islamkingdomfaceBook islamkingdomtwitter islamkingdominstagram islamkingdomyoutube


فَأَرْشَدَهُمْ إِلَى نِسَائِهِمْ وَمَا خَلَقَ لَهُمْ رَبّهمْ مِنْهُمْ مِنْ الْفُرُوج الْمُبَاحَة وَقَدْ تَقَدَّمَ إِيضَاح الْقَوْل فِي ذَلِكَ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَته هَذَا كُلّه وَهُمْ غَافِلُونَ عَمَّا يُرَاد بِهِمْ وَمَا قَدْ أَحَاطَ بِهِمْ مِنْ الْبَلَاء وَمَا يُصْبِحُونَ مِنْ الْعَذَاب الْمُنْتَظَر وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَعَمْرك إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتهمْ يَعْمَهُونَ ) أَقْسَمَ تَعَالَى بِحَيَاةِ نَبِيّه صَلَوَات اللَّه وَسَلَامه عَلَيْهِ وَفِي هَذَا تَشْرِيف عَظِيم وَمَقَام رَفِيع وَجَاه عَرِيض قَالَ عَمْرو بْن مَالِك الْبَكْرِيّ عَنْ أَبِي الْجَوْزَاء عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّهُ قَالَ : مَا خَلَقَ اللَّه وَمَا ذَرَأَ وَمَا بَرَأَ نَفْسًا أَكْرَمَ عَلَيْهِ مِنْ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا سَمِعْت اللَّه أَقْسَمَ بِحَيَاةِ أَحَد غَيْره .

قَالَ اللَّه تَعَالَى| لَعَمْرك إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتهمْ يَعْمَهُونَ | يَقُول وَحَيَاتك وَعُمْرك وَبَقَائِك فِي الدُّنْيَا | إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتهمْ يَعْمَهُونَ| . رَوَاهُ اِبْن جَرِير وَقَالَ قَتَادَة فِي سَكْرَتهمْ أَيْ فِي ضَلَالَتهمْ | يَعْمَهُونَ | أَيْ يَلْعَبُونَ وَقَالَ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ اِبْن عَبَّاس | لَعَمْرك | لَعَيْشك | إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتهمْ يَعْمَهُونَ | قَالَ يَتَرَدَّدُونَ .

يَقُول تَعَالَى : { فَأَخَذَتْهُمْ الصَّيْحَة } وَهِيَ مَا جَاءَهُمْ بِهِ مِنْ الصَّوْت الْقَاصِف عِنْد شُرُوق الشَّمْس وَهُوَ طُلُوعهَا وَذَلِكَ مَعَ رَفْع بِلَادهمْ إِلَى عَنَان السَّمَاء .

ثُمَّ قَلَبَهَا وَجَعَلَ عَالِيَهَا سَافِلهَا وَأَرْسَلَ حِجَارَة السِّجِّيل عَلَيْهِمْ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَام عَلَى السِّجِّيل فِي هُود بِمَا فِيهِ كِفَايَة .

