islamkingdomfaceBook islamkingdomtwitter islamkingdominstagram islamkingdomyoutube


أَيْ أَثْقَلَهُ وَأَوْهَنَهُ . قَالَ : وَإِنَّمَا وُصِفَتْ ذُنُوب , الْأَنْبِيَاء بِهَذَا الثِّقَل , مَعَ كَوْنهَا مَغْفُورَة , لِشِدَّةِ اِهْتِمَامهمْ بِهَا , وَنَدِمَهُمْ مِنْهَا , وَتَحَسُّرهمْ عَلَيْهَا .

قَالَ مُجَاهِد : يَعْنِي بِالتَّأْذِينِ . وَفِيهِ يَقُول حَسَّان بْن ثَابِت :
أَغَرّ عَلَيْهِ لِلنُّبُوَّةِ خَاتَمٌ .......... مِنْ اللَّه مَشْهُودٌ يَلُوحُ وَيَشْهَدُ

وَضَمَّ الْإِلَهُ اِسْمَ النَّبِيِّ إِلَى اِسْمِهِ .......... إِذَا قَالَ فِي الْخَمْسِ الْمُؤَذِّنُ أَشْهَدُ
وَرُوِيَ عَنْ الضَّحَّاك عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَالَ : يَقُول لَهُ لَا ذُكِرْتُ إِلَّا ذُكِرْتَ مَعِي فِي الْأَذَان , وَالْإِقَامَة وَالتَّشَهُّد , وَيَوْم الْجُمْعَة عَلَى الْمَنَابِر , وَيَوْم الْفِطْر , وَيَوْم الْأَضْحَى : وَأَيَّام التَّشْرِيق , وَيَوْم عَرَفَة , وَعِنْد الْجِمَار , وَعَلَى الصَّفَا وَالْمَرْوَة , وَفِي خُطْبَة النِّكَاح , وَفِي مَشَارِق الْأَرْض وَمَغَارِبهَا . وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا عَبَدَ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ , وَصَدَّقَ بِالْجَنَّةِ وَالنَّار وَكُلّ شَيْء , وَلَمْ يَشْهَد أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُول اللَّه , لَمْ يَنْتَفِع بِشَيْءٍ وَكَانَ كَافِرًا . وَقِيلَ : أَيْ أَعْلَيْنَا ذِكْرَك , فَذَكَرْنَاك فِي الْكُتُب الْمُنَزَّلَة عَلَى الْأَنْبِيَاء قَبْلَك , وَأَمَرْنَاهُمْ بِالْبِشَارَةِ بِك , وَلَا دِين إِلَّا وَدِينك يَظْهَر عَلَيْهِ . وَقِيلَ : رَفَعْنَا ذِكْرَك عِنْد الْمَلَائِكَة فِي السَّمَاء , وَفِي الْأَرْض عِنْد الْمُؤْمِنِينَ , وَنَرْفَع فِي الْآخِرَة ذِكْرك بِمَا نُعْطِيك مِنْ الْمَقَام الْمَحْمُود , وَكَرَائِم الدَّرَجَات .

أَيْ إِنَّ مَعَ الضِّيقَة وَالشِّدَّة يُسْرًا , أَيْ سَعَةً وَغِنًى . ثُمَّ كَرَّرَ فَقَالَ : | إِنَّ مَعَ الْعُسْر يُسْرًا | , فَقَالَ قَوْم : هَذَا التَّكْرِير تَأْكِيد لِلْكَلَامِ كَمَا يُقَال : اِرْمِ اِرْمِ , اِعْجَلْ اِعْجَلْ قَالَ اللَّه تَعَالَى : | كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ . ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ | [ التَّكَاثُر : 3 - 4 ] . وَنَظِيره فِي تَكْرَار الْجَوَاب : بَلَى بَلَى , لَا لَا . وَذَلِكَ لِلْإِطْنَابِ وَالْمُبَالَغَة قَالَهُ الْفَرَّاء . وَمِنْهُ قَوْل الشَّاعِر :
هَمَمْت بِنَفْسِيَ بَعْض الْهُمُوم .......... فَأَوْلَى لِنَفْسِيَ أَوْلَى لَهَا
وَقَالَ قَوْم : إِنَّ مِنْ عَادَة الْعَرَب إِذَا ذَكَرُوا اِسْمًا مُعَرَّفًا ثُمَّ كَرَّرُوهُ , فَهُوَ هُوَ . وَإِذَا نَكَّرُوهُ ثُمَّ كَرَّرُوهُ فَهُوَ غَيْره . وَهُمَا اِثْنَانِ , لِيَكُونَ أَقْوَى لِلْأَمَلِ , وَأَبْعَثَ عَلَى الصَّبْر قَالَهُ ثَعْلَب . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : يَقُول اللَّه تَعَالَى خَلَقْت عُسْرًا وَاحِدًا , وَخَلَقْت يُسْرَيْنِ , وَلَنْ يَغْلِبَ عُسْر يُسْرَيْنِ . وَجَاءَ فِي الْحَدِيث عَنْ النَّبِيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي هَذِهِ السُّورَة : أَنَّهُ قَالَ : [ لَنْ يَغْلِب عُسْرٌ يُسْرَيْنِ ] . وَقَالَ اِبْن مَسْعُود : وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ , لَوْ كَانَ الْعُسْر فِي حَجَرٍ , لَطَلَبَهُ الْيُسْر حَتَّى يَدْخُل عَلَيْهِ وَلَنْ يَغْلِب عُسْر يُسْرَيْنِ . وَكَتَبَ أَبُو عُبَيْدَة بْن الْجَرَّاح إِلَى عُمَر بْن الْخَطَّاب يَذْكُر لَهُ جُمُوعًا مِنْ الرُّوم , وَمَا يَتَخَوَّف مِنْهُمْ فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - : أَمَّا بَعْد , فَإِنَّهُمْ مَهْمَا يَنْزِل بِعَبْدِ مُؤْمِن مِنْ مَنْزِل شِدَّة , يَجْعَل اللَّه بَعْده فَرَجًا , وَإِنَّهُ لَنْ يَغْلِب عُسْر يُسْرَيْنِ , وَإِنَّ اللَّه تَعَالَى يَقُول فِي كِتَابه : | يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّه لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ | [ آل عِمْرَان : 200 ] . وَقَالَ قَوْم مِنْهُمْ الْجُرْجَانِيّ : هَذَا قَوْل مَدْخُول ; لِأَنَّهُ يَجِب عَلَى هَذَا التَّدْرِيج إِذَا قَالَ الرَّجُل : إِنَّ مَعَ الْفَارِس سَيْفًا , إِنَّ مَعَ الْفَارِس سَيْفًا , أَنْ يَكُون الْفَارِس وَاحِدًا وَالسَّيْف اِثْنَانِ . وَالصَّحِيح أَنْ يُقَال : إِنَّ اللَّه بَعَثَ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُقِلًّا مُخِفًّا , فَعَيَّرَهُ الْمُشْرِكُونَ بِفَقْرِهِ , حَتَّى قَالُوا لَهُ : نَجْمَع لَك مَالًا فَاغْتَمَّ وَظَنَّ أَنَّهُمْ كَذَّبُوهُ لِفَقْرِهِ فَعَزَّاهُ اللَّه , وَعَدَّدَ نِعَمه عَلَيْهِ , وَوَعَدَهُ الْغِنَى بِقَوْلِهِ : | فَإِنَّ مَعَ الْعُسْر يُسْرًا | أَيْ لَا يَحْزُنْك مَا عَيَّرُوك بِهِ مِنْ الْفَقْر فَإِنَّ مَعَ ذَلِكَ الْعُسْر يُسْرًا عَاجِلًا أَيْ فِي الدُّنْيَا . فَأَنْجَزَ لَهُ مَا وَعَدَهُ|فَلَمْ يَمُتْ حَتَّى فَتَحَ عَلَيْهِ الْحِجَاز وَالْيَمَن , وَوَسَّعَ ذَات يَده , حَتَّى كَانَ يُعْطِي الرَّجُل الْمِائَتَيْنِ مِنْ الْإِبِل , وَيَهَب الْهِبَات السَّنِيَّة , وَيُعِدّ لِأَهْلِهِ قُوت سَنَة . فَهَذَا الْفَضْل كُلّه مِنْ أَمْر الدُّنْيَا وَإِنْ كَانَ خَاصًّا بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - , فَقَدْ يَدْخُل فِيهِ بَعْض أُمَّته إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى . ثُمَّ اِبْتَدَأَ فَضْلًا آخِرًا مِنْ الْآخِرَة وَفِيهِ تَأْسِيَةٌ وَتَعْزِيَةٌ لَهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ مُبْتَدِئًا : | إِنَّ مَعَ الْعُسْر يُسْرًا | فَهُوَ شَيْء آخَر . وَالدَّلِيل عَلَى اِبْتِدَائِهِ , تَعَرِّيه مِنْ فَاء أَوْ وَاو أَوْ غَيْرهَا مِنْ حُرُوف النَّسَق الَّتِي تَدُلّ عَلَى الْعَطْف . فَهَذَا وَعْد عَامّ لِجَمِيعِ الْمُؤْمِنِينَ , لَا يَخْرُج أَحَد مِنْهُ أَيْ إِنَّ مَعَ الْعُسْر فِي الدُّنْيَا لِلْمُؤْمِنِينَ يُسْرًا فِي الْآخِرَة لَا مَحَالَة . وَرُبَّمَا اِجْتَمَعَ يُسْر الدُّنْيَا وَيُسْر الْآخِرَة . وَاَلَّذِي فِي الْخَبَر : [ لَنْ يَغْلِب عُسْرٌ يُسْرَيْنِ ] يَعْنِي الْعُسْر الْوَاحِد لَنْ يَغْلِبهُمَا , وَإِنَّمَا يَغْلِب أَحَدهمَا إِنْ غَلَبَ , وَهُوَ يُسْر الدُّنْيَا فَأَمَّا يُسْر الْآخِرَة فَكَائِن لَا مَحَالَة , وَلَنْ يَغْلِبَهُ شَيْء . أَوْ يُقَال : | إِنَّ مَعَ الْعُسْر | وَهُوَ إِخْرَاج أَهْل مَكَّة النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ مَكَّة | يُسْرًا | , وَهُوَ دُخُوله يَوْم فَتْح مَكَّة مَعَ عَشْرَة آلَاف رَجُل , مَعَ عِزّ وَشَرَف .

أَيْ إِنَّ مَعَ الضِّيقَة وَالشِّدَّة يُسْرًا , أَيْ سَعَة وَغِنًى . ثُمَّ كَرَّرَ فَقَالَ : | إِنَّ مَعَ الْعُسْر يُسْرًا | , فَقَالَ قَوْم : هَذَا التَّكْرِير تَأْكِيد لِلْكَلَامِ كَمَا يُقَال : اِرْمِ اِرْمِ , اِعْجَلْ اِعْجَلْ قَالَ اللَّه تَعَالَى : | كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ . ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ | [ التَّكَاثُر : 3 - 4 ] . وَنَظِيره فِي تَكْرَار الْجَوَاب : بَلَى بَلَى , لَا لَا . وَذَلِكَ لِلْإِطْنَابِ وَالْمُبَالَغَة قَالَهُ الْفَرَّاء . وَمِنْهُ قَوْل الشَّاعِر :
هَمَمْت بِنَفْسِيَ بَعْض الْهُمُوم .......... فَأَوْلَى لِنَفْسِيَ أَوْلَى لَهَا
وَقَالَ قَوْم : إِنَّ مِنْ عَادَة الْعَرَب إِذَا ذَكَرُوا اِسْمًا مُعَرَّفًا ثُمَّ كَرَّرُوهُ , فَهُوَ هُوَ . وَإِذَا نَكَّرُوهُ ثُمَّ كَرَّرُوهُ فَهُوَ غَيْره . وَهُمَا اِثْنَانِ , لِيَكُونَ أَقْوَى لِلْأَمَلِ , وَأَبْعَثَ عَلَى الصَّبْر قَالَهُ ثَعْلَب . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : يَقُول اللَّه تَعَالَى خَلَقْت عُسْرًا وَاحِدًا , وَخَلَقْت يُسْرَيْنِ , وَلَنْ يَغْلِب عُسْر يُسْرَيْنِ . وَجَاءَ فِي الْحَدِيث عَنْ النَّبِيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي هَذِهِ السُّورَة : أَنَّهُ قَالَ : [ لَنْ يَغْلِب عُسْر يُسْرَيْنِ ] . وَقَالَ اِبْن مَسْعُود : وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ , لَوْ كَانَ الْعُسْر فِي حَجَر , لَطَلَبَهُ الْيُسْر حَتَّى يَدْخُل عَلَيْهِ وَلَنْ يَغْلِب عُسْر يُسْرَيْنِ . وَكَتَبَ أَبُو عُبَيْدَة بْن الْجِرَاح إِلَى عُمَر بْن الْخَطَّاب يَذْكُر لَهُ جُمُوعًا مِنْ الرُّوم , وَمَا يَتَخَوَّف مِنْهُمْ فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - : أَمَّا بَعْد , فَإِنَّهُمْ مَهْمَا يَنْزِلْ بِعَبْدِ مُؤْمِن مِنْ مَنْزِل شِدَّة , يَجْعَل اللَّه بَعْده فَرَجًا , وَإِنَّهُ لَنْ يَغْلِب عُسْر يُسْرَيْنِ , وَإِنَّ اللَّه تَعَالَى يَقُول فِي كِتَابه : | يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّه لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ | [ آل عِمْرَان : 200 ] . وَقَالَ قَوْم مِنْهُمْ الْجُرْجَانِيّ : هَذَا قَوْل مَدْخُول ; لِأَنَّهُ يَجِب عَلَى هَذَا التَّدْرِيج إِذَا قَالَ الرَّجُل : إِنَّ مَعَ الْفَارِس سَيْفًا , إِنَّ مَعَ الْفَارِس سَيْفًا , أَنْ يَكُون الْفَارِس وَاحِدًا وَالسَّيْف اِثْنَانِ . وَالصَّحِيح أَنْ يُقَال : إِنَّ اللَّه بَعَثَ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُقِلًّا مُخِفًّا , فَعَيَّرَهُ الْمُشْرِكُونَ بِفَقْرِهِ , حَتَّى قَالُوا لَهُ : نَجْمَع لَك مَالًا فَاغْتَمَّ وَظَنَّ أَنَّهُمْ كَذَّبُوهُ لِفَقْرِهِ فَعَزَّاهُ اللَّه , وَعَدَّدَ نِعَمَهُ عَلَيْهِ , وَوَعَدَهُ الْغِنَى بِقَوْلِهِ : | فَإِنَّ مَعَ الْعُسْر يُسْرًا | أَيْ لَا يَحْزُنْك مَا عَيَّرُوك بِهِ مِنْ الْفَقْر فَإِنَّ مَعَ ذَلِكَ الْعُسْر يُسْرًا عَاجِلًا أَيْ فِي الدُّنْيَا . فَأَنْجَزَ لَهُ مَا وَعَدَهُ فَلَمْ يَمُتْ حَتَّى فَتَحَ عَلَيْهِ الْحِجَاز وَالْيَمَن , وَوَسَّعَ ذَات يَده , حَتَّى كَانَ يُعْطِي الرَّجُل الْمِائَتَيْنِ مِنْ الْإِبِل , وَيَهَب الْهِبَات السَّنِيَّة , وَيُعِدّ لِأَهْلِهِ قُوت سَنَة . فَهَذَا الْفَضْل كُلّه مِنْ أَمْر الدُّنْيَا وَإِنْ كَانَ خَاصًّا بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَدْ يَدْخُل فِيهِ بَعْض أُمَّته إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى . ثُمَّ اِبْتَدَأَ فَضْلًا آخِرًا مِنْ الْآخِرَة وَفِيهِ تَأْسِيَة وَتَعْزِيَة لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ مُبْتَدِئًا : | إِنَّ مَعَ الْعُسْر يُسْرًا | فَهُوَ شَيْء آخَر . وَالدَّلِيل عَلَى اِبْتِدَائِهِ , تَعَرِّيه مِنْ فَاء أَوْ وَاو أَوْ غَيْرهَا مِنْ حُرُوف النَّسَق الَّتِي تَدُلّ عَلَى الْعَطْف . فَهَذَا وَعْد عَامّ لِجَمِيعِ الْمُؤْمِنِينَ , لَا يَخْرُج أَحَد مِنْهُ أَيْ إِنَّ مَعَ الْعُسْر فِي الدُّنْيَا لِلْمُؤْمِنِينَ يُسْرًا فِي الْآخِرَة لَا مَحَالَة . وَرُبَّمَا اِجْتَمَعَ يُسْر الدُّنْيَا وَيُسْر الْآخِرَة . وَاَلَّذِي فِي الْخَبَر : [ لَنْ يَغْلِبَ عُسْر يُسْرَيْنِ ] يَعْنِي الْعُسْر الْوَاحِد لَنْ يَغْلِبهُمَا , وَإِنَّمَا يَغْلِب أَحَدهمَا إِنْ غَلَبَ , وَهُوَ يُسْر الدُّنْيَا فَأَمَّا يُسْر الْآخِرَة فَكَائِن لَا مَحَالَة , وَلَنْ يَغْلِبَهُ شَيْء . أَوْ يُقَال : | إِنَّ مَعَ الْعُسْر | وَهُوَ إِخْرَاج أَهْل مَكَّة النَّبِيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ مَكَّة | يُسْرًا | , وَهُوَ دُخُوله يَوْم فَتْح مَكَّة مَعَ عَشْرَة آلَاف رَجُل , مَعَ عِزّ وَشَرَف .

قَالَ اِبْن عَبَّاس وَقَتَادَة : فَإِذَا فَرَغْت مِنْ صَلَاتك | فَانْصَبْ | أَيْ بَالِغْ فِي الدُّعَاء وَسَلْهُ حَاجَتَك . وَقَالَ اِبْن مَسْعُود : إِذَا فَرَغْت مِنْ الْفَرَائِض فَانْصَبْ فِي قِيَام اللَّيْل . وَقَالَ الْكَلْبِيّ : إِذَا فَرَغْت مِنْ تَبْلِيغ الرِّسَالَة | فَانْصَبْ | أَيْ اِسْتَغْفِرْ لِذَنْبِك وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَات . وَقَالَ الْحَسَن وَقَتَادَة أَيْضًا : إِذَا فَرَغْت مِنْ جِهَاد عَدُوّك , فَانْصَبْ لِعِبَادَةِ رَبّك . وَعَنْ مُجَاهِد : | فَإِذَا فَرَغْت | مِنْ دُنْيَاك , | فَانْصَبْ | فِي صَلَاتك . وَنَحْوه عَنْ الْحَسَن . وَقَالَ الْجُنَيْد : إِذَا فَرَغْت مِنْ أَمْر الْخَلْق , فَاجْتَهِدْ فِي عِبَادَة الْحَقّ . قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : | وَمِنْ الْمُبْتَدِعَة مَنْ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَة | فَأَنْصِبْ | بِكَسْرِ الصَّاد , وَالْهَمْز مِنْ أَوَّله , وَقَالُوا : مَعْنَاهُ : أَنْصِبْ الْإِمَامَ الَّذِي تَسْتَخْلِفُهُ . وَهَذَا بَاطِل فِي الْقِرَاءَة , بَاطِل فِي الْمَعْنَى ; لِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَسْتَخْلِف أَحَدًا . وَقَرَأَهَا بَعْض : الْجُهَّال | فَانْصَبَّ | بِتَشْدِيدِ الْبَاء , مَعْنَاهُ : إِذَا فَرَغْت مِنْ الْجِهَاد , فَجِدِّ فِي الرُّجُوع إِلَى بَلَدك . . وَهَذَا بَاطِل أَيْضًا قِرَاءَةً , لِمُخَالَفَةِ الْإِجْمَاع , لَكِنَّ مَعْنَاهُ صَحِيح لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : [ السَّفَر قِطْعَة مِنْ الْعَذَاب , يَمْنَع أَحَدكُمْ نَوْمه وَطَعَامه وَشَرَابه , فَإِذَا قَضَى أَحَدكُمْ نَهِمَتَهُ , فَلْيُعَجِّلْ , الرُّجُوع إِلَى أَهْله ] . وَأَشَدّ النَّاس عَذَابًا وَأَسْوَءُهُمْ مُبَاء وَمَآبًا , مَنْ أَخَذَ مَعْنَى صَحِيحًا , فَرَكَّبَ عَلَيْهِ مِنْ قِبَل نَفْسه قِرَاءَة أَوْ حَدِيثًا , فَيَكُون كَاذِبًا عَلَى اللَّه , كَاذِبًا عَلَى رَسُوله | وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ اِفْتَرَى عَلَى اللَّه كَذِبًا | . قَالَ الْمَهْدَوِيّ : وَرُوِيَ عَنْ أَبِي جَعْفَر الْمَنْصُور : أَنَّهُ قَرَأَ | أَلَمْ نَشْرَحَ لَك صَدْرك | بِفَتْحِ الْحَاء وَهُوَ بَعِيد , وَقَدْ يُؤَوَّلُ عَلَى تَقْدِير النُّون الْخَفِيفَة , ثُمَّ أُبْدِلَتْ النُّون أَلِفًا فِي الْوَقْف , ثُمَّ حُمِلَ الْوَصْل عَلَى الْوَقْف , ثُمَّ حُذِفَ الْأَلِف . وَأَنْشَدَ عَلَيْهِ :
اِضْرِبْ عَنْك الْهُمُومَ طَارِقَهَا .......... ضَرْبَك بِالسَّوْطِ قَوْنَسَ الْفَرَسِ
أَرَادَ : اِضْرِبَنَّ .

