islamkingdomfaceBook islamkingdomtwitter islamkingdominstagram islamkingdomyoutube


سُورَة الْمُلْك مَكِّيَّة فِي قَوْل الْجَمِيع . وَتُسَمَّى الْوَاقِيَة وَالْمُنْجِيَة . وَهِيَ ثَلَاثُونَ آيَة رَوَى التِّرْمِذِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : ضَرَبَ رَجُل مِنْ أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خِبَاءَهُ عَلَى قَبْر وَهُوَ لَا يَحْسِب أَنَّهُ قَبْر , فَإِذَا قُبِرَ إِنْسَان يَقْرَأ سُورَة | الْمُلْك | حَتَّى خَتَمَهَا , فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه , ضَرَبْت خِبَائِي عَلَى قَبْر وَأَنَا لَا أَحْسِب أَنَّهُ قَبْر , فَإِذَا قَبْر إِنْسَان يَقْرَأ سُورَة | الْمُلْك | حَتَّى خَتَمَهَا ؟ فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( هِيَ الْمَانِعَة هِيَ الْمُنْجِيَة تُنْجِيه مِنْ عَذَاب الْقَبْر ) . قَالَ : حَدِيث حَسَن غَرِيب . وَعَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَدِدْت أَنَّ | تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْك | فِي قَلْب كُلّ مُؤْمِن ) ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيّ . وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ : قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ سُورَة مِنْ كِتَاب اللَّه مَا هِيَ إِلَّا ثَلَاثُونَ آيَة شَفَعَتْ لِرَجُلٍ حَتَّى أَخْرَجَتْهُ مِنْ النَّار يَوْم الْقِيَامَة وَأَدْخَلَتْهُ الْجَنَّة وَهِيَ سُورَة | تَبَارَكَ | ) . خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيّ بِمَعْنَاهُ , وَقَالَ فِيهِ : حَدِيث حَسَن . وَقَالَ اِبْن مَسْعُود : إِذَا وُضِعَ الْمَيِّت فِي قَبْره فَيُؤْتَى مِنْ قِبَل رِجْلَيْهِ , فَيُقَال : لَيْسَ لَكُمْ عَلَيْهِ سَبِيل , فَإِنَّهُ كَانَ يَقُوم بِسُورَةِ | الْمُلْك | عَلَى قَدَمَيْهِ . ثُمَّ يُؤْتَى مِنْ قِبَل رَأْسه , فَيَقُول لِسَانه : لَيْسَ لَكُمْ عَلَيْهِ سَبِيل , إِنَّهُ كَانَ يَقْرَأ بِي سُورَة | الْمُلْك | ثُمَّ قَالَ : هِيَ الْمَانِعَة مِنْ عَذَاب اللَّه , وَهِيَ فِي التَّوْرَاة سُورَة | الْمُلْك | مَنْ قَرَأَهَا فِي لَيْلَة فَقَدْ أَكْثَرَ وَأَطْيَبَ . وَرُوِيَ أَنَّ مَنْ قَرَأَهَا كُلّ لَيْلَة لَمْ يَضُرّهُ الْفَتَّان .

| تَبَارَكَ | تَفَاعَلَ مِنْ الْبَرَكَة وَقَدْ تَقَدَّمَ . وَقَالَ الْحَسَن : تَقَدَّسَ . وَقِيلَ دَامَ . فَهُوَ الدَّائِم الَّذِي لَا أَوَّل لِوُجُودِهِ وَلَا آخِر لِدَوَامِهِ .|الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ|أَيْ مُلْك السَّمَوَات وَالْأَرْض فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : بِيَدِهِ الْمُلْك يُعِزّ مَنْ يَشَاء وَيُذِلّ مَنْ يَشَاء , وَيُحْيِي وَيُمِيت , وَيُغْنِي وَيُفْقِر , وَيُعْطِي وَيَمْنَع . وَقَالَ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق : لَهُ مُلْك النُّبُوَّة الَّتِي أَعَزَّ بِهَا مَنْ اِتَّبَعَهُ وَذَلَّ بِهَا مَنْ خَالَفَهُ .|وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ|مِنْ إِنْعَام وَانْتِقَام .

