islamkingdomfaceBook islamkingdomtwitter islamkingdominstagram islamkingdomyoutube


أَيْ تَقَابَلَا الْجَمْعَانِ بِحَيْثُ يَرَى كُلّ فَرِيق صَاحِبه ; وَهُوَ تَفَاعُل مِنْ الرُّؤْيَة .|قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ|أَيْ قَرُبَ مِنَّا الْعَدُوّ وَلَا طَاقَة لَنَا بِهِ . وَقِرَاءَة الْجَمَاعَة : | لَمُدْرَكُونَ | بِالتَّخْفِيفِ مِنْ أَدْرَكَ . وَمِنْهُ : | حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَق | [ يُونُس : 90 ] . وَقَرَأَ عُبَيْد بْن عُمَيْر وَالْأَعْرَج وَالزُّهْرِيّ : | لَمُدَّرَكُونَ | بِتَشْدِيدِ الدَّال مِنْ اِدَّرَكَ . قَالَ الْفَرَّاء : حَفَرَ وَاحْتَفَرَ بِمَعْنًى وَاحِد , وَكَذَلِكَ | لَمُدْرَكُونَ | وَ | لَمُدَّرَكُونَ | بِمَعْنًى وَاحِد . النَّحَّاس : وَلَيْسَ كَذَلِكَ يَقُول النَّحْوِيُّونَ الْحُذَّاق ; إِنَّمَا يَقُولُونَ : مُدْرَكُونَ مُلْحَقُونَ , وَمُدْرَكُونَ مُجْتَهَد فِي لِحَاقهمْ , كَمَا يُقَال : كَسَبْت بِمَعْنَى أَصَبْت وَظَفِرْت , وَاكْتَسَبْت بِمَعْنَى اِجْتَهَدْت وَطَلَبْت وَهَذَا مَعْنَى قَوْل سِيبَوَيْهِ .

لَمَّا لَحِقَ فِرْعَوْن بِجَمْعِهِ جَمْع مُوسَى وَقَرُبَ مِنْهُمْ , وَرَأَتْ بَنُو إِسْرَائِيل الْعَدُوّ الْقَوِيّ وَالْبَحْر أَمَامهمْ سَاءَتْ ظُنُونهمْ , وَقَالُوا لِمُوسَى , عَلَى جِهَة التَّوْبِيخ وَالْجَفَاء : | إِنَّا لَمُدْرَكُونَ | فَرَدَّ عَلَيْهِمْ قَوْلهمْ وَزَجَرَهُمْ وَذَكَّرَهُمْ وَعْد اللَّه سُبْحَانه لَهُ بِالْهِدَايَةِ وَالظَّفَر | كَلَّا | أَيْ لَمْ يُدْرِكُوكُمْ | إِنَّ مَعِي رَبِّي | أَيْ بِالنَّصْرِ عَلَى الْعَدُوّ . | سَيَهْدِينِ | أَيْ سَيَدُلُّنِي عَلَى طَرِيق النَّجَاة ;

