islamkingdomfaceBook islamkingdomtwitter islamkingdominstagram islamkingdomyoutube


أَيْ كَفَرُوا بِالْقُرْآنِ .|هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ|أَيْ يَأْخُذُونَ كُتُبهمْ بِشَمَائِلِهِمْ قَالَهُ مُحَمَّد بْن كَعْب . يَحْيَى بْن سَلَّام : لِأَنَّهُمْ مَشَائِيم عَلَى أَنْفُسهمْ . اِبْن زَيْد : لِأَنَّهُمْ أَخَذُوا مِنْ شِقّ آدَم الْأَيْسَر . مَيْمُون : لِأَنَّ مَنْزِلَتَهُمْ عَنْ الْيَسَار .

قُلْت : وَيَجْمَع هَذِهِ الْأَقْوَال أَنْ يُقَال : إِنَّ أَصْحَاب الْمَيْمَنَة أَصْحَاب الْجَنَّة , وَأَصْحَاب الْمَشْأَمَة أَصْحَاب النَّار قَالَ اللَّه تَعَالَى : | وَأَصْحَاب الْيَمِين مَا أَصْحَاب الْيَمِين , فِي سِدْر مَخْضُود | , وَقَالَ : | وَأَصْحَاب الشِّمَال مَا أَصْحَاب الشِّمَال . فِي سَمُوم وَحَمِيم | [ الْوَاقِعَة : 41 - 42 ] . وَمَا كَانَ مِثْله .

وَمَعْنَى | مُؤْصَدَة | أَيْ مُطْبَقَة مُغْلَقَة . قَالَ :
تَحِنّ إِلَى جِبَالِ مَكَّةَ نَاقَتِي .......... وَمِنْ دُونِهَا أَبْوَابُ صَنْعَاءَ مُؤْصَدَهْ
وَقِيلَ : مُبْهَمَة , لَا يُدْرَى مَا دَاخِلهَا . وَأَهْل اللُّغَة يَقُولُونَ : أَوْصَدْت الْبَاب وَآصَدْتُهُ أَيْ أَغْلَقْته . فَمَنْ قَالَ أَوْصَدْت , فَالِاسْم الْوِصَاد , وَمِنْ قَالَ آصَدْتُهُ , فَالِاسْم الْإِصَاد . وَقَرَأَ أَبُو عَمْرو وَحَفْص وَحَمْزَة وَيَعْقُوب وَالشَّيْزَرِيّ عَنْ الْكِسَائِيّ | مُؤْصَدَة | بِالْهَمْزِ هُنَا , وَفِي | الْهَمْزَة | . الْبَاقُونَ بِلَا هَمْز . وَهُمَا لُغَتَانِ . وَعَنْ أَبِي بَكْر بْن عَيَّاش قَالَ : لَنَا إِمَامٌ يَهْمِزُ | مُؤْصَدَة |

قَالَ مُجَاهِد : | وَضُحَاهَا | أَيْ ضَوْءُهَا وَإِشْرَاقهَا . وَهُوَ قَسَم ثَانٍ . وَأَضَافَ الضُّحَى إِلَى الشَّمْس ; لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَكُون بِارْتِفَاعِ الشَّمْس . وَقَالَ قَتَادَة : بَهَاؤُهَا . السُّدِّيّ : حَرّهَا . وَرَوَى الضَّحَّاك عَنْ اِبْن عَبَّاس : | وَضُحَاهَا | قَالَ : جَعَلَ فِيهَا الضَّوْء وَجَعَلَهَا حَارَّة . وَقَالَ الْيَزِيدِيّ : هُوَ اِنْبِسَاطهَا . وَقِيلَ : مَا ظَهَرَ بِهَا مِنْ كُلّ مَخْلُوق فَيَكُون الْقَسَم بِهَا وَبِمَخْلُوقَاتِ الْأَرْض كُلّهَا . حَكَاهُ الْمَاوَرْدِيّ وَالضُّحَا : مُؤَنَّثَة . يُقَال : اِرْتَفَعَتْ الضُّحَا , وَهِيَ فَوْق الضَّحْو . وَقَدْ تُذَكَّر . فَمَنْ أَنَّثَ ذَهَبَ إِلَى أَنَّهَا جَمْع ضَحْوَة . وَمَنْ ذَكَّرَ ذَهَبَ إِلَى أَنَّهُ اِسْم عَلَى فِعْل , نَحْو صُرَد وَنُغَر . وَهُوَ ظَرْف غَيْر مُتَمَكِّن مِثْل سَحَر . تَقُول : لَقِيته ضُحًا وَضُحَا إِذَا أَرَدْت بِهِ ضُحَا يَوْمك لَمْ تُنَوِّنْهُ . وَقَالَ الْفَرَّاء : الضُّحَا هُوَ النَّهَار كَقَوْلِ قَتَادَة . وَالْمَعْرُوف عِنْد الْعَرَب أَنَّ الضُّحَا : النَّهَار كُلّه , فَذَلِكَ لِدَوَامِ نُور الشَّمْس , وَمَنْ قَالَ : إِنَّهُ نُور الشَّمْس أَوْ حَرّهَا , فَنُور الشَّمْس لَا يَكُون إِلَّا مَعَ حَرّ الشَّمْس . وَقَدْ اِسْتَدَلَّ مَنْ قَالَ : إِنَّ الضُّحَى حَرّ الشَّمْس بِقَوْلِهِ تَعَالَى : | وَلَا تَضْحَى | [ طه : 119 ] أَيْ لَا يُؤْذِيك الْحَرّ . وَقَالَ الْمُبَرِّد : أَصْل الضُّحَا مِنْ الضِّحّ , وَهُوَ نُور الشَّمْس , وَالْأَلِف مَقْلُوبَة مِنْ الْحَاء الثَّانِيَة . تَقُول : | ضَحْوَة وَضَحَوَات , وَضَحَوَات وَضُحَا , فَالْوَاو مِنْ ضَحْوَة مَقْلُوبَة عَنْ الْحَاء الثَّانِيَة , وَالْأَلِف فِي ضُحَا مَقْلُوبَة عَنْ الْوَاو . وَقَالَ أَبُو الْهَيْثَم : الضِّحّ : نَقِيض الظِّلّ , وَهُوَ نُور الشَّمْس عَلَى وَجْه الْأَرْض , وَأَصْله الضُّحَا فَاسْتَثْقَلُوا الْيَاء مَعَ سُكُون الْحَاء , فَقَلَبُوهَا أَلِفًا .

