islamkingdomfaceBook islamkingdomtwitter islamkingdominstagram islamkingdomyoutube


يَعْنِي هَذَا الْيَوْم الَّذِي هُوَ يَوْم الْقِيَامَة|الَّذِينَ آمَنُوا|بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ|مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ|كَمَا ضَحِكَ الْكُفَّار مِنْهُمْ فِي الدُّنْيَا . نَظِيره فِي آخِر سُورَة | الْمُؤْمِنِينَ | وَقَدْ تَقَدَّمَ . وَذَكَرَ اِبْن الْمُبَارَك : أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار عَنْ قَتَادَة فِي قَوْله تَعَالَى : | فَالْيَوْم الَّذِينَ آمَنُوا مِنْ الْكُفَّار يَضْحَكُونَ | قَالَ : ذُكِرَ لَنَا أَنَّ كَعْبًا كَانَ يَقُول إِنَّ بَيْن الْجَنَّة وَالنَّار كُوًى , فَإِذَا أَرَادَ الْمُؤْمِن أَنْ يَنْظُر إِلَى عَدُوّ كَانَ لَهُ فِي الدُّنْيَا اِطَّلَعَ مِنْ بَعْض الْكُوَى ; قَالَ اللَّه تَعَالَى فِي آيَة أُخْرَى : | فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاء الْجَحِيم | [ الصَّافَّات : 55 ] قَالَ : ذُكِرَ لَنَا أَنَّهُ اِطَّلَعَ فَرَأَى جَمَاجِم الْقَوْم تَغْلِي . وَذَكَر اِبْن الْمُبَارَك أَيْضًا : أَخْبَرَنَا الْكَلْبِيّ عَنْ أَبِي صَالِح فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : | اللَّه يَسْتَهْزِئ بِهِمْ | [ الْبَقَرَة : 15 ] قَالَ : يُقَال لِأَهْلِ النَّار وَهُمْ فِي النَّار : اُخْرُجُوا , فَتُفْتَح لَهُمْ أَبْوَاب النَّار , فَإِذَا رَأَوْهَا قَدْ فُتِحَتْ أَقْبَلُوا إِلَيْهَا يُرِيدُونَ الْخُرُوج , وَالْمُؤْمِنُونَ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِمْ عَلَى الْأَرَائِك , فَإِذَا اِنْتَهَوْا إِلَى أَبْوَابهَا غُلِّقَتْ دُونَهُمْ ; فَذَلِكَ قَوْله : | اللَّه يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ | [ الْبَقَرَة : 15 ] وَيَضْحَكُ مِنْهُمْ الْمُؤْمِنُونَ حِين غُلِّقَتْ دُونَهُمْ فَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى : | فَالْيَوْم الَّذِينَ آمَنُوا مِنْ الْكُفَّار يَضْحَكُونَ | .

وَهِيَ الْأَسِرَّة فِي الْحِجَال|يَنْظُرُونَ|أَيْ إِلَى مَا أَعَدَّ اللَّه لَهُمْ مِنْ الْكَرَامَات ; قَالَ عِكْرِمَة وَابْن عَبَّاس وَمُجَاهِد . وَقَالَ مُقَاتِل : يَنْظُرُونَ إِلَى أَهْل النَّار . وَعَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( يَنْظُرُونَ إِلَى أَعْدَائِهِمْ فِي النَّار ) ذَكَرَهُ الْمَهْدَوِيّ . وَقِيلَ : عَلَى أَرَائِك أَفْضَاله يَنْظُرُونَ إِلَى وَجْهه وَجَلَاله .

وَقَدْ مَضَى هَذَا فِي أَوَّل سُورَة | الْبَقَرَة | . وَمَعْنَى | هَلْ ثُوِّبَ | أَيْ هَلْ جُوزِيَ بِسُخْرِيَتِهِمْ فِي الدُّنْيَا بِالْمُؤْمِنِينَ إِذَا فَعَلَ بِهِمْ ذَلِكَ . وَقِيلَ : إِنَّهُ مُتَعَلِّق بِـ | يَنْظُرُونَ | أَيْ يَنْظُرُونَ : هَلْ جُوزِيَ الْكُفَّار ؟ فَيَكُون مَعْنَى هَلْ [ التَّقْرِير ] وَمَوْضِعهَا نَصْبًا بِ | يَنْظُرُونَ | . وَقِيلَ : اِسْتِئْنَاف لَا مَوْضِع لَهُ مِنْ الْإِعْرَاب . وَقِيلَ : هُوَ إِضْمَار عَلَى الْقَوْل , وَالْمَعْنَى ; يَقُول بَعْض الْمُؤْمِنِينَ لِبَعْضٍ : | هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّار | أَيْ أُثِيبَ وَجُوزِيَ . وَهُوَ مِنْ ثَابَ يَثُوب أَيْ رَجَعَ ; فَالثَّوَاب مَا يَرْجِع عَلَى الْعَبْد فِي مُقَابَلَة عَمَله , وَيُسْتَعْمَل فِي الْخَيْر وَالشَّرّ . خُتِمَتْ السُّورَة وَاَللَّه أَعْلَم .

أَيْ اِنْصَدَعَتْ , وَتَفَطَّرَتْ بِالْغَمَامِ , وَالْغَمَام مِثْل السَّحَاب الْأَبْيَض . وَكَذَا رَوَى أَبُو صَالِح عَنْ اِبْن عَبَّاس . وَرُوِيَ عَنْ عَلِيّ عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ : تُشَقُّ مِنْ الْمَجَرَّة . وَقَالَ : الْمَجَرَّة بَاب السَّمَاء . وَهَذَا مِنْ أَشْرَاط السَّاعَة وَعَلَامَاتهَا .

أَيْ سَمِعْت , وَحُقَّ لَهَا أَنْ تَسْمَع . رُوِيَ مَعْنَاهُ عَنْ اِبْن عَبَّاس وَمُجَاهِد وَغَيْرهمَا ; وَمِنْهُ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : | مَا أَذِنَ اللَّه لِشَيْءٍ كَإِذْنِهِ لِنَبِيٍّ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ | أَيْ مَا اِسْتَمَعَ اللَّه لِشَيْءٍ قَالَ الشَّاعِر :
صُمٌّ إِذَا سَمِعُوا خَيْرًا ذُكِرْت بِهِ .......... وَإِنْ ذُكِرْت بِسُوءٍ عِنْدهمْ أَذِنُوا
أَيْ سَمِعُوا . وَقَالَ قُعْنُب اِبْن أُمّ صَاحِب :
إِنْ يَأْذَنُوا رِيبَةً طَارُوا بِهَا فَرَحًا .......... وَمَا هُمْ أَذِنُوا مِنْ صَالِح دَفَنُوا
وَقِيلَ : الْمَعْنَى وَحَقَّقَ اللَّه عَلَيْهَا الِاسْتِمَاع لِأَمْرِهِ بِالِانْشِقَاقِ . وَقَالَ الضَّحَّاك : حُقَّتْ : أَطَاعَتْ , وَحُقَّ لَهَا أَنْ تُطِيع رَبّهَا , لِأَنَّهُ خَلَقَهَا ; يُقَال : فُلَان مَحْقُوق بِكَذَا . وَطَاعَة السَّمَاء : بِمَعْنَى أَنَّهَا لَا تَمْتَنِع مِمَّا أَرَادَ اللَّه بِهَا , وَلَا يَبْعُد خَلْق الْحَيَاة فِيهَا حَتَّى تُطِيع وَتُجِيب . وَقَالَ قَتَادَة : حُقَّ لَهَا أَنْ تَفْعَل ذَلِكَ ; وَمِنْهُ قَوْل كُثَيِّر :
فَإِنْ تَكُنْ الْعُتْبَى فَأَهْلًا وَمَرْحَبًا .......... وَحُقَّتْ لَهَا الْعُتْبَى لَدَيْنَا وَقَلَّتْ