فَلَمَّا عَظُمَ الْبَلَاء عَلَى بَنِي إِسْرَائِيل ; وَرَأَوْا مِنْ الْجُيُوش مَا لَا طَاقَة لَهُمْ بِهَا , أَمَرَ اللَّه تَعَالَى مُوسَى أَنْ يَضْرِب الْبَحْر بِعَصَاهُ ; وَذَلِكَ أَنَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَرَادَ أَنْ تَكُون الْآيَة مُتَّصِلَة بِمُوسَى وَمُتَعَلِّقَة بِفِعْلٍ يَفْعَلهُ ; وَإِلَّا فَضَرْب الْعَصَا لَيْسَ بِفَارِقٍ لِلْبَحْرِ , وَلَا مُعِين عَلَى ذَلِكَ بِذَاتِهِ إِلَّا بِمَا اِقْتَرَنَ بِهِ مِنْ قُدْرَة اللَّه تَعَالَى وَاخْتِرَاعه . وَقَدْ مَضَى فِي | الْبَقَرَة | قِصَّة هَذَا الْبَحْر . وَلَمَّا اِنْفَلَقَ صَارَ فِيهِ اِثْنَا عَشَر طَرِيقًا عَلَى عَدَد أَسْبَاط بَنِي إِسْرَائِيل , وَوَقَفَ الْمَاء بَيْنهَا كَالطَّوْدِ الْعَظِيم , أَيْ الْجَبَل الْعَظِيم . وَالطَّوْد الْجَبَل ; وَمِنْهُ قَوْل اِمْرِئِ الْقَيْس :
فَبَيْنَا الْمَرْء فِي الْأَحْيَاء طَوْد .......... رَمَاهُ النَّاس عَنْ كَثَب فَمَالَا
وَقَالَ الْأَسْوَد بْن يَعْفُر :
حَلُّوا بِأَنْقِرَةٍ يَسِيل عَلَيْهِمْ .......... مَاء الْفُرَات يَجِيء مِنْ أَطْوَاد
جَمْع طَوْد أَيْ جَبَل . فَصَارَ لِمُوسَى وَأَصْحَابه طَرِيقًا فِي الْبَحْر يَبَسًا ; فَلَمَّا خَرَجَ أَصْحَاب مُوسَى وَتَكَامَلَ آخِر أَصْحَاب فِرْعَوْن عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي | يُونُس | اِنْصَبَّ عَلَيْهِمْ وَغَرِقَ فِرْعَوْن , فَقَالَ بَعْض أَصْحَاب مُوسَى : مَا غَرِقَ فِرْعَوْن ; فَنُبِذَ عَلَى سَاحِل الْبَحْر حَتَّى نَظَرُوا إِلَيْهِ . وَرَوَى اِبْن الْقَاسِم عَنْ مَالِك قَالَ : خَرَجَ مَعَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام رَجُلَانِ مِنْ التُّجَّار إِلَى الْبَحْر فَلَمَّا أَتَوْا إِلَيْهِ قَالَا لَهُ بِمَ أَمَرَك اللَّه ؟ قَالَ : أُمِرْت أَنْ أَضْرِب الْبَحْر بِعَصَايَ هَذِهِ فَيَنْفَلِق ; فَقَالَا لَهُ اِفْعَلْ مَا أَمَرَك اللَّه فَلَنْ يُخْلِفك ; ثُمَّ أَلْقَيَا أَنْفُسهمَا فِي الْبَحْر تَصْدِيقًا لَهُ ; فَمَا زَالَ كَذَلِكَ الْبَحْر حَتَّى دَخَلَ فِرْعَوْن وَمَنْ مَعَهُ , ثُمَّ اِرْتَدَّ كَمَا كَانَ . وَقَدْ مَضَى هَذَا الْمَعْنَى فِي سُورَة | الْبَقَرَة | .

أَيْ قَرَّبْنَاهُمْ إِلَى الْبَحْر ; يَعْنِي فِرْعَوْن وَقَوْمه . قَالَهُ اِبْن عَبَّاس وَغَيْره ; قَالَ الشَّاعِر :
وَكُلّ يَوْم مَضَى أَوْ لَيْلَة سَلَفَتْ .......... فِيهَا النُّفُوس إِلَى الْآجَال تَزْدَلِف
أَبُو عُبَيْدَة : | أَزْلَفْنَا | جَمَعْنَا وَمِنْهُ قِيلَ لِلَّيْلَةِ الْمُزْدَلِفَة لَيْلَة جَمْع . وَقَرَأَ أَبُو عَبْد اللَّه بْن الْحَرْث وَأُبَيّ بْن كَعْب وَابْن عَبَّاس : | وَأَزْلَقْنَا | بِالْقَافِ عَلَى مَعْنَى أَهْلَكْنَاهُمْ ; مِنْ قَوْله : أَزَلَقَتْ النَّاقَة وَأَزْلَقَتْ الْفَرَس فَهِيَ مُزْلِق إِذَا أَزَلَقَتْ وَلَدهَا .

يَعْنِي فِرْعَوْن وَقَوْمه .

