islamkingdomfaceBook islamkingdomtwitter islamkingdominstagram islamkingdomyoutube


| وَلَا طَعَام | أَيْ وَلَيْسَ لَهُمْ طَعَام يَنْتَفِعُونَ بِهِ .

أَيْ الْمُذْنِبُونَ . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : يَعْنِي الْمُشْرِكِينَ . وَقُرِئَ | الْخَاطِيُونَ | بِإِبْدَالِ الْهَمْزَة يَاء , وَ | الْخَاطُونَ | بِطَرْحِهَا . وَعَنْ اِبْن عَبَّاس : مَا الْخَاطُونَ كُلّنَا نَخْطُو . وَرَوَى أَبُو الْأَسْوَد الدُّؤَلِيّ : مَا الْخَاطُونَ ؟ إِنَّمَا هُوَ الْخَاطِئُونَ . مَا الصَّابُون إِنَّمَا هُوَ الصَّابِئُونَ . وَيَجُوز أَنْ يُرَاد الَّذِي يَتَخَطَّوْنَ الْحَقّ إِلَى الْبَاطِل وَيَتَعَدَّوْنَ حُدُودَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ .

الْمَعْنَى أُقْسِم بِالْأَشْيَاءِ كُلّهَا مَا تَرَوْنَ مِنْهَا

وَمَا لَا تَرَوْنَ . وَ | لَا | صِلَة . وَقِيلَ : هُوَ رَدّ لِكَلَامٍ سَبَقَ ; أَيْ لَيْسَ الْأَمْر كَمَا يَقُولهُ الْمُشْرِكُونَ . وَقَالَ مُقَاتِل : سَبَب ذَلِكَ أَنَّ الْوَلِيدَ بْن الْمُغِيرَة قَالَ : إِنَّ مُحَمَّدًا سَاحِر . وَقَالَ أَبُو جَهْل : شَاعِر . وَقَالَ عُقْبَة : كَاهِن ; فَقَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : | فَلَا أُقْسِم | أَيْ أُقْسِم . وَقِيلَ : | لَا | هَا هُنَا نَفْي لِلْقَسَمِ , أَيْ لَا يَحْتَاج فِي هَذَا إِلَى قَسَم لِوُضُوحِ الْحَقّ فِي ذَلِكَ , وَعَلَى هَذَا فَجَوَابه كَجَوَابِ الْقَسَم .

يَعْنِي الْقُرْآن|لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ|يُرِيد جِبْرِيل , قَالَهُ الْحَسَن وَالْكَلْبِيّ وَمُقَاتِل . دَلِيله : | إِنَّهُ لَقَوْل رَسُول كَرِيم . ذِي قُوَّة عِنْد ذِي الْعَرْش | [ التَّكْوِير : 19 - 20 ]. وَقَالَ الْكَلْبِيّ أَيْضًا وَالْقُتَبِيّ : الرَّسُول هَا هُنَا مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; لِقَوْلِهِ : | وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِر | وَلَيْسَ الْقُرْآن قَوْل الرَّسُول صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , إِنَّمَا هُوَ مِنْ قَوْل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ وَنُسِبَ الْقَوْل إِلَى الرَّسُول لِأَنَّهُ تَالِيه وَمُبَلِّغه وَالْعَامِل بِهِ , كَقَوْلِنَا : هَذَا قَوْل مَالِك .

لِأَنَّهُ مُبَايِن لِصُنُوفِ الشِّعْر كُلّهَا .

لِأَنَّهُ وَرَدَ بِسَبِّ الشَّيَاطِين وَشَتْمهمْ فَلَا يُنَزِّلُونَ شَيْئًا عَلَى مَنْ يَسُبّهُمْ . وَ | مَا | زَائِدَة فِي قَوْله : | قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ ||قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ|وَالْمَعْنَى : قَلِيلًا تُؤْمِنُونَ وَقَلِيلًا تَذَّكَّرُونَ . وَذَلِكَ الْقَلِيل مِنْ إِيمَانهمْ هُوَ أَنَّهُمْ إِذَا سُئِلُوا مَنْ خَلَقَهُمْ قَالُوا : اللَّه . وَلَا يَجُوز أَنْ تَكُونَ | مَا | مَعَ الْفِعْل مَصْدَرًا وَتُنْصَب | قَلِيلًا | بِمَا بَعْد | مَا | , لِمَا فِيهِ مِنْ تَقْدِيم الصِّلَة|عَلَى الْمَوْصُول ; لِأَنَّ مَا عَمِلَ فِيهِ الْمَصْدَر مِنْ صِلَة الْمَصْدَر . وَقَرَأَ اِبْن مُحَيْصِن وَابْن كَثِير وَابْن عَامِر وَيَعْقُوب | مَا يُؤْمِنُونَ | , وَ | يَذَّكَّرُونَ | بِالْيَاءِ . الْبَاقُونَ بِالتَّاءِ لِأَنَّ الْخِطَاب قَبْلَهُ وَبَعْدَهُ . أَمَّا قَبْله فَقَوْله : | تُبْصِرُونَ | وَأَمَّا بَعْدَهُ : | فَمَا مِنْكُمْ | الْآيَة .

أَيْ هُوَ تَنْزِيل .|مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ|وَهُوَ عَطْف عَلَى قَوْله : | إِنَّهُ لَقَوْل رَسُول كَرِيم | [ الْحَاقَّة : 40 ] , أَيْ إِنَّهُ لَقَوْل رَسُول كَرِيم , وَهُوَ تَنْزِيل مِنْ رَبّ الْعَالَمِينَ .

|تَقُول | أَيْ تَكَلَّفَ وَأَتَى بِقَوْلٍ مِنْ قِبَل نَفْسه . وَقُرِئَ | وَلَوْ تَقَوَّلَ | عَلَى الْبِنَاء لِلْمَفْعُولِ .

