islamkingdomfaceBook islamkingdomtwitter islamkingdominstagram islamkingdomyoutube


قَالَ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود : الْكَهْف وَمَرْيَم وَطَه وَالْأَنْبِيَاء مِنْ الْعِتَاق الْأُوَل , وَهُنَّ مِنْ تِلَادِي يُرِيد مِنْ قَدِيم مَا كُسِبَ وَحُفِظَ مِنْ الْقُرْآن كَالْمَالِ التِّلَاد . وَرُوِيَ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَبْنِي جِدَارًا فَمَرَّ بِهِ آخَر فِي يَوْم نُزُول هَذِهِ السُّورَة , فَقَالَ الَّذِي كَانَ يَبْنِي الْجِدَار : مَاذَا نَزَلَ الْيَوْم مِنْ الْقُرْآن ؟ فَقَالَ الْآخَر : نَزَلَ | اِقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابهمْ وَهُمْ فِي غَفْلَة مُعْرِضُونَ | فَنَفَّضَ يَده مِنْ الْبُنْيَان , وَقَالَ : وَاَللَّه لَا بَنَيْت أَبَدًا وَقَدْ اِقْتَرَبَ الْحِسَاب

| اِقْتَرَبَ | أَيْ قَرُبَ الْوَقْت الَّذِي يُحَاسَبُونَ فِيهِ عَلَى أَعْمَالهمْ .

| لِلنَّاسِ | قَالَ اِبْن عَبَّاس : الْمُرَاد بِالنَّاسِ هُنَا الْمُشْرِكُونَ بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى : | إِلَّا اِسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ | إِلَى قَوْله : | أَفَتَأْتُونَ السِّحْر وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ | . وَقِيلَ : النَّاس عُمُوم وَإِنْ كَانَ الْمُشَار إِلَيْهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْت كُفَّار قُرَيْش ; يَدُلّ عَلَى ذَلِكَ مَا بَعْد مِنْ الْآيَات ; وَمَنْ عَلِمَ اِقْتِرَاب السَّاعَة قَصُرَ أَمَله , وَطَابَتْ نَفْسه بِالتَّوْبَةِ , وَلَمْ يَرْكَن إِلَى الدُّنْيَا , فَكَأَنَّ مَا كَانَ لَمْ يَكُنْ إِذَا ذَهَبَ , وَكُلّ آتٍ قَرِيب , وَالْمَوْت لَا مَحَالَة آتٍ ; وَمَوْت كُلّ إِنْسَان قِيَام سَاعَته ; وَالْقِيَامَة أَيْضًا قَرِيبَة بِالْإِضَافَةِ إِلَى مَا مَضَى مِنْ الزَّمَان , فَمَا بَقِيَ مِنْ الدُّنْيَا أَقَلّ مِمَّا مَضَى . وَقَالَ الضَّحَّاك : مَعْنَى | اِقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابهمْ | أَيْ عَذَابهمْ يَعْنِي أَهْل مَكَّة ; لِأَنَّهُمْ اِسْتَبْطَئُوا مَا وُعِدُوا بِهِ مِنْ الْعَذَاب تَكْذِيبًا , وَكَانَ قَتْلهمْ يَوْم بَدْر . النَّحَّاس : وَلَا يَجُوز فِي الْكَلَام اِقْتَرَبَ حِسَابهمْ لِلنَّاسِ ; لِئَلَّا يَتَقَدَّم مُضْمَر عَلَى مُظْهَر لَا يَجُوز أَنْ يَنْوِي بِهِ التَّأْخِير .|وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ|اِبْتِدَاء وَخَبَر . وَيَجُوز النَّصْب فِي غَيْر الْقُرْآن عَلَى الْحَال . وَفِيهِ وَجْهَانِ : أَحَدهمَا : | وَهُمْ فِي غَفْلَة مُعْرِضُونَ | يَعْنِي بِالدُّنْيَا عَنْ الْآخِرَة . الثَّانِي : عَنْ التَّأَهُّب لِلْحِسَابِ وَعَمَّا جَاءَ بِهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَهَذَا الْوَاو عِنْد سِيبَوَيْهِ بِمَعْنَى | إِذْ | وَهِيَ الَّتِي يُسَمِّيهَا النَّحْوِيُّونَ وَاو الْحَال ; كَمَا قَالَ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى : | يَغْشَى طَائِفَة مِنْكُمْ وَطَائِفَة قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسهمْ | [ آل عِمْرَان : 154 ] .