فِيهِ مَسْأَلَتَانِ : قِيلَ : الْمَعْنَى خَلَقَكُمْ لِلْمَوْتِ وَالْحَيَاة ; يَعْنِي لِلْمَوْتِ فِي الدُّنْيَا وَالْحَيَاة فِي الْآخِرَة وَقَدَّمَ الْمَوْت عَلَى الْحَيَاة ; لِأَنَّ الْمَوْت إِلَى الْقَهْر أَقْرَب ; كَمَا قَدَّمَ الْبَنَات عَلَى الْبَنِينَ فَقَالَ : | يَهَب لِمَنْ يَشَاء إِنَاثًا | [ الشُّورَى : 49 ] . وَقِيلَ : قَدَّمَهُ لِأَنَّهُ أَقْدَم ; لِأَنَّ الْأَشْيَاء فِي الِابْتِدَاء كَانَتْ فِي حُكْم الْمَوْت كَالنُّطْفَةِ وَالتُّرَاب وَنَحْوه . وَقَالَ قَتَادَة : كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : ( إِنَّ اللَّه تَعَالَى أَذَلَّ بَنِي آدَم بِالْمَوْتِ وَجَعَلَ الدُّنْيَا دَار حَيَاة ثُمَّ دَار مَوْت وَجَعَلَ الْآخِرَة دَار جَزَاء ثُمَّ دَار بَقَاء ) . وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاء أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( لَوْلَا ثَلَاث مَا طَأْطَأَ اِبْن آدَم رَأْسه الْفَقْر وَالْمَرَض وَالْمَوْت وَإِنَّهُ مَعَ ذَلِكَ لَوَثَّاب ) .

الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة : | الْمَوْت وَالْحَيَاة | قَدَّمَ الْمَوْت عَلَى الْحَيَاة , لِأَنَّ أَقْوَى النَّاس دَاعِيًا إِلَى الْعَمَل مَنْ نَصَبَ مَوْته بَيْنَ عَيْنَيْهِ ; فَقُدِّمَ لِأَنَّهُ فِيمَا يَرْجِع إِلَى الْغَرَض الْمَسُوق لَهُ الْآيَة أَهَمّ قَالَ الْعُلَمَاء : الْمَوْت لَيْسَ بِعَدَمٍ مَحْض وَلَا فِنَاء صِرْف , وَإِنَّمَا هُوَ اِنْقِطَاع تَعَلُّق الرُّوح بِالْبَدَنِ وَمُفَارَقَته , وَحَيْلُولَة بَيْنهمَا , وَتَبَدُّل حَال وَانْتِقَال مِنْ دَار إِلَى دَار . وَالْحَيَاة عَكْس ذَلِكَ . وَحُكِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس وَالْكَلْبِيّ وَمُقَاتِل أَنَّ الْمَوْت وَالْحَيَاة جِسْمَانِ , فَجُعِلَ الْمَوْت فِي هَيْئَة كَبْش لَا يَمُرّ بِشَيْءٍ وَلَا يَجِد رِيحه إِلَّا مَاتَ , وَخَلَقَ الْحَيَاة عَلَى صُورَة فَرَس أُنْثَى بَلْقَاء - وَهِيَ الَّتِي كَانَ جِبْرِيل وَالْأَنْبِيَاء عَلَيْهِمْ السَّلَام يَرْكَبُونَهَا - خُطْوَتهَا مَدّ الْبَصَر , فَوْق الْحِمَار وَدُون الْبَغْل , لَا تَمُرّ بِشَيْءٍ يَجِد رِيحهَا إِلَّا حَيِيَ , وَلَا تَطَأ عَلَى شَيْء إِلَّا حَيِيَ . وَهِيَ الَّتِي أَخَذَ السَّامِرِيّ مِنْ أَثَرهَا فَأَلْقَاهُ عَلَى الْعِجْل فَحَيِيَ . حَكَاهُ الثَّعْلَبِيّ وَالْقُشَيْرِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس . وَالْمَاوَرْدِيّ مَعْنَاهُ عَنْ مُقَاتِل وَالْكَلْبِيّ . قُلْت : وَفِي التَّنْزِيل | قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَك الْمَوْت الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ | , [ السَّجْدَة : 11 ] , | وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَة | [ الْأَنْفَال : 50 ] ثُمَّ | تَوَفَّتْهُ رُسُلنَا | [ الْأَنْعَام : 61 ] , ثُمَّ قَالَ : | اللَّه يَتَوَفَّى الْأَنْفُس حِينَ مَوْتهَا | [ الزُّمَر : 42 ] . فَالْوَسَائِط مَلَائِكَة مُكْرَمُونَ صَلَوَات اللَّه عَلَيْهِمْ . وَهُوَ سُبْحَانَهُ الْمُمِيت عَلَى الْحَقِيقَة , وَإِنَّمَا يُمَثَّل الْمَوْت بِالْكَبْشِ فِي الْآخِرَة وَيُذْبَح عَلَى الصِّرَاط ; حَسْب مَا وَرَدَ بِهِ الْخَبَر الصَّحِيح . وَمَا ذُكِرَ عَنْ اِبْن عَبَّاس يَحْتَاج إِلَى خَبَر صَحِيح يَقْطَع الْعُذْر . وَاَللَّه أَعْلَم . وَعَنْ مُقَاتِل أَيْضًا : خَلَقَ الْمَوْت ; يَعْنِي النُّطْفَة وَالْعَلَقَة وَالْمُضْغَة , وَخَلَقَ الْحَيَاة ; يَعْنِي خَلَقَ إِنْسَانًا وَنَفَخَ فِيهِ الرُّوح فَصَارَ إِنْسَانًا . قُلْت : وَهَذَا قَوْل حَسَن ; يَدُلّ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى | لِيَبْلُوَكُمْ أَيّكُمْ أَحْسَن عَمَلًا ||لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا|وَتَقَدَّمَ الْكَلَام فِيهِ فِي سُورَة | الْكَهْف | . وَقَالَ السُّدِّيّ فِي قَوْله تَعَالَى : | الَّذِي خَلَقَ الْمَوْت وَالْحَيَاة لِيَبْلُوَكُمْ أَيّكُمْ أَحْسَن عَمَلًا | أَيْ أَكْثَركُمْ لِلْمَوْتِ ذِكْرًا وَأَحْسَن اِسْتِعْدَادًا , وَمِنْهُ أَشَدّ خَوْفًا وَحَذَرًا . وَقَالَ اِبْن عُمَر : تَلَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ | تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْك - حَتَّى بَلَغَ - أَيّكُمْ أَحْسَن عَمَلًا | فَقَالَ : ( أَوْرَع عَنْ مَحَارِم اللَّه وَأَسْرَع فِي طَاعَة اللَّه ) . وَقِيلَ : مَعْنَى | لِيَبْلُوَكُمْ | لِيُعَامِلكُمْ مُعَامَلَة الْمُخْتَبِر ; أَيْ لِيَبْلُوَ الْعَبْد بِمَوْتِ مَنْ يَعِزّ عَلَيْهِ لِيُبَيِّن صَبْره , وَبِالْحَيَاةِ لِيُبَيِّن شُكْره . وَقِيلَ : خَلَقَ اللَّه الْمَوْت لِلْبَعْثِ وَالْجَزَاء , وَخَلَقَ الْحَيَاة لِلِابْتِلَاءِ . فَاللَّام فِي | لِيَبْلُوَكُمْ | تَتَعَلَّق بِخَلْقِ الْحَيَاة لَا بِخَلْقِ الْمَوْت ; ذَكَرَهُ الزَّجَّاج . وَقَالَ الْفَرَّاء وَالزَّجَّاج أَيْضًا : لَمْ تَقَع الْبَلْوَى عَلَى | أَيّ | لِأَنَّ فِيمَا بَيْنَ الْبَلْوَى و | أَيّ | إِضْمَار فِعْل ; كَمَا تَقُول : بَلَوْتُكُمْ لِأَنْظُر أَيّكُمْ أَطْوَع . وَمِثْله قَوْله تَعَالَى : | سَلْهُمْ أَيّهمْ بِذَلِكَ زَعِيم | [ الْقَلَم : 40 ] أَيْ سَلْهُمْ ثُمَّ اُنْظُرْ أَيّهمْ . فَ | أَيّكُمْ | رَفْع بِالِابْتِدَاءِ وَ | أَحْسَن | خَبَره . وَالْمَعْنَى : لِيَبْلُوَكُمْ فَيَعْلَم أَوْ فَيَنْظُر أَيّكُمْ أَحْسَن عَمَلًا .|وَهُوَ الْعَزِيزُ|فِي اِنْتِقَامه مِمَّنْ عَصَاهُ .|الْغَفُورُ|لِمَنْ تَابَ .