أَيْ بِالْقُوَّةِ وَالْقُدْرَة , أَيْ لَأَخَذْنَاهُ بِالْقُوَّةِ . وَ | مِنْ | صِلَة زَائِدَة . وَعَبَّرَ عَنْ الْقُوَّة وَالْقُدْرَة بِالْيَمِينِ لِأَنَّ قُوَّة كُلّ شَيْء فِي مَيَامِنه , قَالَهُ الْقُتَبِيّ . وَهُوَ مَعْنَى قَوْل اِبْن عَبَّاس وَمُجَاهِد . وَمِنْهُ قَوْل الشَّمَّاخ :
إِذَا مَا رَايَة رُفِعَتْ لِمَجْدٍ .......... تَلَقَّاهَا عَرَابَة بِالْيَمِينِ
أَيْ بِالْقُوَّةِ . عَرَابَة اِسْم رَجُل مِنْ الْأَنْصَار مِنْ الْأَوْس . وَقَالَ آخَر :
وَلَمَّا رَأَيْت الشَّمْسَ أَشْرَقَ نُورهَا .......... تَنَاوَلْت مِنْهَا حَاجَتِي بِيَمِينِي
وَقَالَ السُّدِّيّ وَالْحَكَم : | بِالْيَمِينِ | بِالْحَقِّ . قَالَ :
تَلَقَّاهَا عَرَابَة بِالْيَمِينِ
أَيْ بِالِاسْتِحْقَاقِ . وَقَالَ الْحَسَن : لَقَطَعْنَا يَدَهُ الْيَمِين . وَقِيلَ : الْمَعْنَى لَقَبَضْنَا بِيَمِينِهِ عَنْ التَّصَرُّف ; قَالَهُ نَفْطَوَيْهِ . وَقَالَ أَبُو جَعْفَر الطَّبَرِيّ : إِنَّ هَذَا الْكَلَام خَرَجَ مَخْرَجَ الْإِذْلَال عَلَى عَادَة النَّاس فِي الْأَخْذ بِيَدِ مَنْ يُعَاقِب . كَمَا يَقُول السُّلْطَان لِمَنْ يُرِيد هَوَانه : خُذُوا يَدَيْهِ . أَيْ لِأَمْرِنَا بِالْأَخْذِ بِيَدِهِ وَبَالَغْنَا فِي عِقَابه .

يَعْنِي نِيَاط الْقَلْب ; أَيْ لَأَهْلَكْنَاهُ . وَهُوَ عِرْق يَتَعَلَّق بِهِ الْقَلْب إِذَا اِنْقَطَعَ مَاتَ صَاحِبه ; قَالَهُ اِبْن عَبَّاس وَأَكْثَر النَّاس . قَالَ :
إِذَا بَلَّغْتنِي وَحَمَلْت رَحْلِي .......... عَرَابَة فَاشْرَقِي بِدَمِ الْوَتِين
وَقَالَ مُجَاهِد : هُوَ حَبْل الْقَلْب الَّذِي فِي الظَّهْر وَهُوَ النُّخَاع ; فَإِذَا اِنْقَطَعَ بَطَلَتْ الْقُوَى وَمَاتَ صَاحِبه . وَالْمَوْتُون الَّذِي قُطِعَ وَتِينه . وَقَالَ مُحَمَّد بْن كَعْب : إِنَّهُ الْقَلْب وَمَرَاقّه وَمَا يَلِيه . قَالَ الْكَلْبِيّ : إِنَّهُ عِرْق بَيْنَ الْعِلْبَاء وَالْحُلْقُوم . وَالْعِلْبَاء : عَصَب الْعُنُق . وَهُمَا عِلْبَاوَانِ بَيْنهمَا يَنْبُت الْعِرْق . وَقَالَ عِكْرِمَة : إِنَّ الْوَتِينَ إِذَا قُطِعَ لَا إِنْ جَاعَ عَرَفَ , وَلَا إِنْ شَبِعَ عَرَفَ .

| مَا | نَفْي وَ | أَحَد | فِي مَعْنَى الْجَمْع , فَلِذَلِكَ نَعَتَهُ بِالْجَمْعِ ; أَيْ فَمَا مِنْكُمْ قَوْم يَحْجِزُونَ عَنْهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : | لَا نُفَرِّق بَيْنَ أَحَد مِنْ رُسُله | [ الْبَقَرَة : 285 ] هَذَا جَمْع , لِأَنَّ | بَيْنَ | لَا تَقَع إِلَّا عَلَى اِثْنَيْنِ فَمَا زَادَ . قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَمْ تَحِلّ الْغَنَائِم لِأَحَدِ سُود الرُّءُوس قَبْلَكُمْ ) . لَفْظه وَاحِد وَمَعْنَاهُ الْجَمْع . و | مِنْ | زَائِدَة . وَالْحَجْز : الْمَنْع . وَ | حَاجِزِينَ | يَجُوز أَنْ يَكُونَ صِفَة لِأَحَدٍ عَلَى الْمَعْنَى كَمَا ذَكَرْنَا ; فَيَكُون فِي مَوْضِع جَرّ . وَالْخَبَر | مِنْكُمْ | . وَيَجُوز أَنْ يَكُونَ مَنْصُوبًا عَلَى أَنَّهُ خَبَر وَ | مِنْكُمْ | مُلْغًى , وَيَكُون مُتَعَلِّقًا | بِحَاجِزِينَ | . وَلَا يَمْنَع الْفَصْل بِهِ مِنْ اِنْتِصَاب الْخَبَر فِي هَذَا ; كَمَا لَمْ يَمْتَنِع الْفَصْل بِهِ فِي | إِنَّ فِيك زَيْدًا رَاغِب | .

