islamkingdomfaceBook islamkingdomtwitter islamkingdominstagram islamkingdomyoutube


سُورَة الرَّعْد مَكِّيَّة فِي قَوْل الْحَسَن وَعِكْرِمَة وَعَطَاء وَجَابِر , وَمَدَنِيَّة فِي قَوْل الْكَلْبِيّ وَمُقَاتِل . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس وَقَتَادَة : مَدَنِيَّة إِلَّا آيَتَيْنِ مِنْهَا نَزَلَتَا بِمَكَّة ; وَهُمَا قَوْله عَزَّ وَجَلَّ : | وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَال | [ الرَّعْد : 31 ] [ إِلَى آخِرهمَا ] .

قَالَ النَّحَّاس : قُرِئَ عَلَى أَبِي جَعْفَر أَحْمَد بْن شُعَيْب بْن عَلِيّ بْن الْحَسَن بْن حُرَيْث قَالَ : أَخْبَرَنَا عَلِيّ بْن الْحُسَيْن عَنْ أَبِيهِ عَنْ يَزِيد أَنَّ عِكْرِمَة حَدَّثَهُ عَنْ اِبْن عَبَّاس : المر , والر , وحم , ونون حُرُوف الرَّحْمَن مُفَرَّقَة ; فَحَدَّثْت بِهِ الْأَعْمَش فَقَالَ : عِنْدك أَشْبَاه هَذَا وَلَا تُخْبِرنِي بِهِ ؟ وَقَالَ الْحَسَن وَعِكْرِمَة : | المر | قَسَم . وَقَالَ سَعِيد عَنْ قَتَادَة : | المر | اِسْم السُّورَة ; قَالَ : وَكَذَلِكَ كُلّ هِجَاء فِي الْقُرْآن. وَقَالَ مُجَاهِد : هِيَ فَوَاتِح السُّوَر . وَقَالَ مُحَمَّد بْن يَزِيد : هِيَ تَنْبِيه , وَكَذَا حُرُوف التَّهَجِّي .|تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ|اِبْتِدَاء وَخَبَر ; أَيْ تِلْكَ الَّتِي جَرَى ذِكْرهَا آيَات الْكِتَاب الْحَكِيم . قَالَ مُجَاهِد وَقَتَادَة : أَرَادَ التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل وَالْكُتُب الْمُتَقَدِّمَة ; فَإِنَّ | تِلْكَ | إِشَارَة إِلَى غَائِب مُؤَنَّث . وَقِيلَ : | تِلْكَ | بِمَعْنَى هَذِهِ ; أَيْ هَذِهِ آيَات الْكِتَاب الْحَكِيم . وَمِنْهُ قَوْل الْأَعْشَى :
تِلْكَ خَيْلِي مِنْهُ وَتِلْكَ رِكَابِي .......... هُنَّ صُفْر أَوْلَادهَا كَالزَّبِيبِ
أَيْ هَذِهِ خَيْلِي . وَالْمُرَاد الْقُرْآن وَهُوَ أَوْلَى بِالصَّوَابِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَجْرِ لِلْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَة ذِكْر ,|وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ|يَعْنِي وَهَذَا الْقُرْآن الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْك .|مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ|لَا كَمَا يَقُول الْمُشْرِكُونَ : إِنَّك تَأْتِي بِهِ مِنْ تِلْقَاء نَفْسك ; فَاعْتَصِمْ بِهِ , وَاعْمَلْ بِمَا فِيهِ . قَالَ مُقَاتِل : نَزَلَتْ حِين قَالَ الْمُشْرِكُونَ : إِنَّ مُحَمَّدًا أَتَى بِالْقُرْآنِ مِنْ تِلْقَاء نَفْسه . | وَاَلَّذِي | فِي مَوْضِع رَفْع عَطْفًا عَلَى | آيَات | أَوْ عَلَى الِابْتِدَاء , و | الْحَقّ | خَبَره ; وَيَجُوز أَنْ يَكُون مَوْضِعه جَرًّا عَلَى تَقْدِير : وَآيَات الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْك , وَارْتِفَاع | الْحَقّ | عَلَى هَذَا عَلَى إِضْمَار مُبْتَدَأ , تَقْدِيره : ذَلِكَ الْحَقّ ; كَقَوْلِهِ تَعَالَى : | وَهُمْ يَعْلَمُونَ الْحَقّ | [ الْبَقَرَة : 146 - 147 ] يَعْنِي ذَلِكَ الْحَقّ . قَالَ الْفَرَّاء : وَإِنْ شِئْت جَعَلْت | الَّذِي | خَفْضًا نَعْتًا لِلْكِتَابِ , وَإِنْ كَانَتْ فِيهِ الْوَاو كَمَا يُقَال : أَتَانَا هَذَا الْكِتَاب عَنْ أَبِي حَفْص وَالْفَارُوق ; وَمِنْهُ قَوْل الشَّاعِر :
إِلَى الْمَلِك الْقَرْم وَابْن الْهُمَام .......... وَلَيْث الْكَتِيبَة فِي الْمُزْدَحَم
يُرِيد : إِلَى الْمَلِك الْقَرْم ابْن الْهُمَام , لَيْث الْكَتِيبَة . | وَلَكِنَّ أَكْثَر النَّاس لَا يُؤْمِنُونَ |

لَمَّا بَيَّنَ تَعَالَى أَنَّ الْقُرْآن حَقّ , بَيَّنَ أَنَّ مَنْ أَنْزَلَهُ قَادِر عَلَى الْكَمَال ; فَانْظُرُوا فِي مَصْنُوعَاته لِتَعْرِفُوا كَمَال قُدْرَته ; وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْمَعْنَى . وَفِي قَوْله : | بِغَيْرِ عَمَد تَرَوْنَهَا | قَوْلَانِ : أَحَدهمَا : أَنَّهَا مَرْفُوعَة بِغَيْرِ عَمَد تَرَوْنَهَا ; قَالَهُ قَتَادَة وَإِيَاس بْن مُعَاوِيَة وَغَيْرهمَا . الثَّانِي : لَهَا عَمَد , وَلَكِنَّا لَا نَرَاهُ ; قَالَ اِبْن عَبَّاس : لَهَا عَمَد عَلَى جَبَل قَاف ; وَيُمْكِن أَنْ يُقَال عَلَى هَذَا الْقَوْل : الْعَمَد قُدْرَته الَّتِي يُمْسِك بِهَا السَّمَاوَات وَالْأَرْض , وَهِيَ غَيْر مَرْئِيَّة لَنَا ; ذَكَرَهُ الزَّجَّاج . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس أَيْضًا : هِيَ تَوْحِيد الْمُؤْمِن. أَعَمَدَتْ السَّمَاء حِين كَادَتْ تَنْفَطِر مِنْ كُفْر الْكَافِر ; ذَكَرَهُ الْغَزْنَوِيّ . وَالْعَمَد جَمْع عَمُود ; قَالَ النَّابِغَة :
وَخَيِّس الْجِنَّ إِنِّي قَدْ أَذِنْت لَهُمْ .......... يَبْنُونَ تَدْمُر بِالصُّفَّاحِ وَالْعَمَد
|ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ|هَذِهِ مَسْأَلَة الِاسْتِوَاء ; وَلِلْعُلَمَاءِ فِيهَا كَلَام وَإِجْرَاء . وَقَدْ بَيَّنَّا أَقْوَال الْعُلَمَاء فِيهَا فِي الْكِتَاب الْأَسْنَى فِي شَرْح أَسْمَاء اللَّه الْحُسْنَى وَصِفَاته الْعُلَى ) وَذَكَرْنَا فِيهَا هُنَاكَ أَرْبَعَة عَشَر قَوْلًا . وَالْأَكْثَر مِنْ الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّهُ إِذَا وَجَبَ تَنْزِيه الْبَارِي سُبْحَانه عَنْ الْجِهَة وَالتَّحَيُّز فَمِنْ ضَرُورَة ذَلِكَ وَلَوَاحِقه اللَّازِمَة