مِنْ قَوْله | فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ | . فَإِنَّ فِي الْوُقُوع تَوْضِيع الْوَاقِع وَتَشْرِيفًا لِمَنْ وَقَعَ لَهُ ; فَأَضْمَرَ فِي نَفْسه أَلَّا يَسْجُد إِذَا أَمَرَهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْت . فَلَمَّا نُفِخَ فِيهِ الرُّوح وَقَعَتْ الْمَلَائِكَة سُجَّدًا , وَبَقِيَ هُوَ قَائِمًا بَيْن أَظْهُرِهِمْ ; فَأَظْهَرَ بِقِيَامِهِ وَتَرَكَ السُّجُود مَا فِي ضَمِيره . فَقَالَ اللَّه تَعَالَى : | مَا مَنَعَك أَلَّا تَسْجُد | أَيْ مَا مَنَعَك مِنْ الِانْقِيَاد لِأَمْرِي ; فَأَخْرَجَ سِرَّ ضَمِيره فَقَالَ : | أَنَا خَيْر مِنْهُ | .|إِذْ أَمَرْتُكَ|يَدُلّ عَلَى مَا يَقُولهُ الْفُقَهَاء مِنْ أَنَّ الْأَمْر يَقْتَضِي الْوُجُوب بِمُطْلَقِهِ مِنْ غَيْر قَرِينَة ; لِأَنَّ الذَّمّ عُلِّقَ عَلَى تَرْك الْأَمْر الْمُطْلَق الَّذِي هُوَ قَوْله عَزَّ وَجَلَّ لِلْمَلَائِكَةِ : | اُسْجُدُوا لِآدَم | وَهَذَا بَيِّن .|قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ|أَيْ مَنَعَنِي مِنْ السُّجُود فَضْلِي عَلَيْهِ ; فَهَذَا مِنْ إِبْلِيس جَوَاب عَلَى الْمَعْنَى . كَمَا تَقُول : لِمَنْ هَذِهِ الدَّار ؟ فَيَقُول الْمُخَاطَب : مَالِكهَا زَيْد . فَلَيْسَ هَذَا عَيْن الْجَوَاب , بَلْ هُوَ كَلَام يَرْجِع إِلَى مَعْنَى الْجَوَاب .|خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ|فَرَأَى أَنَّ النَّار أَشْرَف مِنْ الطِّين ; لِعُلُوِّهَا وَصُعُودهَا وَخِفَّتِهَا , وَلِأَنَّهَا جَوْهَر مُضِيء . قَالَ اِبْن عَبَّاس وَالْحَسَن وَابْن سِيرِينَ : أَوَّل مَنْ قَاسَ إِبْلِيس فَأَخْطَأَ الْقِيَاس . فَمَنْ قَاسَ الدِّين بِرَأْيِهِ قَرَنَهُ مَعَ إِبْلِيس . قَالَ اِبْن سِيرِينَ : وَمَا عُبِدَتْ الشَّمْس وَالْقَمَر إِلَّا بِالْمَقَايِيسِ . وَقَالَتْ الْحُكَمَاء : أَخْطَأَ عَدُوّ اللَّه مِنْ حَيْثُ فَضَّلَ النَّار عَلَى الطِّين , وَإِنْ كَانَا فِي دَرَجَة وَاحِدَة مِنْ حَيْثُ هِيَ جَمَاد مَخْلُوق . فَإِنَّ الطِّين أَفْضَل مِنْ النَّار مِنْ وُجُوه أَرْبَعَة : أَحَدهَا : أَنَّ مِنْ جَوْهَر الطِّين الرَّزَانَة وَالسُّكُون , وَالْوَقَار وَالْأَنَاة , وَالْحِلْم , وَالْحَيَاء , وَالصَّبْر . وَذَلِكَ هُوَ الدَّاعِي لِآدَم عَلَيْهِ السَّلَام بَعْد السَّعَادَة الَّتِي سَبَقَتْ لَهُ إِلَى التَّوْبَة وَالتَّوَاضُع وَالتَّضَرُّع , فَأَوْرَثَهُ الْمَغْفِرَة وَالِاجْتِبَاء وَالْهِدَايَة . وَمِنْ جَوْهَر النَّار الْخِفَّة , وَالطَّيْش , وَالْحِدَّة , وَالِارْتِفَاع , وَالِاضْطِرَاب . وَذَلِكَ هُوَ الدَّاعِي لِإِبْلِيس بَعْد الشَّقَاوَة الَّتِي سَبَقَتْ لَهُ إِلَى الِاسْتِكْبَار وَالْإِصْرَار ; فَأَوْرَثَهُ الْهَلَاك وَالْعَذَاب وَاللَّعْنَة وَالشَّقَاء ; قَالَهُ الْقَفَّال . الثَّانِي : أَنَّ الْخَبَر نَاطِق بِأَنَّ تُرَاب الْجَنَّة مِسْك أَذْفَر , وَلَمْ يَنْطِق الْخَبَر بِأَنَّ فِي الْجَنَّة نَارًا وَأَنَّ فِي النَّار تُرَابًا . الثَّالِث : أَنَّ النَّار سَبَب الْعَذَاب , وَهِيَ عَذَاب اللَّه لِأَعْدَائِهِ ; وَلَيْسَ التُّرَاب سَبَبًا لِلْعَذَابِ . الرَّابِع : أَنَّ الطِّين مُسْتَغْنٍ عَنْ النَّار , وَالنَّار مُحْتَاجَة إِلَى الْمَكَان وَمَكَانهَا التُّرَاب . قُلْت : وَيَحْتَمِل قَوْلًا خَامِسًا , وَهُوَ أَنَّ التُّرَاب مَسْجِد وَطَهُور ; كَمَا جَاءَ فِي صَحِيح الْحَدِيث . وَالنَّار تَخْوِيف وَعَذَاب ; كَمَا قَالَ تَعَالَى : | ذَلِكَ يُخَوِّف اللَّه بِهِ عِبَاده | [ الزُّمَر : 16 ] . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : كَانَتْ الطَّاعَة أَوْلَى بِإِبْلِيسَ مِنْ الْقِيَاس فَعَصَى رَبّه , وَهُوَ أَوَّل مَنْ قَاسَ بِرَأْيِهِ . وَالْقِيَاس فِي مُخَالَفَة النَّصّ مَرْدُود . الرَّابِعَة : وَاخْتَلَفَ النَّاس فِي الْقِيَاس إِلَى قَائِلٍ بِهِ , وَرَادٍّ لَهُ ; فَأَمَّا الْقَائِلُونَ بِهِ فَهُمْ الصَّحَابَة وَالتَّابِعُونَ , وَجُمْهُور مَنْ بَعْدَهُمْ , وَأَنَّ التَّعَبُّد بِهِ جَائِزٌ عَقْلًا وَاقِعٌ شَرْعًا , وَهُوَ الصَّحِيح . وَذَهَبَ الْقَفَّال مِنْ الشَّافِعِيَّة وَأَبُو الْحَسَن الْبَصْرِيّ إِلَى وُجُوب التَّعَبُّد بِهِ عَقْلًا . وَذَهَبَ النَّظَّام إِلَى أَنَّهُ يَسْتَحِيل التَّعَبُّد بِهِ عَقْلًا وَشَرْعًا ; وَرَدَّهُ بَعْض أَهْل الظَّاهِر . وَالْأَوَّل الصَّحِيح . قَالَ الْبُخَارِيّ فِي ( كِتَاب الِاعْتِصَام بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّة ) : الْمَعْنَى لَا عِصْمَة لِأَحَدٍ إِلَّا فِي كِتَاب اللَّه أَوْ سُنَّة نَبِيّه أَوْ فِي إِجْمَاع الْعُلَمَاء إِذَا وُجِدَ فِيهَا الْحُكْم فَإِنْ لَمْ يُوجَد فَالْقِيَاس . وَقَدْ تَرْجَمَ عَلَى هَذَا ( بَاب مَنْ شَبَّهَ أَصْلًا مَعْلُومًا بِأَصْلٍ مُبَيَّنٍ قَدْ بَيَّنَ اللَّهُ حُكْمَهَا لِيَفْهَمَ السَّائِلُ ) . وَتَرْجَمَ بَعْد هَذَا ( بَاب الْأَحْكَام الَّتِي تُعْرَف بِالدَّلَائِلِ وَكَيْفَ مَعْنَى الدَّلَالَة وَتَفْسِيرهَا ) . وَقَالَ الطَّبَرِيّ : الِاجْتِهَاد وَالِاسْتِنْبَاط مِنْ كِتَاب اللَّه وَسُنَّة نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِجْمَاع الْأُمَّة هُوَ الْحَقّ الْوَاجِب , وَالْفَرْض اللَّازِم لِأَهْلِ الْعِلْم . وَبِذَلِكَ جَاءَتْ الْأَخْبَار عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَعَنْ جَمَاعَة الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ . وَقَالَ أَبُو تَمَّام الْمَالِكِيّ : أَجْمَعَتْ الْأُمَّة عَلَى الْقِيَاس ; فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى قِيَاس الذَّهَب وَالْوَرِق فِي الزَّكَاة . وَقَالَ أَبُو بَكْر : أَقِيلُونِي بَيْعَتِي . فَقَالَ عَلِيّ : وَاَللَّه لَا نُقِيلُك وَلَا نَسْتَقِيلُك , رَضِيَك رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِدِينِنَا أَفَلَا نَرْضَاك لِدُنْيَانَا ؟ فَقَاسَ الْإِمَامَة عَلَى الصَّلَاة . وَقَاسَ الصِّدِّيق الزَّكَاة عَلَى الصَّلَاة وَقَالَ : وَاَللَّه لَا أُفَرِّق بَيْن مَا جَمَعَ اللَّه . وَصَرَّحَ عَلِيّ بِالْقِيَاسِ فِي شَارِب الْخَمْر بِمَحْضَرٍ مِنْ الصَّحَابَة وَقَالَ : إِنَّهُ إِذَا سَكِرَ هَذَى , وَإِذَا هَذَى اِفْتَرَى ; فَحَدُّهُ حَدُّ الْقَاذِف . وَكَتَبَ عُمَر إِلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ كِتَابًا فِيهِ : الْفَهْم الْفَهْم فِيمَا يَخْتَلِج فِي صَدْرك مِمَّا لَمْ يَبْلُغْك فِي الْكِتَاب وَالسُّنَّة , اعْرِف الْأَمْثَال وَالْأَشْبَاه , ثُمَّ قِسْ الْأُمُور عِنْد ذَلِكَ , فَاعْمِدْ إِلَى أَحَبِّهَا إِلَى اللَّه تَعَالَى وَأَشْبَهِهَا بِالْحَقِّ فِيمَا تَرَى . الْحَدِيث بِطُولِهِ ذَكَرَهُ الدَّار قُطْنِيّ . وَقَدْ قَالَ أَبُو عُبَيْدَة لِعُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا فِي حَدِيث الْوَبَاء , حِين رَجَعَ عُمَر مِنْ سَرْغ : نَفِرُّ مِنْ قَدَر اللَّه ؟ فَقَالَ عُمَر : نَعَمْ ! نَفِرُّ مِنْ قَدَر اللَّه إِلَى قَدَر اللَّه . ثُمَّ قَالَ لَهُ عُمَر : أَرَأَيْت . . . فَقَايَسَهُ وَنَاظَرَهُ بِمَا يُشْبِه مِنْ مَسْأَلَته بِمَحْضَرٍ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَار , وَحَسْبُك . وَأَمَّا الْآثَار وَآي الْقُرْآن فِي هَذَا الْمَعْنَى فَكَثِير . وَهُوَ يَدُلّ عَلَى أَنَّ الْقِيَاس أَصْل مِنْ أُصُول الدِّين , وَعِصْمَة مِنْ عِصَم الْمُسْلِمِينَ , يَرْجِع إِلَيْهِ الْمُجْتَهِدُونَ , وَيَفْزَع إِلَيْهِ الْعُلَمَاء الْعَامِلُونَ , فَيَسْتَنْبِطُونَ بِهِ الْأَحْكَام . وَهَذَا قَوْل الْجَمَاعَة الَّذِينَ هُمْ الْحُجَّة , وَلَا يُلْتَفَت إِلَى مَنْ شَذَّ عَنْهَا . وَأَمَّا الرَّأْي الْمَذْمُوم وَالْقِيَاس الْمُتَكَلَّف الْمَنْهِيّ عَنْهُ فَهُوَ مَا لَمْ يَكُنْ عَلَى هَذِهِ الْأُصُول الْمَذْكُورَة ; لِأَنَّ ذَلِكَ ظَنٌّ وَنَزْغٌ مِنْ الشَّيْطَان ; قَالَ اللَّه تَعَالَى : | وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَك بِهِ عِلْم | [ الْإِسْرَاء : 36 ] . وَكُلّ مَا يُورِدهُ الْمُخَالِف مِنْ الْأَحَادِيث الضَّعِيفَة وَالْأَخْبَار الْوَاهِيَة فِي ذَمّ الْقِيَاس فَهِيَ مَحْمُولَة عَلَى هَذَا النَّوْع مِنْ الْقِيَاس الْمَذْمُوم , الَّذِي لَيْسَ لَهُ فِي الشَّرْع أَصْل مَعْلُوم . وَتَتْمِيم هَذَا الْبَاب فِي كُتُب الْأُصُول .

قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ

أَيْ مِنْ السَّمَاء .|فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا|لِأَنَّ أَهْلَهَا الْمَلَائِكَة الْمُتَوَاضِعُونَ .|فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ|أَيْ مِنْ الْأَذَلِّينَ . وَدَلَّ هَذَا أَنَّ مَنْ عَصَى مَوْلَاهُ فَهُوَ ذَلِيل . وَقَالَ أَبُو رَوْق وَالْبَجَلِيّ : | فَاهْبِطْ مِنْهَا | أَيْ مِنْ صُورَتك الَّتِي أَنْتَ فِيهَا ; لِأَنَّهُ اِفْتَخَرَ بِأَنَّهُ مِنْ النَّار فَشُوِّهَتْ صُورَته بِالْإِظْلَامِ وَزَوَال إِشْرَاقه . وَقِيلَ : | فَاهْبِطْ مِنْهَا | أَيْ اِنْتَقِلْ مِنْ الْأَرْض إِلَى جَزَائِر الْبِحَار ; كَمَا يُقَال : هَبَطْنَا أَرْض كَذَا أَيْ اِنْتَقَلْنَا إِلَيْهَا مِنْ مَكَان آخَر , فَكَأَنَّهُ أُخْرِجَ مِنْ الْأَرْض إِلَى جَزَائِر الْبِحَار فَسُلْطَانه فِيهَا , فَلَا يَدْخُل الْأَرْض إِلَّا كَهَيْئَةِ السَّارِق يَخَاف فِيهَا حَتَّى يَخْرُج مِنْهَا . وَالْقَوْل الْأَوَّل أَظْهَر . وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي | الْبَقَرَة |

قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ

سَأَلَ النَّظِرَة وَالْإِمْهَال إِلَى يَوْم الْبَعْث وَالْحِسَاب . طَلَبَ أَلَّا يَمُوت لِأَنَّ يَوْم الْبَعْث لَا مَوْت بَعْده ;<BR> سَأَلَ النَّظِرَة وَالْإِمْهَال إِلَى يَوْم الْبَعْث وَالْحِسَاب . طَلَبَ أَلَّا يَمُوت لِأَنَّ يَوْم الْبَعْث لَا مَوْت بَعْده ;'

قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ

قَالَ اِبْن عَبَّاس وَالسُّدِّيّ وَغَيْرهُمَا : أَنْظَرَهُ إِلَى النَّفْخَة الْأُولَى حَيْثُ يَمُوت الْخَلْق كُلّهمْ . وَكَانَ طَلَبَ الْإِنْظَارَ إِلَى النَّفْخَة الثَّانِيَة حَيْثُ يَقُوم النَّاس لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ; فَأَبَى اللَّه ذَلِكَ عَلَيْهِ . وَقَالَ : | إِلَى يَوْم يُبْعَثُونَ | وَلَمْ يَتَقَدَّم ذِكْر مَنْ يُبْعَث ; لِأَنَّ الْقِصَّة فِي آدَم وَذُرِّيَّته , فَدَلَّتْ الْقَرِينَة عَلَى أَنَّهُمْ هُمْ الْمَبْعُوثُونَ .

قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ

الْإِغْوَاء إِيقَاع الْغَيّ فِي الْقَلْب ; أَيْ فَبِمَا أَوْقَعْت فِي قَلْبِي مِنْ الْغَيّ وَالْعِنَاد وَالِاسْتِكْبَار . وَهَذَا لِأَنَّ كُفْر إِبْلِيس لَيْسَ كُفْر جَهْل ; بَلْ هُوَ كُفْر عِنَاد وَاسْتِكْبَار . وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي | الْبَقَرَة | . قِيلَ : مَعْنَى الْكَلَام الْقَسَم , أَيْ فَبِإِغْوَائِك إِيَّايَ لَأَقْعُدَن لَهُمْ عَلَى صِرَاطِك , أَوْ فِي صِرَاطِك ; فَحُذِفَ . دَلِيل عَلَى هَذَا الْقَوْل قَوْله فِي ( ص ) : | فَبِعِزَّتِك لَأُغْوِيَنهمْ أَجْمَعِينَ | [ ص : 82 ] فَكَأَنَّ إِبْلِيس أَعْظَمَ قَدْرَ إِغْوَاء اللَّه إِيَّاهُ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّسْلِيط عَلَى الْعِبَاد , فَأَقْسَمَ بِهِ إِعْظَامًا لِقَدْرِهِ عِنْده . وَقِيلَ : الْبَاء بِمَعْنَى اللَّام , كَأَنَّهُ قَالَ : فَلِإِغْوَائِك إِيَّايَ . وَقِيلَ : هِيَ بِمَعْنَى مَعَ , وَالْمَعْنَى فَمَعَ إِغْوَائِك إِيَّايَ . وَقِيلَ : هُوَ اِسْتِفْهَام , كَأَنَّهُ سَأَلَ بِأَيِّ شَيْء أَغْوَاهُ ؟ . وَكَانَ يَنْبَغِي عَلَى هَذَا أَنْ يَكُون : فَبِمَ أَغْوَيْتنِي ؟ . وَقِيلَ : الْمَعْنَى فَبِمَا أَهْلَكْتنِي بِلَعْنِك إِيَّايَ . وَالْإِغْوَاء الْإِهْلَاك , قَالَ اللَّه تَعَالَى : | فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا | [ مَرْيَم : 59 ] أَيْ هَلَاكًا . وَقِيلَ : فَبِمَا أَضْلَلْتنِي . وَالْإِغْوَاء : الْإِضْلَال وَالْإِبْعَاد ; قَالَ اِبْن عَبَّاس . وَقِيلَ : خَيَّبْتنِي مِنْ رَحْمَتك ; وَمِنْهُ قَوْل الشَّاعِر : <br>وَمَنْ يَغْوِ لَا يَعْدَم عَلَى الْغَيِّ لَائِمَا <br>أَيْ مَنْ يَخِبْ . وَقَالَ اِبْن الْأَعْرَابِيّ : يُقَال غَوَى الرَّجُل يَغْوِي غَيًّا إِذَا فَسَدَ عَلَيْهِ أَمْره , أَوْ فَسَدَ هُوَ فِي نَفْسه . وَهُوَ أَحَد مَعَانِي قَوْله تَعَالَى : | وَعَصَى آدَم رَبّه فَغَوَى | [ طَه : 121 ] أَيْ فَسَدَ عَيْشه فِي الْجَنَّة . وَيُقَال : غَوَى الْفَصِيل إِذَا لَمْ يَدْرِ لَبَن أُمّه . مَذْهَب أَهْل السُّنَّة أَنَّ اللَّه تَعَالَى أَضَلَّهُ وَخَلَقَ فِيهِ الْكُفْر ; وَلِذَلِكَ نَسَبَ الْإِغْوَاء فِي هَذَا إِلَى اللَّه تَعَالَى . وَهُوَ الْحَقِيقَة , فَلَا شَيْء فِي الْوُجُود إِلَّا وَهُوَ مَخْلُوق لَهُ , صَادِر عَنْ إِرَادَته تَعَالَى . وَخَالَفَ الْإِمَامِيَّة وَالْقَدَرِيَّة وَغَيْرهمَا شَيْخَهُمْ إِبْلِيس الَّذِي طَاوَعُوهُ فِي كُلّ مَا زَيَّنَهُ لَهُمْ , وَلَمْ يُطَاوِعُوهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة وَيَقُولُونَ : أَخْطَأَ إِبْلِيس , وَهُوَ أَهْل لِلْخَطَأِ حَيْثُ نَسَبَ الْغَوَايَة إِلَى رَبّه , تَعَالَى اللَّه عَنْ ذَلِكَ . فَيُقَال لَهُمْ : وَإِبْلِيس وَإِنْ كَانَ أَهْلًا لِلْخَطَأِ فَمَا تَصْنَعُونَ فِي نَبِيّ مُكَرَّم مَعْصُوم , وَهُوَ وَنُوح عَلَيْهِ السَّلَام حَيْثُ قَالَ لِقَوْمِهِ : | وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْت أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّه يُرِيد أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ | [ هُود : 34 ] وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ طَاوُسًا جَاءَهُ رَجُل فِي الْمَسْجِد الْحَرَام , وَكَانَ مُتَّهَمًا بِالْقَدَرِ , وَكَانَ مِنْ الْفُقَهَاء الْكِبَار ; فَجَلَسَ إِلَيْهِ فَقَالَ لَهُ طَاوُس : تَقُوم أَوْ تُقَام ؟ فَقِيلَ لِطَاوُس : تَقُول هَذَا لِرَجُلٍ فَقِيه ! فَقَالَ : إِبْلِيس أَفْقَه مِنْهُ , يَقُول إِبْلِيس : رَبّ بِمَا أَغْوَيْتنِي . وَيَقُول هَذَا : أَنَا أَغْوِي نَفْسِي .|لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ|أَيْ بِالصَّدِّ عَنْهُ , وَتَزْيِين الْبَاطِل حَتَّى يَهْلِكُوا كَمَا هَلَكَ , أَوْ يَضِلُّوا كَمَا ضَلَّ , أَوْ يَخِيبُوا كَمَا خُيِّبَ ; حَسَب مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْمَعَانِي الثَّلَاثَة فِي | أَغْوَيْتنِي | . وَالصِّرَاط الْمُسْتَقِيم هُوَ الطَّرِيق الْمُوَصِّل إِلَى الْجَنَّة . وَ | صِرَاطك | مَنْصُوب عَلَى حَذْف | عَلَى | أَوْ | فِي | مِنْ قَوْله : | صِرَاطك الْمُسْتَقِيم | ; كَمَا حَكَى سِيبَوَيْهِ | ضَرَبَ زَيْد الظَّهْرَ وَالْبَطْنَ | . وَأَنْشَدَ : <br>لَدْنٌ بِهَزِّ الْكَفِّ يَعْسِلُ مَتْنُهُ .......... فِيهِ كَمَا عَسَلَ الطَّرِيقَ الثَّعْلَبُ<br>

ثُمَّ لَآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ

أَيْ لَأَصُدَّنهُمْ عَنْ الْحَقّ , وَأُرَغِّبَنهُمْ فِي الدُّنْيَا , وَأُشَكِّكهُمْ فِي الْآخِرَة . وَهَذَا غَايَة فِي الضَّلَالَة . كَمَا قَالَ : | وَلْأُضِلَّنهُمْ | [ النِّسَاء : 119 ] حَسَب مَا تَقَدَّمَ . وَرَوَى سُفْيَان عَنْ مَنْصُور عَنْ الْحَكَم بْن عُتَيْبَة : | مِنْ بَيْن أَيْدِيهمْ | مِنْ دُنْيَاهُمْ . | وَمِنْ خَلْفهمْ | مِنْ آخِرَتهمْ . | وَعَنْ أَيْمَانهمْ | يَعْنِي حَسَنَاتهمْ . | وَعَنْ شَمَائِلهمْ | يَعْنِي سَيِّئَاتهمْ . قَالَ النَّحَّاس : وَهَذَا قَوْل حَسَن وَشَرْحه : أَنَّ مَعْنَى | ثُمَّ لَآتِيَنهمْ مِنْ بَيْن أَيْدِيهمْ | مِنْ دُنْيَاهُمْ , حَتَّى يُكَذِّبُوا بِمَا فِيهَا مِنْ الْآيَات وَأَخْبَار الْأُمَم السَّالِفَة | وَمِنْ خَلْفهمْ | مِنْ آخِرَتهمْ حَتَّى يُكَذِّبُوا بِهَا . | وَعَنْ أَيْمَانهمْ | مِنْ حَسَنَاتهمْ وَأُمُور دِينهمْ . وَيَدُلّ عَلَى هَذَا قَوْله : | إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنْ الْيَمِين | [ الصَّافَّات : 28 ] | وَعَنْ شَمَائِلهمْ | يَعْنِي سَيِّئَاتهمْ , أَيْ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَات ; لِأَنَّهُ يُزَيِّنهَا لَهُمْ .|وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ|أَيْ مُوَحِّدِينَ طَائِعِينَ مُظْهِرِينَ الشُّكْر .

قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ

أَيْ مِنْ الْجَنَّة .|مَذْءُومًا مَدْحُورًا|| مَذْءُومًا | أَيْ مَذْمُومًا . وَالذَّأْم : الْعَيْب , بِتَخْفِيفِ الْمِيم . قَالَ اِبْن زَيْد : مَذْءُومًا وَمَذْمُومًا سَوَاء ; يُقَال : ذَأَمْته وَذَمَمْته وَذِمْته بِمَعْنًى وَاحِد . وَقَرَأَ الْأَعْمَش | مَذُومًا | . وَالْمَعْنَى وَاحِد ; إِلَّا أَنَّهُ خَفَّفَ الْهَمْزَة . وَقَالَ مُجَاهِد : الْمَذْءُوم الْمَنْفِيّ . وَالْمَعْنَيَانِ مُتَقَارِبَانِ . وَالْمَدْحُور : الْمُبْعَد الْمَطْرُود ; عَنْ مُجَاهِد وَغَيْره . وَأَصْله الدَّفْع .|لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ|اللَّام لَام الْقَسَم , وَالْجَوَاب | لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّم | . وَقِيلَ : | لَمَنْ تَبِعَك | لَام تَوْكِيد . | لَأَمْلَأَنَّ | لَام قَسَم . وَالدَّلِيل عَلَى هَذَا أَنَّهُ يَجُوز فِي غَيْر الْقِرَاءَة حَذْف اللَّام الْأُولَى , وَلَا يَجُوز حَذْف الثَّانِيَة . وَفِي الْكَلَام مَعْنَى الشَّرْط وَالْمُجَازَاة ; أَيْ مَنْ تَبِعَك عَذَّبْته . وَلَوْ قُلْت : مَنْ تَبِعَك أُعَذِّبهُ لَمْ يَجُزْ ; إِلَّا أَنْ تُرِيد لَأُعَذِّبهُ . وَقَرَأَ عَاصِم مِنْ رِوَايَة أَبِي بَكْر بْن عَيَّاش | لِمَنْ تَبِعَك مِنْهُمْ | بِكَسْرِ اللَّام . وَأَنْكَرَهُ بَعْض النَّحْوِيِّينَ . قَالَ النَّحَّاس : وَتَقْدِيره - وَاَللَّه أَعْلَم - مِنْ أَجْل مَنْ تَبِعَك . كَمَا يُقَال : أَكْرَمْت فُلَانًا لَك . وَقَدْ يَكُون الْمَعْنَى : الدَّحْر لِمَنْ تَبِعَك . وَمَعْنَى | مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ | أَيْ مِنْكُمْ وَمِنْ بَنِي آدَم ; لِأَنَّ ذِكْرَهُمْ قَدْ جَرَى إِذْ قَالَ : | وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ | [ الْأَعْرَاف : 11 ] . خَاطَبَ وَلَد آدَم .

وَيَا آَدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ

قَالَ لِآدَم بَعْد إِخْرَاج إِبْلِيس مِنْ مَوْضِعه مِنْ السَّمَاء : اُسْكُنْ أَنْتَ وَحَوَّاء الْجَنَّة . لَا خِلَاف أَنَّ اللَّه تَعَالَى أَخْرَجَ إِبْلِيس عِنْد كُفْره وَأَبْعَدَهُ عَنْ الْجَنَّة , وَبَعْد إِخْرَاجه قَالَ لِآدَم : اُسْكُنْ , أَيْ لَازِمْ الْإِقَامَة وَاِتَّخِذْهَا مَسْكَنًا , وَهُوَ مَحَلّ السُّكُون . وَسَكَنَ إِلَيْهِ يَسْكُن سُكُونًا . وَالسَّكَن : النَّار , قَالَ الشَّاعِر : <br>قَدْ قُوِّمَتْ بِسَكَنٍ وَأَدْهَان <br>وَالسَّكَن : كُلّ مَا سُكِنَ إِلَيْهِ . وَالسِّكِّين مَعْرُوف سُمِّيَ بِهِ لِأَنَّهُ يُسَكِّن حَرَكَة الْمَذْبُوح , وَمِنْهُ الْمِسْكِين لِقِلَّةِ تَصَرُّفه وَحَرَكَته . وَسُكَّان السَّفِينَة عَرَبِيّ , لِأَنَّهُ يُسْكِنهَا عَنْ الِاضْطِرَاب . | اُسْكُنْ | تَنْبِيه عَلَى الْخُرُوج ; لِأَنَّ السُّكْنَى لَا تَكُون مِلْكًا , وَلِهَذَا قَالَ بَعْض الْعَارِفِينَ : السُّكْنَى تَكُون إِلَى مُدَّة ثُمَّ تَنْقَطِع , فَدُخُولهمَا فِي الْجَنَّة كَانَ دُخُول سُكْنًى لَا دُخُول إِقَامَة . قُلْت : وَإِذَا كَانَ هَذَا فَيَكُون فِيهِ دَلَالَة عَلَى مَا يَقُول الْجُمْهُور مِنْ الْعُلَمَاء : إِنَّ مَنْ أَسْكَنَ رَجُلًا مَسْكَنًا لَهُ أَنَّهُ لَا يَمْلِكهُ بِالسُّكْنَى , وَأَنَّ لَهُ أَنْ يُخْرِجَهُ إِذَا اِنْقَضَتْ مُدَّة الْإِسْكَان . وَكَانَ الشَّعْبِيُّ يَقُول : إِذَا قَالَ الرَّجُل دَارِي لَك سُكْنًى حَتَّى تَمُوت فَهِيَ لَهُ حَيَاته وَمَوْته , وَإِذَا قَالَ : دَارِي هَذِهِ اُسْكُنْهَا حَتَّى تَمُوت فَإِنَّهَا تَرْجِع إِلَى صَاحِبهَا إِذَا مَاتَ . وَنَحْو مِنْ السُّكْنَى الْعُمْرَى , إِلَّا أَنَّ الْخِلَاف فِي الْعُمْرَى أَقْوَى مِنْهُ فِي السُّكْنَى . وَسَيَأْتِي الْكَلَام فِي الْعُمْرَى فِي | هُود | إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى . قَالَ الْحَرْبِيّ : سَمِعْت اِبْن الْإِعْرَابِيّ يَقُول : لَمْ يَخْتَلِف الْعَرَب فِي أَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاء عَلَى مِلْك أَرْبَابهَا وَمَنَافِعهَا لِمَنْ جُعِلَتْ لَهُ الْعُمْرَى وَالرُّقْبَى وَالْإِفْقَار وَالْإِخْبَال وَالْمِنْحَة وَالْعَرِيَّة وَالسُّكْنَى وَالْإِطْرَاق . وَهَذَا حُجَّة مَالِك وَأَصْحَابه فِي أَنَّهُ لَا يُمْلَك شَيْء مِنْ الْعَطَايَا إِلَّا الْمَنَافِع دُون الرِّقَاب , وَهُوَ قَوْل اللَّيْث بْن سَعْد وَالْقَاسِم بْن مُحَمَّد , وَيَزِيد بْن قُسَيْط . وَالْعُمْرَى : هُوَ إِسْكَانك الرَّجُل فِي دَار لَك مُدَّة عُمْرك أَوْ عُمْره . وَمِثْله الرُّقْبَى : وَهُوَ أَنْ يَقُول : إِنْ مِتَّ قَبْلِي رَجَعَتْ إِلَيَّ وَإِنْ مِتُّ قَبْلك فَهِيَ لَك , وَهِيَ مِنْ الْمُرَاقَبَة . وَالْمُرَاقَبَة : أَنْ يَرْقُب كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا مَوْت صَاحِبه , وَلِذَلِكَ اِخْتَلَفُوا فِي إِجَازَتهَا وَمَنْعهَا , فَأَجَازَهَا أَبُو يُوسُف وَالشَّافِعِيّ , وَكَأَنَّهَا وَصِيَّة عِنْدهمْ . وَمَنَعَهَا مَالِكٌ وَالْكُوفِيُّونَ , لِأَنَّ كُلّ وَاحِد مِنْهُمْ يَقْصِد إِلَى عِوَض لَا يَدْرِي هَلْ يَحْصُل لَهُ , وَيَتَمَنَّى كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا مَوْت صَاحِبه . وَفِي الْبَاب حَدِيثَانِ أَيْضًا بِالْإِجَازَةِ وَالْمَنْع ذَكَرَهُمَا اِبْن مَاجَهْ فِي سُنَنه , الْأَوَّل رَوَاهُ جَابِر بْن عَبْد اللَّه قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( الْعُمْرَى جَائِزَة لِمَنْ أُعْمِرَهَا وَالرُّقْبَى جَائِزَة لِمَنْ أُرْقِبَهَا ) فَفِي هَذَا الْحَدِيث التَّسْوِيَة بَيْن الْعُمْرَى وَالرُّقْبَى فِي الْحُكْم . الثَّانِي رَوَاهُ اِبْن عُمَر قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا رُقْبَى فَمَنْ أُرْقِبَ شَيْئًا فَهُوَ لَهُ حَيَاته وَمَمَاته ) . قَالَ : وَالرُّقْبَى أَنْ يَقُول هُوَ لِلْآخَرِ : مِنِّي وَمِنْك مَوْتًا . فَقَوْله : ( لَا رُقْبَى ) نَهْي يَدُلّ عَلَى الْمَنْع , وَقَوْله : ( مَنْ أُرْقِبَ شَيْئًا فَهُوَ لَهُ ) يَدُلّ عَلَى الْجَوَاز , وَأَخْرَجَهُمَا أَيْضًا النَّسَائِيّ . وَذُكِرَ عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : الْعُمْرَى وَالرُّقْبَى سَوَاء . وَقَالَ اِبْن الْمُنْذِر : ثَبَتَ أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( الْعُمْرَى جَائِزَة لِمَنْ أُعْمِرَهَا وَالرُّقْبَى جَائِزَة لِمَنْ أُرْقِبَهَا ) . فَقَدْ صَحَّحَ الْحَدِيث اِبْن الْمُنْذِر , وَهُوَ حُجَّة لِمَنْ قَالَ بِأَنَّ الْعُمْرَى وَالرُّقْبَى سَوَاء . وَرُوِيَ عَنْ عَلِيّ وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيّ وَأَحْمَد , وَأَنَّهَا لَا تَرْجِع إِلَى الْأَوَّل أَبَدًا , وَبِهِ قَالَ إِسْحَاق . وَقَالَ طَاوُس : مَنْ أُرْقِبَ شَيْئًا فَهُوَ سَبِيل الْمِيرَاث . وَالْإِفْقَار مَأْخُوذ مِنْ فَقَار الظَّهْر . أَفْقَرْتُك نَاقَتِي : أَعَرْتُك فَقَارهَا لِتَرْكَبَهَا . وَأَفْقَرَك الصَّيْد إِذَا أَمْكَنَك مِنْ فَقَاره حَتَّى تَرْمِيه . وَمِثْله الْإِخْبَال , يُقَال : أَخْبَلْت فُلَانًا إِذَا أَعَرْته نَاقَة يَرْكَبهَا أَوْ فَرَسًا يَغْزُو عَلَيْهِ , قَالَ زُهَيْر : <br>هُنَالِكَ إِنْ يُسْتَخْبَلُوا الْمَال يُخْبِلُوا .......... وَإِنْ يُسْأَلُوا يُعْطُوا وَإِنْ يَيْسِرُوا يَغْلُوا <br>وَالْمِنْحَة : الْعَطِيَّة . وَالْمِنْحَة : مِنْحَة اللَّبَن . وَالْمَنِيحَة : النَّاقَة أَوْ الشَّاة يُعْطِيهَا الرَّجُل آخَر يَحْتَلِبهَا ثُمَّ يَرُدّهَا , قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( الْعَارِيَة مُؤَدَّاة وَالْمِنْحَة مَرْدُودَة وَالدَّيْن مَقْضِيّ وَالزَّعِيم غَارِم ) . رَوَاهُ أَبُو أُمَامَة , أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ وَالدَّار قُطْنِيّ وَغَيْرهمَا , وَهُوَ صَحِيح . وَالْإِطْرَاق : إِعَارَة الْفَحْل , اِسْتَطْرَقَ فُلَان فُلَانًا فَحْلَهُ : إِذَا طَلَبَهُ لِيَضْرِب فِي إِبِله , فَأَطْرَقَهُ إِيَّاهُ , وَيُقَال : أَطْرِقْنِي فَحْلَك أَيْ أَعِرْنِي فَحْلَك لِيَضْرِب فِي إِبِلِي . وَطَرَقَ الْفَحْل النَّاقَة يَطْرُق طُرُوقًا أَيْ قَعَا عَلَيْهَا . وَطَرُوقَة الْفَحْل : أُنْثَاهُ ; يُقَال : نَاقَة طَرُوقَة الْفَحْل لِلَّتِي بَلَغَتْ أَنْ يَضْرِبهَا الْفَحْل . | أَنْتَ وَزَوْجُك | | أَنْتَ | تَأْكِيد لِلْمُضْمَرِ الَّذِي فِي الْفِعْل , وَمِثْله | فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّك | . وَلَا يَجُوز اُسْكُنْ وَزَوْجك , وَلَا اِذْهَبْ وَرَبّك , إِلَّا فِي ضَرُورَة الشِّعْر , كَمَا قَالَ : <br>قُلْت إِذْ أَقْبَلَتْ وَزُهْر تَهَادَى .......... كَنِعَاجِ الْمَلَا تَعَسَّفْنَ رَمْلَا <br>ف | زُهْر | مَعْطُوف عَلَى الْمُضْمَر فِي | أَقْبَلَتْ | وَلَمْ يُؤَكَّد ذَلِكَ الْمُضْمَر . وَيَجُوز فِي غَيْر الْقُرْآن عَلَى بُعْد : قُمْ وَزَيْد . قَوْله تَعَالَى : | وَزَوْجُك | لُغَة الْقُرْآن | زَوْج | بِغَيْرِ هَاء , وَقَدْ جَاءَ فِي صَحِيح مُسْلِم : | زَوْجَة | حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن مَسْلَمَة بْن قَعْنَب قَالَ حَدَّثَنَا حَمَّاد بْن سَلَمَة عَنْ ثَابِت الْبُنَانِيّ عَنْ أَنَس أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مَعَ إِحْدَى نِسَائِهِ فَمَرَّ بِهِ رَجُل فَدَعَاهُ فَجَاءَ فَقَالَ : ( يَا فُلَان هَذِهِ زَوْجَتِي فُلَانَة ) : فَقَالَ يَا رَسُول اللَّه , مَنْ كُنْت أَظُنّ بِهِ فَلَمْ أَكُنْ أَظُنّ بِك , فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ الشَّيْطَان يَجْرِي مِنْ الْإِنْسَان مَجْرَى الدَّم ) . وَزَوْج آدَم عَلَيْهِ السَّلَام هِيَ حَوَّاء عَلَيْهَا السَّلَام , وَهُوَ أَوَّل مَنْ سَمَّاهَا بِذَلِكَ حِين خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعِه مِنْ غَيْر أَنْ يَحُسّ آدَم عَلَيْهِ السَّلَام بِذَلِكَ , وَلَوْ أَلِمَ بِذَلِكَ لَمْ يَعْطِف رَجُل عَلَى اِمْرَأَته , فَلَمَّا اِنْتَبَهَ قِيلَ لَهُ : مَنْ هَذِهِ ؟ قَالَ : اِمْرَأَة قِيلَ : وَمَا اِسْمهَا ؟ قَالَ : حَوَّاء , قِيلَ : وَلِمَ سُمِّيَتْ اِمْرَأَة ؟ قَالَ : لِأَنَّهَا مِنْ الْمَرْء أُخِذَتْ , قِيلَ : وَلِمَ سُمِّيَتْ حَوَّاء ؟ قَالَ : لِأَنَّهَا خُلِقَتْ مِنْ حَيٍّ . رُوِيَ أَنَّ الْمَلَائِكَة سَأَلَتْهُ عَنْ ذَلِكَ لِتُجَرِّب عِلْمه , وَأَنَّهُمْ قَالُوا لَهُ : أَتُحِبُّهَا يَا آدَم ؟ قَالَ : نَعَمْ , قَالُوا لِحَوَّاء : أَتُحِبِّينَهُ يَا حَوَّاء ؟ قَالَتْ : لَا , وَفِي قَلْبِهَا أَضْعَافُ مَا فِي قَلْبه مِنْ حُبِّهِ . قَالُوا : فَلَوْ صَدَقَتْ اِمْرَأَة فِي حُبّهَا لِزَوْجِهَا لَصَدَقَتْ حَوَّاء . وَقَالَ اِبْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس : لَمَّا أُسْكِنَ آدَمُ الْجَنَّة مَشَى فِيهَا مُسْتَوْحِشًا , فَلَمَّا نَامَ خُلِقَتْ حَوَّاء مِنْ ضِلَعِهِ الْقُصْرَى مِنْ شِقّه الْأَيْسَر لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا وَيَأْنَسَ بِهَا , فَلَمَّا اِنْتَبَهَ رَآهَا فَقَالَ : مَنْ أَنْتِ ؟ قَالَتْ : اِمْرَأَة خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعِك لِتَسْكُن إِلَيَّ , وَهُوَ مَعْنَى قَوْله تَعَالَى : | هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْس وَاحِدَة وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجهَا لِيَسْكُن إِلَيْهَا | [ الْأَعْرَاف : 189 ] . قَالَ الْعُلَمَاء : وَلِهَذَا كَانَتْ الْمَرْأَة عَوْجَاء , لِأَنَّهَا خُلِقَتْ مِنْ أَعْوَج وَهُوَ الضِّلْع . وَفِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ الْمَرْأَة خُلِقَتْ مِنْ ضِلَع - فِي رِوَايَة : وَإِنَّ أَعْوَج شَيْء فِي الضِّلَع أَعْلَاهُ - لَنْ تَسْتَقِيم لَك عَلَى طَرِيقَة وَاحِدَة فَإِنْ اِسْتَمْتَعْت بِهَا اِسْتَمْتَعْت بِهَا وَبِهَا عِوَج وَإِنْ ذَهَبْت تُقِيمُهَا كَسَرْتهَا وَكَسْرُهَا طَلَاقُهَا ) . وَقَالَ الشَّاعِر : <br>هِيَ الضِّلَعُ الْعَوْجَاء لَيْسَتْ تُقِيمُهَا .......... أَلَا إِنَّ تَقْوِيمَ الضُّلُوعِ اِنْكِسَارُهَا <br><br>أَتَجْمَعُ ضَعْفًا وَاقْتِدَارًا عَلَى الْفَتَى .......... أَلَيْسَ عَجِيبًا ضَعْفهَا وَاقْتِدَارهَا <br>وَمِنْ هَذَا الْبَاب اِسْتَدَلَّ الْعُلَمَاء عَلَى مِيرَاث الْخُنْثَى الْمُشْكِل إِذَا تَسَاوَتْ فِيهِ عَلَامَات النِّسَاء وَالرِّجَال فِي اللِّحْيَة وَالثَّدْي وَالْمَبَال بِنَقْصِ الْأَعْضَاء . فَإِنْ نَقَصَتْ أَضْلَاعه عَنْ أَضْلَاع الْمَرْأَة أُعْطِيَ نَصِيب رَجُل - رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ - لِخَلْقِ حَوَّاء مِنْ أَحَد أَضْلَاعه , وَسَيَأْتِي فِي الْمَوَارِيث بَيَان هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى . | الْجَنَّة | الْبُسْتَان , وَلَا اِلْتِفَات لِمَا ذَهَبَتْ إِلَيْهِ الْمُعْتَزِلَة وَالْقَدَرِيَّة مِنْ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي جَنَّة الْخُلْد وَإِنَّمَا كَانَ فِي جَنَّة بِأَرْضِ عَدَن . وَاسْتَدَلُّوا عَلَى بِدْعَتِهِمْ بِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ جَنَّة الْخُلْد لَمَا وَصَلَ إِلَيْهِ إِبْلِيس , فَإِنَّ اللَّه يَقُول : | لَا لَغْو فِيهَا وَلَا تَأْثِيم | [ الطُّور : 23 ] وَقَالَ | لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا | [ النَّبَأ : 35 ] وَقَالَ : | لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا | [ الْوَاقِعَة : 25 - 26 ] . وَأَنَّهُ لَا يَخْرُج مِنْهَا أَهْلهَا لِقَوْلِهِ : | وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ | [ الْحِجْر : 48 ] . وَأَيْضًا فَإِنَّ جَنَّة الْخُلْد هِيَ دَار الْقُدْس , قُدِّسَتْ عَنْ الْخَطَايَا وَالْمَعَاصِي تَطْهِيرًا لَهَا . وَقَدْ لَغَا فِيهَا إِبْلِيس وَكَذَبَ , وَأُخْرِجَ مِنْهَا آدَم وَحَوَّاء بِمَعْصِيَتِهِمَا . قَالُوا : وَكَيْفَ يَجُوز عَلَى آدَم مَعَ مَكَانه مِنْ اللَّه وَكَمَال عَقْله أَنْ يَطْلُب شَجَرَة الْخُلْد وَهُوَ فِي دَار الْخُلْد وَالْمُلْك الَّذِي لَا يَبْلَى ؟ فَالْجَوَاب : أَنَّ اللَّه تَعَالَى عَرَّفَ الْجَنَّة بِالْأَلِفِ وَاللَّام , وَمَنْ قَالَ : أَسْأَل اللَّه الْجَنَّة , لَمْ يُفْهَم مِنْهُ فِي تَعَارُف الْخَلْق إِلَّا طَلَب جَنَّة الْخُلْد . وَلَا يَسْتَحِيل فِي الْعَقْل دُخُول إِبْلِيس الْجَنَّة لِتَغْرِيرِ آدَم , وَقَدْ لَقِيَ مُوسَى آدَم عَلَيْهِمَا السَّلَام فَقَالَ لَهُ مُوسَى : أَنْتَ أَشْقَيْت ذُرِّيَّتك وَأَخْرَجْتهمْ مِنْ الْجَنَّة , فَأَدْخَلَ الْأَلِف وَاللَّام لِيَدُلّ عَلَى أَنَّهَا جَنَّة الْخُلْد الْمَعْرُوفَة , فَلَمْ يُنْكِر ذَلِكَ آدَم , وَلَوْ كَانَتْ غَيْرهَا لَرَدَّ عَلَى مُوسَى , فَلَمَّا سَكَتَ آدَم عَلَى مَا قَرَّرَهُ مُوسَى صَحَّ أَنَّ الدَّار الَّتِي أَخْرَجَهُمْ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ مِنْهَا بِخِلَافِ الدَّار الَّتِي أُخْرِجُوا إِلَيْهَا . وَأَمَّا مَا اِحْتَجُّوا بِهِ مِنْ الْآيِ فَذَلِكَ إِنَّمَا جَعَلَهُ اللَّه فِيهَا بَعْد دُخُول أَهْلِهَا فِيهَا يَوْم الْقِيَامَة , وَلَا يَمْتَنِع أَنْ تَكُون دَار الْخُلْد لِمَنْ أَرَادَ اللَّه تَخْلِيده فِيهَا وَقَدْ يُخْرَج مِنْهَا مَنْ قُضِيَ عَلَيْهِ بِالْفَنَاءِ . وَقَدْ أَجْمَعَ أَهْل التَّأْوِيل عَلَى أَنَّ الْمَلَائِكَة يَدْخُلُونَ الْجَنَّة عَلَى أَهْل الْجَنَّة وَيَخْرُجُونَ مِنْهَا , وَقَدْ كَانَ مَفَاتِيحهَا بِيَدِ إِبْلِيس ثُمَّ اُنْتُزِعَتْ مِنْهُ بَعْد الْمَعْصِيَة , وَقَدْ دَخَلَهَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَة الْإِسْرَاء ثُمَّ خَرَجَ مِنْهَا وَأَخْبَرَ بِمَا فِيهَا وَأَنَّهَا هِيَ جَنَّة الْخُلْد حَقًّا . وَأَمَّا قَوْلُهُمْ : إِنَّ الْجَنَّة دَار الْقُدْس وَقَدْ طَهَّرَهَا اللَّه تَعَالَى مِنْ الْخَطَايَا فَجَهْلٌ مِنْهُمْ , وَذَلِكَ أَنَّ اللَّه تَعَالَى أَمَرَ بَنِي إِسْرَائِيل أَنْ يَدْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ وَهِيَ الشَّامُ , وَأَجْمَعَ أَهْلُ الشَّرَائِعِ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدَّسَهَا وَقَدْ شُوهِدَ فِيهَا الْمَعَاصِي وَالْكُفْرُ وَالْكَذِبُ وَلَمْ يَكُنْ تَقْدِيسُهَا مِمَّا يَمْنَع فِيهَا الْمَعَاصِي , وَكَذَلِكَ دَار الْقُدْس . قَالَ أَبُو الْحَسَن بْن بَطَّال : وَقَدْ حَكَى بَعْض الْمَشَايِخ أَنَّ أَهْل السُّنَّة مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ جَنَّة الْخُلْد هِيَ الَّتِي أُهْبِطَ مِنْهَا آدَم عَلَيْهِ السَّلَام , فَلَا مَعْنَى لِقَوْلِ مَنْ خَالَفَهُمْ . وَقَوْلهمْ : كَيْفَ يَجُوز عَلَى آدَم فِي كَمَالِ عَقْله أَنْ يَطْلُب شَجَرَة الْخُلْد وَهُوَ فِي دَار الْخُلْد , فَيُعْكَس عَلَيْهِمْ وَيُقَال : كَيْف يَجُوز عَلَى آدَم وَهُوَ فِي كَمَالِ عَقْله أَنْ يَطْلُب شَجَرَة الْخُلْد فِي دَار الْفَنَاء هَذَا مَا لَا يَجُوز عَلَى مَنْ لَهُ أَدْنَى مُسْكَة مِنْ عَقْل , فَكَيْفَ بِآدَم الَّذِي هُوَ أَرْجَح الْخَلْق عَقْلًا , عَلَى مَا قَالَ أَبُو أُمَامَة عَلَى مَا يَأْتِي .

فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآَتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ

أَيْ إِلَيْهِمَا . قِيلَ : دَاخِل الْجَنَّة دبِإِدْخَالِ الْحَيَّة إِيَّاهُ وَقِيلَ : مِنْ خَارِج , بِالسَّلْطَنَةِ الَّتِي جُعِلَتْ لَهُ . وَقَدْ مَضَى هَذَا فِي | الْبَقَرَة | وَالْوَسْوَسَة : الصَّوْت الْخَفِيُّ . وَالْوَسْوَسَة : حَدِيث النَّفْس ; يُقَال : وَسْوَسَتْ إِلَيْهِ نَفْسه وَسْوَسَة وَوِسْوَاسًا ( بِكَسْرِ الْوَاو ) . وَالْوَسْوَاس ( بِالْفَتْحِ ) : اِسْم , مِثْل الزَّلْزَال . وَيُقَال لِهَمْسِ الصَّائِد وَالْكِلَاب وَأَصْوَات الْحَلْي : وَسْوَاس . قَالَ الْأَعْشَى : <br>تَسْمَع لِلْحَلْيِ وَسْوَاسًا إِذَا اِنْصَرَفَتْ .......... كَمَا اِسْتَعَانَ بِرِيحٍ عِشْرِق زَجِل <br>وَالْوَسْوَاس : اِسْم الشَّيْطَان ; قَالَ اللَّه تَعَالَى : | مِنْ شَرّ الْوَسْوَاس الْخَنَّاس | [ النَّاس : 4 ] .|لِيُبْدِيَ لَهُمَا|أَيْ لِيُظْهِرَ لَهُمَا . وَاللَّام لَام الْعَاقِبَة ; كَمَا قَالَ : | لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا | [ الْقَصَص : 8 ] . وَقِيلَ : لَامُ كَيْ .|مَا وُورِيَ عَنْهُمَا|أَيْ سُتِرَ وَغُطِّيَ عَنْهُمَا . وَيَجُوز فِي غَيْر الْقُرْآن أُورِيَ , مِثْل أُقِّتَتْ|مِنْ سَوْآتِهِمَا|مِنْ عَوْرَاتهمَا وَسُمِّيَ الْفَرْج عَوْرَة ; لِأَنَّ إِظْهَاره يَسُوء صَاحِبه . وَدَلَّ هَذَا عَلَى قُبْح كَشْفِهَا فَقِيلَ : إِنَّمَا بَدَتْ سَوْآتُهُمَا لَهُمَا لَا لِغَيْرِهِمَا ; كَانَ عَلَيْهِمَا نُور لَا تُرَى عَوْرَاتهمَا فَزَالَ النُّور . وَقِيلَ : ثَوْب ; فَتَهَافَتَ , وَاَللَّه أَعْلَم .|وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ|| أَنْ | فِي مَوْضِع نَصْب , بِمَعْنَى إِلَّا , كَرَاهِيَة أَنْ ; فَحَذَفَ الْمُضَاف . هَذَا قَوْل الْبَصْرِيِّينَ . وَالْكُوفِيُّونَ يَقُولُونَ : لِئَلَّا تَكُونَا . وَقِيلَ : أَيْ إِلَّا أَلَّا تَكُونَا مَلَكَيْنِ تَعْلَمَانِ الْخَيْر وَالشَّرّ . وَقِيلَ : طَمِعَ آدَم فِي الْخُلُود ; لِأَنَّهُ عَلِمَ أَنَّ الْمَلَائِكَة لَا يَمُوتُونَ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة . قَالَ النَّحَّاس : وَبَيَّنَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ فَضْل الْمَلَائِكَة عَلَى جَمِيع الْخَلْق فِي غَيْر مَوْضِع مِنْ الْقُرْآن ; فَمِنْهَا هَذَا , وَهُوَ | إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ | . وَمِنْهُ | وَلَا أَقُول إِنِّي مَلَك | [ هُود : 31 ] . وَمِنْهُ | وَلَا الْمَلَائِكَة الْمُقَرَّبُونَ | [ النِّسَاء : 172 ] . وَقَالَ الْحَسَن : فَضَّلَ اللَّه الْمَلَائِكَة بِالصُّوَرِ . وَالْأَجْنِحَة وَالْكَرَامَة . وَقَالَ غَيْره : فَضَّلَهُمْ جَلَّ وَعَزَّ بِالطَّاعَةِ وَتَرْك الْمَعْصِيَة ; فَلِهَذَا يَقَع التَّفْضِيل فِي كُلّ شَيْء . وَقَالَ اِبْن فُورك . لَا حُجَّة فِي هَذِهِ الْآيَة ; لِأَنَّهُ يَحْتَمِل أَنْ يُرِيد مَلَكَيْنِ فِي أَلَّا يَكُون لَهُمَا شَهْوَة فِي طَعَام . وَاخْتِيَار اِبْن عَبَّاس وَالزَّجَّاج وَكَثِير مِنْ الْعُلَمَاء تَفْضِيل الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْمَلَائِكَة ; وَقَدْ مَضَى فِي | الْبَقَرَة | وَقَالَ الْكَلْبِيّ : فُضِّلُوا عَلَى الْخَلَائِق كُلّهمْ , غَيْر طَائِفَة مِنْ الْمَلَائِكَة : جِبْرِيل وَمِيكَائِيل وَإِسْرَافِيل وَمَلَك الْمَوْت ; لِأَنَّهُمْ مِنْ جُمْلَة رُسُل اللَّه . وَتَمَسَّكَ كُلّ فَرِيق بِظَوَاهِر مِنْ الشَّرِيعَة , وَالْفَضْل بِيَدِ اللَّه . وَقَرَأَ اِبْن عَبَّاس | مَلِكَيْنِ | بِكَسْرِ اللَّام , وَهِيَ قِرَاءَة يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير وَالضَّحَّاك . وَأَنْكَرَ أَبُو عَمْرو بْن الْعَلَاء كَسْر اللَّام وَقَالَ : لَمْ يَكُنْ قَبْل آدَم صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَلِك فَيَصِيرَا مَلِكَيْنِ . قَالَ النَّحَّاس : وَيَجُوز عَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَة إِسْكَان اللَّام , وَلَا يَجُوز عَلَى الْقِرَاءَة الْأُولَى لِخِفَّةِ الْفَتْحَة . قَالَ اِبْن عَبَّاس : أَتَاهُمَا الْمَلْعُون مِنْ جِهَة الْمُلْك ; وَلِهَذَا قَالَ : | هَلْ أَدُلُّك عَلَى شَجَرَة الْخُلْد وَمُلْك لَا يَبْلَى | [ طَه : 120 ] . وَزَعَمَ أَبُو عُبَيْد أَنَّ اِحْتِجَاج يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير بِقَوْلِهِ : | وَمُلْك لَا يَبْلَى | حُجَّة بَيِّنَة , وَلَكِنَّ النَّاس عَلَى تَرْكهَا فَلِهَذَا تَرَكْنَاهَا . قَالَ النَّحَّاس : | إِلَّا أَنْ تَكُونَا مُلْكَيْنِ | قِرَاءَة شَاذَّة . وَقَدْ أُنْكِرَ عَلَى أَبِي عُبَيْد هَذَا الْكَلَام , وَجُعِلَ مِنْ الْخَطَأ الْفَاحِش . وَهَلْ يَجُوز أَنْ يَتَوَهَّم آدَم عَلَيْهِ السَّلَام أَنَّهُ يَصِل إِلَى أَكْثَر مِنْ مُلْك الْجَنَّة ; وَهُوَ غَايَة الطَّالِبِينَ . وَإِنَّمَا مَعْنَى | وَمُلْك لَا يَبْلَى | الْمَقَام فِي مُلْك الْجَنَّة , وَالْخُلُود فِيهِ .

وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ

أَيْ حَلَفَ لَهُمَا . يُقَال : أَقْسَمَ إِقْسَامًا ; أَيْ حَلَفَ . قَالَ الشَّاعِر : <br>وَقَاسَمَهَا بِاَللَّهِ جَهْدًا لَأَنْتُمْ .......... أَلَذّ مِنْ السَّلْوَى إِذَا مَا نَشُورهَا <br>وَجَاءَ | فَاعَلْت | مِنْ وَاحِد . وَهُوَ يَرِد عَلَى مَنْ قَالَ : إِنَّ الْمُفَاعَلَة لَا تَكُون إِلَّا مِنْ اِثْنَيْنِ . وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي | الْمَائِدَة ||إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ|لَيْسَ | لَكُمَا | دَاخِلًا فِي الصِّلَة . وَالتَّقْدِير : إِنِّي نَاصِح لَكُمَا لَمِنْ النَّاصِحِينَ ; قَالَهُ هِشَام النَّحْوِيّ . وَقَدْ تَقَدَّمَ مِثْله فِي | الْبَقَرَة | وَمَعْنَى الْكَلَام : اِتَّبِعَانِي أُرْشِدْكُمَا ; ذَكَرَهُ قَتَادَة .

فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآَتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَ

أَوْ قَعْهُمَا فِي الْهَلَاك . قَالَ اِبْن عَبَّاس : غَرَّهُمَا بِالْيَمِينِ . وَكَانَ يَظُنّ آدَم أَنَّهُ لَا يَحْلِف أَحَد بِاَللَّهِ كَاذِبًا , فَغَرَّهُمَا بِوَسْوَسَتِهِ وَقَسَمه لَهُمَا . وَقَالَ قَتَادَة : حَلَفَ بِاَللَّهِ لَهُمَا حَتَّى خَدَعَهُمَا . وَقَدْ يُخْدَع الْمُؤْمِن بِاَللَّهِ . كَانَ بَعْض الْعُلَمَاء يَقُول : مَنْ خَادَعَنَا بِاَللَّهِ خُدِعْنَا . وَفِي الْحَدِيث عَنْهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( الْمُؤْمِنُ غِرٌّ كَرِيمٌ وَالْفَاجِرُ خِبٌّ لَئِيمٌ ) . وَأَنْشَدَ نِفْطَوَيْهِ : <br>إِنَّ الْكَرِيمَ إِذَا تَشَاءُ خَدَعْته .......... وَتَرَى اللَّئِيم مُجَرِّبًا لَا يُخْدَعُ <br>| فَدَلَّاهُمَا | يُقَال : أَدْلَى دَلْوه : أَرْسَلَهَا . وَدَلَّاهَا : أَخْرَجَهَا . وَقِيلَ : | دَلَّاهُمَا | أَيْ دَلَّلَهُمَا ; مِنْ الدَّالَّة , وَهِيَ الْجُرْأَة . أَيْ جَرَّأَهُمَا عَلَى الْمَعْصِيَة فَخَرَجَا مِنْ الْجَنَّة .|فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ|| فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَة | أَيْ أَكَلَا مِنْهَا . وَقَدْ مَضَى فِي | الْبَقَرَة | الْخِلَاف فِي هَذِهِ الشَّجَرَة , وَكَيْفَ أَكَلَ آدَم مِنْهَا : | بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتهمَا | أَكَلَتْ حَوَّاء أَوَّلًا فَلَمْ يُصِبْهَا شَيْءٌ ; فَلَمَّا أَكَلَ آدَم حَلَّتْ الْعُقُوبَة ; لِأَنَّ النَّهْي وَرَدَ عَلَيْهِمَا كَمَا تَقَدَّمَ فِي | الْبَقَرَة | . قَالَ اِبْن عَبَّاس : تَقَلَّصَ النُّور الَّذِي كَانَ لِبَاسهمَا فَصَارَ أَظْفَارًا فِي الْأَيْدِي وَالْأَرْجُل . | وَطَفِقَا | وَيَجُوز إِسْكَان الْفَاء . وَحَكَى الْأَخْفَش طَفِقَ يَطْفِق ; مِثْل ضَرَبَ يَضْرِب . يُقَال : طَفِقَ , أَيْ أَخَذَ فِي الْفِعْل . | يَخْصِفَانِ | وَقَرَأَ الْحَسَن بِكَسْرِ الْخَاء وَشَدّ الصَّاد . وَالْأَصْل | يَخْتَصِفَانِ | فَأَدْغَمَ , وَكَسَرَ الْخَاء لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ . وَقَرَأَ اِبْن بُرَيْدَة وَيَعْقُوب بِفَتْحِ الْخَاء , أَلْقَيَا حَرَكَة التَّاء عَلَيْهَا . وَيَجُوز | يُخَصِّفَانِ | بِضَمِّ الْيَاء , مِنْ خَصَّفَ يُخَصِّف . وَقَرَأَ الزُّهْرِيّ | يُخْصِفَانِ | مِنْ أَخْصَفَ . وَكِلَاهُمَا مَنْقُول بِالْهَمْزَةِ أَوْ التَّضْعِيف وَالْمَعْنَى : يَقْطَعَانِ الْوَرَق وَيَلْزَقَانِهِ لِيَسْتَتِرَا بِهِ , وَمِنْهُ خَصْف النَّعْل . وَالْخَصَّاف الَّذِي يُرَقِّعهَا . وَالْمِخْصَف الْمِثْقَب . قَالَ اِبْن عَبَّاس : هُوَ وَرَق التِّين . وَيُرْوَى أَنَّ آدَم عَلَيْهِ السَّلَام لَمَّا بَدَتْ سَوْأَته وَظَهَرَتْ عَوْرَته طَافَ عَلَى أَشْجَار الْجَنَّة يَسُلّ مِنْهَا وَرَقَة يُغَطِّي بِهَا عَوْرَته ; فَزَجَرَتْهُ أَشْجَار الْجَنَّة حَتَّى رَحِمَتْهُ شَجَرَة التِّين فَأَعْطَتْهُ وَرَقَة . فَـ | طَفِقَا | يَعْنِي آدَم وَحَوَّاء | يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَق الْجَنَّة | فَكَافَأَ اللَّه التِّين بِأَنْ سَوَّى ظَاهِره وَبَاطِنَهُ فِي الْحَلَاوَة وَالْمَنْفَعَة وَأَعْطَاهُ ثَمَرَتَيْنِ فِي عَام وَاحِد مَرَّتَيْنِ . وَفِي الْآيَة دَلِيل عَلَى قُبْح كَشْف الْعَوْرَة , وَأَنَّ اللَّه أَوْجَبَ عَلَيْهِمَا السَّتْر ; وَلِذَلِكَ اِبْتَدَرَا إِلَى سَتْرهَا , وَلَا يَمْتَنِع أَنْ يُؤْمَرَا بِذَلِكَ فِي الْجَنَّة ; كَمَا قِيلَ لَهُمَا : | وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَة | . وَقَدْ حَكَى صَاحِب الْبَيَان عَنْ الشَّافِعِيّ أَنَّ مَنْ لَمْ يَجِد مَا يَسْتُر بِهِ عَوْرَته إِلَّا وَرَق الشَّجَر لَزِمَهُ أَنْ يَسْتَتِر بِذَلِكَ ; لِأَنَّهُ سُتْرَة ظَاهِرَة يُمْكِنُهُ التَّسَتُّرُ بِهَا ; كَمَا فَعَلَ آدَم فِي الْجَنَّة . وَاَللَّه أَعْلَم .|وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ|أَخْبَرَ تَعَالَى بِأَنَّ الشَّيْطَان عَدُوٌّ , وَخَبَره حَقّ وَصِدْق . فَالْوَاجِب عَلَى الْعَاقِل أَنْ يَأْخُذ حِذْرَهُ مِنْ هَذَا الْعَدُوّ الَّذِي قَدْ أَبَانَ عَدَاوَته مِنْ زَمَن آدَم , وَبَذَلَ نَفْسه وَعُمْره فِي إِفْسَاد أَحْوَال بَنِي آدَم ; وَقَدْ أَمَرَ اللَّه تَعَالَى بِالْحَذَرِ مِنْهُ فَقَالَ جَلَّ مِنْ قَائِل : | وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَات الشَّيْطَان إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِين | , | إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّه مَا لَا تَعْلَمُونَ | [ الْبَقَرَة : 169 ] وَقَالَ : | الشَّيْطَان يَعِدُكُمْ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ | [ الْبَقَرَة : 268 ] وَقَالَ : | وَيُرِيد الشَّيْطَان أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا | [ النِّسَاء : 60 ] وَقَالَ : | إِنَّمَا يُرِيد الشَّيْطَان أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمْ الْعَدَاوَة وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْر وَالْمَيْسِر وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْر اللَّه وَعَنْ الصَّلَاة فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ | [ الْمَائِدَة : 91 ] وَقَالَ : | إِنَّهُ عَدُوّ مُضِلّ مُبِين | [ الْقَصَص : 15 ] وَقَالَ : | إِنَّ الشَّيْطَان لَكُمْ عَدُوٌّ فَاِتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَاب السَّعِير | [ فَاطِر : 6 ] . وَهَذَا غَايَة فِي التَّحْذِير , وَمِثْله فِي الْقُرْآن كَثِير . وَقَالَ عَبْد اللَّه بْن عُمَر : إِنَّ إِبْلِيس مُوثَق فِي الْأَرْض السُّفْلَى , فَإِذَا تَحَرَّكَ فَإِنَّ كُلّ شَرّ الْأَرْض بَيْن اِثْنَيْنِ فَصَاعِدًا مِنْ تَحَرُّكه . وَخَرَّجَ التِّرْمِذِيّ مِنْ حَدِيث أَبِي مَالِك الْأَشْعَرِيّ وَفِيهِ : ( وَآمُركُمْ أَنْ تَذْكُرُوا اللَّه فَإِنَّ مَثَل ذَلِكَ كَمَثَلِ رَجُل خَرَجَ الْعَدُوّ فِي أَثَره سِرَاعًا حَتَّى أَتَى عَلَى حِصْن حَصِين فَأَحْرَزَ نَفْسه مِنْهُمْ كَذَلِكَ الْعَبْد لَا يُحْرِز نَفْسه مِنْ الشَّيْطَان إِلَّا بِذِكْرِ اللَّه ) الْحَدِيث . وَقَالَ فِيهِ : حَدِيث حَسَن صَحِيح غَرِيب .

قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ

أَيْ قَالَ لَهُمَا : أَلَمْ أَنْهَكُمَا . قَالَا رَبَّنَا نِدَاء مُضَاف . وَالْأَصْل يَا رَبَّنَا . وَقِيلَ . إِنَّ فِي حَذْف | يَا | مَعْنَى التَّعْظِيم . فَاعْتَرَفَا بِالْخَطِيئَةِ وَتَابَا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِمَا وَسَلَّمَ .

قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ

قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ

الضَّمَائِر كُلُّهَا لِلْأَرْضِ . وَلَمْ يَذْكُر الْوَاو فِي | قَالَ | , وَلَوْ ذَكَرَهَا لَجَازَ أَيْضًا . وَهُوَ كَقَوْلِك : قَالَ زَيْد لِعَمْرٍو كَذَا قَالَ لَهُ كَذَا .

يَا بَنِي آَدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآَتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ

قَالَ كَثِير مِنْ الْعُلَمَاء : هَذِهِ الْآيَة دَلِيل عَلَى وُجُوب سَتْر الْعَوْرَة ; لِأَنَّهُ قَالَ : | يُوَارِي سَوْآتكُمْ | . وَقَالَ قَوْم : إِنَّهُ لَيْسَ فِيهَا دَلِيل عَلَى مَا ذَكَرُوهُ , بَلْ فِيهَا دَلَالَة عَلَى الْإِنْعَام فَقَطْ . قُلْت : الْقَوْل الْأَوَّل أَصَحّ . وَمِنْ جُمْلَة الْإِنْعَام سَتْر الْعَوْرَة ; فَبَيَّنَ أَنَّهُ سُبْحَانه وَتَعَالَى جَعَلَ لِذُرِّيَّتِهِ مَا يَسْتُرُونَ بِهِ عَوْرَاتهمْ , وَدَلَّ عَلَى الْأَمْر بِالسَّتْرِ . وَلَا خِلَاف بَيْن الْعُلَمَاء فِي وُجُوب سَتْر الْعَوْرَة عَنْ أَعْيُن النَّاس . وَاخْتَلَفُوا فِي الْعَوْرَة مَا هِيَ ؟ فَقَالَ اِبْن أَبِي ذِئْب : هِيَ مِنْ الرَّجُل الْفَرْج نَفْسه , الْقُبُل وَالدُّبُر دُون غَيْرهمَا . وَهُوَ قَوْل دَاوُد وَأَهْل الظَّاهِر وَابْن أَبِي عَبْلَة وَالطَّبَرِيّ ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى : | لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتكُمْ | , | بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتهمَا | [ الْأَعْرَاف : 22 ] , | لِيُرِيَهُمَا سَوْآتهمَا | [ الْأَعْرَاف : 27 ] . وَفِي الْبُخَارِيّ عَنْ أَنَس : | فَأَجْرَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي زُقَاق خَيْبَر - وَفِيهِ - ثُمَّ حَسِرَ الْإِزَار عَنْ فَخِذِهِ حَتَّى إِنِّي أَنْظُر إِلَى بَيَاض فَخِذ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ | . وَقَالَ مَالِك : السُّرَّة لَيْسَتْ بِعَوْرَةٍ , وَأَكْرَه لِلرَّجُلِ أَنْ يَكْشِف فَخِذَهُ بِحَضْرَةِ زَوْجَته . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة : الرُّكْبَة عَوْرَة . وَهُوَ قَوْل عَطَاء . وَقَالَ الشَّافِعِيّ : لَيْسَتْ السُّرَّة وَلَا الرُّكْبَتَانِ مِنْ الْعَوْرَة عَلَى الصَّحِيح . وَحَكَى أَبُو حَامِد التِّرْمِذِيّ أَنَّ لِلشَّافِعِيّ فِي السُّرَّة قَوْلَيْنِ . وَحُجَّة مَالِك قَوْلُه عَلَيْهِ السَّلَام لِجَرْهَد : ( غَطِّ فَخِذك فَإِنَّ الْفَخِذ عَوْرَة ) . خَرَّجَهُ الْبُخَارِيّ تَعْلِيقًا وَقَالَ : حَدِيث أَنَس أَسْنَد , وَحَدِيث جَرْهَد أَحْوَط حَتَّى يَخْرُج مِنْ اِخْتِلَافهمْ . وَحَدِيث جَرْهَد هَذَا يَدُلّ عَلَى خِلَاف مَا قَالَ أَبُو حَنِيفَة . وَرُوِيَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَة قَبَّلَ سُرَّة الْحَسَن بْن عَلِيّ وَقَالَ : أُقَبِّل مِنْك مَا كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقَبِّلُ مِنْك . فَلَوْ كَانَتْ السُّرَّة عَوْرَة مَا قَبَّلَهَا أَبُو هُرَيْرَة , وَلَا مَكَّنَهُ الْحَسَن مِنْهَا . وَأَمَّا الْمَرْأَة الْحُرَّة فَعَوْرَة كُلّهَا إِلَّا الْوَجْه وَالْكَفَّيْنِ . عَلَى هَذَا أَكْثَر أَهْل الْعِلْم . وَقَدْ قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ أَرَادَ أَنْ يَتَزَوَّج اِمْرَأَة فَلْيَنْظُرْ إِلَى وَجْهِهَا وَكَفَّيْهَا ) . وَلِأَنَّ ذَلِكَ وَاجِب كَشْفه فِي الْإِحْرَام . وَقَالَ أَبُو بَكْر بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن الْحَارِث بْن هِشَام : كُلّ شَيْء مِنْ الْمَرْأَة عَوْرَة حَتَّى ظُفْرهَا . وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَد بْن حَنْبَل نَحْوه . وَأَمَّا أُمّ الْوَلَد فَقَالَ الْأَثْرَم : سَمِعْته - يَعْنِي أَحْمَد بْن حَنْبَل - يُسْأَل عَنْ أُمّ الْوَلَد كَيْفَ تُصَلِّي ؟ فَقَالَ : تُغَطِّي رَأْسَهَا وَقَدَمَيْهَا ; لِأَنَّهَا لَا تُبَاع , وَتُصَلِّي كَمَا تُصَلِّي الْحُرَّة . وَأَمَّا الْأَمَة فَالْعَوْرَة مِنْهَا مَا تَحْت ثَدْيهَا , وَلَهَا أَنْ تُبْدِيَ رَأْسَهَا وَمِعْصَمَيْهَا . وَقِيلَ : حُكْمهَا حُكْم الرَّجُل . وَقِيلَ : يُكْرَه لَهَا كَشْف رَأْسِهَا وَصَدْرهَا . وَكَانَ عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ يَضْرِب الْإِمَاء عَلَى تَغْطِيَتِهِنَّ رُءُوسَهُنَّ وَيَقُول : لَا تَشَبَّهْنَ بِالْحَرَائِرِ . وَقَالَ أَصْبُغ : إِنْ اِنْكَشَفَ فَخِذُهَا أَعَادَتْ الصَّلَاة فِي الْوَقْت . وَقَالَ أَبُو بَكْر بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن الْحَارِث بْن هِشَام : كُلّ شَيْء مِنْ الْأَمَة عَوْرَة حَتَّى ظُفْرهَا . وَهَذَا خَارِج عَنْ أَقْوَال الْفُقَهَاء ; لِإِجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّ الْمَرْأَة الْحُرَّة لَهَا أَنْ تُصَلِّي الْمَكْتُوبَة وَيَدَاهَا وَوَجْهُهَا مَكْشُوف ذَلِكَ كُلّه , تُبَاشِر الْأَرْض بِهِ . فَالْأَمَة أَوْلَى , وَأُمّ الْوَلَد أَغْلَظ حَالًا مِنْ الْأَمَة . وَالصَّبِيّ الصَّغِير لَا حُرْمَة لِعَوْرَتِهِ . فَإِذَا بَلَغَتْ الْجَارِيَة إِلَى حَدّ تَأْخُذهَا الْعَيْن وَتُشْتَهَى سَتَرَتْ عَوْرَتهَا . وَحُجَّة أَبِي بَكْر بْن عَبْد الرَّحْمَن قَوْله تَعَالَى : | يَأَيُّهَا النَّبِيّ قُلْ لِأَزْوَاجِك وَبَنَاتك وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ | [ الْأَحْزَاب : 59 ] . وَحَدِيث أُمّ سَلَمَة أَنَّهَا سُئِلَتْ : مَاذَا تُصَلِّي فِيهِ الْمَرْأَة مِنْ الثِّيَاب ؟ فَقَالَتْ : تُصَلِّي فِي الدِّرْع وَالْخِمَار السَّابِغ الَّذِي يُغَيِّب ظُهُور قَدَمَيْهَا . وَقَدْ رُوِيَ مَرْفُوعًا . وَاَلَّذِينَ أَوْقَفُوهُ عَلَى أُمّ سَلَمَة أَكْثَر وَأَحْفَظ ; مِنْهُمْ مَالِك وَابْن إِسْحَاق وَغَيْرهمَا . قَالَ أَبُو دَاوُد : وَرَفَعَهُ عَبْد الرَّحْمَن بْن عَبْد اللَّه بْن دِينَار عَنْ مُحَمَّد بْن زَيْد عَنْ أُمّه عَنْ أُمّ سَلَمَة أَنَّهَا سَأَلَتْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ أَبُو عُمَر : عَبْد الرَّحْمَن هَذَا ضَعِيف عِنْدهمْ ; إِلَّا أَنَّهُ قَدْ خَرَّجَ الْبُخَارِيّ بَعْض حَدِيثه . وَالْإِجْمَاع فِي هَذَا الْبَاب أَقْوَى مِنْ الْخَبَر . قَوْله تَعَالَى : | أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا | يَعْنِي الْمَطَر الَّذِي يُنْبِت الْقُطْن وَالْكَتَّان , وَيُقِيم الْبَهَائِم الَّذِي مِنْهَا الْأَصْوَاف وَالْأَوْبَار وَالْأَشْعَار ; فَهُوَ مَجَاز مِثْل | وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنْ الْأَنْعَام ثَمَانِيَة أَزْوَاج | [ الزُّمَر : 6 ] عَلَى مَا يَأْتِي . وَقِيلَ : هَذَا الْإِنْزَال إِنْزَال شَيْء مِنْ اللِّبَاس مَعَ آدَم وَحَوَّاء , لِيَكُونَ مِثَالًا لِغَيْرِهِ . وَقَالَ سَعِيد بْن جُبَيْر : | أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ | أَيْ خَلَقْنَا لَكُمْ ; كَقَوْلِهِ : | وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنْ الْأَنْعَام ثَمَانِيَة أَزْوَاج | أَيْ خَلَقَ . عَلَى مَا يَأْتِي . وَقِيلَ : أَلْهَمْنَاكُمْ كَيْفِيَّة صَنْعَته . | وَرِيشًا | قَرَأَ أَبُو عَبْد الرَّحْمَن وَالْحَسَن وَعَاصِم مِنْ رِوَايَة الْمُفَضَّل الضَّبِّيّ , وَأَبُو عَمْرو مِنْ رِوَايَة الْحُسَيْن بْن عَلِيّ الْجُعْفِيّ | وَرِيَاشًا | . وَلَمْ يَحْكِهِ أَبُو عُبَيْد إِلَّا عَنْ الْحَسَن , وَلَمْ يُفَسِّر مَعْنَاهُ . وَهُوَ جَمْع رِيشٍ . وَهُوَ مَا كَانَ مِنْ الْمَال وَاللِّبَاس . وَقَالَ الْفَرَّاء : رِيشٌ وَرِيَاش , كَمَا يُقَال : لِبْس وَلِبَاس . وَرِيشُ الطَّائِر مَا سَتَرَهُ اللَّه بِهِ . وَقِيلَ : هُوَ الْخِصْب وَرَفَاهِيَة الْعَيْش . وَاَلَّذِي عَلَيْهِ أَكْثَر أَهْل اللُّغَة أَنَّ الرِّيش مَا سَتَرَ مِنْ لِبَاس أَوْ مَعِيشَة . وَأَنْشَدَ سِيبَوَيْهِ : <br>فَرِيشِي مِنْكُمْ وَهَوَايَ مَعْكُمْ .......... وَإِنْ كَانَتْ زِيَارَتُكُمْ لِمَامًا <br>وَحَكَى أَبُو حَاتِم عَنْ أَبِي عُبَيْدَة : وَهَبْت لَهُ دَابَّة بِرِيشِهَا ; أَيْ بِكِسْوَتِهَا وَمَا عَلَيْهَا مِنْ اللِّبَاس .|وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ|بَيَّنَ أَنَّ التَّقْوَى خَيْرُ لِبَاسٍ ; كَمَا قَالَ : <br>إِذَا الْمَرْء لَمْ يَلْبَس ثِيَابًا مِنْ التُّقَى .......... تَقَلَّبَ عُرْيَانًا وَإِنْ كَانَ كَاسِيًا <br><br>وَخَيْرُ لِبَاسِ الْمَرْءِ طَاعَةُ رَبِّهِ .......... وَلَا خَيْرَ فِيمَنْ كَانَ لِلَّهِ عَاصِيًا <br>وَرَوَى قَاسِم بْن مَالِك عَنْ عَوْف عَنْ مَعْبَد الْجُهَنِيّ قَالَ : | لِبَاس التَّقْوَى | الْحَيَاء . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : | لِبَاس التَّقْوَى | هُوَ الْعَمَل الصَّالِح . وَعَنْهُ أَيْضًا : السَّمْت الْحَسَن فِي الْوَجْه . وَقِيلَ : مَا عَلَّمَهُ عَزَّ وَجَلَّ وَهُدِيَ بِهِ . وَقِيلَ : | لِبَاس التَّقْوَى | لُبْس الصُّوف وَالْخَشِن مِنْ الثِّيَاب , مِمَّا يُتَوَاضَع بِهِ لِلَّهِ تَعَالَى وَيُتَعَبَّد لَهُ خَيْر مِنْ غَيْره . وَقَالَ زَيْد بْن عَلِيّ : | لِبَاس التَّقْوَى | الدِّرْع وَالْمِغْفَر ; وَالسَّاعِدَانِ , وَالسَّاقَانِ , يُتَّقَى بِهِمَا فِي الْحَرْب . وَقَالَ عُرْوَة بْن الزُّبَيْر : هُوَ الْخَشْيَة لِلَّهِ . وَقِيلَ : هُوَ اِسْتِشْعَار تَقْوَى اللَّه تَعَالَى فِيمَا أَمَرَ بِهِ وَنَهَى عَنْهُ . قُلْت : وَهُوَ الصَّحِيح , وَإِلَيْهِ يَرْجِع قَوْل اِبْن عَبَّاس وَعُرْوَة . وَقَوْل زَيْد بْن عَلِيّ حَسَن , فَإِنَّهُ حَضّ عَلَى الْجِهَاد . وَقَالَ اِبْن زَيْد : هُوَ سَتْر الْعَوْرَة . وَهَذَا فِيهِ تَكْرَار , إِذْ قَالَ أَوَّلًا : | قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتكُمْ | . وَمَنْ قَالَ : إِنَّهُ لَبِسَ الْخَشِن مِنْ الثِّيَاب فَإِنَّهُ أَقْرَب إِلَى التَّوَاضُع وَتَرْك الرَّعُونَات فَدَعْوَى ; فَقَدْ كَانَ الْفُضَلَاء مِنْ الْعُلَمَاء يَلْبَسُونَ الرَّفِيع مِنْ الثِّيَاب مَعَ حُصُول التَّقْوَى , عَلَى مَا يَأْتِي مُبَيَّنًا إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى . وَقَرَأَ أَهْل الْمَدِينَة وَالْكِسَائِيّ | لِبَاسَ | بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلَى | لِبَاسًا | الْأَوَّل . وَقِيلَ : اِنْتَصَبَ بِفِعْلٍ مُضْمَر ; أَيْ وَأَنْزَلْنَا لِبَاسَ التَّقْوَى . وَالْبَاقُونَ بِالرَّفْعِ عَلَى الِابْتِدَاء . وَ | ذَلِكَ | نَعْته وَ | خَيْر | خَبَر الِابْتِدَاء . وَالْمَعْنَى : وَلِبَاس التَّقْوَى الْمُشَار إِلَيْهِ , الَّذِي عَلِمْتُمُوهُ , خَيْر لَكُمْ مِنْ لِبَاس الثِّيَاب الَّتِي تُوَارِي سَوْآتكُمْ , وَمِنْ الرِّيَاش الَّذِي أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ ; فَالْبَسُوهُ . وَقِيلَ : اِرْتَفَعَ بِإِضْمَارِ هُوَ ; أَيْ وَهُوَ لِبَاس التَّقْوَى ; أَيْ هُوَ سَتْر الْعَوْرَة . وَعَلَيْهِ يُخَرَّج قَوْل اِبْن زَيْد . وَقِيلَ : الْمَعْنَى وَلِبَاس التَّقْوَى هُوَ خَيْر ; فَـ | ذَلِكَ | بِمَعْنَى هُوَ . وَالْإِعْرَاب الْأَوَّل أَحْسَن مَا قِيلَ فِيهِ . وَقَرَأَ الْأَعْمَش | وَلِبَاس التَّقْوَى خَيْر | وَلَمْ يَقْرَأ | ذَلِكَ | . وَهُوَ خِلَاف الْمُصْحَف .|خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ|أَيْ مِمَّا يَدُلّ عَلَى أَنَّ لَهُ خَالِقًا . وَ | ذَلِكَ | رَفْع عَلَى الصِّفَة , أَوْ عَلَى الْبَدَل , أَوْ عَطْف بَيَان .