أَيْ تَبِعَهَا : وَذَلِكَ إِذَا سَقَطَتْ رِيءَ الْهِلَال . يُقَال : تَلَوْت فُلَانًا : إِذَا تَبِعْته . قَالَ قَتَادَة : إِنَّمَا ذَلِكَ لَيْلَة الْهِلَال , إِذَا سَقَطَتْ الشَّمْس رِيءَ الْهِلَال . وَقَالَ اِبْن زَيْد : إِذَا غَرَبَتْ الشَّمْس فِي النِّصْف الْأَوَّل مِنْ الشَّهْر , تَلَاهَا الْقَمَر بِالطُّلُوعِ , وَفِي آخِر الشَّهْر يَتْلُوهَا بِالْغُرُوبِ . الْقُرَّاء : | تَلَاهَا | : أَخَذَ مِنْهَا , يَذْهَب إِلَى أَنَّ الْقَمَر يَأْخُذ مِنْ ضَوْء الشَّمْس . وَقَالَ قَوْم : | وَالْقَمَر إِذَا تَلَاهَا | حِين اِسْتَوَى وَاسْتَدَارَ , فَكَانَ مِثْلهَا فِي الضِّيَاء وَالنُّور وَقَالَهُ الزَّجَّاج .

أَيْ كَشَفَهَا . فَقَالَ قَوْم : جَلَّى الظُّلْمَة وَإِنْ لَمْ يَجْرِ لَهَا ذِكْر كَمَا تَقُول : أَضْحَتْ بَارِدَة , تُرِيد أَضْحَتْ غَدَاتُنَا بَارِدَة . وَهَذَا قَوْل الْفَرَّاء وَالْكَلْبِيّ وَغَيْرهمَا . وَقَالَ قَوْم : الضَّمِير فِي | جَلَّاهَا | لِلشَّمْسِ وَالْمَعْنَى : أَنَّهُ يُبَيِّن بِضَوْئِهِ جِرْمهَا . وَمِنْهُ قَوْل قَيْس بْن الْخَطِيم :
تَجَلَّتْ لَنَا كَالشَّمْسِ تَحْتَ غَمَامَةً .......... بَدَا حَاجِبٌ مِنْهَا وَضَنَّتْ بِحَاجِبِ
وَقِيلَ : جَلَّى مَا فِي الْأَرْض مِنْ حَيَوَانهَا حَتَّى ظَهَرَ , لِاسْتِتَارِهِ لَيْلًا وَانْتِشَاره نَهَارًا . وَقِيلَ : جَلَّى الدُّنْيَا . وَقِيلَ : جَلَّى الْأَرْض وَإِنْ لَمْ يَجْرِ لَهَا ذِكْر وَمِثْله قَوْله تَعَالَى : | حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ | [ ص : 32 ] عَلَى مَا تَقَدَّمَ آنِفًا .

أَيْ يَغْشَى الشَّمْس , فَيَذْهَب بِضَوْئِهَا عِنْد سُقُوطهَا قَالَهُ مُجَاهِد وَغَيْره . وَقِيلَ : يَغْشَى الدُّنْيَا بِالظُّلْمِ , فَتُظْلِم الْآفَاق . فَالْكِنَايَة تَرْجِع إِلَى غَيْر مَذْكُور .

أَيْ وَبُنْيَانِهَا . فَمَا مَصْدَرِيَّة كَمَا قَالَ : | بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي | [ يس : 27 ] أَيْ بِغُفْرَانِ رَبِّي قَالَهُ قَتَادَة , وَاخْتَارَهُ الْمُبَرِّد . وَقِيلَ : الْمَعْنَى وَمَنْ بَنَاهَا|قَالَهُ الْحَسَن وَمُجَاهِد وَهُوَ اِخْتِيَار الطَّبَرِيّ . أَيْ وَمَنْ خَلَقَهَا وَرَفَعَهَا , وَهُوَ اللَّه تَعَالَى . وَحُكِيَ عَنْ أَهْل الْحِجَاز : سُبْحَانَ مَا سَبَّحْت لَهُ أَيْ سُبْحَانَ مَنْ سَبَّحْت لَهُ .

أَيْ وَطَحْوِهَا . وَقِيلَ : وَمَنْ طَحَاهَا عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ آنِفًا . أَيْ بَسَطَهَا كَذَا قَالَ عَامَّة الْمُفَسِّرِينَ مِثْل دَحَاهَا . قَالَ الْحَسَن وَمُجَاهِد وَغَيْرهمَا : طَحَاهَا وَدَحَاهَا : وَاحِد أَيْ بَسَطَهَا مِنْ كُلّ جَانِب . وَالطَّحْو : الْبَسْط طَحَا يَطْحُو طَحْوًا , وَطَحَى يَطْحَى طَحْيًا , وَطُحِيَتْ : اِضْطَجَعَتْ عَنْ أَبِي عَمْرو . وَعَنْ اِبْن عَبَّاس : طَحَاهَا : قَسَمَهَا . وَقِيلَ : خَلَقَهَا قَالَ الشَّاعِر :
وَمَا تَدْرِي جَذِيمَة مَنْ طَحَاهَا .......... وَلَا مِنْ سَاكِن الْعَرْش الرَّفِيع
الْمَاوَرْدِيّ : وَيَحْتَمِل أَنَّهُ مَا خَرَجَ مِنْهَا مِنْ نَبَات وَعُيُون وَكُنُوز ; لِأَنَّهُ حَيَاة لِمَا خَلَقَ عَلَيْهَا . وَيُقَال فِي بَعْض أَيْمَان الْعَرَب : لَا , وَالْقَمَر الطَّاحِي أَيْ الْمُشْرِف الْمَشْرِق الْمُرْتَفِع . قَالَ أَبُو عَمْرو : طَحَا الرَّجُل : إِذَا ذَهَبَ فِي الْأَرْض . يُقَال : مَا أَدْرِي أَيْنَ طَحَا ! وَيُقَال : طَحَا بِهِ قَلْبه : إِذَا ذَهَبَ بِهِ فِي كُلّ شَيْء . قَالَ عَلْقَمَة :
طَحَا بِك قَلْب فِي الْحِسَانِ طَرُوبُ .......... بُعَيْد الشَّبَاب عَصْر حَانَ مَشِيبُ

قِيلَ : الْمَعْنَى وَتَسْوِيَتِهَا . | فَمَا | : بِمَعْنَى الْمَصْدَر . وَقِيلَ : الْمَعْنَى وَمَنْ سَوَّاهَا , وَهُوَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ . وَفِي النَّفْس قَوْلَانِ : أَحَدهمَا آدَم . الثَّانِي : كُلّ نَفْس مَنْفُوسَة . وَسَوَّى : بِمَعْنَى هَيَّأَ . وَقَالَ مُجَاهِد : سَوَّاهَا : سَوَّى خَلْقهَا وَعَدَّلَ . وَهَذِهِ الْأَسْمَاء كُلّهَا مَجْرُورَة عَلَى الْقَسَم . أَقْسَمَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِخَلْقِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ عَجَائِب الصَّنْعَة الدَّالَّة عَلَيْهِ .