أَيْ بُسِطَتْ وَدُكَّتْ جِبَالهَا . قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( تُمَدُّ مَدَّ الْأَدِيم ) لِأَنَّ الْأَدِيم إِذَا مُدَّ زَالَ كُلُّ اِنْثِنَاء فِيهِ وَامْتَدَّ وَاسْتَوَى . قَالَ اِبْن عَبَّاس وَابْن مَسْعُود : وَيُزَاد وَسِعَتهَا كَذَا وَكَذَا ; لِوُقُوفِ الْخَلَائِق عَلَيْهَا لِلْحِسَابِ حَتَّى لَا يَكُون لِأَحَدٍ مِنْ الْبَشَر إِلَّا مَوْضِع قَدَمه , لِكَثْرَةِ الْخَلَائِق فِيهَا . وَقَدْ مَضَى فِي سُورَة | إِبْرَاهِيم | أَنَّ الْأَرْض تُبَدَّل بِأَرْضٍ أُخْرَى وَهِيَ السَّاهِرَة فِي قَوْل اِبْن عَبَّاس عَلَى مَا تَقَدَّمَ عَنْهُ

أَيْ أَخْرَجَتْ أَمْوَاتهَا , وَتَخَلَّتْ عَنْهُمْ . وَقَالَ اِبْن جُبَيْر : أَلْقَتْ مَا فِي بَطْنهَا مِنْ الْمَوْتَى , وَتَخَلَّتْ مِمَّنْ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ الْأَحْيَاء . وَقِيلَ : أَلْقَتْ مَا فِي بَطْنهَا كُنُوزهَا وَمَعَادِنهَا , وَتَخَلَّتْ مِنْهَا . أَيْ خَلَّا جَوْفهَا , فَلَيْسَ فِي بَطْنهَا شَيْء , وَذَلِكَ يُؤْذِن بِعَظَمِ الْأَمْر , كَمَا تُلْقِي الْحَامِل مَا فِي بَطْنهَا عِنْد الشِّدَّة . وَقِيلَ : تَخَلَّتْ مِمَّا عَلَى ظَهْرهَا مِنْ جِبَالهَا وَبِحَارهَا . وَقِيلَ : أَلْقَتْ مَا اُسْتُوْدِعَتْ , وَتَخَلَّتْ مِمَّا اُسْتُحْفِظَتْ ; لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى اِسْتَوْدَعَهَا عِبَاده أَحْيَاء وَأَمْوَاتًا , وَاسْتَحْفَظَهَا بِلَاده مُزَارَعَة وَأَقْوَاتًا .

أَيْ فِي إِلْقَاء مَوْتَاهَا|وَحُقَّتْ|أَيْ وَحُقَّ لَهَا أَنْ تَسْمَع أَمْرَهُ . وَاخْتُلِفَ فِي جَوَاب | إِذَا | فَقَالَ الْفَرَّاء : | أَذِنَتْ | . وَالْوَاو زَائِدَة , وَكَذَلِكَ | وَأَلْقَتْ | . اِبْن الْأَنْبَارِيّ : قَالَ بَعْض الْمُفَسِّرِينَ : جَوَاب | إِذَا السَّمَاء انْشَقَّتْ | | أَذِنَتْ | , وَزَعَمَ أَنَّ الْوَاو مُقْحَمَة وَهَذَا غَلَط ; لِأَنَّ الْعَرَب لَا تُقْحِم الْوَاو إِلَّا مَعَ | حَتَّى - إِذَا | كَقَوْلِهِ تَعَالَى : | حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابهَا | [ الزُّمَر : 71 ] وَمَعَ | لَمَّا | كَقَوْلِهِ تَعَالَى : | فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ . وَنَادَيْنَاهُ | [ الصَّافَّات : 103 - 104 ] مَعْنَاهُ | نَادَيْنَاهُ | وَالْوَاو لَا تُقْحَم مَعَ غَيْر هَذَيْنِ . وَقِيلَ : الْجَوَاب فَاء مُضْمَرَة كَأَنَّهُ قَالَ : | إِذَا السَّمَاء انْشَقَّتْ | فَيَا أَيُّهَا الْإِنْسَان إِنَّك كَادِح . وَقِيلَ : جَوَابهَا مَا دَلَّ عَلَيْهِ | فَمُلَاقِيه | أَيْ إِذَا السَّمَاء اِنْشَقَّتْ لَاقَى الْإِنْسَان كَدْحه . وَقِيلَ : فِيهِ تَقْدِيم وَتَأْخِير , أَيْ | يَا أَيُّهَا الْإِنْسَان إِنَّك كَادِح إِلَى رَبّك كَدْحًا فَمُلَاقِيه | | إِذَا السَّمَاء اِنْشَقَّتْ | . قَالَهُ الْمُبَرِّد . وَعَنْهُ أَيْضًا : الْجَوَاب | فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ | وَهُوَ قَوْل الْكِسَائِيّ ; أَيْ إِذَا السَّمَاء انْشَقَّتْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابه بِيَمِينِهِ فَحُكْمه كَذَا . قَالَ أَبُو جَعْفَر النَّحَّاس : وَهَذَا أَصَحّ مَا قِيلَ فِيهِ وَأَحْسَنه . قِيلَ : هُوَ بِمَعْنَى اذْكُرْ | إِذَا السَّمَاء اِنْشَقَّتْ | . وَقِيلَ : الْجَوَاب مَحْذُوف لِعِلْمِ الْمُخَاطَبِينَ بِهِ ; أَيْ إِذَا كَانَتْ هَذِهِ الْأَشْيَاء عَلِمَ الْمُكَذِّبُونَ بِالْبَعْثِ ضَلَالَتهمْ وَخُسْرَانهمْ . وَقِيلَ : تَقَدَّمَ مِنْهُمْ سُؤَال عَنْ وَقْت الْقِيَامَة , فَقِيلَ لَهُمْ : إِذَا ظَهَرَتْ أَشْرَاطهَا كَانَتْ الْقِيَامَة , فَرَأَيْتُمْ عَاقِبَة تَكْذِيبكُمْ بِهَا . وَالْقُرْآن كَالْآيَةِ الْوَاحِدَة فِي دَلَالَة الْبَعْض عَلَى الْبَعْض . وَعَنْ الْحَسَن : إِنَّ قَوْله | إِذَا السَّمَاء اِنْشَقَّتْ | قَسَم . وَالْجُمْهُور عَلَى خِلَاف قَوْله مِنْ أَنَّهُ خَبَر وَلَيْسَ بِقَسَمٍ .

الْمُرَاد بِالْإِنْسَانِ الْجِنْس أَيْ يَا اِبْن آدَم . وَكَذَا رَوَى سَعِيد عَنْ قَتَادَة : يَا اِبْن آدَم , إِنَّ كَدْحك لَضَعِيف , فَمَنْ اِسْتَطَاعَ أَنْ يَكُون كَدْحه فِي طَاعَة اللَّه فَلْيَفْعَلْ وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاَللَّهِ . وَقِيلَ : هُوَ مُعَيَّن , قَالَ مُقَاتِل : يَعْنِي الْأَسْوَد بْن عَبْد الْأَسَد وَيُقَال : يَعْنِي أُبَيّ بْن خَلَف . وَيُقَال : يَعْنِي جَمِيع الْكُفَّار , أَيّهَا الْكَافِر إِنَّك كَادِح . وَالْكَدْح فِي كَلَام الْعَرَب : الْعَمَل وَالْكَسْب ; قَالَ اِبْن مُقْبِل :
وَمَا الدَّهْر إِلَّا تَارَتَانِ فَمِنْهُمَا .......... أَمُوت وَأُخْرَى أَبْتَغِي الْعَيْش أَكْدَح
وَقَالَ آخَر :
وَمَضَتْ بَشَاشَة كُلّ عَيْش صَالِح .......... وَبَقِيت أَكْدَح لِلْحَيَاةِ وَأَنْصِبُ
أَيْ أَعْمَل . وَرَوَى الضَّحَّاك عَنْ اِبْن عَبَّاس : | إِنَّك كَادِح | أَيْ رَاجِع | إِلَى رَبّك كَدْحًا أَيْ رُجُوعًا لَا مَحَالَة|كَدْحًا|أَيْ مُلَاقٍ رَبّك . وَقِيلَ : مُلَاقٍ عَمَلك . الْقُتَبِيّ | إِنَّك كَادِح | أَيْ عَامِل نَاصِب فِي مَعِيشَتك إِلَى لِقَاء رَبّك . وَالْمُلَاقَاة بِمَعْنَى اللِّقَاء أَنْ تَلْقَى رَبّك بِعَمَلِك . وَقِيلَ أَيْ تُلَاقِي كِتَاب عَمَلك ; لِأَنَّ الْعَمَل قَدْ اِنْقَضَى وَلِهَذَا قَالَ :