يَا بَنِي آَدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآَتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِ

أَيْ لَا يَصْرِفَنَّكُمْ الشَّيْطَان عَنْ الدِّين ; كَمَا فَتَنَ أَبَوَيْكُمْ بِالْإِخْرَاجِ مِنْ الْجَنَّة . | أَب | لِلْمُذَكَّرِ , وَ | أَبَة | لِلْمُؤَنَّثِ . فَعَلَى هَذَا قِيلَ : أَبَوَانِ|الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا|فِي مَوْضِع نَصْب عَلَى الْحَال . وَيَكُون مُسْتَأْنَفًا فَيُوقَف عَلَى | مِنْ الْجَنَّة | . | لِيُرِيَهُمَا | نَصْب بِلَامِ كَيْ . وَفِي هَذَا أَيْضًا دَلِيل عَلَى وُجُوب سَتْر الْعَوْرَة ; لِقَوْلِهِ : | يَنْزِع عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا | . قَالَ الْآخَرُونَ : إِنَّمَا فِيهِ التَّحْذِير مِنْ زَوَال النِّعْمَة ; كَمَا نَزَلَ بِآدَم . هَذَا أَنْ لَوْ ثَبَتَ أَنَّ شَرْع آدَم يَلْزَمُنَا , وَالْأَمْر بِخِلَافِ ذَلِكَ .|سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ|| إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيله | الْأَصْل | يَرْءَاكُمْ | ثُمَّ خُفِّفَتْ الْهَمْزَة . | وَقَبِيله | عَطْف عَلَى الْمُضْمَر وَهُوَ تَوْكِيد لِيَحْسُنَ الْعَطْف ; كَقَوْلِهِ : | اُسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجك الْجَنَّة | [ الْبَقَرَة : 35 ] . وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ يَقْبُح رَأَيْتُك وَعَمْرو , وَأَنَّ الْمُضْمَر كَالْمُظْهَرِ . | قَبِيله | جُنُوده . قَالَ مُجَاهِد : يَعْنِي الْجِنّ وَالشَّيَاطِين . اِبْن زَيْد : | قَبِيله | نَسْله . وَقِيلَ : جِيله .|وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا|قَالَ بَعْض الْعُلَمَاء : فِي هَذَا دَلِيل عَلَى أَنَّ الْجِنّ لَا يُرَوْنَ ; لِقَوْلِهِ | مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ | قِيلَ : جَائِز أَنْ يُرَوْا ; لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى إِذَا أَرَادَ أَنْ يُرِيَهُمْ كَشَفَ أَجْسَامهمْ حَتَّى تُرَى . قَالَ النَّحَّاس : | مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ | يَدُلّ عَلَى أَنَّ الْجِنّ لَا يُرَوْنَ إِلَّا فِي وَقْت نَبِيّ ; لِيَكُونَ ذَلِكَ دَلَالَة عَلَى نُبُوَّته ; لِأَنَّ اللَّه جَلَّ وَعَزَّ خَلَقَهُمْ خَلْقًا لَا يُرَوْنَ فِيهِ , وَإِنَّمَا يُرَوْنَ إِذَا نُقِلُوا عَنْ صُوَرِهِمْ . وَذَلِكَ مِنْ الْمُعْجِزَات الَّتِي لَا تَكُون إِلَّا فِي وَقْت الْأَنْبِيَاء صَلَوَات اللَّه وَسَلَامه عَلَيْهِمْ . قَالَ الْقُشَيْرِيّ : أَجْرَى اللَّه الْعَادَة بِأَنَّ بَنِي آدَم لَا يَرَوْنَ الشَّيَاطِين الْيَوْم . وَفِي الْخَبَر ( إِنَّ الشَّيْطَان يَجْرِي مِنْ اِبْن آدَم مَجْرَى الدَّم ) . وَقَالَ تَعَالَى : | الَّذِي يُوَسْوِس فِي صُدُور النَّاس | [ النَّاس : 5 ] . وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام : ( إِنَّ لِلْمَلَكِ لَمَّةً وَلِلشَّيْطَانِ لَمَّةً - أَيْ بِالْقَلْبِ - فَأَمَّا لَمَّةُ الْمَلَكِ فَإِيعَادٌ بِالْخَيْرِ وَتَصْدِيقٌ بِالْحَقِّ وَأَمَّا لَمَّةُ الشَّيْطَانِ فَإِيعَادٌ بِالشَّرِّ وَتَكْذِيبٌ بِالْحَقِّ ) . وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي | الْبَقَرَة | وَقَدْ جَاءَ فِي رُؤْيَتِهِمْ أَخْبَارٌ صَحِيحَةٌ . وَقَدْ خَرَّجَ الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ : وَكَّلَنِي رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِحِفْظِ زَكَاة رَمَضَان , وَذَكَرَ قِصَّة طَوِيلَة , ذَكَرَ فِيهَا أَنَّهُ أَخَذَ الْجِنِّيّ الَّذِي كَانَ يَأْخُذ التَّمْر , وَأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ : ( مَا فَعَلَ أَسِيرك الْبَارِحَة ) . وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي | الْبَقَرَة | وَفِي صَحِيح مُسْلِم أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( وَاَللَّه لَوْلَا دَعْوَة أَخِي سُلَيْمَان لَأَصْبَحَ مُوثَقًا يَلْعَب بِهِ وِلْدَانُ أَهْل الْمَدِينَة ) - فِي الْعِفْرِيت الَّذِي تَفَلَّتَ عَلَيْهِ . وَسَيَأْتِي فِي | ص | إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى .|تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا|أَيْ زِيَادَة فِي عُقُوبَتهمْ وَسَوَّيْنَا بَيْنهمْ فِي الذَّهَاب عَنْ الْحَقّ .

وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آَبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ

الْفَاحِشَة هُنَا فِي قَوْل أَكْثَر الْمُفَسِّرِينَ طَوَافهمْ بِالْبَيْتِ عُرَاة . وَقَالَ الْحَسَن : هِيَ الشِّرْك وَالْكُفْر . وَاحْتَجُّوا عَلَى ذَلِكَ بِتَقْلِيدِهِمْ أَسْلَافهمْ , وَبِأَنَّ اللَّه أَمَرَهُمْ بِهَا . وَقَالَ الْحَسَن : | وَاَللَّه أَمَرَنَا بِهَا | قَالُوا : لَوْ كَرِهَ اللَّه مَا نَحْنُ عَلَيْهِ لَنَقَلَنَا عَنْهُ . | قُلْ إِنَّ اللَّه لَا يَأْمُر بِالْفَحْشَاءِ | بَيَّنَ أَنَّهُمْ مُتَحَكِّمُونَ , وَلَا دَلِيل لَهُمْ عَلَى أَنَّ اللَّه أَمَرَهُمْ بِمَا اِدَّعَوْا . وَقَدْ مَضَى ذَمّ التَّقْلِيد وَذَمّ كَثِير مِنْ جَهَالَاتهمْ . وَهَذَا مِنْهَا .

قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ

قَالَ اِبْن عَبَّاس : لَا إِلَه إِلَّا اللَّه . وَقِيلَ : الْقِسْط الْعَدْل ; أَيْ أَمَرَ : بِالْعَدْلِ فَأَطِيعُوهُ . فَفِي الْكَلَام حَذْف .|وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ|أَيْ تَوَجَّهُوا إِلَيْهِ فِي كُلّ صَلَاة إِلَى الْقِبْلَة .|عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ|أَيْ فِي أَيّ مَسْجِد كُنْتُمْ .|وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ|أَيْ وَحِّدُوهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ .|كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ|نَظِيرُهُ | وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ | [ الْأَنْعَام : 94 ] وَقَدْ تَقَدَّمَ . وَالْكَاف فِي مَوْضِع نَصْب ; أَيْ تَعُودُونَ كَمَا بَدَأَكُمْ ; أَيْ كَمَا خَلَقَكُمْ أَوَّل مَرَّة يُعِيدُكُمْ . وَقَالَ الزَّجَّاج : هُوَ مُتَعَلِّق بِمَا قَبْله . أَيْ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ .

فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ

| فَرِيقًا هَدَى | | فَرِيقًا | نَصْب عَلَى الْحَال مِنْ الْمُضْمَر فِي | تَعُودُونَ | أَيْ تَعُودُونَ فَرِيقَيْنِ : سُعَدَاء , وَأَشْقِيَاء . يُقَوِّي هَذَا قِرَاءَة أُبَيّ | تَعُودُونَ فَرِيقَيْنِ فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمْ الضَّلَالَة | ; عَنْ الْكِسَائِيّ . وَقَالَ مُحَمَّد بْن كَعْب الْقُرَظِيّ فِي قَوْله تَعَالَى | فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمْ الضَّلَالَة | قَالَ : مَنْ اِبْتَدَأَ اللَّه خَلْقه لِلضَّلَالَةِ صَيَّرَهُ إِلَى الضَّلَالَة , وَإِنْ عَمِلَ بِأَعْمَالِ الْهُدَى . وَمَنْ اِبْتَدَأَ اللَّه خَلْقه عَلَى الْهُدَى صَيَّرَهُ إِلَى الْهُدَى , وَإِنْ عَمِلَ بِأَعْمَالِ الضَّلَالَة . اِبْتَدَأَ اللَّه خَلْق إِبْلِيس عَلَى الضَّلَالَة , وَعَمِلَ بِأَعْمَالِ السَّعَادَة مَعَ الْمَلَائِكَة , ثُمَّ رَدَّهُ اللَّه إِلَى مَا اِبْتَدَأَ عَلَيْهِ خَلْقه . قَالَ : | وَكَانَ مِنْ الْكَافِرِينَ | [ الْبَقَرَة : 34 ] وَفِي هَذَا رَدٌّ وَاضِح عَلَى الْقَدَرِيَّة وَمَنْ تَابِعهمْ . وَقِيلَ : | فَرِيقًا | نَصْب بِـ | هَدَى | , | وَفَرِيقًا | الثَّانِي نَصْب بِإِضْمَارِ فِعْل ; أَيْ وَأَضَلَّ فَرِيقًا . وَأَنْشَدَ سِيبَوَيْهِ : <br>أَصْبَحْت لَا أَحْمِلُ السِّلَاحَ وَلَا .......... أَمْلِكُ رَأْسَ الْبَعِيرِ إِنْ نَفَرَا <br><br>وَالذِّئْبَ أَخْشَاهُ إِنْ مَرَرْت بِهِ .......... وَحْدِي وَأَخْشَى الرِّيَاحَ وَالْمَطَرَا <br>قَالَ الْفَرَّاء : وَلَوْ كَانَ مَرْفُوعًا لَجَازَ .|إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ|وَقَرَأَ عِيسَى بْن عُمَر : | أَنَّهُمْ | بِفَتْحِ الْهَمْزَة , يَعْنِي لِأَنَّهُمْ .

يَا بَنِي آَدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ

هُوَ خِطَاب لِجَمِيعِ الْعَالَم , وَإِنْ كَانَ الْمَقْصُود بِهَا مَنْ كَانَ يَطُوف مِنْ الْعَرَب بِالْبَيْتِ عُرْيَانًا ; فَإِنَّهُ عَامٌّ فِي كُلّ مَسْجِد لِلصَّلَاةِ ; لِأَنَّ الْعِبْرَة لِلْعُمُومِ لَا لِلسَّبَبِ . وَمِنْ الْعُلَمَاء مَنْ أَنْكَرَ أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِهِ الطَّوَاف ; لِأَنَّ الطَّوَاف لَا يَكُون إِلَّا فِي مَسْجِد وَاحِد , وَاَلَّذِي يَعُمُّ كُلَّ مَسْجِد هُوَ الصَّلَاة . وَهَذَا قَوْل مَنْ خَفِيَ عَلَيْهِ مَقَاصِد الشَّرِيعَة . وَفِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : كَانَتْ الْمَرْأَة تَطُوف بِالْبَيْتِ وَهِيَ عُرْيَانَة وَتَقُول : مَنْ يُعِيرنِي تِطْوَافًا ؟ تَجْعَلُهُ عَلَى فَرْجِهَا . وَتَقُول : <br>الْيَوْم يَبْدُو بَعْضُهُ أَوْ كُلُّهُ .......... وَمَا بَدَا مِنْهُ فَلَا أُحِلُّهُ <br>فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة | خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْد كُلِّ مَسْجِدٍ | التِّطْوَاف ( بِكَسْرِ التَّاء ) . وَهَذِهِ الْمَرْأَة هِيَ ضُبَاعَة بِنْت عَامِر بْن قُرْط ; قَالَهُ الْقَاضِي عِيَاض . وَفِي صَحِيح مُسْلِم أَيْضًا عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ قَالَ : كَانَتْ الْعَرَب تَطُوف بِالْبَيْتِ عُرَاة إِلَّا الْحُمْس , وَالْحُمْس قُرَيْش وَمَا وَلَدَتْ , كَانُوا يَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ عُرَاة إِلَّا أَنْ تُعْطِيَهُمْ الْحُمْس ثِيَابًا فَيُعْطِي الرِّجَال الرِّجَال وَالنِّسَاء النِّسَاء . وَكَانَتْ الْحُمْس لَا يَخْرُجُونَ مِنْ الْمُزْدَلِفَة , وَكَانَ النَّاس كُلُّهُمْ يَقِفُونَ بِعَرَفَاتٍ . فِي غَيْر مُسْلِم : وَيَقُولُونَ نَحْنُ أَهْل الْحَرَم , فَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ الْعَرَب أَنْ يَطُوف إِلَّا فِي ثِيَابِنَا , وَلَا يَأْكُل إِذَا دَخَلَ أَرْضَنَا إِلَّا مِنْ طَعَامِنَا . فَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْ الْعَرَب صَدِيقٌ بِمَكَّة يُعِيرهُ ثَوْبًا وَلَا يَسَار يَسْتَأْجِرُهُ بِهِ كَانَ بَيْن أَحَد أَمْرَيْنِ : إِمَّا أَنْ يَطُوف بِالْبَيْتِ عُرْيَانًا , وَإِمَّا أَنْ يَطُوف فِي ثِيَابه ; فَإِذَا فَرَغَ مِنْ طَوَافِهِ أَلْقَى ثَوْبَهُ عَنْهُ فَلَمْ يَمَسّهُ أَحَد . وَكَانَ ذَلِكَ الثَّوْب يُسَمَّى اللَّقَى ; قَالَ قَائِل مِنْ الْعَرَب : <br>كَفَى حَزَنًا كَرَيٍّ عَلَيْهِ كَأَنَّهُ .......... لَقًى بَيْن أَيْدِي الطَّائِفِينَ حَرِيم <br>فَكَانُوا عَلَى تِلْكَ الْجَهَالَة وَالْبِدْعَة وَالضَّلَالَة حَتَّى بَعَثَ اللَّه نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى : | يَا بَنِي آدَم خُذُوا زِينَتكُمْ | الْآيَة . وَأَذَّنَ مُؤَذِّنُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَلَا لَا يَطُوف بِالْبَيْتِ عُرْيَان . قُلْت : وَمَنْ قَالَ بِأَنَّ الْمُرَاد الصَّلَاة فَزِينَتهَا النِّعَال ; لِمَا رَوَاهُ كُرْز بْن وَبْرَة عَنْ عَطَاء عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ ذَاتَ يَوْم : ( خُذُوا زِينَة الصَّلَاة ) قِيلَ : وَمَا زِينَة الصَّلَاة ؟ قَالَ : ( اِلْبَسُوا نِعَالَكُمْ فَصَلُّوا فِيهَا ) . دَلَّتْ الْآيَة عَلَى وُجُوب سَتْر الْعَوْرَة كَمَا تَقَدَّمَ . وَذَهَبَ جُمْهُور أَهْل الْعِلْم إِلَى أَنَّهَا فَرْض مِنْ فُرُوض الصَّلَاة . وَقَالَ الْأَبْهَرِيّ هِيَ فَرْض فِي الْجُمْلَة , وَعَلَى الْإِنْسَان أَنْ يَسْتُرَهَا عَنْ أَعْيُن النَّاس فِي الصَّلَاة وَغَيْرهَا . وَهُوَ الصَّحِيح ; لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَام لِلْمِسْوَرِ بْن مَخْرَمَة : ( اِرْجِعْ إِلَى ثَوْبِك فَخُذْهُ وَلَا تَمْشُوا عُرَاة ) . أَخْرَجَهُ مُسْلِم . وَذَهَبَ إِسْمَاعِيل الْقَاضِي إِلَى أَنَّ سَتْر الْعَوْرَة مِنْ سُنَن الصَّلَاة , وَاحْتَجَّ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ فَرْضًا فِي الصَّلَاة لَكَانَ الْعُرْيَان لَا يَجُوز لَهُ أَنْ يُصَلِّي ; لِأَنَّ كُلّ شَيْء مِنْ فُرُوض الصَّلَاة يَجِب الْإِتْيَان بِهِ مَعَ الْقُدْرَة عَلَيْهِ , أَوْ بَدَله مَعَ عَدَمه , أَوْ تَسْقُط الصَّلَاة جُمْلَة , وَلَيْسَ كَذَلِكَ . قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : وَإِذَا قُلْنَا إِنَّ سَتْر الْعَوْرَة فَرْض فِي الصَّلَاة فَسَقَطَ ثَوْب إِمَام فَانْكَشَفَ دُبُره وَهُوَ رَاكِع فَرَفَعَ رَأْسه فَغَطَّاهُ أَجْزَأَهُ ; قَالَهُ اِبْن الْقَاسِم . وَقَالَ سَحْنُون : وَكُلّ مَنْ نَظَرَ إِلَيْهِ مِنْ الْمَأْمُومِينَ أَعَادَ . وَرُوِيَ عَنْ سَحْنُون أَيْضًا : أَنَّهُ يُعِيد وَيُعِيدُونَ ; لِأَنَّ سَتْر الْعَوْرَة شَرْط مِنْ شُرُوط الصَّلَاة , فَإِذَا ظَهَرَتْ بَطَلَتْ الصَّلَاة . أَصْله الطَّهَارَة . قَالَ الْقَاضِي اِبْن الْعَرَبِيّ : أَمَّا مَنْ قَالَ , إِنَّ صَلَاتهمْ لَا تَبْطُل فَإِنَّهُمْ لَمْ يَفْقِدُوا شَرْطًا , وَأَمَّا مَنْ قَالَ إِنْ أَخَذَهُ مَكَانه صَحَّتْ صَلَاته وَتَبْطُل صَلَاة مَنْ نَظَرَ إِلَيْهِ فَصَحِيفَة يَجِب مَحْوُهَا وَلَا يَجُوز الِاشْتِغَال بِهَا . وَفِي الْبُخَارِيّ وَالنَّسَائِيّ عَنْ عَمْرو بْن سَلَمَة قَالَ : لَمَّا رَجَعَ قَوْمِي مِنْ عِنْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالُوا قَالَ : ( لِيَؤُمّكُمْ أَكْثَركُمْ قِرَاءَة لِلْقُرْآنِ ) . قَالَ : فَدَعَوْنِي فَعَلَّمُونِي الرُّكُوع وَالسُّجُود ; فَكُنْت أُصَلِّي بِهِمْ وَكَانَتْ عَلَيَّ بُرْدَة مَفْتُوقَة , وَكَانُوا يَقُولُونَ لِأُبَيّ : أَلَا تُغَطِّي عَنَّا اِسْت اِبْنك . لَفْظ النَّسَائِيّ . وَثَبَتَ عَنْ سَهْل بْن سَعْد قَالَ : لَقَدْ كَانَتْ الرِّجَال عَاقِدِي أُزُرِهِمْ فِي أَعْنَاقهمْ مِنْ ضِيق الْأُزُر خَلْف رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الصَّلَاة كَأَمْثَالِ الصِّبْيَان ; فَقَالَ قَائِل : يَا مَعْشَر النِّسَاء , لَا تَرْفَعْنَ رُءُوسَكُنَّ حَتَّى تَرْفَع الرِّجَال . أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ وَالنَّسَائِيّ وَأَبُو دَاوُد . وَاخْتَلَفُوا إِذَا رَأَى عَوْرَة نَفْسه ; فَقَالَ الشَّافِعِيّ : إِذَا كَانَ الثَّوْب ضَيِّقًا يَزُرّهُ أَوْ يُخَلِّلهُ بِشَيْءٍ لِئَلَّا يَتَجَافَى الْقَمِيص فَتُرَى مِنْ الْجَيْب الْعَوْرَة , فَإِنْ لَمْ يَفْعَل وَرَأَى عَوْرَة نَفْسه أَعَادَ الصَّلَاة . وَهُوَ قَوْل أَحْمَد . وَرَخَّصَ مَالِك فِي الصَّلَاة فِي الْقَمِيص مَحْلُول الْأَزْرَار , لَيْسَ عَلَيْهِ سَرَاوِيل . وَهُوَ قَوْل أَبِي حَنِيفَة وَأَبِي ثَوْر . وَكَانَ سَالِم يُصَلِّي مَحْلُول الْأَزْرَار . وَقَالَ دَاوُد الطَّائِيّ : إِذَا كَانَ عَظِيم اللِّحْيَة فَلَا بَأْس بِهِ . وَحَكَى مَعْنَاهُ الْأَثْرَم عَنْ أَحْمَد . فَإِنْ كَانَ إِمَامًا فَلَا يُصَلِّي إِلَّا بِرِدَائِهِ ; لِأَنَّهُ مِنْ الزِّينَة . وَقِيلَ : مِنْ الزِّينَة الصَّلَاة فِي النَّعْلَيْنِ ; رَوَاهُ أَنَس عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَصِحّ . وَقِيلَ : زِينَة الصَّلَاة رَفْع الْأَيْدِي فِي الرُّكُوع وَفِي الرَّفْع مِنْهُ . قَالَ أَبُو عُمَر : لِكُلِّ شَيْء زِينَة وَزِينَة الصَّلَاة التَّكْبِير وَرَفْع الْأَيْدِي . وَقَالَ عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : إِذَا وَسَّعَ اللَّه عَلَيْكُمْ فَأَوْسِعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ , جَمَعَ رَجُل عَلَيْهِ ثِيَابه , صَلَّى فِي إِزَار وَرِدَاء , فِي إِزَار وَقَمِيص , فِي إِزَار وَقَبَاء , فِي سَرَاوِيل وَرِدَاء , فِي سَرَاوِيل وَقَمِيص , فِي سَرَاوِيل وَقَبَاء - وَأَحْسَبُهُ قَالَ : فِي تُبَّان وَقَمِيص - فِي تُبَّانٍ وَرِدَاء , فِي تُبَّانٍ وَقَبَاء . رَوَاهُ الْبُخَارِيّ وَالدَّار قُطْنِيّ .|مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ|قَالَ اِبْن عَبَّاس : أَحَلَّ اللَّه فِي هَذِهِ الْآيَة الْأَكْل وَالشُّرْب مَا لَمْ يَكُنْ سَرَفًا أَوْ مَخِيلَة . فَأَمَّا مَا تَدْعُو الْحَاجَة إِلَيْهِ , وَهُوَ مَا سَدَّ الْجَوْعَة وَسَكَّنَ الظَّمَأ , فَمَنْدُوب إِلَيْهِ عَقْلًا وَشَرْعًا , لِمَا فِيهِ مِنْ حِفْظ النَّفْس وَحِرَاسَة الْحَوَاسّ ; وَلِذَلِكَ وَرَدَ الشَّرْع بِالنَّهْيِ عَنْ الْوِصَال ; لِأَنَّهُ يُضْعِف الْجَسَد وَيُمِيت النَّفْس , وَيُضْعِف عَنْ الْعِبَادَة , وَذَلِكَ يَمْنَع مِنْهُ الشَّرْع وَيَدْفَعهُ الْعَقْل . وَلَيْسَ لِمَنْ مَنَعَ نَفْسه قَدْر الْحَاجَة حَظٌّ مِنْ بِرّ وَلَا نَصِيب مِنْ زُهْد ; لِأَنَّ مَا حُرِمَهَا مِنْ فِعْل الطَّاعَة بِالْعَجْزِ وَالضَّعْف أَكْثَر ثَوَابًا وَأَعْظَم أَجْرًا . وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي الزَّائِد عَلَى قَدْر الْحَاجَة عَلَى قَوْلَيْنِ : فَقِيلَ حَرَام , وَقِيلَ مَكْرُوه . قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : وَهُوَ الصَّحِيح ; فَإِنَّ قَدْر الشِّبَع يَخْتَلِف بِاخْتِلَافِ الْبُلْدَان وَالْأَزْمَان وَالْأَسْنَان وَالطُّعْمَانِ . ثُمَّ قِيلَ : فِي قِلَّة الْأَكْل مَنَافِع كَثِيرَة ; مِنْهَا أَنْ يَكُون الرَّجُل أَصَحَّ جِسْمًا وَأَجْوَد حِفْظًا وَأَزْكَى فَهْمًا وَأَقَلَّ نَوْمًا وَأَخَفَّ نَفْسًا . وَفِي كَثْرَة الْأَكْل كَظّ الْمَعِدَة وَنَتِن التُّخْمَة , وَيَتَوَلَّد مِنْهُ الْأَمْرَاض الْمُخْتَلِفَة , فَيَحْتَاج مِنْ الْعِلَاج أَكْثَر مِمَّا يَحْتَاج إِلَيْهِ الْقَلِيل الْأَكْل . وَقَالَ بَعْض الْحُكَمَاء : أَكْبَر الدَّوَاء تَقْدِير الْغِذَاء . وَقَدْ بَيَّنَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذَا الْمَعْنَى بَيَانًا شَافِيًا يُغْنِي عَنْ كَلَام الْأَطِبَّاء فَقَالَ : ( مَا مَلَأَ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْن بِحَسْب اِبْن آدَمَ لُقَيْمَات يُقِمْنَ صُلْبه فَإِنْ كَانَ لَا مَحَالَة فَثُلُث لِطَعَامِهِ وَثُلُث لِشَرَابِهِ وَثُلُث لِنَفَسِهِ ) . خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيّ مِنْ حَدِيث الْمِقْدَام بْن مَعْدِيكَرِبَ . قَالَ عُلَمَاؤُنَا : لَوْ سَمِعَ بُقْرَاط هَذِهِ الْقِسْمَة لَعَجِبَ مِنْ هَذِهِ الْحِكْمَة . وَيُذْكَر أَنَّ الرَّشِيد كَانَ لَهُ طَبِيب نَصْرَانِيّ حَاذِق فَقَالَ لِعَلِيِّ بْن الْحُسَيْن : لَيْسَ فِي كِتَابكُمْ مِنْ عِلْم الطِّبّ شَيْء , وَالْعِلْم عِلْمَانِ : عِلْم الْأَدْيَان وَعِلْم الْأَبَدَانِ . فَقَالَ لَهُ عَلِيّ : قَدْ جَمَعَ اللَّه الطِّبّ كُلّه فِي نِصْف آيَة مِنْ كِتَابِنَا . فَقَالَ لَهُ : مَا هِيَ ؟ قَالَ قَوْله عَزَّ وَجَلَّ : | وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا | . فَقَالَ النَّصْرَانِيّ : وَلَا يُؤْثَر عَنْ رَسُولِكُمْ شَيْءٌ مِنْ الطِّبّ . فَقَالَ عَلِيّ : جَمَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الطِّبَّ فِي أَلْفَاظ يَسِيرَة . قَالَ : مَا هِيَ ؟ قَالَ : ( الْمَعِدَةُ بَيْتُ الْأَدْوَاءِ وَالْحِمْيَة رَأْسُ كُلِّ دَوَاءٍ وَأُعْطِ كُلَّ جَسَدٍ مَا عَوَّدْته ) . فَقَالَ النَّصْرَانِيّ : مَا تَرَكَ كِتَابكُمْ وَلَا نَبِيّكُمْ لِجَالِينُوسَ طِبًّا . قُلْت : وَيُقَال إِنَّ مُعَالَجَة الْمَرِيض نِصْفَانِ : نِصْف دَوَاء وَنِصْف حِمْيَة : فَإِنْ اِجْتَمَعَا فَكَأَنَّك بِالْمَرِيضِ قَدْ بَرَأَ وَصَحَّ . وَإِلَّا فَالْحِمْيَة بِهِ أَوْلَى ; إِذْ لَا يَنْفَع دَوَاء مَعَ تَرْك الْحِمْيَة . وَلَقَدْ تَنْفَع الْحِمْيَةُ مَعَ تَرْك الدَّوَاء . وَلَقَدْ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَصْلُ كُلِّ دَوَاءٍ الْحِمْيَة ) . وَالْمَعْنِيُّ بِهَا - وَاَللَّه أَعْلَم - أَنَّهَا تُغْنِي عَنْ كُلّ دَوَاء ; وَلِذَلِكَ يُقَال : إِنَّ الْهِنْد جُلّ مُعَالَجَتهمْ الْحِمْيَة , يَمْتَنِع الْمَرِيض عَنْ الْأَكْل وَالشَّرَاب وَالْكَلَام عِدَّة أَيَّام فَيَبْرَأ وَيَصِحّ . رَوَى مُسْلِم عَنْ اِبْن عُمَر قَالَ : سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : ( الْكَافِر يَأْكُل فِي سَبْعَة أَمْعَاء وَالْمُؤْمِن يَأْكُل فِي مِعًى وَاحِد ) . وَهَذَا مِنْهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَضٌّ عَلَى التَّقْلِيل مِنْ الدُّنْيَا وَالزُّهْد فِيهَا وَالْقَنَاعَة بِالْبُلْغَةِ . وَقَدْ كَانَتْ الْعَرَب تَمْتَدِح بِقِلَّةِ الْأَكْل وَتَذُمّ بِكَثْرَتِهِ . كَمَا قَالَ قَائِلهمْ : <br>تَكْفِيه فِلْذَة كَبِد إِنْ أَلَمَّ بِهَا .......... مِنْ الشِّوَاء وَيُرْوِي شُرْبَهُ الْغُمَرُ <br>وَقَالَتْ أَمّ زَرْع فِي اِبْن أَبِي زَرْع : وَيُشْبِعُهُ ذِرَاع الْجَفْرَة . وَقَالَ حَاتِم الطَّائِيّ يَذُمّ بِكَثْرَةِ الْأَكْل : <br>فَإِنَّك إِنْ أَعْطَيْت بَطْنك سُؤْلَهُ .......... وَفَرْجَك نَالَا مُنْتَهَى الذَّمِّ أَجْمَعَا <br>وَقَالَ الْخَطَّابِيّ : مَعْنَى قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( الْمُؤْمِن يَأْكُل فِي مِعًى وَاحِد ) أَنَّهُ يَتَنَاوَل دُون شِبَعه , وَيُؤْثِر عَلَى نَفْسه وَيُبْقِي مِنْ زَادَهُ لِغَيْرِهِ ; فَيُقْنِعهُ مَا أَكَلَ . وَالتَّأْوِيل الْأَوَّل أَوْلَى وَاَللَّه أَعْلَم . وَقِيلَ فِي قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام : ( وَالْكَافِر يَأْكُل فِي سَبْعَة أَمْعَاء ) لَيْسَ عَلَى عُمُومه ; لِأَنَّ الْمُشَاهَدَة تَدْفَعهُ , فَإِنَّهُ قَدْ يُوجَد كَافِر أَقَلَّ أَكْلًا مِنْ مُؤْمِن , وَيُسْلِمُ الْكَافِر فَلَا يَقِلّ أَكْله وَلَا يَزِيد . وَقِيلَ : هُوَ إِشَارَة إِلَى مُعَيَّن . ضَافَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَيْفٌ كَافِرٌ يُقَال : إِنَّهُ الْجَهْجَاهُ الْغِفَارِيُّ . وَقِيلَ : ثُمَامَة بْن أَثَال . وَقِيلَ : نَضْلَة بْن عَمْرو الْغِفَارِيّ . وَقِيلَ : بَصْرَة بْن أَبِي بَصْرَة الْغِفَارِيّ . فَشَرِبَ حِلَاب سَبْع شِيَاه , ثُمَّ إِنَّهُ أَصْبَحَ فَأَسْلَمَ فَشَرِبَ حِلَاب شَاة فَلَمْ يَسْتَتِمَّهُ ; فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ . فَكَأَنَّهُ قَالَ : هَذَا الْكَافِر . وَاَللَّه أَعْلَم . وَقِيلَ : إِنَّ الْقَلْب لَمَّا تَنَوَّرَ بِنُورِ التَّوْحِيد نَظَرَ إِلَى الطَّعَام بِعَيْنِ التَّقَوِّي عَلَى الطَّاعَة , فَأَخَذَ مِنْهُ قَدْر الْحَاجَة , وَحِين كَانَ مُظْلِمًا بِالْكُفْرِ كَانَ أَكْلُهُ كَالْبَهِيمَةِ تَرْتَع حَتَّى تَثْلِط . وَاخْتُلِفَ فِي هَذِهِ الْأَمْعَاء , هَلْ هِيَ حَقِيقَة أَمْ لَا ؟ فَقِيلَ : حَقِيقَة , وَلَهَا أَسْمَاء مَعْرُوفَة عِنْد أَهْل الْعِلْم بِالطِّبِّ وَالتَّشْرِيح . وَقِيلَ : هِيَ كِنَايَات عَنْ أَسْبَاب سَبْعَة يَأْكُل بِهَا النَّهِم : يَأْكُل لِلْحَاجَةِ وَالْخَبَر وَالشَّمّ وَالنَّظَر وَاللَّمْس وَالذَّوْق وَيَزِيد اسْتِغْنَامًا . وَقِيلَ : الْمَعْنَى أَنْ يَأْكُل أَكْل مَنْ لَهُ سَبْعَة أَمْعَاء . وَالْمُؤْمِن بِخِفَّةِ أَكْلِهِ يَأْكُل أَكْل مَنْ لَيْسَ لَهُ إِلَّا مِعًى وَاحِد ; فَيُشَارِك الْكَافِر بِجُزْءٍ مِنْ أَجْزَاء أَكْلِهِ , وَيَزِيد الْكَافِر عَلَيْهِ بِسَبْعَةِ أَمْثَال . وَالْمِعَى فِي هَذَا الْحَدِيث هُوَ الْمَعِدَة . وَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَاعْلَمْ أَنَّهُ يُسْتَحَبّ لِلْإِنْسَانِ غَسْل الْيَد قَبْل الطَّعَام وَبَعْدَهُ ; لِقَوْلِهِ . عَلَيْهِ السَّلَام : ( الْوُضُوء قَبْل الطَّعَام وَبَعْده بَرَكَة ) . وَكَذَا فِي التَّوْرَاة . رَوَاهُ زَاذَان عَنْ سَلْمَان . وَكَانَ مَالِك يَكْرَه غَسْلَ الْيَد النَّظِيفَة . وَالِاقْتِدَاء بِالْحَدِيثِ أَوْلَى . وَلَا يَأْكُل طَعَامًا حَتَّى يَعْرِف أَحَارًّا هُوَ أَمْ بَارِدًا ؟ فَإِنَّهُ إِنْ كَانَ حَارًّا فَقَدْ يَتَأَذَّى . وَرُوِيَ عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : ( أَبْرِدُوا بِالطَّعَامِ فَإِنَّ الْحَارَّ غَيْر ذِي بَرَكَة ) حَدِيث صَحِيح . وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي | الْبَقَرَة | وَلَا يَشُمّهُ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَمَل الْبَهَائِم , بَلْ إِنْ اِشْتَهَاهُ أَكَلَهُ , وَإِنْ كَرِهَهُ تَرَكَهُ , وَيُصَغِّر اللُّقْمَة وَيُكْثِر مَضْغهَا لِئَلَّا يُعَدَّ شَرِهًا . وَيُسَمِّي اللَّه تَعَالَى فِي أَوَّله وَيَحْمَدهُ فِي آخِره . وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَرْفَع صَوْته بِالْحَمْدِ إِلَّا أَنْ يَكُون جُلَسَاؤُهُ قَدْ فَرَغُوا مِنْ الْأَكْل ; لِأَنَّ فِي رَفْع الصَّوْت مَنْعًا لَهُمْ مِنْ الْأَكْل . وَآدَاب الْأَكْل كَثِيرَة , هَذِهِ جُمْلَة مِنْهَا . وَسَيَأْتِي بَعْضهَا فِي سُورَة | هُود | إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى . وَلِلشَّرَابِ أَيْضًا آدَاب مَعْرُوفَة , تَرَكْنَا ذِكْرَهَا لِشُهْرَتِهَا . وَفِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ اِبْن عُمَر أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( إِذَا أَكَلَ أَحَدكُمْ فَلْيَأْكُلْ بِيَمِينِهِ وَإِذَا شَرِبَ فَلْيَشْرَبْ بِيَمِينِهِ فَإِنَّ الشَّيْطَان يَأْكُل بِشِمَالِهِ وَيَشْرَب بِشِمَالِهِ ) . | وَلَا تُسْرِفُوا | أَيْ فِي كَثْرَة الْأَكْل , وَعَنْهُ يَكُون كَثْرَة الشُّرْب , وَذَلِكَ يُثْقِل الْمَعِدَة , وَيُثَبِّط الْإِنْسَان عَنْ خِدْمَة رَبّه , وَالْأَخْذ بِحَظِّهِ مِنْ نَوَافِل الْخَيْر . فَإِنْ تَعَدَّى ذَلِكَ إِلَى مَا فَوْقه مِمَّا يَمْنَعهُ الْقِيَام الْوَاجِب عَلَيْهِ حَرُمَ عَلَيْهِ , وَكَانَ قَدْ أَسْرَفَ فِي مَطْعَمه وَمَشْرَبه . رَوَى أَسَد بْن مُوسَى مِنْ حَدِيث عَوْن بْن أَبِي جُحَيْفَة عَنْ أَبِيهِ قَالَ : أَكَلْت ثَرِيدًا بِلَحْمٍ سَمِينٍ , فَأَتَيْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا أَتَجَشَّى ; فَقَالَ : ( اُكْفُفْ عَلَيْك مِنْ جُشَائِك أَبَا جُحَيْفَة فَإِنَّ أَكْثَر النَّاس شِبَعًا فِي الدُّنْيَا أَطْوَلُهُمْ جُوعًا يَوْمَ الْقِيَامَة ) . فَمَا أَكَلَ أَبُو جُحَيْفَة بِمِلْءِ بَطْنه حَتَّى فَارَقَ الدُّنْيَا , وَكَانَ إِذَا تَغَدَّى لَا يَتَعَشَّى , وَإِذَا تَعَشَّى لَا يَتَغَدَّى . قُلْت : وَقَدْ يَكُون هَذَا مَعْنَى قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام : ( الْمُؤْمِن يَأْكُل فِي مِعًى وَاحِد ) أَيْ التَّامّ الْإِيمَان ; لِأَنَّ مَنْ حَسُنَ إِسْلَامه وَكَمُلَ إِيمَانه كَأَبِي جُحَيْفَة تَفَكَّرَ فِيمَا يَصِير إِلَيْهِ مِنْ أَمْر الْمَوْت وَمَا بَعْده ; فَيَمْنَعهُ الْخَوْف وَالْإِشْفَاق مِنْ تِلْكَ الْأَهْوَال مِنْ اِسْتِيفَاء شَهَوَاته . وَاَللَّه أَعْلَم . وَقَالَ اِبْن زَيْد : مَعْنَى | وَلَا تُسْرِفُوا | لَا تَأْكُلُوا حَرَامًا . وَقِيلَ : ( مِنْ السَّرَف أَنْ تَأْكُل كُلّ مَا اِشْتَهَيْت ) . رَوَاهُ أَنَس بْن مَالِك عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , خَرَّجَهُ اِبْن مَاجَهْ فِي سُنَنِهِ . وَقِيلَ : مِنْ الْإِسْرَاف الْأَكْل بَعْد الشِّبَع . وَكُلّ ذَلِكَ مَحْظُور . وَقَالَ لُقْمَان لِابْنِهِ : يَا بُنَيّ لَا تَأْكُلْ شِبَعًا فَوْق شِبَع , فَإِنَّك أَنْ تَنْبِذهُ لِلْكَلْبِ خَيْر مِنْ أَنْ تَأْكُلَهُ . وَسَأَلَ سَمُرَة بْن جُنْدُب عَنْ اِبْنه مَا فَعَلَ ؟ قَالُوا : بَشِمَ الْبَارِحَة . قَالَ : بَشِمَ ! فَقَالُوا : نَعَمْ . قَالَ : أَمَا إِنَّهُ لَوْ مَاتَ مَا صَلَّيْت عَلَيْهِ . وَقِيلَ : إِنَّ الْعَرَب فِي الْجَاهِلِيَّة كَانُوا لَا يَأْكُلُونَ دَسِمًا فِي أَيَّام حَجّهمْ , وَيَكْتَفُونَ بِالْيَسِيرِ مِنْ الطَّعَام , وَيَطُوفُونَ عُرَاة . فَقِيلَ لَهُمْ : | خُذُوا زِينَتكُمْ عِنْد كُلّ مَسْجِد وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا | أَيْ لَا تُسْرِفُوا فِي تَحْرِيم مَا لَمْ يُحَرَّم عَلَيْكُمْ .

قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ

بَيَّنَ أَنَّهُمْ حَرَّمُوا مِنْ تِلْقَاء أَنْفُسهمْ مَا لَمْ يُحَرِّمْهُ اللَّه عَلَيْهِمْ . وَالزِّينَة هُنَا الْمَلْبَس الْحَسَن , إِذَا قَدَرَ عَلَيْهِ صَاحِبه . وَقِيلَ : جَمِيع الثِّيَاب ; كَمَا رُوِيَ عَنْ عُمَر : إِذَا وَسَّعَ اللَّه عَلَيْكُمْ فَأَوْسِعُوا . وَقَدْ تَقَدَّمَ . وَرُوِيَ عَنْ عَلِيّ بْن الْحُسَيْن بْن عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب شَيْخ مَالِك رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ أَنَّهُ كَانَ يَلْبَس كِسَاء خَزّ بِخَمْسِينَ دِينَارًا , يَلْبَسهُ فِي الشِّتَاء , فَإِذَا كَانَ فِي الصَّيْف تَصَدَّقَ بِهِ , أَوْ بَاعَهُ فَتَصَدَّقَ بِثَمَنِهِ , وَكَانَ يَلْبَس فِي الصَّيْف ثَوْبَيْنِ مِنْ مَتَاع مِصْر مُمَشَّقَيْنِ وَيَقُول : | قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَة اللَّه الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَات مِنْ الرِّزْق | . وَإِذَا كَانَ هَذَا فَقَدْ دَلَّتْ الْآيَة عَلَى لِبَاس الرَّفِيع مِنْ الثِّيَاب , وَالتَّجَمُّل بِهَا فِي الْجُمَع وَالْأَعْيَاد , وَعِنْد لِقَاء النَّاس وَمُزَاوَرَة الْإِخْوَان . قَالَ أَبُو الْعَالِيَة : كَانَ الْمُسْلِمُونَ إِذَا تَزَاوَرُوا تَجَمَّلُوا . وَفِي صَحِيح مُسْلِم مِنْ حَدِيث عُمَر بْن الْخَطَّاب أَنَّهُ رَأَى حُلَّة سِيَرَاء تُبَاع عِنْد بَاب الْمَسْجِد , فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه , لَوْ اِشْتَرَيْتهَا لِيَوْمِ الْجُمُعَة وَلِلْوُفُودِ إِذَا قَدِمُوا عَلَيْك ؟ فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّمَا يَلْبَس هَذَا مَنْ لَا خَلَاق لَهُ فِي الْآخِرَة ) . فَمَا أَنْكَرَ عَلَيْهِ ذِكْرَ التَّجَمُّل , وَإِنَّمَا أَنْكَرَ عَلَيْهِ كَوْنَهَا سِيَرَاء . وَقَدْ اِشْتَرَى تَمِيم الدَّارِيّ حُلَّة بِأَلْفِ دِرْهَم كَانَ يُصَلِّي فِيهَا . وَكَانَ مَالِك بْن دِينَار يَلْبَس الثِّيَاب الْعَدَنِيَّة الْجِيَاد . وَكَانَ ثَوْب أَحْمَد بْن حَنْبَل يُشْتَرَى بِنَحْوِ الدِّينَار . أَيْنَ هَذَا مِمَّنْ يَرْغَب عَنْهُ وَيُؤْثِر لِبَاس الْخَشِن مِنْ الْكَتَّان وَالصُّوف مِنْ الثِّيَاب . وَيَقُول : | وَلِبَاس التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْر | [ الْأَعْرَاف : 26 ] هَيْهَاتَ ! أَتَرَى مَنْ ذَكَرْنَا تَرَكُوا لِبَاس التَّقْوَى , لَا وَاَللَّه ! بَلْ هُمْ أَهْل التَّقْوَى وَأُولُو الْمَعْرِفَة وَالنُّهَى , وَغَيْرهمْ أَهْل دَعْوَى , وَقُلُوبهمْ خَالِيَة مِنْ التَّقْوَى . قَالَ خَالِد بْن شَوْذَب : شَهِدْت الْحَسَن وَأَتَاهُ فَرْقَد , فَأَخَذَهُ الْحَسَن بِكِسَائِهِ فَمَدَّهُ إِلَيْهِ وَقَالَ : يَا فُرَيْقِد , يَا بْن أُمِّ فُرَيْقِد , إِنَّ الْبِرّ لَيْسَ فِي هَذَا الْكِسَاء , إِنَّمَا الْبِرّ مَا وَقَرَ فِي الصَّدْر وَصَدَّقَهُ الْعَمَل . وَدَخَلَ أَبُو مُحَمَّد اِبْن أَخِي مَعْرُوف الْكَرْخِيّ عَلَى أَبِي الْحَسَن بْن يَسَار وَعَلَيْهِ جُبَّة صُوف , فَقَالَ لَهُ أَبُو الْحَسَن : يَا أَبَا مُحَمَّد , صَوَّفْت قَلْبَك أَوْ جِسْمَك ؟ صَوِّفْ قَلْبَك وَالْبَسْ الْقُوهِيَّ عَلَى الْقُوهِيّ . وَقَالَ رَجُل لِلشِّبْلِيِّ : قَدْ وَرَدَ جَمَاعَة مِنْ أَصْحَابك وَهُمْ فِي الْجَامِع , فَمَضَى فَرَأَى عَلَيْهِمْ الْمُرَقَّعَات وَالْفُوَط , فَأَنْشَأَ يَقُول : <br>أَمَّا الْخِيَام فَإِنَّهَا كَخِيَامِهِمْ .......... وَأَرَى نِسَاء الْحَيّ غَيْر نِسَائِهِ <br>قَالَ أَبُو الْفَرَج بْن الْجَوْزِيّ رَحِمَهُ اللَّه : وَأَنَا أَكْرَه لُبْس الْفُوَط وَالْمُرَقَّعَات لِأَرْبَعَةِ أَوْجُه : أَحَدهَا : أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ لُبْس السَّلَف , وَإِنَّمَا كَانُوا يُرَقِّعُونَ ضَرُورَة . وَالثَّانِي : أَنَّهُ يَتَضَمَّن اِدِّعَاء الْفَقْر , وَقَدْ أُمِرَ الْإِنْسَان أَنْ يُظْهِر أَثَر نِعَمِ اللَّه عَلَيْهِ . وَالثَّالِث : إِظْهَار التَّزَهُّد ; وَقَدْ أُمِرْنَا بِسَتْرِهِ . وَالرَّابِع : أَنَّهُ تَشَبُّهٌ بِهَؤُلَاءِ الْمُتَزَحْزِحِينَ عَنْ الشَّرِيعَة . وَمَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ وَقَالَ الطَّبَرِيّ : وَلَقَدْ أَخْطَأَ مَنْ آثَرَ لِبَاس الشَّعْر وَالصُّوف عَلَى لِبَاس الْقُطْن وَالْكَتَّان مَعَ وُجُود السَّبِيل إِلَيْهِ مِنْ حِلّه . وَمَنْ أَكَلَ الْبُقُول وَالْعَدَس وَاخْتَارَهُ عَلَى خُبْز الْبُرّ . وَمَنْ تَرَكَ أَكْل اللَّحْم خَوْفًا مِنْ عَارِض شَهْوَة النِّسَاء . وَسُئِلَ بِشْر بْن الْحَارِث عَنْ لُبْس الصُّوف , فَشَقَّ عَلَيْهِ وَتَبَيَّنَتْ الْكَرَاهَة فِي وَجْهه ثُمَّ قَالَ : لُبْس الْخَزّ وَالْمُعَصْفَر أَحَبّ إِلَيَّ مِنْ لُبْس الصُّوف فِي الْأَمْصَار . وَقَالَ أَبُو الْفَرَج : وَقَدْ كَانَ السَّلَف يَلْبَسُونَ الثِّيَاب الْمُتَوَسِّطَة , لَا الْمُتَرَفِّعَة وَلَا الدُّون , وَيَتَخَيَّرُونَ أَجْوَدهَا لِلْجُمُعَةِ وَالْعِيد وَلِلِقَاءِ الْإِخْوَان , وَلَمْ يَكُنْ تَخَيُّرُ الْأَجْوَد عِنْدهمْ قَبِيحًا . وَأَمَّا اللِّبَاس الَّذِي يُزْرِي بِصَاحِبِهِ فَإِنَّهُ يَتَضَمَّن إِظْهَار الزُّهْد وَإِظْهَار الْفَقْر , وَكَأَنَّهُ لِسَان شَكْوَى مِنْ اللَّه تَعَالَى , وَيُوجِب اِحْتِقَار اللَّابِس ; وَكُلّ ذَلِكَ مَكْرُوه مَنْهِيّ عَنْهُ . فَإِنْ قَالَ قَائِل : تَجْوِيد اللِّبَاس هَوَى النَّفْس وَقَدْ أُمِرْنَا بِمُجَاهَدَتِهَا , وَتَزَيُّن لِلْخَلْقِ وَقَدْ أُمِرْنَا أَنْ تَكُون أَفْعَالُنَا لِلَّهِ لَا لِلْخَلْقِ . فَالْجَوَاب لَيْسَ كُلّ مَا تَهْوَاهُ النَّفْس يُذَمّ , وَلَيْسَ كُلّ مَا يُتَزَيَّن بِهِ لِلنَّاسِ يُكْرَه , وَإِنَّمَا يُنْهَى عَنْ ذَلِكَ إِذَا كَانَ الشَّرْع قَدْ نَهَى عَنْهُ أَوْ عَلَى وَجْه الرِّيَاء فِي بَاب الدِّين . فَإِنَّ الْإِنْسَان يُحِبّ أَنْ يُرَى جَمِيلًا . وَذَلِكَ حَظٌّ لِلنَّفْسِ لَا يُلَام فِيهِ . وَلِهَذَا يُسَرِّح شَعْره وَيَنْظُر فِي الْمِرْآة وَيُسَوِّي عِمَامَته وَيَلْبَس بِطَانَة الثَّوْب الْخَشِنَة إِلَى دَاخِل وَظِهَارَته الْحَسَنَة إِلَى خَارِج . وَلَيْسَ فِي شَيْء مِنْ هَذَا مَا يُكْرَه وَلَا يُذَمُّ . وَقَدْ رَوَى مَكْحُول عَنْ عَائِشَة قَالَتْ : كَانَ نَفَر مِنْ أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْتَظِرُونَهُ عَلَى الْبَاب , فَخَرَجَ يُرِيدُهُمْ , وَفِي الدَّار رَكْوَة فِيهَا مَاء ; فَجَعَلَ يَنْظُر فِي الْمَاء وَيُسَوِّي لِحْيَتَهُ وَشَعْره . فَقُلْت : يَا رَسُول اللَّه , وَأَنْتَ تَفْعَل هَذَا ؟ قَالَ : ( نَعَمْ إِذَا خَرَجَ الرَّجُل إِلَى إِخْوَانِهِ فَلِيُهَيِّئْ مِنْ نَفْسه فَإِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ ) . وَفِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ اِبْن مَسْعُود عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبه مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ ) . فَقَالَ رَجُل : إِنَّ الرَّجُل يُحِبّ أَنْ يَكُون ثَوْبه حَسَنًا وَنَعْله حَسَنَة . قَالَ : ( إِنَّ اللَّه جَمِيل يُحِبّ الْجَمَال الْكِبْر بَطَر الْحَقّ وَغَمْط النَّاس ) . وَالْأَحَادِيث فِي هَذَا الْمَعْنَى كَثِيرَة , تَدُلّ كُلّهَا عَلَى النَّظَافَة وَحُسْن الْهَيْئَة . وَقَدْ رَوَى مُحَمَّد بْن سَعْد أَخْبَرَنَا الْفَضْل بْن دُكَيْن قَالَ حَدَّثَنَا مَنْدَل عَنْ ثَوْر عَنْ خَالِد بْن مَعْدَان قَالَ : كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُسَافِر بِالْمُشْطِ وَالْمِرْآة وَالدُّهْن وَالسِّوَاك وَالْكُحْل . وَعَنْ اِبْن جُرَيْج : مُشْط عَاج يَمْتَشِط بِهِ . قَالَ اِبْن سَعْد : وَأَخْبَرَنَا قَبِيصَة بْن عُقْبَة قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَان عَنْ رَبِيع بْن صُبَيْح عَنْ يَزِيد الرَّقَاشِيّ عَنْ أَنَس بْن مَالِك قَالَ : كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُكْثِر دَهْن رَأْسه وَيُسَرِّح لِحْيَتَهُ بِالْمَاءِ . أَخْبَرَنَا يَزِيد بْن هَارُون حَدَّثَنَا عَبَّاد بْن مَنْصُور عَنْ عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : كَانَتْ لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُكْحُلَة يَكْتَحِل بِهَا عِنْد النَّوْم ثَلَاثًا فِي كُلّ عَيْن . قَوْله تَعَالَى : | وَالطَّيِّبَات مِنْ الرِّزْق | الطَّيِّبَات اِسْم عَامّ لِمَا طَابَ كَسْبًا وَطَعْمًا . قَالَ اِبْن عَبَّاس وَقَتَادَة : يَعْنِي بِالطَّيِّبَاتِ مِنْ الرِّزْق مَا حَرَّمَ أَهْل الْجَاهِلِيَّة مِنْ الْبَحَائِر وَالسَّوَائِب وَالْوَصَائِل وَالْحَوَامِي . وَقِيلَ : هِيَ كُلّ مُسْتَلَذٍّ مِنْ الطَّعَام . وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي تَرْك الطَّيِّبَات وَالْإِعْرَاض عَنْ اللَّذَّات ; فَقَالَ قَوْم : لَيْسَ ذَلِكَ مِنْ الْقُرُبَات , وَالْفِعْل وَالتَّرْك يَسْتَوِي فِي الْمُبَاحَات . وَقَالَ آخَرُونَ : لَيْسَ قُرْبَة فِي ذَاته , وَإِنَّمَا هُوَ سَبِيل إِلَى الزُّهْد فِي الدُّنْيَا , وَقِصَر الْأَمَل فِيهَا , وَتَرْك التَّكَلُّف لِأَجْلِهَا ; وَذَلِكَ مَنْدُوب إِلَيْهِ , وَالْمَنْدُوب قُرْبَة . وَقَالَ آخَرُونَ : وَنُقِلَ عَنْ عُمَر بْن الْخَطَّاب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَوْله : لَوْ شِئْنَا لَاتَّخَذْنَا صِلَاء وَصَلَائِق وَصِنَابًا , وَلَكِنِّي سَمِعْت اللَّه تَعَالَى يَذُمُّ أَقْوَامًا فَقَالَ : | أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمْ الدُّنْيَا | [ الْأَحْقَاف : 20 ] . وَيُرْوَى | صَرَائِق | بِالرَّاءِ , وَهُمَا جَمِيعًا الْجَرَادِق . وَالصَّلَائِق ( بِاللَّامِ ) : مَا يُصْلَق مِنْ اللُّحُوم وَالْبُقُول . وَالصِّلَاء ( بِكَسْرِ الصَّاد وَالْمَدّ ) : الشِّوَاء : وَالصِّنَاب : الْخَرْدَل بِالزَّبِيبِ . وَفَرَّقَ آخَرُونَ بَيْن حُضُور ذَلِكَ كُلّه بِكُلْفَةٍ وَبِغَيْرِ كُلْفَة . قَالَ أَبُو الْحَسَن عَلِيّ بْن الْمُفَضَّل الْمَقْدِسِيّ شَيْخ أَشْيَاخنَا : وَهُوَ الصَّحِيح إِنْ شَاءَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ ; فَإِنَّهُ لَمْ يُنْقَل عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ اِمْتَنَعَ مِنْ طَعَام لِأَجْلِ طِيبِهِ قَطُّ , بَلْ كَانَ يَأْكُل الْحَلْوَى وَالْعَسَل وَالْبِطِّيخ وَالرُّطَب , وَإِنَّمَا يُكْرَه التَّكَلُّف لِمَا فِيهِ مِنْ التَّشَاغُل بِشَهَوَاتِ الدُّنْيَا عَنْ مُهِمَّات الْآخِرَة . وَاَللَّه تَعَالَى أَعْلَم . قُلْت : وَقَدْ كَرِهَ بَعْض الصُّوفِيَّة أَكْلَ الطَّيِّبَات ; وَاحْتَجَّ بِقَوْلِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : إِيَّاكُمْ وَاللَّحْمَ فَإِنَّ لَهُ ضَرَاوَة كَضَرَاوَة الْخَمْر . وَالْجَوَاب أَنَّ هَذَا مِنْ عُمَرَ قَوْلٌ خَرَجَ عَلَى مَنْ خَشِيَ مِنْهُ إِيثَار التَّنَعُّم فِي الدُّنْيَا , وَالْمُدَاوَمَة عَلَى الشَّهَوَات , وَشِفَاء النَّفْس مِنْ اللَّذَّات , وَنِسْيَان الْآخِرَة وَالْإِقْبَال عَلَى الدُّنْيَا , وَلِذَلِكَ كَانَ يَكْتُب عُمَر إِلَى عُمَّاله : إِيَّاكُمْ وَالتَّنَعُّم وَزِيّ أَهْل الْعَجَم , وَاخْشَوْشِنُوا . وَلَمْ يُرِدْ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ تَحْرِيم شَيْء أَحَلَّهُ اللَّه , وَلَا تَحْظِير مَا أَبَاحَهُ اللَّه تَبَارَكَ اِسْمه . وَقَوْل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ أَوْلَى مَا اُمْتُثِلَ وَاعْتُمِدَ عَلَيْهِ . قَالَ اللَّه تَعَالَى : | قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَة اللَّه الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَات مِنْ الرِّزْق | . وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام : ( سَيِّدُ إِدَامِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ اللَّحْمُ ) . وَقَدْ رَوَى هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَة أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَأْكُل الطِّبِّيخ بِالرُّطَبِ وَيَقُول : ( يَكْسِر حَرَّ هَذَا بَرْدَ هَذَا وَبَرْد هَذَا حَرّ هَذَا ) . وَالطِّبِّيخ لُغَة فِي الْبِطِّيخ , وَهُوَ مِنْ الْمَقْلُوب . وَقَدْ مَضَى فِي | الْمَائِدَة | الرَّدّ عَلَى مَنْ آثَرَ أَكْلَ الْخَشِن مِنْ الطَّعَام . وَهَذِهِ الْآيَة تَرُدّ عَلَيْهِ وَغَيْرهَا : وَالْحَمْد لِلَّهِ .|قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ|يَعْنِي بِحَقِّهَا مِنْ تَوْحِيد اللَّه تَعَالَى وَالتَّصْدِيق لَهُ ; فَإِنَّ اللَّه يُنْعِم وَيَرْزُق , فَإِنْ وَحَّدَهُ الْمُنْعَم عَلَيْهِ وَصَدَّقَهُ فَقَدْ قَامَ بِحَقِّ النِّعْمَة , وَإِنْ كَفَرَ فَقَدْ أَمْكَنَ الشَّيْطَان مِنْ نَفْسه . وَفِي صَحِيح الْحَدِيث ( لَا أَحَد أَصْبَر عَلَى أَذًى مِنْ اللَّه يُعَافِيهِمْ وَيَرْزُقُهُمْ وَهُمْ يَدَّعُونَ لَهُ الصَّاحِبَةَ وَالْوَلَدَ ) . وَتَمَّ الْكَلَام عَلَى | الْحَيَاة الدُّنْيَا | . ثُمَّ قَالَ | خَالِصَةٌ | بِالرَّفْعِ وَهِيَ قِرَاءَة اِبْن عَبَّاس وَنَافِع . | خَالِصَة يَوْم الْقِيَامَة | أَيْ يُخْلِص اللَّه الطَّيِّبَات فِي الْآخِرَة لِلَّذِينَ آمَنُوا , وَلَيْسَ لِلْمُشْرِكِينَ فِيهَا شَيْء كَمَا كَانَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا مِنْ الِاشْتِرَاك فِيهَا . وَمَجَاز الْآيَة : قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا مُشْتَرِكَة فِي الدُّنْيَا مَعَ غَيْرِهِمْ , وَهِيَ لِلْمُؤْمِنِينَ خَالِصَة يَوْم الْقِيَامَة . فَـ | خَالِصَة | مُسْتَأْنَف عَلَى خَبَر مُبْتَدَأ مُضْمَر . وَهَذَا قَوْل اِبْن عَبَّاس وَالضَّحَّاك وَالْحَسَن وَقَتَادَة وَالسُّدِّيّ وَابْن جُرَيْج وَابْن زَيْد . وَقِيلَ : الْمَعْنَى أَنَّ هَذِهِ الطَّيِّبَات الْمَوْجُودَات فِي الدُّنْيَا هِيَ خَالِصَة يَوْم الْقِيَامَة , لِلْمُؤْمِنِينَ فِي الدُّنْيَا ; وَخُلُوصهَا أَنَّهُمْ لَا يُعَاقَبُونَ عَلَيْهَا وَلَا يُعَذَّبُونَ فَقَوْله : | فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا | مُتَعَلِّق بِـ | آمَنُوا | . وَإِلَى هَذَا يُشِير تَفْسِير سَعِيد بْن جُبَيْر . وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالنَّصْبِ عَلَى الْحَال وَالْقَطْع ; لِأَنَّ الْكَلَام قَدْ تَمَّ دُونَهُ . وَلَا يَجُوز الْوَقْف عَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَة عَلَى | الدُّنْيَا | ; لِأَنَّ مَا بَعْده مُتَعَلِّق بِقَوْلِهِ | لِلَّذِينَ آمَنُوا | حَال مِنْهُ ; بِتَقْدِيرِ قُلْ هِيَ ثَابِتَة لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا فِي حَال خُلُوصهَا لَهُمْ يَوْم الْقِيَامَة ; قَالَهُ أَبُو عَلِيّ . وَخَبَر الِابْتِدَاء | لِلَّذِينَ آمَنُوا | . وَالْعَامِل فِي الْحَال مَا فِي اللَّام مِنْ مَعْنَى الْفِعْل فِي قَوْله : | لِلَّذِينَ | وَاخْتَارَ سِيبَوَيْهِ النَّصْب لِتَقَدُّمِ الظَّرْف . | كَذَلِكَ نُفَصِّل الْآيَات | أَيْ كَاَلَّذِي فَصَّلْت لَكُمْ الْحَلَال وَالْحَرَام أُفَصِّل لَكُمْ مَا تَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ .

قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ

قَالَ الْكَلْبِيّ : لَمَّا لَبِسَ الْمُسْلِمُونَ الثِّيَاب وَطَافُوا بِالْبَيْتِ عَيَّرَهُمْ الْمُشْرِكُونَ ; فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة . وَالْفَوَاحِش : الْأَعْمَال الْمُفْرِطَة فِي الْقُبْح , مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ . وَرَوَى رَوْح بْن عُبَادَة عَنْ زَكَرِيَّا بْن إِسْحَاق عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح عَنْ مُجَاهِد قَالَ : | مَا ظَهَرَ مِنْهَا | نِكَاح الْأُمَّهَات فِي الْجَاهِلِيَّة . | وَمَا بَطَنَ | الزِّنَى . وَقَالَ قَتَادَة : سِرّهَا وَعَلَانِيَتهَا . وَهَذَا فِيهِ نَظَر ; فَإِنَّهُ ذَكَرَ الْإِثْم وَالْبَغْي فَدَلَّ أَنَّ الْمُرَاد بِالْفَوَاحِشِ . بَعْضهَا , وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَالظَّاهِر مِنْ الْفَوَاحِش الزِّنَى . وَاَللَّه أَعْلَم . | وَالْإِثْم | قَالَ الْحَسَن : الْخَمْر . قَالَ الشَّاعِر : <br>شَرِبْت الْإِثْم حَتَّى ضَلَّ عَقْلِي .......... كَذَاك الْإِثْم تَذْهَب بِالْعُقُولِ <br>وَقَالَ آخَر : <br>نَشْرَب الْإِثْم بِالصُّوَاعِ جِهَارًا .......... وَتَرَى الْمِسْك بَيْنَنَا مُسْتَعَارَا <br>| وَالْبَغْي بِغَيْرِ الْحَقّ | الظُّلْم وَتَجَاوُز الْحَدّ فِيهِ . وَقَدْ تَقَدَّمَ . وَقَالَ ثَعْلَب : الْبَغْي أَنْ يَقَع الرَّجُل فِي الرَّجُل فَيَتَكَلَّم فِيهِ , وَيَبْغِي عَلَيْهِ بِغَيْرِ الْحَقّ ; إِلَّا أَنْ يَنْتَصِر مِنْهُ بِحَقٍّ . وَأَخْرَجَ الْإِثْم وَالْبَغْي مِنْ الْفَوَاحِش وَهُمَا مِنْهُ لِعِظَمِهِمَا وَفُحْشِهِمَا ; فَنَصَّ عَلَى ذِكْرِهِمَا تَأْكِيدًا لِأَمْرِهِمَا وَقَصْدًا لِلزَّجْرِ عَنْهُمَا . وَكَذَا { وَأَنْ تُشْرِكُوا } { وَأَنْ تَقُولُوا } وَهُمَا فِي مَوْضِع نَصْب عَلَى مَا قَبْل . وَقَدْ أَنْكَرَ جَمَاعَة أَنْ يَكُون الْإِثْم بِمَعْنَى الْخَمْر . قَالَ الْفَرَّاء : الْإِثْم مَا دُون الْحَدّ وَالِاسْتِطَالَة عَلَى النَّاس . قَالَ النَّحَّاس : فَأَمَّا أَنْ يَكُون الْإِثْم الْخَمْر فَلَا يُعْرَف ذَلِكَ , وَحَقِيقَة الْإِثْم أَنَّهُ جَمِيع الْمَعَاصِي ; كَمَا قَالَ الشَّاعِر : <br>إِنِّي وَجَدْت الْأَمْر أَرْشَدُهُ .......... تَقْوَى الْإِلَهِ وَشَرُّهُ الْإِثْمُ <br>قُلْت : وَأَنْكَرَهُ اِبْن الْعَرَبِيّ أَيْضًا وَقَالَ : | وَلَا حُجَّة فِي الْبَيْت ; لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ : شَرِبْت الذَّنْب أَوْ شَرِبْت الْوِزْر لَكَانَ كَذَلِكَ , وَلَمْ يُوجِب قَوْله أَنْ يَكُون الذَّنْب وَالْوِزْر اِسْمًا مِنْ أَسْمَاء الْخَمْر كَذَلِكَ , الْإِثْم . وَاَلَّذِي أَوْجَبَ التَّكَلُّم بِمِثْلِ هَذَا الْجَهْل بِاللُّغَةِ وَبِطَرِيقِ الْأَدِلَّة فِي الْمَعَانِي | . قُلْت : وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ عَنْ الْحَسَن . وَقَالَ الْجَوْهَرِيّ فِي الصِّحَاح : وَقَدْ يُسَمَّى الْخَمْر إِثْمًا , وَأَنْشَدَ : <br>شَرِبْت الْإِثْم . . . <br>الْبَيْت وَأَنْشَدَهُ الْهَرَوِيّ فِي غَرِيبَيْهِ , عَلَى أَنَّ الْخَمْر الْإِثْم . فَلَا يَبْعُد أَنْ يَكُون الْإِثْم يَقَع عَلَى جَمِيع الْمَعَاصِي وَعَلَى الْخَمْر أَيْضًا لُغَة , فَلَا تَنَاقُض . وَالْبَغْي : التَّجَاوُز فِي الظُّلْم , وَقِيلَ : الْفَسَاد .|وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ|| وَأَنْ تُشْرِكُوا | | وَأَنْ تَقُولُوا | وَهُمَا فِي مَوْضِع نَصْب عَطْفًا عَلَى مَا قَبْل

وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ

أَيْ وَقْت مُؤَقَّت .|فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ|أَيْ الْوَقْت الْمَعْلُوم عِنْد اللَّه عَزَّ وَجَلَّ . وَقَرَأَ اِبْن سِيرِينَ | جَاءَ آجَالُهُمْ | بِالْجَمْعِ|لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً|عَنْهُ سَاعَة وَلَا أَقَلّ مِنْ سَاعَة ; إِلَّا أَنَّ السَّاعَة خُصَّتْ بِالذِّكْرِ لِأَنَّهَا أَقَلّ أَسْمَاء الْأَوْقَات , وَهِيَ ظَرْف زَمَان .|وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ|فَدَلَّ بِهَذَا عَلَى أَنَّ الْمَقْتُول إِنَّمَا يُقْتَل بِأَجَلِهِ . وَأَجَل الْمَوْت هُوَ وَقْت الْمَوْت ; كَمَا أَنَّ أَجَل الدَّيْن هُوَ وَقْت حُلُوله . وَكُلّ شَيْء وُقِّتَ بِهِ شَيْء فَهُوَ أَجَل لَهُ . وَأَجَل الْإِنْسَان هُوَ الْوَقْت الَّذِي يَعْلَم اللَّه أَنَّهُ يَمُوت الْحَيّ فِيهِ لَا مَحَالَة . وَهُوَ وَقْت لَا يَجُوز تَأْخِير مَوْته عَنْهُ , لَا مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ لَيْسَ مَقْدُورًا تَأْخِيره . وَقَالَ كَثِير مِنْ الْمُعْتَزِلَة إِلَّا مَنْ شَذَّ مِنْهُمْ : إِنَّ الْمَقْتُول مَاتَ بِغَيْرِ أَجَلِهِ الَّذِي ضُرِبَ لَهُ , وَإِنَّهُ لَوْ لَمْ يُقْتَل لَحَيِيَ . وَهَذَا غَلَط ; لِأَنَّ الْمَقْتُول لَمْ يَمُتْ مِنْ أَجْلِ قَتْلِ غَيْره لَهُ , بَلْ مِنْ أَجْل مَا فَعَلَهُ اللَّه مِنْ إِزْهَاق نَفْسه عِنْد الضَّرْب لَهُ . فَإِنْ قِيلَ : فَإِنْ مَاتَ بِأَجَلِهِ فَلِمَ تَقْتُلُونَ ضَارِبَهُ وَتَقْتَصُّونَ مِنْهُ ؟ . قِيلَ لَهُ : نَقْتُلهُ لِتَعَدِّيهِ وَتَصَرُّفه فِيمَا لَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَصَرَّف فِيهِ , لَا لِمَوْتِهِ وَخُرُوج الرُّوح ; إِذْ لَيْسَ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِهِ . وَلَوْ تُرِكَ النَّاس وَالتَّعَدِّي مِنْ غَيْر قِصَاص لَأَدَّى ذَلِكَ إِلَى الْفَسَاد وَدَمَار الْعِبَاد . وَهَذَا وَاضِح .

يَا بَنِي آَدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آَيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ

شَرْط . وَدَخَلَتْ النُّون تَوْكِيدًا لِدُخُولِ | مَا | . وَقِيلَ : مَا صِلَة , أَيْ إِنْ يَأْتِكُمْ . أَخْبَرَ أَنَّهُ يُرْسِل إِلَيْهِمْ الرُّسُل مِنْهُمْ لِتَكُونَ إِجَابَتُهُمْ أَقْرَب . وَالْقَصَص إِتْبَاعُ الْحَدِيثِ بَعْضه بَعْضًا . | آيَاتِي | أَيْ فَرَائِضِي وَأَحْكَامِي .|آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى|شَرْط وَمَا بَعْده جَوَابه , وَهُوَ جَوَاب الْأَوَّل . أَيْ وَأَصْلَحَ مِنْكُمْ مَا بَيْنِي وَبَيْنَهُ .|وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ|دَلِيل عَلَى أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ يَوْم الْقِيَامَة لَا يَخَافُونَ وَلَا يَحْزَنُونَ , وَلَا يَلْحَقهُمْ رُعْبٌ وَلَا فَزَع . وَقِيلَ : قَدْ يَلْحَقهُمْ أَهْوَال يَوْم الْقِيَامَة , وَلَكِنَّ مَآلَهُمْ الْأَمْن . وَقِيلَ : جَوَاب | إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ | مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْكَلَام , أَيْ فَأَطِيعُوهُمْ | فَمَنْ اِتَّقَى وَأَصْلَحَ | وَالْقَوْل الْأَوَّل قَوْل الزَّجَّاج .

وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ

فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآَيَاتِهِ أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا

الْمَعْنَى أَيُّ ظُلْم أَشْنَع مِنْ الِافْتِرَاء عَلَى اللَّه تَعَالَى وَالتَّكْذِيب بِآيَاتِهِ .|أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ|أَيْ مَا كُتِبَ لَهُمْ مِنْ رِزْق وَعُمْر وَعَمَل ; عَنْ اِبْن زَيْد . اِبْن جُبَيْر : مِنْ شَقَاء وَسَعَادَة . اِبْن عَبَّاس : مِنْ خَيْر وَشَرّ . الْحَسَن وَأَبُو صَالِح : مِنْ الْعَذَاب بِقَدْرِ كُفْرهمْ . وَاخْتِيَار الطَّبَرِيّ أَنْ يَكُون الْمَعْنَى : مَا كُتِبَ لَهُمْ , أَيْ مَا قُدِّرَ لَهُمْ مِنْ خَيْر وَشَرّ وَرِزْق وَعَمَل وَأَجَل ; عَلَى مَا تَقَدَّمَ عَنْ اِبْن زَيْد وَابْن عَبَّاس وَابْن جُبَيْر . قَالَ : أَلَا تَرَى أَنَّهُ أَتْبَعَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ|حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ|يَعْنِي رُسُل مَلَك الْمَوْت . وَقِيلَ : | الْكِتَاب | هُنَا الْقُرْآن ; لِأَنَّ عَذَاب الْكُفَّار مَذْكُور فِيهِ . وَقِيلَ : | الْكِتَاب | اللَّوْح الْمَحْفُوظ . ذَكَرَ الْحَسَن بْن عَلِيّ الْحُلْوَانِيّ قَالَ : أَمْلَى عَلَيَّ عَلِيّ بْن الْمَدِينِيّ قَالَ : سَأَلْت عَبْد الرَّحْمَن بْن مَهْدِيّ عَنْ الْقَدَر فَقَالَ لِي : كُلّ شَيْء بِقَدَرٍ , وَالطَّاعَة وَالْمَعْصِيَة بِقَدَرٍ , وَقَدْ أَعْظَمَ الْفِرْيَة مَنْ قَالَ : إِنَّ الْمَعَاصِي لَيْسَتْ بِقَدَرٍ . قَالَ عَلِيّ وَقَالَ لِي عَبْد الرَّحْمَن بْن مَهْدِيّ : الْعِلْم وَالْقَدَر وَالْكِتَاب سَوَاء . ثُمَّ عَرَضْت كَلَام عَبْد الرَّحْمَن بْن مَهْدِيّ عَلَى يَحْيَى بْن سَعِيد فَقَالَ : لَمْ يَبْقَ بَعْد هَذَا قَلِيل وَلَا كَثِير . وَرَوَى يَحْيَى بْن مَعِين حَدَّثَنَا مَرْوَان الْفَزَارِيّ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل بْن سَمِيع عَنْ بُكَيْر الطَّوِيل عَنْ مُجَاهِد عَنْ اِبْن عَبَّاس | أُولَئِكَ يَنَالهُمْ نَصِيبهمْ مِنْ الْكِتَاب | قَالَ : قَوْم يَعْمَلُونَ أَعْمَالًا لَا بُدّ لَهُمْ مِنْ أَنْ يَعْمَلُوهَا . وَ | حَتَّى | لَيْسَتْ غَايَة , بَلْ هِيَ اِبْتِدَاء خَبَر عَنْهُمْ . قَالَ الْخَلِيل وَسِيبَوَيْهِ : حَتَّى وَإِمَّا وَإِلَّا لَا يُمَلْنَ لِأَنَّهُنَّ حُرُوف فَفُرِّقَ بَيْنهَا وَبَيْن الْأَسْمَاء نَحْو حُبْلَى وَسَكْرَى . قَالَ الزَّجَّاج : تُكْتَب حَتَّى بِالْيَاءِ لِأَنَّهَا أَشْبَهَتْ سَكْرَى , وَلَوْ كُتِبَتْ إِلَّا بِالْيَاءِ لَأَشْبَهَتْ إِلَى . وَلَمْ تُكْتَب إِمَّا بِالْيَاءِ لِأَنَّهَا | إِنْ | ضُمَّتْ إِلَيْهَا مَا . | قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُون اللَّه | سُؤَال تَوْبِيخ . وَمَعْنَى | تَدْعُونَ | تَعْبُدُونَ .|قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا|أَيْ بَطَلُوا وَذَهَبُوا . قِيلَ : يَكُون هَذَا فِي الْآخِرَة .|وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ|أَيْ أَقَرُّوا بِالْكُفْرِ عَلَى أَنْفُسهمْ .

قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآَتِهِمْ

أَيْ مَعَ أُمَم ; فَـ | فِي | بِمَعْنَى مَعَ . وَهَذَا لَا يَمْتَنِع ; لِأَنَّ قَوْلَك : زَيْد فِي الْقَوْم , أَيْ مَعَ الْقَوْم . وَقِيلَ : هِيَ عَلَى بَابِهَا , أَيْ اُدْخُلُوا فِي جُمْلَتِهِمْ . وَالْقَائِل قِيلَ : هُوَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ , أَيْ قَالَ اللَّه اُدْخُلُوا . وَقِيلَ : هُوَ مَالِك خَازِن النَّار .|كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا|أَيْ الَّتِي سَبَقَتْهَا إِلَى النَّار , وَهِيَ أُخْتهَا فِي الدِّين وَالْمِلَّة .|حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا|أَيْ اِجْتَمَعُوا . وَقَرَأَ الْأَعْمَش | تَدَارَكُوا | وَهُوَ الْأَصْل , ثُمَّ وَقَعَ الْإِدْغَام فَاحْتِيجَ إِلَى أَلِفِ الْوَصْل . وَحَكَاهَا الْمَهْدَوِيّ عَنْ اِبْن مَسْعُود . النَّحَّاس : وَقَرَأَ اِبْن مَسْعُود | حَتَّى إِذَا اِدَّرَكُوا | أَيْ أَدْرَكَ بَعْضهمْ بَعْضًا . وَعِصْمَة عَنْ أَبِي عَمْرو | حَتَّى إِذَا ادَّارْكُوا | بِإِثْبَاتِ الْأَلِف عَلَى الْجَمْع بَيْن السَّاكِنَيْنِ . وَحَكَى : هَذَانِ عَبْدَا اللَّه . وَلَهُ ثُلُثَا الْمَال . وَعَنْ أَبِي عَمْرو أَيْضًا : | إِذَا إِدَّارَكُوا | بِقَطْعِ أَلِف الْوَصْل ; فَكَأَنَّهُ سَكَتَ عَلَى | إِذَا | لِلتَّذَكُّرِ , فَلَمَّا طَالَ سُكُوته قَطَعَ أَلِف الْوَصْل ; كَالْمُبْتَدِئِ بِهَا . وَقَدْ جَاءَ فِي الشِّعْر قَطْع أَلِف الْوَصْل نَحْو قَوْل : <br>يَا نَفْسُ صَبْرًا كُلُّ حَيٍّ لَاقَى .......... وَكُلّ اِثْنَيْنِ إِلَى إِفْتِرَاق <br>وَعَنْ مُجَاهِد وَحُمَيْد بْن قَيْس | حَتَّى إِذْ اِدَّرَكُوا | بِحَذْفِ أَلِف | إِذَا | لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ , وَحَذْف الْأَلِف الَّتِي بَعْد الدَّال . | جَمِيعًا | نَصْب عَلَى الْحَال .|قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ|أَيْ آخِرهمْ دُخُولًا وَهُمْ الْأَتْبَاع لِأُولَاهُمْ وَهُمْ الْقَادَة .|رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ|فَاللَّام فِي | لِأُولَاهُمْ | لَام أَجْل ; لِأَنَّهُمْ لَمْ يُخَاطِبُوا أُولَاهُمْ وَلَكِنْ قَالُوا فِي حَقّ أُولَاهُمْ رَبّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا . وَالضِّعْف الْمِثْل الزَّائِد عَلَى مِثْله مَرَّة أَوْ مَرَّات . وَعَنْ اِبْن مَسْعُود أَنَّ الضِّعْف هَهُنَا الْأَفَاعِي وَالْحَيَّات . وَنَظِير هَذِهِ الْآيَة | رَبّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنْ الْعَذَاب وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا | [ الْأَحْزَاب : 68 ] . وَهُنَاكَ يَأْتِي ذِكْر الضِّعْف بِأَبْشَع مِنْ هَذَا وَمَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ مِنْ الْأَحْكَام , إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى .|قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ|أَيْ لِلتَّابِعِ وَالْمَتْبُوع .|وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ|عَلَى قِرَاءَة مَنْ قَرَأَ بِالْيَاءِ ; أَيْ لَا يَعْلَم كُلّ فَرِيق مَا بِالْفَرِيقِ الْآخَر , إِذْ لَوْ عَلِمَ بَعْض مَنْ فِي النَّار أَنَّ عَذَاب أَحَد فَوْق عَذَابه لَكَانَ نَوْع سَلْوَة لَهُ . وَقِيلَ : الْمَعْنَى | وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ | بِالتَّاءِ , أَيْ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ أَيّهَا الْمُخَاطَبُونَ مَا يَجِدُونَ مِنْ الْعَذَاب . وَيَجُوز أَنْ يَكُون الْمَعْنَى وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ يَا أَهْل الدُّنْيَا مِقْدَار مَا هُمْ فِيهِ مِنْ الْعَذَاب .

وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ

أَيْ قَدْ كَفَرْتُمْ وَفَعَلْتُمْ كَمَا فَعَلْنَا , فَلَيْسَ تَسْتَحِقُّونَ تَخْفِيفًا مِنْ الْعَذَاب

إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ

أَيْ لِأَرْوَاحِهِمْ . جَاءَتْ بِذَلِكَ أَخْبَار صِحَاح ذَكَرْنَاهَا فِي كِتَاب ( التَّذْكِرَة ) . مِنْهَا حَدِيث الْبَرَاء بْن عَازِب , وَفِيهِ فِي قَبْض رُوح الْكَافِر قَالَ : وَيَخْرُج مِنْهَا رِيح كَأَنْتَن جِيفَة وُجِدَتْ عَلَى وَجْه الْأَرْض , فَيَصْعَدُونَ بِهَا فَلَا يَمُرُّونَ عَلَى مَلَإٍ مِنْ الْمَلَائِكَة إِلَّا قَالُوا : مَا هَذِهِ الرُّوح الْخَبِيثَة . فَيَقُولُونَ فُلَان بْن فُلَان , بِأَقْبَح أَسْمَائِهِ الَّتِي كَانَ يُسَمَّى بِهَا فِي الدُّنْيَا , حَتَّى يَنْتَهُوا بِهَا إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا فَيَسْتَفْتِحُونَ فَلَا يُفْتَح لَهُمْ , ثُمَّ قَرَأَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : | لَا تُفَتَّح لَهُمْ أَبْوَاب السَّمَاء | الْآيَة . وَقِيلَ : لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَاب السَّمَاء إِذَا دَعَوْا ; قَالَهُ مُجَاهِد وَالنَّخَعِيّ . وَقِيلَ : الْمَعْنَى لَا تُفَتَّح لَهُمْ أَبْوَاب الْجَنَّة ; لِأَنَّ الْجَنَّة فِي السَّمَاء . وَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ قَوْله|وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ|وَالْجَمَل لَا يَلِج فَلَا يَدْخُلُونَهَا الْبَتَّة . وَهَذَا دَلِيل قَطْعِيّ لَا يَجُوز الْعَفْو عَنْهُمْ . وَعَلَى هَذَا أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ الَّذِينَ لَا يَجُوز عَلَيْهِمْ الْخَطَأ أَنَّ اللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى لَا يَغْفِر لَهُمْ وَلَا لِأَحَدٍ مِنْهُمْ . قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْر بْن الطَّيِّب : فَإِنْ قَالَ قَائِل كَيْفَ يَكُون هَذَا إِجْمَاعًا مِنْ الْأُمَّة ؟ وَقَدْ زَعَمَ قَوْم مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ بِأَنَّ مُقَلِّدَة الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَغَيْرهمْ مِنْ أَهْل الْكُفْر لَيْسُوا فِي النَّار . قِيلَ لَهُ : هَؤُلَاءِ قَوْم أَنْكَرُوا أَنْ يَكُون الْمُقَلِّد كَافِرًا لِشُبْهَةٍ دَخَلَتْ عَلَيْهِمْ , وَلَمْ يَزْعُمُوا أَنَّ الْمُقَلِّد كَافِر وَأَنَّهُ مَعَ ذَلِكَ لَيْسَ فِي النَّار , وَالْعِلْم بِأَنَّ الْمُقَلِّد كَافِر أَوْ غَيْر كَافِر طَرِيقه النَّظَر دُون التَّوْقِيف وَالْخَبَر . وَقَرَأَ حَمْزَة وَالْكِسَائِيّ : | لَا يُفَتَّح | بِالْيَاءِ مَضْمُومَة عَلَى تَذْكِير الْجَمْع . وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالتَّاءِ عَلَى تَأْنِيث الْجَمَاعَة ; كَمَا قَالَ : | مُفَتَّحَة لَهُمْ الْأَبْوَاب | [ ص : 50 ] فَأَنَّثَ . وَلَمَّا كَانَ التَّأْنِيث فِي الْأَبْوَاب غَيْر حَقِيقِيّ جَازَ تَذْكِير الْجَمْع . وَهِيَ قِرَاءَة اِبْن عَبَّاس بِالْيَاءِ وَخَفَّفَ أَبُو عَمْرو وَحَمْزَة وَالْكِسَائِيّ , عَلَى مَعْنَى أَنَّ التَّخْفِيف يَكُون لِلْقَلِيلِ وَالْكَثِير , وَالتَّشْدِيد لِلتَّكْثِيرِ وَالتَّكْرِير مَرَّة بَعْد مَرَّة لَا غَيْر , وَالتَّشْدِيد هُنَا أَوْلَى ; لِأَنَّهُ عَلَى الْكَثِير أَدَلّ . وَالْجَمَل مِنْ الْإِبِل . قَالَ الْفَرَّاء : الْجَمَل زَوْج النَّاقَة . وَكَذَا قَالَ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود لَمَّا سُئِلَ عَنْ الْجَمَل فَقَالَ : هُوَ زَوْج النَّاقَة ; كَأَنَّهُ اِسْتَجْهَلَ مَنْ سَأَلَهُ عَمَّا يَعْرِفهُ النَّاس جَمِيعًا . وَالْجَمْع جِمَال وَأَجْمَال وَجَمَالَات وَجَمَائِل . وَإِنَّمَا يُسَمَّى جَمَلًا إِذَا أَرْبَعَ . وَفِي قِرَاءَة عَبْد اللَّه : | حَتَّى يَلِج الْجَمَل الْأَصْفَر فِي سَمِّ الْخِيَاط | . ذَكَرَهُ أَبُو بَكْر الْأَنْبَارِيّ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا نَصْر بْن دَاوُد حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْد حَدَّثَنَا حَجَّاج عَنْ اِبْن جُرَيْج عَنْ اِبْن كَثِير عَنْ مُجَاهِد قَالَ فِي قِرَاءَة عَبْد اللَّه . . . ; فَذَكَرَهُ . وَقَرَأَ اِبْن عَبَّاس | الْجُمَّل | بِضَمِّ الْجِيم وَفَتْح الْمِيم وَتَشْدِيدهَا . وَهُوَ حَبْل السَّفِينَة الَّذِي يُقَال لَهُ الْقَلْس , وَهُوَ حِبَال مَجْمُوعَة , جَمْع جُمْلَة ; قَالَهُ أَحْمَد بْن يَحْيَى ثَعْلَب . وَقِيلَ : الْحَبْل الْغَلِيظ مِنْ الْقَنْب . وَقِيلَ : الْحَبْل الَّذِي يُصْعَد بِهِ فِي النَّخْل . وَرُوِيَ عَنْهُ أَيْضًا وَعَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر : | الْجُمَل | بِضَمِّ الْجِيم وَتَخْفِيف الْمِيم هُوَ الْقَلْس أَيْضًا وَالْحَبْل , عَلَى مَا ذَكَرْنَا آنِفًا . وَرُوِيَ عَنْهُ أَيْضًا | الْجُمُل | بِضَمَّتَيْنِ جَمْع جَمَل ; كَأُسُدٍ وَأَسَد , وَالْجُمْل مِثْل أَسَد وَأُسْد . وَعَنْ أَبِي السَّمَّال | الْجَمْل | بِفَتْحِ الْجِيم وَسُكُون الْمِيم , تَخْفِيف | جَمَل | . وَسَمِّ الْخِيَاط : ثَقْب الْإِبْرَة ; عَنْ اِبْن عَبَّاس وَغَيْره . وَكُلّ ثَقْب لَطِيف فِي الْبَدَن يُسَمَّى سَمًّا وَسُمًّا وَجَمْعه سَمُوم . وَجَمْع السُّمّ الْقَاتِل سِمَام . وَقَرَأَ اِبْن سِيرِينَ | فِي سُمّ | بِضَمِّ السِّين . وَالْخِيَاط : مَا يُخَاط بِهِ ; يُقَال : خِيَاط وَمِخْيَط ; مِثْل إِزَار وَمِئْزَر وَقِنَاع وَمِقْنَع .

لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ

| وَالْمِهَاد | الْفِرَاش . وَ | غَوَاشٍ | جَمْع غَاشِيَة , أَيْ نِيرَان تَغْشَاهُمْ .|وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ|يَعْنِي الْكُفَّار . وَاَللَّه أَعْلَم .

وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ

كَلَام مُعْتَرِض , أَيْ وَاَلَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات أُولَئِكَ أَصْحَاب الْجَنَّة هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ , وَمَعْنَى | لَا نُكَلِّف نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا | أَيْ أَنَّهُ لَمْ يُكَلِّف أَحَدًا مِنْ نَفَقَات الزَّوْجَات إِلَّا مَا وَجَدَ وَتَمَّكَنَّ مِنْهُ , دُون مَا لَا تَنَالُهُ يَدُهُ , وَلَمْ يُرِدْ إِثْبَات الِاسْتِطَاعَة قَبْل الْفِعْل ; قَالَهُ اِبْن الطَّيِّب . نَظِيره | لَا يُكَلِّف اللَّه نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا | [ الطَّلَاق : 7 ] .

وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ

ذَكَرَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ فِيمَا يُنْعِم بِهِ عَلَى أَهْل الْجَنَّة نَزْع الْغِلّ مِنْ صُدُورهمْ . وَالنَّزْع : الِاسْتِخْرَاج . وَالْغِلّ : الْحِقْد الْكَامِن فِي الصَّدْر . وَالْجَمْع غِلَال . أَيْ أَذْهَبْنَا فِي الْجَنَّة مَا كَانَ فِي قُلُوبهمْ مِنْ الْغِلّ فِي الدُّنْيَا . قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( الْغِلّ عَلَى بَاب الْجَنَّة كَمَبَارِكِ الْإِبِل قَدْ نَزَعَهُ اللَّه مِنْ قُلُوب الْمُؤْمِنِينَ ) . وَرُوِيَ عَنْ عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : أَرْجُو أَنْ أَكُون أَنَا وَعُثْمَان وَطَلْحَة وَالزُّبَيْر مِنْ الَّذِينَ قَالَ اللَّه تَعَالَى فِيهِمْ : | وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلّ | . وَقِيلَ : نَزْع الْغِلّ فِي الْجَنَّة أَلَّا يَحْسُد بَعْضهمْ بَعْضًا فِي تَفَاضُل مَنَازِلِهِمْ . وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ ذَلِكَ يَكُون عَنْ شَرَاب الْجَنَّة , وَلِهَذَا قَالَ : | وَسَقَاهُمْ رَبّهمْ شَرَابًا طَهُورًا | [ الْإِنْسَان : 21 ] أَيْ يُطَهِّر الْأَوْضَار مِنْ الصُّدُور ; عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانه فِي سُورَة | الْإِنْسَان | وَ | الزُّمَر | إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى .|وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا|أَيْ لِهَذَا الثَّوَاب ; بِأَنْ أَرْشَدَنَا وَخَلَقَ لَنَا الْهِدَايَة . وَهَذَا رَدّ عَلَى الْقَدَرِيَّة .|وَمَا كُنَّا|قِرَاءَة اِبْن عَامِر بِإِسْقَاطِ الْوَاو . وَالْبَاقُونَ بِإِثْبَاتِهَا .|لِنَهْتَدِيَ|لَام كَيْ .|لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ|فِي مَوْضِع رَفْع .|لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ|أَصْله . نُودِيُوا | أَنْ | فِي مَوْضِع نَصْب مُخَفَّفَة مِنْ الثَّقِيلَة ; أَيْ بِأَنَّهُ|تِلْكُمُ الْجَنَّةُ|وَقَدْ تَكُون تَفْسِيرًا لِمَا نُودُوا بِهِ ; لِأَنَّ النِّدَاء قَوْل ; فَلَا يَكُون لَهَا مَوْضِع . أَيْ قِيلَ لَهُمْ : | تِلْكُمْ الْجَنَّة | لِأَنَّهُمْ وُعِدُوا بِهَا فِي الدُّنْيَا ; أَيْ قِيلَ لَهُمْ : هَذِهِ تِلْكُمْ الْجَنَّة الَّتِي وُعِدْتُمْ بِهَا , أَوْ يُقَال ذَلِكَ قَبْل الدُّخُول حِين عَايَنُوهَا مِنْ بَعْد . وَقِيلَ : | تِلْكُمْ | بِمَعْنَى هَذِهِ .|أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ|أَيْ وَرِثْتُمْ مَنَازِلهَا بِعَمَلِكُمْ , وَدُخُولِكُمْ إِيَّاهَا بِرَحْمَةِ اللَّهِ وَفَضْلِهِ . كَمَا قَالَ : | ذَلِكَ الْفَضْل مِنْ اللَّه | [ النِّسَاء : 70 ] . وَقَالَ : | فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ | [ النِّسَاء : 175 ] . وَفِي صَحِيح مُسْلِم : ( لَنْ يُدْخِلَ أَحَدًا مِنْكُمْ عَمَلُهُ الْجَنَّةَ ) قَالُوا : وَلَا أَنْتَ يَا رَسُول اللَّه ؟ قَالَ : ( وَلَا أَنَا إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّه بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْل ) . وَفِي غَيْر الصَّحِيح : لَيْسَ مِنْ كَافِر وَلَا مُؤْمِن إِلَّا وَلَهُ فِي الْجَنَّة وَالنَّار مَنْزِل ; فَإِذَا دَخَلَ أَهْل الْجَنَّة الْجَنَّة وَأَهْل النَّار النَّار رُفِعَتْ الْجَنَّة لِأَهْلِ النَّار فَنَظَرُوا إِلَى مَنَازِلِهِمْ فِيهَا , فَقِيلَ لَهُمْ : هَذِهِ مَنَازِلُكُمْ لَوْ عَمِلْتُمْ بِطَاعَةِ اللَّه . ثُمَّ يُقَال : يَا أَهْل الْجَنَّة رِثُوهُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ; فَتُقْسَم بَيْن أَهْل الْجَنَّة مَنَازِلُهُمْ . قُلْت : وَفِي صَحِيح مُسْلِم : ( لَا يَمُوت رَجُل مُسْلِم إِلَّا أَدْخَلَ اللَّه مَكَانه فِي النَّار يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا ) . فَهَذَا أَيْضًا مِيرَاث ; نَعَّمَ بِفَضْلِهِ مَنْ شَاءَ وَعَذَّبَ بِعَدْلِهِ مَنْ شَاءَ . وَبِالْجُمْلَةِ فَالْجَنَّة وَمَنَازِلُهَا لَا تُنَال إِلَّا بِرَحْمَتِهِ ; فَإِذَا دَخَلُوهَا بِأَعْمَالِهِمْ فَقَدْ وَرِثُوهَا بِرَحْمَتِهِ , وَدَخَلُوهَا بِرَحْمَتِهِ ; إِذْ أَعْمَالُهُمْ رَحْمَة مِنْهُ لَهُمْ وَتَفَضُّل عَلَيْهِمْ . وَقُرِئَ | أُورِثْتُمُوهَا | مِنْ غَيْر إِدْغَام . وَقُرِئَ بِإِدْغَامِ التَّاء فِي الثَّاء .

وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ

هَذَا سُؤَال تَقْرِيع وَتَعْيِير .|أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ|مِثْل | أَنْ تِلْكُمْ الْجَنَّة | أَيْ أَنَّهُ قَدْ وَجَدْنَا . وَقِيلَ : هُوَ نَفْس النِّدَاء .|فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ|أَيْ نَادَى وَصَوَّتَ ; يَعْنِي مِنْ الْمَلَائِكَة . | بَيْنَهُمْ | ظَرْف ; كَمَا تَقُول : أَعْلَم وَسَطَهُمْ . وَقَرَأَ الْأَعْمَش وَالْكِسَائِيّ : | نَعِم | بِكَسْرِ الْعَيْن وَتَجُوز عَلَى هَذِهِ اللُّغَة بِإِسْكَانِ الْعَيْن . قَالَ مَكِّيّ : مَنْ قَالَ | نَعِم | بِكَسْرِ الْعَيْن أَرَادَ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْن | نَعَمْ | الَّتِي هِيَ جَوَاب وَبَيْن | نَعَم | الَّتِي هِيَ اِسْم لِلْإِبِلِ وَالْبَقَر وَالْغَنَم . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَر إِنْكَار | نَعَمْ | بِفَتْحِ الْعَيْن فِي الْجَوَاب , وَقَالَ : قُلْ نَعِم . وَنَعَمْ وَنَعِم , لُغَتَانِ بِمَعْنَى الْعِدَة وَالتَّصْدِيق . فَالْعِدَة إِذَا اِسْتَفْهَمْت عَنْ مُوجَب نَحْو قَوْلِك : أَيَقُومُ زَيْد ؟ فَيَقُول نَعَمْ . وَالتَّصْدِيق إِذَا أَخْبَرْت عَمَّا وَقَعَ , تَقُول : قَدْ كَانَ كَذَا وَكَذَا , فَيَقُول نَعَمْ . فَإِذَا اِسْتَفْهَمْت عَنْ مَنْفِيّ فَالْجَوَاب بَلَى نَحْو قَوْلِك أَلَمْ أُكْرِمْك , فَيَقُول بَلَى . فَنَعَمْ لِجَوَابِ الِاسْتِفْهَام الدَّاخِل عَلَى الْإِيجَاب كَمَا فِي هَذِهِ الْآيَة . وَبَلَى , لِجَوَابِ الِاسْتِفْهَام الدَّاخِل عَلَى النَّفْي ; كَمَا قَالَ تَعَالَى : | أَلَسْت بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى | [ الْأَعْرَاف : 172 ] .|أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ|وَقَرَأَ البَزِّيّ وَابْن عَامِر وَحَمْزَة وَالْكِسَائِيّ | أَنْ لَعْنَة اللَّه | وَهُوَ الْأَصْل . وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِتَخْفِيفِ | أَنْ | وَرَفْع اللَّعْنَة عَلَى الِابْتِدَاء . فَـ | أَنْ | فِي مَوْضِع نَصْب عَلَى الْقِرَاءَتَيْنِ عَلَى إِسْقَاط الْخَافِض . وَيَجُوز فِي الْمُخَفَّفَة أَلَّا يَكُون لَهَا مَوْضِعٌ مِنْ الْإِعْرَاب , وَتَكُون مُفَسِّرَةً كَمَا تَقُوم . وَحُكِيَ عَنْ الْأَعْمَش أَنَّهُ قَرَأَ | إِنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ | بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ ; فَهَذَا عَلَى إِضْمَار الْقَوْل كَمَا قَرَأَ الْكُوفِيُّونَ | فَنَادَاهُ الْمَلَائِكَة وَهُوَ قَائِم يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ إِنَّ اللَّه | وَيُرْوَى أَنَّ طَاوُسًا دَخَلَ عَلَى هِشَام بْن عَبْد الْمَلِك فَقَالَ لَهُ : اِتَّقِ اللَّه وَاحْذَرْ يَوْم الْأَذَان . فَقَالَ : وَمَا يَوْم الْأَذَان ؟ قَالَ : قَوْله تَعَالَى : | فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَة اللَّه عَلَى الظَّالِمِينَ | فَصُعِقَ هِشَام . فَقَالَ طَاوُس : هَذَا ذُلُّ الصِّفَةِ فَكَيْفَ ذُلُّ الْمُعَايَنَةِ .

الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ كَافِرُونَ

فِي مَوْضِع خَفْض لِ | ظَالِمِينَ | عَلَى النَّعْت . وَيَجُوز الرَّفْع وَالنَّصْب عَلَى إِضْمَارِ هُمْ أَوْ أَعْنِي . أَيْ الَّذِينَ كَانُوا يَصُدُّونَ فِي الدُّنْيَا النَّاس عَنْ الْإِسْلَام . فَهُوَ مِنْ الصَّدّ الَّذِي هُوَ الْمَنْع . أَوْ يَصُدُّونَ بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ سَبِيل اللَّه أَيْ يُعْرِضُونَ . وَهَذَا مِنْ الصُّدُود .|وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا|يَطْلُبُونَ اِعْوِجَاجَهَا وَيَذُمُّونَهَا فَلَا يُؤْمِنُونَ بِهَا . وَقَدْ مَضَى هَذَا الْمَعْنَى|وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كَافِرُونَ|أَيْ وَكَانُوا بِهَا كَافِرِينَ , فَحُذِفَ وَهُوَ كَثِير فِي الْكَلَام .

وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ

أَيْ بَيْن النَّار وَالْجَنَّة - لِأَنَّهُ جَرَى ذِكْرُهُمَا - حَاجِز ; أَيْ سُور . وَهُوَ السُّور الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّه فِي قَوْله : | فَضُرِبَ بَيْنهمْ بِسُورٍ | [ الْحَدِيد : 13 ] .|وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ|أَيْ عَلَى أَعْرَاف السُّور ; وَهِيَ شُرَفه . وَمِنْهُ عُرْف الْفَرَس وَعُرْف الدِّيك . رَوَى عَبْد اللَّه بْن أَبِي يَزِيد عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّهُ قَالَ : الْأَعْرَاف الشَّيْء الْمُشْرِف . وَرَوَى مُجَاهِد عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّهُ قَالَ : الْأَعْرَاف سُور لَهُ عُرْف كَعُرْفِ الدِّيك . وَالْأَعْرَاف فِي اللُّغَة : الْمَكَان الْمُشْرِف ; جَمْع عُرْف . قَالَ يَحْيَى بْن آدَم : سَأَلْت الْكِسَائِيّ عَنْ وَاحِد الْأَعْرَاف فَسَكَتَ , فَقُلْت : حَدَّثَنَا إِسْرَائِيل عَنْ جَابِر عَنْ مُجَاهِد عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : الْأَعْرَاف سُور لَهُ عُرْف كَعُرْفِ الدِّيك . فَقَالَ : نَعَمْ وَاَللَّه , وَاحِده يَعْنِي , وَجَمَاعَته أَعْرَاف , يَا غُلَام , هَاتِ الْقِرْطَاس ; فَكَتَبَهُ . وَهَذَا الْكَلَام خَرَجَ مَخْرَج الْمَدْح ; كَمَا قَالَ فِيهِ : | رِجَال لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَة وَلَا بَيْع عَنْ ذِكْر اللَّه | [ النُّور : 37 ] وَقَدْ تَكَلَّمَ الْعُلَمَاء فِي أَصْحَاب الْأَعْرَاف عَلَى عَشَرَة أَقْوَال : فَقَالَ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود وَحُذَيْفَة بْن الْيَمَان وَابْن عَبَّاس وَالشَّعْبِيّ وَالضَّحَّاك وَابْن جُبَيْر : هُمْ قَوْم اِسْتَوَتْ حَسَنَاتُهُمْ وَسَيِّئَاتُهُمْ . قَالَ اِبْن عَطِيَّة : وَفِي مُسْنَد خَيْثَمَة بْن سُلَيْمَان ( فِي آخِر الْجُزْء الْخَامِس عَشَر ) حَدِيث عَنْ جَابِر بْن عَبْد اللَّه قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( تُوضَع الْمَوَازِينُ يَوْم الْقِيَامَة فَتُوزَن الْحَسَنَات وَالسَّيِّئَات فَمَنْ رَجَحَتْ حَسَنَاته عَلَى سَيِّئَاته مِثْقَال صُؤَابَة دَخَلَ الْجَنَّة وَمَنْ رَجَحَتْ سَيِّئَاته عَلَى حَسَنَاته مِثْقَال صُؤَابَة دَخَلَ النَّار ) . قِيلَ : يَا رَسُول اللَّه , فَمَنْ اِسْتَوَتْ حَسَنَاته وَسَيِّئَاته ؟ قَالَ : ( أُولَئِكَ أَصْحَاب الْأَعْرَاف لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ ) . وَقَالَ مُجَاهِد : هُمْ قَوْم صَالِحُونَ فُقَهَاء عُلَمَاء . وَقِيلَ : هُمْ الشُّهَدَاء ; ذَكَرَهُ الْمَهْدَوِيّ . وَقَالَ الْقُشَيْرِيّ : وَقِيلَ هُمْ فُضَلَاء الْمُؤْمِنِينَ وَالشُّهَدَاء , فَرَغُوا مِنْ شَغْل أَنْفُسهمْ , وَتَفَرَّغُوا لِمُطَالَعَةِ حَال النَّاس ; فَإِذَا رَأَوْا أَصْحَاب النَّار تَعَوَّذُوا بِاَللَّهِ أَنْ يَرِدُوا إِلَى النَّار , فَإِنَّ فِي قُدْرَة اللَّه كُلّ شَيْء , وَخِلَاف الْمَعْلُوم مَقْدُور . فَإِذَا رَأَوْا أَهْل الْجَنَّة وَهُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا بَعْد يَرْجُونَ لَهُمْ دُخُولهَا . وَقَالَ شُرَحْبِيل بْن سَعْد : هُمْ الْمُسْتَشْهِدُونَ فِي سَبِيل اللَّه الَّذِينَ خَرَجُوا عُصَاة لِآبَائِهِمْ . وَذَكَرَ الطَّبَرِيّ فِي ذَلِكَ حَدِيثًا عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَأَنَّهُ تَعَادَلَ عُقُوقُهُمْ وَاسْتِشْهَادُهُمْ . وَذَكَرَ الثَّعْلَبِيّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي قَوْله عَزَّ وَجَلَّ : | وَعَلَى الْأَعْرَاف رِجَال | قَالَ : الْأَعْرَاف مَوْضِع عَالٍ عَلَى الصِّرَاط , عَلَيْهِ الْعَبَّاس وَحَمْزَة وَعَلِيّ بْن أَبِي طَالِب وَجَعْفَر ذُو الْجَنَاحَيْنِ , رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ , يَعْرِفُونَ مُحِبِّيهِمْ بِبَيَاضِ الْوُجُوه وَمُبْغِضِيهِمْ بِسَوَادِ الْوُجُوه . وَحَكَى الزَّهْرَاوِيّ أَنَّهُمْ عُدُول الْقِيَامَة الَّذِينَ يَشْهَدُونَ عَلَى النَّاس بِأَعْمَالِهِمْ , وَهُمْ فِي كُلّ أُمَّة . وَاخْتَارَ هَذَا الْقَوْل النَّحَّاس , وَقَالَ : وَهُوَ مِنْ أَحْسَن مَا قِيلَ فِيهِ ; فَهُمْ عَلَى السُّور بَيْن الْجَنَّة وَالنَّار . وَقَالَ الزَّجَّاج : هُمْ قَوْم أَنْبِيَاء . وَقِيلَ : هُمْ قَوْم كَانَتْ لَهُمْ صَغَائِر لَمْ تُكَفَّر عَنْهُمْ بِالْآلَامِ وَالْمَصَائِب فِي الدُّنْيَا وَلَيْسَتْ لَهُمْ كَبَائِر فَيُحْبَسُونَ عَنْ الْجَنَّة لِيَنَالَهُمْ بِذَلِكَ غَمٌّ فَيَقَع فِي مُقَابَلَة صَغَائِرهمْ . وَتَمَنَّى سَالِم مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَة أَنْ يَكُون مِنْ أَصْحَاب الْأَعْرَاف ; لِأَنَّ مَذْهَبه أَنَّهُمْ مُذْنِبُونَ . وَقِيلَ : هُمْ أَوْلَاد الزِّنَى ; ذَكَرَهُ الْقُشَيْرِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس . وَقِيلَ : هُمْ مَلَائِكَة مُوَكَّلُونَ بِهَذَا السُّور , يُمَيِّزُونَ الْكَافِرِينَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ قَبْل إِدْخَالهمْ الْجَنَّة وَالنَّار ; ذَكَرَهُ أَبُو مِجْلَز . فَقِيلَ لَهُ : لَا يُقَال لِلْمَلَائِكَةِ رِجَال ؟ فَقَالَ : إِنَّهُمْ ذُكُور وَلَيْسُوا بِإِنَاثٍ , فَلَا يَبْعُد إِيقَاع لَفْظ الرِّجَال عَلَيْهِمْ ; كَمَا أُوقِعَ عَلَى الْجِنّ فِي قَوْله : | وَأَنَّهُ كَانَ رِجَال مِنْ الْإِنْس يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنْ الْجِنّ | [ الْجِنّ : 6 ] . فَهَؤُلَاءِ الْمَلَائِكَة يَعْرِفُونَ الْمُؤْمِنِينَ بِعَلَامَاتِهِمْ وَالْكُفَّار بِعَلَامَاتِهِمْ ; فَيُبَشِّرُونَ الْمُؤْمِنِينَ قَبْل دُخُولهمْ الْجَنَّة وَهُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا بَعْد فَيَطْمَعُونَ فِيهَا . وَإِذَا رَأَوْا أَهْل النَّار دَعَوْا لِأَنْفُسِهِمْ بِالسَّلَامَةِ مِنْ الْعَذَاب . قَالَ اِبْن عَطِيَّة : وَاللَّازِم مِنْ الْآيَة أَنَّ عَلَى الْأَعْرَاف رِجَالًا مِنْ أَهْل الْجَنَّة يَتَأَخَّر دُخُولهمْ وَيَقَع لَهُمْ مَا وُصِفَ مِنْ الِاعْتِبَار فِي الْفَرِيقَيْنِ .|يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ|أَيْ بِعَلَامَاتِهِمْ , وَهِيَ بَيَاض الْوُجُوه وَحُسْنِهَا فِي أَهْل الْجَنَّة , وَسَوَادهَا وَقُبْحهَا فِي أَهْل النَّار , إِلَى غَيْر ذَلِكَ مِنْ مَعْرِفَة حَيِّز هَؤُلَاءِ وَحَيِّز هَؤُلَاءِ . قُلْت : فَوُقِفَ عَنْ التَّعْيِين لِاضْطِرَابِ الْأَثَر وَالتَّفْصِيل , وَاَللَّه بِحَقَائِق الْأُمُور عَلِيم . ثُمَّ قِيلَ : الْأَعْرَاف جَمْع عُرْف وَهُوَ كُلّ عَالٍ مُرْتَفِع ; لِأَنَّهُ بِظُهُورِهِ أَعْرَف مِنْ الْمُنْخَفِض . قَالَ اِبْن عَبَّاس : الْأَعْرَاف شُرَف الصِّرَاط . وَقِيلَ : هُوَ جَبَل أُحُد يُوضَع هُنَاكَ . قَالَ اِبْن عَطِيَّة : وَذَكَرَ الزَّهْرَاوِيُّ حَدِيثًا أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( إِنَّ أُحُدًا جَبَل يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ وَإِنَّهُ يَوْم الْقِيَامَة يَمْثُل بَيْن الْجَنَّة وَالنَّار يُحْبَس عَلَيْهِ أَقْوَامٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ هُمْ إِنْ شَاءَ اللَّه مِنْ أَهْل الْجَنَّة ) . وَذَكَرَ حَدِيثًا آخَر عَنْ صَفْوَان بْن سُلَيْم أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( إِنَّ أُحُدًا عَلَى رُكْن مِنْ أَرْكَان الْجَنَّة ) . قُلْت : وَذَكَرَ أَبُو عُمَر عَنْ أَنَس بْن مَالِك أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( أُحُد جَبَل يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ وَإِنَّهُ لَعَلَى تُرْعَة مِنْ تُرَع الْجَنَّة ) .|وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ|أَيْ نَادَى أَصْحَاب الْأَعْرَاف أَصْحَاب الْجَنَّة .|أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ|أَيْ قَالُوا لَهُمْ سَلَام عَلَيْكُمْ . وَقِيلَ : الْمَعْنَى سَلِمْتُمْ مِنْ الْعُقُوبَة .|لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ|أَيْ لَمْ يَدْخُل الْجَنَّة أَصْحَاب الْأَعْرَاف , أَيْ لَمْ يَدْخُلُوهَا بَعْد . | وَهُمْ يَطْمَعُونَ | عَلَى هَذَا التَّأْوِيل بِمَعْنَى وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّهُمْ يَدْخُلُونَهَا . وَذَلِكَ مَعْرُوف فِي اللُّغَة أَنْ يَكُون طَمِعَ بِمَعْنَى عَلِمَ ; ذَكَرَهُ النَّحَّاس . وَهَذَا قَوْل اِبْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس وَغَيْرهمَا , أَنَّ الْمُرَاد أَصْحَاب الْأَعْرَاف . وَقَالَ أَبُو مِجْلَز : هُمْ أَهْل الْجَنَّة , أَيْ قَالَ لَهُمْ أَصْحَاب الْأَعْرَاف سَلَام عَلَيْكُمْ وَأَهْل الْجَنَّة لَمْ يَدْخُلُوا الْجَنَّة بَعْد وَهُمْ يَطْمَعُونَ فِي دُخُولهَا لِلْمُؤْمِنِينَ الْمَارِّينَ عَلَى أَصْحَاب الْأَعْرَاف . وَالْوَقْف عَلَى قَوْله : | سَلَام عَلَيْكُمْ | . وَعَلَى قَوْله : | لَمْ يَدْخُلُوهَا | . ثُمَّ يَبْتَدِئ | وَهُمْ يَطْمَعُونَ | عَلَى مَعْنَى وَهُمْ يَطْمَعُونَ فِي دُخُولهَا . وَيَجُوز أَنْ يَكُون | وَهُمْ يَطْمَعُونَ | حَالًا , وَيَكُون الْمَعْنَى : لَمْ يَدْخُلْهَا الْمُؤْمِنُونَ الْمَارُّونَ عَلَى أَصْحَاب الْأَعْرَاف طَامِعِينَ , وَإِنَّمَا دَخَلُوهَا غَيْر طَامِعِينَ فِي دُخُولهَا ; فَلَا يُوقَف عَلَى | لَمْ يَدْخُلُوهَا | .

وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ

أَيْ جِهَة اللِّقَاء وَهِيَ جِهَة الْمُقَابَلَة . وَلَمْ يَأْتِ مَصْدَر عَلَى تِفْعَال غَيْر حَرْفَيْنِ : تِلْقَاء وَتِبْيَان . وَالْبَاقِي بِالْفَتْحِ ; مِثْل تَسْيَار وَتَهْمَام وَتَذْكَار . وَأَمَّا الِاسْم بِالْكَسْرِ فِيهِ فَكَثِير ; مِثْل تِقْصَار وَتِمْثَال .|قَالُوا|أَيْ قَالَ أَصْحَاب الْأَعْرَاف .|رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ|سَأَلُوا اللَّه أَلَّا يَجْعَلهُمْ مَعَهُمْ , وَقَدْ عَلِمُوا أَنَّهُ لَا يَجْعَلهُمْ مَعَهُمْ . فَهَذَا عَلَى سَبِيل التَّذَلُّل ; كَمَا يَقُول أَهْل الْجَنَّة : | رَبّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا | [ التَّحْرِيم : 8 ] وَيَقُولُونَ : الْحَمْد لِلَّهِ . عَلَى سَبِيل الشُّكْر لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ . وَلَهُمْ فِي ذَلِكَ لَذَّة .

وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ

أَيْ مِنْ أَهْل النَّار .|قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ|أَيْ لِلدُّنْيَا وَاسْتِكْبَاركُمْ عَنْ الْإِيمَان .

أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ

إِشَارَة إِلَى قَوْم مِنْ الْمُؤْمِنِينَ الْفُقَرَاء ; كَبِلَالٍ وَسَلْمَان وَخَبَّاب وَغَيْرهمْ .|أَقْسَمْتُمْ|فِي الدُّنْيَا .|لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ|فِي الْآخِرَة .|بِرَحْمَةٍ|يُوَبِّخُونَهُمْ بِذَلِكَ .|ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ|وَزِيدُوا غَمًّا وَحَسْرَة بِأَنْ قَالُوا لَهُمْ | اُدْخُلُوا الْجَنَّة | وَقَرَأَ عِكْرِمَة | دَخَلُوا الْجَنَّة | بِغَيْرِ أَلِف وَالدَّال مَفْتُوحَة . وَقَرَأَ طَلْحَة بْن مُصَرِّف | أُدْخِلُوا الْجَنَّةَ | بِكَسْرِ الْخَاء عَلَى أَنَّهُ فِعْلٌ مَاضٍ . وَدَلَّتْ الْآيَة عَلَى أَنَّ أَصْحَاب الْأَعْرَاف مَلَائِكَة أَوْ أَنْبِيَاء ; فَإِنَّ قَوْلَهُمْ ذَلِكَ إِخْبَار عَنْ اللَّه - تَعَالَى - وَمَنْ جَعَلَ أَصْحَاب الْأَعْرَاف الْمُذْنِبِينَ كَانَ آخِر قَوْلِهِمْ لِأَصْحَابِ النَّار | وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ | وَيَكُون | أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ | إِلَى آخِر الْآيَة مِنْ قَوْل اللَّه تَعَالَى لِأَهْلِ النَّار تَوْبِيخًا لَهُمْ عَلَى مَا كَانَ مِنْ قَوْلِهِمْ فِي الدُّنْيَا . وَرُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس , وَالْأَوَّل عَنْ الْحَسَن . وَقِيلَ : هُوَ مِنْ كَلَام الْمَلَائِكَة الْمُوَكَّلِينَ بِأَصْحَابِ الْأَعْرَاف ; فَإِنَّ أَهْل النَّار يَحْلِفُونَ أَنَّ أَصْحَاب الْأَعْرَاف يَدْخُلُونَ مَعَهُمْ النَّار فَتَقُول الْمَلَائِكَة لِأَصْحَابِ الْأَعْرَاف : | اُدْخُلُوا الْجَنَّة لَا خَوْف عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ |

وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ

قِيلَ : إِذَا صَارَ أَهْل الْأَعْرَاف إِلَى الْجَنَّة طَمِعَ أَهْل النَّار فَقَالُوا : يَا رَبّنَا إِنَّ لَنَا قَرَابَات فِي الْجَنَّة فَأْذَنْ لَنَا حَتَّى نَرَاهُمْ وَنُكَلِّمهُمْ . وَأَهْل الْجَنَّة لَا يَعْرِفُونَهُمْ لِسَوَادِ وُجُوهِهِمْ .|أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ|فَبَيَّنَ أَنَّ اِبْن آدَم لَا يَسْتَغْنِي عَنْ الطَّعَام وَالشَّرَاب وَإِنْ كَانَ فِي الْعَذَاب . | قَالُوا إِنَّ اللَّه حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ | يَعْنِي طَعَام الْجَنَّة وَشَرَابَهَا . وَالْإِفَاضَة التَّوْسِعَة ; يُقَال : أَفَاضَ عَلَيْهِ نِعَمَهُ . فِي هَذِهِ الْآيَة دَلِيل عَلَى أَنَّ سَقْيَ الْمَاء مِنْ أَفْضَل الْأَعْمَال . وَقَدْ سُئِلَ اِبْن عَبَّاس : أَيّ الصَّدَقَة أَفْضَل ؟ فَقَالَ : الْمَاء , أَلَمْ تَرَوْا إِلَى أَهْل النَّار حِين اِسْتَغَاثُوا بِأَهْلِ الْجَنَّة | أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنْ الْمَاء أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمْ اللَّه | ؟ . وَرَوَى أَبُو دَاوُد أَنَّ سَعْدًا أَتَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : أَيّ الصَّدَقَة أَعْجَب إِلَيْك ؟ قَالَ : ( الْمَاء ) . وَفِي رِوَايَة : فَحَفَرَ بِئْرًا فَقَالَ : ( هَذِهِ لِأُمِّ سَعْد ) . وَعَنْ أَنَس قَالَ قَالَ سَعْد : يَا رَسُول اللَّه , إِنَّ أُمَّ سَعْد كَانَتْ تُحِبّ الصَّدَقَة , أَفَيَنْفَعُهَا أَنْ أَتَصَدَّق عَنْهَا ؟ قَالَ : ( نَعَمْ وَعَلَيْك بِالْمَاءِ ) . وَفِي رِوَايَة أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ سَعْد بْن عُبَادَة أَنْ يَسْقِي عَنْهَا الْمَاء . فَدَلَّ عَلَى أَنَّ سَقْي الْمَاء مِنْ أَعْظَم الْقُرُبَات عِنْد اللَّه تَعَالَى . وَقَدْ قَالَ بَعْض التَّابِعِينَ : مَنْ كَثُرَتْ ذُنُوبه فَعَلَيْهِ بِسَقْيِ الْمَاء . وَقَدْ غَفَرَ اللَّه ذُنُوب الَّذِي سَقَى الْكَلْب , فَكَيْفَ بِمَنْ سَقَى رَجُلًا مُؤْمِنًا مُوَحِّدًا وَأَحْيَاهُ . رَوَى الْبُخَارِيّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( بَيْنَا رَجُل يَمْشِي بِطَرِيقٍ اِشْتَدَّ عَلَيْهِ الْعَطَش فَنَزَلَ بِئْرًا فَشَرِبَ مِنْهَا ثُمَّ خَرَجَ فَإِذَا كَلْب يَأْكُل الثَّرَى مِنْ الْعَطَش فَقَالَ لَقَدْ بَلَغَ هَذَا الْكَلْب مِثْل الَّذِي بَلَغَ بِي فَمَلَأ خُفَّهُ ثُمَّ أَمْسَكَهُ بِفِيهِ ثُمَّ رَقِيَ فَسَقَى الْكَلْب فَشَكَرَ اللَّه لَهُ فَغَفَرَ لَهُ ) . قَالُوا : يَا رَسُول اللَّه , وَإِنَّ لَنَا فِي الْبَهَائِم لَأَجْرًا ؟ قَالَ : ( فِي كُلّ ذَات كَبِد رَطْبَة أَجْر | . وَعَكْس هَذَا مَا رَوَاهُ مُسْلِم عَنْ عَبْد اللَّه بْن عُمَر أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( عُذِّبَتْ اِمْرَأَة فِي هِرَّة سَجَنَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ فَدَخَلَتْ فِيهَا النَّار لَا هِيَ أَطْعَمَتْهَا وَسَقَتْهَا إِذْ هِيَ حَبَسَتْهَا وَلَا هِيَ تَرَكَتْهَا تَأْكُل مِنْ خَشَاش الْأَرْض ) . وَفِي حَدِيث عَائِشَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( وَمَنْ سَقَى مُسْلِمًا شَرْبَة مِنْ مَاء حَيْثُ يُوجَد الْمَاء فَكَأَنَّمَا أَعْتَقَ رَقَبَة وَمَنْ سَقَى مُسْلِمًا شَرْبَة مِنْ مَاء حَيْثُ لَا يُوجَد الْمَاء فَكَأَنَّمَا أَحْيَاهَا ) . خَرَّجَهُ اِبْن مَاجَهْ فِي السُّنَن . وَقَدْ اِسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الْآيَة مَنْ قَالَ : إِنَّ صَاحِب الْحَوْض وَالْقِرْبَة أَحَقّ بِمَائِهِ , وَإِنَّ لَهُ مَنْعَهُ مِمَّنْ أَرَادَهُ ; لِأَنَّ مَعْنَى قَوْل أَهْل الْجَنَّة : | إِنَّ اللَّه حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ | لَا حَقَّ لَكُمْ فِيهَا . وَقَدْ بَوَّبَ الْبُخَارِيُّ - رَحِمَهُ اللَّه - عَلَى هَذَا الْمَعْنَى : ( بَاب مَنْ رَأَى أَنَّ صَاحِب الْحَوْض وَالْقِرْبَة أَحَقُّ بِمَائِهِ ) وَأَدْخَلَ فِي الْبَاب عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأَذُودَنَّ رِجَالًا عَنْ حَوْضِي كَمَا تُذَاد الْغَرِيبَة مِنْ الْإِبِل عَنْ الْحَوْض ) . قَالَ الْمُهَلَّب : لَا خِلَاف أَنَّ صَاحِب الْحَوْض أَحَقُّ بِمَائِهِ ; لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَام : ( لَأَذُودَنَّ رِجَالًا عَنْ حَوْضِي ) .

الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآَيَاتِنَا يَجْحَدُونَ

| الَّذِينَ | فِي مَوْضِع خَفْض نَعْت لِلْكَافِرِينَ . وَقَدْ يَكُون رَفْعًا وَنَصْبًا بِإِضْمَارٍ . قِيلَ : هُوَ مِنْ قَوْل أَهْل الْجَنَّة .|فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ|أَيْ نَتْرُكهُمْ فِي النَّار .|كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا|أَيْ تَرَكُوا الْعَمَل بِهِ وَكَذَّبُوا بِهِ . وَ | مَا | مَصْدَرِيَّة , أَيْ كَنَسْيِهِمْ .|وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ|عَطْف عَلَيْهِ , أَيْ وَجَحْدهمْ .

وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ

يَعْنِي الْقُرْآن .|فَصَّلْنَاهُ|أَيْ بَيَّنَّاهُ حَتَّى يَعْرِفَهُ مَنْ تَدَبَّرَهُ . وَقِيلَ : | فَصَّلْنَاهُ | أَنْزَلْنَاهُ مُتَفَرِّقًا .|عَلَى عِلْمٍ|مِنَّا بِهِ , لَمْ يَقَع فِيهِ سَهْوٌ وَلَا غَلَط .|هُدًى وَرَحْمَةً|قَالَ الزَّجَّاج : أَيْ هَادِيًا وَذَا رَحْمَة , فَجَعَلَهُ حَالًا مِنْ الْهَاء الَّتِي فِي | فَصَّلْنَاهُ | . قَالَ الزَّجَّاج : وَيَجُوز هُدًى وَرَحْمَةٌ , بِمَعْنَى هُوَ هُدًى وَرَحْمَةٌ . وَقِيلَ : يَجُوز هُدًى وَرَحْمَةٍ بِالْخَفْضِ عَلَى الْبَدَل مِنْ كِتَاب . وَقَالَ الْكِسَائِيّ وَالْفَرَّاء : وَيَجُوز هُدًى وَرَحْمَةٍ بِالْخَفْضِ عَلَى النَّعْت لِكِتَابٍ . قَالَ الْفَرَّاء : مِثْل | وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ | [ الْأَنْعَام : 155 ] .|لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ|خُصَّ الْمُؤْمِنُونَ لِأَنَّهُمْ الْمُنْتَفِعُونَ بِهِ .

هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُو

بِالْهَمْزِ , مِنْ آلَ . وَأَهْل الْمَدِينَة يُخَفِّفُونَ الْهَمْزَة . وَالنَّظَر : الِانْتِظَار , أَيْ هَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مَا وُعِدُوا بِهِ فِي الْقُرْآن مِنْ الْعِقَاب وَالْحِسَاب . وَقِيلَ : | يَنْظُرُونَ | مِنْ النَّظَر إِلَى يَوْم الْقِيَامَة . فَالْكِنَايَة فِي | تَأْوِيله | تَرْجِع إِلَى الْكِتَاب . وَعَاقِبَة الْكِتَاب مَا وَعَدَ اللَّه فِيهِ مِنْ الْبَعْث وَالْحِسَاب . وَقَالَ مُجَاهِد : | تَأْوِيله | جَزَاؤُهُ , أَيْ جَزَاء تَكْذِيبهمْ بِالْكِتَابِ . قَالَ قَتَادَة : | تَأْوِيله | عَاقِبَته . وَالْمَعْنَى مُتَقَارِب .|يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ|أَيْ تَبْدُو عَوَاقِبه يَوْم الْقِيَامَة . وَ | يَوْم | مَنْصُوب بِـ يَقُول , أَيْ يَقُول الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْل يَوْم يَأْتِي تَأْوِيله .|يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ|اِسْتِفْهَام فِيهِ مَعْنَى التَّمَنِّي .|فَيَشْفَعُوا|نَصْب ; لِأَنَّهُ جَوَاب الِاسْتِفْهَام .|لَنَا أَوْ نُرَدُّ|قَالَ الْفَرَّاء : الْمَعْنَى أَوْ هَلْ نُرَدُّ|فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ|قَالَ الزَّجَّاج : نُرَدّ عَطْف عَلَى الْمَعْنَى , أَيْ هَلْ يَشْفَع لَنَا أَحَد أَوْ نُرَدُّ . وَقَرَأَ اِبْن إِسْحَاق | أَوْ نُرَدّ فَنَعْمَل | بِالنَّصْبِ فِيهِمَا . وَالْمَعْنَى إِلَّا أَنْ نُرَدّ ; كَمَا قَالَ : <br>فَقُلْت لَهُ لَا تَبْكِ عَيْنك إِنَّمَا .......... نُحَاوِل مُلْكًا أَوْ نَمُوت فَنُعْذَرَا <br>وَقَرَأَ الْحَسَن | أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلُ | بِرَفْعِهِمَا جَمِيعًا .|قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ|أَيْ فَلَمْ يَنْتَفِعُوا بِهَا , وَكُلّ مَنْ لَمْ يَنْتَفِع بِنَفْسِهِ فَقَدْ خَسِرَهَا . وَقِيلَ : خَسِرُوا النِّعَم وَحَظّ أَنْفُسِهِمْ مِنْهَا .|وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ|أَيْ بَطَلَ مَا كَانُوا يَقُولُونَ مِنْ أَنَّ مَعَ اللَّه إِلَهًا آخَر .

إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَ

بَيَّنَ أَنَّهُ الْمُنْفَرِد بِقُدْرَةِ الْإِيجَاد , فَهُوَ الَّذِي يَجِب أَنْ يُعْبَد . وَأَصْل | سِتَّة | سِدْسَة , فَأَرَادُوا إِدْغَام الدَّال فِي السِّين فَالْتَقَيَا عِنْد مَخْرَج التَّاء فَغَلَبَتْ عَلَيْهِمَا . وَإِنْ شِئْت قُلْت : أُبْدِلَ مِنْ إِحْدَى السِّينَيْنِ تَاء وَأُدْغِمَ فِي الدَّال ; لِأَنَّك تَقُول فِي تَصْغِيرهَا : سُدَيْسَة , وَفِي الْجَمْع أَسْدَاس , وَالْجَمْع وَالتَّصْغِير يَرُدَّانِ الْأَسْمَاء إِلَى أُصُولهَا . وَيَقُولُونَ : جَاءَ فُلَان سَادِسًا وَسَادِتًا وَسَاتًّا ; فَمَنْ قَالَ : سَادِتًا أَبْدَلَ مِنْ السِّين تَاء . وَالْيَوْم : مِنْ طُلُوع الشَّمْس إِلَى غُرُوبهَا . فَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَمْس فَلَا يَوْم ; قَالَ الْقُشَيْرِيّ . وَقَالَ : وَمَعْنَى ( فِي سِتَّة أَيَّام ) أَيْ مِنْ أَيَّام الْآخِرَة , كُلّ يَوْم أَلْف سَنَة ; لِتَفْخِيمِ خَلْق السَّمَاوَات وَالْأَرْض . وَقِيلَ : مِنْ أَيَّام الدُّنْيَا . قَالَ مُجَاهِد وَغَيْره : أَوَّلُهَا الْأَحَد وَآخِرهَا الْجُمُعَة . وَذَكَرَ هَذِهِ الْمُدَّة وَلَوْ أَرَادَ خَلْقهَا فِي لَحْظَة لَفَعَلَ ; إِذْ هُوَ الْقَادِر عَلَى أَنْ يَقُول لَهَا كُونِي فَتَكُون . وَلَكِنَّهُ أَرَادَ أَنْ يُعَلِّمَ الْعِبَاد الرِّفْق وَالتَّثَبُّت فِي الْأُمُور , وَلِتَظْهَرَ قُدْرَته لِلْمَلَائِكَةِ شَيْئًا بَعْد شَيْء . وَهَذَا عِنْد مَنْ يَقُول : خَلَقَ الْمَلَائِكَة قَبْل خَلْق السَّمَاوَات وَالْأَرْض . وَحِكْمَة أُخْرَى - خَلَقَهَا فِي سِتَّة أَيَّام ; لِأَنَّ لِكُلِّ شَيْء عِنْده أَجَلًا . وَبَيَّنَ بِهَذَا تَرْكَ مُعَاجَلَة الْعُصَاة بِالْعِقَابِ ; لِأَنَّ لِكُلِّ شَيْء عِنْده أَجَلًا . وَهَذَا كَقَوْلِهِ : | وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَمَا بَيْنهمَا فِي سِتَّة أَيَّام وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوب . فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ | [ ق : 38 , 39 ] . بَعْد أَنْ قَالَ : | وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْن هُمْ أَشَدّ مِنْهُمْ بَطْشًا | [ ق : 36 ] .|ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ|هَذِهِ مَسْأَلَة الِاسْتِوَاء ; وَلِلْعُلَمَاءِ فِيهَا كَلَام وَإِجْرَاء . وَقَدْ بَيَّنَّا أَقْوَال الْعُلَمَاء فِيهَا فِي ( الْكِتَاب الْأَسْنَى فِي شَرْح أَسْمَاء اللَّه الْحُسْنَى وَصِفَاته الْعُلَى ) وَذَكَرْنَا فِيهَا هُنَاكَ أَرْبَعَة عَشَر قَوْلًا . وَالْأَكْثَر مِنْ الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّهُ إِذَا وَجَبَ تَنْزِيه الْبَارِي سُبْحَانه عَنْ الْجِهَة وَالتَّحَيُّز فَمِنْ ضَرُورَة ذَلِكَ وَلَوَاحِقِهِ اللَّازِمَة عَلَيْهِ عِنْد عَامَّة الْعُلَمَاء الْمُتَقَدِّمِينَ وَقَادَتهمْ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ تَنْزِيهه تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَنْ الْجِهَة , فَلَيْسَ بِجِهَةِ فَوْق عِنْدهمْ ; لِأَنَّهُ يَلْزَم مِنْ ذَلِكَ عِنْدهمْ مَتَى اِخْتَصَّ بِجِهَةٍ أَنْ يَكُون فِي مَكَان أَوْ حَيِّز , وَيَلْزَم عَلَى الْمَكَان وَالْحَيِّز الْحَرَكَة وَالسُّكُون لِلْمُتَحَيِّزِ , وَالتَّغَيُّر وَالْحُدُوث . هَذَا قَوْل الْمُتَكَلِّمِينَ . وَقَدْ كَانَ السَّلَف الْأَوَّل رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ لَا يَقُولُونَ بِنَفْيِ الْجِهَة وَلَا يَنْطِقُونَ بِذَلِكَ , بَلْ نَطَقُوا هُمْ وَالْكَافَّة بِإِثْبَاتِهَا لِلَّهِ تَعَالَى كَمَا نَطَقَ كِتَابه وَأَخْبَرَتْ رُسُله . وَلَمْ يُنْكِر أَحَد مِنْ السَّلَف الصَّالِح أَنَّهُ اِسْتَوَى عَلَى عَرْشه حَقِيقَة . وَخُصَّ الْعَرْش بِذَلِكَ لِأَنَّهُ أَعْظَم مَخْلُوقَاته , وَإِنَّمَا جَهِلُوا كَيْفِيَّة الِاسْتِوَاء فَإِنَّهُ لَا تُعْلَم حَقِيقَته . قَالَ مَالِك رَحِمَهُ اللَّه : الِاسْتِوَاء مَعْلُوم - يَعْنِي فِي اللُّغَة - وَالْكَيْفَ مَجْهُول , وَالسُّؤَال عَنْ هَذَا بِدْعَة . وَكَذَا قَالَتْ أُمّ سَلَمَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا . وَهَذَا الْقَدْر كَافٍ , وَمَنْ أَرَادَ زِيَادَة عَلَيْهِ فَلْيَقِفْ عَلَيْهِ فِي مَوْضِعه مِنْ كُتُب الْعُلَمَاء . وَالِاسْتِوَاء فِي كَلَام الْعَرَب هُوَ الْعُلُوّ وَالِاسْتِقْرَار . قَالَ الْجَوْهَرِيّ : وَاسْتَوَى مِنْ اِعْوِجَاج , وَاسْتَوَى عَلَى ظَهْر دَابَّته ; أَيْ اِسْتَقَرَّ . وَاسْتَوَى إِلَى السَّمَاء أَيْ قَصَدَ . وَاسْتَوَى أَيْ اِسْتَوْلَى وَظَهَرَ . قَالَ : <br>قَدْ اِسْتَوَى بِشْرٌ عَلَى الْعِرَاق .......... مِنْ غَيْرِ سَيْفٍ وَدَمٍ مِهْرَاق <br>وَاسْتَوَى الرَّجُل أَيْ اِنْتَهَى شَبَابه . وَاسْتَوَى الشَّيْء إِذَا اِعْتَدَلَ . وَحَكَى أَبُو عُمَر بْن عَبْد الْبَرّ عَنْ أَبِي عُبَيْدَة فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : | الرَّحْمَن عَلَى الْعَرْش اِسْتَوَى | [ طَه : 5 ] قَالَ : عَلَا . وَقَالَ الشَّاعِر : <br>فَأَوْرَدْتهمْ مَاء بِفَيْفَاء قَفْرَة .......... وَقَدْ حَلَّقَ النَّجْم الْيَمَانِيّ فَاسْتَوَى <br>أَيْ عَلَا وَارْتَفَعَ . قُلْت : فَعُلُوّ اللَّه تَعَالَى وَارْتِفَاعه عِبَارَة عَنْ عُلُوّ مَجْده وَصِفَاته وَمَلَكُوته . أَيْ لَيْسَ فَوْقه فِيمَا يَجِب لَهُ مِنْ مَعَانِي الْجَلَال أَحَد , وَلَا مَعَهُ مَنْ يَكُون الْعُلُوّ مُشْتَرَكًا بَيْنه وَبَيْنه ; لَكِنَّهُ الْعَلِيّ بِالْإِطْلَاقِ سُبْحَانه . | عَلَى الْعَرْش | لَفْظ مُشْتَرَك يُطْلَق عَلَى أَكْثَر مِنْ وَاحِد . قَالَ الْجَوْهَرِيّ وَغَيْره : الْعَرْش سَرِير الْمُلْك . وَفِي التَّنْزِيل | نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا | [ النَّمْل : 41 ] , | وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْش | [ يُوسُف : 100 ] . وَالْعَرْش : سَقْف الْبَيْت . وَعَرْش الْقَدَم : مَا نَتَأَ فِي ظَهْرِهَا وَفِيهِ الْأَصَابِع . وَعَرْش السِّمَاك : أَرْبَعَة كَوَاكِب صِغَار أَسْفَل مِنْ الْعُوَاء , يُقَال : إِنَّهَا عَجُز الْأَسَد . وَعَرَّشَ الْبِئْر : طَيَّهَا بِالْخَشَبِ , بَعْد أَنْ يُطْوَى أَسْفَلهَا بِالْحِجَارَةِ قَدْر قَامَة ; فَذَلِكَ الْخَشَب هُوَ الْعَرْش , وَالْجَمْع عُرُوش . وَالْعَرْش اِسْم لِمَكَّة . وَالْعَرْش الْمُلْك وَالسُّلْطَان . يُقَال : ثُلَّ عَرْش فُلَان إِذَا ذَهَبَ مُلْكه وَسُلْطَانه وَعِزّه . قَالَ زُهَيْر : <br>تَدَارَكْتُمَا عَبْسًا وَقَدْ ثُلَّ عَرْشُهَا .......... وَذُبْيَان إِذْ ذَلَّتْ بِأَقْدَامِهَا النَّعْلُ <br>وَقَدْ يُؤَوَّل الْعَرْش فِي الْآيَة بِمَعْنَى الْمُلْك , أَيْ مَا اِسْتَوَى الْمُلْك إِلَّا لَهُ جَلَّ وَعَزَّ . وَهُوَ قَوْل حَسَن وَفِيهِ نَظَر , وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي جُمْلَة الْأَقْوَال فِي كِتَابِنَا . وَالْحَمْد لِلَّهِ .|يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ|أَيْ يَجْعَلهُ كَالْغِشَاءِ , أَيْ يُذْهِب نُور النَّهَار لِيَتِمَّ قِوَام الْحَيَاة فِي الدُّنْيَا بِمَجِيءِ اللَّيْل . فَاللَّيْل لِلسُّكُونِ , وَالنَّهَار لِلْمَعَاشِ . وَقُرِئَ | يُغَشِّي | بِالتَّشْدِيدِ ; وَمِثْله فِي | الرَّعْد | . وَهِيَ قِرَاءَة أَبِي بَكْر عَنْ عَاصِم وَحَمْزَة وَالْكِسَائِيّ . وَخَفَّفَ الْبَاقُونَ . وَهُمَا لُغَتَانِ أَغْشَى وَغَشَّى . وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى | فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى | [ النَّجْم : 54 ] مُشَدَّدًا . وَأَجْمَعُوا عَلَى | فَأَغْشَيْنَاهُمْ | [ يس : 9 ] فَالْقِرَاءَتَانِ مُتَسَاوِيَتَانِ . وَفِي التَّشْدِيد مَعْنَى التَّكْرِير وَالتَّكْثِير . وَالتَّغْشِيَة وَالْإِغْشَاء : إِلْبَاس الشَّيْء الشَّيْء . وَلَمْ يَذْكُرْ فِي هَذِهِ الْآيَةِ دُخُولَ النَّهَار عَلَى اللَّيْل , فَاكْتَفَى بِأَحَدِهِمَا عَنْ الْآخَر , مِثْل | سَرَابِيلَ تَقِيكُمْ الْحَرَّ | [ النَّحْل : 81 ] . | بِيَدِك الْخَيْر | [ آل عِمْرَان : 26 ] . وَقَرَأَ حُمَيْد بْن قَيْس | يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارُ | وَمَعْنَاهُ أَنَّ النَّهَار يُغْشِي اللَّيْل .|يَطْلُبُهُ حَثِيثًا|أَيْ يَطْلُبُهُ دَائِمًا مِنْ غَيْر فُتُور . وَ | يُغْشِي اللَّيْل النَّهَار | فِي مَوْضِع نَصْب عَلَى الْحَال . وَالتَّقْدِير : اِسْتَوَى عَلَى الْعَرْش مُغْشِيًا اللَّيْل النَّهَار . وَكَذَا | يَطْلُبُهُ حَثِيثًا | حَال مِنْ اللَّيْل ; أَيْ يُغْشِي اللَّيْل النَّهَار طَالِبًا لَهُ . وَيَحْتَمِل أَنْ تَكُون الْجُمْلَة مُسْتَأْنَفَة لَيْسَتْ بِحَالٍ . | حَثِيثًا | بَدَل مِنْ طَالِب الْمُقَدَّر أَوْ نَعْت لَهُ , أَوْ نَعْت لِمَصْدَرٍ مَحْذُوف ; أَيْ يَطْلُبهُ طَلَبًا سَرِيعًا . وَالْحَثّ : الْإِعْجَال وَالسُّرْعَة . وَوَلَّى حَثِيثًا أَيْ مُسْرِعًا .|وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ|قَالَ الْأَخْفَش : هِيَ مَعْطُوفَة عَلَى السَّمَاوَات ; أَيْ وَخَلَقَ الشَّمْس . وَرُوِيَ عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَامِر بِالرَّفْعِ فِيهَا كُلّهَا عَلَى الِابْتِدَاء وَالْخَبَر .|أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ|فِيهِ مَسْأَلَتَانِ </subtitle>الْأُولَى : صِدْق اللَّه فِي خَبَره , فَلَهُ الْخَلْق وَلَهُ الْأَمْر , خَلَقَهُمْ وَأَمَرَهُمْ بِمَا أَحَبَّ . وَهَذَا الْأَمْر يَقْتَضِي النَّهْي . قَالَ اِبْن عُيَيْنَة : فَرَّقَ بَيْن الْخَلْق وَالْأَمْر ; فَمَنْ جَمَعَ بَيْنهمَا فَقَدْ كَفَرَ . فَالْخَلْق الْمَخْلُوق , وَالْأَمْر كَلَامه الَّذِي هُوَ غَيْر مَخْلُوق وَهُوَ قَوْله : | كُنْ | . | إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُول لَهُ كُنْ فَيَكُون | [ يس : 82 ] . وَفِي تَفْرِقَتِهِ بَيْن الْخَلْق وَالْأَمْر دَلِيل بَيِّن عَلَى فَسَاد قَوْل مَنْ قَالَ بِخَلْقِ الْقُرْآن ; إِذْ لَوْ كَانَ كَلَامه الَّذِي هُوَ أَمْر مَخْلُوقًا لَكَانَ قَدْ قَالَ : أَلَا لَهُ الْخَلْق وَالْخَلْق . وَذَلِكَ عِيٌّ مِنْ الْكَلَام وَمُسْتَهْجَن وَمُسْتَغَثٌّ . وَاَللَّه يَتَعَالَى عَنْ التَّكَلُّم بِمَا لَا فَائِدَة فِيهِ . وَيَدُلّ عَلَيْهِ قَوْله سُبْحَانه . | وَمِنْ آيَاته أَنْ تَقُوم السَّمَاء وَالْأَرْض بِأَمْرِهِ | [ الرُّوم : 25 ] . | وَالشَّمْس وَالْقَمَر وَالنُّجُوم مُسَخَّرَات بِأَمْرِهِ | [ الْأَعْرَاف : 54 ] . فَأَخْبَرَ سُبْحَانه أَنَّ الْمَخْلُوقَات قَائِمَة بِأَمْرِهِ ; فَلَوْ كَانَ الْأَمْر مَخْلُوقًا لَافْتَقَرَ إِلَى أَمْر آخَر يَقُوم بِهِ , وَذَلِكَ الْأَمْر إِلَى أَمْر آخَر إِلَى مَا لَا نِهَايَة لَهُ . وَذَلِكَ مُحَال . فَثَبَتَ أَنَّ أَمْره الَّذِي هُوَ كَلَامه قَدِيم أَزَلِيّ غَيْر مَخْلُوق ; لِيَصِحّ قِيَام الْمَخْلُوقَات بِهِ . وَيَدُلّ عَلَيْهِ أَيْضًا قَوْله تَعَالَى : | وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَمَا بَيْنهمَا إِلَّا بِالْحَقِّ | [ الْحِجْر : 67 ] وَأَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّهُ خَلَقَهُمَا بِالْحَقِّ , يَعْنِي الْقَوْل وَهُوَ قَوْله لِلْمَكُونَاتِ : | كُنْ | . فَلَوْ كَانَ الْحَقّ مَخْلُوقًا لَمَا صَحَّ أَنْ يَخْلُق بِهِ الْمَخْلُوقَات ; لِأَنَّ الْخَلْق لَا يَخْلُق بِالْمَخْلُوقِ . يَدُلّ عَلَيْهِ | وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ | [ الصَّافَّات : 171 ] . | إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ | [ الْأَنْبِيَاء : 101 ] . | وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي | [ السَّجْدَة : 13 ] . وَهَذَا كُلّه إِشَارَة إِلَى السَّبْق فِي الْقَوْل فِي الْقِدَم , وَذَلِكَ يُوجِب الْأَزَل فِي الْوُجُود . وَهَذِهِ النُّكْتَة كَافِيَة فِي الرَّدّ عَلَيْهِمْ . وَلَهُمْ آيَات اِحْتَجُّوا بِهَا عَلَى مَذْهَبهمْ , مِثْل قَوْله تَعَالَى : | مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْر مِنْ رَبّهمْ مُحْدَث | [ الْأَنْبِيَاء : 2 ] الْآيَة . وَمِثْل قَوْله تَعَالَى : | وَكَانَ أَمْر اللَّه قَدْرًا مَقْدُورًا | [ الْأَحْزَاب : 38 ] . وَ | مَفْعُولًا | [ الْمُزَّمِّل : 18 ] وَمَا كَانَ مِثْله . قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْر : مَعْنَى | مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْر | أَيْ مِنْ وَعْظ مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَوَعْد وَتَخْوِيف | إِلَّا اِسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ | ; لِأَنَّ وَعْظ الرُّسُل صَلَوَات اللَّه عَلَيْهِمْ وَسَلَامه وَتَحْذِيرهمْ ذِكْر . قَالَ اللَّه تَعَالَى : | فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّر | [ الْغَاشِيَة : 21 ] . وَيُقَال : فُلَان فِي مَجْلِس الذِّكْر . وَمَعْنَى | وَكَانَ أَمْر اللَّه قَدَرًا مَقْدُورًا | وَ | مَفْعُولًا | أَرَادَ سُبْحَانه عِقَابه وَانْتِقَامه مِنْ الْكَافِرِينَ وَنَصْره لِلْمُؤْمِنِينَ وَمَا حَكَمَ بِهِ وَقَدَّرَهُ مِنْ أَفْعَاله . وَمِنْ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى : | حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا | [ هُود : 40 ] وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ : | وَمَا أَمْر فِرْعَوْن بِرَشِيدٍ | [ هُود : 97 ] يَعْنِي بِهِ شَأْنه وَأَفْعَال وَطَرَائِقه . قَالَ الشَّاعِر : <br>لَهَا أَمْرُهَا حَتَّى إِذَا مَا تَبَوَّأَتْ .......... بِأَخْفَافِهَا مَرْعًى تَبَوَّأَ مَضْجَعَا <br>الثَّانِيَة : وَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَاعْلَمْ أَنَّ الْأَمْر لَيْسَ مِنْ الْإِرَادَة فِي شَيْء . وَالْمُعْتَزِلَة تَقُول : الْأَمْر نَفْس الْإِرَادَة . وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ , بَلْ يَأْمُر بِمَا لَا يُرِيد وَيَنْهَى عَمَّا يُرِيد . أَلَا تَرَى أَنَّهُ أَمَرَ إِبْرَاهِيم بِذَبْحِ وَلَده وَلَمْ يُرِدْهُ مِنْهُ , وَأَمَرَ نَبِيّه أَنْ يُصَلِّي مَعَ أُمَّته خَمْسِينَ صَلَاة , وَلَمْ يُرِدْ مِنْهُ إِلَّا خَمْس صَلَوَات . وَقَدْ أَرَادَ شَهَادَة حَمْزَة حَيْثُ يَقُول : | وَيَتَّخِذ مِنْكُمْ شُهَدَاء | [ آل عِمْرَان : 140 ] . وَقَدْ نَهَى الْكُفَّار عَنْ قَتْله وَلَمْ يَأْمُرْهُمْ بِهِ . وَهَذَا صَحِيح نَفِيس فِي بَابه , فَتَأَمَّلْهُ .|تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ|| تَبَارَكَ | تَفَاعَلَ , مِنْ الْبَرَكَة وَهِيَ الْكَثْرَة وَالِاتِّسَاع . يُقَال : بُورِكَ الشَّيْء وَبُورِكَ فِيهِ ; قَالَهُ اِبْن عَرَفَة . وَقَالَ الْأَزْهَرِيّ : | تَبَارَكَ | تَعَالَى وَتَعَاظَمَ وَارْتَفَعَ . وَقِيلَ : إِنَّ بِاسْمِهِ يُتَبَرَّك وَيُتَيَّمْنَ . وَقَدْ مَضَى فِي الْفَاتِحَة مَعْنَى | رَبّ الْعَالَمِينَ | [ الْفَاتِحَة : 1 ]

ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ

فِيهِ ثَلَاث مَسَائِل </subtitle>الْأُولَى : قَوْله تَعَالَى : | اُدْعُوا رَبّكُمْ | هَذَا أَمْر بِالدُّعَاءِ وَتَعَبُّد بِهِ . ثُمَّ قَرَنَ جَلَّ وَعَزَّ بِالْأَمْرِ صِفَات تَحْسُن مَعَهُ , وَهِيَ الْخُشُوع وَالِاسْتِكَانَة وَالتَّضَرُّع . وَمَعْنَى | خُفْيَة | أَيْ سِرًّا فِي النَّفْس لِيَبْعُد عَنْ الرِّيَاء ; وَبِذَلِكَ أَثْنَى عَلَى نَبِيّه زَكَرِيَّا عَلَيْهِ السَّلَام إِذْ قَالَ مُخْبِرًا عَنْهُ : | إِذْ نَادَى رَبّه نِدَاء خَفِيًّا | [ مَرْيَم : 3 ] . وَنَحْوه قَوْل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( خَيْر الذِّكْر الْخَفِيّ وَخَيْر الرِّزْق مَا يَكْفِي ) . وَالشَّرِيعَة مُقَرِّرَة أَنَّ السِّرّ فِيمَا لَمْ يَعْتَرِض مِنْ أَعْمَال الْبِرّ أَعْظَم أَجْرًا مِنْ الْجَهْر . وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْمَعْنَى فِي | الْبَقَرَة | قَالَ الْحَسَن بْن أَبِي الْحَسَن : لَقَدْ أَدْرَكْنَا أَقْوَامًا مَا كَانَ عَلَى الْأَرْض عَمَل يَقْدِرُونَ عَلَى أَنْ يَكُون سِرًّا فَيَكُون جَهْرًا أَبَدًا . وَلَقَدْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ يَجْتَهِدُونَ فِي الدُّعَاء فَلَا يُسْمَع لَهُمْ صَوْت , إِنْ هُوَ إِلَّا الْهَمْس بَيْنَهُمْ وَبَيْن رَبِّهِمْ . وَذَلِكَ أَنَّ اللَّه تَعَالَى يَقُول : | اُدْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَة | . وَذَكَرَ عَبْدًا صَالِحًا رَضِيَ فِعْلَهُ فَقَالَ : | إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاء خَفِيًّا | [ مَرْيَم : 3 ] . وَقَدْ اِسْتَدَلَّ أَصْحَاب أَبِي حَنِيفَة بِهَذَا عَلَى أَنَّ إِخْفَاء | آمِينَ | أَوْلَى مِنْ الْجَهْر بِهَا ; لِأَنَّهُ دُعَاء . وَقَدْ مَضَى الْقَوْل فِيهِ فِي | الْفَاتِحَة | . وَرَوَى مُسْلِم عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ : كُنَّا مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَر - وَفِي رِوَايَة فِي غَزَاة - فَجَعَلَ النَّاس يَجْهَرُونَ بِالتَّكْبِيرِ - وَفِي رِوَايَة فَجَعَلَ رَجُل كُلَّمَا عَلَا ثَنِيَّة قَالَ : لَا إِلَه إِلَّا اللَّه - فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَيّهَا النَّاس اِرْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ إِنَّكُمْ لَسْتُمْ تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا إِنَّكُمْ تَدْعُونَ سَمِيعًا قَرِيبًا وَهُوَ مَعَكُمْ ) . الْحَدِيث . الثَّانِيَة : وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي رَفْع الْيَدَيْنِ فِي الدُّعَاء ; فَكَرِهَهُ طَائِفَة مِنْهُمْ جُبَيْر بْن مُطْعِم وَسَعِيد بْن الْمُسَيِّب وَسَعِيد بْن جُبَيْر . وَرَأَى شُرَيْح رَجُلًا رَافِعًا يَدَيْهِ فَقَالَ : مَنْ تَتَنَاوَل بِهِمَا , لَا أُمَّ لَك ! وَقَالَ مَسْرُوق لِقَوْمٍ رَفَعُوا أَيْدِيَهُمْ : قَطَعَهَا اللَّه . وَاخْتَارُوا إِذَا دَعَا اللَّه فِي حَاجَة أَنْ يُشِير بِأُصْبُعِهِ السَّبَّابَة . وَيَقُولُونَ : ذَلِكَ الْإِخْلَاص . وَكَانَ قَتَادَة يُشِير بِأُصْبُعِهِ وَلَا يَرْفَع يَدَيْهِ . وَكَرِهَ رَفْعَ الْأَيْدِي عَطَاءٌ وَطَاوُس وَمُجَاهِد وَغَيْرهمْ . وَرُوِيَ جَوَاز الرَّفْع عَنْ جَمَاعَة مِنْ الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ , وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; ذَكَرَهُ الْبُخَارِيّ . قَالَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ : دَعَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ وَرَأَيْت بَيَاضَ إِبْطَيْهِ . وَمِثْله عَنْ أَنَس . وَقَالَ اِبْن عُمَر : رَفَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَيْهِ وَقَالَ : ( اللَّهُمَّ إِنِّي أَبْرَأ إِلَيْك مِمَّا صَنَعَ خَالِد ) . وَفِي صَحِيح مُسْلِم مِنْ حَدِيث عُمَر بْن الْخَطَّاب قَالَ : لَمَّا كَانَ يَوْم بَدْر نَظَرَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمُشْرِكِينَ , وَهُمْ أَلْف وَأَصْحَابه ثَلَاثمِائَة وَسَبْعَة عَشَر رَجُلًا , فَاسْتَقْبَلَ نَبِيُّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْقِبْلَةَ مَادًّا يَدَيْهِ , فَجَعَلَ يَهْتِف بِرَبِّهِ ; وَذَكَرَ الْحَدِيث . وَرَوَى التِّرْمِذِيّ عَنْهُ قَالَ : كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا رَفَعَ يَدَيْهِ لَمْ يَحُطَّهُمَا حَتَّى يَمْسَح بِهِمَا وَجْهه . قَالَ : هَذَا حَدِيث صَحِيح غَرِيب . وَرَوَى اِبْن مَاجَهْ عَنْ سَلْمَان عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( إِنَّ رَبّكُمْ حَيِيّ كَرِيم يَسْتَحْيِي مِنْ عَبْده أَنْ يَرْفَع يَدَيْهِ إِلَيْهِ فَيَرُدّهُمَا صِفْرًا أَوْ قَالَ خَائِبَتَيْنِ ) . اِحْتَجَّ الْأَوَّلُونَ بِمَا رَوَاهُ مُسْلِم عَنْ عُمَارَة بْن رُوَيْبَة وَرَأَى بِشْر بْن مَرْوَان عَلَى الْمِنْبَر رَافِعًا يَدَيْهِ فَقَالَ : قَبَّحَ اللَّه هَاتَيْنِ الْيَدَيْنِ , لَقَدْ رَأَيْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا يَزِيد عَلَى أَنْ يَقُول بِيَدِهِ هَكَذَا ; وَأَشَارَ بِأُصْبُعِهِ الْمُسَبِّحَة . وَبِمَا رَوَى سَعِيد بْن أَبِي عَرُوبَة عَنْ قَتَادَة أَنَّ أَنَس بْن مَالِك حَدَّثَهُ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ لَا يَرْفَع يَدَيْهِ فِي شَيْء مِنْ الدُّعَاء إِلَّا عِنْد الِاسْتِسْقَاء فَإِنَّهُ كَانَ يَرْفَعهُمَا حَتَّى يُرَى بَيَاض إِبْطَيْهِ . وَالْأَوَّل أَصَحّ طُرُقًا وَأَثْبَت مِنْ حَدِيث سَعِيد بْن أَبِي عَرُوبَة ; فَإِنَّ سَعِيدًا كَانَ قَدْ تَغَيَّرَ عَقْله فِي آخِر عُمْره . وَقَدْ خَالَفَهُ شُعْبَة فِي رِوَايَته عَنْ قَتَادَة عَنْ أَنَس بْن مَالِك فَقَالَ فِيهِ : كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرْفَع يَدَيْهِ حَتَّى يُرَى بَيَاض إِبْطَيْهِ . وَقَدْ قِيلَ : إِنَّهُ إِذَا نَزَلَتْ بِالْمُسْلِمِينَ نَازِلَة أَنَّ الرَّفْع عِنْد ذَلِكَ جَمِيل حَسَن كَمَا فَعَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الِاسْتِسْقَاء وَيَوْم بَدْر . قُلْت : وَالدُّعَاء حَسَن كَيْفَمَا تَيَسَّرَ , وَهُوَ الْمَطْلُوب مِنْ الْإِنْسَان لِإِظْهَارِ مَوْضِع الْفَقْر وَالْحَاجَة إِلَى اللَّه عَزَّ وَجَلَّ , وَالتَّذَلُّل لَهُ وَالْخُضُوع . فَإِنْ شَاءَ اِسْتَقْبَلَ الْقِبْلَة وَرَفَعَ يَدَيْهِ فَحَسَن , وَإِنْ شَاءَ فَلَا ; فَقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَسْبَمَا وَرَدَ فِي الْأَحَادِيث . وَقَدْ قَالَ تَعَالَى : | اُدْعُوا رَبّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَة | [ الْأَعْرَاف : 55 ] . وَلَمْ يُرِدْ صِفَة مِنْ رَفْع يَدَيْنِ وَغَيْرهَا . وَقَالَ : | الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّه قِيَامًا وَقُعُودًا | [ آل عِمْرَان : 191 ] فَمَدَحَهُمْ وَلَمْ يَشْتَرِط حَالَة غَيْر مَا ذُكِرَ . وَقَدْ دَعَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي خُطْبَته يَوْم الْجُمْعَة وَهُوَ غَيْر مُسْتَقْبِل الْقِبْلَة .|إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ|يُرِيد فِي الدُّعَاء وَإِنْ كَانَ اللَّفْظ عَامًّا إِلَى هَذَا هِيَ الْإِشَارَة . وَالْمُعْتَدِي هُوَ الْمُجَاوِز لِلْحَدِّ وَمُرْتَكِب الْحَظْر . وَقَدْ يَتَفَاضَل بِحَسَبِ مَا اِعْتَدَى فِيهِ . وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : ( سَيَكُونُ قَوْم يَعْتَدُونَ فِي الدُّعَاء ) . أَخْرَجَهُ اِبْن مَاجَهْ عَنْ أَبِي بَكْر بْن أَبِي شَيْبَة . حَدَّثَنَا عَفَّان حَدَّثَنَا حَمَّاد بْن سَلَمَة أَخْبَرَنَا سَعِيد الْجَرِيرِيّ عَنْ أَبِي نَعَامَة أَنَّ عَبْد اللَّه بْن مُغَفَّل سَمِعَ اِبْنه يَقُول : اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلك الْقَصْر الْأَبْيَض عَنْ يَمِين الْجَنَّة إِذَا دَخَلْتهَا . فَقَالَ : أَيْ بُنَيَّ , سَلْ اللَّه الْجَنَّة وَعُذْ بِهِ مِنْ النَّار ; فَإِنِّي سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : ( سَيَكُونُ قَوْم يَعْتَدُونَ فِي الدُّعَاء ) . وَالِاعْتِدَاء فِي الدُّعَاء عَلَى وُجُوه : مِنْهَا الْجَهْر الْكَثِير وَالصِّيَاح ; كَمَا تَقَدَّمَ . وَمِنْهَا أَنْ يَدْعُو الْإِنْسَان فِي أَنْ تَكُون لَهُ مَنْزِلَة نَبِيّ , أَوْ يَدْعُو فِي مُحَال ; وَنَحْو هَذَا مِنْ الشَّطَط . وَمِنْهَا أَنْ يَدْعُو طَالِبًا مَعْصِيَة وَغَيْر ذَلِكَ . وَمِنْهَا أَنْ يَدْعُو بِمَا لَيْسَ فِي الْكِتَاب وَالسُّنَّة ; فَيَتَخَيَّر أَلْفَاظًا مُفَقَّرَة وَكَلِمَات مُسَجَّعَة قَدْ وَجَدَهَا فِي كَرَارِيس لَا أَصْل لَهَا وَلَا مُعَوِّل عَلَيْهَا , فَيَجْعَلهَا شِعَاره وَيَتْرُك مَا دَعَا بِهِ رَسُوله عَلَيْهِ السَّلَام . وَكُلّ هَذَا يَمْنَع مِنْ اِسْتِجَابَة الدُّعَاء . كَمَا تَقَدَّمَ فِي | الْبَقَرَة |

وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ

إِنَّهُ سُبْحَانه نَهَى عَنْ كُلّ فَسَاد قَلَّ أَوْ كَثُرَ بَعْد صَلَاح قَلَّ أَوْ كَثُرَ . فَهُوَ عَلَى الْعُمُوم عَلَى الصَّحِيح مِنْ الْأَقْوَال . وَقَالَ الضَّحَّاك : مَعْنَاهُ لَا تَعُورُوا الْمَاء الْمَعِين , وَلَا تَقْطَعُوا الشَّجَر الْمُثْمِر ضِرَارًا . وَقَدْ وَرَدَ : قَطْع الدَّنَانِير مِنْ الْفَسَاد فِي الْأَرْض . وَقَدْ قِيلَ : تِجَارَة الْحُكَّام مِنْ الْفَسَاد فِي الْأَرْض . وَقَالَ الْقُشَيْرِيّ : الْمُرَاد وَلَا تُشْرِكُوا ; فَهُوَ نَهْي عَنْ الشِّرْك وَسَفْك الدِّمَاء وَالْهَرْج فِي الْأَرْض , وَأَمْر بِلُزُومِ الشَّرَائِع بَعْد إِصْلَاحهَا , بَعْد أَنْ أَصْلَحَهَا اللَّه بِبَعْثِهِ الرُّسُل , وَتَقْرِير الشَّرَائِع وَوُضُوح مِلَّة مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ اِبْن عَطِيَّة : وَقَائِل هَذِهِ الْمَقَالَة قَصَدَ إِلَى أَكْبَر فَسَاد بَعْد أَعْظَم صَلَاح فَخَصَّهُ بِالذِّكْرِ . قُلْت : وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ الضَّحَّاك فَلَيْسَ عَلَى عُمُومه , وَإِنَّمَا ذَلِكَ إِذَا كَانَ فِيهِ ضَرَر عَلَى الْمُؤْمِن , وَأَمَّا مَا يَعُود ضَرَره عَلَى الْمُشْرِكِينَ فَذَلِكَ جَائِز ; فَإِنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ عَوَّرَ مَاء قَلِيب بَدْر وَقَطَعَ شَجَر الْكَافِرِينَ . وَسَيَأْتِي الْكَلَام فِي قَطْع الدَّنَانِير فِي | هُود | إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى .|وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا|أَمْر بِأَنْ يَكُون الْإِنْسَان فِي حَالَة تَرَقُّب وَتَخَوُّف وَتَأْمِيل لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ , حَتَّى يَكُون الرَّجَاء وَالْخَوْف لِلْإِنْسَانِ كَالْجَنَاحَيْنِ لِلطَّائِرِ يَحْمِلَانِهِ فِي طَرِيق اِسْتِقَامَته , وَإِنْ اِنْفَرَدَ أَحَدهمَا هَلَكَ الْإِنْسَان , قَالَ اللَّه تَعَالَى : | نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُور الرَّحِيم . وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَاب الْأَلِيم | [ الْحِجْر : 49 - 50 ] فَرَجَّى وَخَوَّفَ . فَيَدْعُو الْإِنْسَان خَوْفًا مِنْ عِقَابه وَطَمَعًا فِي ثَوَابه ; قَالَ اللَّه تَعَالَى : | وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا | [ الْأَنْبِيَاء : 90 ] . وَسَيَأْتِي الْقَوْل فِيهِ . وَالْخَوْف : الِانْزِعَاج لِمَا لَا يُؤْمَن مِنْ الْمَضَارّ . وَالطَّمَع : تَوَقُّع الْمَحْبُوب ; قَالَ الْقُشَيْرِيّ . وَقَالَ بَعْض أَهْل الْعِلْم : يَنْبَغِي أَنْ يَغْلِب الْخَوْف الرَّجَاء طُول الْحَيَاة , فَإِذَا جَاءَ الْمَوْت غَلَبَ الرَّجَاء . قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا يَمُوتَن أَحَدكُمْ إِلَّا وَهُوَ يُحْسِن الظَّنّ بِاَللَّهِ ) . صَحِيح أَخْرَجَهُ مُسْلِم .|إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ|وَلَمْ يَقُلْ قَرِيبَة . فَفِيهِ سَبْعَة أَوْجُه : أَوَّلهَا أَنَّ الرَّحْمَة وَالرُّحُم وَاحِد , وَهِيَ بِمَعْنَى الْعَفْو وَالْغُفْرَان ; قَالَهُ الزَّجَّاج وَاخْتَارَهُ النَّحَّاس . وَقَالَ النَّضْر بْن شُمَيْل : الرَّحْمَة مَصْدَر , وَحَقُّ الْمَصْدَر التَّذْكِير ; كَقَوْلِهِ : | فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَة | [ الْبَقَرَة : 275 ] . وَهَذَا قَرِيب مِنْ قَوْل الزَّجَّاج ; لِأَنَّ الْمَوْعِظَة بِمَعْنَى الْوَعْظ . وَقِيلَ : أَرَادَ بِالرَّحْمَةِ الْإِحْسَان ; وَلِأَنَّ مَا لَا يَكُون تَأْنِيثه حَقِيقِيًّا جَازَ تَذْكِيره ; ذَكَرَهُ الْجَوْهَرِيّ . وَقِيلَ : أَرَادَ بِالرَّحْمَةِ هُنَا الْمَطَر ; قَالَهُ الْأَخْفَش . قَالَ : وَيَجُوز أَنْ يُذَكَّر كَمَا يُذَكَّر بَعْض الْمُؤَنَّث . وَأَنْشَدَ : <br>فَلَا مُزْنَة وَدَقَتْ وَدْقَهَا .......... وَلَا أَرْض أَبْقَلَ إِبْقَالهَا <br>وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة : ذُكِّرَ | قَرِيب | عَلَى تَذْكِير الْمَكَان , أَيْ مَكَانًا قَرِيبًا . قَالَ عَلِيّ بْن سُلَيْمَان : وَهَذَا خَطَأ , وَلَوْ كَانَ كَمَا قَالَ لَكَانَ | قَرِيب | مَنْصُوبًا فِي الْقُرْآن ; كَمَا تَقُول : إِنَّ زَيْدًا قَرِيبًا مِنْك . وَقِيلَ : ذُكِّرَ عَلَى النَّسَب ; كَأَنَّهُ قَالَ : إِنَّ رَحْمَة اللَّه ذَات قُرْب ; كَمَا تَقُول : اِمْرَأَة طَالِق وَحَائِض . وَقَالَ الْفَرَّاء : إِذَا كَانَ الْقَرِيب فِي مَعْنَى الْمَسَافَة يُذَكَّر وَيُؤَنَّث , وَإِنْ كَانَ فِي مَعْنَى النَّسَب يُؤَنَّث بِلَا اِخْتِلَاف بَيْنهمْ . تَقُول : هَذِهِ الْمَرْأَة قَرِيبَتِي , أَيْ ذَات قَرَابَتِي ; ذَكَرَهُ الْجَوْهَرِيّ . وَذَكَرَهُ غَيْره عَنْ الْفَرَّاء : يُقَال فِي النَّسَب قَرِيبَة فُلَان , وَفِي غَيْر النَّسَب يَجُوز التَّذْكِير وَالتَّأْنِيث ; يُقَال : دَارك مِنَّا قَرِيب , وَفُلَانَة مِنَّا قَرِيب ; قَالَ اللَّه تَعَالَى : | وَمَا يُدْرِيك لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُون قَرِيبًا | [ الْأَحْزَاب : 63 ] . وَقَالَ مَنْ اِحْتَجَّ لَهُ : كَذَا كَلَام الْعَرَب ; كَمَا قَالَ اِمْرُؤُ الْقَيْس : <br>لَهُ الْوَيْل إِنْ أَمْسَى وَلَا أُمّ هَاشِم .......... قَرِيب وَلَا الْبَسْبَاسَة اِبْنَة يَشْكُرَا <br>قَالَ الزَّجَّاج : وَهَذَا خَطَأ ; لِأَنَّ سَبِيل الْمُذَكَّر وَالْمُؤَنَّث أَنْ يَجْرِيَا عَلَى أَفْعَالِهِمَا .

وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّ

عَطْف عَلَى قَوْله : | يُغْشِي اللَّيْل النَّهَار | [ الرَّعْد : 3 ] . ذَكَرَ شَيْئًا آخَر مِنْ نِعَمه , وَدَلَّ عَلَى وَحْدَانِيّته وَثُبُوت إِلَهِيَّته . وَقَدْ مَضَى الْكَلَام فِي الرِّيح فِي | الْبَقَرَة | وَرِيَاح جَمْع كَثْرَة وَأَرْوَاح جَمْع قِلَّة . وَأَصْل رِيح رِوْح . وَقَدْ خُطِّئَ مَنْ قَالَ فِي جَمْع الْقِلَّة أَرْيَاح . | بُشْرًا | فِيهِ سَبْع قِرَاءَات : قَرَأَ أَهْل الْحَرَمَيْنِ وَأَبُو عَمْرو | نُشُرًا | بِضَمِّ النُّون وَالشِّين جَمْع نَاشِر عَلَى مَعْنَى النَّسَب , أَيْ ذَات نَشْر ; فَهُوَ مِثْل شَاهِد وَشُهُد . وَيَجُوز أَنْ يَكُون جَمْع نَشُور كَرَسُول وَرُسُل . يُقَال : رِيح النَّشُور إِذَا أَتَتْ مِنْ هَهُنَا وَهَهُنَا . وَالنَّشُور بِمَعْنَى الْمَنْشُور ; كَالرَّكُوبِ بِمَعْنَى الْمَرْكُوب . أَيْ وَهُوَ الَّذِي يُرْسِل الرِّيَاح مُنْشَرَة . وَقَرَأَ الْحَسَن وَقَتَادَة | نُشْرًا | بِضَمِّ النُّون وَإِسْكَان الشِّين مُخَفَّفًا مِنْ نُشُر ; كَمَا يُقَال : كُتْب وَرُسْل . وَقَرَأَ الْأَعْمَش وَحَمْزَة | نَشْرًا | بِفَتْحِ النُّون وَإِسْكَان الشِّين عَلَى الْمَصْدَر , أَعْمَلَ فِيهِ مَعْنَى مَا قَبْله ; كَأَنَّهُ قَالَ : وَهُوَ الَّذِي يَنْشُر الرِّيَاح نَشْرًا . نَشَرْت الشَّيْء فَانْتَشَرَ , فَكَأَنَّهَا كَانَتْ مَطْوِيَّة فَنُشِرَتْ عِنْد الْهُبُوب . وَيَجُوز أَنْ يَكُون مَصْدَرًا فِي مَوْضِع الْحَال مِنْ الرِّيَاح ; كَأَنَّهُ قَالَ يُرْسِل الرِّيَاح مُنْشَرَة , أَيْ مُحْيَيَة ; مِنْ أَنَشَرَ اللَّه الْمَيِّت فَنُشِرَ , كَمَا تَقُول أَتَانَا رَكْضًا , أَيْ رَاكِضًا . وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ نَشْرًا ( بِالْفَتْحِ ) مِنْ النَّشْر الَّذِي هُوَ خِلَاف الطَّيّ عَلَى مَا ذَكَرْنَا . كَأَنَّ الرِّيح فِي سُكُونهَا كَالْمَطْوِيَّةِ ثُمَّ تُرْسِل مِنْ طَيّهَا ذَلِكَ فَتَصِير كَالْمُنْفَتِحَةِ . وَقَدْ فَسَّرَهُ أَبُو عُبَيْد بِمَعْنَى مُتَفَرِّقَة فِي وُجُوههَا , عَلَى مَعْنَى يَنْشُرهَا هَهُنَا وَهَهُنَا . وَقَرَأَ عَاصِم : | بُشْرًا | بِالْبَاءِ وَإِسْكَان الشِّين وَالتَّنْوِين جَمْع بَشِير , أَيْ الرِّيَاح تُبَشِّر بِالْمَطَرِ . وَشَاهِده قَوْله : | وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِل الرِّيَاح مُبَشِّرَات | . وَأَصْل الشِّين الضَّمّ , لَكِنْ سُكِّنَتْ تَخْفِيفًا كَرُسُل وَرُسْل . وَرُوِيَ عَنْهُ | بَشْرًا | بِفَتْحِ الْبَاء . قَالَ النَّحَّاس : وَيُقْرَأ | بُشُرًا | وَ | بَشْر مَصْدَر بَشَرَهُ يَبْشُرهُ بِمَعْنَى بَشَّرَهُ | فَهَذِهِ خَمْس قِرَاءَات . وَقَرَأَ مُحَمَّد الْيَمَانِيّ | بُشْرَى | عَلَى وَزْن حُبْلَى . وَقِرَاءَة سَابِعَة | بُشُرَى | بِضَمِّ الْبَاء وَالشِّين .|حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا|السَّحَاب يُذَكَّر وَيُؤَنَّث . وَكَذَا كُلّ جَمْع بَيْنه وَبَيْن وَاحِدَته هَاء . وَيَجُوز نَعْته بِوَاحِدٍ فَتَقُول : سَحَاب ثَقِيل وَثَقِيلَة . وَالْمَعْنَى : حَمَلَتْ الرِّيح سَحَابًا ثِقَالًا بِالْمَاءِ , أَيْ أَثْقَلَتْ بِحَمْلِهِ . يُقَال : أَقَلَّ فُلَان الشَّيْء أَيْ حَمَلَهُ .|سُقْنَاهُ|أَيْ السَّحَاب .|لِبَلَدٍ مَيِّتٍ|أَيْ لَيْسَ فِيهِ نَبَات . يُقَال : سُقْته لِبَلَدِ كَذَا وَإِلَى بَلَد كَذَا . وَقِيلَ : لِأَجْلِ بَلَد مَيِّت ; فَاللَّام لَام أَجْل . وَالْبَلَد كُلّ مَوْضِع مِنْ الْأَرْض عَامِر أَوْ غَيْر عَامِر خَال أَوْ مَسْكُون . وَالْبَلْدَة وَالْبَلَد وَاحِد الْبِلَاد وَالْبُلْدَان . وَالْبَلَد الْأَثَر وَجَمْعه أَبْلَاد . قَالَ الشَّاعِر : <br>مِنْ بَعْد مَا شَمِلَ الْبِلَى أَبْلَادهَا <br>وَالْبَلَد : أُدْحِيّ النَّعَام . يُقَال : هُوَ أَذَلّ مِنْ بَيْضَة الْبَلَد , أَيْ مِنْ بَيْضَة النَّعَام الَّتِي يَتْرُكُهَا . وَالْبَلْدَة الْأَرْض ; يُقَال : هَذِهِ بَلْدَتُنَا كَمَا يُقَال بَحْرَتنَا . وَالْبَلْدَة مِنْ مَنَازِل الْقَمَر , وَهِيَ سِتَّة أَنْجُم مِنْ الْقَوْس تَنْزِلهَا الشَّمْس فِي أَقْصَر يَوْم فِي السَّنَة . وَالْبَلْدَة الصَّدْر ; يُقَال : فُلَان وَاسِع الْبَلْدَة أَيْ وَاسِع الصَّدْر قَالَ الشَّاعِر : <br>أُنِيخَتْ فَأَلْقَتْ بَلْدَة فَوْق بَلْدَة .......... قَلِيل بِهَا الْأَصْوَات إِلَّا بُغَامهَا <br>يَقُول : بَرَكَتْ النَّاقَة فَأَلْقَتْ صَدْرهَا عَلَى الْأَرْض . وَالْبَلْدَة ( بِفَتْحِ الْبَاء وَضَمّهَا ) : نَقَاوَة مَا بَيْن الْحَاجِبَيْنِ ; فَهُمَا مِنْ الْأَلْفَاظ الْمُشْتَرَكَة .|فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ|أَيْ بِالْبَلَدِ . وَقِيلَ : أَنْزَلْنَا بِالسَّحَابِ الْمَاء ; لِأَنَّ السَّحَاب آلَة لِإِنْزَالِ الْمَاء . وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمَعْنَى فَأَنْزَلْنَا مِنْهُ الْمَاء ; كَقَوْلِهِ : | يَشْرَب بِهَا عِبَاد اللَّه | [ الْإِنْسَان : 6 ] أَيْ مِنْهَا .|فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ|الْكَاف فِي مَوْضِع نَصْب . أَيْ مِثْل ذَلِكَ الْإِخْرَاج نُحْيِي الْمَوْتَى . وَخَرَّجَ الْبَيْهَقِيّ وَغَيْره عَنْ أَبِي رَزِين الْعُقَيْلِيّ قَالَ : قُلْت يَا رَسُول اللَّه , كَيْفَ يُعِيد اللَّه الْخَلْق , وَمَا آيَة ذَلِكَ فِي خَلْقه ؟ قَالَ : ( أَمَا مَرَرْت بِوَادِي قَوْمك جَدْبًا ثُمَّ مَرَرْت بِهِ يَهْتَزّ خَضِرًا ) قَالَ : نَعَمْ , قَالَ : ( فَتِلْكَ آيَة اللَّه فِي خَلْقه ) . وَقِيلَ : وَجْه التَّشْبِيه أَنَّ إِحْيَاءَهُمْ مِنْ قُبُورهمْ يَكُون بِمَطَرٍ يَبْعَثهُ اللَّه عَلَى قُبُورهمْ , فَتَنْشَقّ عَنْهُمْ الْقُبُور , ثُمَّ تَعُود إِلَيْهِمْ الْأَرْوَاح . وَفِي صَحِيح مُسْلِم مِنْ حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَمْرو عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( ثُمَّ يُرْسِل اللَّه - أَوْ قَالَ يُنْزِل اللَّه - مَطَرًا كَأَنَّهُ الطَّلّ فَتَنْبُت مِنْهُ أَجْسَاد النَّاس ثُمَّ يُقَال يَا أَيُّهَا النَّاس هَلُمُّوا إِلَى رَبّكُمْ وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ ) . وَذَكَرَ الْحَدِيث . وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ بِكَمَالِهِ فِي كِتَاب ( التَّذْكِرَة ) وَالْحَمْد لِلَّهِ . فَدَلَّ عَلَى الْبَعْث وَالنُّشُور ; وَإِلَى اللَّه تُرْجَع الْأُمُور .

وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ

أَيْ التُّرْبَة الطَّيِّبَة . وَالْخَبِيث الَّذِي فِي تُرْبَته حِجَارَة أَوْ شَوْك ; عَنْ الْحَسَن . وَقِيلَ : مَعْنَاهُ التَّشْبِيه , شَبَّهَ تَعَالَى السَّرِيع الْفَهْم بِالْبَلَدِ الطَّيِّب , وَالْبَلِيد بِاَلَّذِي خَبُثَ ; عَنْ النَّحَّاس . وَقِيلَ : هَذَا مَثَل لِلْقُلُوبِ ; فَقَلْب يَقْبَل الْوَعْظ وَالذِّكْرَى , وَقَلْب فَاسِق يَنْبُو عَنْ ذَلِكَ ; قَالَ الْحَسَن أَيْضًا . وَقَالَ قَتَادَة : مَثَل لِلْمُؤْمِنِ يَعْمَل مُحْتَسِبًا مُتَطَوِّعًا , وَالْمُنَافِق غَيْر مُحْتَسِب ; قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ يَعْلَم أَحَدهمْ أَنَّهُ يَجِد عَظْمًا سَمِينًا أَوْ مِرْمَاتَيْنِ حَسَنَتَيْنِ لَشَهِدَ الْعِشَاءَ ) . | نَكِدًا | نَصْب عَلَى الْحَال , وَهُوَ الْعَسِر الْمُمْتَنِع مِنْ إِعْطَاء الْخَيْر . وَهَذَا تَمْثِيل . قَالَ مُجَاهِد : يَعْنِي أَنَّ فِي بَنِي آدَم الطَّيِّب وَالْخَبِيث . وَقَرَأَ طَلْحَة | إِلَّا نَكْدًا | حَذَفَ الْكَسْرَة لِثِقَلِهَا . وَقَرَأَ اِبْن الْقَعْقَاع | نَكَدًا | بِفَتْحِ الْكَاف , فَهُوَ مَصْدَر بِمَعْنَى ذَا نَكَد . كَمَا قَالَ : <br>فَإِنَّمَا هِيَ إِقْبَال وَإِدْبَار <br>وَقِيلَ : | نَكِدًا | بِنَصْبِ الْكَاف وَخَفْضهَا بِمَعْنًى ; كَالدَّنِفِ وَالدَّنَف , لُغَتَانِ .|كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ|أَيْ كَمَا صَرَّفْنَا مِنْ الْآيَات , وَهِيَ الْحُجَج وَالدَّلَالَات , فِي إِبْطَال الشِّرْك ; كَذَلِكَ نُصَرِّف الْآيَات فِي كُلّ مَا يَحْتَاج إِلَيْهِ النَّاس .|لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ|وَخَصَّ الشَّاكِرِينَ لِأَنَّهُمْ الْمُنْتَفِعُونَ بِذَلِكَ .

لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ

لَمَّا بَيَّنَ أَنَّهُ الْخَالِق الْقَادِر عَلَى الْكَمَال ذَكَرَ أَقَاصِيصَ الْأُمَم وَمَا فِيهَا مِنْ تَحْذِير الْكُفَّار . وَاللَّام فِي | لَقَدْ | لِلتَّأْكِيدِ الْمُنَبِّه عَلَى الْقَسَم . وَالْفَاء دَالَّة عَلَى أَنَّ الثَّانِي بَعْد الْأَوَّل . | يَا قَوْم | نِدَاء مُضَاف . وَيَجُوز | يَا قَوْمِي | عَلَى الْأَصْل . وَنُوح أَوَّل الرُّسُل إِلَى الْأَرْض بَعْد آدَم عَلَيْهِمَا السَّلَام بِتَحْرِيمِ الْبَنَات وَالْأَخَوَات وَالْعَمَّات وَالْخَالَات . قَالَ النَّحَّاس : وَانْصَرَفَ لِأَنَّهُ عَلَى ثَلَاثَة أَحْرُف . وَقَدْ يَجُوز أَنْ يُشْتَقَّ مِنْ نَاحَ يَنُوح ; وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي | آل عِمْرَان | هَذَا الْمَعْنَى وَغَيْره فَأَغْنَى عَنْ إِعَادَته قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : وَمَنْ قَالَ إِنَّ إِدْرِيس كَانَ قَبْله مِنْ الْمُؤَرِّخِينَ فَقَدْ وَهِمَ . وَالدَّلِيل عَلَى صِحَّة وَهْمه الْحَدِيث الصَّحِيح فِي الْإِسْرَاء حِين لَقِيَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آدَم وَإِدْرِيس فَقَالَ لَهُ آدَم : ( مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِح وَالِابْن الصَّالِح ) . وَقَالَ لَهُ إِدْرِيس : ( مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِح وَالْأَخ الصَّالِح ) . فَلَوْ كَانَ إِدْرِيس أَبًا لِنُوحٍ لَقَالَ مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِح وَالِابْن الصَّالِح . فَلَمَّا قَالَ لَهُ وَالْأَخ الصَّالِح دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ يَجْتَمِع مَعَهُ فِي نُوحٍ , صَلَوَات اللَّه عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ . وَلَا كَلَام لِمُنْصِفٍ بَعْد هَذَا . قَالَ الْقَاضِي عِيَاض : وَجَاءَ جَوَاب الْآبَاء هَهُنَا كَنُوحٍ وَإِبْرَاهِيم وَآدَم ( مَرْحَبًا بِالِابْنِ الصَّالِح ) . وَقَالَ عَنْ إِدْرِيس ( بِالْأَخِ الصَّالِح ) كَمَا ذُكِرَ عَنْ مُوسَى وَعِيسَى وَيُوسُف وَهَارُون وَيَحْيَى مِمَّنْ لَيْسَ بِأَبٍ بِاتِّفَاقٍ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَقَالَ الْمَازِرِيّ : قَدْ ذَكَرَ الْمُؤَرِّخُونَ أَنَّ إِدْرِيس جَدُّ نُوح عَلَيْهِمَا السَّلَام . فَإِنْ قَامَ الدَّلِيل عَلَى أَنَّ إِدْرِيس بُعِثَ أَيْضًا لَمْ يَصِحّ قَوْل النَّسَّابِينَ إِنَّهُ قَبْل نُوح ; لِمَا أَخْبَرَ عَلَيْهِ السَّلَام مِنْ قَوْل آدَم إِنَّ نُوحًا أَوَّل رَسُول بُعِثَ , وَإِنْ لَمْ يَقُمْ دَلِيل جَازَ مَا قَالُوا : وَصَحَّ أَنْ يُحْمَل أَنَّ إِدْرِيس كَانَ نَبِيًّا غَيْر مُرْسَل . قَالَ الْقَاضِي عِيَاض : قَدْ يُجْمَع بَيْن هَذَا بِأَنْ يُقَال : اِخْتَصَّ بَعْث نُوح لِأَهْلِ الْأَرْض - كَمَا قَالَ فِي الْحَدِيث - كَافَّة كَنَبِيِّنَا عَلَيْهِ السَّلَام . وَيَكُون إِدْرِيس لِقَوْمِهِ كَمُوسَى وَهُود وَصَالِح وَلُوط وَغَيْرهمْ . وَقَدْ اِسْتَدَلَّ بَعْضهمْ عَلَى هَذَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى : | وَإِنَّ إِلْيَاس لَمِنْ الْمُرْسَلِينَ . إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلَا تَتَّقُونَ | [ الصَّافَّات : 123 , 124 ] . وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ إِلْيَاس هُوَ إِدْرِيس . وَقَدْ قُرِئَ | سَلَام عَلَى إِدْرَاسِين | . قَالَ الْقَاضِي عِيَاض : وَقَدْ رَأَيْت أَبَا الْحَسَن بْن بَطَّال ذَهَبَ إِلَى أَنَّ آدَم لَيْسَ بِرَسُولٍ ; لِيَسْلَم مِنْ هَذَا الِاعْتِرَاض . وَحَدِيث أَبِي ذَرٍّ الطَّوِيل يَدُلّ عَلَى أَنَّ آدَم وَإِدْرِيس رَسُولَانِ . قَالَ اِبْن عَطِيَّة : وَمَجْمَع ذَلِكَ بِأَنْ تَكُون بَعْثَة نُوح مَشْهُورَة لِإِصْلَاحِ النَّاس وَحَمْلهمْ بِالْعَذَابِ وَالْإِهْلَاك عَلَى الْإِيمَان ; فَالْمُرَاد أَنَّهُ أَوَّل نَبِيّ بُعِثَ عَلَى هَذِهِ الصِّفَة . وَاَللَّه أَعْلَم . وَرُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلَام بُعِثَ وَهُوَ اِبْن أَرْبَعِينَ سَنَة . قَالَ الْكَلْبِيّ : بَعْد آدَم بِثَمَانِمِائَةِ سَنَة . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : وَبَقِيَ فِي قَوْمه يَدْعُوهُمْ أَلْف سَنَة إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا ; كَمَا أَخْبَرَ التَّنْزِيل . ثُمَّ عَاشَ بَعْد الطُّوفَان سِتِّينَ سَنَة . حَتَّى كَثُرَ النَّاس وَفَشَوْا . وَقَالَ وَهْب : بُعِثَ نُوح وَهُوَ اِبْن خَمْسِينَ سَنَة . وَقَالَ عَوْن بْن شَدَّاد : بُعِثَ نُوح وَهُوَ اِبْن ثَلَاثمِائِة وَخَمْسِينَ سَنَة . وَفِي كَثِير مِنْ كُتُب الْحَدِيث : التِّرْمِذِيّ وَغَيْره أَنَّ جَمِيع الْخَلْق الْآن مِنْ ذُرِّيَّة نُوح عَلَيْهِ السَّلَام . وَذَكَرَ النَّقَّاش عَنْ سُلَيْمَان بْن أَرْقَم عَنْ الزُّهْرِيّ : أَنَّ الْعَرَب وَفَارِس وَالرُّوم وَأَهْل الشَّام وَأَهْل الْيَمَن مِنْ وَلَد سَام بْن نُوح . وَالسِّنْد وَالْهِنْد وَالزِّنْج وَالْحَبَشَة وَالزُّطّ وَالنُّوبَة , وَكُلّ جِلْد أَسْوَد مِنْ وَلَد حَام بْن نُوح . وَالتُّرْك وَبَرْبَر وَوَرَاء الصِّين وَيَأْجُوج وَمَأْجُوج وَالصَّقَالِبَة كُلّهمْ مِنْ وَلَد يَافِث بْن نُوح . وَالْخَلْق كُلّهمْ ذُرِّيَّة نُوح .|اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ|بِرَفْعِ | غَيْره | قِرَاءَة نَافِع وَأَبِي عَمْرو وَعَاصِم وَحَمْزَة . أَيْ مَا لَكُمْ إِلَه غَيْره . نَعْت عَلَى الْمَوْضِع . وَقِيلَ : | غَيْر | بِمَعْنَى إِلَّا ; أَيْ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَه إِلَّا اللَّه . قَالَ أَبُو عَمْرو : مَا أَعْرِف الْجَرّ وَلَا النَّصْب . وَقَرَأَ الْكِسَائِيّ بِالْخَفْضِ عَلَى الْمَوْضِع . وَيَجُوز النَّصْب عَلَى الِاسْتِثْنَاء , وَلَيْسَ بِكَثِيرٍ ; غَيْر أَنَّ الْكِسَائِيّ وَالْفَرَّاء أَجَازَا نَصْب | غَيْر | فِي كُلّ مَوْضِع يَحْسُن فِيهِ | إِلَّا | تَمَّ الْكَلَام أَوْ لَمْ يَتِمّ . فَأَجَازَا : مَا جَاءَنِي غَيْرك . قَالَ الْفَرَّاء : هِيَ لُغَة بَعْض بَنِي أَسَد وَقُضَاعَة . وَأَنْشَدَ : <br>لَمْ يَمْنَع الشُّرْب مِنْهَا غَيْر أَنْ هَتَفَتْ .......... حَمَامَة فِي سَحُوق ذَات أَوْقَالِ <br>قَالَ الْكِسَائِيّ : وَلَا يَجُوز جَاءَنِي غَيْرك , فِي الْإِيجَاب ; لِأَنَّ إِلَّا لَا تَقَع هَهُنَا . قَالَ النَّحَّاس : لَا يَجُوز عِنْد الْبَصْرِيِّينَ نَصْب | غَيْر | إِذَا لَمْ يَتِمّ الْكَلَام . وَذَلِكَ عِنْدهمْ مِنْ أَقْبَح اللَّحْن .

قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ

وَالْمَلَأ : الْأَشْرَاف مِنْ النَّاس , كَأَنَّهُمْ مُمْتَلِئُونَ شَرَفًا . وَقَالَ الزَّجَّاج : سُمُّوا بِذَلِكَ لِأَنَّهُمْ مُمْتَلِئُونَ مِمَّا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ مِنْهُمْ . وَالْمَلَأ فِي هَذِهِ الْآيَة الْقَوْم ; لِأَنَّ الْمَعْنَى يَقْتَضِيه . وَالْمَلَأ : اِسْم لِلْجَمْعِ كَالْقَوْمِ وَالرَّهْط . وَالْمَلَأ أَيْضًا : حُسْن الْخُلُق , وَمِنْهُ الْحَدِيث ( أَحْسِنُوا الْمَلَأ فَكُلُّكُمْ سَيَرْوَى ) خَرَّجَهُ مُسْلِم .

قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ

وَالضَّلَال وَالضَّلَالَة : الْعُدُول عَنْ طَرِيق الْحَقّ , وَالذَّهَاب عَنْهُ . أَيْ إِنَّا لَنَرَاك فِي دُعَائِنَا إِلَى إِلَه وَاحِد فِي ضَلَال عَنْ الْحَقّ .

أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ

بِالتَّشْدِيدِ مِنْ التَّبْلِيغ , وَبِالتَّخْفِيفِ مِنْ الْإِبْلَاغ . وَقِيلَ : هُمَا بِمَعْنًى وَاحِد لُغَتَانِ ; مِثْل كَرَّمَهُ وَأَكْرَمَهُ .|وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ|النُّصْح : إِخْلَاص النِّيَّة مِنْ شَوَائِب الْفَسَاد فِي الْمُعَامَلَة , بِخِلَافِ الْغَشّ . يُقَال : نَصَحْته وَنَصَحْت لَهُ نَصِيحَة وَنَصَاحَة وَنُصْحًا . وَهُوَ بِاللَّامِ أَفْصَح . قَالَ اللَّه تَعَالَى : | وَأَنْصَح لَكُمْ | وَالِاسْم النَّصِيحَة . وَالنَّصِيح النَّاصِح , وَقَوْم نُصَحَاء . وَرَجُل نَاصِح الْجَيْب أَيْ نَقِيّ الْقَلْب . قَالَ الْأَصْمَعِيّ : النَّاصِح الْخَالِص مِنْ الْعَسَل وَغَيْره . مِثْل النَّاصِع . وَكُلّ شَيْء خَلَصَ فَقَدْ نَصَحَ . وَانْتَصَحَ فُلَان أَقْبَلَ عَلَى النَّصِيحَة . يُقَال : انْتَصِحْنِي إِنَّنِي لَك نَاصِح . وَالنَّاصِح الْخَيَّاط . وَالنِّصَاح السِّلْك يُخَاط بِهِ . وَالنَّصَاحَات أَيْضًا الْجُلُود . قَالَ الْأَعْشَى : <br>فَتَرَى الشُّرْب نَشَاوَى كُلّهمْ .......... مِثْل مَا مُدَّتْ نِصَاحَات الرُّبَحْ <br>الرُّبَحُ لُغَة فِي الرُّبَع , وَهُوَ الْفَصِيل . وَالرُّبَح أَيْضًا طَائِر . وَسَيَأْتِي لِهَذَا زِيَادَة مَعْنًى فِي | بَرَاءَة | إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى .

أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ

فُتِحَتْ الْوَاو لِأَنَّهَا وَاو عَطْف , دَخَلَتْ عَلَيْهَا أَلِف الِاسْتِفْهَام لِلتَّقْرِيرِ . وَسَبِيل الْوَاو أَنْ تَدْخُل عَلَى حُرُوف الِاسْتِفْهَام إِلَّا الْأَلِف لِقُوَّتِهَا .|أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ|أَيْ وَعْظ مِنْ رَبّكُمْ .|عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ|أَيْ عَلَى لِسَان رَجُل . وَقِيلَ : | عَلَى | بِمَعْنَى | مَعَ | , أَيْ مَعَ رَجُل وَقِيلَ : الْمَعْنَى أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْر مِنْ رَبّكُمْ مُنَزَّل عَلَى رَجُل مِنْكُمْ , أَيْ تَعْرِفُونَ نَسَبه . أَيْ عَلَى رَجُل مِنْ جِنْسكُمْ . وَلَوْ كَانَ مَلَكًا فَرُبَّمَا كَانَ فِي اِخْتِلَاف الْجِنْس تَنَافُر الطَّبْع .

فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ

وَ | الْفُلْك | يَكُون وَاحِدًا وَيَكُون جَمْعًا . وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي | الْبَقَرَة ||وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ|وَ | عَمِينَ | أَيْ عَنْ الْحَقّ ; قَالَ قَتَادَة . وَقِيلَ : عَنْ مَعْرِفَة اللَّه تَعَالَى وَقُدْرَته , يُقَال : رَجُل عَمٍ بِكَذَا , أَيْ جَاهِل .

وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ

أَيْ وَأَرْسَلْنَا إِلَى عَاد أَخَاهُمْ هُودًا . قَالَ اِبْن عَبَّاس أَيْ اِبْن أَبِيهِمْ . وَقِيلَ : أَخَاهُمْ فِي الْقَبِيلَة . وَقِيلَ : أَيْ بَشَرًا مِنْ بَنِي أَبِيهِمْ آدَم . وَفِي مُصَنَّف أَبِي دَاوُد أَنَّ أَخَاهُمْ هُودًا أَيْ صَاحِبهمْ . وَعَاد مِنْ وَلَد سَام بْن نُوح . قَالَ اِبْن إِسْحَاق : وَعَاد هُوَ اِبْن عَوْص بْن إِرَم بْن شالخ بْن أَرْفَخْشَد بْن سَام بْن نُوح عَلَيْهِ السَّلَام . وَهُود هُوَ هُود بْن عَبْد اللَّه بْن رَبَاح بْن الجلود بْن عَاد بْن عَوْص بْن إِرَم بْن سَام بْن نُوح . بَعَثَهُ اللَّه إِلَى عَاد نَبِيًّا . وَكَانَ مِنْ أَوْسَطهمْ نَسَبًا وَأَفْضَلهمْ حَسَبًا . وَ | عَاد | مَنْ لَمْ يَصْرِفهُ جَعَلَهُ اِسْمًا لِلْقَبِيلَةِ , وَمَنْ صَرَفَهُ جَعَلَهُ اِسْمًا لِلْحَيِّ . قَالَ أَبُو حَاتِم : وَفِي حَرْف أُبَيّ وَابْن مَسْعُود | عَاد الْأُولَى | [ ق : 13 ] بِغَيْرِ أَلِف . وَ | هُود | أَعْجَمِيّ , وَانْصَرَفَ لِخِفَّتِهِ ; لِأَنَّهُ عَلَى ثَلَاثَة أَحْرُف . وَقَدْ يَجُوز أَنْ يَكُون عَرَبِيًّا مُشْتَقًّا مِنْ هَادَ يَهُود . وَالنَّصْب عَلَى الْبَدَل . وَكَانَ بَيْن هُود وَنُوح فِيمَا ذَكَرَ الْمُفَسِّرُونَ سَبْعَة آبَاءٍ . وَكَانَتْ عَاد فِيمَا رُوِيَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ قَبِيلَةً , يَنْزِلُونَ الرِّمَالَ , رَمْل عَالِج . وَكَانُوا أَهْلَ بَسَاتِينَ وَزُرُوعٍ وَعِمَارَة , وَكَانَتْ بِلَادهمْ أَخْصَب الْبِلَاد , فَسَخِطَ اللَّه عَلَيْهِمْ فَجَعَلَهَا مَفَاوِز . وَكَانَتْ فِيمَا رُوِيَ بِنَوَاحِي حَضْرَمَوْت إِلَى الْيَمَن , وَكَانُوا يَعْبُدُونَ الْأَصْنَام . وَلَحِقَ هُود حِين أُهْلِكَ قَوْمه بِمَنْ آمَنَ مَعَهُ بِمَكَّة , فَلَمْ يَزَالُوا بِهَا حَتَّى مَاتُوا .

قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ

| فِي سَفَاهَة | أَيْ فِي حُمْق وَخِفَّة عَقْل . قَالَ : <br>مَشَيْنَ كَمَا اِهْتَزَّتْ رِمَاح تَسَفَّهَتْ .......... أَعَالِيهَا مَرُّ الرِّيَاحِ النَّوَاسِم <br>وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْمَعْنَى فِي | الْبَقَرَة | وَالرُّؤْيَة هُنَا وَفِي قِصَّة نُوح قِيلَ : هِيَ مِنْ رُؤْيَة الْبَصَر . وَقِيلَ : يَجُوز أَنْ يُرَاد بِهَا الرَّأْي الَّذِي هُوَ أَغْلَب الظَّنّ .

قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ

أَيْ لَيْسَ بِي حُمْق وَخِفَّة عَقْل . قَالَ : <br>مَشَيْنَ كَمَا اِهْتَزَّتْ رِمَاح تَسَفَّهَتْ .......... أَعَالِيهَا مَرُّ الرِّيَاح النَّوَاسِم <br>الرُّؤْيَة هُنَا وَفِي قِصَّة نُوح قِيلَ : هِيَ مِنْ رُؤْيَة الْبَصَر . وَقِيلَ : يَجُوز أَنْ يُرَاد بِهَا الرَّأْي الَّذِي هُوَ أَغْلَب الظَّنّ .

أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ

بِالتَّشْدِيدِ مِنْ التَّبْلِيغ , وَبِالتَّخْفِيفِ مِنْ الْإِبْلَاغ . وَقِيلَ : هُمَا بِمَعْنًى وَاحِد لُغَتَانِ ; مِثْل كَرَّمَهُ وَأَكْرَمَهُ . النُّصْح : إِخْلَاص النِّيَّة مِنْ شَوَائِب الْفَسَاد فِي الْمُعَامَلَة , بِخِلَافِ الْغَشّ . يُقَال : نَصَحْته وَنَصَحْت لَهُ نَصِيحَة وَنَصَاحَة وَنُصْحًا . وَهُوَ بِاللَّامِ أَفْصَح . قَالَ اللَّه تَعَالَى : | وَأَنْصَح لَكُمْ | وَالِاسْم النَّصِيحَة . وَالنَّصِيح النَّاصِح , وَقَوْم نُصَحَاء . وَرَجُل نَاصِح الْجَيْب أَيْ نَقِيّ الْقَلْب . قَالَ الْأَصْمَعِيّ : النَّاصِح الْخَالِص مِنْ الْعَسَل وَغَيْره . مِثْل النَّاصِع . وَكُلّ شَيْء خَلَصَ فَقَدْ نَصَحَ . وَانْتَصَحَ فُلَان أَقْبَلَ عَلَى النَّصِيحَة . يُقَال : انْتَصِحْنِي إِنَّنِي لَك نَاصِح . وَالنَّاصِح الْخَيَّاط . وَالنِّصَاح السِّلْك يُخَاط بِهِ . وَالنَّصَاحَات أَيْضًا الْجُلُود . قَالَ الْأَعْشَى : <br>فَتَرَى الشُّرْب نَشَاوَى كُلّهمْ .......... مِثْل مَا مُدَّتْ نِصَاحَات الرُّبَح <br>الرُّبَح لُغَة فِي الرُّبَع , وَهُوَ الْفَصِيل . وَالرُّبَح أَيْضًا طَائِر . وَسَيَأْتِي لِهَذَا زِيَادَة مَعْنًى فِي | بَرَاءَة | إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى .

أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آَلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ

| أَوَعَجِبْتُمْ | فُتِحَتْ الْوَاو لِأَنَّهَا وَاو عَطْف , دَخَلَتْ عَلَيْهَا أَلِف الِاسْتِفْهَام لِلتَّقْرِيرِ . وَسَبِيل الْوَاو أَنْ تَدْخُل عَلَى حُرُوف الِاسْتِفْهَام إِلَّا الْأَلِف لِقُوَّتِهَا . أَيْ وَعْظ مِنْ رَبّكُمْ . | عَلَى رَجُل مِنْكُمْ | أَيْ عَلَى لِسَان رَجُل . وَقِيلَ : | عَلَى | بِمَعْنَى | مَعَ | , أَيْ مَعَ رَجُل وَقِيلَ : الْمَعْنَى أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْر مِنْ رَبّكُمْ مُنَزَّل عَلَى رَجُل مِنْكُمْ , أَيْ تَعْرِفُونَ نَسَبه . أَيْ عَلَى رَجُل مِنْ جِنْسكُمْ . وَلَوْ كَانَ مَلَكًا فَرُبَّمَا كَانَ فِي اِخْتِلَاف الْجِنْس تَنَافُر الطَّبْع .|وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ|| خُلَفَاء | جَمْع خَلِيفَة عَلَى التَّذْكِير وَالْمَعْنَى , وَخَلَائِف عَلَى اللَّفْظ . مِنْ عَلَيْهِمْ بِأَنْ جَعَلَهُمْ سُكَّان الْأَرْض بَعْد قَوْم نُوح .|وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ|وَيَجُوز | بَصْطَة | بِالصَّادِ لِأَنَّ بَعْدهَا طَاء ; أَيْ طُولًا فِي الْخَلْق وَعِظَم الْجِسْم . قَالَ اِبْن عَبَّاس : كَانَ أَطْوَلهمْ مِائَة ذِرَاع , وَأَقْصَرهمْ سِتِّينَ ذِرَاعًا . وَهَذِهِ الزِّيَادَة كَانَتْ عَلَى خَلْق آبَائِهِمْ . وَقِيلَ : عَلَى خَلْق قَوْم نُوح . قَالَ وَهْب : كَانَ رَأْس أَحَدهمْ مِثْل قُبَّة عَظِيمَة , وَكَانَ عَيْن الرَّجُل يُفَرِّخ فِيهَا السِّبَاع , وَكَذَلِكَ مَنَاخِرهمْ . وَرَوَى شَهْر بْن حَوْشَب عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ : إِنْ كَانَ الرَّجُل مِنْ قَوْم عَاد يَتَّخِذ الْمِصْرَاعَيْنِ مِنْ حِجَارَة لَوْ اِجْتَمَعَ عَلَيْهَا خَمْسمِائَةِ رَجُل مِنْ هَذِهِ الْأُمَّة لَمْ يُطِيقُوهُ , وَإِنْ كَانَ أَحَدهمْ لَيَغْمِز بِرِجْلِهِ الْأَرْض فَتَدْخُل فِيهَا . | فَاذْكُرُوا آلَاء اللَّه | أَيْ نِعَم اللَّه , وَاحِدُهَا إِلًى وَإِلْيٌ وَإِلْوٌ وَأَلًى . كَالْآنَاءِ وَاحِدهَا إِنًى وَإِنْيٌ وَإِنْوٌ وَأَنًى .

قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ

طَلَبُوا الْعَذَاب الَّذِي خَوَّفَهُمْ بِهِ وَحَذَّرَهُمْ مِنْهُ .

قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ

وَمَعْنَى وَقَعَ أَيْ وَجَبَ . يُقَال : وَقَعَ الْقَوْل وَالْحُكْم أَيْ وَجَبَ ! وَمِثْله : | وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمْ الرِّجْز | [ الْأَعْرَاف : 134 ] . أَيْ نَزَلَ بِهِمْ . | وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْل عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّة مِنْ الْأَرْض | [ النَّمْل : 82 ] . وَالرِّجْس الْعَذَاب وَقِيلَ : عُنِيَ بِالرِّجْسِ الرَّيْن عَلَى الْقَلْب بِزِيَادَةِ الْكُفْر .|أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ|يَعْنِي الْأَصْنَام الَّتِي عَبَدُوهَا , وَكَانَ لَهَا أَسْمَاء مُخْتَلِفَة . فَالِاسْم هُنَا بِمَعْنَى الْمُسَمَّى . نَظِيره | إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا | [ النَّجْم : 23 ] . وَهَذِهِ الْأَسْمَاء مِثْل الْعُزَّى مِنْ الْعِزّ وَالْأَعَزّ وَاللَّاتَ , وَلَيْسَ لَهَا مِنْ الْعِزّ وَالْإِلَهِيَّة شَيْء . | مَا نَزَّلَ اللَّه بِهَا مِنْ سُلْطَان | أَيْ مِنْ حُجَّة لَكُمْ فِي عِبَادَتهَا .

فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ

| دَابِر | آخِر . وَقَدْ تَقَدَّمَ أَيْ لَمْ يَبْقَ لَهُمْ بَقِيَّة .

وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آَيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذ

وَهُوَ ثَمُود بْن عَاد بْن إِرَم بْن سَام بْن نُوح . وَهُوَ أَخُو جَدِيس , وَكَانُوا فِي سَعَة مِنْ مَعَايِشهمْ ; فَخَالَفُوا أَمْر اللَّه وَعَبَدُوا غَيْره , وَأَفْسَدُوا فِي الْأَرْض . فَبَعَثَ اللَّه إِلَيْهِمْ صَالِحًا نَبِيًّا , وَهُوَ صَالِح بْن عُبَيْد بْن آسف بْن كَاشِح بْن عُبَيْد بْن حَاذِر بْن ثَمُود . وَكَانُوا قَوْمًا عَرَبًا . وَكَانَ صَالِح مِنْ أَوْسَطهمْ نَسَبًا وَأَفْضَلهمْ حَسَبًا فَدَعَاهُمْ إِلَى اللَّه تَعَالَى حَتَّى شَمِطَ وَلَا يَتَّبِعهُ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيل مُسْتَضْعَفُونَ . وَلَمْ يَنْصَرِف | ثَمُود | لِأَنَّهُ جُعِلَ اِسْمًا لِلْقَبِيلَةِ . وَقَالَ أَبُو حَاتِم : لَمْ يَنْصَرِف , لِأَنَّهُ اِسْم أَعْجَمِيّ . قَالَ النَّحَّاس : وَهَذَا غَلَط ; لِأَنَّهُ مُشْتَقّ مِنْ الثَّمَد وَهُوَ الْمَاء الْقَلِيل . وَقَدْ قَرَأَ الْقُرَّاء أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ | [ هُود : 68 ] عَلَى أَنَّهُ اِسْم لِلْحَيِّ . وَكَانَتْ مَسَاكِن ثَمُود الْحِجْر بَيْن الْحِجَاز وَالشَّام إِلَى وَادِي الْقُرَى . وَهُمْ مِنْ وَلَد سَام بْن نُوح . وَسُمِّيَتْ ثَمُود لِقِلَّةِ مَائِهَا . وَسَيَأْتِي بَيَانه فِي | الْحِجْر | إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى .|غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ|أَخْرَجَ لَهُمْ النَّاقَة حِين سَأَلُوهُ مِنْ حَجَر صَلْد ; فَكَانَ لَهَا يَوْم تَشْرَب فِيهِ مَاء الْوَادِي كُلّه , وَتَسْقِيهِمْ مِثْله لَبَنًا لَمْ يُشْرَب قَطُّ أَلَذّ وَأَحْلَى مِنْهُ . وَكَانَ بِقَدْرِ حَاجَتهمْ عَلَى كَثْرَتهمْ ; قَالَ اللَّه تَعَالَى : | لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُوم | [ الشُّعَرَاء : 155 ] . وَأُضِيفَتْ النَّاقَة إِلَى اللَّه عَزَّ وَجَلَّ عَلَى جِهَة إِضَافَة الْخَلْق إِلَى الْخَالِق . وَفِيهِ مَعْنَى التَّشْرِيف وَالتَّخْصِيص .|آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ|أَيْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ رِزْقهَا وَمَئُونَتهَا .

وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آَلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ

فِيهِ مَحْذُوف , أَيْ بَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْض مَنَازِل .|تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا|أَيْ تَبْنُونَ الْقُصُور بِكُلِّ مَوْضِع .|وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ|اِتَّخَذُوا الْبُيُوت فِي الْجِبَال لِطُولِ أَعْمَارهمْ ; فَإِنَّ السُّقُوف وَالْأَبْنِيَة كَانَتْ تَبْلَى قَبْل فَنَاء أَعْمَارهمْ . وَقَرَأَ الْحَسَن بِفَتْحِ الْحَاء , وَهِيَ لُغَة . وَفِيهِ حَرْف مِنْ حُرُوف الْحَلْق ; فَلِذَلِكَ جَاءَ عَلَى فَعَلَ يَفْعَل . اِسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الْآيَة مَنْ أَجَازَ الْبِنَاء الرَّفِيع كَالْقُصُورِ وَنَحْوهَا , وَبِقَوْلِهِ : | قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَة اللَّه الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَات مِنْ الرِّزْق | [ الْأَعْرَاف : 32 ] . ذُكِرَ أَنَّ اِبْنًا لِمُحَمَّدِ بْن سِيرِينَ بَنَى دَارًا وَأَنْفَقَ فِيهَا مَالًا كَثِيرًا ; فَذُكِرَ ذَلِكَ لِمُحَمَّدِ بْن سِيرِينَ فَقَالَ : مَا أَرَى بَأْسًا أَنْ يَبْنِي الرَّجُل بِنَاء يَنْفَعهُ . وَرُوِيَ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ : ( إِذَا أَنْعَمَ اللَّه عَلَى عَبْد أَحَبَّ أَنْ يَرَى أَثَر النِّعْمَة عَلَيْهِ ) . وَمِنْ آثَار النِّعْمَة الْبِنَاء الْحَسَن , وَالثِّيَاب الْحَسَنَة . أَلَا تَرَى أَنَّهُ إِذَا اِشْتَرَى جَارِيَة جَمِيلَة بِمَالٍ عَظِيم فَإِنَّهُ يَجُوز وَقَدْ يَكْفِيه دُون ذَلِكَ ; فَكَذَلِكَ الْبِنَاء . وَكَرِهَ ذَلِكَ آخَرُونَ , مِنْهُمْ الْحَسَن الْبَصْرِيّ وَغَيْره . وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَام : ( إِذَا أَرَادَ اللَّه بِعَبْدٍ شَرًّا أَهْلَكَ مَالَهُ فِي الطِّين وَاللَّبِن ) . وَفِي خَبَر آخَر عَنْهُ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ : ( مَنْ بَنَى فَوْق مَا يَكْفِيه جَاءَ بِهِ يَوْم الْقِيَامَة يَحْمِلهُ عَلَى عُنُقه ) . قُلْت : بِهَذَا أَقُول ; لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَام : ( وَمَا أَنْفَقَ الْمُؤْمِن مِنْ نَفَقَة فَإِنَّ خَلَفهَا عَلَى اللَّه عَزَّ وَجَلَّ إِلَّا مَا كَانَ فِي بُنْيَان أَوْ مَعْصِيَة ) . رَوَاهُ جَابِر بْن عَبْد اللَّه وَخَرَّجَهُ الدَّار قُطْنِيّ . وَقَوْله عَلَيْهِ السَّلَام : ( لَيْسَ لِابْنِ آدَم حَقّ فِي سِوَى هَذِهِ الْخِصَال بَيْت يَسْكُنهُ وَثَوْب يُوَارِي عَوْرَته وَجِلْف الْخُبْز وَالْمَاء ) أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ . قَوْله تَعَالَى : | فَاذْكُرُوا آلَاء اللَّه | أَيْ نِعَمه . وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ الْكُفَّار مُنْعَم عَلَيْهِمْ . وَقَدْ مَضَى فِي | آل عِمْرَان | الْقَوْل فِيهِ . | وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْض مُفْسِدِينَ | تَقَدَّمَ فِي | الْبَقَرَة | وَالْعِثِيّ وَالْعُثُوّ لُغَتَانِ . وَقَرَأَ الْأَعْمَش | تِعْثَوْا | بِكَسْرِ التَّاء أَخَذَهُ مِنْ عَثِيَ يَعْثَى لَا مِنْ عَثَا يَعْثُو .

قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آَمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ

| قَالَ الْمَلَأ الَّذِينَ اِسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمه لِلَّذِينَ اُسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ | الثَّانِي بَدَل مِنْ الْأَوَّل , لِأَنَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ هُمْ الْمُؤْمِنُونَ . وَهُوَ بَدَل الْبَعْض مِنْ الْكُلّ .

قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آَمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ

فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ

الْعَقْر الْجَرْح . وَقِيلَ : قَطْع عُضْو يُؤَثِّر فِي النَّفْس . وَعَقَرْت الْفَرَس : إِذَا ضَرَبْت قَوَائِمه بِالسَّيْفِ . وَخَيْل عَقْرَى . وَعَقَرْت ظَهْر الدَّابَّة : إِذَا أَدْبَرْته . قَالَ اِمْرُؤُ الْقَيْس : <br>تَقُولُ وَقَدْ مَالَ الْغَبِيطُ بِنَا مَعًا .......... عَقَرْت بَعِيرِي يَا اِمْرَأَ الْقَيْس فَانْزِلِ <br>أَيْ جَرَحْته وَأَدْبَرْته قَالَ الْقُشَيْرِيّ : الْعَقْر كَشْف عُرْقُوب الْبَعِير ; ثُمَّ قِيلَ لِلنَّحْرِ عَقْر ; لِأَنَّ الْعَقْر سَبَب النَّحْر فِي الْغَالِب . وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي عَاقِر النَّاقَة عَلَى أَقْوَال . أَصَحّهَا مَا فِي صَحِيح مُسْلِم مِنْ حَدِيث عَبْد اللَّه بْن زَمْعَة قَالَ ; خَطَبَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ النَّاقَة وَذَكَرَ الَّذِي عَقَرَهَا فَقَالَ : ( إِذْ اِنْبَعَثَ أَشْقَاهَا اِنْبَعَثَ لَهَا رَجُل عَزِيز عَارِم مَنِيع فِي رَهْطه مِثْل أَبِي زَمْعَة ) وَذَكَرَ الْحَدِيث . وَقِيلَ فِي اِسْمه : قُدَار بْن سَالِف . وَقِيلَ : إِنَّ مُلْكَهُمْ كَانَ إِلَى اِمْرَأَة يُقَال لَهَا مُلْكِي , فَحَسَدَتْ صَالِحًا لَمَّا مَالَ إِلَيْهِ النَّاس , وَقَالَتْ لِامْرَأَتَيْنِ كَانَ لَهُمَا خَلِيلَانِ يَعْشَقَانِهِمَا : لَا تُطِيعَاهُمَا وَاسْأَلَاهُمَا عَقْر النَّاقَة ; فَفَعَلَتَا . وَخَرَجَ الرَّجُلَانِ وَأَلْجَآ النَّاقَة إِلَى مَضِيق وَرَمَاهَا أَحَدهمَا بِسَهْمٍ وَقَتَلَاهَا . وَجَاءَ السَّقْب وَهُوَ وَلَدهَا إِلَى الصَّخْرَة الَّتِي خَرَجَتْ النَّاقَة مِنْهَا فَرَغَا ثَلَاثًا وَانْفَرَجَتْ الصَّخْرَة فَدَخَلَ فِيهَا . وَيُقَال : إِنَّهُ الدَّابَّة الَّتِي تَخْرُج فِي آخِر الزَّمَان عَلَى النَّاس ; عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانه فِي | النَّمْل | . وَقَالَ اِبْن إِسْحَاق : أَتْبَعَ السَّقْب أَرْبَعَة نَفَر مِمَّنْ كَانَ عَقَرَ النَّاقَة , مِصْدَع وَأَخُوهُ ذُؤَاب . فَرَمَاهُ مِصْدَع بِسَهْمٍ فَانْتَظَمَ قَلْبه , ثُمَّ جَرَّهُ بِرِجْلِهِ فَأَلْحَقَهُ بِأُمِّهِ , وَأَكَلُوهُ مَعَهَا . وَالْأَوَّل أَصَحّ ; فَإِنَّ صَالِحًا قَالَ لَهُمْ : إِنَّهُ بَقِيَ مِنْ عُمْركُمْ ثَلَاثَة أَيَّام , وَلِهَذَا رَغَا ثَلَاثًا . وَقِيلَ : عَقَرَهَا عَاقِرهَا وَمَعَهُ ثَمَانِيَة رِجَال , وَهُمْ الَّذِينَ قَالَ اللَّه فِيهِمْ : | وَكَانَ فِي الْمَدِينَة تِسْعَة رَهْط | [ النَّمْل : 48 ] عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانه فِي | النَّمْل | . وَهُوَ مَعْنَى قَوْله | فَنَادَوْا صَاحِبهمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ | . [ الْقَمَر : 29 ] . وَكَانُوا يَشْرَبُونَ فَأَعْوَزَهُمْ الْمَاء لِيَمْزُجُوا شَرَابهمْ , وَكَانَ يَوْم لَبَن النَّاقَة , فَقَامَ أَحَدهمْ وَتَرَصَّدَ النَّاس وَقَالَ : لَأُرِيحَن النَّاس مِنْهَا ; فَعَقَرَهَا .|وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ|أَيْ اِسْتَكْبَرُوا . عَتَا يَعْتُو عُتُوًّا أَيْ اِسْتَكْبَرَ . وَتَعَتَّى فُلَان إِذَا لَمْ يُطِعْ . وَاللَّيْل الْعَاتِي : الشَّدِيد الظُّلْمَة ; عَنْ الْخَلِيل .|وَقَالُوا يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ|| اِئْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا | أَيْ مِنْ الْعَذَاب .

فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ

أَيْ الزَّلْزَلَة الشَّدِيدَة . وَقِيلَ : كَانَ صَيْحَة شَدِيدَة خَلَعَتْ قُلُوبهمْ ; كَمَا فِي قِصَّة ثَمُود فِي سُورَة | هُود | فِي قِصَّة ثَمُود فَأَخَذَتْهُمْ الصَّيْحَة . يُقَال : رَجَفَ الشَّيْء يَرْجُف رَجْفًا وَرَجَفَانًا . وَأَرْجَفَتْ الرِّيح الشَّجَر حَرَّكَتْهُ . وَأَصْله حَرَكَة مَعَ صَوْت ; وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى | يَوْم تَرْجُف الرَّاجِفَة | [ النَّازِعَات : 6 ] قَالَ الشَّاعِر : <br>وَلَمَّا رَأَيْت الْحَجَّ قَدْ آنَ وَقْتُهُ .......... وَظَلَّتْ مَطَايَا الْقَوْمِ بِالْقَوْمِ تَرْجُفُ<br>|فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ|أَيْ بَلَدهمْ . وَقِيلَ : وُحِّدَ عَلَى طَرِيق الْجِنْس , وَالْمَعْنَى : فِي دُورِهِمْ . وَقَالَ فِي مَوْضِع آخَر : | فِي دِيَارهمْ | [ هُود : 67 ] أَيْ فِي مَنَازِلِهِمْ .|جَاثِمِينَ|أَيْ لَاصِقِينَ بِالْأَرْضِ عَلَى رُكَبِهِمْ وَوُجُوههمْ ; كَمَا يَجْثُم الطَّائِر . أَيْ صَارُوا خَامِدِينَ مِنْ شِدَّة الْعَذَاب . وَأَصْل الْجُثُوم لِلْأَرْنَبِ وَشَبَههَا , وَالْمَوْضِع مَجْثَم . قَالَ زُهَيْر : <br>بِهَا الْعِين وَالْآرَام يَمْشِينَ خِلْفَة .......... وَأَطْلَاؤُهَا يَنْهَضْنَ مِنْ كُلّ مَجْثِم <br>وَقِيلَ : اِحْتَرَقُوا بِالصَّاعِقَةِ فَأَصْبَحُوا مَيِّتِينَ , إِلَّا رَجُلًا وَاحِدًا كَانَ فِي حَرَم اللَّه ; فَلَمَّا خَرَجَ مِنْ الْحَرَم أَصَابَهُ مَا أَصَابَ قَوْمه .

فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ

أَيْ عِنْد الْيَأْس مِنْهُمْ .|وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ|يَحْتَمِل أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ قَبْل مَوْتهمْ . وَيَحْتَمِل أَنَّهُ قَالَهُ بَعْد مَوْتهمْ ; كَقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَام لِقَتْلَى بَدْر : ( هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبّكُمْ حَقًّا ) فَقِيلَ : أَتُكَلِّمُ هَؤُلَاءِ الْجِيَف ؟ فَقَالَ : ( مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَع مِنْهُمْ وَلَكِنَّهُمْ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى الْجَوَاب ) . وَالْأَوَّل أَظْهَر . يَدُلّ عَلَيْهِ|لَكُمْ وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ|أَيْ لَمْ تَقْبَلُوا نُصْحِي .

وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ

قَالَ الْفَرَّاء : لُوط مُشْتَقّ مِنْ قَوْلهمْ : هَذَا أَلْيَط بِقَلْبِي , أَيْ أَلْصَق . وَقَالَ النَّحَّاس : قَالَ الزَّجَّاج زَعَمَ بَعْض النَّحْوِيِّينَ - يَعْنِي الْفَرَّاء - أَنَّ لُوطًا يَجُوز أَنْ يَكُون مُشْتَقًّا مِنْ لُطْت إِذَا مَلَّسْته بِالطِّينِ . قَالَ : وَهَذَا غَلَط ; لِأَنَّ الْأَسْمَاء الْأَعْجَمِيَّة لَا تُشْتَقّ كَإِسْحَاق , فَلَا يُقَال : إِنَّهُ مِنْ السُّحْق وَهُوَ الْبُعْد . وَإِنَّمَا صُرِفَ لُوط لِخِفَّتِهِ لِأَنَّهُ عَلَى ثَلَاثَة أَحْرُف وَهُوَ سَاكِن الْوَسَط . قَالَ النَّقَّاش : لُوط مِنْ الْأَسْمَاء الْأَعْجَمِيَّة وَلَيْسَ مِنْ الْعَرَبِيَّة . فَأَمَّا لُطْت الْحَوْض , وَهَذَا أَلْيَط بِقَلْبِي مِنْ هَذَا , فَصَحِيح . وَلَكِنَّ الِاسْم أَعْجَمِيّ كَإِبْرَاهِيم وَإِسْحَاق . قَالَ سِيبَوَيْهِ : نُوح وَلُوط أَسْمَاء أَعْجَمِيَّة , إِلَّا أَنَّهَا خَفِيفَة فَلِذَلِكَ صُرِفَتْ . بَعَثَهُ اللَّه تَعَالَى إِلَى أُمَّة تُسَمَّى سَدُوم , وَكَانَ اِبْن أَخِي إِبْرَاهِيم . وَنَصْبه إِمَّا بِـ | أَرْسَلْنَا | الْمُتَقَدِّمَة فَيَكُون مَعْطُوفًا . وَيَجُوز أَنْ يَكُون مَنْصُوبًا بِمَعْنَى وَاذْكُرْ .|أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ|يَعْنِي إِتْيَان الذُّكُور . ذَكَرَهَا اللَّه بِاسْمِ الْفَاحِشَة لِيُبَيِّنَ أَنَّهَا زِنًى ; كَمَا قَالَ اللَّه تَعَالَى : | وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَة | [ الْإِسْرَاء : 32 ] . وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِيمَا يَجِب عَلَى مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ بَعْد إِجْمَاعِهِمْ عَلَى تَحْرِيمه ; فَقَالَ مَالِك : يُرْجَم ; أَحْصَنَ أَوْ لَمْ يُحْصِن . وَكَذَلِكَ يُرْجَم الْمَفْعُول بِهِ إِنْ كَانَ مُحْتَلِمًا . وَرُوِيَ عَنْهُ أَيْضًا : يُرْجَم إِنْ كَانَ مُحْصَنًا , وَيُحْبَس وَيُؤَدَّب إِنْ كَانَ غَيْر مُحْصَن . وَهُوَ مَذْهَب عَطَاء وَالنَّخَعِيّ وَابْن الْمُسَيِّب وَغَيْرهمْ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة : يُعَذَّر الْمُحْصَن وَغَيْره ; وَرُوِيَ عَنْ مَالِك . وَقَالَ الشَّافِعِيّ : يُحَدّ حَدّ الزِّنَى قِيَاسًا عَلَيْهِ . اِحْتَجَّ مَالِك بِقَوْلِهِ تَعَالَى : | وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَة مِنْ سِجِّيل | [ الْحِجْر : 74 ] . فَكَانَ ذَلِكَ عُقُوبَة لَهُمْ وَجَزَاء عَلَى فِعْلهمْ . فَإِنْ قِيلَ : لَا حُجَّة فِيهَا لِوَجْهَيْنِ ; أَحَدهمَا - أَنَّ قَوْم لُوط إِنَّمَا عُوقِبُوا عَلَى الْكُفْر وَالتَّكْذِيب كَسَائِرِ الْأُمَم . الثَّانِي : أَنَّ صَغِيرهمْ وَكَبِيرهمْ دَخَلَ فِيهَا ; فَدَلَّ عَلَى خُرُوجهَا مِنْ بَاب الْحُدُود . قِيلَ : أَمَّا الْأَوَّل فَغَلَط ; فَإِنَّ اللَّه سُبْحَانه أَخْبَرَ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا عَلَى مَعَاصٍ فَأَخَذَهُمْ بِهَا ; مِنْهَا هَذِهِ . وَأَمَّا الثَّانِي فَكَانَ مِنْهُمْ فَاعِل وَكَانَ مِنْهُمْ رَاضٍ , فَعُوقِبَ الْجَمِيع لِسُكُوتِ الْجَمَاهِير عَلَيْهِ . وَهِيَ حِكْمَة اللَّه وَسُنَّته فِي عِبَاده . وَبَقِيَ أَمْر الْعُقُوبَة عَلَى الْفَاعِلِينَ مُسْتَمِرًّا . وَاَللَّه أَعْلَم . وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَالدَّار قُطْنِيّ أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( مَنْ وَجَدْتُمُوهُ يَعْمَل عَمَل قَوْم لُوط فَاقْتُلُوا الْفَاعِل وَالْمَفْعُول بِهِ ) . لَفْظ أَبِي دَاوُد وَابْن مَاجَهْ . وَعِنْد التِّرْمِذِيّ ( أَحْصَنَا أَوْ لَمْ يُحْصِنَا ) . وَرَوَى أَبُو دَاوُد وَالدَّار قُطْنِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي الْبِكْر يُوجَد عَلَى اللُّوطِيَّة قَالَ : يُرْجَم . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْر الصِّدِّيق رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَنَّهُ حَرَّقَ رَجُلًا يُسَمَّى الْفُجَاءَة حِين عَمِلَ عَمَل قَوْم لُوط بِالنَّارِ . وَهُوَ رَأْي عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب ; فَإِنَّهُ لَمَّا كَتَبَ خَالِد بْن الْوَلِيد إِلَى أَبِي بَكْر فِي ذَلِكَ جَمَعَ أَبُو بَكْر أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاسْتَشَارَهُمْ فِيهِ ; فَقَالَ عَلِيّ : إِنَّ هَذَا الذَّنْب لَمْ تَعْصِ بِهِ أُمَّة مِنْ الْأُمَم إِلَّا أُمَّة وَاحِدَة صَنَعَ اللَّه بِهَا مَا عَلِمْتُمْ , أَرَى أَنْ يُحَرَّق بِالنَّارِ . فَاجْتَمَعَ رَأْي أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُحْرَق بِالنَّارِ . فَكَتَبَ أَبُو بَكْر إِلَى خَالِد بْن الْوَلِيد أَنْ يُحْرِقَهُ بِالنَّارِ فَأَحْرَقَهُ . ثُمَّ أَحْرَقَهُمْ اِبْن الزُّبَيْر فِي زَمَانه . ثُمَّ أَحْرَقَهُمْ هِشَام بْن الْوَلِيد . ثُمَّ أَحْرَقَهُمْ خَالِد الْقَسْرِيّ بِالْعِرَاقِ . وَرُوِيَ أَنَّ سَبْعَة أُخِذُوا فِي زَمَن اِبْن الزُّبَيْر فِي لِوَاط ; فَسَأَلَ عَنْهُمْ فَوَجَدَ أَرْبَعَة قَدْ أَحْصَنُوا فَأَمَرَ بِهِمْ فَخَرَجُوا بِهِمْ مِنْ الْحَرَم فَرُجِمُوا بِالْحِجَارَةِ حَتَّى مَاتُوا , وَحُدَّ الثَّلَاثَة ; وَعِنْده اِبْن عَبَّاس وَابْن عُمَر فَلَمْ يُنْكِرَا عَلَيْهِ . وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الشَّافِعِيّ . قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : وَاَلَّذِي صَارَ إِلَيْهِ مَالِك أَحَقّ , فَهُوَ أَصَحّ سَنَدًا وَأَقْوَى مُعْتَمَدًا . وَتَعَلَّقَ الْحَنَفِيُّونَ بِأَنْ قَالُوا : عُقُوبَة الزِّنَى مَعْلُومَة ; فَلَمَّا كَانَتْ هَذِهِ الْمَعْصِيَة غَيْرهَا وَجَبَ أَلَّا يُشَارِكهَا فِي حَدّهَا . وَيَأْثُرُونَ فِي هَذَا حَدِيثًا : ( مَنْ وَضَعَ حَدًّا فِي غَيْر حَدّ فَقَدْ تَعَدَّى وَظَلَمَ ) . وَأَيْضًا فَإِنَّهُ وَطْء فِي فَرْج لَا يَتَعَلَّق بِهِ إِحْلَال وَلَا إِحْصَان , وَلَا وُجُوب مَهْر وَلَا ثُبُوت نَسَب ; فَلَمْ يَتَعَلَّق بِهِ حَدّ . فَإِنْ أَتَى بَهِيمَة فَقَدْ قِيلَ : لَا يُقْتَل هُوَ وَلَا الْبَهِيمَة . وَقِيلَ : يُقْتَلَانِ ; حَكَاهُ اِبْن الْمُنْذِر عَنْ أَبِي سَلَمَة بْن عَبْد الرَّحْمَن . وَفِي الْبَاب حَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالدَّار قُطْنِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ وَقَعَ عَلَى بَهِيمَة فَاقْتُلُوهُ وَاقْتُلُوا الْبَهِيمَة مَعَهُ ) . فَقُلْنَا لِابْنِ عَبَّاس : مَا شَأْن الْبَهِيمَة ؟ قَالَ : مَا أُرَاهُ قَالَ ذَلِكَ , إِلَّا أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يُؤْكَل لَحْمهَا وَقَدْ عَمِلَ بِهَا ذَلِكَ الْعَمَل . قَالَ اِبْن الْمُنْذِر : إِنْ يَكُ الْحَدِيث ثَابِتًا فَالْقَوْل بِهِ يَجِب , وَإِنْ لَمْ يَثْبُت فَلْيَسْتَغْفِر اللَّه مِنْ فِعْل ذَلِكَ كَثِيرًا , وَإِنْ عَزَّرَهُ الْحَاكِم كَانَ حَسَنًا . وَاَللَّه أَعْلَم . وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ قَتْل الْبَهِيمَة لِئَلَّا تُلْقِي خَلْقًا مُشَوَّهًا ; فَيَكُون قَتْلهَا مَصْلَحَة لِهَذَا الْمَعْنَى مَعَ مَا جَاءَ مِنْ السُّنَّة . وَاَللَّه أَعْلَم . وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : لَيْسَ عَلَى الَّذِي زَنَى بِالْبَهِيمَةِ حَدّ . قَالَ أَبُو دَاوُد : وَكَذَا قَالَ عَطَاء . وَقَالَ الْحَكَم : أَرَى أَنْ يُجْلَد وَلَا يُبْلَغ بِهِ الْحَدّ . وَقَالَ الْحَسَن : هُوَ بِمَنْزِلَةِ الزَّانِي . وَقَالَ الزُّهْرِيّ : يُجْلَد مِائَة أَحْصَنَ أَوْ لَمْ يُحْصِن . وَقَالَ مَالِك وَالثَّوْرِيّ وَأَحْمَد وَأَصْحَاب الرَّأْي يُعَزَّر . وَرُوِيَ عَنْ عَطَاء وَالنَّخَعِيّ وَالْحَكَم . وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَة عَنْ الشَّافِعِيّ , وَهَذَا أَشْبَه عَلَى مَذْهَبه فِي هَذَا الْبَاب . وَقَالَ جَابِر بْن زَيْد : يُقَام عَلَيْهِ الْحَدّ , إِلَّا أَنْ تَكُون الْبَهِيمَة لَهُ .|مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ|| مِنْ | لِاسْتِغْرَاقِ الْجِنْس , أَيْ لَمْ يَكُنْ اللِّوَاط فِي أُمَّة قَبْل قَوْم لُوط . وَالْمُلْحِدُونَ يَزْعُمُونَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلهمْ . وَالصِّدْق مَا وَرَدَ بِهِ الْقُرْآن . وَحَكَى النَّقَّاش أَنَّ إِبْلِيس كَانَ أَصْل عَمَلِهِمْ بِأَنْ دَعَاهُمْ إِلَى نَفْسه لَعَنَهُ اللَّه , فَكَانَ يَنْكِح بَعْضهمْ بَعْضًا . قَالَ الْحَسَن : كَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ بِالْغُرَبَاءِ , وَلَمْ يَكُنْ يَفْعَلهُ بَعْضهمْ بِبَعْضٍ . وَرَوَى اِبْن مَاجَهْ عَنْ جَابِر بْن عَبْد اللَّه قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ أَخْوَف مَا أَخَاف عَلَى أُمَّتِي عَمَل قَوْم لُوط ) . وَقَالَ مُحَمَّد بْن سِيرِينَ : لَيْسَ شَيْء مِنْ الدَّوَابّ يَعْمَل عَمَل قَوْم لُوط إِلَّا الْخِنْزِير وَالْحِمَار .

إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ

قَوْله تَعَالَى : | إِنَّكُمْ | قَرَأَ نَافِع وَحَفْص عَلَى الْخَبَر بِهَمْزَةٍ وَاحِدَة مَكْسُورَة , تَفْسِيرًا لِلْفَاحِشَةِ الْمَذْكُورَة , فَلَمْ يَحْسُن إِدْخَال الِاسْتِفْهَام عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ يَقْطَع مَا بَعْده مِمَّا قَبْله . وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِهَمْزَتَيْنِ عَلَى لَفْظ الِاسْتِفْهَام الَّذِي مَعْنَاهُ التَّوْبِيخ , وَحَسُنَ ذَلِكَ ; لِأَنَّ مَا قَبْله وَبَعْده كَلَام مُسْتَقِلّ . وَاخْتَارَ الْأَوَّل أَبُو عُبَيْد وَالنَّسَائِيّ وَغَيْرهمَا ; وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : | أَفَإِنْ مِتّ فَهُمْ الْخَالِدُونَ | [ الْأَنْبِيَاء : 34 ] وَلَمْ يَقُلْ أَفَهُمْ . وَقَالَ : | أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ اِنْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابكُمْ | [ آل عِمْرَان : 144 ] وَلَمْ يَقُلْ أَنْقَلَبْتُمْ . وَهَذَا مِنْ أَقْبَح الْغَلَط لِأَنَّهُمَا شَبَّهَا شَيْئَيْنِ بِمَا لَا يَشْتَبِهَانِ ; لِأَنَّ الشَّرْط وَجَوَابه بِمَنْزِلَةِ شَيْء وَاحِد كَالْمُبْتَدَأِ وَالْخَبَر ; فَلَا يَجُوز أَنْ يَكُون فِيهِمَا اِسْتِفْهَامَانِ . فَلَا يَجُوز : أَفَإِنْ مِتّ أَفَهُمْ , كَمَا لَا يَجُوز أَزَيْد أَمُنْطَلِق . وَقِصَّة لُوط عَلَيْهِ السَّلَام فِيهَا جُمْلَتَانِ , فَلَك أَنْ تَسْتَفْهِم عَنْ كُلّ وَاحِدَة مِنْهُمَا . هَذَا قَوْل الْخَلِيل وَسِيبَوَيْهِ , وَاخْتَارَهُ النَّحَّاس وَمَكِّيّ وَغَيْرهمَا | شَهْوَة | نَصْب عَلَى الْمَصْدَر , أَيْ تَشْتَهُونَهُمْ شَهْوَة . وَيَجُوز أَنْ يَكُون مَصْدَرًا فِي مَوْضِع الْحَال . | بَلْ أَنْتُمْ قَوْم مُسْرِفُونَ | نَظِيرَهُ | بَلْ أَنْتُمْ قَوْم عَادُونَ | [ الشُّعَرَاء : 166 ] فِي جَمْعكُمْ إِلَى الشِّرْك هَذِهِ الْفَاحِشَة .

وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ

أَيْ لُوطًا وَأَتْبَاعه .|إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ|عَنْ الْإِتْيَان فِي هَذَا الْمَأْتَى . يُقَال : تَطَهَّرَ الرَّجُل أَيْ تَنَزَّهَ عَنْ الْإِثْم . قَالَ قَتَادَة : عَابُوهُمْ وَاَللَّهِ بِغَيْرِ عَيْب .

فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ

أَيْ الْبَاقِينَ فِي عَذَاب اللَّه ; قَالَهُ اِبْن عَبَّاس وَقَتَادَة . غَبَرَ الشَّيْء إِذَا مَضَى , وَغَبَرَ إِذَا بَقِيَ . وَهُوَ مِنْ الْأَضْدَاد . وَقَالَ قَوْم : الْمَاضِي عَابِر بِالْعَيْنِ غَيْر مُعْجَمَة . وَالْبَاقِي غَابِر بَالْغَيْن مُعْجَمَة . حَكَاهُ اِبْن فَارِس فِي الْمُجْمَل . وَقَالَ الزَّجَّاج : | مِنْ الْغَابِرِينَ | أَيْ مِنْ الْغَائِبِينَ عَنْ النَّجَاة وَقِيلَ : لِطُولِ عُمْرهَا . قَالَ النَّحَّاس : وَأَبُو عُبَيْدَة يَذْهَب إِلَى أَنَّ الْمَعْنَى مِنْ الْمُعَمِّرِينَ ; أَيْ أَنَّهَا قَدْ هَرِمَتْ . وَالْأَكْثَر فِي اللُّغَة أَنْ يَكُون الْغَابِر الْبَاقِي ; قَالَ الرَّاجِز : <br>فَمَا وَنَى مُحَمَّد مُذْ أَنْ غَفَرْ .......... لَهُ الْإِلَه مَا مَضَى وَمَا غَبَرْ<br>

وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ

سَرَى لُوط بِأَهْلِهِ كَمَا وَصَفَ اللَّه | بِقِطْعٍ مِنْ اللَّيْل | [ هُود : 81 ] ثُمَّ أُمِرَ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام فَأَدْخَلَ جَنَاحَهُ تَحْت مَدَائِنهمْ فَاقْتَلَعَهَا وَرَفَعَهَا حَتَّى سَمِعَ أَهْل السَّمَاء صِيَاح الدِّيَكَة وَنُبَاح الْكِلَاب , ثُمَّ جَعَلَ عَالِيَهَا سَافِلهَا , وَأُمْطِرَتْ عَلَيْهِمْ حِجَارَة مِنْ سِجِّيل , قِيلَ : عَلَى مَنْ غَابَ مِنْهُمْ . وَأَدْرَكَ اِمْرَأَة لُوط , وَكَانَتْ مَعَهُ حَجَر فَقَتَلَهَا . وَكَانَتْ فِيمَا ذُكِرَ أَرْبَع قُرًى . وَقِيلَ : خَمْس فِيهَا أَرْبَعمِائَةِ أَلْف . وَسَيَأْتِي فِي سُورَة | هُود | قِصَّة لُوط بِأَبْيَن مِنْ هَذَا , إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى .

وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَع

قِيلَ فِي مَدْيَن : اِسْم بَلَد وَقُطْر . وَقِيلَ : اِسْم قَبِيلَة كَمَا يُقَال : بَكْر وَتَمِيم . وَقِيلَ : هُمْ مِنْ وَلَد مَدْيَن بْن إِبْرَاهِيم الْخَلِيل عَلَيْهِ السَّلَام . فَمَنْ رَأَى أَنَّ مَدْيَن اِسْم رَجُل لَمْ يَصْرِفْهُ ; لِأَنَّهُ مَعْرِفَة أَعْجَمِيّ . وَمَنْ رَآهُ اِسْمًا لِلْقَبِيلَةِ أَوْ الْأَرْض فَهُوَ أَحْرَى بِأَلَّا يَصْرِفَهُ . قَالَ الْمَهْدَوِيّ : وَيُرْوَى أَنَّهُ كَانَ اِبْن بِنْت لُوط . وَقَالَ مَكِّيّ : كَانَ زَوْج بِنْت لُوط . وَاخْتُلِفَ فِي نَسَبِهِ ; فَقَالَ عَطَاء وَابْن إِسْحَاق وَغَيْرهمَا : وَشُعَيْب هُوَ اِبْن ميكيل بْن يَشْجُر بْن مَدْيَن بْن إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام . وَكَانَ اِسْمه بِالسُّرْيَانِيَّةِ بَيْرُوت . وَأُمّه مِيكَائِيل بِنْت لُوط . وَزَعَمَ الشَّرْقِيّ بْن الْقُطَامِيّ أَنَّ شُعَيْبًا بْن عَيْفَاء بْن يَوْبَبَ بْن مَدْيَن بْن إِبْرَاهِيم . وَزَعَمَ اِبْن سَمْعَان أَنَّ شُعَيْبًا بْن جَزَى بْن يَشْجُر بْن لَاوَى بْن يَعْقُوب بْن إِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيم . وَشُعَيْب تَصْغِير شَعْب أَوْ شِعْب . وَقَالَ قَتَادَة : هُوَ شُعَيْب بْن يَوْبَبَ . وَقِيلَ : شُعَيْب بْن صَفْوَان بْن عَيْفَاء بْن ثَابِت بْن مَدْيَن بْن إِبْرَاهِيم . وَاَللَّه أَعْلَم . وَكَانَ أَعْمَى ; وَ لِذَلِكَ قَالَ قَوْمه : | وَإِنَّا لَنَرَاك فِينَا ضَعِيفًا | [ هُود : 91 ] . وَكَانَ يُقَال لَهُ : خَطِيب الْأَنْبِيَاء لِحُسْنِ مُرَاجَعَتِهِ قَوْمَهُ . وَكَانَ قَوْمه أَهْل كُفْر بِاَللَّهِ وَبَخْس لِلْمِكْيَالِ وَالْمِيزَان .|قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ|أَيْ بَيَان , وَهُوَ مَجِيء شُعَيْب بِالرِّسَالَةِ . وَلَمْ يُذْكَر لَهُ مُعْجِزَة فِي الْقُرْآن . وَقِيلَ : مُعْجِزَته فِيمَا ذَكَرَ الْكِسَائِيّ فِي قَصَص الْأَنْبِيَاء .|رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ|الْبَخْس النَّقْص . وَهُوَ يَكُون فِي السِّلْعَة بِالتَّعْيِيبِ وَالتَّزْهِيد فِيهَا , أَوْ الْمُخَادَعَة عَنْ الْقِيمَة , وَالِاحْتِيَال فِي التَّزَيُّد فِي الْكَيْل وَالنُّقْصَان مِنْهُ . وَكُلّ ذَلِكَ مِنْ أَكْل الْمَال بِالْبَاطِلِ , وَذَلِكَ مَنْهِيّ عَنْهُ فِي الْأُمَم الْمُتَقَدِّمَة وَالسَّالِفَة عَلَى أَلْسِنَة الرُّسُل صَلَوَات اللَّه وَسَلَامه عَلَى جَمِيعهمْ وَحَسْبنَا اللَّه وَنِعْمَ الْوَكِيل .|أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ|عَطْف عَلَى | وَلَا تَبْخَسُوا | . وَهُوَ لَفْظ يَعُمّ دَقِيق الْفَسَاد وَجَلِيله . قَالَ اِبْن عَبَّاس : كَانَتْ الْأَرْض قَبْل أَنْ يَبْعَث اللَّه شُعَيْبًا رَسُولًا يُعْمَل فِيهَا بِالْمَعَاصِي وَتُسْتَحَلّ فِيهَا الْمَحَارِم وَتُسْفَك فِيهَا الدِّمَاء . قَالَ : فَذَلِكَ فَسَادهَا . فَلَمَّا بَعَثَ اللَّه شُعَيْبًا وَدَعَاهُمْ إِلَى اللَّه صَلَحَتْ الْأَرْض . وَكُلّ نَبِيّ بُعِثَ إِلَى قَوْمه فَهُوَ صَلَاحُهُمْ .

وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آَمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ

نَهَاهُمْ عَنْ الْقُعُود بِالطُّرُقِ وَالصَّدّ عَنْ الطَّرِيق الَّذِي يُؤَدِّي إِلَى طَاعَة اللَّه , وَكَانُوا يُوعِدُونَ الْعَذَاب مَنْ آمَنَ . وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي مَعْنَى قُعُودهمْ عَلَى الطُّرُق عَلَى ثَلَاثَة مَعَانٍ ; قَالَ اِبْن عَبَّاس وَقَتَادَة وَمُجَاهِد وَالسُّدِّيّ : كَانُوا يَقْعُدُونَ عَلَى الطُّرُقَات الْمُفْضِيَة إِلَى شُعَيْب فَيَتَوَعَّدُونَ مَنْ أَرَادَ الْمَجِيء إِلَيْهِ وَيَصُدُّونَهُ وَيَقُولُونَ : إِنَّهُ كَذَّاب فَلَا تَذْهَب إِلَيْهِ ; كَمَا كَانَتْ قُرَيْش تَفْعَلهُ مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَهَذَا ظَاهِر الْآيَة . وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة : هَذَا نَهْي عَنْ قَطْع الطَّرِيق , وَأَخْذ السَّلَب ; وَكَانَ ذَلِكَ مِنْ فِعْلهمْ . وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : ( رَأَيْت لَيْلَة أُسْرِيَ بِي خَشَبَة عَلَى الطَّرِيق لَا يَمُرّ بِهَا ثَوْب إِلَّا شَقَّتْهُ وَلَا شَيْء إِلَّا خَرَقَتْهُ فَقُلْت مَا هَذَا يَا جِبْرِيل قَالَ هَذَا مَثَل لِقَوْمٍ مِنْ أُمَّتك يَقْعُدُونَ عَلَى الطَّرِيق فَيَقْطَعُونَهُ - ثُمَّ تَلَا - | وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاط تُوعِدُونَ | الْآيَة . وَقَدْ مَضَى الْقَوْل فِي اللُّصُوص وَالْمُحَارَبِينَ , وَالْحَمْد لِلَّهِ . وَقَالَ السُّدِّيّ أَيْضًا : كَانُوا عَشَّارِينَ مُتَقَبِّلِينَ . وَمِثْلهمْ الْيَوْم هَؤُلَاءِ الْمَكَّاسُونَ الَّذِينَ يَأْخُذُونَ مَا لَا يَلْزَمهُمْ شَرْعًا مِنْ الْوَظَائِف الْمَالِيَّة بِالْقَهْرِ وَالْجَبْر ; فَضَمِنُوا مَا لَا يَجُوز ضَمَان أَصْله مِنْ الزَّكَاة وَالْمَوَارِيث وَالْمَلَاهِي . وَالْمُتَرَتِّبُونَ فِي الطُّرُق إِلَى غَيْر ذَلِكَ مِمَّا قَدْ كَثُرَ فِي الْوُجُود وَعُمِلَ بِهِ فِي سَائِر الْبِلَاد . وَهُوَ مِنْ أَعْظَم الذُّنُوب وَأَكْبَرهَا وَأَفْحَشهَا ; فَإِنَّهُ غَصْب وَظُلْم وَعَسْف عَلَى النَّاس وَإِذَاعَة لِلْمُنْكَرِ وَعَمَل بِهِ وَدَوَام عَلَيْهِ وَإِقْرَار لَهُ , وَأَعْظَمه تَضْمِين الشَّرْع وَالْحُكْم لِلْقَضَاءِ , فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ! لَمْ يَبْقَ مِنْ الْإِسْلَام إِلَّا رَسْمه , وَلَا مِنْ الدِّين إِلَّا اِسْمه . يُعَضِّد هَذَا التَّأْوِيل مَا تَقَدَّمَ مِنْ النَّهْي فِي شَأْن الْمَال فِي الْمَوَازِين وَالْأَكْيَال وَالْبَخْس .|مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا|الضَّمِير فِي | بِهِ | يَحْتَمِل أَنْ يَعُود عَلَى اِسْم اللَّه تَعَالَى , وَأَنْ يَعُود إِلَى شُعَيْب فِي قَوْل مَنْ رَأَى الْقُعُود عَلَى الطَّرِيق لِلصَّدِّ , وَأَنْ يَعُود عَلَى السَّبِيل . | عِوَجًا | قَالَ أَبُو عُبَيْدَة وَالزَّجَّاج : كَسْر الْعَيْن فِي الْمَعَانِي . وَفَتْحهَا فِي الْأَجْرَام .|وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ|أَيْ كَثَّرَ عَدَدكُمْ , أَوْ كَثَّرَكُمْ بِالْغِنَى بَعْد الْفَقْر . أَيْ كُنْتُمْ فُقَرَاء فَأَغْنَاكُمْ .

وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ آَمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ

| فَاصْبِرُوا | لَيْسَ هَذَا أَمْرًا بِالْمَقَامِ عَلَى الْكُفْر , وَلَكِنَّهُ وَعِيد وَتَهْدِيد . وَقَالَ : | وَإِنْ كَانَ طَائِفَة مِنْكُمْ | فَذَكَّرَ عَلَى الْمَعْنَى , وَلَوْ رَاعَى اللَّفْظ قَالَ : كَانَتْ .

قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ

وَالْمَلَأ : الْأَشْرَاف مِنْ النَّاس , كَأَنَّهُمْ مُمْتَلِئُونَ شَرَفًا . وَقَالَ الزَّجَّاج : سُمُّوا بِذَلِكَ لِأَنَّهُمْ مُمْتَلِئُونَ مِمَّا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ مِنْهُمْ . وَالْمَلَأ فِي هَذِهِ الْآيَة الْقَوْم ; لِأَنَّ الْمَعْنَى يَقْتَضِيه . وَالْمَلَأ : اِسْم لِلْجَمْعِ كَالْقَوْمِ وَالرَّهْط . وَالْمَلَأ أَيْضًا : حُسْن الْخُلُق , وَمِنْهُ الْحَدِيث ( أَحْسِنُوا الْمَلَأ فَكُلّكُمْ سَيَرْوَى ) خَرَّجَهُ مُسْلِم .|قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي|أَيْ لَتَصِيرُنَّ إِلَى مِلَّتنَا وَقِيلَ : كَانَ أَتْبَاع شُعَيْب قَبْل الْإِيمَان بِهِ عَلَى الْكُفْر , أَيْ لَتَعُودُنَّ إِلَيْنَا كَمَا كُنْتُمْ مِنْ قَبْل . قَالَ الزَّجَّاج : يَجُوز أَنْ يَكُون الْعَوْد بِمَعْنَى الِابْتِدَاء ; يُقَال : عَادَ إِلَيَّ مِنْ فُلَان مَكْرُوه , أَيْ صَارَ , وَإِنْ لَمْ يَكُنْ سَبَقَهُ مَكْرُوه قَبْل ذَلِكَ , أَيْ لَحِقَنِي ذَلِكَ مِنْهُ . فَقَالَ لَهُمْ شُعَيْب :|مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا|أَيْ وَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ تَجْبُرُونَنَا عَلَيْهِ , أَيْ عَلَى الْخُرُوج مِنْ الْوَطَن أَوْ الْعَوْد فِي مِلَّتكُمْ . أَيْ إِنْ فَعَلْتُمْ هَذَا أَتَيْتُمْ عَظِيمًا .

قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَ

إِيَاس مِنْ الْعَوْد إِلَى مِلَّتهمْ .|وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا|قَالَ أَبُو إِسْحَاق الزَّجَّاج : أَيْ إِلَّا بِمَشِيئَةِ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ , قَالَ : وَهَذَا قَوْل أَهْل السُّنَّة ; أَيْ وَمَا يَقَع مِنَّا الْعَوْد إِلَى الْكُفْر إِلَّا أَنْ يَشَاء اللَّه ذَلِكَ . فَالِاسْتِثْنَاء مُنْقَطِع . وَقِيلَ : الِاسْتِثْنَاء هُنَا عَلَى جِهَة التَّسْلِيم لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ; كَمَا قَالَ : | وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاَللَّهِ | [ هُود : 88 ] . وَالدَّلِيل عَلَى هَذَا أَنَّ بَعْده | وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْء عِلْمًا عَلَى اللَّه تَوَكَّلْنَا | . وَقِيلَ : هُوَ كَقَوْلِك : لَا أُكَلِّمك حَتَّى يَبْيَضّ الْغُرَاب , وَحَتَّى يَلِج الْجَمَل فِي سَم الْخِيَاط . وَالْغُرَاب لَا يَبْيَضّ أَبَدًا , وَالْجَمَل لَا يَلِج فِي سَم الْخِيَاط .|وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا|أَيْ عَلِمَ مَا كَانَ وَمَا يَكُون . | عِلْمًا | نَصْب عَلَى التَّمْيِيز . وَقِيلَ الْمَعْنَى : | وَمَا يَكُون لَنَا أَنْ نَعُود فِيهَا | أَيْ فِي الْقَرْيَة بَعْد أَنْ كَرِهْتُمْ مُجَاوَرَتَنَا , بَلْ نَخْرُج مِنْ قَرْيَتِكُمْ مُهَاجِرِينَ إِلَى غَيْرِهَا . | إِلَّا أَنْ يَشَاء اللَّه | رَدَّنَا إِلَيْهَا . وَفِيهِ بُعْد ; لِأَنَّهُ يُقَال : عَادَ لِلْقَرْيَةِ وَلَا يُقَال عَادَ فِي الْقَرْيَة .|عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا|أَيْ اِعْتَمَدْنَا . وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي غَيْر مَوْضِع|رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ|قَالَ قَتَادَة : بَعَثَهُ اللَّه إِلَى أُمَّتَيْنِ : أَهْل مَدْيَن , وَأَصْحَاب الْأَيْكَة . قَالَ اِبْن عَبَّاس : وَكَانَ شُعَيْب كَثِير الصَّلَاة , فَلَمَّا طَالَ تَمَادِي قَوْمِهِ فِي كُفْرهمْ وَغَيِّهِمْ , وَيَئِسَ مِنْ صَلَاحِهِمْ , دَعَا عَلَيْهِمْ فَقَالَ : | رَبَّنَا اِفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْن قَوْمنَا بِالْحَقِّ | وَأَنْتَ خَيْر الْفَاتِحِينَ | فَاسْتَجَابَ اللَّه دُعَاءَهُ فَأَهْلَكَهُمْ بِالرَّجْفَةِ .

وَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ

أَيْ قَالُوا لِمَنْ دُونهمْ .|لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ|أَيْ هَالِكُونَ .

فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ

أَيْ الزَّلْزَلَة . وَقِيلَ : الصَّيْحَة . وَأَصْحَاب الْأَيْكَة أُهْلِكُوا بِالظُّلَّةِ , عَلَى مَا يَأْتِي .

الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ

قَالَ الْجُرْجَانِيّ : قِيلَ هَذَا كَلَام مُسْتَأْنَف ; أَيْ الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا صَارُوا كَأَنَّهُمْ لَمْ يَزَالُوا مَوْتَى . وَ | يَغْنَوْا | يُقِيمُوا ; يُقَال : غَنِيت بِالْمَكَانِ إِذَا أَقَمْت بِهِ . وَغَنِيَ الْقَوْم فِي دَارِهِمْ أَيْ طَالَ مُقَامهمْ فِيهَا . وَالْمَغْنَى : الْمَنْزِل ; وَالْجَمْع الْمَغَانِي . قَالَ لَبِيد : <br>وَغَنِيت سِتًّا قَبْل مَجْرَى دَاحِس .......... لَوْ كَانَ لِلنَّفْسِ اللَّجُوج خُلُود <br>وَقَالَ حَاتِم طَيّ : <br>غَنِينَا زَمَانًا بِالتَّصَعْلُكِ وَالْغِنَى .......... كَمَا الدَّهْر فِي أَيَّامه الْعُسْر وَالْيُسْر <br><br>كَسَبْنَا صُرُوف الدَّهْر لِينًا وَغِلْظَة .......... وَكُلًّا سَقَانَاهُ بِكَأْسِهِمَا الدَّهْر <br><br>فَمَا زَادَنَا بَغْيًا عَلَى ذِي قَرَابَة .......... غِنَانَا وَلَا أَزْرَى بِأَحْسَابِنَا الْفَقْر<br>|الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ|اِبْتِدَاء خِطَاب , وَهُوَ مُبَالَغَة فِي الذَّمّ وَالتَّوْبِيخ وَإِعَادَة لِتَعْظِيمِ الْأَمْر وَتَفْخِيمه . وَلَمَّا قَالُوا : مَنْ اِتَّبَعَ شُعَيْبًا خَاسِر قَالَ اللَّه الْخَاسِرُونَ هُمْ الَّذِينَ قَالُوا هَذَا الْقَوْل .

فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آَسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ

أَيْ أَحْزَن . أَسَيْت عَلَى الشَّيْء آسَى أَسًى , وَأَنَا آسٍ .

وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ

فِيهِ إِضْمَار , وَهُوَ فَكَذَّبَ أَهْلُهَا .|إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ|| بِالْبَأْسَاءِ | بِالْمَصَائِبِ فِي الْأَمْوَال | وَالضَّرَّاء | فِي الْأَبَدَانِ ; هَذَا قَوْل الْأَكْثَر , وَقَدْ يُوضَع كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا مَوْضِع الْآخَر ; وَيُؤَدِّب اللَّه عِبَاده بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاء وَبِمَا شَاءَ | لَا يُسْأَل عَمَّا يَفْعَل | [ الْأَنْبِيَاء : 23 ] . قَالَ اِبْن عَطِيَّة : اِسْتَدَلَّ الْعُبَّاد فِي تَأْدِيب أَنْفُسهمْ بِالْبَأْسَاءِ فِي تَقْرِيق الْأَمْوَال , وَالضَّرَّاء فِي الْحَمْل عَلَى الْأَبَدَانِ بِالْجُوعِ وَالْعُرْي بِهَذِهِ الْآيَة . قُلْت : هَذِهِ جَهَالَة مِمَّنْ فَعَلَهَا وَجَعَلَ هَذِهِ الْآيَة أَصْلًا لَهَا ; هَذِهِ عُقُوبَة مِنْ اللَّه لِمَنْ شَاءَ مِنْ عِبَاده يَمْتَحِنهُمْ بِهَا , وَلَا يَجُوز لَنَا أَنْ نَمْتَحِنَ أَنْفُسنَا وَنُكَافِئهَا قِيَاسًا عَلَيْهَا ; فَإِنَّهَا الْمَطِيَّة الَّتِي نَبْلُغ عَلَيْهَا دَار الْكَرَامَة , وَنَفُوز بِهَا مِنْ أَهْوَال يَوْم الْقِيَامَة ; وَفِي التَّنْزِيل : | يَا أَيّهَا الرُّسُل كُلُوا م