قَوْله تَعَالَى : | فَأَلْهَمَهَا | أَيْ عَرَّفَهَا كَذَا رَوَى اِبْن أَبِي نَجِيح عَنْ مُجَاهِد . أَيْ عَرَّفَهَا طَرِيق الْفُجُور وَالتَّقْوَى وَقَالَهُ اِبْن عَبَّاس . وَعَنْ مُجَاهِد أَيْضًا : عَرَّفَهَا الطَّاعَة وَالْمَعْصِيَة . وَعَنْ مُحَمَّد بْن كَعْب قَالَ : إِذَا أَرَادَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ بِعَبْدِهِ خَيْرًا , أَلْهَمَهُ الْخَيْر فَعَمِلَ بِهِ , وَإِذَا أَرَادَ بِهِ السُّوء , أَلْهَمَهُ الشَّرّ فَعَمِلَ بِهِ . وَقَالَ الْفَرَّاء : | فَأَلْهَمَهَا | قَالَ : عَرَّفَهَا طَرِيق الْخَيْر وَطَرِيق الشَّرّ كَمَا قَالَ : | وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ | [ الْبَلَد : 10 ] . وَرَوَى الضَّحَّاك عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : أَلْهَمَ الْمُؤْمِنَ الْمُتَّقِيَ تَقْوَاهُ , وَأَلْهَمَ الْفَاجِر فُجُوره . وَعَنْ سَعِيد عَنْ قَتَادَة قَالَ : بَيَّنَ لَهَا فُجُورهَا وَتَقْوَاهَا . وَالْمَعْنَى مُتَقَارِب . وَرُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ : قَرَأَ رَسُول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - | فَأَلْهَمَهَا فُجُورهَا وَتَقْوَاهَا | قَالَ : [ اللَّهُمَّ آتِ نَفْسِي تَقْوَاهَا , وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيْر مَنْ زَكَّاهَا , أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا ] . وَرَوَاهُ جُوَيْبِر عَنْ الضَّحَّاك عَنْ اِبْن عَبَّاس : أَنَّ النَّبِيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إِذَا قَرَأَ هَذِهِ الْآيَة : | فَأَلْهَمَهَا فُجُورهَا وَتَقْوَاهَا | رَفَعَ صَوْته بِهَا , وَقَالَ : [ اللَّهُمَّ آتِ نَفْسِي تَقْوَاهَا , أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا , وَأَنْتَ خَيْر مَنْ زَكَّاهَا ] . وَفِي صَحِيح مُسْلِم , عَنْ أَبِي الْأَسْوَد الدُّؤَلِيّ قَالَ : قَالَ لِي عِمْرَان بْن حُصَيْن : أَرَأَيْت مَا يَعْمَل النَّاس الْيَوْم , وَيَكْدَحُونَ فِيهِ , أَشَيْء قُضِيَ وَمَضَى عَلَيْهِمْ مِنْ قَدَر سَبَقَ , أَوْ فِيمَا يَسْتَقْبِلُونَ مِمَّا أَتَاهُمْ بِهِ نَبِيّهمْ , وَثَبَتَتْ الْحُجَّة عَلَيْهِمْ ؟ فَقُلْت : بَلْ شَيْء قُضِيَ عَلَيْهِمْ , وَمَضَى عَلَيْهِمْ . قَالَ فَقَالَ : أَفَلَا يَكُون ظُلْمًا ؟ قَالَ : فَفَزِعْت مِنْ ذَلِكَ فَزَعًا شَدِيدًا , وَقُلْت : كُلّ شَيْء خَلْق اللَّه وَمِلْك يَده , فَلَا يُسْأَل عَمَّا يَفْعَل وَهُمْ يُسْأَلُونَ . فَقَالَ لِي : يَرْحَمُك اللَّه إِنِّي لَمْ أُرِدْ بِمَا سَأَلْتُك إِلَّا لِأَحْزِرَ عَقْلَك , إِنَّ رَجُلَيْنِ مِنْ مُزَيْنَة أَتَيَا رَسُول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَا : يَا رَسُول اللَّه , أَرَأَيْت مَا يَعْمَل النَّاس الْيَوْم وَيَكْدَحُونَ فِيهِ : أَشَيْء قُضِيَ عَلَيْهِمْ وَمَضَى فِيهِمْ مِنْ قَدَر قَدْ سَبَقَ , أَوْ فِيمَا يَسْتَقْبِلُونَ بِهِ مِمَّا أَتَاهُمْ بِهِ نَبِيّهمْ . وَثَبَتَتْ الْحُجَّة عَلَيْهِمْ ؟ فَقَالَ : ( لَا بَلْ شَيْء قُضِيَ عَلَيْهِمْ وَمَضَى فِيهِمْ . وَتَصْدِيق ذَلِكَ فِي كِتَاب اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : | وَنَفْس وَمَا سَوَّاهَا . فَأَلْهَمَهَا فُجُورهَا وَتَقْوَاهَا | ) . وَالْفُجُور وَالتَّقْوَى : مَصْدَرَانِ فِي مَوْضِع الْمَفْعُول بِهِ .

| قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا | هَذَا جَوَاب الْقَسَم , بِمَعْنَى : لَقَدْ أَفْلَحَ . قَالَ الزَّجَّاج : اللَّام حُذِفَتْ ; لِأَنَّ الْكَلَام طَالَ , فَصَارَ طُوله عِوَضًا مِنْهَا . وَقِيلَ : الْجَوَاب مَحْذُوف أَيْ وَالشَّمْس وَكَذَا وَكَذَا لَتُبْعَثُنَّ . الزَّمَخْشَرِيّ : تَقْدِيره لَيُدَمْدِمَنَّ اللَّه عَلَيْهِمْ أَيْ عَلَى أَهْل مَكَّة , لِتَكْذِيبِهِمْ رَسُولَ اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا دَمْدَمَ عَلَى ثَمُود ; لِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا صَالِحًا . وَأَمَّا | قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا | فَكَلَام تَابِع لِأَوَّلِهِ لِقَوْلِهِ : | فَأَلْهَمَهَا فُجُورهَا وَتَقْوَاهَا | عَلَى سَبِيل الِاسْتِطْرَاد , وَلَيْسَ مِنْ جَوَاب الْقَسَم فِي شَيْء . وَقِيلَ : هُوَ عَلَى التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير بِغَيْرِ حَذْف وَالْمَعْنَى : قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا , وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا , وَالشَّمْس وَضُحَاهَا . | أَفْلَحَ | فَازَ . | مَنْ زَكَّاهَا | أَيْ مَنْ زَكَّى اللَّهُ نَفْسه بِالطَّاعَةِ .

أَيْ خَسِرَتْ نَفْسٌ دَسَّهَا اللَّه عَزَّ وَجَلَّ بِالْمَعْصِيَةِ . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : خَابَتْ نَفْس أَضَلَّهَا وَأَغْوَاهَا . وَقِيلَ : أَفْلَحَ مَنْ زَكَّى نَفْسه بِطَاعَةِ اللَّه , وَصَالِح الْأَعْمَال , وَخَابَ مَنْ دَسَّ نَفْسه فِي الْمَعَاصِي قَالَهُ قَتَادَة وَغَيْره . وَأَصْل الزَّكَاة : النُّمُوّ وَالزِّيَادَة , وَمِنْهُ زَكَا الزَّرْع : إِذَا كَثُرَ رِيعُهُ , وَمِنْهُ تَزْكِيَة الْقَاضِي لِلشَّاهِدِ ; لِأَنَّهُ يَرْفَعهُ بِالتَّعْدِيلِ , وَذِكْر الْجَمِيل . وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْمَعْنَى فِي أَوَّل سُورَة | الْبَقَرَة | مُسْتَوْفًى . فَمُصْطَنِع الْمَعْرُوف وَالْمُبَادِر إِلَى أَعْمَال الْبِرّ , شَهَرَ نَفْسه وَرَفَعَهَا . وَكَانَتْ أَجْوَاد الْعَرَب تَنْزِلُ الرُّبَا وَارْتِفَاع الْأَرْض , لِيَشْتَهِرَ مَكَانهَا لِلْمُعْتِفِينَ , وَتُوقَد النَّار فِي اللَّيْل لِلطَّارِقِينَ . وَكَانَتْ اللِّئَام تَنْزِل الْأَوْلَاج وَالْأَطْرَاف وَالْأَهْضَام , لِيَخْفَى مَكَانهَا عَنْ الطَّالِبِينَ . فَأُولَئِكَ عَلَّوْا أَنْفُسهمْ وَزَكَّوْهَا , وَهَؤُلَاءِ أَخْفَوْا أَنْفُسهمْ وَدَسُّوهَا . وَكَذَا الْفَاجِر أَبَدًا خَفِيُّ الْمَكَان , زَمِر الْمُرُوءَة غَامِض الشَّخْص , نَاكِس الرَّأْس بِرُكُوبِ الْمَعَاصِي . وَقِيلَ : دَسَّاهَا : أَغْوَاهَا . قَالَ :
وَأَنْتَ الَّذِي دَسَّيْتَ عَمْرًا فَأَصْبَحَتْ .......... حَلَائِلُهُ مِنْهُ أَرَامِلَ ضُيَّعَا
قَالَ أَهْل اللُّغَة : وَالْأَصْل : دَسَّسَهَا , مِنْ التَّدْسِيس , وَهُوَ إِخْفَاء الشَّيْء , فَأُبْدِلَتْ سِينُهُ يَاء كَمَا يُقَال : قَصَّيْتُ أَظْفَارِي وَأَصْله قَصَّصْتُ أَظْفَارِي . وَمِثْله قَوْلهمْ فِي تَقَضَّضَ : تَقَضَّى . وَقَالَ اِبْن الْأَعْرَابِيِّ : | وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا | أَيْ دَسَّ نَفْسه فِي جُمْلَة الصَّالِحِينَ وَلَيْسَ مِنْهُمْ .

أَيْ بِطُغْيَانِهَا , وَهُوَ خُرُوجهَا عَنْ الْحَدّ فِي الْعِصْيَان قَالَهُ مُجَاهِد وَقَتَادَة وَغَيْرهمَا . وَعَنْ اِبْن عَبَّاس | بِطَغْوَاهَا | أَيْ بِعَذَابِهَا الَّذِي وُعِدَتْ بِهِ . قَالَ : وَكَانَ اِسْم الْعَذَاب الَّذِي جَاءَهَا الطَّغْوَى ; لِأَنَّهُ طَغَى عَلَيْهِمْ . وَقَالَ مُحَمَّد بْن كَعْب : | بِطَغْوَاهَا | بِأَجْمَعِهَا . وَقِيلَ : هُوَ مَصْدَر , وَخَرَجَ عَلَى هَذَا الْمَخْرَج ; لِأَنَّهُ أَشْكَلَ بِرُءُوسِ الْآي . وَقِيلَ : الْأَصْل بِطَغْيَاهَا , إِلَّا أَنَّ | فَعَلَى | إِذَا كَانَتْ مِنْ ذَوَات الْيَاء أُبْدِلَتْ فِي الِاسْم وَاوًا , لِيُفْصَل بَيْن الِاسْم وَالْوَصْف . وَقِرَاءَة الْعَامَّة بِفَتْحِ الطَّاء . وَقَرَأَ الْحَسَن وَالْجَحْدَرِيّ وَحَمَّاد بْن سَلَمَة ( بِضَمِّ الطَّاء ) عَلَى أَنَّهُ مَصْدَر كَالرُّجْعَى وَالْحُسْنَى وَشِبْهِهِمَا فِي الْمَصَادِر . وَقِيلَ : هُمَا لُغَتَانِ .

أَيْ نَهَضَ .|أَشْقَاهَا|لِعَقْرِ النَّاقَة . وَاسْمه قُدَارُ بْن سَالِف . وَقَدْ مَضَى فِي | الْأَعْرَاف | بَيَان هَذَا , وَهَلْ كَانَ وَاحِدًا أَوْ جَمَاعَة . وَفِي الْبُخَارِيّ عَنْ عَبْد اللَّه بْن زَمْعَة أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَخْطُب , وَذَكَرَ النَّاقَة وَاَلَّذِي عَقَرَهَا , فَقَالَ رَسُول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : [ أَتَدْرِي مَنْ أَشْقَى الْأَوَّلِينَ ] قُلْت : اللَّه وَرَسُوله أَعْلَم . قَالَ : [ عَاقِرُ النَّاقَة , قَالَ : أَتَدْرِي مَنْ أَشْقَى الْآخِرِينَ ؟ قُلْت اللَّه وَرَسُوله أَعْلَم . قَالَ : قَاتِلُك ] .