قَوْله تَعَالَى : | فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابه بِيَمِينِهِ | وَهُوَ الْمُؤْمِن

لَا مُنَاقَشَة فِيهِ . كَذَا رُوِيَ عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ حَدِيث عَائِشَة قَالَتْ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ حُوسِبَ يَوْم الْقِيَامَة عُذِّبَ ) قَالَتْ : فَقُلْت يَا رَسُول اللَّه أَلَيْسَ قَدْ قَالَ اللَّه | فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابه بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا | فَقَالَ : | لَيْسَ ذَاكَ الْحِسَاب ; إِنَّمَا ذَلِكَ الْعَرْض , مَنْ نُوقِشَ الْحِسَاب يَوْم الْقِيَامَة عُذِّبَ ) أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ وَمُسْلِم وَالتِّرْمِذِيّ . وَقَالَ حَدِيث حَسَن صَحِيح .

أَزْوَاجه فِي الْجَنَّة مِنْ الْحُور الْعِين | مَسْرُورًا | أَيْ مُغْتَبِطًا قَرِير الْعَيْن . وَيُقَال إِنَّهَا نَزَلَتْ فِي أَبِي سَلَمَة بْن عَبْد الْأَسَد , هُوَ أَوَّل مَنْ هَاجَرَ مِنْ مَكَّة إِلَى الْمَدِينَة . وَقِيلَ : إِلَى أَهْله الَّذِينَ كَانُوا لَهُ فِي الدُّنْيَا , لِيُخْبِرَهُمْ بِخَلَاصِهِ وَسَلَامَته . وَالْأَوَّل قَوْل قَتَادَة . أَيْ إِلَى أَهْله الَّذِينَ قَدْ أَعَدَّهُمْ اللَّه لَهُ فِي الْجَنَّة .

نَزَلَتْ فِي الْأَسْوَد بْن عَبْد الْأَسَد أَخِي أَبِي سَلَمَة قَالَ اِبْن عَبَّاس . ثُمَّ هِيَ عَامَّة فِي كُلّ مُؤْمِن وَكَافِر . قَالَ اِبْن عَبَّاس : يَمُدُّ يَدَهُ الْيُمْنَى لِيَأْخُذ كِتَابه فَيَجْذِبهُ مَلَك , فَيَخْلَع يَمِينه , فَيَأْخُذ كِتَابه بِشِمَالِهِ مِنْ وَرَاء ظَهْره . وَقَالَ قَتَادَة وَمُقَاتِل : يُفَكّ أَلْوَاح صَدْره وَعِظَامه ثُمَّ تُدْخَل يَده وَتُخْرَج مِنْ ظَهْره , فَيَأْخُذ كِتَابه كَذَلِكَ .

أَيْ بِالْهَلَاكِ فَيَقُول : يَا وَيْلَاه , يَا ثُبُورَاه .

أَيْ وَيَدْخُل النَّار حَتَّى يَصْلَى بَحَرِّهَا . وَقَرَأَ الْحَرَمِيَّان وَابْن عَامِر وَالْكِسَائِيّ | وَيُصَلَّى | بِضَمِّ الْيَاء وَفَتْح الصَّاد , وَتَشْدِيد اللَّام , كَقَوْلِهِ تَعَالَى : | ثُمَّ الْجَحِيم صَلُّوهُ | [ الْحَاقَّة : 31 ] وَقَوْله : | وَتَصْلِيَة جَحِيم | [ الْوَاقِعَة : 94 ] . الْبَاقُونَ | وَيَصْلَى | بِفَتْحِ الْيَاء مُخَفَّفًا , فِعْل لَازِم غَيْر مُتَعَدٍّ ; لِقَوْلِهِ : | إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيم | [ الصَّافَّات : 163 ] وَقَوْله : | يَصْلَى النَّار الْكُبْرَى | [ الْأَعْلَى : 12 ] وَقَوْله | ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيم | [ الْمُطَفِّفِينَ : 16 ] . وَقِرَاءَة ثَالِثَة رَوَاهَا أَبَان عَنْ عَاصِم وَخَارِجَة عَنْ نَافِع وَإِسْمَاعِيل الْمَكِّيّ عَنْ اِبْن كَثِير | وَيُصْلَى | بِضَمِّ الْيَاء وَإِسْكَان الصَّاد وَفَتْح اللَّام مُخَفَّفًا ; كَمَا قُرِئَ | وَسَيُصْلَوْنَ | بِضَمِّ الْيَاء , وَكَذَلِكَ فِي | الْغَاشِيَة | قَدْ قُرِئَ أَيْضًا : | تُصْلَى نَارًا | وَهُمَا لُغَتَانِ صَلَى وَأَصْلَى ; كَقَوْلِهِ : | نَزَلَ . وَأَنْزَلَ | .
أَيْ وَيَدْخُل النَّار حَتَّى يَصْلَى بَحَرِّهَا . وَقَرَأَ الْحَرَمِيَّان وَابْن عَامِر وَالْكِسَائِيّ | وَيُصَلَّى | بِضَمِّ الْيَاء وَفَتْح الصَّاد , وَتَشْدِيد اللَّام , كَقَوْلِهِ تَعَالَى : | ثُمَّ الْجَحِيم صَلُّوهُ | [ الْحَاقَّة : 31 ] وَقَوْله : | وَتَصْلِيَة جَحِيم | [ الْوَاقِعَة : 94 ] . الْبَاقُونَ | وَيَصْلَى | بِفَتْحِ الْيَاء مُخَفَّفًا , فِعْل لَازِم غَيْر مُتَعَدٍّ ; لِقَوْلِهِ : | إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيم | [ الصَّافَّات : 163 ] وَقَوْله : | يَصْلَى النَّار الْكُبْرَى | [ الْأَعْلَى : 12 ] وَقَوْله | ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيم | [ الْمُطَفِّفِينَ : 16 ] . وَقِرَاءَة ثَالِثَة رَوَاهَا أَبَان عَنْ عَاصِم وَخَارِجَة عَنْ نَافِع وَإِسْمَاعِيل الْمَكِّيّ عَنْ اِبْن كَثِير | وَيُصْلَى | بِضَمِّ الْيَاء وَإِسْكَان الصَّاد وَفَتْح اللَّام مُخَفَّفًا ; كَمَا قُرِئَ | وَسَيُصْلَوْنَ | بِضَمِّ الْيَاء , وَكَذَلِكَ فِي | الْغَاشِيَة | قَدْ قُرِئَ أَيْضًا : | تُصْلَى نَارًا | وَهُمَا لُغَتَانِ صَلَى وَأَصْلَى ; كَقَوْلِهِ : | نَزَلَ . وَأَنْزَلَ | .'