عَلَيْهِ عِنْد عَامَّة الْعُلَمَاء الْمُتَقَدِّمِينَ وَقَادَتهمْ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ تَنْزِيهه تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَنْ الْجِهَة , فَلَيْسَ بِجِهَة فَوْق عِنْدهمْ ; لِأَنَّهُ يَلْزَم مِنْ ذَلِكَ عِنْدهمْ مَتَى اِخْتَصَّ بِجِهَةٍ أَنْ يَكُون فِي مَكَان أَوْ حَيِّز , وَيَلْزَم عَلَى الْمَكَان وَالْحَيِّز الْحَرَكَة وَالسُّكُون لِلْمُتَحَيِّزِ , وَالتَّغَيُّر وَالْحُدُوث . هَذَا قَوْل الْمُتَكَلِّمِينَ . وَقَدْ كَانَ السَّلَف الْأَوَّل رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ لَا يَقُولُونَ بِنَفْيِ الْجِهَة وَلَا يَنْطِقُونَ بِذَلِكَ , بَلْ نَطَقُوا هُمْ وَالْكَافَّة بِإِثْبَاتِهَا لِلَّهِ تَعَالَى كَمَا نَطَقَ كِتَابه وَأَخْبَرَتْ رُسُله . وَلَمْ يُنْكِر أَحَد مِنْ السَّلَف الصَّالِح أَنَّهُ اِسْتَوَى عَلَى عَرْشه حَقِيقَة . وَخَصَّ الْعَرْش بِذَلِكَ لِأَنَّهُ أَعْظَم مَخْلُوقَاته , وَإِنَّمَا جَهِلُوا كَيْفِيَّة الِاسْتِوَاء فَإِنَّهُ لَا تُعْلَم حَقِيقَته . قَالَ مَالِك رَحِمَهُ اللَّه : الِاسْتِوَاء مَعْلُوم - يَعْنِي فِي اللُّغَة - وَالْكَيْف مَجْهُول , وَالسُّؤَال عَنْ هَذَا بِدْعَة . وَكَذَا قَالَتْ أُمّ سَلَمَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا . وَهَذَا الْقَدْر كَافٍ , وَمَنْ أَرَادَ زِيَادَة عَلَيْهِ فَلْيَقِفْ عَلَيْهِ فِي مَوْضِعه مِنْ كُتُب الْعُلَمَاء . وَالِاسْتِوَاء فِي كَلَام الْعَرَب هُوَ الْعُلُوّ وَالِاسْتِقْرَار . قَالَ الْجَوْهَرِيّ : وَاسْتَوَى مِنْ اِعْوِجَاج , وَاسْتَوَى عَلَى ظَهْر دَابَّته ; أَيْ اِسْتَقَرَّ . وَاسْتَوَى إِلَى السَّمَاء أَيْ قَصَدَ . وَاسْتَوَى أَيْ اِسْتَوْلَى وَظَهَرَ . قَالَ :
قَدْ اِسْتَوَى بِشْر عَلَى الْعِرَاق .......... مِنْ غَيْر سَيْف وَدَم مِهْرَاق
وَاسْتَوَى الرَّجُل أَيْ اِنْتَهَى شَبَابه . وَاسْتَوَى الشَّيْء إِذَا اِعْتَدَلَ . وَحَكَى أَبُو عُمَر بْن عَبْد الْبَرّ عَنْ أَبِي عُبَيْدَة فِي قَوْله تَعَالَى : | الرَّحْمَن عَلَى الْعَرْش اِسْتَوَى | [ طَه : 5 ] قَالَ : عَلَا . وَقَالَ الشَّاعِر :
فَأَوْرَدْتهمْ مَاءً بِفَيْفَاء قَفْرَةٍ .......... وَقَدْ حَلَّقَ النَّجْم الْيَمَانِيّ فَاسْتَوَى
أَيْ عَلَا وَارْتَفَعَ. قُلْت : فَعُلُوّ اللَّه تَعَالَى وَارْتِفَاعه عِبَارَة عَنْ عُلُوّ مَجْده وَصِفَاته وَمَلَكُوته . أَيْ لَيْسَ فَوْقه فِيمَا يَجِب لَهُ مِنْ مَعَانِي الْجَلَال أَحَد , وَلَا مَعَهُ مَنْ يَكُون الْعُلُوّ مُشْتَرِكًا بَيْنه وَبَيْنه ; لَكِنَّهُ الْعَلِيّ بِالْإِطْلَاقِ سُبْحَانه .