يَعْنِي الْقُرْآن|لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ|أَيْ لِلْخَائِفِينَ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ اللَّهَ . وَنَظِيره : | فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ | [ الْبَقَرَة : 2 ] عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ أَوَّل سُورَة الْبَقَرَة . وَقِيلَ : الْمُرَاد مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , أَيْ هُوَ تَذْكِرَة وَرَحْمَة وَنَجَاة .

قَالَ الرَّبِيع : بِالْقُرْآنِ .

يَعْنِي التَّكْذِيب . وَالْحَسْرَة : النَّدَامَة . وَقِيلَ : أَيْ وَإِنَّ الْقُرْآنَ لَحَسْرَة عَلَى الْكَافِرِينَ يَوْمَ الْقِيَامَة إِذَا رَأَوْا ثَوَاب مَنْ آمَنَ بِهِ . وَقِيلَ : هِيَ حَسْرَتهمْ فِي الدُّنْيَا حِينَ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَى مُعَارَضَته عِنْدَ تَحَدِّيهمْ أَنْ يَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْله .

يَعْنِي أَنَّ الْقُرْآنَ الْعَظِيم تَنْزِيل مِنْ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ ; فَهُوَ لَحَقّ الْيَقِين . وَقِيلَ : أَيْ حَقًّا يَقِينًا لَيَكُونَنَّ ذَلِكَ حَسْرَة عَلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَة . فَعَلَى هَذَا | وَإِنَّهُ لَحَسْرَة | أَيْ لَتَحَسُّر ; فَهُوَ مَصْدَر بِمَعْنَى التَّحَسُّر , فَيَجُوز تَذْكِيره . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : إِنَّمَا هُوَ كَقَوْلِك : لَعَيْن الْيَقِين وَمَحْض الْيَقِين . وَلَوْ كَانَ الْيَقِين نَعْتًا لَمْ يَجُزْ أَنْ يُضَافَ إِلَيْهِ ; كَمَا لَا تَقُول : هَذَا رَجُل الظَّرِيف . وَقِيلَ : أَضَافَهُ إِلَى نَفْسه لِاخْتِلَافِ اللَّفْظَيْنِ .

أَيْ فَصَلِّ لِرَبِّك ; قَالَهُ اِبْن عَبَّاس . وَقِيلَ : أَيْ نَزِّهْ اللَّهَ عَنْ السُّوء وَالنَّقَائِص .

سُورَة الْمَعَارِج وَهِيَ مَكِّيَّة بِاتِّفَاقٍ . وَهِيَ أَرْبَع وَأَرْبَعُونَ آيَةً

قَرَأَ نَافِع وَابْن عَامِر | سَالَ سَايِلٌ | بِغَيْرِ هَمْزَة . الْبَاقُونَ بِالْهَمْزِ . فَمَنْ هَمَزَ فَهُوَ مِنْ السُّؤَال . وَالْبَاء يَجُوز أَنْ تَكُونَ زَائِدَة , وَيَجُوز أَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى عَنْ . وَالسُّؤَال بِمَعْنَى الدُّعَاء ; أَيْ دَعَا دَاعٍ بِعَذَابٍ ; عَنْ اِبْن عَبَّاس وَغَيْره . يُقَال : دَعَا عَلَى فُلَان بِالْوَيْلِ , وَدَعَا عَلَيْهِ بِالْعَذَابِ . وَيُقَال : دَعَوْت زَيْدًا ; أَيْ اِلْتَمَسْت إِحْضَاره . أَيْ اِلْتَمَسَ مُلْتَمِس عَذَابًا لِلْكَافِرِينَ ; وَهُوَ وَاقِع بِهِمْ لَا مَحَالَةَ يَوْم الْقِيَامَة . وَعَلَى هَذَا فَالْبَاء زَائِدَة ; كَقَوْلِهِ تَعَالَى : | تَنْبُت بِالدُّهْنِ | [ الْمُؤْمِنُونَ : 20 ] , وَقَوْله . | وَهُزِّي إِلَيْك بِجِذْعِ النَّخْلَة | [ مَرْيَم : 25 ] فَهِيَ تَأْكِيد . أَيْ سَأَلَ سَائِل عَذَابًا وَاقِعًا .