وَقَوْله | إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ | أَيْ أَنَّ آثَار هَذِهِ النِّقَم الظَّاهِرَة عَلَى تِلْكَ الْبِلَاد لِمَنْ تَأَمَّلَ ذَلِكَ وَتَوَسَّمَهُ بِعَيْنِ بَصَره وَبَصِيرَته كَمَا قَالَ مُجَاهِد فِي قَوْله | لِلْمُتَوَسِّمِينَ| قَالَ الْمُتَفَرِّسِينَ وَعَنْ اِبْن عَبَّاس وَالضَّحَّاك لِلنَّاظِرِينَ وَقَالَ قَتَادَة لِلْمُعْتَبِرِينَ وَقَالَ مَالِك عَنْ بَعْض أَهْل الْمَدِينَة | لِلْمُتَوَسِّمِينَ | لِلْمُتَأَمِّلِينَ . وَقَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن عَرَفَة حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن كَثِير الْعَبْدِيّ عَنْ عَمْرو بْن قَيْس عَنْ عَطِيَّة عَنْ أَبِي سَعِيد مَرْفُوعًا قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( اِتَّقُوا فَرَاسَة الْمُؤْمِن فَإِنَّهُ يَنْظُر بِنُورِ اللَّه ) ثُمَّ قَرَأَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ ) . رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَابْن جَرِير مِنْ حَدِيث عَمْرو بْن قَيْس الْمُلَائِيّ عَنْ عَطِيَّة عَنْ أَبِي سَعِيد وَقَالَ التِّرْمِذِيّ لَا نَعْرِفهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْه , وَقَالَ اِبْن جَرِير أَيْضًا حَدَّثَنِي أَحْمَد بْن مُحَمَّد الطُّوسِيّ حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن مُحَمَّد حَدَّثَنَا الْفُرَات بْن السَّائِب حَدَّثَنَا مَيْمُون بْن مِهْرَان عَنْ اِبْن عُمَر قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( اِتَّقُوا فِرَاسَة الْمُؤْمِن فَإِنَّ الْمُؤْمِن يَنْظُر بِنُورِ اللَّه ) . وَقَالَ اِبْن جَرِير حَدَّثَنِي أَبُو شُرَحْبِيل الْحِمْصِيّ حَدَّثَنَا سُلَيْمَان بْن سَلَمَة حَدَّثَنَا الْمُؤَمِّل بْن سَعِيد بْن يُوسُف الرَّحَبِيّ حَدَّثَنَا أَبُو الْمُعَلَّى أَسَد بْن وَدَاعَة الطَّائِيّ حَدَّثَنَا وَهْب بْن مُنَبِّه عَنْ طَاوُس بْن كَيْسَان عَنْ ثَوْبَان قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( اِحْذَرُوا فِرَاسَة الْمُؤْمِن فَإِنَّهُ يَنْظُر بِنُورِ اللَّه وَبِتَوْفِيقِ اللَّه ) . وَقَالَ أَيْضًا حَدَّثَنَا عَبْد الْأَعْلَى بْن وَاصِل حَدَّثَنَا سَعِيد بْن مُحَمَّد الْجَرْمِيّ حَدَّثَنَا عَبْد الْوَاحِد بْن وَاصِل حَدَّثَنَا أَبُو بِشْر الْمُزَلَّق عَنْ ثَابِت عَنْ أَنَس بْن مَالِك قَالَ : قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ| إِنَّ لِلَّهِ عِبَادًا يَعْرِفُونَ النَّاس بِالتَّوَسُّمِ | . وَرَوَاهُ الْحَافِظ أَبُو بَكْر الْبَزَّار حَدَّثَنَا سَهْل بْن بَحْر حَدَّثَنَا سَعِيد بْن مُحَمَّد الْجَرْمِيّ حَدَّثَنَا أَبُو بِشْر يُقَال لَهُ اِبْن الْمُزَلَّق قَالَ وَكَانَ ثِقَة عَنْ ثَابِت عَنْ أَنَس قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه | إِنَّ لِلَّهِ عِبَادًا يَعْرِفُونَ النَّاس بِالتَّوَسُّمِ | .

وَقَوْله | وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيم | أَيْ وَإِنَّ قَرْيَة سَدُوم الَّتِي أَصَابَهَا مَا أَصَابَهَا مِنْ الْقَلْب الصُّورِيّ وَالْمَعْنَوِيّ وَالْقَذْف بِالْحِجَارَةِ حَتَّى صَارَتْ بُحَيْرَة مُنْتِنَة خَبِيثَة بِطَرِيقِ مَهِيع مَسَالِكه مُسْتَمِرَّة إِلَى الْيَوْم كَقَوْلِهِ | وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ وَإِنَّ يُونُس لَمِنْ الْمُرْسَلِينَ | وَقَالَ مُجَاهِد وَالضَّحَّاك | وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيم | قَالَ مُعَلِّم وَقَالَ قَتَادَة بِطَرِيقٍ وَاضِح وَقَالَ قَتَادَة أَيْضًا بِصُقْعٍ مِنْ الْأَرْض وَاحِد وَقَالَ السُّدِّيّ بِكِتَابٍ مُبِين يَعْنِي كَقَوْلِهِ | وَكُلّ شَيْء أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَام مُبِين | وَلَكِنْ لَيْسَ الْمَعْنَى عَلَى مَا قَالَ هَهُنَا وَاَللَّه أَعْلَم .