يَعْنِي صَالِحًا .|نَاقَةَ اللَّهِ|| نَاقَةَ | مَنْصُوب عَلَى التَّحْذِير كَقَوْلِك : الْأَسَدَ الْأَسَدَ , وَالصَّبِيَّ الصَّبِيَّ , وَالْحِذَارَ الْحِذَارَ . أَيْ أَحُذِرُوا نَاقَةَ اللَّه أَيْ عَقْرَهَا . وَقِيلَ : ذَرُوا نَاقَة اللَّه , كَمَا قَالَ : | هَذِهِ نَاقَة اللَّه لَكُمْ آيَة فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْض اللَّه وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَاب أَلِيم | . [ الْأَعْرَاف : 73 ] .|وَسُقْيَاهَا|أَيْ ذَرُوهَا وَشِرْبَهَا . وَقَدْ مَضَى فِي سُورَة | الشُّعَرَاء | بَيَانه وَالْحَمْد لِلَّهِ . وَأَيْضًا فِي سُورَة | اِقْتَرَبَتْ السَّاعَة | [ الْقَمَر : 1 ] . فَإِنَّهُمْ لَمَّا اِقْتَرَحُوا النَّاقَة , وَأَخْرَجَهَا لَهُمْ مِنْ الصَّخْرَة , جَعَلَ لَهُمْ شِرْب يَوْم مِنْ بِئْرهمْ , وَلَهَا شِرْب يَوْم مَكَان ذَلِكَ , فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ .

أَيْ كَذَّبُوا صَالِحًا عَلَيْهِ السَّلَام فِي قَوْله لَهُمْ : [ إِنَّكُمْ تُعَذَّبُونَ إِنْ عَقَرْتُمُوهَا ] .|فَعَقَرُوهَا|أَيْ عَقَرَهَا الْأَشْقَى . وَأُضَيِّف إِلَى الْكُلّ ; لِأَنَّهُمْ رَضُوا بِفِعْلِهِ . وَقَالَ قَتَادَة : ذُكِرَ لَنَا أَنَّهُ لَمْ يَعْقِرْهَا حَتَّى تَابَعَهُ صَغِيرُهُمْ وَكَبِيرُهُمْ , ذَكَرُهُمْ وَأُنْثَاهُمْ . وَقَالَ الْفَرَّاء : عَقَرَهَا اِثْنَانِ : وَالْعَرَب تَقُول : هَذَانِ أَفْضَل النَّاس , وَهَذَانِ خَيْر النَّاس , وَهَذِهِ الْمَرْأَة أَشْقَى الْقَوْم فَلِهَذَا لَمْ يَقُلْ : أَشْقَيَاهَا .|فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ|أَيْ أَهْلَكَهُمْ وَأَطْبَقَ عَلَيْهِمْ الْعَذَاب بِذَنْبِهِمْ الَّذِي هُوَ الْكُفْر وَالتَّكْذِيب وَالْعَقْر . وَرَوَى الضَّحَّاك عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : دَمْدَمَ عَلَيْهِمْ قَالَ : دَمَّرَ عَلَيْهِمْ رَبّهمْ بِذَنْبِهِمْ أَيْ بِجُرْمِهِمْ . وَقَالَ الْفَرَّاء : دَمْدَمَ أَيْ أَرْجَفَ . وَحَقِيقَة الدَّمْدَمَة تَضْعِيف الْعَذَاب وَتَرْدِيده . وَيُقَال : دَمَمْت عَلَى الشَّيْء أَيْ أَطْبَقْت عَلَيْهِ , وَدَمَمَ عَلَيْهِ الْقَبْر : أَطْبَقَهُ . وَنَاقَة مَدُومَة : أَلْبَسَهَا الشَّحْم . فَإِذَا كَرَّرْت الْإِطْبَاق قُلْت : دَمْدَمْت . وَالدَّمْدَمَة : إِهْلَاك بِاسْتِئْصَالِ قَالَهُ الْمُؤَرِّج . وَفِي الصِّحَاح : وَدَمْدَمْت الشَّيْء : إِذَا أَلْزَقْتُهُ بِالْأَرْضِ وَطَحْطَحْته . وَدَمْدَمَ اللَّه عَلَيْهِمْ : أَيْ أَهْلَكَهُمْ . الْقُشَيْرِيّ : وَقِيلَ دَمْدَمْت عَلَى الْمَيِّت التُّرَاب : أَيْ سَوَّيْت عَلَيْهِ . فَقَوْله : | فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ | أَيْ أَهْلَكَهُمْ , فَجَعَلَهُمْ تَحْت التُّرَاب . وَقَالَ اِبْن الْأَنْبَارِيّ : دَمْدَمَ أَيْ غَضِبَ . وَالدَّمْدَمَة : الْكَلَام الَّذِي يُزْعِج الرَّجُل . وَقَالَ بَعْض اللُّغَوِيِّينَ : الدَّمْدَمَة : الْإِدَامَة تَقُول الْعَرَب : نَاقَة مُدَمْدَمَة أَيْ سَمِينَة .|فَسَوَّاهَا|أَيْ سَوَّى عَلَيْهِمْ الْأَرْض . وَعَلَى الْأَوَّل | فَسَوَّاهَا | أَيْ فَسَوَّى الدَّمْدَمَة وَالْإِهْلَاك عَلَيْهِمْ . وَذَلِكَ أَنَّ الصَّيْحَة أَهْلَكَتْهُمْ , فَأَتَتْ عَلَى صَغِيرهمْ وَكَبِيرهمْ . وَقِيلَ : | فَسَوَّاهَا | أَيْ فَسَوَّى الْأُمَّة فِي إِنْزَال الْعَذَاب بِهِمْ , صَغِيرِهِمْ وَكَبِيرِهِمْ , وَضِيعِهِمْ وَشَرِيفِهِمْ , وَذَكَرِهِمْ وَأُنْثَاهُمْ . وَقَرَأَ اِبْن الزُّبَيْر | فَدَهْدَمَ | وَهُمَا , لُغَتَانِ كَمَا يُقَال : اِمْتَقَعَ لَوْنه وَانْتَقَعَ .