أَيْ عَلَى الْكَافِرِينَ . وَهُوَ النَّضْر بْن الْحَارِث حَيْثُ قَالَ : | اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقّ مِنْ عِنْدك فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنْ السَّمَاء أَوْ اِئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيم | [ الْأَنْفَال : 32 ] فَنَزَّلَ سُؤَالَهُ , وَقُتِلَ يَوْمَ بَدْر صَبْرًا هُوَ وَعُقْبَة بْن أَبِي مُعَيْط ; لَمْ يُقْتَل صَبْرًا غَيْرهمَا ; قَالَهُ اِبْن عَبَّاس وَمُجَاهِد . وَقِيلَ : إِنَّ السَّائِلَ هُنَا هُوَ الْحَارِث بْن النُّعْمَان الْفِهْرِيّ . وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا بَلَغَهُ قَوْل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : ( مَنْ كُنْت مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ ) رَكِبَ نَاقَتَهُ فَجَاءَ حَتَّى أَنَاخَ رَاحِلَتَهُ بِالْأَبْطَحِ ثُمَّ قَالَ : يَا مُحَمَّد , أَمَرْتنَا عَنْ اللَّه أَنْ نَشْهَد أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّه وَأَنَّك رَسُول اللَّه فَقَبِلْنَاهُ مِنْك , وَأَنْ نُصَلِّيَ خَمْسًا فَقَبِلْنَاهُ مِنْك , وَنُزَكِّي أَمْوَالنَا فَقَبِلْنَاهُ مِنْك , وَأَنَّ نَصُوم شَهْر رَمَضَانَ فِي كُلّ عَام فَقَبِلْنَاهُ مِنْك , وَأَنْ نَحُجّ فَقَبِلْنَاهُ مِنْك , ثُمَّ لَمْ تَرْضَ بِهَذَا حَتَّى فَضَّلْت اِبْن عَمّك عَلَيْنَا ! أَفَهَذَا شَيْء مِنْك أَمْ مِنْ اللَّه ؟ ! فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَاَللَّه الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ مَا هُوَ إِلَّا مِنْ اللَّه ) فَوَلَّى الْحَارِث وَهُوَ يَقُول : اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ مَا يَقُول مُحَمَّد حَقًّا فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنْ السَّمَاء أَوْ اِئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيم . فَوَاَللَّهِ مَا وَصَلَ إِلَى نَاقَته حَتَّى رَمَاهُ اللَّه بِحَجَرٍ فَوَقَعَ عَلَى دِمَاغه فَخَرَجَ مِنْ دُبُره فَقَتَلَهُ ; فَنَزَلَتْ : | سَأَلَ سَائِل بِعَذَابٍ وَاقِع | الْآيَة . وَقِيلَ : إِنَّ السَّائِلَ هُنَا أَبُو جَهْل وَهُوَ الْقَائِل لِذَلِكَ , قَالَهُ الرَّبِيع . وَقِيلَ : إِنَّهُ قَوْل جَمَاعَة مِنْ كُفَّار قُرَيْش . وَقِيلَ : هُوَ نُوح عَلَيْهِ السَّلَام سَأَلَ الْعَذَابَ عَلَى الْكَافِرِينَ . وَقِيلَ : هُوَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيْ دَعَا عَلَيْهِ السَّلَام بِالْعِقَابِ وَطَلَبَ أَنْ يُوقِعَهُ اللَّه بِالْكُفَّارِ ; وَهُوَ وَاقِع بِهِمْ لَا مَحَالَةَ . وَامْتَدَّ الْكَلَام إِلَى قَوْله تَعَالَى : | فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا | [ الْمَعَارِج : 5 ] أَيْ لَا تَسْتَعْجِل فَإِنَّهُ قَرِيب . وَإِذَا كَانَتْ الْبَاء بِمَعْنَى عَنْ - وَهُوَ قَوْل قَتَادَة - فَكَأَنَّ سَائِلًا سَأَلَ عَنْ الْعَذَاب بِمَنْ يَقَع أَوْ مَتَى يَقَع . قَالَ اللَّه تَعَالَى : | فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا | [ الْفُرْقَان : 59 ] أَيْ سَلْ عَنْهُ . وَقَالَ عَلْقَمَة :
فَإِنْ تَسْأَلُونِي بِالنِّسَاءِ فَإِنَّنِي .......... بَصِير بِأَدْوَاءِ النِّسَاء طَبِيب
أَيْ عَنْ النِّسَاء . وَيُقَال : خَرَجْنَا نَسْأَل عَنْ فُلَان وَبِفُلَانٍ . فَالْمَعْنَى سَأَلُوا بِمَنْ يَقَع الْعَذَاب وَلِمَنْ يَكُون فَقَالَ اللَّه : | لِلْكَافِرِينَ | . قَالَ أَبُو عَلِيّ وَغَيْره : وَإِذَا كَانَ مِنْ السُّؤَال فَأَصْله أَنْ يَتَعَدَّى إِلَى مَفْعُولَيْنِ وَيَجُوز الِاقْتِصَار عَلَى أَحَدهمَا . وَإِذَا اِقْتَصَرَ عَلَى أَحَدهمَا جَازَ أَنْ يَتَعَدَّى إِلَيْهِ بِحَرْفِ جَرّ ; فَيَكُون التَّقْدِير سَأَلَ سَائِل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ الْمُسْلِمِينَ بِعَذَابٍ أَوْ عَنْ عَذَاب . وَمَنْ قَرَأَ بِغَيْرِ هَمْز فَلَهُ وَجْهَانِ : أَحَدهمَا : أَنَّهُ لُغَة فِي السُّؤَال وَهِيَ لُغَة قُرَيْش ; تَقُول الْعَرَب : سَالَ يَسَال ; مِثْل نَالَ يَنَال وَخَافَ يَخَاف . وَالثَّانِي : أَنْ يَكُونَ مِنْ السَّيَلَان ; وَيُؤَيِّدهُ قِرَاءَة اِبْن عَبَّاس | سَالَ سَيْل | . قَالَ عَبْد الرَّحْمَن بْن زَيْد : سَالَ وَادٍ مِنْ أَوْدِيَة جَهَنَّم يُقَال لَهُ : سَائِل ; وَقَوْل زَيْد بْن ثَابِت . قَالَ الثَّعْلَبِيّ : وَالْأَوَّل أَحْسَن ; كَقَوْلِ الْأَعْشَى فِي تَخْفِيف الْهَمْزَة :
سَالَتَانِي الطَّلَاق إِذْ رَأَتَانِي .......... قَلَّ مَالِي قَدْ جِئْتُمَانِي بِنُكْرٍ
وَفِي الصِّحَاح : قَالَ الْأَخْفَش : يُقَال خَرَجْنَا نَسْأَل عَنْ فُلَان وَبِفُلَانٍ . وَقَدْ تُخَفَّف هَمْزَته فَيُقَال : سَالَ يَسَال . وَقَالَ :
وَمُرْهَق سَالَ إِمْتَاعًا بِأُصْدَتِهِ .......... لَمْ يَسْتَعِنْ وَحَوَامِي الْمَوْت تَغْشَاهُ
الْمُرْهَق : الَّذِي أُدْرِكَ لِيُقْتَل . وَالْأُصْدَة بِالضَّمِّ : قَمِيص صَغِير يُلْبَس تَحْتَ الثَّوْب . الْمَهْدَوِيّ : مَنْ قَرَأَ | سَالَ | جَازَ أَنْ يَكُونَ خَفَّفَ الْهَمْزَة بِإِبْدَالِهَا أَلِفًا , وَهُوَ الْبَدَل عَلَى غَيْر قِيَاس . وَجَازَ أَنْ تَكُونَ الْأَلِف مُنْقَلِبَة عَنْ وَاو عَلَى لُغَة مَنْ قَالَ : سِلْت أَسَال ; كَخِفْتُ أَخَاف . النَّحَّاس : حَكَى سِيبَوَيْهِ سِلْت أَسَال ; مِثْل خِفْت أَخَاف ; بِمَعْنَى سَأَلْت . وَأَنْشَدَ :
سَالَتْ هُذَيْل رَسُولَ اللَّه فَاحِشَةً .......... ضَلَّتْ هُذَيْل بِمَا سَالَتْ وَلَمْ تُصِبِ
وَيُقَال : هُمَا يَتَسَاوَلَانِ . الْمَهْدَوِيّ : وَجَازَ أَنْ تَكُونَ مُبْدَلَة مِنْ يَاء , مِنْ سَالَ يَسِيل . وَيَكُون سَايِلٌ وَادِيًا فِي جَهَنَّم ; فَهَمْزَة سَايِل عَلَى الْقَوْل الْأَوَّل أَصْلِيَّة , وَعَلَى الثَّانِي بَدَل مِنْ وَاو , وَعَلَى الثَّالِث بَدَل مِنْ يَاء . الْقُشَيْرِيّ : وَسَائِل مَهْمُوز ; لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ مِنْ سَأَلَ بِالْهَمْزِ فَهُوَ مَهْمُوز , وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْر الْهَمْز كَانَ مَهْمُوزًا أَيْضًا ; نَحْو قَائِل وَخَائِف ; لِأَنَّ الْعَيْنَ اِعْتَلَّ فِي الْفِعْل وَاعْتَلَّ فِي اِسْم الْفَاعِل أَيْضًا . وَلَمْ يَكُنْ الِاعْتِلَال بِالْحَذْفِ لِخَوْفِ الِالْتِبَاس , فَكَانَ بِالْقَلْبِ إِلَى الْهَمْزَة , وَلَك تَخْفِيف الْهَمْزَة حَتَّى تَكُونَ بَيْنَ بَيْنَ . | وَاقِع | أَيْ يَقَع بِالْكُفَّارِ بَيَّنَ أَنَّهُ مِنْ اللَّه ذِي الْمَعَارِج .