أَيْ بَعْضهَا فَوْق بَعْض . وَالْمُلْتَزِق مِنْهَا أَطْرَافهَا ; كَذَا رُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس . و | طِبَاقًا | نَعْت لِ | سَبْع | فَهُوَ وَصْف بِالْمَصْدَرِ . وَقِيلَ : مَصْدَر بِمَعْنَى الْمُطَابَقَة ; أَيْ خَلَقَ سَبْع سَمَوَات وَطَبَّقَهَا تَطْبِيقًا أَوْ مُطَابَقَة . أَوْ عَلَى طُوبِقَتْ طِبَاقًا . وَقَالَ سِيبَوَيْهِ : نُصِبَ | طِبَاقًا | لِأَنَّهُ مَفْعُول ثَانٍ . قُلْت : فَيَكُون | خَلَقَ | بِمَعْنَى جَعَلَ وَصَيَّرَ . وَطِبَاق جَمْع طَبَق ; مِثْل جَمَل وَجِمَال . وَقِيلَ : جَمْع طَبَقَة . وَقَالَ أَبَان بْن تَغْلِب : سَمِعْت بَعْض الْأَعْرَاب يَذُمّ رَجُلًا فَقَالَ : شَرّه طِبَاق , وَخَيْره غَيْر بَاقٍ . وَيَجُوز فِي غَيْر الْقُرْآن سَبْع سَمَوَات طِبَاقٍ ; بِالْخَفْضِ عَلَى النَّعْت لِسَمَوَاتٍ . وَنَظِيره | وَسَبْع سُنْبُلَات خُضْر | [ يُوسُف : 46 ] .|مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ|قِرَاءَة حَمْزَة وَالْكِسَائِيّ | مِنْ تَفَوُّتٍ | بِغَيْرِ أَلِف مُشَدَّدَة . وَهِيَ قِرَاءَة اِبْن مَسْعُود وَأَصْحَابه . الْبَاقُونَ | مِنْ تَفَاوُت | بِأَلِفٍ . وَهُمَا لُغَتَانِ مِثْل التَّعَاهُد وَالتَّعَهُّد , وَالتَّحَمُّل وَالتَّحَامُل , وَالتَّظَهُّر وَالتَّظَاهُر , وَتَصَاغُر وَتَصَغُّر , وَتَضَاعُف وَتَضَعُّف , وَتَبَاعُد وَتَبَعُّد ; كُلّه بِمَعْنًى . وَاخْتَارَ أَبُو عُبَيْد | مِنْ تَفَوُّتٍ | وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي بَكْر : | أَمِثْلِي يُتَفَوَّت عَلَيْهِ فِي بَنَاته | ! النَّحَّاس : وَهَذَا أَمْر مَرْدُود عَلَى أَبِي عُبَيْد , لِأَنَّ يُتَفَوَّت يُفْتَات بِهِمْ . | وَتَفَاوُت | فِي الْآيَة أَشْبَه . كَمَا يُقَال تَبَايَنَ يُقَال : تَفَاوَتَ الْأَمْر إِذَا تَبَايَنَ وَتَبَاعَدَ ; أَيْ فَاتَ بَعْضهَا بَعْضًا . أَلَا تَرَى أَنَّ قَبْله قَوْله تَعَالَى : | الَّذِي خَلَقَ سَبْع سَمَوَات طِبَاقًا | . وَالْمَعْنَى : مَا تَرَى فِي خَلْق الرَّحْمَن مِنْ اِعْوِجَاج وَلَا تَنَاقُض وَلَا تَبَايُن - بَلْ هِيَ مُسْتَقِيمَة مُسْتَوِيَة دَالَّة عَلَى خَالِقهَا - وَإِنْ اِخْتَلَفَتْ صُوَره وَصِفَاته . وَقِيلَ : الْمُرَاد بِذَلِكَ السَّمَوَات خَاصَّة ; أَيْ مَا تَرَى فِي خَلْق السَّمَوَات مِنْ عَيْب . وَأَصْله مِنْ الْفَوْت , وَهُوَ أَنْ يَفُوت شَيْء شَيْئًا فَيَقَع الْخَلَل لِقِلَّةِ اِسْتِوَائِهَا ; يَدُلّ عَلَيْهِ قَوْل اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : مَنْ تَفَرَّقَ . وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة : يُقَال : تَفَوَّتَ الشَّيْء أَيْ فَاتَ . ثُمَّ أَمَرَ بِأَنْ يَنْظُرُوا فِي خَلْقه لِيَعْتَبِرُوا بِهِ فَيَتَفَكَّرُوا فِي قُدْرَته : فَقَالَ :|فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ|أَيْ اُرْدُدْ طَرْفك إِلَى السَّمَاء . وَيُقَال : قَلِّبْ الْبَصَر فِي السَّمَاء . وَيُقَال : اِجْهَدْ بِالنَّظَرِ إِلَى السَّمَاء . وَالْمَعْنَى مُتَقَارِب . وَإِنَّمَا قَالَ : | فَارْجِعْ | بِالْفَاءِ وَلَيْسَ قَبْله فِعْل مَذْكُور ; لِأَنَّهُ قَالَ : | مَا تَرَى | . وَالْمَعْنَى اُنْظُرْ ثُمَّ اِرْجِعْ الْبَصَر هَلْ تَرَى مِنْ فُطُور ; قَالَهُ قَتَادَة . وَالْفُطُور : الشُّقُوق , عَنْ مُجَاهِد وَالضَّحَّاك . وَقَالَ قَتَادَة : مِنْ خَلَل . السُّدِّيّ : مِنْ خُرُوق . اِبْن عَبَّاس : مِنْ وَهَن . وَأَصْله مِنْ التَّفَطُّر وَالِانْفِطَار وَهُوَ الِانْشِقَاق . قَالَ الشَّاعِر :
بَنَى لَكُمْ بِلَا عَمَد سَمَاء .......... وَزَيَّنَهَا فَمَا فِيهَا فُطُور
وَقَالَ آخَر :
شَقَقْتِ الْقَلْب ثُمَّ ذَرَرْتِ فِيهِ .......... هَوَاكِ فَلِيمَ فَالْتَأَمَ الْفُطُور