قَوْله تَعَالَى : | مُحْدَث | نَعْت لِ | ذِكْر | . وَأَجَازَ الْكِسَائِيّ وَالْفَرَّاء | مُحْدَثًا | بِمَعْنَى مَا يَأْتِيهِمْ مُحْدَثًا ; نُصِبَ عَلَى الْحَال . وَأَجَازَ الْفَرَّاء أَيْضًا رَفْع | مُحْدَث | عَلَى النَّعْت لِلذِّكْرِ ; لِأَنَّك لَوْ حَذَفْت | مِنْ | رَفَعْت ذِكْرًا ; أَيْ مَا يَأْتِيهِمْ ذِكْر مِنْ رَبّهمْ مُحْدَث ; يُرِيد فِي النُّزُول وَتِلَاوَة جِبْرِيل عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَإِنَّهُ كَانَ يُنْزِل سُورَة بَعْد سُورَة , وَآيَة بَعْد آيَة , كَمَا كَانَ يُنَزِّلهُ اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِ فِي وَقْت بَعْد وَقْت ; لَا أَنَّ الْقُرْآن مَخْلُوق . وَقِيلَ : الذِّكْر مَا يُذَكِّرهُمْ بِهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَعِظهُمْ بِهِ . وَقَالَ : | مِنْ رَبّهمْ | لِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَنْطِق إِلَّا بِالْوَحْيِ , فَوَعْظ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَحْذِيره ذِكْر , وَهُوَ مُحْدَث ; قَالَ اللَّه تَعَالَى : | فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّر | [ الْغَاشِيَة : 21 ] . وَيُقَال : فُلَان فِي مَجْلِس الذِّكْر . وَقِيلَ : الذِّكْر الرَّسُول نَفْسه ; قَالَهُ الْحُسَيْن بْن الْفَضْل بِدَلِيلِ مَا فِي سِيَاق الْآيَة | هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَر مِثْلكُمْ | [ الْأَنْبِيَاء : 3 ] وَلَوْ أَرَادَ بِالذِّكْرِ الْقُرْآن لَقَالَ : هَلْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِير الْأَوَّلِينَ ; وَدَلِيل هَذَا التَّأْوِيل قَوْله تَعَالَى : | وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُون . وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْر لِلْعَالَمِينَ | [ الْقَلَم : 51 - 52 ] يَعْنِي مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَقَالَ : | قَدْ أَنْزَلَ اللَّه إِلَيْكُمْ ذِكْرًا رَسُولًا | [ الطَّلَاق : 10 - 11 ] . | إِلَّا اِسْتَمَعُوهُ | يَعْنِي مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , أَوْ الْقُرْآن مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ مِنْ أُمَّته . | وَهُمْ يَلْعَبُونَ | الْوَاو وَاو الْحَال يَدُلّ عَلَيْهِ | لَاهِيَة قُلُوبهمْ | وَمَعْنَى | يَلْعَبُونَ | أَيْ يَلْهُونَ . وَقِيلَ : يَشْتَغِلُونَ ; فَإِنْ حُمِلَ تَأْوِيله عَلَى اللَّهْو اِحْتَمَلَ مَا يَلْهُونَ بِهِ وَجْهَيْنِ : أَحَدهمَا : بِلَذَّاتِهِمْ . الثَّانِي : بِسَمَاعِ مَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ . وَإِنْ حُمِلَ تَأْوِيله عَلَى الشُّغْل اِحْتَمَلَ مَا يَتَشَاغَلُونَ بِهِ وَجْهَيْنِ : أَحَدهمَا : بِالدُّنْيَا لِأَنَّهَا لَعِب ; كَمَا قَالَ اللَّه تَعَالَى : | إِنَّمَا الْحَيَاة الدُّنْيَا لَعِب وَلَهْو | [ مُحَمَّد : 36 ] . الثَّانِي : يَتَشَاغَلُونَ بِالْقَدْحِ فِيهِ , وَالِاعْتِرَاض عَلَيْهِ . قَالَ الْحَسَن : كُلَّمَا جُدِّدَ لَهُمْ الذِّكْر اِسْتَمَرُّوا عَلَى الْجَهْل . وَقِيلَ : يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآن مُسْتَهْزِئِينَ .