نَزَّلَ اللَّه تَعَالَى : | سَأَلَ سَائِل بِعَذَابٍ وَاقِع | فَقَالَ لِمَنْ هُوَ ؟ فَقَالَ لِلْكَافِرِينَ ; فَاللَّام فِي الْكَافِرِينَ مُتَعَلِّقَة | بِوَاقِعٍ | . وَقَالَ الْفَرَّاء : التَّقْدِير بِعَذَابٍ لِلْكَافِرِينَ وَاقِع ; فَالْوَاقِع مِنْ نَعْت الْعَذَاب وَاللَّام دَخَلَتْ لِلْعَذَابِ لَا لِلْوَاقِعِ , أَيْ هَذَا الْعَذَاب لِلْكَافِرِينَ فِي الْآخِرَة لَا يَدْفَعهُ عَنْهُمْ أَحَد . وَقِيلَ إِنَّ اللَّامَ بِمَعْنَى عَلَى , وَالْمَعْنَى : وَاقِع عَلَى الْكَافِرِينَ . وَرُوِيَ أَنَّهَا فِي قِرَاءَة أُبَيّ كَذَلِكَ . وَقِيلَ : بِمَعْنَى عَنْ ; أَيْ لَيْسَ لَهُ دَافِع عَنْ الْكَافِرِينَ مِنْ اللَّه . أَيْ ذَلِكَ الْعَذَاب مِنْ اللَّه ذِي الْمَعَارِج أَيْ ذِي الْعُلُوّ وَالدَّرَجَات الْفَوَاضِل وَالنِّعَم ; قَالَهُ اِبْن عَبَّاس وَقَتَادَة فَالْمَعَارِج مَرَاتِب إِنْعَامه عَلَى الْخَلْق وَقِيلَ ذِي الْعَظَمَة وَالْعَلَاء وَقَالَ مُجَاهِد : هِيَ مَعَارِج السَّمَاء . وَقِيلَ : هِيَ مَعَارِج الْمَلَائِكَة ; لِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ تَعْرُج إِلَى السَّمَاء فَوَصَفَ نَفْسَهُ بِذَلِكَ . وَقِيلَ : الْمَعَارِج الْغُرَف ; أَيْ إِنَّهُ ذُو الْغُرَف , أَيْ جَعَلَ لِأَوْلِيَائِهِ فِي الْجَنَّة غُرَفًا . وَقَرَأَ عَبْد اللَّه | ذِي الْمَعَارِيج | بِالْيَاءِ . يُقَال : مَعْرَج وَمِعْرَاج وَمَعَارِج وَمَعَارِيج ; مِثْل مِفْتَاح وَمَفَاتِيح . وَالْمَعَارِج الدَّرَجَات ; وَمِنْهُ : | وَمَعَارِج عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ | [ الزُّخْرُف : 33 ] .