أَيْ فِي الدُّنْيَا|مَسْرُورًا|قَالَ اِبْن زَيْد : وَصَفَ اللَّه أَهْل الْجَنَّة بِالْمَخَافَةِ وَالْحُزْن وَالْبُكَاء وَالشَّفَقَة فِي الدُّنْيَا فَأَعْقَبَهُمْ بِهِ النَّعِيم وَالسُّرُور فِي الْآخِرَة , وَقَرَأَ قَوْل اللَّه تَعَالَى : | إِنَّا كُنَّا قَبْل فِي أَهْلنَا مُشْفِقِينَ فَمَنَّ اللَّه عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَاب السَّمُوم | . قَالَ : وَوَصَفَ أَهْل النَّار بِالسُّرُورِ فِي الدُّنْيَا وَالضَّحِك فِيهَا وَالتَّفَكُّه . فَقَالَ : | إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْله مَسْرُورًا |

أَيْ لَنْ يَرْجِع حَيًّا مَبْعُوثًا فَيُحَاسَب , ثُمَّ يُثَاب أَوْ يُعَاقَب . يُقَال : حَارَ يَحُور إِذَا رَجَعَ ; قَالَ لَبِيد :
وَمَا الْمَرْء إِلَّا كَالشِّهَابِ وُضُوئِهِ .......... يَحُور رَمَادًا بَعْد إِذْ هُوَ سَاطِع
وَقَالَ عِكْرِمَة وَدَاوُد بْن أَبِي هِنْد , يَحُور كَلِمَة بِالْحَبَشِيَّةِ , وَمَعْنَاهَا يَرْجِع . وَيَجُوز أَنْ تَتَّفِقَ الْكَلِمَتَانِ فَإِنَّهُمَا كَلِمَة اِشْتِقَاق ; وَمِنْهُ الْخُبْز الْحُوَارَى ; لِأَنَّهُ يَرْجِع إِلَى الْبَيَاض . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : مَا كُنْت أَدْرِي : مَا يَحُور ؟ حَتَّى سَمِعْت أَعْرَابِيَّة تَدْعُو بُنَيَّة لَهَا : حُورِي , أَيْ اِرْجِعِي إِلَيَّ , فَالْحَوْر فِي كَلَام الْعَرَب الرُّجُوع ; وَمِنْهُ قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام : | اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذ بِك مِنْ الْحَوْر بَعْد الْكَوْر | يَعْنِي : مِنْ الرُّجُوع إِلَى النُّقْصَان بَعْد الزِّيَادَة , وَكَذَلِكَ الْحُوْر بِالضَّمِّ . وَفِي الْمِثْل | حُوْر فِي مَحَارَة | أَيْ نُقْصَان فِي نُقْصَان . يُضْرَب لِلرَّجُلِ إِذَا كَانَ أَمْره يُدْبِر , قَالَ الشَّاعِر :
وَاسْتَعْجَلُوا عَنْ خَفِيف الْمَضْغ فَازْدَرَدُوا .......... وَالذَّمّ يَبْقَى وَزَاد الْقَوْم فِي حُوْر
وَالْحُور أَيْضًا : الِاسْم مِنْ قَوْلك : طَحَنَتْ الطَّاحِنَة فَمَا أَحَارَتْ شَيْئًا ; أَيْ مَا رَدَّتْ شَيْئًا مِنْ الدَّقِيق . وَالْحُوْر أَيْضًا الْهَلَكَة ; قَالَ الرَّاجِز :
فِي بِئْر لَا حُوْر سَرَى وَلَا شَعَر
قَالَ أَبُو عُبَيْدَة : أَيْ بِئْر حُوْر , وَ | لَا | زَائِدَة . وَرُوِيَ | بَعْد الْكَوْن | وَمَعْنَاهُ مِنْ اِنْتِشَار الْأَمْر بَعْد تَمَامه . وَسُئِلَ مَعْمَر عَنْ الْحَوْر بَعْد الْكَوْن , فَقَالَ : هُوَ الْكُنْتِيّ . فَقَالَ لَهُ عَبْد الرَّزَّاق : وَمَا الْكُنْتِيّ ؟ فَقَالَ : الرَّجُل يَكُون صَالِحًا ثُمَّ يَتَحَوَّل رَجُل سُوء . قَالَ أَبُو عَمْرو : يُقَال لِلرَّجُلِ إِذَا شَاخَ : كُنْتِيّ , كَأَنَّهُ نُسِبَ إِلَى قَوْله : كُنْت فِي شَبَابِي كَذَا . قَالَ :
فَأَصْبَحْت كُنْتِيًّا وَأَصْبَحْت عَاجِنًا .......... وَشَرُّ خِصَال الْمَرْء كُنْت وَعَاجِن
عَجَنَ الرَّجُل : إِذَا نَهَضَ مُعْتَمِدًا عَلَى الْأَرْض مِنْ الْكِبَر . وَقَالَ اِبْن الْأَعْرَابِيّ : الْكُنْتِيّ : هُوَ الَّذِي يَقُول : كُنْت شَابًّا , وَكُنْت شُجَاعًا , وَالْكَانِيّ هُوَ الَّذِي يَقُول : كَانَ لِي مَال وَكُنْت أَهَب , وَكَانَ لِي خَيْل وَكُنْت أَرْكَب .

أَيْ لَيْسَ الْأَمْر كَمَا ظَنَّ , بَلْ يَحُور إِلَيْنَا وَيَرْجِع .|إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا|قَبْل أَنْ يَخْلُقهُ , عَالِمًا بِأَنَّ مَرْجِعَهُ إِلَيْهِ . وَقِيلَ : بَلَى لَيَحُورَن وَلَيَرْجِعَن . ثُمَّ اِسْتَأْنَفَ فَقَالَ : | إِنَّ رَبّه كَانَ بِهِ بَصِيرًا | مِنْ يَوْم خَلَقَهُ إِلَى أَنْ بَعَثَهُ . وَقِيلَ : عَالِمًا بِمَا سَبَقَ لَهُ مِنْ الشَّقَاء وَالسَّعَادَة .