أَيْ سَاهِيَة قُلُوبهمْ , مُعْرِضَة عَنْ ذِكْر اللَّه , مُتَشَاغِلَة عَنْ التَّأَمُّل وَالْتَفَهُّم ; مِنْ قَوْل الْعَرَب : لَهِيت عَنْ ذِكْر الشَّيْء إِذَا تَرَكْته وَسَلَوْت عَنْهُ أَلْهَى لُهِيًّا وَلِهْيَانًا . وَ | لَاهِيَة | نَعْت تَقَدَّمَ الِاسْم , وَمِنْ حَقّ النَّعْت أَنْ يَتْبَع الْمَنْعُوت فِي جَمِيع الْإِعْرَاب , فَإِذَا تَقَدَّمَ النَّعْت الِاسْم اِنْتَصَبَ كَقَوْلِهِ : | خَاشِعَة أَبْصَارهمْ | [ الْقَلَم : 43 ] وَ | وَدَانِيَة عَلَيْهِمْ ظِلَالهَا | [ الْإِنْسَان : 14 ] وَ | لَاهِيَة قُلُوبهمْ | قَالَ الشَّاعِر :
لِعَزَّةَ مُوحِشًا طَلَل .......... يَلُوح كَأَنَّهُ خَلَل
أَرَادَ : طَلَل مُوحِش . وَأَجَازَ الْكِسَائِيّ وَالْفَرَّاء | لَاهِيَة قُلُوبهمْ | بِالرَّفْعِ بِمَعْنَى قُلُوبهمْ لَاهِيَة . وَأَجَازَ غَيْرهمَا الرَّفْع عَلَى أَنْ يَكُون خَبَرًا بَعْد خَبَر وَعَلَى إِضْمَار مُبْتَدَأ . وَقَالَ الْكِسَائِيّ : وَيَجُوز أَنْ يَكُون الْمَعْنَى ; إِلَّا اِسْتَمَعُوهُ لَاهِيَة قُلُوبهمْ .|وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا|أَيْ تَنَاجَوْا فِيمَا بَيْنهمْ بِالتَّكْذِيبِ , ثُمَّ بَيَّنَ مَنْ هُمْ فَقَالَ : | الَّذِينَ ظَلَمُوا | أَيْ الَّذِي أَشْرَكُوا ; فَ | الَّذِينَ ظَلَمُوا | بَدَل مِنْ الْوَاو فِي | أَسَرُّوا | وَهُوَ عَائِد عَلَى النَّاس الْمُتَقَدِّم ذِكْرهمْ ; وَلَا يُوقَف عَلَى هَذَا الْقَوْل عَلَى | النَّجْوَى | . قَالَ الْمُبَرِّد وَهُوَ كَقَوْلِك : إِنَّ الَّذِينَ فِي الدَّار اِنْطَلَقُوا بَنُو عَبْد اللَّه فَبَنُو بَدَل مِنْ الْوَاو فِي اِنْطَلَقُوا . وَقِيلَ : هُوَ رُفِعَ عَلَى الذَّمّ , أَيْ هُمْ الَّذِينَ ظَلَمُوا . وَقِيلَ : عَلَى حَذْف الْقَوْل ; التَّقْدِير : يَقُول الَّذِينَ ظَلَمُوا وَحُذِفَ الْقَوْل ; مِثْل | وَالْمَلَائِكَة يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلّ بَاب سَلَام عَلَيْكُمْ | [ الرَّعْد : 23 - 24 ] . وَاخْتَارَ هَذَا الْقَوْل النَّحَّاس ; قَالَ : وَالدَّلِيل عَلَى صِحَّة هَذَا الْجَوَاب أَنَّ بَعْده | هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَر مِثْلكُمْ | [ الْأَنْبِيَاء : 3 ] . وَقَوْل رَابِع : يَكُون مَنْصُوبًا بِمَعْنَى أَعْنِي الَّذِينَ ظَلَمُوا . وَأَجَازَ الْفَرَّاء أَنْ يَكُون خَفْضًا بِمَعْنَى اِقْتَرَبَ لِلنَّاسِ الَّذِينَ ظَلَمُوا حِسَابهمْ ; وَلَا يُوقَف عَلَى هَذَا الْوَجْه عَلَى | النَّجْوَى | وَيُوقَف عَلَى الْوَجْه الْمُتَقَدِّمَة الثَّلَاثَة قَبْله ; فَهَذِهِ خَمْسَة أَقْوَال . وَأَجَازَ الْأَخْفَش الرَّفْع عَلَى لُغَة مَنْ قَالَ : أَكَلُونِي الْبَرَاغِيث ; وَهُوَ حَسَن ; قَالَ اللَّه تَعَالَى : | ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِير مِنْهُمْ | [ الْمَائِدَة : 71 ] . وَقَالَ الشَّاعِر :