أَيْ تَصْعَدُ فِي الْمَعَارِج الَّتِي جَعَلَهَا اللَّه لَهُمْ . وَقَرَأَ اِبْن مَسْعُود وَأَصْحَابه وَالسُّلَمِيّ وَالْكِسَائِيّ | يَعْرُج | بِالْيَاءِ عَلَى إِرَادَة الْجَمْع ; وَلِقَوْلِهِ : ذَكِّرُوا الْمَلَائِكَةَ وَلَا تُؤَنِّثُوهُمْ . وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالتَّاءِ عَلَى إِرَادَة الْجَمَاعَة . | وَالرُّوح | جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام ; قَالَهُ اِبْن عَبَّاس . دَلِيله قَوْله تَعَالَى : | نَزَلَ بِهِ الرُّوح الْأَمِين | [ الشُّعَرَاء : 193 ] . وَقِيلَ : هُوَ مَلَك آخَر عَظِيم الْخِلْقَة . وَقَالَ أَبُو صَالِح : إِنَّهُ خَلْق مِنْ خَلْق اللَّه كَهَيْئَةِ النَّاس وَلَيْسَ بِالنَّاسِ . قَالَ قَبِيصَة بْن ذُؤَيْب : إِنَّهُ رُوح الْمَيِّت حِينَ يُقْبَض . | إِلَيْهِ | أَيْ إِلَى الْمَكَان الَّذِي هُوَ مَحَلّهمْ وَهُوَ فِي السَّمَاء ; لِأَنَّهَا مَحَلّ بِرّه وَكَرَامَته . وَقِيلَ : هُوَ كَقَوْلِ إِبْرَاهِيم | إِنِّي ذَاهِب إِلَى رَبِّي | [ الصَّافَّات : 99 ] . أَيْ إِلَى الْمَوْضِع الَّذِي أَمَرَنِي بِهِ . وَقِيلَ :|إِلَيْهِ|أَيْ إِلَى عَرْشه .|فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ|قَالَ وَهْب وَالْكَلْبِيّ وَمُحَمَّد بْن إِسْحَاق : أَيْ عُرُوج الْمَلَائِكَة إِلَى الْمَكَان الَّذِي هُوَ مَحَلّهمْ فِي وَقْت كَانَ مِقْدَاره عَلَى غَيْرهمْ لَوْ صَعِدَ خَمْسِينَ أَلْف سَنَة . وَقَالَ وَهْب أَيْضًا : مَا بَيْنَ أَسْفَل الْأَرْض إِلَى الْعَرْش مَسِيرَة خَمْسِينَ أَلْف سَنَة . وَهُوَ قَوْل مُجَاهِد . وَجَمَعَ بَيْنَ هَذِهِ الْآيَة وَبَيْنَ قَوْله : | فِي يَوْم كَانَ مِقْدَاره أَلْفَ سَنَة | فِي سُورَة السَّجْدَة , فَقَالَ : | فِي يَوْم كَانَ مِقْدَاره خَمْسِينَ أَلْف سَنَة | مِنْ مُنْتَهَى أَمْره مِنْ أَسْفَل الْأَرْضِينَ إِلَى مُنْتَهَى أَمْره مِنْ فَوْق السَّمَوَات خَمْسُونَ أَلْف سَنَة . وَقَوْله تَعَالَى فِي ( الم تَنْزِيل ) : | فِي يَوْم كَانَ مِقْدَاره أَلْفَ سَنَة | [ السَّجْدَة : 5 ] يَعْنِي بِذَلِكَ نُزُول الْأَمْر مِنْ سَمَاء الدُّنْيَا إِلَى الْأَرْض , وَمِنْ الْأَرْض إِلَى السَّمَاء فِي يَوْم وَاحِد فَذَلِكَ مِقْدَار أَلْف سَنَة لِأَنَّ مَا بَيْنَ السَّمَاء إِلَى الْأَرْض مَسِيرَة خَمْسمِائَةِ عَام . وَعَنْ مُجَاهِد أَيْضًا وَالْحَكَم وَعِكْرِمَة : هُوَ مُدَّة عُمُر الدُّنْيَا مِنْ أَوَّل مَا خُلِقَتْ إِلَى آخِر مَا بَقِيَ خَمْسُونَ أَلْف سَنَة . لَا يَدْرِي أَحَد كَمْ مَضَى وَلَا كَمْ بَقِيَ إِلَّا اللَّه عَزَّ وَجَلَّ . وَقِيلَ : الْمُرَاد يَوْم الْقِيَامَة , أَيْ مِقْدَار الْحُكْم فِيهِ لَوْ تَوَلَّاهُ مَخْلُوق خَمْسُونَ أَلْف سَنَة , قَالَهُ عِكْرِمَة أَيْضًا وَالْكَلْبِيّ وَمُحَمَّد بْن كَعْب . يَقُول سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَأَنَا أَفْرُغ مِنْهُ فِي سَاعَة . وَقَالَ الْحَسَن : هُوَ يَوْم الْقِيَامَة , وَلَكِنْ يَوْم الْقِيَامَة لَا نُفَاد لَهُ فَالْمُرَاد ذِكْر مَوْقِفهمْ لِلْحِسَابِ فَهُوَ فِي خَمْسِينَ أَلْف سَنَة مِنْ سِنِي الدُّنْيَا , ثُمَّ حِينَئِذٍ يَسْتَقِرّ أَهْل الدَّارَيْنِ فِي الدَّارَيْنِ . وَقَالَ يَمَان : هُوَ يَوْم الْقِيَامَة , فِيهِ خَمْسُونَ مَوْطِنًا كُلّ مَوْطِن أَلْف سَنَة . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : هُوَ يَوْم الْقِيَامَة , جَعَلَهُ اللَّه عَلَى الْكَافِرِينَ مِقْدَار خَمْسِينَ أَلْف سَنَة , ثُمَّ يَدْخُلُونَ النَّارَ لِلِاسْتِقْرَارِ . قُلْت : وَهَذَا الْقَوْل أَحْسَن مَا قِيلَ فِي الْآيَة إِنْ شَاءَ اللَّه , بِدَلِيلِ مَا رَوَاهُ قَاسِم بْن أَصْبَغَ مِنْ حَدِيث أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيّ قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : | فِي يَوْم كَانَ مِقْدَاره خَمْسِينَ أَلْف سَنَة | . فَقُلْت : مَا أَطْوَلَ هَذَا ! فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّهُ لَيُخَفَّف عَنْ الْمُؤْمِن حَتَّى يَكُونَ أَخَفّ عَلَيْهِ مِنْ صَلَاة الْمَكْتُوبَة يُصَلِّيهَا فِي الدُّنْيَا ) . وَاسْتَدَلَّ النَّحَّاس عَلَى صِحَّة هَذَا الْقَوْل بِمَا رَوَاهُ سُهَيْل عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : ( مَا مِنْ رَجُل لَمْ يُؤَدِّ زَكَاةَ مَال إِلَّا جُعِلَ شُجَاعًا مِنْ نَار تُكْوَى بِهِ جَبْهَته وَظَهْره وَجَنْبَاهُ فِي يَوْم كَانَ مِقْدَاره خَمْسِينَ أَلْف سَنَة حَتَّى يَقْضِيَ اللَّه بَيْنَ النَّاسِ ) . قَالَ : فَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ يَوْم الْقِيَامَة . وَقَالَ إِبْرَاهِيم التَّيْمِيّ : مَا قَدْر ذَلِكَ الْيَوْم عَلَى الْمُؤْمِن إِلَّا قَدْر مَا بَيْنَ الظُّهْر وَالْعَصْر . وَرُوِيَ هَذَا الْمَعْنَى مَرْفُوعًا مِنْ حَدِيث مُعَاذ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : ( يُحَاسِبكُمْ اللَّه تَعَالَى بِمِقْدَارِ مَا بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ وَلِذَلِكَ سَمَّى نَفْسَهُ سَرِيعَ الْحِسَاب وَأَسْرَعَ الْحَاسِبِينَ ) . ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيّ . وَقِيلَ : بَلْ يَكُون الْفَرَاغ لِنِصْفِ يَوْم , كَقَوْلِهِ تَعَالَى : | أَصْحَاب الْجَنَّة يَوْمئِذٍ خَيْر مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَن مَقِيلًا | [ الْفُرْقَان : 24 ] . وَهَذَا عَلَى قَدْر فَهْم الْخَلَائِق , وَإِلَّا فَلَا يَشْغَلهُ شَأْن عَنْ شَأْن . وَكَمَا يَرْزُقهُمْ فِي سَاعَة كَذَا يُحَاسِبهُمْ فِي لَحْظَة , قَالَ اللَّه تَعَالَى : | مَا خَلْقكُمْ وَلَا بَعْثكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَة | [ لُقْمَان : 28 ] . وَعَنْ اِبْن عَبَّاس أَيْضًا أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الْآيَة وَعَنْ قَوْله تَعَالَى : | فِي يَوْم كَانَ مِقْدَاره أَلْفَ سَنَة | [ السَّجْدَة : 5 ] فَقَالَ : أَيَّام سَمَّاهَا اللَّه عَزَّ وَجَلَّ هُوَ أَعْلَم بِهَا كَيْفَ تَكُون , وَأَكْرَهُ أَنْ أَقُولَ فِيهَا مَا لَا أَعْلَم . وَقِيلَ : مَعْنَى ذَكَرَ خَمْسِينَ أَلْف سَنَة تَمْثِيل , وَهُوَ تَعْرِيف طُول مُدَّة الْقِيَامَة فِي الْمَوْقِف , وَمَا يَلْقَى النَّاس فِيهِ مِنْ الشَّدَائِد . وَالْعَرَب تَصِف أَيَّام الشِّدَّة بِالطُّولِ , وَأَيَّام الْفَرَح بِالْقِصَرِ ; قَالَ الشَّاعِر :
وَيَوْم كَظِلِّ الرُّمْح قَصَّرَ طُولَهُ .......... دَم الزِّقّ عَنَّا وَاصْطِفَاق الْمَزَاهِر
وَقِيلَ : فِي الْكَلَام تَقْدِيم وَتَأْخِير ; وَالْمَعْنَى : سَأَلَ سَائِل بِعَذَابٍ وَاقِع لِلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ مِنْ اللَّه دَافِع , فِي يَوْم كَانَ مِقْدَاره خَمْسِينَ أَلْف سَنَة تَعْرُج الْمَلَائِكَة وَالرُّوح إِلَيْهِ . وَهَذَا الْقَوْل هُوَ مَعْنَى مَا اِخْتَرْنَاهُ , وَالْمُوَفِّق الْإِلَه .