| عَلَى الْعَرْش | لَفْظ مُشْتَرَك يُطْلَق عَلَى أَكْثَر مِنْ وَاحِد. قَالَ الْجَوْهَرِيّ وَغَيْره : الْعَرْش سَرِير الْمَلِك . وَفِي التَّنْزِيل | نَكِّرُوا لَهَا عَرْشهَا | [ النَّمْل : 41 ] , | وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْش | [ يُوسُف : 100 ] . وَالْعَرْش : سَقْف الْبَيْت . وَعَرْش الْقَدَم : مَا نَتَأَ فِي ظَهْرهَا وَفِيهِ الْأَصَابِع . وَعَرْش السِّمَاك : أَرْبَعَة كَوَاكِب صِغَار أَسْفَل مِنْ الْعَوَّاء , يُقَال : إِنَّهَا عَجُز الْأَسَد . وَعَرْش الْبِئْر : طَيّهَا بِالْخَشَبِ , بَعْد أَنْ يُطْوَى أَسْفَلهَا بِالْحِجَارَةِ قَدْر قَامَة ; فَذَلِكَ الْخَشَب هُوَ الْعَرْش , وَالْجَمْع عُرُوش . وَالْعَرْش اِسْم لِمَكَّة. وَالْعَرْش الْمَلِك وَالسُّلْطَان . يُقَال : ثُلَّ عَرْش فُلَان إِذَا ذَهَبَ مُلْكه وَسُلْطَانه وَعِزّه . قَالَ زُهَيْر :
تَدَارَكْتُمَا عَبْسًا وَقَدْ ثُلَّ عَرْشهَا .......... وَذُبْيَان إِذْ ذَلَّتْ بِأَقْدَامِهَا النَّعْل
وَقَدْ يُؤَوَّل الْعَرْش فِي الْآيَة بِمَعْنَى الْمُلْك , أَيْ مَا اِسْتَوَى الْمُلْك إِلَّا لَهُ جَلَّ وَعَزَّ. وَهُوَ قَوْل حَسَن وَفِيهِ نَظَر , وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي جُمْلَة الْأَقْوَال فِي كِتَابنَا . وَالْحَمْد لِلَّهِ .|وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ|أَيْ ذَلَّلَهُمَا لِمَنَافِع خَلْقه وَمَصَالِح عِبَاده ; وَكُلّ مَخْلُوق مُذَلَّل لِلْخَالِقِ .|كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى|أَيْ إِلَى وَقْت مَعْلُوم ; وَهُوَ فَنَاء الدُّنْيَا , وَقِيَام السَّاعَة الَّتِي عِنْدهَا تُكَوَّر الشَّمْس , وَيُخْسَف الْقَمَر , وَتَنْكَدِر النُّجُوم , وَتَنْتَثِر الْكَوَاكِب . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : أَرَادَ بِالْأَجَلِ الْمُسَمَّى دَرَجَاتهمَا وَمَنَازِلهُمَا الَّتِي يَنْتَهِيَانِ إِلَيْهَا لَا يُجَاوِزَانِهَا . وَقِيلَ : مَعْنَى الْأَجَل الْمُسَمَّى أَنَّ الْقَمَر يَقْطَع فَلَكه فِي شَهْر , وَالشَّمْس فِي سَنَة .|يُدَبِّرُ الْأَمْرَ|أَيْ يُصَرِّفهُ عَلَى مَا يُرِيد .|يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ|| يُفَصِّل الْآيَات | أَيْ يُبَيِّنهَا أَيْ مَنْ قَدَرَ عَلَى هَذِهِ الْأَشْيَاء يَقْدِر عَلَى الْإِعَادَة ; وَلِهَذَا قَالَ : | لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبّكُمْ تُوقِنُونَ |

