islamkingdomfaceBook islamkingdomtwitter islamkingdominstagram islamkingdomyoutube


قَوْله | وَيُكَلِّم النَّاس فِي الْمَهْد وَكَهْلًا | أَيْ يَدْعُو إِلَى عِبَادَة اللَّه وَحْده لَا شَرِيك لَهُ فِي حَال صِغَره مُعْجِزَة وَآيَة وَفِي حَال كُهُولَته حِين يُوحِي اللَّه إِلَيْهِ | وَمِنْ الصَّالِحِينَ | أَيْ فِي قَوْله وَعَمَله لَهُ عِلْم صَحِيح وَعَمَل صَالِح قَالَ مُحَمَّد بْن إِسْحَق : عَنْ يَزِيد بْن عَبْد اللَّه بْن قُسَيْط عَنْ مُحَمَّد بْن شُرَحْبِيل عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَا تَكَلَّمَ أَحَد فِي صِغَره إِلَّا عِيسَى وَصَاحِب جُرَيْج ) وَقَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم : حَدَّثَنَا أَبُو الصَّقْر يَحْيَى بْن مُحَمَّد بْن قَزَعَة حَدَّثَنَا الْحُسَيْن يَعْنِي الْمَرْوَزِيّ حَدَّثَنَا جَرِير يَعْنِي اِبْن أَبِي حَازِم عَنْ مُحَمَّد عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : < لَمْ يَتَكَلَّم فِي الْمَهْد إِلَّا ثَلَاث : عِيسَى وَصَبِيّ كَانَ فِي زَمَن جُرَيْج وَصَبِيّ آخَر >.

فَلَمَّا سَمِعَتْ بِشَارَة الْمَلَائِكَة لَهَا بِذَلِكَ عَنْ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ قَالَتْ فِي مُنَاجَاتهَا : < رَبّ أَنَّى يَكُون لِي وَلَد وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَر > تَقُول كَيْفَ يُوجَد هَذَا الْوَلَد مِنِّي وَأَنَا لَسْت بِذَاتِ زَوْج وَلَا مِنْ عَزْمِي أَنْ أَتَزَوَّج وَلَسْت بَغِيًّا حَاشَا لِلَّهِ فَقَالَ لَهَا الْمَلَك عَنْ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ فِي جَوَاب ذَلِكَ السُّؤَال | كَذَلِكِ اللَّه يَخْلُق مَا يَشَاء | أَيْ هَكَذَا أَمْر اللَّه عَظِيم لَا يُعْجِزهُ شَيْء وَصَرَّحَ هَهُنَا بِقَوْلِهِ | يَخْلُق مَا يَشَاء | وَلَمْ يَقُلْ يَفْعَل كَمَا فِي قِصَّة زَكَرِيَّا بَلْ نَصَّ هَهُنَا عَلَى أَنَّهُ يَخْلُق لِئَلَّا يَبْقَى لِمُبْطِلٍ شُبْهَة وَأَكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ | إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُول لَهُ كُنْ فَيَكُون | أَيْ فَلَا يَتَأَخَّر شَيْئًا بَلْ يُوجَد عَقِيب الْأَمْر بِلَا مُهْلَة كَقَوْلِهِ | وَمَا أَمْرنَا إِلَّا وَاحِدَة كَلَمْحِ بِالْبَصَرِ | أَيْ إِنَّمَا نَأْمُر مَرَّة لَا مَثْنَوِيَّة فِيهَا فَيَكُون ذَلِكَ الشَّيْء سَرِيعًا كَلَمْحِ الْبَصَر .

يَقُول تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ تَمَام بِشَارَة الْمَلَائِكَة لِمَرْيَم بِابْنِهَا عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام : إِنَّ اللَّه | يُعَلِّمهُ الْكِتَاب وَالْحِكْمَة | الظَّاهِر الْمُرَاد بِالْكِتَابِ هَاهُنَا الْكِتَابَة وَالْحِكْمَة تَقَدَّمَ تَفْسِيرهَا فِي سُورَة الْبَقَرَة وَالتَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل : فَالتَّوْرَاة الْكِتَاب الَّذِي نَزَلَ عَلَى مُوسَى بْن عِمْرَان وَالْإِنْجِيل الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى عِيسَى اِبْن مَرْيَم عَلَيْهِمَا السَّلَام . وَقَدْ كَانَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام يَحْفَظ هَذَا وَهَذَا.