بَلْ نَالَ النِّضَال دُون الْمَسَاعِي .......... فَاهْتَدَيْنَ النِّبَال لِلْأَغْرَاضِ
وَقَالَ آخَر :
وَلَكِنْ دِيَافِيّ أَبُوهُ وَأُمّه .......... بِحَوْرَانَ يَعْصِرْنَ السَّلِيط أَقَارِبه
وَقَالَ الْكِسَائِيّ : فِيهِ تَقْدِيم وَتَأْخِير ; مَجَازه : وَاَلَّذِينَ ظَلَمُوا أَسَرُّوا النَّجْوَى أَبُو عُبَيْدَة : | أَسَرُّوا | هُنَا مِنْ الْأَضْدَاد ; فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُونُوا أَخْفَوْا كَلَامهمْ , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُونُوا أَظْهَرُوهُ وَأَعْلَنُوهُ .|هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ|أَيْ تَنَاجَوْا بَيْنهمْ وَقَالُوا : هَلْ هَذَا الذِّكْر الَّذِي هُوَ الرَّسُول , أَوْ هَلْ هَذَا الَّذِي يَدْعُوكُمْ إِلَّا بَشَر مِثْلكُمْ , لَا يَتَمَيَّز عَنْكُمْ بِشَيْءٍ , يَأْكُل الطَّعَام , وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاق كَمَا تَفْعَلُونَ . وَمَا عَلِمُوا أَنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ أَنَّهُ لَا يَجُوز أَنْ يُرْسِل إِلَيْهِمْ إِلَّا بَشَرًا لِيَتَفَهَّمُوا وَيُعَلِّمهُمْ .|أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ|أَيْ إِنَّ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سِحْر , فَكَيْفَ تَجِيئُونَ إِلَيْهِ وَتَتَّبِعُونَهُ ؟ فَأَطْلَعَ اللَّه نَبِيّه عَلَيْهِ السَّلَام عَلَى مَا تَنَاجَوْا بِهِ . وَ | السِّحْر | فِي اللُّغَة كُلّ مُمَوَّه لَا حَقِيقَة لَهُ وَلَا صِحَّة .|وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ|أَنَّهُ إِنْسَان مِثْلكُمْ مِثْل : | وَأَنْتُمْ تَعْقِلُونَ | لِأَنَّ الْعَقْل الْبَصَر بِالْأَشْيَاءِ . وَقِيلَ : الْمَعْنَى ; أَفَتَقْبَلُونَ السِّحْر وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ سِحْر . وَقِيلَ : الْمَعْنَى ; أَفَتَعْدِلُونَ إِلَى الْبَاطِل وَأَنْتُمْ تَعْرِفُونَ الْحَقّ ; وَمَعْنَى الْكَلَام التَّوْبِيخ .

أَيْ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْء مِمَّا يُقَال فِي السَّمَاء وَالْأَرْض . وَفِي مَصَاحِف أَهْل الْكُوفَة | قَالَ رَبِّي | أَيْ قَالَ مُحَمَّد رَبِّي يَعْلَم الْقَوْل ; أَيْ هُوَ عَالِم بِمَا تَنَاجَيْتُمْ بِهِ . وَقِيلَ : إِنَّ الْقِرَاءَة الْأُولَى أَوْلَى لِأَنَّهُمْ أَسَرُّوا هَذَا الْقَوْل فَأَظْهَرَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْهِ نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَأَمَرَهُ أَنْ يَقُول لَهُمْ هَذَا ; قَالَ النَّحَّاس : وَالْقِرَاءَتَانِ صَحِيحَتَانِ وَهُمَا بِمَنْزِلَةِ الْآيَتَيْنِ , وَفِيهِمَا مِنْ الْفَائِدَة أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمِرَ وَأَنَّهُ قَالَ كَمَا أُمِرَ .