لَمَّا بَيَّنَ آيَات السَّمَاوَات بَيَّنَ آيَات الْأَرْض ; أَيْ بَسَطَ الْأَرْض طُولًا وَعَرْضًا .|وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ|أَيْ جِبَالًا ثَوَابِت ; وَاحِدهَا رَاسِيَة ; لِأَنَّ الْأَرْض تَرْسُو بِهَا , أَيْ تَثْبُت ; وَالْإِرْسَاء الثُّبُوت ; قَالَ عَنْتَرَة :
فَصَبَرْت عَارِفَة لِذَلِكَ حُرَّة .......... تَرْسُو إِذَا نَفْس الْجَبَان تَطَلَّع
وَقَالَ جَمِيل :
أُحِبّهَا وَاَلَّذِي أَرْسَى قَوَاعِده .......... حُبًّا إِذَا ظَهَرَتْ آيَاته بَطَنَا
وَقَالَ اِبْن عَبَّاس وَعَطَاء : أَوَّل جَبَل وُضِعَ عَلَى الْأَرْض أَبُو قُبَيْس . مَسْأَلَة : فِي هَذِهِ الْآيَة رَدّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْأَرْض كَالْكُرَةِ , وَرَدّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْأَرْض تَهْوِي أَبْوَابهَا عَلَيْهَا ; وَزَعَمَ اِبْن الرَّاوَنْدِيّ أَنَّ تَحْت الْأَرْض جِسْمًا صَعَّادًا كَالرِّيحِ الصَّعَّادَة ; وَهِيَ مُنْحَدِرَة فَاعْتَدَلَ الْهَاوِي وَالصَّعَّادِي فِي الْجِرْم وَالْقُوَّة فَتَوَافَقَا . وَزَعَمَ آخَرُونَ أَنَّ الْأَرْض مُرَكَّب مِنْ جِسْمَيْنِ , أَحَدهمَا مُنْحَدِر , وَالْآخَر مُصْعِد , فَاعْتَدَلَا , فَلِذَلِكَ وَقَفَتْ . وَاَلَّذِي عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ وَأَهْل الْكِتَاب الْقَوْل بِوُقُوفِ الْأَرْض وَسُكُونهَا وَمَدّهَا , وَأَنَّ حَرَكَتهَا إِنَّمَا تَكُون فِي الْعَادَة بِزَلْزَلَةٍ تُصِيبهَا .|وَأَنْهَارًا|أَيْ مِيَاهًا جَارِيَة فِي الْأَرْض , فِيهَا مَنَافِع الْخَلْق .|وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ|بِمَعْنَى صِنْفَيْنِ . قَالَ أَبُو عُبَيْدَة : الزَّوْج وَاحِد , وَيَكُون اِثْنَيْنِ. الْفَرَّاء : يَعْنِي بِالزَّوْجَيْنِ هَاهُنَا الذَّكَر وَالْأُنْثَى ; وَهَذَا خِلَاف النَّصّ . وَقِيلَ : مَعْنَى | زَوْجَيْنِ | نَوْعَانِ , كَالْحُلْوِ وَالْحَامِض , وَالرَّطْب وَالْيَابِس , وَالْأَبْيَض وَالْأَسْوَد , وَالصَّغِير وَالْكَبِير .|يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ|أَيْ دَلَالَات وَعَلَامَات | لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ |

| وَفِي الْأَرْض قِطَع مُتَجَاوِرَات | فِي الْكَلَام حَذْف ; الْمَعْنَى : وَفِي الْأَرْض قِطَع مُتَجَاوِرَات وَغَيْر مُتَجَاوِرَات ; كَمَا قَالَ : | سَرَابِيل تَقِيكُمْ الْحَرّ | وَالْمَعْنَى : وَتَقِيكُمْ الْبَرْد , ثُمَّ حَذَفَ لِعِلْمِ السَّامِع . وَالْمُتَجَاوِرَات الْمُدُن وَمَا كَانَ عَامِرًا , وَغَيْر مُتَجَاوِرَات الصَّحَارِي وَمَا كَانَ غَيْر عَامِر.