وَقَوْله | إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَة لِلْمُؤْمِنِينَ | أَيْ إِنَّ الَّذِي صَنَعْنَا بِقَوْمِ لُوط مِنْ الْهَلَاك وَالدَّمَار وَإِنْجَاءَنَا لُوطًا وَأَهْله لَدَلَالَة وَاضِحَة جَلِيَّة لِلْمُؤْمِنِينَ بِاَللَّهِ وَرُسُله .

أَصْحَاب الْأَيْكَة هُمْ قَوْم شُعَيْب قَالَ الضَّحَّاك وَقَتَادَة وَغَيْرهمَا الْأَيْكَة الشَّجَر الْمُلْتَفّ وَكَانَ ظُلْمهمْ بِشِرْكِهِمْ بِاَللَّهِ وَقَطْعهمْ الطَّرِيق وَنَقْصهمْ الْمِكْيَال وَالْمِيزَان .

فَانْتَقَمَ اللَّه مِنْهُمْ بِالصَّيْحَةِ وَالرَّجْفَة وَعَذَاب يَوْم الظُّلَّة وَقَدْ كَانُوا قَرِيبًا مِنْ قَوْم لُوط بَعْدهمْ فِي الزَّمَان وَمُسَامِتِينَ لَهُمْ فِي الْمَكَان وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى : { وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِين } أَيْ طَرِيق مُبِين قَالَ اِبْن عَبَّاس وَمُجَاهِد وَالضَّحَّاك وَغَيْره طَرِيق ظَاهِر وَلِهَذَا لَمَّا أَنْذَرَ شُعَيْب قَوْمه قَالَ فِي نِذَارَته إِيَّاهُمْ | وَمَا قَوْم لُوط مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ | .

أَصْحَاب الْحِجْر هُمْ ثَمُود الَّذِينَ كَذَّبُوا صَالِحًا نَبِيّهمْ عَلَيْهِ السَّلَام وَمَنْ كَذَّبَ بِرَسُولٍ فَقَدْ كَذَّبَ بِجَمِيعِ الْمُرْسَلِينَ وَلِهَذَا أُطْلِقَ عَلَيْهِ تَكْذِيب الْمُرْسَلِينَ .

وَذَكَرَ تَعَالَى أَنَّهُ آتَاهُمْ مِنْ الْآيَات مَا يَدُلّهُمْ عَلَى صِدْق مَا جَاءَهُمْ بِهِ صَالِح كَالنَّاقَةِ الَّتِي أَخْرَجَهَا اللَّه لَهُمْ بِدُعَاءِ صَالِح مِنْ صَخْرَة صَمَّاء وَكَانَتْ تُسْرَج فِي بِلَادهمْ لَهَا شِرْب وَلَهُمْ شِرْب يَوْم مَعْلُوم فَلَمَّا عَتَوْا وَعَقَرُوهَا قَالَ لَهُمْ | تَمَتَّعُوا فِي دَاركُمْ ثَلَاثَة أَيَّام ذَلِكَ وَعْد غَيْر مَكْذُوب | وَقَالَ تَعَالَى : { وَأَمَّا ثَمُود فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى } .

وَذَكَرَ تَعَالَى أَنَّهُمْ | كَانُوا يَنْحِتُونَ مِنْ الْجِبَال بُيُوتًا آمِنِينَ| أَيْ مِنْ غَيْر خَوْف وَلَا اِحْتِيَاج إِلَيْهَا بَلْ أَشَرًا وَبَطَرًا وَعَبَثًا كَمَا هُوَ الْمُشَاهَد مِنْ صَنِيعهمْ فِي بُيُوتهمْ بِوَادِي الْحِجْر الَّذِي مَرَّ بِهِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ ذَاهِب إِلَى تَبُوك فَقَنَعَ رَأْسه وَأَسْرَعَ دَابَّته وَقَالَ لِأَصْحَابِهِ | لَا تَدْخُلُوا بُيُوت الْقَوْم الْمُعَذَّبِينَ إِلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ فَإِنْ لَمْ تَبْكُوا فَتَبَاكَوْا خَشْيَة أَنْ يُصِيبكُمْ مَا أَصَابَهُمْ | .

وَقَوْله | فَأَخَذَتْهُمْ الصَّيْحَة مُصْبِحِينَ | أَيْ وَقْت الصَّبَاح مِنْ الْيَوْم الرَّابِع .

فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ | أَيْ مَا كَانُوا يَسْتَغِلُّونَهُ مِنْ زُرُوعهمْ وَثِمَارهمْ الَّتِي ضَنُّوا بِمَائِهَا عَنْ النَّاقَة حَتَّى عَقَرُوهَا لِئَلَّا تَضِيق عَلَيْهِمْ فِي الْمِيَاه فَمَا دَفَعَتْ عَنْهُمْ تِلْكَ الْأَمْوَال وَلَا نَفَعَتْهُمْ لَمَّا جَاءَ أَمْر رَبّك .

يَقُول تَعَالَى| وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَات وَالْأَرْض وَمَا بَيْنهمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَة لَآتِيَة | أَيْ بِالْعَدْلِ { لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا } الْآيَة وَقَالَ تَعَالَى : { وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالْأَرْض وَمَا بَيْنهمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْل لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ النَّار وَقَالَ تَعَالَى أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ فَتَعَالَى اللَّه الْمَلِك الْحَقّ لَا إِلَه إِلَّا هُوَ رَبّ الْعَرْش الْكَرِيم } ثُمَّ أَخْبَرَ نَبِيّه بِقِيَامِ السَّاعَة وَأَنَّهَا كَائِنَة لَا مَحَالَة ثُمَّ أَمَرَهُ بِالصَّفْحِ الْجَمِيل عَنْ الْمُشْرِكِينَ فِي أَذَاهُمْ لَهُ وَتَكْذِيبهمْ مَا جَاءَهُمْ بِهِ كَقَوْلِهِ | فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَام فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ| وَقَالَ مُجَاهِد وَقَتَادَة وَغَيْرهمَا كَانَ هَذَا قَبْل الْقِتَال وَهُوَ كَمَا قَالَا فَإِنَّ هَذِهِ مَكِّيَّة وَالْقِتَال إِنَّمَا شُرِعَ بَعْد الْهِجْرَة .

وَقَوْله | إِنَّ رَبّك هُوَ الْخَلَّاق الْعَلِيم | تَقْرِير لِلْمَعَادِ وَأَنَّهُ تَعَالَى قَادِر عَلَى إِقَامَة السَّاعَة إِنَّهُ الْخَلَّاق الَّذِي لَا يُعْجِزهُ خَلْق شَيْء , الْعَلِيم بِمَا تَمَزَّقَ مِنْ الْأَجْسَاد وَتَفَرَّقَ فِي سَائِر أَقْطَار الْأَرْض كَقَوْلِهِ | أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَات وَالْأَرْض بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُق مِثْلهمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاق الْعَلِيم إِنَّمَا أَمْره إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُول لَهُ كُنْ فَيَكُون فَسُبْحَان الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوت كُلّ شَيْء وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ | .

يَقُول تَعَالَى لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا آتَيْنَاك الْقُرْآن الْعَظِيم فَلَا تَنْظُرَنَّ إِلَى الدُّنْيَا وَزِينَتهَا وَمَا مَتَّعْنَا بِهِ أَهْلهَا مِنْ الزَّهْرَة الْفَانِيَة لِنَفْتِنهُمْ فِيهِ فَلَا تَغْبِطهُمْ بِمَا هُمْ فِيهِ وَلَا تَذْهَب نَفْسك عَلَيْهِمْ حَسَرَات حُزْنًا عَلَيْهِمْ فِي تَكْذِيبهمْ لَك وَمُخَالَفَتهمْ دِينك , وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي السَّبْع الْمَثَانِي مَا هِيَ فَقَالَ اِبْن مَسْعُود وَابْن عُمَر وَابْن عَبَّاس وَمُجَاهِد وَسَعِيد بْن جُبَيْر وَالضَّحَّاك وَغَيْرهمْ : هِيَ السَّبْع الطِّوَال يَعْنُونَ الْبَقَرَة وَآل عِمْرَان وَالنِّسَاء وَالْمَائِدَة وَالْأَنْعَام وَالْأَعْرَاف وَيُونُس نَصَّ عَلَيْهِ اِبْن عَبَّاس وَسَعِيد بْن جُبَيْر وَقَالَ سَعِيد بَيَّنَ فِيهِنَّ الْفَرَائِض وَالْحُدُود وَالْقَصَص وَالْأَحْكَام وَقَالَ اِبْن عَبَّاس بَيَّنَ الْأَمْثَال وَالْخَبَر وَالْعِبَر وَقَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم : حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا اِبْن أَبِي عُمَر قَالَ : قَالَ سُفْيَان : الْمَثَانِي الْبَقَرَة وَآل عِمْرَان وَالنِّسَاء وَالْمَائِدَة وَالْأَنْعَام وَالْأَعْرَاف وَالْأَنْفَال وَبَرَاءَة سُورَة وَاحِدَة قَالَ اِبْن عَبَّاس : وَلَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَد إِلَّا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأُعْطِيَ مُوسَى مِنْهُنَّ ثِنْتَيْنِ رَوَاهُ هُشَيْم عَنْ الْحَجَّاج عَنْ الْوَلِيد بْن الْعِيذَار عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْهُ . وَقَالَ الْأَعْمَش عَنْ مُسْلِم الْبُطَيْن عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : أُوتِيَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَبْعًا مِنْ الْمَثَانِي الطِّوَل وَأُوتِيَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام سِتًّا فَلَمَّا أَلْقَى الْأَلْوَاح اِرْتَفَعَ اِثْنَتَانِ وَبَقِيَتْ أَرْبَع . وَقَالَ مُجَاهِد : هِيَ السَّبْع الطِّوَال وَيُقَال هِيَ الْقُرْآن الْعَظِيم . وَقَالَ خُصَيْف عَنْ زِيَاد بْن أَبِي مَرْيَم فِي قَوْله تَعَالَى : { سَبْعًا مِنْ الْمَثَانِي} قَالَ أَعْطَيْتُك سَبْعَة أَجْزَاء مُرْ وَانْهَ وَبَشِّرْ وَأَنْذِرْ وَاضْرِبْ الْأَمْثَال وَاعْدُدْ النِّعَم وَأُنَبِّئك بِنَبَإِ الْقُرْآن . رَوَاهُ اِبْن جَرِير وَابْن أَبِي حَاتِم | وَالْقَوْل الثَّانِي| أَنَّهَا الْفَاتِحَة وَهِيَ سَبْع آيَات . وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيّ وَعُمَر وَابْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس قَالَ اِبْن عَبَّاس : وَالْبَسْمَلَة هِيَ الْآيَة السَّابِعَة وَقَدْ خَصَّكُمْ اللَّه بِهَا . وَبِهِ قَالَ إِبْرَاهِيم النَّخَعِيّ وَعَبْد اللَّه بْن عُبَيْد بْن عُمَيْر وَابْن أَبِي مُلَيْكَة وَشَهْر بْن حَوْشَب وَالْحَسَن الْبَصْرِيّ وَمُجَاهِد . وَقَالَ قَتَادَة : ذُكِرَ لَنَا أَنَّهُنَّ فَاتِحَة الْكِتَاب وَأَنَّهُنَّ يُثَنَّيْنَ فِي كُلّ رَكْعَة مَكْتُوبَة أَوْ تَطَوُّع وَاخْتَارَهُ اِبْن جَرِير وَاحْتَجَّ بِالْأَحَادِيثِ الْوَارِدَة فِي ذَلِكَ وَقَدْ قَدَّمْنَاهَا فِي فَضَائِل سُورَة الْفَاتِحَة فِي أَوَّل التَّفْسِير وَلِلَّهِ الْحَمْد . وَقَدْ أَوْرَدَ الْبُخَارِيّ رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى هَهُنَا حَدِيثَيْنِ أَحَدهمَا قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار حَدَّثَنَا غُنْدَر حَدَّثَنَا شُعْبَة عَنْ حَبِيب بْن عَبْد الرَّحْمَن عَنْ حَفْص بْن عَاصِم عَنْ أَبِي سَعِيد بْن الْمُعَلَّى قَالَ : مَرَّ بِي النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا أُصَلِّي فَدَعَانِي فَلَمْ آتِهِ حَتَّى صَلَّيْت فَأَتَيْته فَقَالَ| مَا مَنَعَك أَنْ تَأْتِينِي ؟ | فَقُلْت كُنْت أُصَلِّي فَقَالَ : < أَلَمْ يَقُلْ اللَّه > يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ | أَلَا أُعَلِّمك أَعْظَم سُورَة فِي الْقُرْآن قَبْل أَنْ أَخْرُج مِنْ الْمَسْجِد | فَذَهَبَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيَخْرُج فَذَكَرْت فَقَالَ : < الْحَمْد لِلَّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ > هِيَ السَّبْع الْمَثَانِي وَالْقُرْآن الْعَظِيم الَّذِي أُوتِيته | | الثَّانِي | قَالَ : حَدَّثَنَا آدَم حَدَّثَنَا اِبْن أَبِي ذِئْب حَدَّثَنَا الْمَقْبُرِيّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أُمّ الْقُرْآن هِيَ السَّبْع الْمَثَانِي وَالْقُرْآن الْعَظِيم) فَهَذَا نَصّ فِي أَنَّ الْفَاتِحَة السَّبْع الْمَثَانِي وَالْقُرْآن الْعَظِيم وَلَكِنْ لَا يُنَافِي وَصْف غَيْرهَا مِنْ السَّبْع الطِّوَل بِذَلِكَ لِمَا فِيهَا مِنْ هَذِهِ الصِّفَة كَمَا لَا يُنَافِي وَصْف الْقُرْآن بِكَمَالِهِ بِذَلِكَ أَيْضًا كَمَا قَالَ تَعَالَى : { اللَّه نَزَّلَ أَحْسَن الْحَدِيث كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِي } فَهُوَ مَثَانِي مِنْ وَجْه وَمُتَشَابِه مِنْ وَجْه وَهُوَ الْقُرْآن الْعَظِيم أَيْضًا كَمَا أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام لَمَّا سُئِلَ عَنْ الْمَسْجِد الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى فَأَشَارَ إِلَى مَسْجِده وَالْآيَة نَزَلَتْ فِي مَسْجِد قُبَاء فَلَا تَنَافِي فَإِنَّ ذِكْر الشَّيْء لَا يَنْفِي ذِكْر مَا عَدَاهُ إِذَا اِشْتَرَكَا فِي تِلْكَ الصِّفَة وَاَللَّه أَعْلَم .

وَقَوْله| لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْك إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ| أَيْ اِسْتَغْنِ بِمَا آتَاك اللَّه مِنْ الْقُرْآن الْعَظِيم عَمَّا هُمْ فِيهِ مِنْ الْمَتَاع وَالزَّهْرَة الْفَانِيَة وَمِنْ هَهُنَا ذَهَبَ اِبْن عُيَيْنَة إِلَى تَفْسِير الْحَدِيث الصَّحِيح | لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ | إِلَى أَنَّهُ يُسْتَغْنَى بِهِ عَمَّا عَدَاهُ وَهُوَ تَفْسِير صَحِيح وَلَكِنْ لَيْسَ هُوَ الْمَقْصُود مِنْ الْحَدِيث كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَوَّل التَّفْسِير . وَقَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم : ذُكِرَ عَنْ وَكِيع بْن الْجَرَّاح حَدَّثَنَا مُوسَى بْن عُبَيْدَة عَنْ يَزِيد بْن عَبْد اللَّه بْن قُسَيْطٍ عَنْ أَبِي رَافِع صَاحِب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ضَافَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَيْفًا وَلَمْ يَكُنْ عِنْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْء يَصْلُحهُ فَأَرْسَلَ إِلَى رَجُل مِنْ الْيَهُود | يَقُول لَك مُحَمَّد رَسُول اللَّه أَسْلِفْنِي دَقِيقًا إِلَى هِلَال رَجَب | قَالَ لَا إِلَّا بِرَهْنٍ فَأَتَيْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى آله وَسَلَّمَ فَأَخْبَرْته فَقَالَ : < أَمَا وَاَللَّه إِنِّي لَأَمِين مَنْ فِي السَّمَاء وَأَمِين مَنْ فِي الْأَرْض وَلَئِنْ أَسْلَفَنِي أَوْ بَاعَنِي لَأُؤَدِّيَن إِلَيْهِ > فَلَمَّا خَرَجْت مِنْ عِنْده نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة | لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْك إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَة الْحَيَاة الدُّنْيَا | إِلَى آخِر الْآيَة كَأَنَّهُ يُعَزِّيه عَنْ الدُّنْيَا . قَالَ الْعَوْفِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس | لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْك | قَالَ نُهِيَ الرَّجُل أَنْ يَتَمَنَّى مَا لِصَاحِبِهِ . وَقَالَ مُجَاهِد | إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ| هُمْ الْأَغْنِيَاء . وَاخْفِضْ جَنَاحك لِلْمُؤْمِنِينَ أَيْ أَلِنْ لَهُمْ جَانِبك كَقَوْلِهِ | لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُول مِنْ أَنْفُسكُمْ عَزِيز عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيص عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوف رَحِيم | .

يَأْمُر تَعَالَى نَبِيّه أَنْ يَقُول لِلنَّاسِ | إِنِّي أَنَا النَّذِير الْمُبِين | الْبَيِّن النِّذَارَة نَذِير لِلنَّاسِ مِنْ عَذَاب أَلِيم أَنْ يَحِلّ بِهِمْ عَلَى تَكْذِيبه كَمَا حَلَّ بِمَنْ تَقَدَّمَهُمْ مِنْ الْأُمَم الْمُكَذِّبَة لِرُسُلِهَا وَمَا أَنْزَلَ اللَّه عَلَيْهِمْ مِنْ الْعَذَاب وَالِانْتِقَام .

وَقَوْله | الْمُقْتَسِمِينَ| أَيْ الْمُتَحَالِفِينَ أَيْ تَحَالَفُوا عَلَى مُخَالَفَة الْأَنْبِيَاء وَتَكْذِيبهمْ وَأَذَاهُمْ كَقَوْلِهِ تَعَالَى إِخْبَارًا عَنْ قَوْم صَالِح أَنَّهُمْ { قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاَللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْله } الْآيَة أَيْ نَقْتُلهُمْ لَيْلًا . قَالَ مُجَاهِد : تَقَاسَمُوا وَتَحَالَفُوا | وَأَقْسَمُوا بِاَللَّهِ جَهْد أَيْمَانهمْ لَا يَبْعَث اللَّه مَنْ يَمُوت | { أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْل} الْآيَة | أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالهُمْ اللَّه بِرَحْمَةٍ | فَكَأَنَّهُمْ كَانُوا لَا يُكَذَّبُونَ بِشَيْءٍ مِنْ الدُّنْيَا إِلَّا أَقْسَمُوا عَلَيْهِ فَسُمُّوا مُقْتَسِمِينَ . قَالَ عَبْد الرَّحْمَن بْن زَيْد بْن أَسْلَمَ : الْمُقْتَسِمُونَ أَصْحَاب صَالِح الَّذِينَ تَقَاسَمُوا بِاَللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْله . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي مُوسَى عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : < إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَل مَا بَعَثَنِي اللَّه بِهِ كَمَثَلِ رَجُل أَتَى قَوْمه فَقَالَ يَا قَوْم إِنِّي رَأَيْت الْجَيْش بِعَيْنِي وَإِنِّي أَنَا النَّذِير الْعُرْيَان فَالنَّجَاء النَّجَاء فَأَطَاعَهُ طَائِفَة مِنْ قَوْمه فَأَدْلَجُوا وَانْطَلَقُوا عَلَى مَهْلهمْ فَنَجَوْا وَكَذَّبَهُ طَائِفَة مِنْهُمْ فَأَصْبَحُوا مَكَانهمْ فَصَبَّحَهُمْ الْجَيْش فَأَهْلَكَهُمْ وَاجْتَاحَهُمْ فَذَلِكَ مَثَل مَنْ أَطَاعَنِي وَاتَّبَعَ مَا جِئْت بِهِ وَمَثَل مَنْ عَصَانِي وَكَذَّبَ مَا جِئْت بِهِ مِنْ الْحَقّ > .