قَالَ الزَّجَّاج : أَيْ قَالُوا الَّذِي يَأْتِي بِهِ أَضْغَاث أَحْلَام . وَقَالَ غَيْره : أَيْ قَالُوا هُوَ أَخْلَاط كَالْأَحْلَامِ الْمُخْتَلِطَة ; أَيْ أَهَاوِيل رَآهَا فِي الْمَنَام ; قَالَ مَعْنَاهُ مُجَاهِد وَقَتَادَة ; وَمِنْهُ قَوْل الشَّاعِر :
كَضِغْثِ حُلْم غَرَّ مِنْهُ حَالِمه
وَقَالَ الْقُتَبِيّ : إِنَّهَا الرُّؤْيَا الْكَاذِبَة ; وَفِيهِ قَوْل الشَّاعِر :
أَحَادِيث طَسْم أَوْ سَرَاب بِفَدْفَدٍ .......... تَرَقْرَقَ لِلسَّارِي وَأَضْغَاث حَالِم
وَقَالَ الْيَزِيدِيّ : الْأَضْغَاث مَا لَمْ يَكُنْ لَهُ تَأْوِيل . وَقَدْ مَضَى هَذَا فِي | يُوسُف | . فَلَمَّا رَأَوْا أَنَّ الْأَمْر لَيْسَ كَمَا قَالُوا اِنْتَقَلُوا عَنْ ذَلِكَ فَقَالُوا :|بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ|ثُمَّ اِنْتَقَلُوا عَنْ ذَلِكَ فَقَالُوا : | بَلْ هُوَ شَاعِر | أَيْ هُمْ مُتَحَيِّرُونَ لَا يَسْتَقِرُّونَ عَلَى شَيْء قَالُوا مَرَّة سِحْر , وَمَرَّة أَضْغَاث أَحْلَام , وَمَرَّة اِفْتَرَاهُ , وَمَرَّة شَاعِر . وَقِيلَ : أَيْ قَالَ فَرِيق إِنَّهُ سَاحِر , وَفَرِيق إِنَّهُ أَضْغَاث أَحْلَام ; وَفَرِيق إِنَّهُ اِفْتَرَاهُ , وَفَرِيق إِنَّهُ شَاعِر . وَالِافْتِرَاء الِاخْتِلَاق ; وَقَدْ تَقَدَّمَ .|فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ|أَيْ كَمَا أُرْسِلَ مُوسَى بِالْعَصَا وَغَيْرهَا مِنْ الْآيَات وَمِثْل نَاقَة صَالِح . وَكَانُوا عَالِمِينَ بِأَنَّ الْقُرْآن لَيْسَ بِسِحْرٍ وَلَا رُؤْيَا وَلَكِنْ قَالُوا : يَنْبَغِي أَنْ يَأْتِي بِآيَةٍ نَقْتَرِحهَا ; وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ الِاقْتِرَاح بَعْدَمَا رَأَوْا آيَة وَاحِدَة . وَأَيْضًا إِذَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِآيَةٍ هِيَ مِنْ جِنْس مَا هُمْ أَعْلَم النَّاس بِهِ , وَلَا مَجَال لِلشُّبْهَةِ فِيهَا فَكَيْفَ يُؤْمِنُونَ بِآيَةٍ غَيْرهَا , وَلَوْ أَبْرَأَ الْأَكَمَة وَالْأَبْرَص لَقَالُوا : هَذَا مِنْ بَاب الطِّبّ , وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ صِنَاعَتنَا , وَإِنَّمَا كَانَ سُؤَالهمْ تَعَنُّتًا إِذْ كَانَ اللَّه أَعْطَاهُمْ مِنْ الْآيَات مَا فِيهِ كِفَايَة . وَبَيَّنَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ أَنَّهُمْ لَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ لَأَعْطَاهُمْ مَا سَأَلُوهُ لِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : | وَلَوْ عَلِمَ اللَّه فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ | [ الْأَنْفَال : 23 ] .

قَالَ اِبْن عَبَّاس : يُرِيد قَوْم صَالِح وَقَوْم فِرْعَوْن .|أَهْلَكْنَاهَا|يُرِيد كَانَ فِي عِلْمنَا هَلَاكهَا .|أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ|يُرِيد يُصَدِّقُونَ ; أَيْ فَمَا آمَنُوا بِالْآيَاتِ فَاسْتُؤْصِلُوا فَلَوْ رَأَى هَؤُلَاءِ مَا اِقْتَرَحُوا لَمَا آمَنُوا ; لِمَا سَبَقَ مِنْ الْقَضَاء بِأَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ أَيْضًا ; وَإِنَّمَا تَأَخَّرَ عِقَابهمْ لِعِلْمِنَا بِأَنَّ فِي أَصْلَابهمْ مَنْ يُؤْمِن . وَ | مِنْ | زَائِدَة فِي قَوْله : | مِنْ قَرْيَة | كَقَوْلِهِ : | فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَد عَنْهُ حَاجِزِينَ | [ الْحَاقَّة : 47 ] .