أَيْ عَلَامَة عَلَى قُدْرَة اللَّه تَعَالَى|وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ|لِأَنَّهُ لَمْ يُؤْمِن مِنْ قَوْم فِرْعَوْن إِلَّا مُؤْمِن آلَ فِرْعَوْن وَاسْمه حَزْقِيل وَابْنَته آسِيَة اِمْرَأَة فِرْعَوْن , وَمَرْيَم بِنْت ذَا مُوسَى الْعَجُوز الَّتِي دَلَّتْ عَلَى قَبْر يُوسُف الصِّدِّيق عَلَيْهِ السَّلَام . وَذَلِكَ أَنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام لَمَّا خَرَجَ بِبَنِي إِسْرَائِيل مِنْ مِصْر أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ الْقَمَر فَقَالَ لِقَوْمِهِ : مَا هَذَا ؟ فَقَالَ عُلَمَاؤُهُمْ : إِنَّ يُوسُف عَلَيْهِ السَّلَام لَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْت أَخَذَ عَلَيْنَا مَوْثِقًا مِنْ اللَّه أَلَّا نَخْرُج مِنْ مِصْر حَتَّى نَنْقُل عِظَامه مَعَنَا . قَالَ مُوسَى : فَأَيّكُمْ يَدْرِي قَبْره ؟ قَالَ : مَا يَعْلَمهُ إِلَّا عَجُوز لِبَنِي إِسْرَائِيل ; فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا ; فَقَالَ : دُلِّينِي عَلَى قَبْر يُوسُف , قَالَتْ : لَا وَاَللَّه لَا أَفْعَل حَتَّى تُعْطِينِي حُكْمِي , قَالَ : وَمَا حُكْمك ؟ قَالَتْ : حُكْمِي أَنْ أَكُون مَعَك فِي الْجَنَّة ; فَثَقُلَ عَلَيْهِ , فَقِيلَ لَهُ : أَعْطِهَا حُكْمهَا ; فَدَلَّتْهُمْ عَلَيْهِ , فَاحْتَفَرُوهُ وَاسْتَخْرَجُوا عِظَامه , فَلَمَّا أَقَلُّوهَا , فَإِذَا الطَّرِيق مِثْل ضَوْء النَّهَار فِي رِوَايَة : فَأَوْحَى اللَّه إِلَيْهِ أَنْ أَعْطِهَا فَفَعَلَ , فَأَتَتْ بِهِمْ إِلَى بُحَيْرَة , فَقَالَتْ لَهُمْ : أَنْضِبُوا هَذَا الْمَاء فَأَنْضَبُوهُ وَاسْتَخْرَجُوا عِظَام يُوسُف عَلَيْهِ السَّلَام ; فَتَبَيَّنَتْ لَهُمْ الطَّرِيق مِثْل ضَوْء النَّهَار . وَقَدْ مَضَى فِي | يُوسُف | . وَرَوَى أَبُو بُرْدَة عَنْ أَبِي مُوسَى أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَزَلَ بِأَعْرَابِيٍّ فَأَكْرَمَهُ , فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( حَاجَتك ) قَالَ : نَاقَة أَرْحَلهَا وَأَعْنُزًا أَحْلُبهَا ; فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَلِمَ عَجَزْت أَنْ تَكُون مِثْل عَجُوز بَنِي إِسْرَائِيل ) فَقَالَ أَصْحَابه : وَمَا عَجُوز بَنِي إِسْرَائِيل ؟ فَذَكَرَ لَهُمْ حَال هَذِهِ الْعَجُوز الَّتِي اِحْتَكَمَتْ عَلَى مُوسَى أَنْ تَكُون مَعَهُ فِي الْجَنَّة .

يُرِيد الْمَنِيع الْمُنْتَقِم مِنْ أَعْدَائِهِ , الرَّحِيم بِأَوْلِيَائِهِ .

