islamkingdomfaceBook islamkingdomtwitter islamkingdominstagram islamkingdomyoutube


قَالَ سَعِيد بْن جُبَيْر : عَلَى مِلَّة الْإِسْلَام وَحْدهَا . وَقَالَ الضَّحَّاك : أَهْل دِين وَاحِد , أَهْل ضَلَالَة أَوْ أَهْل هُدًى .|وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ|أَيْ عَلَى أَدْيَان شَتَّى ; قَالَهُ مُجَاهِد وَقَتَادَة .

اِسْتِثْنَاء مُنْقَطِع ; أَيْ لَكِنْ مَنْ رَحِمَ رَبّك بِالْإِيمَانِ وَالْهُدَى فَإِنَّهُ لَمْ يَخْتَلِف . وَقِيلَ : مُخْتَلِفِينَ فِي الرِّزْق , فَهَذَا غَنِيّ وَهَذَا فَقِير . | إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبّك | بِالْقَنَاعَةِ ; قَالَهُ الْحَسَن .|وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ|قَالَ الْحَسَن وَمُقَاتِل , وَعَطَاء وَيَمَان : الْإِشَارَة لِلِاخْتِلَافِ , أَيْ وَلِلِاخْتِلَافِ خَلَقَهُمْ . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس وَمُجَاهِد وَقَتَادَة وَالضَّحَّاك : وَلِرَحْمَتِهِ خَلَقَهُمْ ; وَإِنَّمَا قَالَ : | وَلِذَلِكَ | وَلَمْ يَقُلْ وَلِتِلْكَ , وَالرَّحْمَة مُؤَنَّثَة لِأَنَّهُ مَصْدَر ; وَأَيْضًا فَإِنَّ تَأْنِيث الرَّحْمَة غَيْر حَقِيقِيّ , فَحُمِلَتْ عَلَى مَعْنَى الْفَضْل . وَقِيلَ . الْإِشَارَة بِذَلِكَ لِلِاخْتِلَافِ وَالرَّحْمَة , وَقَدْ يُشَارِك ب | ذَلِكَ | إِلَى شَيْئَيْنِ مُتَضَادَّيْنِ ; كَقَوْلِهِ تَعَالَى : | لَا فَارِض وَلَا بِكْر عَوَان بَيْن ذَلِكَ | [ الْبَقَرَة : 68 ] وَلَمْ يَقُلْ بَيْن ذَيْنك وَلَا تَيْنِك , وَقَالَ : | وَاَلَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْن ذَلِكَ قَوَامًا | [ الْفُرْقَان : 67 ] وَقَالَ : | وَلَا تَجْهَر بِصَلَاتِك وَلَا تُخَافِت بِهَا وَابْتَغِ بَيْن ذَلِكَ سَبِيلًا | [ الْإِسْرَاء : 110 ] وَكَذَلِكَ قَوْله : | قُلْ بِفَضْلِ اللَّه وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا | [ يُونُس : 58 ] وَهَذَا أَحْسَن الْأَقْوَال إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى ; لِأَنَّهُ يَعُمّ , أَيْ وَلَمَّا ذَكَرَ خَلْقهمْ ; وَإِلَى هَذَا أَشَارَ مَالِك رَحِمَهُ اللَّه فِيمَا رَوَى عَنْهُ أَشْهَب ; قَالَ أَشْهَب : سَأَلْت مَالِكًا عَنْ هَذِهِ الْآيَة قَالَ : خَلَقَهُمْ لِيَكُونَ فَرِيق فِي الْجَنَّة وَفَرِيق فِي السَّعِير ; أَيْ خَلَقَ أَهْل الِاخْتِلَاف لِلِاخْتِلَافِ , وَأَهْل الرَّحْمَة لِلرَّحْمَةِ . وَرُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس أَيْضًا قَالَ : خَلَقَهُمْ فَرِيقَيْنِ , فَرِيقًا يَرْحَمهُ وَفَرِيقًا لَا يَرْحَمهُ . قَالَ الْمَهْدَوِيّ : وَفِي الْكَلَام عَلَى هَذَا التَّقْدِير تَقْدِيم وَتَأْخِير ; الْمَعْنَى : وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبّك , وَتَمَّتْ كَلِمَة رَبّك لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّم مِنْ الْجِنَّة وَالنَّاس أَجْمَعِينَ ; وَلِذَلِكَ , خَلَقَهُمْ . وَقِيلَ : هُوَ مُتَعَلِّق بِقَوْلِهِ | ذَلِكَ يَوْم مَجْمُوع لَهُ النَّاس وَذَلِكَ يَوْم مَشْهُود | [ هُود : 103 ] وَالْمَعْنَى : وَلِشُهُودِ ذَلِكَ الْيَوْم خَلَقَهُمْ . وَقِيلَ : هُوَ مُتَعَلِّق بِقَوْلِهِ : | فَمِنْهُمْ شَقِيّ وَسَعِيد | [ هُود : 105 ] أَيْ لِلسَّعَادَةِ وَالشَّقَاوَة خَلَقَهُمْ .|وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ|مَعْنَى | تَمَّتْ | ثَبَتَ ذَلِكَ كَمَا أَخْبَرَ وَقَدَّرَ فِي أَزَله ; وَتَمَام الْكَلِمَة اِمْتِنَاعهَا عَنْ قَبُول التَّغْيِير وَالتَّبْدِيل .|لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ|| مِنْ | لِبَيَانِ الْجِنْس ; أَيْ مِنْ جِنْس الْجَنَّة وَجِنْس النَّاس . | أَجْمَعِينَ | تَأْكِيد ; وَكَمَا أَخْبَرَ أَنَّهُ يَمْلَأ نَاره كَذَلِكَ أَخْبَرَ عَلَى لِسَان نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ يَمْلَأ جَنَّته بِقَوْلِهِ : ( وَلِكُلِّ وَاحِدَة مِنْكُمَا مِلْؤُهَا ) . خَرَّجَهُ الْبُخَارِيّ مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة وَقَدْ تَقَدَّمَ .

| كُلًّا | نُصِبَ ب | نَقُصّ | مَعْنَاهُ وَكُلّ الَّذِي تَحْتَاج إِلَيْهِ مِنْ أَنْبَاء الرُّسُل نَقُصّ عَلَيْك . وَقَالَ الْأَخْفَش : | كُلًّا | حَال مُقَدَّمَة , كَقَوْلِك : كُلًّا ضَرَبْت الْقَوْم .|مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ|أَيْ مِنْ أَخْبَارهمْ وَصَبْرهمْ عَلَى أَذَى قَوْمهمْ .|مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ|أَيْ عَلَى أَدَاء الرِّسَالَة , وَالصَّبْر عَلَى مَا يَنَالك فِيهَا مِنْ الْأَذَى . وَقِيلَ : نَزِيدك بِهِ تَثْبِيتًا وَيَقِينًا . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : مَا نَشُدّ بِهِ قَلْبك . وَقَالَ اِبْن جُرَيْج : نُصَبِّر بِهِ قَلْبك حَتَّى لَا تَجْزَع . وَقَالَ أَهْل الْمَعَانِي : نُطَيِّب , وَالْمَعْنَى مُتَقَارِب . و | مَا | بَدَل مِنْ | كُلًّا | الْمَعْنَى : نَقُصّ عَلَيْك مِنْ أَنْبَاء الرُّسُل مَا نُثَبِّت بِهِ فُؤَادك .|وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ|أَيْ فِي هَذِهِ السُّورَة ; عَنْ اِبْن عَبَّاس وَأَبِي مُوسَى وَغَيْرهمَا ; وَخَصَّ هَذِهِ السُّورَة لِأَنَّ فِيهَا أَخْبَار الْأَنْبِيَاء وَالْجَنَّة وَالنَّار . وَقِيلَ : خَصَّهَا بِالذِّكْرِ تَأْكِيدًا وَإِنْ كَانَ الْحَقّ فِي كُلّ الْقُرْآن . وَقَالَ قَتَادَة وَالْحَسَن : الْمَعْنَى فِي هَذِهِ الدُّنْيَا , يُرِيد النُّبُوَّة .|وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ|الْمَوْعِظَة مَا يُتَّعَظ بِهِ مِنْ إِهْلَاك الْأُمَم الْمَاضِيَة , وَالْقُرُون الْخَالِيَة الْمُكَذِّبَة ; وَهَذَا تَشْرِيف لِهَذِهِ السُّورَة ; لِأَنَّ غَيْرهَا مِنْ السُّوَر قَدْ جَاءَ فِيهَا الْحَقّ وَالْمَوْعِظَة وَالذِّكْرَى وَلَمْ يَقُلْ فِيهَا كَمَا قَالَ فِي هَذِهِ عَلَى التَّخْصِيص . | وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ | أَيْ يَتَذَكَّرُونَ مَا نَزَلَ بِمَنْ هَلَكَ فَيَتُوبُونَ ; وَخَصَّ الْمُؤْمِنِينَ لِأَنَّهُمْ الْمُتَّعِظُونَ إِذَا سَمِعُوا قَصَص الْأَنْبِيَاء .

تَهْدِيد وَوَعِيد .

تَهْدِيد آخَر ,

أَيْ غَيْبهمَا وَشَهَادَتهمَا ; فَحُذِفَ لِدَلَالَةِ الْمَعْنَى . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : خَزَائِن السَّمَاوَات وَالْأَرْض . وَقَالَ الضَّحَّاك : جَمِيع مَا غَابَ عَنْ الْعِبَاد فِيهِمَا . وَقَالَ الْبَاقُونَ : غَيْب السَّمَاوَات وَالْأَرْض نُزُول الْعَذَاب مِنْ السَّمَاء وَطُلُوعه مِنْ الْأَرْض . وَقَالَ أَبُو عَلِيّ الْفَارِسِيّ : | وَلِلَّهِ غَيْب السَّمَاوَات وَالْأَرْض | أَيْ عَلِمَ مَا غَابَ فِيهِمَا ; أَضَافَ الْغَيْب وَهُوَ مُضَاف إِلَى الْمَفْعُول تَوَسُّعًا ; لِأَنَّهُ حَذَفَ حَرْف الْجَرّ ; تَقُول : غِبْت فِي الْأَرْض وَغِبْت بِبَلَدِ كَذَا .|وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ|أَيْ يَوْم الْقِيَامَة , إِذْ لَيْسَ لِمَخْلُوقٍ أَمْر إِلَّا بِإِذْنِهِ . وَقَرَأَ نَافِع وَحَفْص | يُرْجَع | بِضَمِّ الْيَاء وَبِفَتْحِ الْجِيم ; أَيْ يُرَدّ .|فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ|أَيْ إِلْجَأْ إِلَيْهِ وَثِقْ بِهِ .|وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ|أَيْ يُجَازِي كُلًّا بِعَمَلِهِ . وَقَرَأَ أَهْل الْمَدِينَة وَالشَّام وَحَفْص بِالتَّاءِ عَلَى الْمُخَاطَبَة . الْبَاقُونَ بِيَاءٍ عَلَى الْخَبَر . قَالَ الْأَخْفَش سَعِيد : | يَعْمَلُونَ | إِذَا لَمْ يُخَاطِب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَهُمْ ; قَالَ : بَعْضهمْ وَقَالَ : | تَعْمَلُونَ | بِالتَّاءِ لِأَنَّهُ خَاطَبَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ : قُلْ لَهُمْ | وَمَا رَبّك بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ | . وَقَالَ كَعْب الْأَحْبَار : خَاتِمَة التَّوْرَاة خَاتِمَة | هُود | مِنْ قَوْله : | وَلِلَّهِ غَيْب السَّمَاوَات وَالْأَرْض | إِلَى آخِر السُّورَة . تَمُتْ سُورَة هُود وَيَتْلُوهَا سُورَة يُوسُف عَلَيْهِ السَّلَام .

سُورَة يُوسُف وَهِيَ مَكِّيَّة كُلّهَا . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس وَقَتَادَة : إِلَّا أَرْبَع آيَات مِنْهَا . وَرُوِيَ أَنَّ الْيَهُود سَأَلُوا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ قِصَّة يُوسُف فَنَزَلَتْ السُّورَة ; وَسَيَأْتِي . وَقَالَ سَعْد بْن أَبِي وَقَّاص : أُنْزِلَ الْقُرْآن عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَلَاهُ عَلَيْهِمْ زَمَانًا فَقَالُوا : لَوْ قَصَصْت عَلَيْنَا ; فَنَزَلَ : | نَحْنُ نَقُصّ عَلَيْك | [ يُوسُف : 3 ] فَتَلَاهُ عَلَيْهِمْ زَمَانًا فَقَالُوا : لَوْ حَدَّثْتنَا ; فَأَنْزَلَ : | اللَّه نَزَّلَ أَحْسَن الْحَدِيث | [ الزُّمَر : 23 ] . قَالَ الْعُلَمَاء : وَذَكَرَ اللَّه أَقَاصِيص الْأَنْبِيَاء فِي الْقُرْآن وَكَرَّرَهَا بِمَعْنًى وَاحِد فِي وُجُوه مُخْتَلِفَة , بِأَلْفَاظٍ مُتَبَايِنَة عَلَى دَرَجَات الْبَلَاغَة , وَقَدْ ذَكَرَ قِصَّة يُوسُف وَلَمْ يُكَرِّرهَا , فَلَمْ يَقْدِر مُخَالِف عَلَى مُعَارَضَة مَا تَكَرَّرَ , وَلَا عَلَى مُعَارَضَة غَيْر الْمُتَكَرِّر , وَالْإِعْجَاز لِمَنْ تَأَمَّلَ . و | الر | تَقَدَّمَ الْقَوْل فِيهِ ; وَالتَّقْدِير هُنَا : تِلْكَ آيَات الْكِتَاب , عَلَى الِابْتِدَاء وَالْخَبَر . وَقِيلَ : | الر | اِسْم السُّورَة ; أَيْ هَذِهِ السُّورَة الْمُسَمَّاة | الر ||تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ|يَعْنِي بِالْكِتَابِ الْمُبِين الْقُرْآن الْمُبِين ; أَيْ الْمُبِين حَلَاله وَحَرَامه , وَحُدُوده وَأَحْكَامه وَهُدَاهُ وَبَرَكَته . وَقِيلَ : أَيْ هَذِهِ تِلْكَ الْآيَات الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ بِهَا فِي التَّوْرَاة .

يَجُوز أَنْ يَكُون الْمَعْنَى : إِنَّا أَنْزَلْنَا الْقُرْآن عَرَبِيًّا ; نَصَبَ | قُرْآنًا | عَلَى الْحَال ; أَيْ مَجْمُوعًا . و | عَرَبِيًّا | نَعْت لِقَوْلِهِ | قُرْآنًا | . وَيَجُوز أَنْ يَكُون تَوْطِئَة لِلْحَالِ , كَمَا تَقُول : مَرَرْت بِزَيْدٍ رَجُلًا صَالِحًا , و | عَرَبِيًّا | عَلَى الْحَال , أَيْ يَقْرَأ بِلُغَتِكُمْ يَا مَعْشَر الْعَرَب . أَعْرَبَ بَيَّنَ , وَمِنْهُ ( الثَّيِّب تُعْرِب عَنْ نَفْسهَا ) .|لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ|أَيْ لِكَيْ تَعْلَمُوا مَعَانِيه , وَتَفْهَمُوا مَا فِيهِ . وَبَعْض الْعَرَب يَأْتِي بِأَنْ مَعَ | لَعَلَّ | تَشْبِيهًا بِعَسَى . وَاللَّام فِي | لَعَلَّ | زَائِدَة لِلتَّوْكِيدِ ; كَمَا قَالَ الشَّاعِر :
يَا أَبَتَا عَلَّك أَوْ عَسَاكَا
وَقِيلَ : | لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ | أَيْ لِتَكُونُوا عَلَى رَجَاء مِنْ تَدَبُّره ; فَيَعُود مَعْنَى الشَّكّ إِلَيْهِمْ لَا إِلَى الْكِتَاب , وَلَا إِلَى اللَّه عَزَّ وَجَلَّ . وَقِيلَ : مَعْنَى | أَنْزَلْنَاهُ | أَيْ أَنْزَلْنَا خَبَر يُوسُف , قَالَ النَّحَّاس : وَهَذَا أَشْبَه بِالْمَعْنَى ; لِأَنَّهُ يُرْوَى أَنَّ الْيَهُود قَالُوا : سَلُوهُ لِمَ اِنْتَقَلَ آل يَعْقُوب مِنْ الشَّام إِلَى مِصْر ؟ وَعَنْ خَبَر يُوسُف ; فَأَنْزَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ هَذَا بِمَكَّة مُوَافِقًا لِمَا فِي التَّوْرَاة , وَفِيهِ زِيَادَة لَيْسَتْ عِنْدهمْ . فَكَانَ هَذَا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذْ أَخْبَرَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ يَقْرَأ كِتَابًا قَطُّ وَلَا هُوَ فِي مَوْضِع كِتَاب - بِمَنْزِلَةِ إِحْيَاء عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام الْمَيِّت عَلَى مَا يَأْتِي فِيهِ .

| نَحْنُ نَقُصّ عَلَيْك | اِبْتِدَاء وَخَبَره . | أَحْسَن الْقَصَص | بِمَعْنَى الْمَصْدَر , وَالتَّقْدِير : قَصَصنَا أَحْسَن الْقَصَص . وَأَصْل الْقَصَص تَتَبُّع الشَّيْء , وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى : | وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ | [ الْقَصَص : 11 ] أَيْ تَتَبَّعِي أَثَره ; فَالْقَاصّ , يَتْبَع الْآثَار فَيُخْبِر بِهَا .

وَالْحَسَن يَعُود إِلَى الْقَصَص لَا إِلَى الْقِصَّة . يُقَال : فُلَان حَسَن الِاقْتِصَاص لِلْحَدِيثِ أَيْ جَيِّد السِّيَاقَة لَهُ . وَقِيلَ : الْقَصَص لَيْسَ مَصْدَرًا , بَلْ هُوَ فِي مَعْنَى الِاسْم , كَمَا يُقَال : اللَّه رَجَاؤُنَا , أَيْ مَرْجُوّنَا فَالْمَعْنَى عَلَى هَذَا : نَحْنُ نُخْبِرك بِأَحْسَن الْأَخْبَار .

مَسْأَلَة : وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء لِمَ سُمِّيَتْ هَذِهِ السُّورَة أَحْسَن الْقَصَص مِنْ بَيْن سَائِر الْأَقَاصِيص ؟ فَقِيلَ : لِأَنَّهُ لَيْسَتْ قِصَّة فِي الْقُرْآن تَتَضَمَّن مِنْ الْعِبَر وَالْحِكَم مَا تَتَضَمَّن هَذِهِ الْقِصَّة ; وَبَيَانه قَوْله فِي آخِرهَا : | لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصهمْ عِبْرَة لِأُولِي الْأَلْبَاب | [ يُوسُف : 111 ] . وَقِيلَ : سَمَّاهَا أَحْسَن الْقَصَص لِحُسْنِ مُجَاوَزَة يُوسُف عَنْ إِخْوَته , وَصَبْره عَلَى أَذَاهُمْ , وَعَفْوه عَنْهُمْ - بَعْد الِالْتِقَاء بِهِمْ - عَنْ ذِكْر مَا تَعَاطَوْهُ , وَكَرَمه فِي الْعَفْو عَنْهُمْ , حَتَّى قَالَ : | لَا تَثْرِيب عَلَيْكُمْ الْيَوْم | [ يُوسُف : 92 ] . وَقِيلَ : لِأَنَّ فِيهَا ذِكْر الْأَنْبِيَاء وَالصَّالِحِينَ وَالْمَلَائِكَة وَالشَّيَاطِين , وَالْجِنّ وَالْإِنْس وَالْأَنْعَام وَالطَّيْر , وَسِيَر الْمُلُوك وَالْمَمَالِك , وَالتُّجَّار وَالْعُلَمَاء وَالْجُهَّال , وَالرِّجَال وَالنِّسَاء وَحِيَلهنَّ وَمَكْرهنَّ , وَفِيهَا ذِكْر التَّوْحِيد وَالْفِقْه وَالسِّيَر وَتَعْبِير الرُّؤْيَا , وَالسِّيَاسَة وَالْمُعَاشَرَة وَتَدْبِير الْمَعَاش , وَجُمَل الْفَوَائِد الَّتِي تَصْلُح لِلدِّينِ وَالدُّنْيَا . وَقِيلَ لِأَنَّ فِيهَا ذِكْر الْحَبِيب وَالْمَحْبُوب وَسِيَرهمَا . وَقِيلَ : | أَحْسَن | هُنَا بِمَعْنَى أَعْجَب . وَقَالَ بَعْض أَهْل الْمَعَانِي : إِنَّمَا كَانَتْ أَحْسَن الْقَصَص لِأَنَّ كُلّ مَنْ ذُكِرَ فِيهَا كَانَ مَآله السَّعَادَة ; اُنْظُرْ إِلَى يُوسُف وَأَبِيهِ وَإِخْوَته , وَامْرَأَة الْعَزِيز ; قِيلَ : وَالْمَلِك أَيْضًا أَسْلَمَ بِيُوسُف وَحَسُنَ إِسْلَامه , وَمُسْتَعْبِر الرُّؤْيَا السَّاقِي , وَالشَّاهِد فِيمَا يُقَال : فَمَا كَانَ أَمْر الْجَمِيع إِلَّا إِلَى خَيْر .|بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ|أَيْ بِوَحْيِنَا ف | مَا | مَعَ الْفِعْل بِمَنْزِلَةِ الْمَصْدَر .|هَذَا الْقُرْآنَ|نُصِبَ الْقُرْآن عَلَى أَنَّهُ نَعْت لِهَذَا , أَوْ بَدَل مِنْهُ , أَوْ عَطْف بَيَان . وَأَجَازَ الْفَرَّاء الْخَفْض ; قَالَ : عَلَى التَّكْرِير ; وَهُوَ عِنْد الْبَصْرِيِّينَ عَلَى الْبَدَل مِنْ | مَا | . وَأَجَازَ أَبُو إِسْحَاق الرَّفْع عَلَى إِضْمَار مُبْتَدَأ , كَأَنَّ سَائِلًا سَأَلَهُ عَنْ الْوَحْي فَقِيلَ لَهُ : هُوَ هَذَا الْقُرْآن .|وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ|أَيْ مِنْ الْغَافِلِينَ عَمَّا عَرَّفْنَاكَهُ .

| إِذْ | فِي مَوْضِع نَصْب عَلَى الظَّرْف ; أَيْ اُذْكُرْ لَهُمْ حِين قَالَ يُوسُف . وَقِرَاءَة الْعَامَّة بِضَمِّ السِّين . وَقَرَأَ طَلْحَة بْن مُصَرِّف | يُؤْسِف | بِالْهَمْزَةِ وَكَسْر السِّين . وَحَكَى أَبُو زَيْد : | يُؤْسَف | بِالْهَمْزَةِ وَفَتْح السِّين . وَلَمْ يَنْصَرِف لِأَنَّهُ أَعْجَمِيّ ; وَقِيلَ : هُوَ عَرَبِيّ . وَسُئِلَ أَبُو الْحَسَن الْأَقْطَع - وَكَانَ حَكِيمًا - عَنْ | يُوسُف | فَقَالَ : الْأَسَف فِي اللُّغَة الْحُزْن ; وَالْأَسِيف الْعَبْد , وَقَدْ اِجْتَمَعَا فِي يُوسُف ; فَلِذَلِكَ سُمِّيَ يُوسُف .|لِأَبِيهِ يَا|بِكَسْرِ التَّاء قِرَاءَة أَبِي عَمْرو وَعَاصِم وَنَافِع وَحَمْزَة وَالْكِسَائِيّ , وَهِيَ عِنْد الْبَصْرِيِّينَ عَلَامَة التَّأْنِيث أُدْخِلَتْ عَلَى الْأَب فِي النِّدَاء خَاصَّة بَدَلًا مِنْ يَاء الْإِضَافَة , وَقَدْ تَدْخُل عَلَامَة التَّأْنِيث عَلَى الْمُذَكَّر فَيُقَال : رَجُل نُكَحَة وَهُزَأَة ; قَالَ النَّحَّاس : إِذَا قُلْت | يَا أَبَت | بِكَسْرِ التَّاء فَالتَّاء عِنْد سِيبَوَيْهِ بَدَل مِنْ يَاء الْإِضَافَة ; وَلَا يَجُوز عَلَى قَوْله الْوَقْف إِلَّا بِالْهَاءِ , وَلَهُ عَلَى قَوْله دَلَائِل : مِنْهَا - أَنَّ قَوْلك : | يَا أَبَه | يُؤَدِّي عَنْ مَعْنَى | يَا أَبِي | ; وَأَنَّهُ لَا يُقَال : | يَا أَبَت | إِلَّا فِي الْمَعْرِفَة ; وَلَا يُقَال : جَاءَنِي أَبَت , وَلَا تَسْتَعْمِل الْعَرَب هَذَا إِلَّا فِي النِّدَاء خَاصَّة , وَلَا يُقَال : | يَا أَبَتِي | لِأَنَّ التَّاء بَدَل مِنْ الْيَاء فَلَا يُجْمَع بَيْنهمَا . وَزَعَمَ الْفَرَّاء أَنَّهُ إِذَا قَالَ : | يَا أَبَت | فَكَسَرَ دَلَّ عَلَى الْيَاء لَا غَيْر ; لِأَنَّ الْيَاء فِي النِّيَّة . وَزَعَمَ أَبُو إِسْحَاق أَنَّ هَذَا خَطَأ , وَالْحَقّ مَا قَالَ , كَيْف تَكُون الْيَاء فِي النِّيَّة وَلَيْسَ يُقَال : | يَا أَبَتِي | ؟ وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَر وَالْأَعْرَج وَعَبْد اللَّه بْن عَامِر | يَا أَبَت | بِفَتْحِ التَّاء ; قَالَ الْبَصْرِيُّونَ : أَرَادُوا | يَا أَبَتِي | بِالْيَاءِ , ثُمَّ أُبْدِلَتْ الْيَاء أَلِفًا فَصَارَتْ | يَا أَبَتَا | فَحُذِفَتْ الْأَلِف وَبَقِيَتْ الْفَتْحَة عَلَى التَّاء . وَقِيلَ : الْأَصْل الْكَسْر , ثُمَّ أُبْدِلَ مِنْ الْكِسْرَة فَتْحَة , كَمَا يُبْدَل مِنْ الْيَاء أَلِف فَيُقَال : يَا غُلَامًا أَقْبِلْ . وَأَجَازَ الْفَرَّاء | يَا أَبَت | بِضَمِّ التَّاء .|أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ|لَيْسَ بَيْن النَّحْوِيِّينَ اِخْتِلَاف أَنَّهُ يُقَال : جَاءَنِي أَحَد عَشَر , وَرَأَيْت وَمَرَرْت بِأَحَد عَشَر , وَكَذَلِكَ ثَلَاثَة عَشَر وَتِسْعَة عَشَر وَمَا بَيْنهمَا ; جَعَلُوا الِاسْمَيْنِ اِسْمًا وَاحِدًا وَأَعْرَبُوهُمَا بِأَخَفّ الْحَرَكَات . قَالَ السُّهَيْلِيّ : أَسْمَاء هَذِهِ الْكَوَاكِب جَاءَ ذِكْرهَا مُسْنَدًا ; رَوَاهُ الْحَارِث بْن أَبِي أُسَامَة قَالَ : جَاءَ بستانة - وَهُوَ رَجُل مِنْ أَهْل الْكِتَاب - فَسَأَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْأَحَد عَشَر كَوْكَبًا الَّذِي رَأَى يُوسُف فَقَالَ : ( الحرثان وَالطَّارِق وَالذَّيَّال وَقَابِس والمصبح والضروح وَذُو الكنفات وَذُو القرع وَالْفَلِيق وَوَثَّاب وَالْعَمُودَانِ ; رَآهَا يُوسُف عَلَيْهِ السَّلَام تَسْجُد لَهُ ) . قَالَ اِبْن عَبَّاس وَقَتَادَة : الْكَوَاكِب إِخْوَته , وَالشَّمْس أُمّه , وَالْقَمَر أَبُوهُ . وَقَالَ قَتَادَة أَيْضًا : الشَّمْس خَالَته , لِأَنَّ أُمّه كَانَتْ قَدْ مَاتَتْ , وَكَانَتْ خَالَته تَحْت أَبِيهِ .|وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي|تَوْكِيد . وَقَالَ : | رَأَيْتهمْ لِي سَاجِدِينَ | فَجَاءَ مُذَكَّرًا ; فَالْقَوْل عِنْد الْخَلِيل وَسِيبَوَيْهِ أَنَّهُ لَمَّا أَخْبَرَ عَنْ هَذِهِ الْأَشْيَاء بِالطَّاعَةِ وَالسُّجُود وَهُمَا مِنْ أَفْعَال مَنْ يَعْقِل أَخْبَرَ عَنْهَا كَمَا يُخْبِر عَمَّنْ يَعْقِل . وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْمَعْنَى فِي قَوْله : | وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْك | [ الْأَعْرَاف : 198 ] . وَالْعَرَب تَجْمَع مَا لَا يَعْقِل جَمْع مَنْ يَعْقِل إِذَا أَنْزَلُوهُ مَنْزِلَته , وَإِنْ كَانَ خَارِجًا عَنْ الْأَصْل .