قَوْله | وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيل | قَائِلًا لَهُمْ | أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبّكُمْ أَنِّي أَخْلُق لَكُمْ مِنْ الطِّين كَهَيْئَةِ الطَّيْر فَأَنْفُخ فِيهِ فَيَكُون طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّه | وَكَذَلِكَ كَانَ يَفْعَل يُصَوِّر مِنْ الطِّين شَكْل طَيْر ثُمَّ يَنْفُخ فِيهِ فَيَطِير عِيَانًا بِإِذْنِ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ الَّذِي جَعَلَ هَذَا مُعْجِزَة لَهُ تَدُلّ عَلَى أَنَّهُ أَرْسَلَهُ | وَأُبْرِئُ الْأَكْمَه | قِيلَ : إِنَّهُ الَّذِي يُبْصِر نَهَارًا وَلَا يُبْصِر لَيْلًا وَقِيلَ بِالْعَكْسِ وَقِيلَ : الْأَعْشَى وَقِيلَ : الْأَعْمَش وَقِيلَ : هُوَ الَّذِي يُولَد أَعْمَى وَهُوَ أَشْبَه لِأَنَّهُ أَبْلَغ فِي الْمُعْجِزَة وَأَقْوَى فِي التَّحَدِّي | وَالْأَبْرَص| مَعْرُوف | وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّه | قَالَ كَثِير مِنْ الْعُلَمَاء : بَعَثَ اللَّه كُلّ نَبِيّ مِنْ الْأَنْبِيَاء بِمَا يُنَاسِب أَهْل زَمَانه فَكَانَ الْغَالِب عَلَى زَمَان مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام السِّحْر وَتَعْظِيم السَّحَرَة فَبَعَثَهُ اللَّه بِمُعْجِزَةٍ بَهَرَتْ الْأَبْصَار وَحَيَّرَتْ كُلّ سَحَّار فَلَمَّا اِسْتَيْقَنُوا أَنَّهَا مِنْ عِنْد الْعَظِيم الْجَبَّار اِنْقَادُوا لِلْإِسْلَامِ وَصَارُوا مِنْ عِبَاد اللَّه الْأَبْرَار وَأَمَّا عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام فَبُعِثَ فِي زَمَن الْأَطِبَّاء وَأَصْحَاب عِلْم الطَّبِيعَة فَجَاءَهُمْ مِنْ الْآيَات بِمَا لَا سَبِيل لِأَحَدٍ إِلَيْهِ إِلَّا أَنْ يَكُون مُؤَيَّدًا مِنْ الَّذِي شَرَّعَ الشَّرِيعَة فَمِنْ أَيْنَ لِلطَّبِيبِ قُدْرَة عَلَى إِحْيَاء الْجَمَاد أَوْ عَلَى مُدَاوَاة الْأَكْمَه وَالْأَبْرَص وَبَعْث مَنْ هُوَ فِي قَبْره رَهِين إِلَى يَوْم التَّنَاد . وَكَذَلِكَ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بُعِثَ فِي زَمَان الْفُصَحَاء وَالْبُلَغَاء وَتَجَارِيد الشُّعَرَاء فَأَتَاهُمْ بِكِتَابٍ مِنْ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ فَلَوْ اِجْتَمَعَتْ الْإِنْس وَالْجِنَّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِهِ أَوْ بِعَشْرِ سُوَر مِنْ مِثْله أَوْ بِسُورَةٍ مِنْ مِثْله لَمْ يَسْتَطِيعُوا أَبَدًا وَلَوْ كَانَ بَعْضهمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا وَمَا ذَلِكَ إِلَّا أَنَّ كَلَام الرَّبّ عَزَّ وَجَلَّ لَا يُشْبِه كَلَام الْخَلْق أَبَدًا وَقَوْله | وَأُنَبِّئكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتكُمْ | أَيْ أُخْبِركُمْ بِمَا أَكَلَ أَحَدكُمْ الْآن وَمَا هُوَ مُدَّخَر لَهُ فِي بَيْته لِغَدٍ | إِنَّ فِي ذَلِكَ | أَيْ فِي ذَلِكَ كُلّه | لَآيَة لَكُمْ | أَيْ عَلَى صِدْقِي فِيمَا جِئْتُكُمْ بِهِ .

|وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْن يَدَيَّ مِنْ التَّوْرَاة | أَيْ مُقِرًّا لَهُمْ وَمُثْبِتًا | وَلِأُحِلّ لَكُمْ بَعْض الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ | فِيهِ دَلَالَة عَلَى أَنَّ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام نَسَخَ بَعْض شَرِيعَة التَّوْرَاة وَهُوَ الصَّحِيح مِنْ الْقَوْلَيْنِ وَمِنْ الْعُلَمَاء مَنْ قَالَ : لَمْ يَنْسَخ مِنْهَا شَيْئًا وَإِنَّمَا أَحَلَّ لَهُمْ بَعْض مَا كَانُوا يَتَنَازَعُونَ فِيهِ خَطَأ وَانْكَشَفَ لَهُمْ عَنْ الْغِطَاء فِي ذَلِكَ كَمَا قَالَ فِي الْآيَة الْأُخْرَى | وَلِأُبَيِّن لَكُمْ بَعْض الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ | وَاَللَّه أَعْلَم . ثُمَّ قَالَ : < وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبّكُمْ > أَيْ بِحُجَّةٍ وَدَلَالَة عَلَى صِدْقِي فِيمَا أَقُولهُ لَكُمْ .

| فَاتَّقُوا اللَّه وَأَطِيعُونِ إِنَّ اللَّه رَبِّي وَرَبّكُمْ فَاعْبُدُوهُ | أَيْ أَنَا وَأَنْتُمْ سَوَاء فِي الْعُبُودِيَّة لَهُ وَالْخُضُوع وَالِاسْتِكَانَة إِلَيْهِ | هَذَا صِرَاط مُسْتَقِيم | .

يَقُول تَعَالَى : { فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى } أَيْ اِسْتَشْعَرَ مِنْهُمْ التَّصْمِيم عَلَى الْكُفْر وَالِاسْتِمْرَار عَلَى الضَّلَال قَالَ : < مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّه > قَالَ مُجَاهِد : أَيْ مَنْ يَتْبَعنِي إِلَى اللَّه وَقَالَ سُفْيَان الثَّوْرِيّ وَغَيْره : أَيْ مَنْ أَنْصَارِي مَعَ اللَّه وَقَوْل مُجَاهِد أَقْرَب . وَالظَّاهِر أَنَّهُ أَرَادَ مَنْ أَنْصَارِي فِي الدَّعْوَة إِلَى اللَّه كَمَا كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول فِي مَوَاسِم الْحَجّ قَبْل أَنْ يُهَاجِر | مَنْ رَجُل يُؤْوِينِي حَتَّى أُبَلِّغ كَلَام رَبِّي فَإِنَّ قُرَيْشًا قَدْ مَنَعُونِي أَنْ أُبَلِّغ كَلَام رَبِّي | حَتَّى وَجَدَ الْأَنْصَار فَأَوَوْهُ وَنَصَرُوهُ وَهَاجَرَ إِلَيْهِمْ فَوَاسُوهُ وَمَنَعُوهُ مِنْ الْأَسْوَد وَالْأَحْمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ وَأَرْضَاهُمْ . وَهَكَذَا عِيسَى اِبْن مَرْيَم عَلَيْهِ السَّلَام اِنْتَدَبَ لَهُ طَائِفَة مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل فَآمَنُوا بِهِ وَوَازَرُوه وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّور الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْهُمْ | قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَار اللَّه آمَنَّا بِاَللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ رَبّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْت وَاتَّبَعْنَا الرَّسُول فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ | الْحَوَارِيُّونَ قِيلَ : كَانُوا قَصَّارِينَ وَقِيلَ سُمُّوا بِذَلِكَ لِبَيَاضِ ثِيَابهمْ وَقِيلَ : صَيَّادِينَ . وَالصَّحِيح أَنَّ الْحَوَارِيّ النَّاصِر كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَدَبَ النَّاس يَوْم الْأَحْزَاب فَانْتَدَبَ الزُّبَيْر ثُمَّ نَدَبَهُمْ فَانْتَدَبَ الزُّبَيْر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لِكُلِّ نَبِيّ حَوَارِيّ وَحَوَارِيَّ الزُّبَيْر ) .