نَبَّهَ الْمُشْرِكِينَ عَلَى فَرْط جَهْلهمْ إِذْ رَغِبُوا عَنْ اِعْتِقَاد إِبْرَاهِيم وَدِينه وَهُوَ أَبُوهُمْ . وَالنَّبَأ الْخَبَر ; أَيْ اُقْصُصْ عَلَيْهِمْ يَا مُحَمَّد خَبَره وَحَدِيثه وَعَيْبه عَلَى قَوْمه مَا يَعْبُدُونَ . وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ مُلْزِمًا لَهُمْ الْحُجَّة . وَالْجُمْهُور مِنْ الْقُرَّاء عَلَى تَخْفِيف الْهَمْزَة الثَّانِيَة وَهُوَ أَحْسَن الْوُجُوه ; لِأَنَّهُمْ قَدْ أَجْمَعُوا عَلَى تَخْفِيف الثَّانِيَة مِنْ كَلِمَة وَاحِدَة نَحْو آدَم . وَإِنْ شِئْت حَقَّقْتهمَا فَقُلْت : | نَبَأ إِبْرَاهِيم | . وَإِنْ شِئْت خَفَّفَتْهُمَا فَقُلْت : | نَبَا إِبْرَاهِيم | . وَإِنْ شِئْت خَفَّفْت الْأُولَى . وَثَمَّ وَجْه خَامِس إِلَّا أَنَّهُ بَعِيد فِي الْعَرَبِيَّة وَهُوَ أَنْ يُدْغَم الْهَمْزَة فِي الْهَمْزَة كَمَا يُقَال رَأْس لِلَّذِي يَبِيع الرُّءُوس . وَإِنَّمَا بَعُدَ لِأَنَّك تَجْمَع بَيْن هَمْزَتَيْنِ كَأَنَّهُمَا فِي كَلِمَة وَاحِدَة , وَحَسُنَ فِي فَعَّال لِأَنَّهُ لَا يَأْتِي إِلَّا مُدْغَمًا .

أَيْ أَيّ شَيْء تَعْبُدُونَ

وَكَانَتْ أَصْنَامهمْ مِنْ ذَهَب وَفِضَّة وَنُحَاس وَحَدِيد وَخَشَب .|فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ|أَيْ فَنُقِيم عَلَى عِبَادَتهَا . وَلَيْسَ الْمُرَاد وَقْتًا مُعَيَّنًا بَلْ هُوَ إِخْبَار عَمَّا هُمْ فِيهِ . وَقِيلَ : كَانُوا يَعْبُدُونَهَا بِالنَّهَارِ دُون اللَّيْل , وَكَانُوا فِي اللَّيْل يَعْبُدُونَ الْكَوَاكِب . فَيُقَال : ظَلَّ يَفْعَل كَذَا إِذَا فَعَلَهُ نَهَارًا وَبَاتَ يَفْعَل كَذَا إِذَا فَعَلَهُ لَيْلًا .

قَالَ الْأَخْفَش : فِيهِ حَذْف ; وَالْمَعْنَى : هَلْ يَسْمَعُونَ مِنْكُمْ ؟ أَوْ هَلْ يَسْمَعُونَ دُعَاءَكُمْ ; قَالَ الشَّاعِر :
الْقَائِد الْخَيْل مَنْكُوبًا دَوَابِرهَا .......... قَدْ أُحْكِمَتْ حَكَمَات الْقِدّ وَالْأَبَقَا
قَالَ : وَالْأَبَق الْكَتَّان فَحُذِفَ . وَالْمَعْنَى ; وَأُحْكِمَتْ حَكَمَات الْأَبَق . وَفِي الصِّحَاح : وَالْأَبَق بِالتَّحْرِيكِ الْقِنَّب . وَرُوِيَ عَنْ قَتَادَة أَنَّهُ قَرَأَ : | هَلْ يُسْمِعُونَكُمْ | بِضَمِّ الْيَاء ; أَيْ أَهَلْ يَسْمَعُونَكُمْ أَصْوَاتهمْ

أَيْ هَلْ تَنْفَعكُمْ هَذِهِ الْأَصْنَام وَتَرْزُقكُمْ , أَوْ تَمْلِك لَكُمْ خَيْرًا أَوْ ضَرًّا إِنْ عَصَيْتُمْ ؟ ! وَهَذَا اِسْتِفْهَام لِتَقْرِيرِ الْحُجَّة ; فَإِذَا لَمْ يَنْفَعُوكُمْ وَلَمْ يَضُرُّوا فَمَا مَعْنَى عِبَادَتكُمْ لَهَا .