أَيْ فَعَلَ اللَّه ذَلِكَ بِهِمْ غَيْرَ خَائِف أَنْ تَلْحَقَهُ تَبِعَة الدَّمْدَمَة مِنْ أَحَد قَالَهُ اِبْن عَبَّاس وَالْحَسَن وَقَتَادَة وَمُجَاهِد . وَالْهَاء فِي | عُقْبَاهَا | تَرْجِع إِلَى الْفِعْلَة كَقَوْلِهِ : ( مَنْ اِغْتَسَلَ يَوْم الْجُمْعَة فَبِهَا وَنِعْمَتْ ) أَيْ بِالْفِعْلَةِ وَالْخَصْلَة . قَالَ السُّدِّيّ وَالضَّحَّاك وَالْكَلْبِيّ : تَرْجِع إِلَى الْعَاقِر أَيْ لَمْ يَخَفْ الَّذِي عَقَرَهَا عُقْبَى مَا صَنَعَ . وَقَالَهُ اِبْن عَبَّاس أَيْضًا . وَفِي الْكَلَام تَقْدِيم وَتَأْخِير , مَجَازه : إِذْ اِنْبَعَثَ أَشْقَاهَا وَلَا يَخَاف عُقْبَاهَا . وَقِيلَ : لَا يَخَاف رَسُول اللَّه صَالِح عَاقِبَة إِهْلَاك قَوْمه , وَلَا يَخْشَى ضَرَرًا يَعُود عَلَيْهِ مِنْ عَذَابهمْ ; لِأَنَّهُ قَدْ أَنْذَرَهُمْ , وَنَجَّاهُ اللَّه تَعَالَى حِين أَهْلَكَهُمْ . وَقَرَأَ نَافِع وَابْن عَامِر | فَلَا | بِالْفَاءِ , وَهُوَ الْأَجْوَد ; لِأَنَّهُ يَرْجِع إِلَى الْمَعْنَى الْأَوَّل أَيْ فَلَا يَخَاف اللَّه عَاقِبَة إِهْلَاكهمْ . وَالْبَاقُونَ بِالْوَاوِ , وَهِيَ أَشْبَهُ بِالْمَعْنَى الثَّانِي أَيْ وَلَا يَخَاف الْكَافِر عَاقِبَة مَا صَنَعَ . وَرَوَى اِبْن وَهْب وَابْن الْقَاسِم عَنْ مَالِك قَالَا : أَخْرَجَ إِلَيْنَا مَالِك مُصْحَفًا لِجَدِّهِ , وَزَعَمَ أَنَّهُ كَتَبَهُ فِي أَيَّام عُثْمَان بْن عَفَّان حِين كَتَبَ الْمَصَاحِف , وَفِيهِ : | وَلَا يَخَاف | بِالْوَاوِ . وَكَذَا هِيَ فِي مَصَاحِف أَهْل مَكَّة وَالْعِرَاقِيِّينَ بِالْوَاوِ , وَاخْتَارَهُ أَبُو عُبَيْد وَأَبُو حَاتِم , اِتِّبَاعًا لِمُصْحَفِهِمْ .

أَيْ يُغَطِّي . وَلَمْ يَذْكُر مَعَهُ مَفْعُولًا لِلْعِلْمِ بِهِ . وَقِيلَ : يَغْشَى النَّهَار . وَقِيلَ : الْأَرْض . وَقِيلَ : الْخَلَائِق . وَقِيلَ : يَغْشَى كُلّ شَيْء بِظُلْمَتِهِ . وَرَوَى سَعِيد عَنْ قَتَادَة قَالَ : أَوَّل مَا خَلَقَ اللَّه النُّور وَالظُّلْمَة , ثُمَّ مَيَّزَ بَيْنهمَا , فَجَعَلَ الظُّلْمَة لَيْلًا أَسْوَد مُظْلِمًا , وَالنُّور نَهَارًا مُضِيئًا مُبْصِرًا .

أَيْ إِذَا اِنْكَشَفَ وَوَضَحَ وَظَهَرَ , وَبَانَ بِضَوْئِهِ عَنْ ظُلْمَة اللَّيْل .

قَالَ الْحَسَن : مَعْنَاهُ وَاَلَّذِي خَلَقَ الذَّكَر وَالْأُنْثَى فَيَكُون قَدْ أَقْسَمَ بِنَفْسِهِ عَزَّ وَجَلَّ . وَقِيلَ : مَعْنَاهُ وَخَلَقَ الذَّكَر وَالْأُنْثَى ( فَمَا ) : مَصْدَرِيَّة عَلَى مَا تَقَدَّمَ . وَأَهْل مَكَّة يَقُولُونَ لِلرَّعْدِ : سُبْحَان مَا سَبَّحْت لَهُ ( فَمَا ) عَلَى هَذَا بِمَعْنَى ( مَنْ ) , وَهُوَ قَوْل أَبِي عُبَيْدَة وَغَيْره . وَقَدْ تَقَدَّمَ . وَقِيلَ : الْمَعْنَى وَمَا خَلَقَ مِنْ الذَّكَر وَالْأُنْثَى فَتَكُون | مِنْ | مُضْمَرَة , وَيَكُون الْقَسَم مِنْهُ بِأَهْلِ طَاعَته , مِنْ أَنْبِيَائِهِ وَأَوْلِيَائِهِ , وَيَكُون قَسَمُهُ بِهِمْ تَكْرِمَةً لَهُمْ وَتَشْرِيفًا . وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة : | وَمَا خَلَقَ | أَيْ مَنْ خَلَقَ . وَكَذَا قَوْله : | وَالسَّمَاء وَمَا بَنَاهَا | [ الشَّمْس : 5 ] , | وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا | [ الشَّمْس : 7 ] , | مَا | فِي هَذِهِ الْمَوَاضِع بِمَعْنَى مِنْ . وَرُوِيَ . اِبْن مَسْعُود أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأ | وَالنَّهَار إِذَا تَجَلَّى . وَالذَّكَر وَالْأُنْثَى | وَيُسْقِط | وَمَا خَلَقَ | . وَفِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ عَلْقَمَة قَالَ : قَدِمْنَا الشَّام , فَأَتَانَا أَبُو الدَّرْدَاء , فَقَالَ : فِيكُمْ أَحَد يَقْرَأ عَلَيَّ قِرَاءَة عَبْد اللَّه ؟ فَقُلْت : نَعَمْ , أَنَا . قَالَ : فَكَيْف سَمِعْت عَبْد اللَّه يَقْرَأ هَذِهِ الْآيَة | وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى | ؟ قَالَ : سَمِعْته يَقْرَأ | وَاللَّيْل إِذَا يَغْشَى . وَالذَّكَر وَالْأُنْثَى | قَالَ : وَأَنَا وَاَللَّه هَكَذَا سَمِعْت رَسُول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقْرَؤُهَا , وَلَكِنَّ هَؤُلَاءِ يُرِيدُونَ أَنْ أَقْرَأ | وَمَا خَلَقَ | فَلَا أُتَابِعُهُمْ . قَالَ أَبُو بَكْر الْأَنْبَارِيّ : وَحَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن يَحْيَى الْمَرْوَزِيّ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّد قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَد الزُّبَيْرِيّ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْرَائِيل عَنْ أَبِي إِسْحَاق عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن يَزِيد عَنْ عَبْد اللَّه قَالَ : أَقْرَأَنِي رَسُول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - | إِنِّي أَنَا الرَّازِق ذُو الْقُوَّة الْمَتِين | قَالَ أَبُو بَكْر : كُلّ مِنْ هَذَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ مَرْدُود بِخِلَافِ الْإِجْمَاع لَهُ , وَأَنَّ حَمْزَة وَعَاصِمًا يَرْوِيَانِ عَنْ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود مَا عَلَيْهِ جَمَاعَة الْمُسْلِمِينَ , وَالْبِنَاء عَلَى سَنَدَيْنِ يُوَافِقَانِ الْإِجْمَاع أَوْلَى مِنْ الْأَخْذ بِوَاحِدٍ يُخَالِفُهُ الْإِجْمَاع وَالْأُمَّة , وَمَا يُبْنَى عَلَى رِوَايَة وَاحِد إِذَا حَاذَاهُ رِوَايَة جَمَاعَة تُخَالِفهُ , أُخِذَ بِرِوَايَةِ الْجَمَاعَة , وَأُبْطِلَ نَقْل الْوَاحِد لِمَا يَجُوز عَلَيْهِ مِنْ النِّسْيَان وَالْإِغْفَال . وَلَوْ صَحَّ الْحَدِيث عَنْ أَبِي الدَّرْدَاء وَكَانَ إِسْنَاده مَقْبُولًا مَعْرُوفًا , ثُمَّ كَانَ أَبُو بَكْر وَعُمَر وَعُثْمَان وَعَلِيّ وَسَائِر الصَّحَابَة - رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ يُخَالِفُونَهُ , لَكَانَ الْحُكْم الْعَمَل بِمَا رَوَتْهُ الْجَمَاعَة , وَرَفْض مَا يَحْكِيهِ الْوَاحِد الْمُنْفَرِد , الَّذِي يُسْرِع إِلَيْهِ مِنْ النِّسْيَان مَا لَا يُسْرِع إِلَى الْجَمَاعَة , وَجَمِيع أَهْل الْمِلَّة . وَفِي الْمُرَاد بِالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى قَوْلَانِ : أَحَدهمَا : آدَم وَحَوَّاء قَالَهُ اِبْن عَبَّاس وَالْحَسَن وَالْكَلْبِيّ . الثَّانِي : يَعْنِي جَمِيع الذُّكُور وَالْإِنَاث مِنْ بَنِي آدَم وَالْبَهَائِم ; لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى خَلَقَ جَمِيعهمْ مِنْ ذَكَر وَأُنْثَى مِنْ نَوْعهمْ . وَقِيلَ : كُلّ ذَكَر وَأُنْثَى مِنْ الْآدَمِيِّينَ دُون الْبَهَائِم لِاخْتِصَاصِهِمْ بِوِلَايَةِ اللَّه وَطَاعَته .