أَيْ فَأَقْسِم وَ | لَا | صِلَة .|بِالشَّفَقِ|أَيْ بِالْحُمْرَةِ الَّتِي تَكُون عِنْد مَغِيب الشَّمْس حَتَّى تَأْتِي صَلَاة الْعِشَاء الْآخِرَة . قَالَ أَشْهَب وَعَبْد اللَّه بْن الْحَكَم وَيَحْيَى بْن يَحْيَى وَغَيْرهمْ , كَثِير عَدَدهمْ عَنْ مَالِك : الشَّفَق الْحُمْرَة الَّتِي فِي الْمَغْرِب , فَإِذَا ذَهَبَتْ الْحُمْرَة فَقَدْ خَرَجَتْ مِنْ وَقْت الْمَغْرِب وَوَجَبَتْ صَلَاة الْعِشَاء . وَرَوَى بْن وَهْب قَالَ : أَخْبَرَنِي غَيْر وَاحِد عَنْ عَلِيّ اِبْن أَبِي طَالِب وَمُعَاذ بْن جَبَل وَعُبَادَة بْن الصَّامِت وَشَدَّاد بْن أَوْس وَأَبِي هُرَيْرَة : أَنَّ الشَّفَق الْحُمْرَة , وَبِهِ قَالَ مَالِك بْن أَنَس . وَذَكَر غَيْر اِبْن وَهْب مِنْ الصَّحَابَة : عُمَر وَابْن عُمَر وَابْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس وَأَنَسًا وَأَبَا قَتَادَة وَجَابِر بْن عَبْد اللَّه وَابْن الزُّبَيْر , وَمِنْ التَّابِعِينَ : سَعِيد بْن جُبَيْر , وَابْن الْمُسَيِّب وَطَاوُس , وَعَبْد اللَّه بْن دِينَار , وَالزُّهْرِيّ , وَقَالَ بِهِ مِنْ الْفُقَهَاء الْأَوْزَاعِيّ وَمَالِك وَالشَّافِعِيّ وَأَبُو يُوسُف وَأَبُو ثَوْر وَأَبُو عُبَيْدَة وَأَحْمَد وَإِسْحَاق وَقِيلَ : هُوَ الْبَيَاض ; رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ اِبْن عَبَّاس وَأَبِي هُرَيْرَة أَيْضًا وَعُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز وَالْأَوْزَاعِيّ وَأَبِي حَنِيفَة فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ . وَرَوَى أَسَد بْن عَمْرو أَنَّهُ رَجَعَ عَنْهُ . وَرُوِيَ عَنْ اِبْن عُمَر أَيْضًا أَنَّهُ الْبَيَاض وَالِاخْتِيَار الْأَوَّل ; لِأَنَّ أَكْثَر الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَالْفُقَهَاء عَلَيْهِ , وَلِأَنَّ شَوَاهِد كَلَام الْعَرَب وَالِاشْتِقَاق وَالسُّنَّة تَشْهَد لَهُ . قَالَ الْفَرَّاء : سَمِعْت بَعْض الْعَرَب يَقُول لِثَوْبٍ عَلَيْهِ مَصْبُوغ : كَأَنَّهُ الشَّفَق وَكَانَ أَحْمَر , فَهَذَا شَاهِد لِلْحُمْرَةِ ; وَقَالَ الشَّاعِر :
وَأَحْمَر اللَّوْن كَمُحْمَرِّ الشَّفَق
وَقَالَ آخَر :
قُمْ يَا غُلَام أَعْنِي غَيْر مُرْتَبِك .......... عَلَى الزَّمَان بِكَأْسٍ حَشْوُهَا شَفَق
وَيُقَال لِلْمَغْرَةِ الشَّفَق . وَفِي الصِّحَاح : الشَّفَق بَقِيَّة ضَوْء الشَّمْس وَحُمْرَتهَا فِي أَوَّل اللَّيْل إِلَى قَرِيب مِنْ الْعَتَمَة . قَالَ الْخَلِيل : الشَّفَق : الْحُمْرَة , مِنْ غُرُوب الشَّمْس إِلَى وَقْت الْعِشَاء الْآخِرَة , إِذَا ذَهَبَ قِيلَ : غَابَ الشَّفَق . ثُمَّ قِيلَ : أَصْل الْكَلِمَة مِنْ رِقَّة الشَّيْء ; يُقَال : شَيْء شَفَق أَيْ لَا تَمَاسُك لَهُ لِرِقَّتِهِ . وَأَشْفَقَ عَلَيْهِ . أَيْ رَقَّ قَلْبه عَلَيْهِ , وَالشَّفَقَة : الِاسْم مِنْ الْإِشْفَاق , وَهُوَ رِقَّة الْقَلْب , وَكَذَلِكَ الشَّفَق ; قَالَ الشَّاعِر :
تَهْوَى حَيَاتِي وَأَهْوَى مَوْتهَا شَفَقًا .......... وَالْمَوْت أَكْرَم نَزَّالٍ عَلَى الْحُرَمِ
فَالشَّفَق : بَقِيَّة ضَوْء الشَّمْس وَحُمْرَتهَا فَكَأَنَّ تِلْكَ الرِّقَّة عَنْ ضَوْء الشَّمْس . وَزَعَمَ الْحُكَمَاء أَنَّ الْبَيَاض لَا يَغِيب أَصْلًا . وَقَالَ الْخَلِيل : صَعِدْت مَنَارَة الْإِسْكَنْدَرِيَّة فَرَمَقْت الْبَيَاض , فَرَأَيْته يَتَرَدَّد مِنْ أُفُق إِلَى أُفُق وَلَمْ أَرَهُ يَغِيب . وَقَالَ اِبْن أَبِي أُوَيْس : رَأَيْته يَتَمَادَى إِلَى طُلُوع الْفَجْر قَالَ عُلَمَاؤُنَا : فَلَمَّا لَمْ يَتَحَدَّد وَقْته سَقَطَ اِعْتِبَاره . وَفِي سُنَن أَبِي دَاوُد عَنْ النُّعْمَان بْن بَشِير قَالَ : أَنَا أَعْلَمكُمْ بِوَقْتِ صَلَاة الْعِشَاء الْآخِرَة ; كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّيهَا لِسُقُوطِ الْقَمَر الثَّالِثَة . وَهَذَا تَحْدِيد , ثُمَّ الْحُكْم مُعَلَّق بِأَوَّلِ الْاسْم . لَا يُقَال : فَيُنْقَض عَلَيْكُمْ بِالْفَجْرِ الْأَوَّل , فَإِنَّا نَقُول الْفَجْر الْأَوَّل لَا يَتَعَلَّق بِهِ حُكْم مِنْ صَلَاة وَلَا إِمْسَاك ; لِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيَّنَ الْفَجْر بِقَوْلِهِ وَفِعْلِهِ فَقَالَ : | وَلَيْسَ الْفَجْر أَنْ تَقُول هَكَذَا - فَرَفَعَ يَده إِلَى فَوْق - وَلَكِنَّ الْفَجْر أَنْ تَقُول هَكَذَا وَبَسَطَهَا | وَقَدْ مَضَى بَيَانه فِي آيَة الصِّيَام مِنْ سُورَة | الْبَقَرَة | , فَلَا مَعْنَى لِلْإِعَادَةِ . وَقَالَ مُجَاهِد : الشَّفَق : النَّهَار كُلّه أَلَا تَرَاهُ قَالَ | وَاللَّيْل وَمَا وَسَقَ | وَقَالَ عِكْرِمَة : مَا بَقِيَ مِنْ النَّهَار . وَالشَّفَق أَيْضًا : الرَّدِيء مِنْ الْأَشْيَاء ; يُقَال : عَطَاء مُشَفَّق أَيْ مُقَلَّل قَالَ الْكُمَيْت :
مَلِك أَغَرّ مِنْ الْمُلُوك تَحَلَّبَتْ .......... لِلسَّائِلِينَ يَدَاهُ غَيْر مُشَفِّق