هَذَا رَدّ عَلَيْهِمْ فِي قَوْلهمْ : | هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَر مِثْلكُمْ | [ الْأَنْبِيَاء : 3 ] وَتَأْنِيس لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; أَيْ لَمْ يُرْسِل قَبْلك إِلَّا رِجَالًا .|فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ|يُرِيد أَهْل التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل الَّذِينَ آمَنُوا بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , قَالَهُ سُفْيَان . وَسَمَّاهُمْ أَهْل الذِّكْر ; لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَذْكُرُونَ خَبَر الْأَنْبِيَاء مِمَّا لَمْ تَعْرِفهُ الْعَرَب . وَكَانَ كُفَّار قُرَيْش يُرَاجِعُونَ أَهْل الْكِتَاب فِي أَمْر مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَقَالَ اِبْن زَيْد : أَرَادَ بِالذِّكْرِ الْقُرْآن ; أَيْ فَاسْأَلُوا الْمُؤْمِنِينَ الْعَالِمِينَ مِنْ أَهْل الْقُرْآن ; قَالَ جَابِر الْجُعْفِيّ : لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة قَالَ عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ نَحْنُ أَهْل الذِّكْر . وَقَدْ ثَبَتَ بِالتَّوَاتُرِ أَنَّ الرُّسُل كَانُوا مِنْ الْبَشَر ; فَالْمَعْنَى لَا تَبْدَءُوا بِالْإِنْكَارِ وَبِقَوْلِكُمْ يَنْبَغِي أَنْ يَكُون الرَّسُول مِنْ الْمَلَائِكَة , بَلْ نَاظِرُوا الْمُؤْمِنِينَ لِيُبَيِّنُوا لَكُمْ جَوَاز أَنْ يَكُون الرَّسُول مِنْ الْبَشَر . وَالْمَلَك لَا يُسَمَّى رَجُلًا ; لِأَنَّ الرَّجُل يَقَع عَلَى مَا لَهُ ضِدّ مِنْ لَفْظه ; تَقُول رَجُل وَامْرَأَة , وَرَجُل وَصَبِيّ فَقَوْله : | إِلَّا رِجَالًا | مِنْ بَنِي آدَم . وَقَرَأَ حَفْص وَحَمْزَة وَالْكِسَائِيّ | نُوحِي إِلَيْهِمْ | . مَسْأَلَة : لَمْ يَخْتَلِف الْعُلَمَاء أَنَّ الْعَامَّة عَلَيْهَا تَقْلِيد عُلَمَائِهَا , وَأَنَّهُمْ الْمُرَاد بِقَوْلِ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : | فَاسْأَلُوا أَهْل الذِّكْر إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ | و أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْأَعْمَى لَا بُدّ لَهُ مِنْ تَقْلِيد غَيْره مِمَّنْ يَثِق بِمَيْزِهِ بِالْقِبْلَةِ إِذَا أَشْكَلَتْ عَلَيْهِ ; فَكَذَلِكَ مَنْ لَا عِلْم لَهُ وَلَا بَصَر بِمَعْنَى مَا يَدِين بِهِ لَا بُدّ لَهُ مِنْ تَقْلِيد عَالِمه , وَكَذَلِكَ لَمْ يَخْتَلِف الْعُلَمَاء أَنَّ الْعَامَّة لَا يَجُوز لَهَا الْفُتْيَا ; لِجَهْلِهَا بِالْمَعَانِي الَّتِي مِنْهَا يَجُوز التَّحْلِيل وَالتَّحْرِيم .