فَنَزَعُوا إِلَى التَّقْلِيد مِنْ غَيْر حُجَّة وَلَا دَلِيل . وَقَدْ مَضَى الْقَوْل فِيهِ .

إِبْرَاهِيم|أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ|مِنْ هَذِهِ الْأَصْنَام

الْأَوَّلُونَ

وَاحِد يُؤَدِّي عَنْ جَمَاعَة , وَكَذَلِكَ يُقَال لِلْمَرْأَةِ هِيَ عَدُوّ اللَّه وَعَدُوَّة اللَّه ؟ حَكَاهُمَا الْفَرَّاء . قَالَ عَلِيّ بْن سُلَيْمَان : مَنْ قَالَ عَدُوَّة اللَّه وَأَثْبَتَ الْهَاء قَالَ هِيَ بِمَعْنَى مُعَادِيَة , وَمَنْ قَالَ عَدُوّ لِلْمُؤَنَّثِ وَالْجَمْع جَعَلَهُ بِمَعْنَى النَّسَب . وَوَصَفَ الْجَمَاد بِالْعَدَاوَةِ بِمَعْنَى أَنَّهُمْ عَدُوّ لِي إِنْ عَبَدْتهمْ يَوْم الْقِيَامَة ; كَمَا قَالَ : | كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا | [ مَرْيَم : 82 ] . وَقَالَ الْفَرَّاء : هُوَ مِنْ الْمَقْلُوب ; مَجَازه فَإِنِّي عَدُوّ لَهُمْ لِأَنَّ مَنْ عَادَيْته عَادَاك .|إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ|قَالَ الْكَلْبِيّ : أَيْ إِلَّا مَنْ عَبْد رَبّ الْعَالَمِينَ ; إِلَّا عَابِد رَبّ الْعَالَمِينَ ; فَحُذِفَ الْمُضَاف . قَالَ أَبُو إِسْحَاق الزَّجَّاج : قَالَ النَّحْوِيُّونَ هُوَ اِسْتِئْنَاء لَيْسَ مِنْ الْأَوَّل ; وَأَجَازَ أَبُو إِسْحَاق أَنْ يَكُون مِنْ الْأَوَّل عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ وَيَعْبُدُونَ مَعَهُ الْأَصْنَام , فَأَعْلَمَهُمْ أَنَّهُ تَبَرَّأَ مِمَّا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّه . وَتَأَوَّلَهُ الْفَرَّاء عَلَى الْأَصْنَام وَحْدهَا وَالْمَعْنَى عِنْده : فَإِنَّهُمْ لَوْ عَبَدْتهمْ عَدُوّ لِي يَوْم الْقِيَامَة ; عَلَى مَا ذَكَرْنَا . وَقَالَ الْجُرْجَانِيّ : تَقْدِيره : أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ الْأَقْدَمُونَ إِلَّا رَبّ الْعَالَمِينَ فَإِنَّهُمْ عَدُوّ لِي . وَإِلَّا بِمَعْنَى دُون وَسِوَى ; كَقَوْلِهِ : | لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْت إِلَّا الْمَوْتَة الْأُولَى | [ الدُّخَان : 56 ] أَيْ دُون الْمَوْتَة الْأُولَى .

أَيْ يُرْشِدنِي إِلَى الدِّين .

أَيْ يَرْزُقنِي . وَدُخُول | هُوَ | تَنْبِيه عَلَى أَنَّ غَيْره لَا يُطْعِم وَلَا يَسْقِي ; كَمَا تَقُول : زَيْد هُوَ الَّذِي فَعَلَ كَذَا ; أَيْ لَمْ يَفْعَلهُ غَيْره .

قَالَ : | مَرِضْت | رِعَايَة لِلْأَدَبِ وَإِلَّا فَالْمَرَض وَالشِّفَاء مِنْ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ جَمِيعًا . وَنَظِيره قَوْل فَتَى مُوسَى : | وَمَا أَنْسَانِيهِ إِلَّا الشَّيْطَان | [ الْكَهْف : 63 ] .