| مُتَجَاوِرَات | أَيْ قُرًى مُتَدَانِيَات , تُرَابهَا وَاحِد , وَمَاؤُهَا وَاحِد , وَفِيهَا زُرُوع وَجَنَّات , ثُمَّ تَتَفَاوَت فِي الثِّمَار وَالتَّمْر ; فَيَكُون الْبَعْض حُلْوًا , وَالْبَعْض حَامِضًا ; وَالْغُصْن الْوَاحِد مِنْ الشَّجَرَة قَدْ يَخْتَلِف الثَّمَر فِيهِ مِنْ الصِّغَر وَالْكِبَر وَاللَّوْن وَالْمَطْعَم , وَإِنْ اِنْبَسَطَ الشَّمْس وَالْقَمَر عَلَى الْجَمِيع عَلَى نَسَق وَاحِد ; وَفِي هَذَا أَدَلّ دَلِيل عَلَى وَحْدَانِيّته وَعِظَم صَمَدِيَّته , وَالْإِرْشَاد لِمَنْ ضَلَّ عَنْ مَعْرِفَته ; فَإِنَّهُ نَبَّهَ سُبْحَانه بِقَوْلِهِ : | تُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِد | عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كُلّه لَيْسَ إِلَّا بِمَشِيئَتِهِ وَإِرَادَته , وَأَنَّهُ مَقْدُور بِقُدْرَتِهِ ; وَهَذَا أَدَلّ دَلِيل عَلَى بُطْلَان الْقَوْل بِالطَّبْعِ ; إِذْ لَوْ كَانَ ذَلِكَ بِالْمَاءِ وَالتُّرَاب وَالْفَاعِل لَهُ الطَّبِيعَة لَمَا وَقَعَ الِاخْتِلَاف . وَقِيلَ : وَجْه الِاحْتِجَاج أَنَّهُ أَثْبَتَ التَّفَاوُت بَيْن الْبِقَاع ; فَمِنْ تُرْبَة عَذْبَة , وَمِنْ تُرْبَة سَبِخَة مَعَ تَجَاوِرهُمَا ; وَهَذَا أَيْضًا مِنْ دَلَالَات كَمَال قُدْرَته ; جَلَّ وَعَزَّ تَعَالَى عَمَّا يَقُول الظَّالِمُونَ وَالْجَاحِدُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا .

ذَهَبَتْ الْكَفَرَة - لَعَنَهُمْ اللَّه - إِلَى أَنَّ كُلّ حَادِث يَحْدُث بِنَفْسِهِ لَا مِنْ صَانِع ; وَادَّعَوْا ذَلِكَ فِي الثِّمَار الْخَارِجَة مِنْ الْأَشْجَار , وَقَدْ أَقَرُّوا بِحُدُوثِهَا , وَأَنْكَرُوا مُحْدِثهَا , وَأَنْكَرُوا الْأَعْرَاض. وَقَالَتْ فِرْقَة : بِحُدُوثِ الثِّمَار لَا مِنْ صَانِع , وَأَثْبَتُوا لِلْأَعْرَاضِ فَاعِلًا ; وَالدَّلِيل عَلَى أَنَّ الْحَادِث لَا بُدّ لَهُ مِنْ مُحْدِث أَنَّهُ يَحْدُث فِي وَقْت , وَيَحْدُث مَا هُوَ مِنْ جِنْسه فِي وَقْت آخَر ; فَلَوْ كَانَ حُدُوثه فِي وَقْته لِاخْتِصَاصِهِ بِهِ , لَوَجَبَ أَنْ يَحْدُث فِي وَقْته كُلّ مَا هُوَ مِنْ جِنْسه ; وَإِذَا بَطَلَ اِخْتِصَاصه بِوَقْتِهِ صَحَّ أَنَّ اِخْتِصَاصه بِهِ لِأَجْلِ مُخَصِّص خَصَّصَهُ بِهِ , وَلَوْلَا تَخْصِيصه إِيَّاهُ بِهِ لَمْ يَكُنْ حُدُوثه فِي وَقْته أَوْلَى مِنْ حُدُوثه قَبْل ذَلِكَ أَوْ بَعْده ; وَاسْتِيفَاء هَذَا فِي عِلْم الْكَلَام .|وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ|وَجَنَّات | بِكَسْرِ التَّاء , عَلَى التَّقْدِير : وَجَعَلَ فِيهَا جَنَّات , فَهُوَ مَحْمُول عَلَى قَوْله : | وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ | . وَيَجُوز أَنْ تَكُون مَجْرُورَة عَلَى الْحَمْل عَلَى | كُلّ | التَّقْدِير : وَمِنْ كُلّ الثَّمَرَات , وَمِنْ جَنَّات . الْبَاقُونَ | جَنَّات | بِالرَّفْعِ عَلَى تَقْدِير : وَبَيْنهمَا جَنَّات.|وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ|بِالرَّفْعِ . اِبْن كَثِير وَأَبُو عَمْرو وَحَفْص عَطْفًا عَلَى الْجَنَّات ; أَيْ عَلَى تَقْدِير : وَفِي الْأَرْض زَرْع وَنَخِيل . وَخَفَضَهَا الْبَاقُونَ نَسَقًا عَلَى الْأَعْنَاب ; فَيَكُون الزَّرْع وَالنَّخِيل مِنْ الْجَنَّات ; وَيَجُوز أَنْ يَكُون مَعْطُوفًا عَلَى | كُلّ | حَسَب مَا تَقَدَّمَ فِي | وَجَنَّات | . وَقَرَأَ مُجَاهِد وَالسُّلَمِيّ وَغَيْرهمَا | صُنْوَان | بِضَمِّ الصَّاد , الْبَاقُونَ بِالْكَسْرِ ; وَهُمَا لُغَتَانِ ; وَهُمَا جَمْع صِنْو , وَهِيَ النَّخَلَات وَالنَّخْلَتَانِ , يَجْمَعهُنَّ أَصْل وَاحِد , وَتَتَشَعَّب مِنْهُ رُءُوس فَتَصِير نَخِيلًا ; نَظِيرهَا قِنْوَان , وَاحِدهَا قِنْو وَرَوَى أَبُو إِسْحَاق عَنْ الْبَرَاء قَالَ : الصِّنْوَانِ الْمُجْتَمِع , وَغَيْر الصِّنْوَانِ الْمُتَفَرِّق ; النَّحَّاس : وَكَذَلِكَ هُوَ فِي اللُّغَة ; يُقَال لِلنَّخْلَةِ إِذَا كَانَتْ فِيهَا نَخْلَة أُخْرَى أَوْ أَكْثَر صِنْوَانِ . وَالصِّنْو الْمِثْل ; وَمِنْهُ قَوْل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( عَمّ الرَّجُل صِنْو أَبِيهِ ) . وَلَا فَرْق فِيهَا بَيْن التَّثْنِيَة وَالْجَمْع وَلَا بِالْإِعْرَابِ ; فَتُعْرَب نُون الْجَمْع , وَتُكْسَر نُون التَّثْنِيَة ; قَالَ الشَّاعِر :
الْعِلْم وَالْحِلْم خُلَّتَا كَرَم .......... لِلْمَرْءِ زَيْن إِذَا هُمَا اِجْتَمَعَا

صِنْوَانِ لَا يُسْتَتَمّ حُسْنهمَا .......... إِلَّا بِجَمْعِ ذَا وَذَاكَ مَعَا
|يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ|كَصَالِحِ بَنِي آدَم وَخَبِيثهمْ ; أَبُوهُمْ وَاحِد ; قَالَهُ النَّحَّاس وَالْبُخَارِيّ . وَقَرَأَ عَاصِم وَابْن عَامِر : | يُسْقَى | بِالْيَاءِ , أَيْ يُسْقَى ذَلِكَ كُلّه . وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالتَّاءِ , لِقَوْلِهِ : | جَنَّات | وَاخْتَارَهُ أَبُو حَاتِم وَأَبُو عُبَيْدَة ; قَالَ أَبُو عَمْرو : وَالتَّأْنِيث أَحْسَن ;|وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ|وَلَمْ يَقُلْ بَعْضه . وَقَرَأَ حَمْزَة وَالْكِسَائِيّ وَغَيْرهمَا | وَيُفَضِّل بِالْيَاءِ رَدًّا عَلَى قَوْله : | يُدَبِّر الْأَمْر | [ الرَّعْد : 2 ] و | يُفَصِّل | [ الرَّعْد : 2 ] و | يُغْشِي | [ الرَّعْد : 3 ] الْبَاقُونَ بِالنُّونِ عَلَى مَعْنَى : وَنَحْنُ نُفَضِّل . وَرَوَى جَابِر بْن عَبْد اللَّه قَالَ : سَمِعْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول لِعَلَيٍّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : ( النَّاس مِنْ شَجَر شَتَّى وَأَنَا وَأَنْتَ مِنْ شَجَرَة وَاحِدَة ثُمَّ قَرَأَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ | وَفِي الْأَرْض قِطَع مُتَجَاوِرَات | حَتَّى بَلَغَ قَوْله : | يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِد | ) و | الْأُكُل | الثَّمَر . قَالَ اِبْن