أَيْ جَمَعَ وَضَمَّ وَلَفَّ , وَأَصْله مِنْ سَوْرَة السُّلْطَان وَغَضَبه فَلَوْلَا أَنَّهُ خَرَجَ إِلَى الْعِبَاد مِنْ بَاب الرَّحْمَة مَا تَمَالَكَ الْعِبَاد لِمَجِيئِهِ وَلَكِنْ خَرَجَ مِنْ بَاب الرَّحْمَة فَمَزَحَ بِهَا , فَسَكَنَ الْخَلْق إِلَيْهِ ثُمَّ ابْذَعَرُّوا وَالْتَفُّوا وَانْقَبَضُوا , وَرَجَعَ كُلٌّ إِلَى مَأْوَاهُ فَسَكَنَ فِيهِ مِنْ هَوْله وَحِشًا , وَهُوَ قَوْله تَعَالَى : | وَمِنْ رَحْمَته جَعَلَ لَكُمْ اللَّيْل وَالنَّهَار لِتَسْكُنُوا فِيهِ | [ الْقَصَص : 73 ] أَيْ بِاللَّيْلِ | وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْله | [ الْقَصَص : 73 ] أَيْ بِالنَّهَارِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ . فَاللَّيْل يَجْمَع وَيَضُمّ مَا كَانَ مُنْتَشِرًا بِالنَّهَارِ فِي تَصَرُّفِهِ . هَذَا مَعْنَى قَوْل اِبْن عَبَّاس وَمُجَاهِد وَمُقَاتِل وَغَيْرهمْ ; قَالَ ضَابِئ بْن الْحَارِث الْبَرْجُمِيّ :
فَإِنِّي وَإِيَّاكُمْ وَشَوْقًا إِلَيْكُمْ .......... كَقَابِضِ مَاء لَمْ تَسْقِهِ أَنَامِله
يَقُول : لَيْسَ فِي يَده مِنْ ذَلِكَ شَيْء كَمَا أَنَّهُ لَيْسَ فِي يَد الْقَابِض عَلَى الْمَاء شَيْء ; فَإِذَا جَلَّلَ اللَّيْل الْجِبَال وَالْأَشْجَار وَالْبِحَار وَالْأَرْض فَاجْتَمَعَتْ لَهُ , فَقَدْ وَسَقَهَا . وَالْوَسْق : ضَمُّك الشَّيْء بَعْضه إِلَى بَعْض , تَقُول : وَسَقْته أَسِقهُ وَسْقًا . وَمِنْهُ قِيلَ لِلطَّعَامِ الْكَثِير الْمُجْتَمِع : وَسْق , وَهُوَ سِتُّونَ صَاعًا . وَطَعَام مُوسَق : أَيْ مَجْمُوع , وَإِبِل مُسْتَوْسِقَة أَيْ مُجْتَمِعَة ; قَالَ الرَّاجِز :
إِنَّ لَنَا قَلَائِصًا حَقَائِقَا .......... مُسْتَوْسِقَات لَوْ يَجِدْنَ سَائِقَا
وَقَالَ عِكْرِمَة : | وَمَا وَسَقَ | أَيْ وَمَا سَاقَ مِنْ شَيْء إِلَى حَيْثُ يَأْوِي , فَالْوَسْق بِمَعْنَى الطَّرْد , وَمِنْهُ قِيلَ لِلطَّرِيدَةِ مِنْ الْإِبِل وَالْغَنَم وَالْحُمْر : وَسِيقَة , قَالَ الشَّاعِر :
كَمَا قَافَ آثَار الْوَسِيقَة قَائِف
وَعَنْ اِبْن عَبَّاس : | وَمَا وَسَقَ | أَيْ وَمَا جَنَّ وَسَتَرَ . وَعَنْهُ أَيْضًا : وَمَا حَمَلَ , وَكُلّ شَيْء حَمَلْته فَقَدْ وَسَقْته , وَالْعَرَب تَقُول : لَا أَفْعَلهُ مَا وَسَقَتْ عَيْنَيَّ الْمَاء , أَيْ حَمَلَتْهُ . وَوَسَقَتْ النَّاقَة تَسِق وَسْقًا : أَيْ حَمَلَتْ وَأَغْلَقَتْ رَحِمهَا عَلَى الْمَاء , فَهِيَ نَاقَة وَاسِق , وَنُوق وِسَاق مِثْل نَائِم وَنِيَام , وَصَاحِب وَصِحَاب , قَالَ بِشْر بْن أَبِي خَازِم :
أَلَظَّ بِهِنَّ يَحْدُوهُنَّ حَتَّى .......... تَبَيَّنَتْ الْحِيَال مِنْ الْوِسَاق
وَمَوَاسِيق أَيْضًا . وَأَوْسَقْت الْبَعِير : حَمَّلْته حِمْله , وَأَوْسَقَتْ النَّخْلَة : كَثُرَ حَمْلهَا . وَقَالَ يَمَان وَالضَّحَّاك وَمُقَاتِل بْن سُلَيْمَان : حَمَلَ مِنْ الظُّلْمَة . قَالَ مُقَاتِل : أَوْ حَمَلَ مِنْ الْكَوَاكِب . الْقُشَيْرِيّ : وَمَعْنَى حَمَلَ : ضَمَّ وَجَمَعَ , وَاللَّيْل يُجَلِّل بِظُلْمَتِهِ كُلّ شَيْء فَإِذَا جَلَّلَهَا فَقَدْ وَسَقَهَا . وَيَكُون هَذَا الْقَسَم قَسَمًا بِجَمِيعِ الْمَخْلُوقَات , لِاشْتِمَالِ اللَّيْل عَلَيْهَا , كَقَوْلِهِ تَعَالَى : | فَلَا أُقْسِم بِمَا تُبْصِرُونَ وَمَا لَا تُبْصِرُونَ | [ الْحَاقَّة : 38 - 39 ] . وَقَالَ اِبْن جُبَيْر : | وَمَا وَسَقَ | أَيْ وَمَا عُمِلَ فِيهِ , يَعْنِي التَّهَجُّد وَالِاسْتِغْفَار بِالْأَسْحَارِ , قَالَ الشَّاعِر :
وَيَوْمًا تَرَانَا صَالِحِينَ وَتَارَة .......... تَقُوم بِنَا كَالْوَاسِقِ الْمُتَلَبِّب
أَيْ كَالْعَامِلِ .

أَيْ تَمَّ وَاجْتَمَعَ وَاسْتَوَى . قَالَ الْحَسَن : اتَّسَقَ : أَيْ امْتَلَأَ وَاجْتَمَعَ . اِبْن عَبَّاس : اِسْتَوَى . قَتَادَة : اِسْتَدَارَ . الْفَرَّاء : اِتِّسَاقه : اِمْتِلَاؤُهُ وَاسْتِوَاؤُهُ لَيَالِي الْبَدْر , وَهُوَ اِفْتِعَال مِنْ الْوَسْق الَّذِي هُوَ الْجَمْع , يُقَال : وَسَقْته فَاتَّسَقَ , كَمَا يُقَال : وَصَلْته فَاتَّصَلَ , وَيُقَال : أَمْر فُلَان مُتَّسِق : أَيْ مُجْتَمِع عَلَى الصَّلَاح مُنْتَظِم . وَيُقَال : اِتَّسَقَ الشَّيْء : إِذَا تَتَابَعَ :