هَذَا جَوَاب الْقَسَم . وَالْمَعْنَى : إِنَّ عَمَلكُمْ لَمُخْتَلِف . وَقَالَ عِكْرِمَة وَسَائِر الْمُفَسِّرِينَ : السَّعْي : الْعَمَل فَسَاعٍ فِي فِكَاك نَفْسه , وَسَاعٍ فِي عَطَبهَا يَدُلّ عَلَيْهِ قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام : ( النَّاس غَادِيَانِ : فَمُبْتَاعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا , وَبَائِعٌ نَفْسَهُ فَمُوبِقُهَا ) . وَشَتَّى وَاحِدُهُ شَتِيت مِثْل مَرِيض وَمَرْضَى . وَإِنَّمَا قِيلَ لِلْمُخْتَلِفِ شَتَّى لِتَبَاعُدِ مَا بَيْن بَعْضه وَبَعْضه . أَيْ إِنَّ عَمَلكُمْ لَمُتَبَاعِدٌ بَعْضه مِنْ بَعْض ; لِأَنَّ بَعْضه ضَلَالَة وَبَعْضه هُدًى . أَيْ فَمِنْكُمْ مُؤْمِن وَبَرّ , وَكَافِر وَفَاجِر , وَمُطِيع وَعَاصٍ . وَقِيلَ : | لَشَتَّى | أَيْ لَمُخْتَلِف الْجَزَاء فَمِنْكُمْ مُثَاب بِالْجَنَّةِ , وَمُعَاقَب بِالنَّارِ . وَقِيلَ : أَيْ لَمُخْتَلِف الْأَخْلَاق فَمِنْكُمْ رَاحِم وَقَاسٍ , وَحَلِيم وَطَائِش , وَجَوَاد وَبَخِيل وَشِبْه ذَلِكَ .

قَالَ اِبْن مَسْعُود : يَعْنِي أَبَا بَكْر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَقَالَهُ عَامَّة الْمُفَسِّرِينَ . فَرَوَى عَنْ عَامِر بْن عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر قَالَ : كَانَ أَبُو بَكْر يُعْتِق عَلَى الْإِسْلَام عَجَائِز وَنِسَاء , قَالَ : فَقَالَ لَهُ أَبُوهُ قُحَافَة : أَيْ بُنَيَّ لَوْ أَنَّك أَعْتَقْت رِجَالًا جُلْدًا يَمْنَعُونَك وَيَقُومُونَ مَعَك ؟ فَقَالَ : يَا أَبَتِ إِنَّمَا أُرِيدُ مَا أُرِيدُ . وَعَنْ اِبْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى : | فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى | أَيْ بَذَلَ . | وَاتَّقَى | أَيْ مَحَارِم اللَّه الَّتِي نَهَى عَنْهَا . | وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى | أَيْ بِالْخُلْفِ مِنْ اللَّه تَعَالَى عَلَى عَطَائِهِ . | فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى | وَفِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ( مَا مِنْ يَوْم يُصْبِح الْعِبَاد فِيهِ إِلَّا وَمَلَكَانِ يَنْزِلَانِ فَيَقُول أَحَدهمَا : اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا , وَيَقُول الْآخَر اللَّهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا ) . وَرَوَى مِنْ حَدِيث أَبِي الدَّرْدَاء : أَنَّ رَسُول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : ( مَا مِنْ يَوْم غَرَبَتْ شَمْسُهُ إِلَّا بُعِثَ بِجَنْبَتِهَا مَلَكَانِ يُنَادِيَانِ يَسْمَعُهُمَا خَلْق اللَّه كُلّهمْ إِلَّا الثَّقَلَيْنِ : اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا , وَأَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا ) فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى فِي ذَلِكَ فِي الْقُرْآن | فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى | . .. الْآيَات . وَقَالَ أَهْل التَّفْسِير : | فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى | الْمُعْسِرِينَ . وَقَالَ قَتَادَة : أَعْطَى حَقّ اللَّه تَعَالَى الَّذِي عَلَيْهِ . وَقَالَ الْحَسَن : أَعْطَى الصِّدْق مِنْ قَلْبه .

أَيْ بِلَا إِلَه إِلَّا اللَّه قَالَهُ الضَّحَّاك وَالسُّلَمِيّ وَابْن عَبَّاس أَيْضًا . وَقَالَ مُجَاهِد : بِالْجَنَّةِ دَلِيله قَوْله تَعَالَى : | لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَة | . .. [ يُونُس : 26 ] الْآيَة . وَقَالَ قَتَادَة : بِمَوْعُودِ اللَّه الَّذِي وَعَدَهُ أَنْ يُثِيبَهُ . زَيْد بْن أَسْلَمَ : بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاة وَالصَّوْم . الْحَسَن : بِالْخُلْفِ مِنْ عَطَائِهِ وَهُوَ اِخْتِيَار الطَّبَرِيّ . وَتَقَدَّمَ عَنْ اِبْن عَبَّاس , وَكُلّه مُتَقَارِب الْمَعْنَى إِذْ كُلّه يَرْجِع إِلَى الثَّوَاب الَّذِي هُوَ الْجَنَّة .