يُرِيد الْبَعْث وَكَانُوا يَنْسُبُونَ الْمَوْت إِلَى الْأَسْبَاب ; فَبَيَّنَ أَنَّ اللَّه هُوَ الَّذِي يُمِيت وَيُحْيِي . وَكُلّه بِغَيْرِ يَاء : | يَهْدِينِ | | يَشْفِينِ | لِأَنَّ الْحَذْف فِي رُءُوس الْآي حَسَن لِتَتَّفِق كُلّهَا . وَقَرَأَ اِبْن أَبِي إِسْحَاق عَلَى جَلَالَته وَمَحَلّه مِنْ الْعَرَبِيَّة هَذِهِ كُلّهَا بِالْيَاءِ ; لِأَنَّ الْيَاء اِسْم وَإِنَّمَا دَخَلَتْ النُّون لِعِلَّةٍ . فَإِنْ قِيلَ : فَهَذِهِ صِفَة لِجَمِيعِ الْخَلْق فَكَيْف جَعَلَهَا إِبْرَاهِيم دَلِيلًا عَلَى هِدَايَته وَلَمْ يَهْتَدِ بِهَا غَيْره ؟ قِيلَ : إِنَّمَا ذَكَرَهَا اِحْتِجَاجًا عَلَى وُجُوب الطَّاعَة ; لِأَنَّ مَنْ أَنْعَمَ وَجَبَ أَنْ يُطَاع وَلَا يُعْصَى لِيَلْتَزِم غَيْره مِنْ الطَّاعَة مَا قَدْ اِلْتَزَمَهَا ; وَهَذَا إِلْزَام صَحِيح . قُلْت : وَتَجُوز بَعْض أَهْل الْإِشَارَات فِي غَوَامِض الْمَعَانِي فَعَدَلَ عَنْ ظَاهِر مَا ذَكَرْنَاهُ إِلَى مَا تَدْفَعهُ بِدَائِهِ الْعُقُول مِنْ أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَاد مِنْ إِبْرَاهِيم . فَقَالَ : | وَاَلَّذِي هُوَ يُطْعِمنِي وَيَسْقِينِ | أَيْ يُطْعِمنِي لَذَّة الْإِيمَان وَيَسْقِينِ حَلَاوَة الْقَبُول . وَلَهُمْ فِي قَوْله : | وَإِذَا مَرِضْت فَهُوَ يَشْفِينِ | وَجْهَانِ : أَحَدهمَا : إِذَا مَرِضْت بِمُخَالَفَتِهِ شَفَانِي بِرَحْمَتِهِ . الثَّانِي : إِذَا مَرِضْت بِمُقَاسَاةِ الْخَلْق , شَفَانِي بِمُشَاهَدَةِ الْحَقّ . وَقَالَ جَعْفَر بْن مُحَمَّد الصَّادِق : إِذَا مَرِضْت بِالذُّنُوبِ شَفَانِي بِالتَّوْبَةِ . وَتَأَوَّلُوا قَوْله : | وَاَلَّذِي يُمِيتنِي ثُمَّ يُحْيِينِ | عَلَى ثَلَاثَة أَوْجُه : فَاَلَّذِي يُمِيتنِي بِالْمَعَاصِي يُحْيِينِي بِالطَّاعَاتِ . الثَّانِي : يُمِيتنِي بِالْخَوْفِ وَيُحْيِينِي بِالرَّجَاءِ . الثَّالِث : يُمِيتنِي , بِالطَّمَعِ وَيُحْيِينِي بِالْقَنَاعَةِ . وَقَوْل رَابِع : يُمِيتنِي بِالْعَدْلِ وَيُحْيِينِي بِالْفَضْلِ . وَقَوْل خَامِس : يُمِيتنِي بِالْفِرَاقِ وَيُحْيِينِي بِالتَّلَاقِ . وَقَوْل سَادِس : يُمِيتنِي بِالْجَهْلِ وَيُحْيِينِي بِالْعَقْلِ ; إِلَى غَيْر ذَلِكَ مِمَّا لَيْسَ بِشَيْءٍ مِنْهُ مُرَاد مِنْ الْآيَة ; فَإِنَّ هَذِهِ التَّأْوِيلَات الْغَامِضَة , وَالْأُمُور الْبَاطِنَة , إِنَّمَا تَكُون لِمَنْ حَذَقَ وَعَرَفَ الْحَقّ , وَأَمَّا مَنْ كَانَ فِي عَمًى عَنْ الْحَقّ وَلَا يَعْرِف الْحَقّ فَكَيْف تُرْمَز لَهُ الْأُمُور الْبَاطِنَة , وَتُتْرَك الْأُمُور الظَّاهِرَة ؟ هَذَا مُحَال . وَاَللَّه أَعْلَم .