قَرَأَ أَبُو عُمَر وَابْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس وَأَبُو الْعَالِيَة وَمَسْرُوق وَأَبُو وَائِل وَمُجَاهِد وَالنَّخَعِيّ وَابْن كَثِير وَحَمْزَة وَالْكِسَائِيّ | لَتَرْكَبَنَّ | بِفَتْحِ الْبَاء خِطَابًا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , أَيْ لَتَرْكَبَن يَا مُحَمَّد حَالًا بَعْد حَال , قَالَهُ اِبْن عَبَّاس . الشَّعْبِيّ : لَتَرْكَبَنَّ يَا مُحَمَّد سَمَاء بَعْد سَمَاء , وَدَرَجَة بَعْد دَرَجَة , وَرُتْبَة بَعْد رُتْبَة , فِي الْقُرْبَة مِنْ اللَّه تَعَالَى . اِبْن مَسْعُود : لَتَرْكَبَنَّ السَّمَاء حَالًا بَعْد حَال , يَعْنِي حَالَاتهَا الَّتِي وَصَفَهَا اللَّه تَعَالَى بِهَا مِنْ الِانْشِقَاق وَالطَّيِّ وَكَوْنهَا مَرَّة كَالْمُهْلِ وَمَرَّة كَالدِّهَانِ . وَعَنْ إِبْرَاهِيم عَنْ عَبْد الْأَعْلَى : | طَبَقًا عَنْ طَبَق | قَالَ : السَّمَاء تُقَلَّب حَالًا بَعْد حَال . قَالَ : تَكُون وَرْدَة كَالدِّهَانِ , وَتَكُون كَالْمُهْلِ ; وَقِيلَ : أَيْ لَتَرْكَبَنَّ أَيّهَا الْإِنْسَان حَالًا بَعْد حَال , مِنْ كَوْنِك نُطْفَة ثُمَّ عَلَقَة ثُمَّ مُضْغَة ثُمَّ حَيًّا وَمَيِّتًا وَغَنِيًّا وَفَقِيرًا . فَالْخِطَاب لِلْإِنْسَانِ الْمَذْكُور فِي قَوْله : | يَا أَيُّهَا الْإِنْسَان إِنَّك كَادِح | هُوَ اِسْم لِلْجِنْسِ , وَمَعْنَاهُ النَّاس . وَقَرَأَ الْبَاقُونَ | لَتَرْكَبُنَّ | بِضَمِّ الْبَاء , خِطَابًا لِلنَّاسِ , وَاخْتَارَهُ أَبُو عُبَيْد وَأَبُو حَاتِم , قَالَ : لِأَنَّ الْمَعْنَى بِالنَّاسِ أَشْبَه مِنْهُ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , لِمَا ذُكِرَ قَبْل هَذِهِ الْآيَة فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابه بِيَمِينِهِ وَمَنْ أُوتِيَ كِتَابه بِشِمَالِهِ . أَيْ لَتَرْكَبُنَّ حَالًا بَعْد حَال مِنْ شَدَائِد الْقِيَامَة , أَوْ لَتَرْكَبُنَّ سُنَّة مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ فِي التَّكْذِيب وَاخْتِلَاق عَلَى الْأَنْبِيَاء . قُلْت : وَكُلّه مُرَاد , وَقَدْ جَاءَتْ بِذَلِكَ أَحَادِيث , فَرَوَى أَبُو نُعَيْم الْحَافِظ عَنْ جَعْفَر بْن مُحَمَّد بْن عَلِيّ عَنْ جَابِر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ , قَالَ سَمِعْت رَسُول صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : ( إِنَّ اِبْن آدَم لَفِي غَفْلَة عَمَّا خَلَقَهُ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ ; إِنَّ اللَّه لَا إِلَه غَيْره إِذَا أَرَادَ خَلْقه قَالَ لِلْمَلَكِ اكْتُبْ رِزْقَهُ وَأَثَره وَأَجَله , وَاكْتُبْ شَقِيًّا أَوْ سَعِيدًا , ثُمَّ يَرْتَفِع ذَلِكَ الْمَلَك , وَيَبْعَث اللَّه مَلَكًا آخَر فَيُحَفِّظهُ حَتَّى يُدْرِك , ثُمَّ يَبْعَث اللَّه مَلَكَيْنِ يَكْتُبَانِ حَسَنَاته وَسَيِّئَاته , فَإِذَا جَاءَهُ الْمَوْت اِرْتَفَعَ ذَانِك الْمَلَكَانِ , ثُمَّ جَاءَهُ مَلَك الْمَوْت عَلَيْهِ السَّلَام فَيَقْبِض رُوحه , فَإِذَا أُدْخِلَ حُفْرَتَهُ رُدَّ الرُّوح فِي جَسَده , ثُمَّ يَرْتَفِع مَلَك الْمَوْت , ثُمَّ جَاءَهُ مَلَكَا الْقَبْر فَامْتَحَنَاهُ , ثُمَّ يَرْتَفِعَانِ , فَإِذَا قَامَتْ السَّاعَة اِنْحَطَّ عَلَيْهِ مَلَك الْحَسَنَات وَمَلَك السَّيِّئَات , فَأَنْشَطَا كِتَابًا مَعْقُودًا فِي عُنُقه , ثُمَّ حَضَرَا مَعَهُ , وَاحِد سَائِق وَالْآخَر شَهِيد ) ثُمَّ قَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ | لَقَدْ كُنْت فِي غَفْلَة مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْك غِطَاءَك , فَبَصَرُك الْيَوْم حَدِيدٌ | [ ق : 22 ] . قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : | لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَق | قَالَ : ( حَالًا بَعْد حَال ) ثُمَّ قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ قُدَّامَكُمْ أَمْرًا عَظِيمًا فَاسْتَعِينُوا بِاَللَّهِ الْعَظِيم ) فَقَدْ اِشْتَمَلَ هَذَا الْحَدِيث عَلَى أَحْوَال تَعْتَرِي الْإِنْسَان , مِنْ حِين يُخْلَق إِلَى حِين يُبْعَث , وَكُلّه شِدَّة بَعْد شِدَّة , حَيَاة ثُمَّ مَوْت , ثُمَّ بَعْث ثُمَّ جَزَاء , وَفِي كُلّ حَال مِنْ هَذِهِ شَدَائِد . وَقَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَتَرْكَبُنَّ سُنَن مَنْ قَبْلَكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ , وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ , حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْر ضَبٍّ لَدَخَلْتُمُوهُ ) قَالُوا : يَا رَسُول اللَّه , الْيَهُود وَالنَّصَارَى ؟ قَالَ : فَمَنْ ؟ خَرَّجَهُ الْبُخَارِيّ : وَأَمَّا أَقْوَال الْمُفَسِّرِينَ , فَقَالَ عِكْرِمَة : حَالًا بَعْد حَال , فَطِيمًا بَعْد رَضِيع , وَشَيْخًا بَعْد شَبَاب , قَالَ الشَّاعِر :
كَذَلِكَ الْمَرْء إِنْ يُنْسَأْ لَهُ أَجَل .......... يَرْكَبْ عَلَى طَبَقٍ مِنْ بَعْدِهِ طَبَق
وَعَنْ مَكْحُول : كُلّ عِشْرِينَ عَامًا تَجِدُونَ أَمْرًا لَمْ تَكُونُوا عَلَيْهِ : وَقَالَ الْحَسَن : أَمْرًا بَعْد أَمْرٍ , رَخَاء بَعْد شِدَّة , وَشِدَّة بَعْد رَخَاء , وَغِنًى بَعْد فَقْر , وَفَقْرًا بَعْد غِنًى , وَصِحَّة بَعْد سَقَم , وَسَقَمًا بَعْد صِحَّة : سَعِيد بْن جُبَيْر : مَنْزِلَة بَعْد مَنْزِلَة , قَوْم كَانُوا فِي الدُّنْيَا مُتَّضِعِينَ فَارْتَفَعُوا فِي الْآخِرَة , وَقَوْم كَانُوا فِي الدُّنْيَا مُرْتَفِعِينَ فَاتَّضَعُوا فِي الْآخِرَة : وَقِيلَ : مَنْزِلَة عَنْ مَنْزِلَة , وَطَبَقًا عَنْ طَبَق , وَذَلِكَ , أَنَّ مَنْ كَانَ عَلَى صَلَاح دَعَاهُ إِلَى صَلَاح فَوْقه , وَمَنْ كَانَ عَلَى فَسَاد دَعَاهُ إِلَى فَسَاد فَوْقه ; لِأَنَّ كُلّ شَيْء يَجْرِي إِلَى شَكْله : اِبْن زَيْد : وَلَتَصِيرُنَّ مِنْ طَبَق الدُّنْيَا إِلَى طَبَق الْآخِرَة : وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : الشَّدَائِد وَالْأَهْوَال : الْمَوْت , ثُمَّ الْبَعْث , ثُمَّ الْعَرْض , وَالْعَرَب تَقُول لِمَنْ وَقَعَ فِي أَمْر شَدِيد : وَقَعَ فِي بَنَات طَبَق , وَإِحْدَى بَنَات طَبَق , وَمِنْهُ قِيلَ لِلدَّاهِيَةِ الشَّدِيدَة : أُمّ طَبَق , وَإِحْدَى بَنَات طَبَق : وَأَصْلهَا مِنْ الْحَيَّات , إِذْ يُقَال : لِلْحَيَّةِ أُمّ طَبَق لِتَحْوِيهَا : وَالطَّبَق فِي اللُّغَة : الْحَال كَمَا وَصَفْنَا , قَالَ الْأَقْرَع بْن حَابِس التَّمِيمِيّ :
إِنِّي اِمْرُؤُ قَدْ حَلَبْت الدَّهْر أَشْطُرَهُ .......... وَسَاقَنِي طَبَق مِنْهُ إِلَى طَبَق
وَغَدًا أَدَلّ دَلِيل عَلَى حُدُوث الْعَالَم , وَإِثْبَات الصَّانِع , قَالَتْ الْحُكَمَاء : مَنْ كَانَ الْيَوْم عَلَى حَالَة , وَغَدًا عَلَى حَالَة أُخْرَى فَلْيَعْلَمْ أَنَّ تَدْبِيره إِلَى سِوَاهُ : وَقِيلَ لِأَبِي بَكْر الْوَرَّاق : مَا الدَّلِيل عَلَى أَنَّ لِهَذَا الْعَالَم صَانِعًا ؟ فَقَالَ : تَحْوِيل الْحَالَات , وَعَجْز الْقُوَّة , وَضَعْف الْأَرْكَان , وَقَهْر النِّيَّة : وَنَسْخ الْعَزِيمَة : وَيُقَال : أَتَانَا طَبَق مِنْ النَّاس وَطَبَق مِنْ الْجَرَاد : أَيْ جَمَاعَة : وَقَوْل الْعَبَّاس فِي مَدْح النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
تَنْقُل مِنْ صَالِبٍ إِلَى رَحِم .......... إِذَا مَضَى عَالَم بَدَا طَبَق
أَيْ قَرْن مِنْ النَّاس . يَكُون طِبَاق الْأَرْض أَيْ مِلْأَهَا . وَالطَّبَق أَيْضًا : عَظْم رَقِيق يَفْصِل بَيْن الْفَقَارَيْنِ وَيُقَال : مَضَى طَبَق مِنْ اللَّيْل , وَطَبَق مِنْ النَّهَار : أَيْ مُعْظَم مِنْهُ . وَالطَّبَق : وَاحِد الْأَطْبَاق , فَهُوَ مُشْتَرَك . وَقُرِئَ | لَتَرْكَبِنَّ | بِكَسْرِ الْبَاء , عَلَى خِطَاب النَّفْس وَ | لَيَرْكَبَنَّ | بِالْيَاءِ عَلَى لَيَرْكَبَنَّ الْإِنْسَان . وَ | عَنْ طَبَق | فِي مَحَلّ نَصْب عَلَى أَنَّهُ صِفَة لِـ | طَبَقًا | أَيْ طَبَقًا مُجَاوِزًا لِطَبَقٍ . أَوْ حَال مِنْ الضَّمِير فِي | لَتَرْكَبُنَّ | أَيْ لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا مُجَاوِزِينَ لِطَبَقٍ , أَوْ مُجَاوِزًا أَوْ مُجَاوَزَة عَلَى حَسَب الْقِرَاءَة .