وَرُوِيَ عَنْ أَبِي السِّمَال | فَإِذَا فَرِغْت | بِكَسْرِ الرَّاء , وَهِيَ لُغَة فِيهِ . وَقُرِئَ | فَرَغِّبْ | أَيْ فَرَغِّبْ النَّاس إِلَى مَا عِنْده .

قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : رُوِيَ عَنْ شُرَيْح أَنَّهُ مَرَّ بِقَوْمٍ يَلْعَبُونَ يَوْم عِيد , فَقَالَ مَا بِهَذَا أَمَرَ الشَّارِع . وَفِيهِ نَظَرٌ , فَإِنَّ الْحَبَش كَانُوا يَلْعَبُونَ بِالدَّرَقِ وَالْحِرَاب فِي الْمَسْجِد يَوْم الْعِيد , وَالنَّبِيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَنْظُر . وَدَخَلَ أَبُو بَكْر فِي بَيْت رَسُول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى عَائِشَة - رَضِيَ اللَّه عَنْهَا وَعِنْدَهَا جَارِيَتَانِ مِنْ جِوَارِي الْأَنْصَار تُغْنِيَانِ فَقَالَ أَبُو بَكْر : أَبِمَزْمُورِ الشَّيْطَان فِي بَيْت رَسُول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ؟ فَقَالَ : [ دَعْهُمَا يَا أَبَا بَكْر , فَإِنَّهُ يَوْم عِيد ] . وَلَيْسَ يَلْزَم الدُّءُوب عَلَى الْعَمَل , بَلْ هُوَ مَكْرُوه لِلْخَلْقِ .

قَالَ اِبْن عَبَّاس وَالْحَسَن وَمُجَاهِد وَعِكْرِمَة وَإِبْرَاهِيم النَّخَعِيّ وَعَطَاء بْن أَبِي رَبَاح وَجَابِر بْن زَيْد وَمُقَاتِل وَالْكَلْبِيّ : هُوَ تِينُكُمْ الَّذِي تَأْكُلُونَ , وَزَيْتُونُكُمْ الَّذِي تَعْصِرُونَ مِنْهُ الزَّيْت قَالَ اللَّه تَعَالَى : | وَشَجَرَة تَخْرُج مِنْ طُور سَيْنَاء تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ | [ الْمُؤْمِنُونَ : 20 ] . وَقَالَ أَبُو ذَرّ : أُهْدِيَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَلّ تِين فَقَالَ : [ كُلُوا ] وَأَكَلَ مِنْهُ . ثُمَّ قَالَ : [ لَوْ قُلْت إِنَّ فَاكِهَةً نَزَلَتْ مِنْ الْجَنَّة لَقُلْت هَذِهِ ; لِأَنَّ فَاكِهَة الْجَنَّة بِلَا عَجَم , فَكُلُوهَا فَإِنَّهَا تَقْطَع الْبَوَاسِير , وَتَنْفَع مِنْ النِّقْرِس ] . وَعَنْ مُعَاذ : أَنَّهُ اِسْتَاك بِقَضِيبِ زَيْتُون , وَقَالَ سَمِعْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُول : [ نِعْمَ السِّوَاك الزَّيْتُون مِنْ الشَّجَرَة الْمُبَارَكَة , يُطَيِّب الْفَم , وَيَذْهَب بِالْحَفْرِ , وَهِيَ سِوَاكِي وَسِوَاك الْأَنْبِيَاء مِنْ قَبْلِي ] . وَرُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس أَيْضًا : التِّين : مَسْجِد نُوح عَلَيْهِ السَّلَام الَّذِي بُنِيَ عَلَى الْجُودِيّ , وَالزَّيْتُون : مَسْجِد بَيْت الْمَقْدِس . وَقَالَ الضَّحَّاك : التِّين : الْمَسْجِد الْحَرَام , وَالزَّيْتُون الْمَسْجِد الْأَقْصَى . اِبْن زَيْد : التِّين : مَسْجِد دِمَشْق , وَالزَّيْتُون : مَسْجِد بَيْت الْمَقْدِس . قَتَادَة : التِّين : الْجَبَل الَّذِي عَلَيْهِ دِمَشْق : وَالزَّيْتُون : الْجَبَل الَّذِي عَلَيْهِ بَيْت الْمَقْدِس . وَقَالَ مُحَمَّد بْن كَعْب : التِّين : مَسْجِد أَصْحَاب الْكَهْف , وَالزَّيْتُون : مَسْجِد إِيلِيَاء . وَقَالَ كَعْب الْأَخْبَار وَقَتَادَة أَيْضًا وَعِكْرِمَة وَابْن زَيْد : التِّين : دِمَشْق , وَالزَّيْتُون : بَيْت الْمَقْدِس . وَهَذَا اِخْتِيَار الطَّبَرِيّ . وَقَالَ الْفَرَّاء : سَمِعْت رَجُلًا مِنْ أَهْل الشَّام يَقُول : التِّين : جِبَال مَا بَيْن حُلْوَان إِلَى هَمَذَان , وَالزَّيْتُون : جِبَال الشَّام . وَقِيلَ : هُمَا جَبَلَانِ بِالشَّامِ , يُقَال لَهُمَا طُور زَيْتًا وَطُور تِينًا بِالسُّرْيَانِيَّةِ سُمِّيَا بِذَلِكَ ; لِأَنَّهُمَا يُنْبِتَانِهِمَا . وَكَذَا رَوَى أَبُو مَكِين عَنْ عِكْرِمَة , قَالَ : التِّين وَالزَّيْتُون : جَبَلَانِ بِالشَّامِ . وَقَالَ النَّابِغَة :
أَتَيْنَ التِّين عَنْ عَرَض
وَهَذَا اِسْم مَوْضِع . وَيَجُوز أَنْ يَكُون ذَلِكَ عَلَى حَذْف مُضَاف أَيْ وَمَنَابِت التِّين وَالزَّيْتُون . وَلَكِنْ لَا دَلِيل عَلَى ذَلِكَ مِنْ ظَاهِر التَّنْزِيل , وَلَا مِنْ قَوْل مَنْ لَا يُجَوِّز خِلَافه قَالَهُ النَّحَّاس .

وَأَصَحّ هَذِهِ الْأَقْوَال الْأَوَّل ; لِأَنَّهُ الْحَقِيقَة , وَلَا يُعْدَلُ عَنْ الْحَقِيقَة إِلَى الْمَجَاز إِلَّا بِدَلِيلٍ . وَإِنَّمَا أَقْسَمَ اللَّه بِالتِّينِ ; لِأَنَّهُ كَانَ سِتْرَ آدَم فِي الْجَنَّة لِقَوْلِهِ تَعَالَى : | يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَق الْجَنَّة | [ الْأَعْرَاف : 22 ] وَكَانَ وَرَق التِّين . وَقِيلَ : أَقْسَمَ بِهِ لِيُبَيِّن وَجْه الْمِنَّة الْعُظْمَى فِيهِ فَإِنَّهُ جَمِيل الْمَنْظَر , طَيِّب الْمَخْبَر , نَشِر الرَّائِحَة , سَهْل الْجَنْي , عَلَى قَدْر الْمُضْغَة . وَقَدْ أَحْسَنَ الْقَائِل فِيهِ :
اُنْظُرْ إِلَى التِّينِ فِي الْغُصُونِ ضُحًى .......... مُمَزَّقَ الْجِلْدِ مَائِلَ الْعُنُقِ

كَأَنَّهُ رَبُّ نِعْمَةٍ سُلِبَتْ .......... فَعَادَ بَعْدَ الْجَدِيدِ فِي الْخَلَق

أَصْغَرُ مَا فِي النُّهُودِ أَكْبَرُهُ .......... لَكِنْ يُنَادَى عَلَيْهِ فِي الطُّرُقِ
وَقَالَ آخَر :
التِّينُ يَعْدِلُ عِنْدِي كُلَّ فَاكِهَةٍ .......... إِذَا اِنْثَنَى مَائِلًا فِي غُصْنِهِ الزَّاهِي

مُخَمَّشُ الْوَجْهِ قَدْ سَالَتْ حَلَاوَتُهُ .......... كَأَنَّهُ رَاكِعٌ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ
وَأَقْسَمَ بِالزَّيْتُونِ ; لِأَنَّهُ مَثَّلَ بِهِ إِبْرَاهِيم فِي قَوْله تَعَالَى : | يُوقَد مِنْ شَجَرَة مُبَارَكَة زَيْتُونَة | [ النُّور : 35 ] . وَهُوَ أَكْثَر أَدَم أَهْل الشَّام وَالْمَغْرِب يَصْطَبِغُونَ بِهِ , وَيَسْتَعْمِلُونَهُ فِي طَبِيخهمْ , وَيَسْتَصْبِحُونَ بِهِ , وَيُدَاوَى بِهِ أَدْوَاء الْجَوْف وَالْقُرُوح وَالْجِرَاحَات , وَفِيهِ مَنَافِع كَثِيرَة . وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام : [ كُلُوا الزَّيْت وَادَّهِنُوا بِهِ فَإِنَّهُ مِنْ شَجَرَة مُبَارَكَة ] . وَقَدْ مَضَى فِي سُورَة | الْمُؤْمِنُونَ | الْقَوْل فِيهِ .

قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ وَلِامْتِنَانِ الْبَارِئ سُبْحَانَهُ , وَتَعْظِيم الْمِنَّة فِي التِّين , وَأَنَّهُ مُقْتَات مُدَّخَر فَلِذَلِكَ قُلْنَا بِوُجُوبِ الزَّكَاة فِيهِ . وَإِنَّمَا فَرَّ كَثِير مِنْ الْعُلَمَاء مِنْ التَّصْرِيح بِوُجُوبِ الزَّكَاة فِيهِ , تَقِيَّة جَوْر الْوُلَاة فَإِنَّهُمْ يَتَحَامَلُونَ فِي الْأَمْوَال الزَّكَاتِيَّة , فَيَأْخُذُونَهَا مَغْرَمًا , حَسَبَ مَا أَنْذَرَ بِهِ الصَّادِق - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَكَرِهَ الْعُلَمَاء أَنْ يَجْعَلُوا لَهُمْ سَبِيلًا إِلَى مَال آخَر يَتَشَطَّطُونَ فِيهِ , وَلَكِنْ يَنْبَغِي لِلْمَرْءِ أَنْ يَخْرُج عَنْ نِعْمَة رَبّه , بِأَدَاءِ حَقّه . وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيّ لِهَذِهِ الْعِلَّة وَغَيْرهَا : لَا زَكَاة فِي الزَّيْتُون . وَالصَّحِيح وُجُوب الزَّكَاة فِيهِمَا .

رَوَى اِبْن أَبِي نَجِيح عَنْ مُجَاهِد | طُور | قَالَ : جَبَل . | سِينِينَ | قَالَ : مُبَارَك بِالسُّرْيَانِيَّةِ . وَعَنْ عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : | طُور | جَبَل , و | سِينِينَ , حَسَن . وَقَالَ قَتَادَة : سِينِينَ هُوَ الْمُبَارَك الْحَسَن . وَعَنْ عِكْرِمَة قَالَ : الْجَبَل الَّذِي نَادَى اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ مِنْهُ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام . وَقَالَ مُقَاتِل وَالْكَلْبِيّ : | سِينِينَ | كُلّ جَبَل فِيهِ شَجَر مُثْمِر , فَهُوَ سِينِينَ وَسَيْنَاء بِلُغَةِ النَّبَط وَعَنْ عَمْرو بْن مَيْمُون قَالَ : صَلَّيْت مَعَ عُمَر بْن الْخَطَّاب الْعِشَاء بِمَكَّة , فَقَرَأَ | وَالتِّين وَالزَّيْتُون . وَطُور سَيْنَاء . وَهَذَا الْبَلَد الْأَمِين | قَالَ : وَهَكَذَا هِيَ فِي قِرَاءَة عَبْد اللَّه وَرَفَعَ صَوْته تَعْظِيمًا لِلْبَيْتِ . وَقَرَأَ فِي الرَّكْعَة الثَّانِيَة : | أَلَمْ تَرَ كَيْف فَعَلَ رَبّك | [ الْفِيل : 1 ] . و | لِإِيلَافِ قُرَيْش | [ قُرَيْش : 1 ] جَمَعَ بَيْنَهُمَا . ذَكَرَهُ اِبْن الْأَنْبَارِيّ . النَّحَّاس : وَفِي قِرَاءَة عَبْد اللَّه | سِنَاء | ( بِكَسْرِ السِّين ) , وَفِي حَدِيث عَمْرو بْن مَيْمُون عَنْ عُمَر ( بِفَتْحِ السِّين ) . وَقَالَ الْأَخْفَش : | طُور | جَبَل . و | سِينِينَ | شَجَر وَاحِدَته سِينِينِيَّة . وَقَالَ أَبُو عَلِيّ : | سِينِينَ | فِعْلِيل , فَكُرِّرَتْ اللَّام الَّتِي هِيَ نُونٌ فِيهِ , كَمَا كُرِّرَتْ فِي زِحْلِيل : لِلْمَكَانِ الزَّلِق , وَكِرْدِيدَة : لِلْقِطْعَةِ مِنْ التَّمْر , وَخِنْذِيد : لِلطَّوِيلِ . وَلَمْ يَنْصَرِف | سِينِينَ | كَمَا لَمْ يَنْصَرِفْ سَيْنَاء ; لِأَنَّهُ جُعِلَ اِسْمًا لِبُقْعَةٍ أَوْ أَرْض , وَلَوْ جُعِلَ اِسْمًا لِلْمَكَانِ أَوْ لِلْمَنْزِلِ أَوْ اِسْم مُذَكَّر لَانْصَرَفَ ; لِأَنَّك سَمَّيْت مُذَكَّرًا بِمُذَكَّرٍ . وَإِنَّمَا أَقْسَمَ بِهَذَا الْجَبَل ; لِأَنَّهُ بِالشَّأْمِ وَالْأَرْض الْمُقَدَّسَة , وَقَدْ بَارَكَ اللَّه فِيهِمَا كَمَا قَالَ : | إِلَى الْمَسْجِد الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْله | [ الْإِسْرَاء : 1 ] .

يَعْنِي مَكَّة . سَمَّاهُ أَمِينًا ; لِأَنَّهُ آمِن كَمَا قَالَ : | أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمَنَا | [ الْعَنْكَبُوت : 67 ] فَالْأَمِين : بِمَعْنَى الْآمِن قَالَهُ الْفَرَّاء وَغَيْره . قَالَ الشَّاعِر :
أَلَمْ تَعْلَمِي يَا أَسْمُ وَيْحَك أَنَّنِي .......... حَلَفْت يَمِينًا لَا أَخُونُ أَمِينِي
يَعْنِي : آمِنِي . وَبِهَذَا اِحْتَجَّ مَنْ قَالَ : إِنَّهُ أَرَادَ بِالتِّينِ دِمَشْق , وَبِالزَّيْتُونِ بَيْت الْمَقْدِس . فَأَقْسَمَ اللَّه بِجَبَلِ دِمَشْق ; لِأَنَّهُ مَأْوَى عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام , وَبِجَبَلِ بَيْت الْمَقْدِس ; لِأَنَّهُ مَقَام الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِمْ السَّلَام , وَبِمَكَّة ; لِأَنَّهَا أَثَر إِبْرَاهِيم وَدَار مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -

| لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَان | هَذَا جَوَاب الْقَسَم , وَأَرَادَ بِالْإِنْسَانِ : الْكَافِر . قِيلَ : هُوَ الْوَلِيد بْن الْمُغِيرَة . وَقِيلَ : كِلْدَة بْن أُسَيْد . فَعَلَى هَذَا نَزَلَتْ فِي مُنْكَرِي الْبَعْث . وَقِيلَ : الْمُرَاد بِالْإِنْسَانِ آدَم وَذُرِّيَّته . | فِي أَحْسَن تَقْوِيم | وَهُوَ اِعْتِدَاله وَاسْتِوَاء شَبَابه كَذَا قَالَ عَامَّة الْمُفَسِّرِينَ . وَهُوَ أَحْسَن مَا يَكُون ; لِأَنَّهُ خَلَقَ كُلّ شَيْء مَنْكِبًا عَلَى وَجْهه , وَخَلَقَهُ هُوَ مُسْتَوِيًا , وَلَهُ لِسَان ذَلِق , وَيَد وَأَصَابِع يَقْبِض بِهَا . وَقَالَ أَبُو بَكْر بْن طَاهِر : مُزَيَّنًا بِالْعَقْلِ , مُؤَدِّيًا لِلْأَمْرِ , مَهْدِيًّا بِالتَّمْيِيزِ , مَدِيد الْقَامَة يَتَنَاوَل مَأْكُولَهُ بِيَدِهِ . اِبْن الْعَرَبِيّ : لَيْسَ لِلَّهِ تَعَالَى خَلْق أَحْسَن مِنْ الْإِنْسَان , فَإِنَّ اللَّه خَلَقَهُ حَيًّا عَالِمًا , قَادِرًا مَرِيدًا مُتَكَلِّمًا , سَمِيعًا بَصِيرًا , مُدَبِّرًا حَكِيمًا . وَهَذِهِ صِفَات الرَّبّ سُبْحَانه , وَعَنْهَا عَبَّرَ بَعْض الْعُلَمَاء , وَوَقَعَ الْبَيَان بِقَوْلِهِ : [ إِنَّ اللَّه خَلَقَ آدَم عَلَى صُورَتِهِ ] يَعْنِي عَلَى صِفَاته الَّتِي قَدَّمْنَا ذِكْرَهَا . وَفِي رِوَايَة [ عَلَى صُورَة الرَّحْمَن ] وَمِنْ أَيْنَ تَكُون لِلرَّحْمَنِ صُورَة مُتَشَخِّصَة , فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَنْ تَكُون مَعَانِي . وَقَدْ أَخْبَرَنَا الْمُبَارَك بْن عَبْد الْجَبَّار الْأَزْدِيّ قَالَ : أَخْبَرَنَا الْقَاضِي أَبُو الْقَاسِم عَلِيّ بْن أَبِي عَلِيّ الْقَاضِي الْمُحْسِن عَنْ أَبِيهِ قَالَ : كَانَ عِيسَى بْن مُوسَى الْهَاشِمِيّ يُحِبُّ زَوْجَتَهُ حُبًّا شَدِيدًا فَقَالَ لَهَا يَوْمًا : أَنْتِ طَالِق ثَلَاثًا إِنْ لَمْ تَكُونِي أَحْسَنَ مِنْ الْقَمَر فَنَهَضَتْ وَاحْتَجَبَتْ عَنْهُ , وَقَالَتْ : طَلَّقْتنِي . وَبَاتَ بِلَيْلَةٍ عَظِيمَةٍ , فَلَمَّا أَصْبَحَ غَدَا إِلَى دَار الْمَنْصُور , فَأَخْبَرَهُ الْخَبَر , وَأَظْهَرَ لِلْمَنْصُورِ جَزَعًا عَظِيمًا فَاسْتَحْضَرَ الْفُقَهَاء وَاسْتَفْتَاهُمْ . فَقَالَ جَمِيع مَنْ حَضَرَ : قَدْ طَلُقَتْ إِلَّا رَجُلًا وَاحِدًا مِنْ أَصْحَاب أَبِي حَنِيفَة , فَإِنَّهُ كَانَ سَاكِتًا . فَقَالَ لَهُ الْمَنْصُور : مَا لَك لَا تَتَكَلَّم ؟ فَقَالَ لَهُ الرَّجُل : بِسْمِ اللَّه الرَّحْمَن الرَّحِيم : | وَالتِّين وَالزَّيْتُون . وَطُور سِينِينَ . وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِين . لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَان فِي أَحْسَنِ تَقْوِيم | . يَا أَمِير الْمُؤْمِنِينَ , فَالْإِنْسَان أَحْسَنُ الْأَشْيَاء , وَلَا شَيْء أَحْسَنُ مِنْهُ . فَقَالَ الْمَنْصُور لِعِيسَى اِبْن مُوسَى : الْأَمْر كَمَا قَالَ الرَّجُل , فَأَقْبِلْ عَلَى زَوْجَتك . وَأَرْسَلَ أَبُو جَعْفَر الْمَنْصُور إِلَى زَوْجَة الرَّجُل : أَنْ أَطِيعِي زَوْجَك وَلَا تَعْصِيهِ , فَمَا طَلَّقَك .