تَغَلْغَلَ حَيْثُ لَمْ يَبْلُغ شَرَاب .......... وَلَا سُكْر وَلَمْ يَبْلُغ سُرُور

| كَرَّتَيْنِ | فِي مَوْضِع الْمَصْدَر ; لِأَنَّ مَعْنَاهُ رَجْعَتَيْنِ , أَيْ مَرَّة بَعْد أُخْرَى . وَإِنَّمَا أَمَرَ بِالنَّظَرِ مَرَّتَيْنِ لِأَنَّ الْإِنْسَان إِذَا نَظَرَ فِي الشَّيْء مَرَّة لَا يَرَى عَيْبه مَا لَمْ يَنْظُر إِلَيْهِ مَرَّة أُخْرَى . فَأَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّهُ وَإِنْ نَظَرَ فِي السَّمَاء مَرَّتَيْنِ لَا يَرَى فِيهَا عَيْبًا بَلْ يَتَحَيَّر بِالنَّظَرِ إِلَيْهَا ; فَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى : | يَنْقَلِب إِلَيْك الْبَصَر خَاسِئًا | أَيْ خَاشِعًا صَاغِرًا مُتَبَاعِدًا عَنْ أَنْ يَرَى شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ . يُقَال : خَسَأْت الْكَلْب أَيْ أَبْعَدْته وَطَرَدْته . وَخَسَأَ الْكَلْب بِنَفْسِهِ , يَتَعَدَّى وَلَا يَتَعَدَّى . وَانْخَسَأَ الْكَلْب أَيْضًا . وَخَسَأَ بَصَره خَسَأَ وَخُسُوءًا أَيْ سَدِرَ , وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى :|يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا|وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : الْخَاسِئ الَّذِي لَمْ يَرَ مَا يَهْوَى .|وَهُوَ حَسِيرٌ|أَيْ قَدْ بَلَغَ الْغَايَة فِي الْإِعْيَاء . فَهُوَ بِمَعْنَى فَاعِل ; مِنْ الْحُسُور الَّذِي هُوَ الْإِعْيَاء . وَيَجُوز أَنْ يَكُون مَفْعُولًا مِنْ حَسَرَهُ بُعْدُ الشَّيْء , وَهُوَ مَعْنَى قَوْل اِبْن عَبَّاس . وَمِنْهُ قَوْل الشَّاعِر :
مَنْ مَدّ طَرْفًا إِلَى مَا فَوْق غَايَته .......... اِرْتَدَّ خَسْآن مِنْهُ الطَّرْف قَدْ حَسِرَا
يُقَال : قَدْ حَسَرَ بَصَره يَحْسِر حُسُورًا , أَيْ كَلَّ وَانْقَطَعَ نَظَره مِنْ طُول مَدًى وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ , فَهُوَ حَسِير وَمَحْسُور أَيْضًا . قَالَ :
نَظَرْت إِلَيْهَا بِالْمُحَصَّبِ مِنْ مِنًى .......... فَعَادَ إِلَيَّ الطَّرْف وَهُوَ حَسِير
وَقَالَ آخَر يَصِف نَاقَة :
فَشَطْرَهَا نَظَر الْعَيْنَيْنِ مَحْسُور
نُصِبَ | شَطْرهَا | عَلَى الظَّرْف , أَيْ نَحْوهَا . وَقَالَ آخَر :
وَالْخَيْل شُعْث مَا تَزَال جِيَادهَا .......... حَسْرَى تُغَادِر بِالطَّرِيقِ سِخَالَهَا
وَقِيلَ : إِنَّهُ النَّادِم . وَمِنْهُ قَوْل الشَّاعِر :
مَا أَنَا الْيَوْم عَلَى شَيْء خَلَا .......... يَا ابْنَةَ اِلْقَيْن تَوَلَّى بِحَسِرْ
الْمُرَاد بِ | كَرَّتَيْنِ | هَاهُنَا التَّكْثِير . وَالدَّلِيل عَلَى ذَلِكَ : | يَنْقَلِب إِلَيْك الْبَصَر خَاسِئًا وَهُوَ حَسِير | وَذَلِكَ دَلِيل عَلَى كَثْرَة النَّظَر .