أَيْ نُرْشِدهُ لِأَسْبَابِ الْخَيْر وَالصَّلَاح , حَتَّى يَسْهُل عَلَيْهِ فِعْلهَا . وَقَالَ زَيْد بْن أَسْلَمَ : | لِلْيُسْرَى | لِلْجَنَّةِ . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَالتِّرْمِذِيّ عَنْ عَلِيّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ : كُنَّا فِي جِنَازَة بِالْبَقِيعِ , فَأَتَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَجَلَسَ وَجَلَسْنَا مَعَهُ , وَمَعَهُ عُود يَنْكُت بِهِ فِي الْأَرْض , فَرَفَعَ رَأْسه إِلَى السَّمَاء فَقَالَ : [ مَا مِنْ نَفْس مَنْفُوسَة إِلَّا قَدْ كُتِبَ مَدْخَلُهَا ] فَقَالَ الْقَوْم : يَا رَسُول اللَّه , أَفَلَا نَتَّكِل عَلَى كِتَابنَا ؟ فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْل السَّعَادَة فَانْهُ يَعْمَل لِلسَّعَادَةِ , وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْل الشَّقَاء فَإِنَّهُ يَعْمَل لِلشَّقَاءِ . قَالَ : [ بَلْ اِعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّر أَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْل السَّعَادَة فَإِنَّهُ يُيَسَّر لِعَمَلِ السَّعَادَة , وَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْل الشَّقَاء فَإِنَّهُ يُيَسَّر لِعَمَلِ الشَّقَاء - ثُمَّ قَرَأَ - | فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى , فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى , وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى , وَكَذِب بِالْحُسْنَى , فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى | ] لَفْظ التِّرْمِذِيّ . وَقَالَ فِيهِ : حَدِيث حَسَن صَحِيح . وَسَأَلَ غُلَامَانِ شَابَّانِ رَسُولَ اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَا : الْعَمَل فِيمَا جَفَّتْ بِهِ الْأَقْلَام وَجَرَتْ بِهِ الْمَقَادِير ؟ أَمْ فِي شَيْء يُسْتَأْنَف ؟ فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام : [ بَلْ فِيمَا جَفَّتْ بِهِ الْأَقْلَام , وَجَرَتْ بِهِ الْمَقَادِير ] قَالَا : فَفِيمَ الْعَمَل ؟ قَالَ : [ اِعْمَلُوا فَكُلّ مُيَسَّر لِعَمَلِ الَّذِي خُلِقَ لَهُ ] قَالَا : فَالْآن نَجِدُّ وَنَعْمَل .

أَيْ ضَنَّ بِمَا عِنْده , فَلَمْ يَبْذُل خَيْرًا . وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانه وَثَمَرَته فِي الدُّنْيَا فِي سُورَة | آل عِمْرَان | . وَفِي الْآخِرَة مَآله النَّار , كَمَا فِي هَذِهِ الْآيَة . رَوَى الضَّحَّاك عَنْ اِبْن عَبَّاس | فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى | قَالَ : سَوْفَ أَحُولُ بَيْنه وَبَيْن الْإِيمَان بِاَللَّهِ وَبِرَسُولِهِ . وَعَنْهُ عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : نَزَلَتْ فِي أُمَيَّةَ بْن خَلَف وَرَوَى عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس : | وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى | يَقُول : بَخِلَ بِمَالِهِ , وَاسْتَغْنَى عَنْ رَبّه .

مَسْأَلَة : قَالَ الْعُلَمَاء : ثَبَتَ بِهَذِهِ الْآيَة وَبِقَوْلِهِ : | وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ | [ الْبَقَرَة : 3 ] , وَقَوْله : | الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالهمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَار سِرًّا وَعَلَانِيَة | [ الْبَقَرَة : 274 ] إِلَى غَيْر ذَلِكَ مِنْ الْآيَات - أَنَّ الْجُود مِنْ مَكَارِم الْأَخْلَاق , وَالْبُخْل مِنْ أَرْذَلهَا . وَلَيْسَ الْجَوَاد الَّذِي يُعْطِي فِي غَيْر مَوْضِع الْعَطَاء , وَلَا الْبَخِيل الَّذِي يَمْنَع فِي مَوْضِع الْمَنْع , لَكِنَّ الْجَوَاد الَّذِي يُعْطِي فِي مَوْضِع الْعَطَاء , وَالْبَخِيل الَّذِي يَمْنَع فِي مَوْضِع الْعَطَاء , فَكُلّ مَنْ اِسْتَفَادَ بِمَا يُعْطِي أَجْرًا وَحَمْدًا فَهُوَ الْجَوَاد . وَكُلّ مَنْ اِسْتَحَقَّ بِالْمَنْعِ ذَمًّا أَوْ عِقَابًا فَهُوَ الْبَخِيل . وَمَنْ لَمْ يَسْتَفِدْ بِالْعَطَاءِ أَجْرًا وَلَا حَمْدًا , وَإِنَّمَا اِسْتَوْجَبَ بِهِ ذَمًّا فَلَيْسَ بِجَوَادٍ , وَإِنَّمَا هُوَ مُسَوِّف مَذْمُوم , وَهُوَ مِنْ الْمُبَذِّرِينَ الَّذِينَ جَعَلَهُمْ اللَّه إِخْوَان الشَّيَاطِين , وَأَوْجَبَ الْحَجْر عَلَيْهِمْ . وَمَنْ لَمْ يَسْتَوْجِب بِالْمَنْعِ عِقَابًا وَلَا ذَمًّا , وَاسْتَوْجَبَ بِهِ حَمْدًا , فَهُوَ مِنْ أَهْل الرُّشْد , الَّذِينَ يَسْتَحِقُّونَ الْقِيَام عَلَى أَمْوَال غَيْرهمْ , بِحُسْنِ تَدْبِيرهمْ وَسَدَاد رَأْيهمْ .

أَيْ بِالْخُلْفِ . وَرَوَى اِبْن أَبِي نَجِيح عَنْ مُجَاهِد : | وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى | قَالَ : بِالْجَنَّةِ . وَبِإِسْنَادٍ عَنْهُ آخَر قَالَ | بِالْحُسْنَى | أَيْ بِلَا إِلَه إِلَّا اللَّه .