فَهَذَا يَدُلُّك عَلَى أَنَّ الْإِنْسَان أَحْسَنُ خَلْق اللَّه بَاطِنًا وَظَاهِرًا , جَمَال هَيْئَة , وَبَدِيع تَرْكِيب الرَّأْس بِمَا فِيهِ , وَالصَّدْر بِمَا جَمَعَهُ , وَالْبَطْن بِمَا حَوَاهُ , وَالْفَرْج وَمَا طَوَاهُ , وَالْيَدَانِ وَمَا بَطَشَتَاهُ , وَالرِّجْلَانِ وَمَا اِحْتَمَلَتَاهُ . وَلِذَلِكَ قَالَتْ الْفَلَاسِفَة : إِنَّهُ الْعَالَم الْأَصْغَر إِذْ كُلّ مَا فِي الْمَخْلُوقَات جُمِعَ فِيهِ .

أَيْ إِلَى أَرْذَل الْعُمُر , وَهُوَ الْهَرَم بَعْد الشَّبَاب , وَالضَّعْف بَعْد الْقُوَّة , حَتَّى يَصِير كَالصَّبِيِّ فِي الْحَال الْأَوَّل قَالَهُ الضَّحَّاك وَالْكَلْبِيّ وَغَيْرهمَا . وَرَوَى اِبْن أَبِي نَجِيح عَنْ مُجَاهِد : | ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَل سَافِلِينَ | إِلَى النَّار , يَعْنِي الْكَافِر , وَقَالَهُ أَبُو الْعَالِيَة . وَقِيلَ : لَمَّا وَصَفَهُ اللَّه بِتِلْكَ الصِّفَات الْجَلِيلَة الَّتِي رُكِّبَ الْإِنْسَان عَلَيْهَا , طَغَى وَعَلَا , حَتَّى قَالَ : | أَنَا رَبّكُمْ الْأَعْلَى | [ النَّازِعَات : 24 ] وَحِين عَلِمَ اللَّه هَذَا مِنْ عَبْده , وَقَضَاؤُهُ صَادِر مِنْ عِنْده , رَدَّهُ أَسْفَل سَافِلِينَ بِأَنْ جَعَلَهُ مَمْلُوءًا قَذَرًا , مَشْحُونًا نَجَاسَةً , وَأَخْرَجَهَا عَلَى ظَاهِره إِخْرَاجًا مُنْكَرًا , عَلَى وَجْه الِاخْتِيَار تَارَة , وَعَلَى وَجْه الْغَلَبَة أُخْرَى , حَتَّى , إِذَا شَاهَدَ ذَلِكَ مِنْ أَمْره , رَجَعَ إِلَى قَدْره . وَقَرَأَ عَبْد اللَّه | أَسْفَل السَّافِلِينَ | . وَقَالَ : | أَسْفَل سَافِلِينَ | عَلَى الْجَمْع ; لِأَنَّ الْإِنْسَان فِي مَعْنَى جَمْع , وَلَوْ قَالَ : أَسْفَل سَافِل جَازَ ; لِأَنَّ لَفْظ الْإِنْسَان وَاحِد . وَتَقُول : هَذَا أَفْضَل قَائِم . وَلَا تَقُول أَفْضَل قَائِمِينَ ; لِأَنَّك تُضْمِر لِوَاحِدٍ , فَإِنْ كَانَ الْوَاحِد غَيْر مُضْمِر لَهُ , رَجَعَ اِسْمه بِالتَّوْحِيدِ وَالْجَمْع كَقَوْلِهِ تَعَالَى : | وَاَلَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمْ الْمُتَّقُونَ | [ الزُّمَر : 33 ] . وَقَوْله تَعَالَى : | وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنْسَان مِنَّا رَحْمَة فَرِحَ بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَة | [ الشُّورَى : 48 ] . وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ مَعْنَى | رَدَدْنَاهُ أَسْفَل سَافِلِينَ | أَيْ رَدَدْنَاهُ إِلَيَّ الضَّلَال كَمَا قَالَ تَعَالَى : | إِنَّ الْإِنْسَان لَفِي خُسْر . إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات | أَيْ إِلَّا هَؤُلَاءِ , فَلَا يُرَدُّونَ إِلَى ذَلِكَ . وَالِاسْتِثْنَاء عَلَى قَوْل مَنْ قَالَ | أَسْفَل سَافِلِينَ | النَّار , مُتَّصِل . وَمَنْ قَالَ : إِنَّهُ الْهَرَم فَهُوَ مُنْقَطِع .

فَإِنَّهُ تُكْتَب لَهُمْ حَسَنَاتُهُمْ , وَتُمْحَى عَنْهُمْ سَيِّئَاتهمْ قَالَهُ اِبْن عَبَّاس . قَالَ : وَهُمْ الَّذِينَ أَدْرَكَهُمْ الْكِبَر , لَا يُؤَاخَذُونَ بِمَا عَمِلُوهُ فِي كِبَرِهِمْ . وَرَوَى الضَّحَّاك عَنْهُ قَالَ : إِذَا كَانَ الْعَبْد فِي شَبَابه كَثِير الصَّلَاة كَثِير الصِّيَام وَالصَّدَقَة , ثُمَّ ضَعُفَ عَمَّا كَانَ يَعْمَل فِي شَبَابه أَجْرَى اللَّه عَزَّ وَجَلَّ لَهُ مَا كَانَ يَعْمَل فِي شَبَابه . وَفِي حَدِيث قَالَ النَّبِيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : [ إِذَا سَافَرَ الْعَبْد أَوْ مَرِضَ كَتَبَ اللَّه لَهُ مِثْل مَا كَانَ يَعْمَل مُقِيمًا صَحِيحًا ] . وَقِيلَ : | إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات | فَإِنَّهُ لَا يُخَرِّفُ وَلَا يَهْرَم , وَلَا يَذْهَب عَقْل مَنْ كَانَ عَالِمًا عَامِلًا بِهِ . وَعَنْ عَاصِم الْأَحْوَل عَنْ عِكْرِمَة قَالَ : مَنْ قَرَأَ الْقُرْآن لَمْ يُرَدَّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُر . وَرُوِيَ عَنْ اِبْن عُمَر عَنْ النَّبِيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ [ طُوبَى لِمَنْ طَالَ عُمُره وَحَسُنَ عَمَله ] . وَرُوِيَ : إِنَّ الْعَبْد الْمُؤْمِن إِذَا مَاتَ أَمَرَ اللَّه مَلَكَيْهِ أَنْ يَتَعَبَّدَا عَلَى قَبْره إِلَى يَوْم الْقِيَامَة , وَيُكْتَب لَهُ ذَلِكَ .|فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ|قَالَ الضَّحَّاك : أَجْر بِغَيْرِ عَمَل . وَقِيلَ مَقْطُوع .

قِيلَ : الْخِطَاب لِلْكَافِرِ تَوْبِيخًا وَإِلْزَامًا لِلْحُجَّةِ . أَيْ إِذَا عَرَفْت أَيّهَا الْإِنْسَان أَنَّ اللَّه خَلَقَك فِي أَحْسَن تَقْوِيم , وَأَنَّهُ يَرُدّك إِلَى أَرْذَل الْعُمُر , وَيَنْقُلُك مِنْ حَال إِلَى حَال فَمَا يَحْمِلُك عَلَى أَنْ تُكَذِّب بِالْبَعْثِ وَالْجَزَاء , وَقَدْ أَخْبَرَك مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِهِ ؟ وَقِيلَ : الْخِطَاب لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَيْ اِسْتَيْقِنْ مَعَ مَا جَاءَك مِنْ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ , أَنَّهُ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ . رُوِيَ مَعْنَاهُ عَنْ قَتَادَة . وَقَالَ قَتَادَة أَيْضًا وَالْفَرَّاء : الْمَعْنَى فَمَنْ يُكَذِّبك أَيّهَا الرَّسُول بَعْد هَذَا الْبَيَان بِالدِّينِ . وَاخْتَارَهُ الطَّبَرِيّ . كَأَنَّهُ قَالَ : فَمَنْ يَقْدِر عَلَى ذَلِكَ أَيْ عَلَى تَكْذِيبك بِالثَّوَابِ وَالْعِقَاب , بَعْد مَا ظَهَرَ مِنْ قُدْرَتِنَا عَلَى خَلْق الْإِنْسَان وَالدِّين وَالْجَزَاء . قَالَ الشَّاعِر :
دِنَّا تَمِيمًا كَمَا كَانَتْ أَوَائِلُنَا .......... دَانَتْ أَوَائِلَهُمْ فِي سَالِفِ الزَّمَنِ

أَيْ أَتْقَن الْحَاكِمِينَ صُنْعًا فِي كُلّ مَا خَلَقَ . وَقِيلَ : | بِأَحْكَم الْحَاكِمِينَ | قَضَاء بِالْحَقِّ , وَعَدْلًا بَيْن الْخَلْق . وَفِيهِ تَقْدِير لِمَنْ اِعْتَرَفَ مِنْ الْكُفَّار بِصَانِعِ قَدِيم . وَأَلِف الِاسْتِفْهَام إِذَا دَخَلَتْ عَلَى النَّفْي وَفِي الْكَلَام مَعْنَى التَّوْقِيف صَارَ إِيجَابًا , كَمَا قَالَ :
أَلَسْتُمْ خَيْرَ مَنْ رَكِبَ الْمَطَايَا
وَقِيلَ : | فَمَا يُكَذِّبك بَعْدُ بِالدِّينِ . أَلَيْسَ اللَّه بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ | : مَنْسُوخَة بِآيَةِ السَّيْف . وَقِيلَ : هِيَ ثَابِتَة ; لِأَنَّهُ لَا تَنَافِي بَيْنهمَا . وَكَانَ اِبْن عَبَّاس وَعَلِيّ بْن أَبِي طَالِب - رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا إِذَا قَرَأَ : | أَلَيْسَ اللَّه بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ | قَالَا : بَلَى , وَأَنَا عَلَى ذَلِكَ مِنْ الشَّاهِدِينَ فَيَخْتَار ذَلِكَ . وَاَللَّه أَعْلَم . وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ : مَنْ قَرَأَ سُورَة | وَالتِّين وَالزَّيْتُون | فَقَرَأَ | أَلَيْسَ اللَّه بِأَحْكَم الْحَاكِمِينَ | فَلْيَقُلْ : بَلَى , وَأَنَا عَلَى ذَلِكَ مِنْ الشَّاهِدِينَ . وَاَللَّه أَعْلَم

هَذِهِ السُّورَة أَوَّل مَا نَزَلَ مِنْ الْقُرْآن فِي قَوْل مُعْظَم الْمُفَسِّرِينَ . نَزَلَ بِهَا جِبْرِيل عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ قَائِم عَلَى حِرَاء , فَعَلَّمَهُ خَمْس آيَات مِنْ هَذِهِ السُّورَة . وَقِيلَ : إِنَّ أَوَّل مَا نَزَلَ | يَا أَيّهَا الْمُدَّثِّر | [ الْمُدَّثِّر : 1 ] , قَالَهُ جَابِر بْن عَبْد اللَّه ; وَقَدْ تَقَدَّمَ . وَقِيلَ : فَاتِحَة الْكِتَاب أَوَّل مَا نَزَلَ ; قَالَهُ أَبُو مَيْسَرَة الْهَمْدَانِيّ . وَقَالَ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : أَوَّل مَا نَزَلَ مِنْ الْقُرْآن | قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبّكُمْ عَلَيْكُمْ | [ الْأَنْعَام : 151 ] وَالصَّحِيح الْأَوَّل . قَالَتْ عَائِشَة : أَوَّل مَا بُدِئَ بِهِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الرُّؤْيَا الصَّادِقَة ; فَجَاءَهُ الْمَلَك فَقَالَ : | اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبّك الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسَان مِنْ عَلَق اِقْرَأْ وَرَبّك الْأَكْرَم | . خَرَّجَهُ الْبُخَارِيّ . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْهَا قَالَتْ : أَوَّل مَا بُدِئَ بِهِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْوَحْي الرُّؤْيَا الصَّادِقَة فِي النَّوْم ; فَكَانَ لَا يَرَى رُؤْيَا إِلَّا جَاءَتْ مِثْل فَلَق الصُّبْح , ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ الْخَلَاء , فَكَانَ يَخْلُو بِغَارِ حِرَاء , يَتَحَنَّث فِيهِ اللَّيَالِي ذَوَات الْعَدَد , قَبْل أَنْ يَرْجِع إِلَى أَهْله وَيَتَزَوَّد لِذَلِكَ ; ثُمَّ يَرْجِع إِلَى خَدِيجَة فَيَتَزَوَّد لِمِثْلِهَا ; حَتَّى فَجِئَهُ الْحَقّ وَهُوَ فِي غَار حِرَاء , فَجَاءَهُ الْمَلَك , فَقَالَ : [ اِقْرَأْ ] : فَقَالَ : ( مَا أَنَا بِقَارِئٍ - قَالَ - فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي , حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْد , ثُمَّ أَرْسَلَنِي ) فَقَالَ : [ اِقْرَأْ ] فَقُلْت : [ مَا أَنَا بِقَارِئٍ . فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّالِثَة حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْد , ثُمَّ أَرْسَلَنِي , فَقَالَ : | اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبّك الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسَان مِنْ عَلَق اِقْرَأْ وَرَبّك الْأَكْرَم . الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ . عَلَّمَ الْإِنْسَان مَا لَمْ يَعْلَم ] الْحَدِيث بِكَامِلِهِ . وَقَالَ أَبُو رَجَاء الْعُطَارِدِيّ : وَكَانَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ يَطُوف عَلَيْنَا فِي هَذَا الْمَسْجِد | مَسْجِد الْبَصْرَة | فَيُقْعِدنَا حِلَقًا , فَيُقْرِئنَا الْقُرْآن ; فَكَأَنِّي أَنْظُر إِلَيْهِ بَيْن ثَوْبَيْنِ لَهُ أَبْيَضَيْنِ , وَعَنْهُ أَخَذْت هَذِهِ السُّورَة : | اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبّك الَّذِي خَلَقَ | . وَكَانَتْ أَوَّل سُورَة أَنْزَلَهَا اللَّه عَلَى مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَرَوَتْ عَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا أَنَّهَا أَوَّل سُورَة أُنْزِلَتْ عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , ثُمَّ بَعْدهَا | ن وَالْقَلَم | , ثُمَّ بَعْدهَا | يَا أَيّهَا الْمُدَّثِّر | ثُمَّ بَعْدهَا | وَالضُّحَى | ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيّ . وَعَنْ الزُّهْرِيّ : أَوَّل مَا نَزَلَ سُورَة : | اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبّك - إِلَى قَوْله - مَا لَمْ يَعْلَم | , فَحَزِنَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَجَعَلَ يَعْلُو شَوَاهِق الْجِبَال , فَأَتَاهُ جِبْرِيل فَقَالَ لَهُ : [ إِنَّك نَبِيّ اللَّه ] فَرَجَعَ إِلَى خَدِيجَة وَقَالَ : [ دَثِّرُونِي وَصُبُّوا عَلَيَّ مَاء بَارِدًا ] فَنَزَلَ | يَا أَيّهَا الْمُدَّثِّر | [ الْمُدَّثِّر : 1 ] . وَمَعْنَى | اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبّك | أَيْ اِقْرَأْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْك مِنْ الْقُرْآن مُفْتَتِحًا بِاسْمِ رَبّك , وَهُوَ أَنْ تَذْكُر التَّسْمِيَة فِي اِبْتِدَاء كُلّ سُورَة . فَمَحَلّ الْبَاء مِنْ | بِاسْمِ رَبّك | النَّصْب عَلَى الْحَال . وَقِيلَ : الْبَاء بِمَعْنَى عَلَى , أَيْ اِقْرَأْ عَلَى اِسْم رَبّك . يُقَال : فَعَلَ كَذَا بِاسْمِ اللَّه , وَعَلَى اِسْم اللَّه . وَعَلَى هَذَا فَالْمَقْرُوء مَحْذُوف , أَيْ اِقْرَأْ الْقُرْآن , وَافْتَتِحْهُ بِاسْمِ اللَّه . وَقَالَ قَوْم : اِسْم رَبّك هُوَ الْقُرْآن , فَهُوَ يَقُول : | اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبّك | أَيْ اِسْم رَبّك , وَالْبَاء زَائِدَة ; كَقَوْلِهِ تَعَالَى | تَنْبُت بِالدُّهْنِ | [ الْمُؤْمِنُونَ : 20 ] , وَكَمَا قَالَ :
سُود الْمَحَاجِر لَا يَقْرَأْنَ بِالسُّوَرِ
أَرَادَ : لَا يَقْرَأْنَ السُّوَر . وَقِيلَ : مَعْنَى | اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبّك | أَيْ اُذْكُرْ اِسْمه . أَمَرَهُ أَنْ يَبْتَدِئ الْقِرَاءَة بِاسْمِ اللَّه .

| خَلَقَ الْإِنْسَان | يَعْنِي اِبْن آدَم .|مِنْ عَلَقٍ|أَيْ مِنْ دَم ; جَمْع عَلَقَة , وَالْعَلَقَة الدَّم الْجَامِد ; وَإِذَا جَرَى فَهُوَ الْمَسْفُوح . وَقَالَ : | مِنْ عَلَق | فَذَكَرَهُ بِلَفْظِ الْجَمْع ; لِأَنَّهُ أَرَادَ بِالْإِنْسَانِ الْجَمْع , وَكُلّهمْ خُلِقُوا مِنْ عَلَق بَعْد النُّطْفَة . وَالْعَلَقَة : قِطْعَة مِنْ دَم رَطْب , سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا تَعْلَق لِرُطُوبَتِهَا بِمَا تَمُرّ عَلَيْهِ , فَإِذَا جَفَّتْ لَمْ تَكُنْ عَلَقَة . قَالَ الشَّاعِر :
تَرَكْنَاهُ يَخِرّ عَلَى يَدَيْهِ .......... يَمُجّ عَلَيْهِمَا عَلَق الْوَتِين
وَخَصَّ الْإِنْسَان بِالذِّكْرِ تَشْرِيفًا لَهُ . وَقِيلَ : أَرَادَ أَنْ يُبَيِّن قَدْر نِعْمَته عَلَيْهِ , بِأَنْ خَلَقَهُ مِنْ عَلَقَة مَهِينَة , حَتَّى صَارَ بَشَرًا سَوِيًّا , وَعَاقِلًا مُمَيِّزًا .

قَوْله تَعَالَى : | اِقْرَأْ | تَأْكِيد , وَتَمَّ الْكَلَام , ثُمَّ اِسْتَأْنَفَ فَقَالَ : | وَرَبّك الْأَكْرَم | أَيْ الْكَرِيم . وَقَالَ الْكَلْبِيّ : يَعْنِي الْحَلِيم عَنْ جَهْل الْعِبَاد , فَلَمْ يُعَجِّل بِعُقُوبَتِهِمْ . وَالْأَوَّل أَشْبَه بِالْمَعْنَى ; لِأَنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ نِعَمه , دَلَّ بِهَا عَلَى كَرَمه . وَقِيلَ : | اِقْرَأْ وَرَبّك | أَيْ اِقْرَأْ يَا مُحَمَّد وَرَبّك يُعِينك وَيُفْهِمك , وَإِنْ كُنْت غَيْر الْقَارِئ . وَ | الْأَكْرَم | بِمَعْنَى الْمُتَجَاوِز عَنْ جَهْل الْعِبَاد .

فِيهِ ثَلَاث مَسَائِل :

الْأُولَى : قَوْله تَعَالَى : | الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ | يَعْنِي الْخَطّ وَالْكِتَابَة ; أَيْ عَلَّمَ الْإِنْسَان الْخَطّ بِالْقَلَمِ . وَرَوَى سَعِيد عَنْ قَتَادَة قَالَ : الْقَلَم نِعْمَة مِنْ اللَّه تَعَالَى عَظِيمَة , لَوْلَا ذَلِكَ لَمْ يَقُمْ دِين , وَلَمْ يَصْلُح عَيْش . فَدَلَّ عَلَى كَمَال كَرَمه سُبْحَانه , بِأَنَّهُ عَلَّمَ عِبَاده مَا لَمْ يَعْلَمُوا , وَنَقَلَهُمْ مِنْ ظُلْمَة الْجَهْل إِلَى نُور الْعِلْم , وَنَبَّهَ عَلَى فَضْل عِلْم الْكِتَابَة , لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَنَافِع الْعَظِيمَة , الَّتِي لَا يُحِيط بِهَا إِلَّا هُوَ . وَمَا دُوِّنَتْ الْعُلُوم , وَلَا قُيِّدَتْ الْحِكَم , وَلَا ضُبِطَتْ أَخْبَار الْأَوَّلِينَ وَمَقَالَاتهمْ , وَلَا كَتَبَ اللَّه الْمَنْزِلَة إِلَّا بِالْكِتَابَةِ ; وَلَوْلَا هِيَ مَا اِسْتَقَامَتْ أُمُور الدِّين وَالدُّنْيَا . وَسُمِّيَ قَلَمًا لِأَنَّهُ يُقْلَم ; أَيْ يُقْطَع , وَمِنْهُ تَقْلِيم الظُّفْرِ . وَقَالَ بَعْض الشُّعَرَاء الْمُحْدَثِينَ يَصِف الْقَلَم :
فَكَأَنَّهُ وَالْحِبْر يَخْضِب رَأْسه .......... شَيْخ لِوَصْلِ خَرِيدَة يَتَصَنَّع

لِمَ لَا أُلَاحِظهُ بِعَيْن جَلَالَة .......... وَبِهِ إِلَى اللَّه الصَّحَائِف تُرْفَع
وَعَنْ عَبْد اللَّه بْن عُمَر قَالَ : يَا رَسُول اللَّه , أَأَكْتُبُ مَا أَسْمَع مِنْك مِنْ الْحَدِيث ؟ قَالَ : [ نَعَمْ فَاكْتُبْ , فَإِنَّ اللَّه عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ] . وَرَوَى مُجَاهِد عَنْ أَبِي عُمَر قَالَ : خَلَقَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ أَرْبَعَة أَشْيَاء بِيَدِهِ , ثُمَّ قَالَ لِسَائِرِ الْحَيَوَان : كُنْ فَكَانَ : الْقَلَم , وَالْعَرْش , وَجَنَّة عَدْن , وَآدَم عَلَيْهِ السَّلَام . وَفِيمَنْ عَلَّمَهُ بِالْقَلَمِ ثَلَاثَة أَقَاوِيل : أَحَدهَا : أَنَّهُ آدَم عَلَيْهِ السَّلَام ; لِأَنَّهُ أَوَّل مَنْ كَتَبَ , قَالَهُ كَعْب الْأَحْبَار . الثَّانِي : أَنَّهُ إِدْرِيس , وَهُوَ أَوَّل مَنْ كَتَبَ . قَالَهُ الضَّحَّاك . الثَّالِث : أَنَّهُ أَدْخَلَ كُلّ مَنْ كَتَبَ بِالْقَلَمِ ; لِأَنَّهُ مَا عُلِّمَ إِلَّا بِتَعْلِيمِ اللَّه سُبْحَانه , وَجَمَعَ بِذَلِكَ نِعْمَته عَلَيْهِ فِي خَلْقه , وَبَيَّنَ نِعْمَته عَلَيْهِ فِي تَعْلِيمه ; اِسْتِكْمَالًا لِلنِّعْمَةِ عَلَيْهِ .

الثَّانِيَة : صَحَّ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة , قَالَ : ( لَمَّا خَلَقَ اللَّه الْخَلْق كَتَبَ فِي كِتَابه - فَهُوَ عِنْده فَوْق الْعَرْش : إِنَّ رَحْمَتِي تَغْلِب غَضَبِي ) . وَثَبَتَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَام أَنَّهُ قَالَ : ( أَوَّل مَا خَلَقَ اللَّه : الْقَلَم , فَقَالَ لَهُ اُكْتُبْ , فَكَتَبَ مَا يَكُون إِلَى يَوْم الْقِيَامَة , فَهُوَ عِنْده فِي الذِّكْر فَوْق عَرْشه ) . وَفِي الصَّحِيح مِنْ حَدِيث اِبْن مَسْعُود : أَنَّهُ سَمِعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : ( إِذَا مَرَّ بِالنُّطْفَةِ ثِنْتَانِ وَأَرْبَعُونَ لَيْلَة , بَعَثَ اللَّه إِلَيْهَا مَلَكًا فَصَوَّرَهَا , وَخَلَقَ سَمْعهَا وَبَصَرهَا وَجِلْدهَا وَلَحْمهَا وَعَظْمهَا , ثُمَّ يَقُول , يَا رَبّ , أَذَكَر أَمْ أُنْثَى ؟ فَيَقْضِي رَبّك مَا شَاءَ وَيَكْتُب الْمَلَك ثُمَّ يَقُول : يَا رَبّ أَجَله , فَيَقُول رَبّك مَا شَاءَ , وَيَكْتُب الْمَلَك , ثُمَّ يَقُول يَا رَبّ رِزْقه , فَيَقْضِي رَبّك مَا شَاءَ , وَيَكْتُب الْمَلَك , ثُمَّ يَخْرُج الْمَلَك بِالصَّحِيفَةِ فِي يَده , فَلَا يَزِيد عَلَى مَا أُمِرَ وَلَا يَنْقُص , وَقَالَ تَعَالَى : | إِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ . كِرَامًا كَاتِبِينَ | ( الِانْفِطَار : 10 ) .

قَالَ عُلَمَاؤُنَا : فَالْأَقْلَام فِي الْأَصْل ثَلَاثَة : الْقَلَم الْأَوَّل : الَّذِي خَلَقَهُ اللَّه بِيَدِهِ , وَأَمَرَهُ أَنْ يَكْتُب . وَالْقَلَم الثَّانِي : أَقْلَام الْمَلَائِكَة , جَعَلَهَا اللَّه بِأَيْدِيهِمْ يَكْتُبُونَ بِهَا الْمَقَادِير وَالْكَوَائِن وَالْأَعْمَال . وَالْقَلَم الثَّالِث : أَقْلَام النَّاس , جَعَلَهَا اللَّه بِأَيْدِيهِمْ , يَكْتُبُونَ بِهَا كَلَامهمْ , وَيَصِلُونَ بِهَا مَآرِبهمْ . وَفِي الْكِتَابَة فَضَائِل جَمَّة . وَالْكِتَابَة مِنْ جُمْلَة الْبَيَان , وَالْبَيَان مِمَّا اِخْتَصَّ بِهِ الْآدَمِيّ .

الثَّالِثَة : قَالَ عُلَمَاؤُنَا : كَانَتْ الْعَرَب أَقَلّ الْخَلْق مَعْرِفَة بِالْكِتَابِ , وَأَقَلّ الْعَرَب مَعْرِفَة بِهِ الْمُصْطَفَى صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; صُرِفَ عَنْ عِلْمه ; لِيَكُونَ ذَلِكَ أَثْبَت لِمُعْجِزَتِهِ , وَأَقْوَى فِي حُجَّته , وَقَدْ مَضَى هَذَا مُبَيَّنًا فِي سُورَة | الْعَنْكَبُوت | . وَرَوَى حَمَّاد بْن سَلَمَة عَنْ الزُّبَيْر بْن عَبْد السَّلَام , عَنْ أَيُّوب بْن عَبْد اللَّه الْفِهْرِيّ , عَنْ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : [ لَا تُسْكِنُوا نِسَاءَكُمْ الْغُرَف , وَلَا تُعَلِّمُوهُنَّ الْكِتَابَة ] . قَالَ عُلَمَاؤُنَا : وَإِنَّمَا حَذَّرَهُمْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ لِأَنَّ فِي إِسْكَانهنَّ الْغُرَف تَطَلُّعًا إِلَى الرَّجُل ; وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ تَحْصِين لَهُنَّ وَلَا تَسَتُّر . وَذَلِكَ أَنَّهُنَّ لَا يَمْلِكْنَ أَنْفُسهنَّ حَتَّى يُشْرِفْنَ عَلَى الرَّجُل ; فَتَحْدُث الْفِتْنَة وَالْبَلَاء ; فَحَذَّرَهُمْ أَنْ يَجْعَلُوا لَهُنَّ غُرَفًا ذَرِيعَة إِلَى الْفِتْنَة . وَهُوَ كَمَا قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : [ لَيْسَ لِلنِّسَاءِ خَيْر لَهُنَّ مِنْ أَلَّا يَرَاهُنَّ الرِّجَال , وَلَا يَرَيْنَ الرِّجَال ] . وَذَلِكَ أَنَّهَا خُلِقَتْ مِنْ الرَّجُل , فَنَهْمَتهَا فِي الرَّجُل , وَالرَّجُل خُلِقَتْ فِيهِ الشَّهْوَة , وَجُعِلَتْ سَكَنًا لَهُ , فَغَيْر مَأْمُون كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا فِي صَاحِبه . وَكَذَلِكَ تَعْلِيم الْكِتَابَة رُبَّمَا كَانَتْ سَبَبًا لِلْفِتْنَةِ , وَذَلِكَ إِذَا عُلِّمَتْ الْكِتَابَة كَتَبَتْ إِلَى مَنْ تَهْوَى . وَالْكِتَابَة عَيْن مِنْ الْعُيُون , بِهَا يُبْصِر الشَّاهِد الْغَائِب , وَالْخَطّ هُوَ آثَار يَده . وَفِي ذَلِكَ تَعْبِير عَنْ الضَّمِير بِمَا لَا يَنْطَلِق بِهِ اللِّسَان , فَهُوَ أَبْلَغ مِنْ اللِّسَان . فَأَحَبَّ رَسُوله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَنْقَطِع عَنْهُنَّ أَسْبَاب الْفِتْنَة ; تَحْصِينًا لَهُنَّ , وَطَهَارَة لِقُلُوبِهِنَّ .

قِيلَ : | الْإِنْسَان | هُنَا آدَم عَلَيْهِ السَّلَام . عَلَّمَهُ أَسْمَاء كُلّ شَيْء ; حَسَب مَا جَاءَ بِهِ الْقُرْآن فِي قَوْله تَعَالَى : | وَعَلَّمَ آدَم الْأَسْمَاء كُلّهَا | . فَلَمْ يَبْقَ شَيْء إِلَّا وَعَلَّمَ سُبْحَانه آدَم اِسْمه بِكُلِّ لُغَة , وَذَكَرَهُ آدَم لِلْمَلَائِكَةِ كَمَا عُلِّمَهُ . وَبِذَلِكَ ظَهَرَ فَضْله , وَتَبَيَّنَ قَدْره , وَثَبَتَتْ نُبُوَّته , وَقَامَتْ حُجَّة اللَّه عَلَى الْمَلَائِكَة وَحُجَّته , وَامْتَثَلَتْ الْمَلَائِكَة الْأَمْر لِمَا رَأَتْ مِنْ شَرَف الْحَال , وَرَأَتْ مِنْ جَلَال الْقُدْرَة , وَسَمِعَتْ مِنْ عَظِيم الْأَمْر . ثُمَّ تَوَارَثَتْ ذَلِكَ ذُرِّيَّته خَلَفًا بَعْد سَلَف , وَتَنَاقَلُوهُ قَوْمًا عَنْ قَوْم . وَقَدْ مَضَى هَذَا فِي سُورَة | الْبَقَرَة | مُسْتَوْفًى وَالْحَمْد لِلَّهِ . وَقِيلَ : | الْإِنْسَان | هُنَا الرَّسُول مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; دَلِيله قَوْله تَعَالَى : | وَعَلَّمَك مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَم | [ النِّسَاء : 113 ] . وَعَلَى هَذَا فَالْمُرَاد بِ | عَلَّمَك | الْمُسْتَقْبَل ; فَإِنَّ هَذَا مِنْ أَوَائِل مَا نَزَلَ . وَقِيلَ : هُوَ عَامّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : | وَاَللَّه أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُون أُمَّهَاتكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا | [ النَّحْل : 78 ] .

قِيلَ : إِنَّهُ نَزَلَ فِي أَبِي جَهْل . وَقِيلَ : نَزَلَتْ السُّورَة كُلّهَا فِي أَبِي جَهْل ; نَهَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الصَّلَاة ; فَأَمَرَ اللَّه نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُصَلِّي فِي الْمَسْجِد وَيَقْرَأ بِاسْمِ الرَّبّ . وَعَلَى هَذَا فَلَيْسَتْ السُّورَة مِنْ أَوَائِل مَا نَزَلَ . وَيَجُوز أَنْ يَكُون خَمْس آيَات مِنْ أَوَّلهَا أَوَّل مَا نَزَلَتْ , ثُمَّ نَزَلَتْ الْبَقِيَّة فِي شَأْن أَبِي جَهْل , وَأَمَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِضَمِّ ذَلِكَ إِلَى أَوَّل السُّورَة ; لِأَنَّ تَأْلِيف السُّوَر جَرَى بِأَمْرٍ مِنْ اللَّه . أَلَا تَرَى أَنَّ قَوْله تَعَالَى : | وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّه | [ الْبَقَرَة : 281 ] آخِر مَا نَزَلَ , ثُمَّ هُوَ مَضْمُوم إِلَى مَا نَزَلَ قَبْله بِزَمَانٍ طَوِيل . وَ | كَلَّا | بِمَعْنَى حَقًّا ; إِذْ لَيْسَ قَبْله شَيْء . وَالْإِنْسَان هُنَا أَبُو جَهْل . وَالطُّغْيَان : مُجَاوَزَة الْحَدّ فِي الْعِصْيَان .

| أَنْ رَآهُ | أَيْ لِأَنْ رَأَى نَفْسه اِسْتَغْنَى ; أَيْ صَارَ ذَا مَال وَثَرْوَة . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس فِي رِوَايَة أَبِي صَالِح عَنْهُ , قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة وَسَمِعَ بِهَا الْمُشْرِكُونَ , أَتَاهُ أَبُو جَهْل فَقَالَ : يَا مُحَمَّد تَزْعُم أَنَّهُ مَنْ اِسْتَغْنَى طَغَى ; فَاجْعَلْ لَنَا جِبَال مَكَّة ذَهَبًا , لَعَلَّنَا نَأْخُذ مِنْهَا , فَنَطْغَى فَنَدَع دِيننَا وَنَتَّبِع دِينك . قَالَ فَأَتَاهُ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام فَقَالَ : ( يَا مُحَمَّد خَيِّرْهُمْ فِي ذَلِكَ فَإِنْ شَاءُوا فَعَلْنَا بِهِمْ مَا أَرَادُوهُ فَإِنْ لَمْ يُسْلِمُوا فَعَلْنَا بِهِمْ كَمَا فَعَلْنَا بِأَصْحَابِ الْمَائِدَة ) . فَعَلِمَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ الْقَوْم لَا يَقْبَلُونَ ذَلِكَ ; فَكَفَّ عَنْهُمْ إِبْقَاء عَلَيْهِمْ . وَقِيلَ : | أَنْ رَآهُ اِسْتَغْنَى | بِالْعَشِيرَةِ وَالْأَنْصَار وَالْأَعْوَان . وَحَذَفَ اللَّام مِنْ قَوْله | أَنْ رَآهُ | كَمَا يُقَال : إِنَّكُمْ لَتَطْغَوْنَ إِنْ رَأَيْتُمْ غِنَاكُمْ . وَقَالَ الْفَرَّاء : لَمْ يَقُلْ رَأَى نَفْسه , كَمَا قِيلَ قَتَلَ نَفْسه ; لِأَنَّ رَأَى مِنْ الْأَفْعَال الَّتِي تُرِيد اِسْمًا وَخَبَرًا , نَحْو الظَّنّ وَالْحِسْبَان , فَلَا يُقْتَصَر فِيهِ عَلَى مَفْعُول وَاحِد . وَالْعَرَب تَطْرَح النَّفْس مِنْ هَذَا الْجِنْس تَقُول : رَأَيْتنِي وَحَسِبْتنِي , وَمَتَى تَرَاك خَارِجًا , وَمَتَى تَظُنّك خَارِجًا . وَقَرَأَ مُجَاهِد وَحُمَيْد وَقُنْبُل عَنْ اِبْن كَثِير | أَنْ رَأَهُ اِسْتَغْنَى | بِقَصْرِ الْهَمْزَة . الْبَاقُونَ | رَآهُ | بِمَدِّهَا , وَهُوَ الِاخْتِيَار .

أَيْ مَرْجِع مَنْ هَذَا وَصْفه , فَنُجَازِيه . وَالرُّجْعَى وَالْمَرْجِع وَالرُّجُوع : مَصَادِر ; يُقَال : رَجَعَ إِلَيْهِ رُجُوعًا وَمَرْجِعًا وَرُجْعَى عَلَى وَزْن فُعْلَى .

وَهُوَ أَبُو جَهْل

وَهُوَ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . فَإِنَّ أَبَا جَهْل قَالَ : إِنْ رَأَيْت مُحَمَّدًا يُصَلِّي لَأَطَأَنَّ عَلَى عُنُقه ; قَالَهُ أَبُو هُرَيْرَة . فَأَنْزَلَ اللَّه هَذِهِ الْآيَات تَعَجُّبًا مِنْهُ . وَقِيلَ : فِي الْكَلَام حَذْف ; وَالْمَعْنَى : أَمِنَ هَذَا النَّاهِي عَنْ الصَّلَاة مِنْ الْعُقُوبَة .

أَيْ أَرَأَيْت يَا أَبَا جَهْل إِنْ كَانَ مُحَمَّد عَلَى هَذِهِ الصِّفَة , أَلَيْسَ نَاهِيه عَنْ التَّقْوَى وَالصَّلَاة هَالِكًا ؟

أَيْ أَرَأَيْت يَا أَبَا جَهْل إِنْ كَانَ مُحَمَّد عَلَى هَذِهِ الصِّفَة , أَلَيْسَ نَاهِيه عَنْ التَّقْوَى وَالصَّلَاة هَالِكًا ؟