جَمْع مِصْبَاح وَهُوَ السِّرَاج . وَتُسَمَّى الْكَوَاكِب مَصَابِيح لِإِضَاءَتِهَا .|وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ|أَيْ جَعَلْنَا شُهُبهَا ; فَحُذِفَ الْمُضَاف . دَلِيله | إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَة فَأَتْبَعَهُ شِهَاب ثَاقِب | [ الصَّافَّات : 10 ] . وَعَلَى هَذَا فَالْمَصَابِيح لَا تَزُول وَلَا يُرْجَم بِهَا . وَقِيلَ : إِنَّ الضَّمِير رَاجِع إِلَى الْمَصَابِيح عَلَى أَنَّ الرَّجْم مِنْ أَنْفُس الْكَوَاكِب , وَلَا يَسْقُط الْكَوْكَب نَفْسه إِنَّمَا يَنْفَصِل مِنْهُ شَيْء يُرْجَم بِهِ مِنْ غَيْر أَنْ يَنْقُص ضَوْءُهُ وَلَا صُورَته . قَالَهُ أَبُو عَلِيّ جَوَابًا لِمَنْ قَالَ : كَيْفَ تَكُون زِينَة وَهِيَ رُجُوم لَا تَبْقَى . قَالَ الْمَهْدَوِيّ : وَهَذَا عَلَى أَنْ يَكُون الِاسْتِرَاق مِنْ مَوْضِع الْكَوَاكِب . وَالتَّقْدِير الْأَوَّل عَلَى أَنْ يَكُون الِاسْتِرَاق مِنْ الْهَوَى الَّذِي هُوَ دُون مَوْضِع الْكَوَاكِب . الْقُشَيْرِيّ : وَأَمْثَل مِنْ قَوْل أَبِي عَلِيّ أَنْ نَقُول : هِيَ زِينَة قَبْل أَنْ يُرْجَم بِهَا الشَّيَاطِين . وَالرُّجُوم جَمْع رَجْم ; وَهُوَ مَصْدَر سُمِّيَ بِهِ مَا يُرْجَم بِهِ . قَالَ قَتَادَة : خَلَقَ اللَّه تَعَالَى النُّجُوم لِثَلَاثٍ : زِينَة لِلسَّمَاءِ , وَرُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ , وَعَلَامَات يُهْتَدَى بِهَا فِي الْبَرّ وَالْبَحْر وَالْأَوْقَات . فَمَنْ تَأَوَّلَ فِيهَا غَيْر ذَلِكَ فَقَدْ تَكَلَّفَ مَا لَا عِلْم لَهُ بِهِ , وَتَعَدَّى وَظَلَمَ . وَقَالَ مُحَمَّد بْن كَعْب : وَاَللَّه مَا لِأَحَدٍ مِنْ أَهْل الْأَرْض فِي السَّمَاء نَجْم , وَلَكِنَّهُمْ يَتَّخِذُونَ الْكِهَانَة سَبِيلًا وَيَتَّخِذُونَ النُّجُوم عِلَّة .|وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ|أَيْ أَعْتَدْنَا لِلشَّيَاطِينِ أَشَدّ الْحَرِيق ; يُقَال : سُعِرَتْ النَّار فَهِيَ مَسْعُورَة وَسَعِير ; مِثْل مَقْتُولَة وَقَتِيل .

يَعْنِي الْكُفَّار .

يَعْنِي الْكُفَّار .|سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا|أَيْ صَوْتًا . قَالَ اِبْن عَبَّاس : الشَّهِيق لِجَهَنَّم عِنْد إِلْقَاء الْكُفَّار فِيهَا ; تَشْهَق إِلَيْهِمْ شَهْقَة الْبَغْلَة لِلشَّعِيرِ , ثُمَّ تَزْفِر زَفْرَة لَا يَبْقَى أَحَد إِلَّا خَافَ . وَقِيلَ : الشَّهِيق مِنْ الْكُفَّار عِنْد إِلْقَائِهِمْ فِي النَّار قَالَهُ عَطَاء . وَالشَّهِيق فِي الصَّدْر , وَالزَّفِير فِي الْحَلْق . وَقَدْ مَضَى فِي سُورَة | هُود | .|وَهِيَ تَفُورُ|أَيْ تَغْلِي ; وَمِنْهُ قَوْل حَسَّان :
تَرَكْتُمْ قِدْركُمْ لَا شَيْء فِيهَا .......... وَقِدْر الْقَوْم حَامِيَة تَفُور
قَالَ مُجَاهِد : تَفُور بِهِمْ كَمَا يَفُور الْحَبّ الْقَلِيل فِي الْمَاء الْكَثِير . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : تَغْلِي بِهِمْ عَلَى الْمِرْجَل ; وَهَذَا مِنْ شِدَّة لَهَب النَّار مِنْ شِدَّة الْغَضَب ; كَمَا تَقُول فُلَان يَفُور غَيْظًا .

يَعْنِي تَتَقَطَّع وَيَنْفَصِل بَعْضهَا مِنْ بَعْض ; قَالَهُ سَعِيد بْن جُبَيْر . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس وَالضَّحَّاك وَابْن زَيْد : تَتَفَرَّق . | مِنْ الْغَيْظ | مِنْ شِدَّة الْغَيْظ عَلَى أَعْدَاء اللَّه تَعَالَى . وَقِيلَ : | مِنْ الْغَيْظ | مِنْ الْغَلَيَان . وَأَصْل | تَمَيَّز | تَتَمَيَّز .|كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ|أَيْ جَمَاعَة مِنْ الْكُفَّار .|سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا|عَلَى جِهَة التَّوْبِيخ وَالتَّقْرِيع|أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ|أَيْ رَسُول فِي الدُّنْيَا يُنْذِركُمْ هَذَا الْيَوْم حَتَّى تَحْذَرُوا .