| أَطْمَع | أَيْ أَرْجُو . وَقِيلَ : هُوَ بِمَعْنَى الْيَقِين فِي حَقّه , وَبِمَعْنَى الرَّجَاء فِي حَقّ الْمُؤْمِنِينَ سِوَاهُ . وَقَرَأَ الْحَسَن وَابْن أَبِي إِسْحَاق : | خَطَايَايَ | وَقَالَ : لَيْسَتْ خَطِيئَة وَاحِدَة . قَالَ النَّحَّاس : خَطِيئَة بِمَعْنَى خَطَايَا مَعْرُوف فِي كَلَام الْعَرَب , وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى التَّوْحِيد فِي قَوْله عَزَّ وَجَلَّ | فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ | [ الْمُلْك : 11 ] وَمَعْنَاهُ بِذُنُوبِهِمْ . وَكَذَا | وَأَقِيمُوا الصَّلَاة | [ الْبَقَرَة : 43 ] مَعْنَاهُ الصَّلَوَات . وَكَذَا | خَطِيئَتِي | إِنْ كَانَتْ خَطَايَا . وَاَللَّه أَعْلَم . قَالَ مُجَاهِد : يَعْنِي بِخَطِيئَتِهِ قَوْله : | بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرهمْ هَذَا | [ الْأَنْبِيَاء : 63 ] وَقَوْله : | إِنِّي سَقِيم | [ الصَّافَّات : 89 ] وَقَوْله : إِنَّ سَارَّة أُخْته . زَادَ الْحَسَن وَقَوْله لِلْكَوْكَبِ : | هَذَا رَبِّي | [ الْأَنْعَام : 76 ] وَقَدْ مَضَى بَيَان هَذَا مُسْتَوْفًى . وَقَالَ الزَّجَّاج : الْأَنْبِيَاء بَشَر فَيَجُوز أَنْ تَقَع مِنْهُمْ الْخَطِيئَة ; نَعَمْ لَا تَجُوز عَلَيْهِمْ الْكَبَائِر لِأَنَّهُمْ مَعْصُومُونَ عَنْهَا .|يَوْمَ الدِّينِ|يَوْم الْجَزَاء حَيْثُ يُجَازِي الْعِبَاد بِأَعْمَالِهِمْ . وَهَذَا مِنْ إِبْرَاهِيم إِظْهَار لِلْعُبُودِيَّةِ وَإِنْ كَانَ يَعْلَم أَنَّهُ مَغْفُور لَهُ . وَفِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ عَائِشَة ; قُلْت يَا رَسُول اللَّه : اِبْن جُدْعَان كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّة يَصِل الرَّحِم , وَيُطْعِم الْمِسْكِين , فَهَلْ ذَلِكَ نَافِعه ؟ قَالَ : ( لَا يَنْفَعهُ إِنَّهُ لَمْ يَقُلْ يَوْمًا | رَبّ اِغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَوْم الدِّين | ) .

| حُكْمًا | مَعْرِفَة بِك وَبِحُدُودِك وَأَحْكَامك ; قَالَهُ اِبْن عَبَّاس . وَقَالَ مُقَاتِل : فَهْمًا وَعِلْمًا ; وَهُوَ رَاجِع إِلَى الْأَوَّل . وَقَالَ الْكَلْبِيّ : نُبُوَّة وَرِسَالَة إِلَى الْخَلْق . | وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ | أَيْ بِالنَّبِيِّينَ مِنْ قَبْلِي فِي الدَّرَجَة . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : بِأَهْلِ الْجَنَّة ; وَهُوَ تَأْكِيد قَوْله : | هَبْ لِي حُكْمًا | .