عَبَّاس : يَعْنِي الْحُلْو وَالْحَامِض وَالْفَارِسِيّ وَالدَّقَل . وَرُوِيَ مَرْفُوعًا مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة ( أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي قَوْله تَعَالَى : | وَنُفَضِّل بَعْضهَا عَلَى بَعْض فِي الْأُكُل | قَالَ : الْفَارِسِيّ وَالدَّقَل وَالْحُلْو وَالْحَامِض ) ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيّ. قَالَ الْحَسَن : الْمُرَاد بِهَذِهِ الْآيَة الْمَثَل ; ضَرَبَهُ اللَّه تَعَالَى لِبَنِي آدَم , أَصْلهمْ وَاحِد , وَهُمْ مُخْتَلِفُونَ فِي الْخَيْر وَالشَّرّ . وَالْإِيمَان وَالْكُفْر , كَاخْتِلَافِ الثِّمَار الَّتِي تُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِد ; وَمِنْهُ قَوْل الشَّاعِر :
النَّاس كَالنَّبْتِ وَالنَّبْت أَلْوَان .......... مِنْهَا شَجَر الصَّنْدَل وَالْكَافُور وَالْبَان

وَمِنْهَا شَجَر يَنْضَح طُول الدَّهْر قَطْرَان
|إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ|أَيْ لَعَلَامَات لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْب يَفْهَم عَنْ اللَّه تَعَالَى .

أَيْ إِنْ تَعْجَب يَا مُحَمَّد مِنْ تَكْذِيبهمْ لَك بَعْدَمَا كُنْت عِنْدهمْ الصَّادِق الْأَمِين فَأَعْجَب مِنْهُ تَكْذِيبهمْ بِالْبَعْثِ ; وَاَللَّه تَعَالَى لَا يَتَعَجَّب , وَلَا يَجُوز عَلَيْهِ التَّعَجُّب ; لِأَنَّهُ تَغَيُّر النَّفْس بِمَا تَخْفَى أَسْبَابه , وَإِنَّمَا ذَكَرَ ذَلِكَ لِيَتَعَجَّب مِنْهُ نَبِيّه وَالْمُؤْمِنُونَ . وَقِيلَ الْمَعْنَى : أَيْ إِنْ عَجِبْت يَا مُحَمَّد مِنْ إِنْكَارهمْ الْإِعَادَة مَعَ إِقْرَارهمْ بِأَنِّي خَالِق السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَالثِّمَار الْمُخْتَلِفَة مِنْ الْأَرْض الْوَاحِدَة فَقَوْلهمْ عَجَب يَعْجَب مِنْهُ الْخَلْق ; لِأَنَّ الْإِعَادَة فِي مَعْنَى الِابْتِدَاء. وَقِيلَ : الْآيَة فِي مُنْكِرِي الصَّانِع ; أَيْ إِنْ تَعْجَب مِنْ إِنْكَارهمْ الصَّانِع مَعَ الْأَدِلَّة الْوَاضِحَة بِأَنَّ الْمُتَغَيِّر لَا بُدّ لَهُ مِنْ مُغَيِّر فَهُوَ مَحَلّ التَّعَجُّب ; وَنَظْم الْآيَة يَدُلّ عَلَى الْأَوَّل وَالثَّانِي ; لِقَوْلِهِ : | أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا ||أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا|أَيْ أَنُبْعَثُ إِذَا كُنَّا تُرَابًا ؟ ! .|أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ|وَقُرِئَ | إِنَّا |.|أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا|| الْأَغْلَال | جَمْع غُلّ ; وَهُوَ طَوْق تُشَدّ بِهِ الْيَد إِلَى الْعُنُق , أَيْ يُغَلُّونَ يَوْم الْقِيَامَة ; بِدَلِيلِ قَوْله : | إِذْ الْأَغْلَال فِي أَعْنَاقهمْ | [ غَافِر : 71 ] إِلَى قَوْله : | ثُمَّ فِي النَّار يُسْجَرُونَ | [ غَافِر : 72 ] . وَقِيلَ : الْأَغْلَال أَعْمَالهمْ السَّيِّئَة الَّتِي هِيَ لَازِمَة لَهُمْ .