أَنْذَرَنَا وَخَوَّفَنَا .|فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ|أَيْ عَلَى أَلْسِنَتكُمْ .|إِنْ أَنْتُمْ|يَا مَعْشَر الرُّسُل .|إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ|اِعْتَرَفُوا بِتَكْذِيبِ الرُّسُل , ثُمَّ اِعْتَرَفُوا بِجَهْلِهِمْ فَقَالُوا وَهُمْ فِي النَّار :

مِنْ النُّذُر - يَعْنِي الرُّسُل - مَا جَاءُوا بِهِ|أَوْ نَعْقِلُ|عَنْهُمْ . قَالَ اِبْن عَبَّاس : لَوْ كُنَّا نَسْمَع الْهُدَى أَوْ نَعْقِلهُ , أَوْ لَوْ كُنَّا نَسْمَع سَمَاع مَنْ يَعِي وَيُفَكِّر , أَوْ نَعْقِل عَقْل مَنْ يُمَيِّز وَيَنْظُر . وَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّ الْكَافِرَ لَمْ يُعْطَ مِنْ الْعَقْل شَيْئًا . وَقَدْ مَضَى فِي | الطُّور | بَيَانه وَالْحَمْد لِلَّهِ .|مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ|يَعْنِي مَا كُنَّا مِنْ أَهْل النَّار . وَعَنْ أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيّ عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : | لَقَدْ نَدِمَ الْفَاجِر يَوْم الْقِيَامَة قَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَع أَوْ نَعْقِل مَا كُنَّا فِي أَصْحَاب السَّعِير

أَيْ بِتَكْذِيبِهِمْ الرُّسُل . وَالذَّنْب هَاهُنَا بِمَعْنَى الْجَمْع ; لِأَنَّ فِيهِ مَعْنَى الْفِعْل . يُقَال : خَرَجَ عَطَاء النَّاس أَيْ أَعْطَيْتهمْ .|فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ|أَيْ فَبُعْدًا لَهُمْ مِنْ رَحْمَة اللَّه . وَقَالَ سَعِيد بْن جُبَيْر وَأَبُو صَالِح : هُوَ وَادٍ فِي جَهَنَّم يُقَال لَهُ السُّحْق . وَقَرَأَ الْكِسَائِيّ وَأَبُو جَعْفَر | فَسُحُقًا | بِضَمِّ الْحَاء , وَرُوِيَتْ عَنْ عَلِيّ . الْبَاقُونَ بِإِسْكَانِهَا , وَهُمَا لُغَتَانِ مِثْل السُّحُت وَالرُّعُب . الزَّجَّاج : وَهُوَ مَنْصُوب عَلَى الْمَصْدَر ; أَيْ أَسْحَقهُمْ اللَّه سُحْقًا ; أَيْ بَاعَدَهُمْ بُعْدًا . قَالَ اِمْرُؤُ الْقَيْس :
يَجُول بِأَطْرَافِ الْبِلَاد مُغَرِّبًا .......... وَتَسْحَقهُ رِيح الصَّبَا كُلّ مَسْحَقِ
وَقَالَ أَبُو عَلِيّ : الْقِيَاس إِسْحَاقًا ; فَجَاءَ الْمَصْدَر عَلَى الْحَذْف ; كَمَا قِيلَ :
وَإِنْ أَهْلَك فَذَلِكَ كَانَ قَدْرِي
أَيْ تَقْدِيرِي . وَقِيلَ : إِنَّ قَوْله تَعَالَى : | إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَال كَبِير | مِنْ قَوْل خَزَنَة جَهَنَّم لِأَهْلِهَا .

نَظِيره : | مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ | [ ق : 33 ] وَقَدْ مَضَى الْكَلَام فِيهِ . أَيْ يَخَافُونَ اللَّه وَيَخَافُونَ عَذَابه الَّذِي هُوَ بِالْغَيْبِ ; وَهُوَ عَذَاب يَوْم الْقِيَامَة .|لَهُمْ مَغْفِرَةٌ|لِذُنُوبِهِمْ|وَأَجْرٌ كَبِيرٌ|وَهُوَ الْجَنَّة .