الضَّمِير فِي | جَعَلْنَاهُمْ | لِلْأَنْبِيَاءِ ; أَيْ لَمْ نَجْعَل الرُّسُل قَبْلك خَارِجِينَ عَنْ طِبَاع الْبَشَر لَا يَحْتَاجُونَ إِلَى طَعَام وَشَرَاب|وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ|يُرِيد لَا يَمُوتُونَ وَهَذَا جَوَاب لِقَوْلِهِمْ : | مَا هَذَا إِلَّا بَشَر مِثْلكُمْ | [ الْمُؤْمِنُونَ : 33 ] وَقَوْلهمْ : | مَا لِهَذَا الرَّسُول يَأْكُل الطَّعَام | [ الْفُرْقَان : 7 ] . وَ | جَسَدًا | اِسْم جِنْس ; وَلِهَذَا لَمْ يَقُلْ أَجْسَادًا , وَقِيلَ : لَمْ يَقُلْ أَجْسَادًا ; لِأَنَّهُ أَرَادَ وَمَا جَعَلْنَا كُلّ وَاحِد مِنْهُمْ جَسَدًا . وَالْجَسَد الْبَدَن ; تَقُول مِنْهُ : تَجَسَّدَ كَمَا تَقُول مِنْ الْجِسْم تَجَسَّمَ . وَالْجَسَد أَيْضًا الزَّعْفَرَان أَوْ نَحْوه الصَّبْغ , وَهُوَ الدَّم أَيْضًا ; قَالَهُ النَّابِغَة :
وَمَا هُرِيقَ عَلَى الْأَنْصَاب مِنْ جَسَد
وَقَالَ الْكَلْبِيّ : وَالْجَسَد هُوَ الْمُتَجَسِّد الَّذِي فِيهِ الرُّوح يَأْكُل وَيَشْرَب ; فَعَلَى مُقْتَضَى هَذَا الْقَوْل يَكُون مَا لَا يَأْكُل وَلَا يَشْرَب جِسْمًا وَقَالَ مُجَاهِد : الْجَسَد مَا لَا يَأْكُل وَلَا يَشْرَب ; فَعَلَى مُقْتَضَى هَذَا الْقَوْل يَكُون مَا يَأْكُل وَيَشْرَب نَفْسًا ; ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيّ .

يَعْنِي الْأَنْبِيَاء ; أَيْ بِإِنْجَائِهِمْ وَنَصْرهمْ وَإِهْلَاك مُكَذِّبِيهِمْ .|فَأَنْجَيْنَاهُمْ وَمَنْ نَشَاءُ|أَيْ الَّذِينَ صَدَّقُوا الْأَنْبِيَاء .|وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ|أَيْ الْمُشْرِكِينَ .

يَعْنِي الْقُرْآن .|فِيهِ ذِكْرُكُمْ|رُفِعَ بِالِابْتِدَاءِ وَالْجُمْلَة فِي مَوْضِع نَصْب لِأَنَّهَا نَعْت لِكِتَابٍ ; وَالْمُرَاد بِالذِّكْرِ هُنَا الشَّرَف ; أَيْ فِيهِ شَرَفكُمْ , مِثْل | وَإِنَّهُ لَذِكْر لَك وَلِقَوْمِك | [ الزُّخْرُف : 44 ] . ثُمَّ نَبَّهَهُمْ بِالِاسْتِفْهَامِ الَّذِي مَعْنَاهُ التَّوْقِيف فَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ :|أَفَلَا تَعْقِلُونَ|وَقِيلَ : فِيهِ ذِكْركُمْ أَيْ ذِكْر أَمْر دِينكُمْ ; وَأَحْكَام شَرْعكُمْ , وَمَا تَصِيرُونَ إِلَيْهِ مِنْ ثَوَاب وَعِقَاب , أَفَلَا تَعْقِلُونَ هَذِهِ الْأَشْيَاء الَّتِي ذَكَرْنَاهَا ؟ ! وَقَالَ مُجَاهِد : | فِيهِ ذِكْركُمْ | أَيْ حَدِيثكُمْ . وَقِيلَ : مَكَارِم أَخْلَاقكُمْ , وَمَحَاسِن أَعْمَالكُمْ . وَقَالَ سَهْل بْن عَبْد اللَّه : الْعَمَل بِمَا فِيهِ حَيَاتكُمْ . قُلْت : وَهَذِهِ الْأَقْوَال بِمَعْنًى وَالْأَوَّل يَعُمّهَا ; إِذْ هِيَ شَرَف كُلّهَا , وَالْكِتَاب شَرَف لِنَبِيِّنَا عَلَيْهِ السَّلَام ; لِأَنَّهُ مُعْجِزَته , وَهُوَ شَرَف لَنَا إِنْ عَمِلْنَا بِمَا فِيهِ , دَلِيله قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام : ( الْقُرْآن حُجَّة لَك أَوْ عَلَيْك ) .