أَيْ عَلَى أَذَى قَوْمك . وَالصَّبْر الْجَمِيل : هُوَ الَّذِي لَا جَزَع فِيهِ وَلَا شَكْوَى لِغَيْرِ اللَّه . وَقِيلَ : هُوَ أَنْ يَكُونَ صَاحِب الْمُصِيبَة فِي الْقَوْم لَا يُدْرَى مَنْ هُوَ . وَالْمَعْنَى مُتَقَارِب . وَقَالَ اِبْن زَيْد : هِيَ مَنْسُوخَة بِآيَةِ السَّيْف .
أَيْ عَلَى أَذَى قَوْمك . وَالصَّبْر الْجَمِيل : هُوَ الَّذِي لَا جَزَع فِيهِ وَلَا شَكْوَى لِغَيْرِ اللَّه . وَقِيلَ : هُوَ أَنْ يَكُونَ صَاحِب الْمُصِيبَة فِي الْقَوْم لَا يُدْرَى مَنْ هُوَ . وَالْمَعْنَى مُتَقَارِب . وَقَالَ اِبْن زَيْد : هِيَ مَنْسُوخَة بِآيَةِ السَّيْف .'

يُرِيد أَهْل مَكَّة يَرَوْنَ الْعَذَابَ بِالنَّارِ بَعِيدًا ; أَيْ غَيْر كَائِن .

لِأَنَّ مَا هُوَ آتٍ فَهُوَ قَرِيب . وَقَالَ الْأَعْمَش : يَرَوْنَ الْبَعْثَ بَعِيدًا لِأَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ كَأَنَّهُمْ يَسْتَبْعِدُونَهُ عَلَى جِهَة الْإِحَالَة . كَمَا تَقُول لِمَنْ تُنَاظِرهُ : هَذَا بَعِيد لَا يَكُون وَقِيلَ : أَيْ يَرَوْنَ هَذَا الْيَوْمَ بَعِيدًا | وَنَرَاهُ | أَيْ نَعْلَمهُ ; لِأَنَّ الرُّؤْيَةَ إِنَّمَا تَتَعَلَّق بِالْمَوْجُودِ . وَهُوَ كَقَوْلِك : الشَّافِعِيّ يَرَى فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة كَذَا وَكَذَا .

الْعَامِل فِي | يَوْم | | وَاقِع | ; تَقْدِيره يَقَع بِهِمْ الْعَذَاب يَوْم . وَقِيلَ : | نَرَاهُ | أَوْ | يُبَصَّرُونَهُمْ | أَوْ يَكُون بَدَلًا مِنْ قَرِيب . وَالْمُهْل : دُرْدِيّ الزَّيْت وَعَكَره ; فِي قَوْل اِبْن عَبَّاس وَغَيْره . وَقَالَ اِبْن مَسْعُود : مَا أُذِيبَ مِنْ الرَّصَاص وَالنُّحَاس وَالْفِضَّة . وَقَالَ مُجَاهِد : | كَالْمُهْلِ | كَقَيْحٍ مِنْ دَم وَصَدِيد . وَقَدْ مَضَى فِي سُورَة | الدُّخَان | , وَ | الْكَهْف | الْقَوْل فِيهِ .

أَيْ كَالصُّوفِ الْمَصْبُوغ . وَلَا يُقَال لِلصُّوفِ عِهْن إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَصْبُوغًا . وَقَالَ الْحَسَن : | وَتَكُون الْجِبَال كَالْعِهْنِ | وَهُوَ الصُّوف الْأَحْمَر , وَهُوَ أَضْعَف الصُّوف . وَمِنْهُ قَوْل زُهَيْر :
كَأَنَّ فُتَات الْعِهْن فِي كُلّ مَنْزِل .......... نَزَلْنَ بِهِ حَبّ الْفَنَا لَمْ يُحَطَّم
الْفُتَات الْقِطَع . وَالْعِهْن الصُّوف الْأَحْمَر ; وَاحِده عِهْنَة . وَقِيلَ : الْعِهْن الصُّوف ذُو الْأَلْوَان ; فَشَبَّهَ الْجِبَالَ بِهِ فِي تَلَوُّنهَا أَلْوَانًا . وَالْمَعْنَى أَنَّهَا تَلِينَ بَعْدَ الشِّدَّة , وَتَتَفَرَّق بَعْدَ الِاجْتِمَاع . وَقِيلَ : أَوَّل مَا تَتَغَيَّر الْجِبَال تَصِير رَمْلًا مَهِيلًا , ثُمَّ عِهْنًا مَنْفُوشًا , ثُمَّ هَبَاء مُنْبَثًّا .

أَيْ عَنْ شَأْنه لِشُغْلِ كُلّ إِنْسَان بِنَفْسِهِ , قَالَهُ قَتَادَة . كَمَا قَالَ تَعَالَى : | لِكُلِّ اِمْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمئِذٍ شَأْن يُغْنِيه | [ عَبَسَ : 37 ] . وَقِيلَ : لَا يَسْأَل حَمِيم عَنْ حَمِيم , فَحَذَفَ الْجَارّ وَوَصَلَ الْفِعْلَ . وَقِرَاءَة الْعَامَّة | يَسْأَل | بِفَتْحِ الْيَاء . وَقَرَأَ شَيْبَة وَالْبَزِّيّ عَنْ عَاصِم | وَلَا يُسْأَل بِالضَّمِّ عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِله , أَيْ لَا يُسْأَل حَمِيم عَنْ حَمِيمه وَلَا ذُو قَرَابَة عَنْ قَرَابَته , بَلْ كُلّ إِنْسَان يُسْأَل عَنْ عَمَله . نَظِيره : | كُلّ نَفْس بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَة | [ الْمُدَّثِّر : 38 ] .