يَعْنِي أَيّ شَيْء يَمْنَعهُمْ مِنْ الْإِيمَان بَعْدَمَا وَضَحَتْ لَهُمْ الْآيَات وَقَامَتْ الدَّلَالَات . وَهَذَا اِسْتِفْهَام إِنْكَار . وَقِيلَ : تَعَجُّب أَيْ اِعْجَبُوا مِنْهُمْ فِي تَرْك الْإِيمَان مَعَ هَذِهِ الْآيَات .

أَيْ لَا يُصَلُّونَ . وَفِي الصَّحِيح : أَنَّ أَبَا هُرَيْرَة قَرَأَ | إِذَا السَّمَاء انْشَقَّتْ | فَسَجَدَ فِيهَا , فَلَمَّا انْصَرَفَ أَخْبَرَهُمْ أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَجَدَ فِيهَا . وَقَدْ قَالَ مَالِك : إِنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ عَزَائِم السُّجُود ; لِأَنَّ [ الْمَعْنَى ] لَا يُذْعِنُونَ وَلَا يُطِيعُونَ فِي الْعَمَل بِوَاجِبَاتِهِ . اِبْن الْعَرَبِيّ : وَالصَّحِيح أَنَّهَا مِنْهُ , وَهِيَ رِوَايَة الْمَدَنِيِّينَ عَنْهُ , وَقَدْ اعْتَضَدَ فِيهَا الْقُرْآن وَالسُّنَّة . قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : لَمَّا أَمَمْت بِالنَّاسِ تَرَكْت قِرَاءَتهَا ; لِأَنِّي إِنْ سَجَدْت أَنْكَرُوهُ , وَإِنْ تَرَكْتهَا كَانَ تَقْصِيرًا مِنِّي , فَاجْتَنَبْتهَا إِلَّا إِذَا صَلَّيْت وَحْدِي . وَهَذَا تَحْقِيق وَعْد الصَّادِق بِأَنْ يَكُون الْمَعْرُوف مُنْكَرًا , وَالْمُنْكَر مَعْرُوفًا ; وَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَائِشَة : ( لَوْلَا حِدْثَان قَوْمك بِالْكُفْرِ لَهَدَمْت الْبَيْت , وَلَرَدَدْته عَلَى قَوَاعِد إِبْرَاهِيم ) . وَلَقَدْ كَانَ شَيْخُنَا أَبُو بَكْر الْفِهْرِيّ يَرْفَع يَدَيْهِ عِنْد الرُّكُوع , وَعِنْد الرَّفْع مِنْهُ , وَهُوَ مَذْهَب مَالِك وَالشَّافِعِيّ وَيَفْعَلهُ الشِّيعَة , فَحَضَرَ عِنْدِي يَوْمًا فِي مَحْرَس اِبْن الشَّوَّاء بِالثَّغْرِ - مَوْضِع تَدْرِيسِي - عِنْد صَلَاة الظُّهْر , وَدَخَلَ الْمَسْجِد مِنْ الْمَحْرَس الْمَذْكُور , فَتَقَدَّمَ إِلَى الصَّفّ وَأَنَا فِي مُؤَخَّره قَاعِدًا عَلَى طَاقَات الْبَحْر , أَتَنَسَّم الرِّيح مِنْ شِدَّة الْحَرّ , وَمَعِي فِي صَفّ وَاحِد أَبُو ثمنة رَئِيس الْبَحْر وَقَائِده , مَعَ نَفَر مِنْ أَصْحَابه يَنْتَظِر الصَّلَاة , وَيَتَطَلَّع عَلَى مَرَاكِب تَخْت الْمِينَاء , فَلَمَّا رَفَعَ الشَّيْخ يَدَيْهِ فِي الرُّكُوع وَفِي رَفْع الرَّأْس مِنْهُ قَالَ أَبُو ثمنة وَأَصْحَابه : أَلَا تَرَوْنَ إِلَى هَذَا الْمَشْرِقِيّ كَيْف دَخَلَ مَسْجِدنَا ؟ فَقُومُوا إِلَيْهِ فَاقْتُلُوهُ وَارْمُوا بِهِ إِلَى الْبَحْر , فَلَا يَرَاكُمْ أَحَد . فَطَارَ قَلْبِي مِنْ بَيْن جَوَانِحِي وَقُلْت : سُبْحَان اللَّه هَذَا الطُّرْطُوشِيّ فَقِيهِ الْوَقْت . فَقَالُوا لِي : وَلِمَ يَرْفَع يَدَيْهِ ؟ فَقُلْت : كَذَلِكَ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْعَل , وَهَذَا مَذْهَب مَالِك , فِي رِوَايَة أَهْل الْمَدِينَة عَنْهُ . وَجَعَلْت أُسْكِنُهُمْ وَأُسْكِتُهُمْ حَتَّى فَرَغَ مِنْ صَلَاته , وَقُمْت مَعَهُ إِلَى الْمَسْكَن مِنْ الْمَحْرَس , وَرَأَى تَغَيُّرَ وَجْهِي , فَأَنْكَرَهُ , وَسَأَلَنِي فَأَعْلَمْته , فَضَحِكَ وَقَالَ : وَمِنْ أَيْنَ لِي أَنْ أُقْتَل عَلَى سُنَّة ؟ فَقُلْت لَهُ : وَلَا يَحِلّ لَك هَذَا , فَإِنَّك بَيْن قَوْم إِنْ قُمْت بِهَا قَامُوا عَلَيْك وَرُبَّمَا ذَهَبَ دَمُك . فَقَالَ : دَعْ هَذَا الْكَلَام , وَخُذْ فِي غَيْره .

مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا جَاءَ بِهِ . وَقَالَ مُقَاتِل : نَزَلْت فِي بَنِي عَمْرو بْن عُمَيْر وَكَانُوا أَرْبَعَة , فَأَسْلَمَ آثْنَانِ مِنْهُمْ . وَقِيلَ : هِيَ فِي جَمِيع الْكُفَّار .

أَيْ بِمَا يُضْمِرُونَهُ فِي أَنْفُسِهِمْ مِنْ التَّكْذِيب . كَذَا رَوَى الضَّحَّاك عَنْ اِبْن عَبَّاس . وَقَالَ مُجَاهِد : يَكْتُمُونَ مِنْ أَفْعَالِهِمْ . اِبْن زَيْد : يَجْمَعُونَ مِنْ الْأَعْمَال الصَّالِحَة وَالسَّيِّئَة ; مَأْخُوذ مِنْ الْوِعَاء الَّذِي يُجْمَع مَا فِيهِ ; يُقَال : أَوَعَيْت الزَّاد وَالْمَتَاع : إِذَا جَعَلْته فِي الْوِعَاء ; قَالَ الشَّاعِر :
الْخَيْر أَبْقَى وَإِنْ طَالَ الزَّمَان بِهِ .......... وَالشَّرّ أَخْبَث مَا أَوَعَيْت مِنْ زَاد
وَوَعَاهُ أَيْ حَفِظَهُ ; تَقُول : وَعَيْت الْحَدِيث أَعِيه وَعْيًا , وَأُذُن وَاعِيَة . وَقَدْ تَقَدَّمَ .

أَيْ مُوجِع فِي جَهَنَّم عَلَى تَكْذِيبهمْ . أَيْ أَجْعَل ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْبِشَارَة .