islamkingdomfaceBook islamkingdomtwitter islamkingdominstagram islamkingdomyoutube


| مِنْ | شَرْط , و | خَافَ | بِمَعْنَى خَشِيَ , وَقِيلَ : عَلِمَ , وَالْأَصْل خَوَفَ , قُلِبَتْ الْوَاو أَلِفًا لِتَحَرُّكِهَا وَتَحَرُّك مَا قَبْلهَا , وَأَهْل الْكُوفَة يُمِيلُونَ | خَافَ | لِيُدِلُّوا عَلَى الْكَسْرَة مِنْ فَعِلَتْ .

الْخِطَاب بِقَوْلِهِ : | فَمَنْ خَافَ | لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ . قِيلَ لَهُمْ : إِنْ خِفْتُمْ مِنْ مُوصٍ مَيْلًا فِي الْوَصِيَّة وَعُدُولًا عَنْ الْحَقّ وَوُقُوعًا فِي إِثْم وَلَمْ يُخْرِجهَا بِالْمَعْرُوفِ , وَذَلِكَ بِأَنْ يُوصِي بِالْمَالِ إِلَى زَوْج اِبْنَته أَوْ لِوَلَدِ اِبْنَته لِيَنْصَرِف الْمَال إِلَى اِبْنَته , أَوْ إِلَى اِبْن اِبْنه وَالْغَرَض أَنْ يَنْصَرِف الْمَال إِلَى اِبْنه , أَوْ أَوْصَى لِبَعِيدٍ وَتَرَكَ الْقَرِيب , فَبَادِرُوا إِلَى السَّعْي فِي الْإِصْلَاح بَيْنهمْ , فَإِذَا وَقَعَ الصُّلْح سَقَطَ الْإِثْم عَنْ الْمُصْلِح . وَالْإِصْلَاح فَرْض عَلَى الْكِفَايَة , فَإِذَا قَامَ أَحَدهمْ بِهِ سَقَطَ عَنْ الْبَاقِينَ , وَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا أَثِمَ الْكُلّ .

فِي هَذِهِ الْآيَة دَلِيل عَلَى الْحُكْم بِالظَّنِّ , لِأَنَّهُ إِذَا ظَنَّ قَصْد الْفَسَاد وَجَبَ السَّعْي فِي الصَّلَاح , وَإِذَا تَحَقَّقَ الْفَسَاد لَمْ يَكُنْ صُلْحًا إِنَّمَا يَكُون حُكْمًا بِالدَّفْعِ وَإِبْطَالًا لِلْفَسَادِ وَحَسْمًا لَهُ .|مِنْ مُوصٍ|بِالتَّشْدِيدِ قِرَاءَة أَبِي بَكْر عَنْ عَاصِم وَحَمْزَة وَالْكِسَائِيّ , وَخَفَّفَ الْبَاقُونَ , وَالتَّخْفِيف أَبْيَن ; لِأَنَّ أَكْثَر النَّحْوِيِّينَ يَقُولُونَ | مُوَصٍّ | لِلتَّكْثِيرِ , وَقَدْ يَجُوز أَنْ يَكُون مِثْل كَرَّمَ وَأَكْرَمَ .|جَنَفًا أَوْ إِثْمًا|مِنْ جَنِفَ يَجْنَف إِذَا جَارَ , وَالِاسْم مِنْهُ جَنِفٌ وَجَانِف , عَنْ النَّحَّاس , وَقِيلَ : الْجَنَف الْمَيْل . قَالَ الْأَعْشَى :|
تَجَانَفُ عَنْ حِجْر الْيَمَامَة نَاقَتِي .......... وَمَا قَصَدَتْ مِنْ أَهْلهَا لَسَوَائِكَا
وَفِي الصِّحَاح : | الْجَنَف | الْمَيْل , وَقَدْ جَنِفَ بِالْكَسْرِ يَجْنَف جَنَفًا إِذَا مَالَ , وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى : | فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا | . قَالَ الشَّاعِر :
هُمْ الْمَوْلَى وَإِنْ جَنَفُوا عَلَيْنَا .......... وَإِنَّا مِنْ لِقَائِهِمْ لَزُورُ
قَالَ أَبُو عُبَيْدَة : الْمَوْلَى هَاهُنَا فِي مَوْضِع الْمَوَالِي , أَيْ بَنِي الْعَمّ , كَقَوْلِهِ تَعَالَى : | ثُمَّ يُخْرِجكُمْ طِفْلًا | , وَقَالَ لَبِيد :
إِنِّي اِمْرُؤٌ مَنَعَتْ أُرُومَة عَامِر .......... ضَيْمِي وَقَدْ جَنَفَتْ عَلَيَّ خُصُومِي
قَالَ أَبُو عُبَيْدَة : وَكَذَلِكَ الْجَانِئ ( بِالْهَمْزِ ) وَهُوَ الْمَائِل أَيْضًا , وَيُقَال : أَجْنَفَ الرَّجُل , أَيْ جَاءَ بِالْجَنَفِ . كَمَا يُقَال : أَلَامَ , أَيْ أَتَى بِمَا يُلَام عَلَيْهِ , وَأَخَسَّ , أَيْ أَتَى بِخَسِيسٍ , وَتَجَانَفَ لِإِثْمٍ , أَيْ مَالَ , وَرَجُل أَجْنَف , أَيْ مُنْحَنِي الظَّهْر , وَجُنَفَى ( عَلَى فُعَلَى بِضَمِّ الْفَاء وَفَتْح الْعَيْن | : اِسْم مَوْضِع , عَنْ اِبْن السِّكِّيت , وَرُوِيَ عَنْ عَلِيّ أَنَّهُ قَرَأَ | حَيْفًا | بِالْحَاءِ وَالْيَاء , أَيْ ظُلْمًا , وَقَالَ مُجَاهِد : | فَمَنْ خَافَ | أَيْ مَنْ خَشِيَ أَنْ يَجْنَف الْمُوصِي وَيَقْطَع مِيرَاث طَائِفَة وَيَتَعَمَّد الْأَذِيَّة , أَوْ يَأْتِيهَا دُون تَعَمُّد , وَذَلِكَ هُوَ الْجَنَف دُون إِثْم , فَإِنْ تَعَمَّدَ فَهُوَ الْجَنَف فِي إِثْم , فَالْمَعْنَى مَنْ وُعِظَ فِي ذَلِكَ وَرُدَّ عَنْهُ فَأَصْلَحَ بِذَلِكَ مَا بَيْنه وَبَيْن وَرَثَته وَبَيْن الْوَرَثَة فِي ذَاتهمْ فَلَا إِثْم عَلَيْهِ .|فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ|عُطِفَ عَلَى | خَافَ | , وَالْكِنَايَة عَنْ الْوَرَثَة , وَلَمْ يَجْرِ لَهُمْ ذِكْر لِأَنَّهُ قَدْ عُرِفَ الْمَعْنَى , وَجَوَاب الشَّرْط | فَلَا إِثْم عَلَيْهِ | .

لَا خِلَاف أَنَّ الصَّدَقَة فِي حَال الْحَيَاة وَالصِّحَّة أَفْضَل مِنْهَا عِنْد الْمَوْت , لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَام وَقَدْ سُئِلَ : أَيّ الصَّدَقَة أَفْضَل ؟ فَقَالَ : ( أَنْ تَصَّدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيح شَحِيح ) الْحَدِيث , أَخْرَجَهُ أَهْل الصَّحِيح , وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيّ عَنْ أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيّ أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( لَأَنْ يَتَصَدَّق الْمَرْء فِي حَيَاته بِدِرْهَمٍ خَيْر لَهُ مِنْ أَنْ يَتَصَدَّق عِنْد مَوْته بِمِائَةٍ ) , وَرَوَى النَّسَائِيّ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاء عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( مَثَل الَّذِي يُنْفِق أَوْ يَتَصَدَّق عِنْد مَوْته مَثَل الَّذِي يُهْدِي بَعْدَمَا يَشْبَع ) .

مَنْ لَمْ يَضُرّ فِي وَصِيَّته كَانَتْ كَفَّارَة لِمَا تَرَكَ مِنْ زَكَاته . رَوَى الدَّارَقُطْنِيّ عَنْ مُعَاوِيَة بْن قُرَّة عَنْ أَبِيهِ قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ حَضَرَتْهُ الْوَفَاة فَأَوْصَى فَكَانَتْ وَصِيَّته عَلَى كِتَاب اللَّه كَانَتْ كَفَّارَة لِمَا تَرَكَ مِنْ زَكَاته ) , فَإِنْ ضَرَّ فِي الْوَصِيَّة فَهِيَ مِنْ الْكَبَائِر

فَقَدْ رَوَى الدَّار قُطْنِيّ أَيْضًا عَنْ اِبْن عَبَّاس عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( الْإِضْرَار فِي الْوَصِيَّة مِنْ الْكَبَائِر ) , وَرَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ أَبِي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( إِنَّ الرَّجُل أَوْ الْمَرْأَة لَيَعْمَل بِطَاعَةِ اللَّه سِتِّينَ سَنَة ثُمَّ يَحْضُرهُمَا الْمَوْت فَيُضَارَّانِ فِي الْوَصِيَّة فَتَجِب لَهُمَا النَّار ) . وَتَرْجَمَ النَّسَائِيّ | الصَّلَاة عَلَى مَنْ جَنَفَ فِي وَصِيَّته | أَخْبَرَنَا عَلِيّ بْن حَجَر أَنْبَأَنَا هُشَيْم عَنْ مَنْصُور وَهُوَ اِبْن زَاذَان عَنْ الْحَسَن عَنْ عِمْرَان بْن حُصَيْن رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ سِتَّة مَمْلُوكِينَ لَهُ عِنْد مَوْته وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَال غَيْرهمْ , فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَغَضِبَ مِنْ ذَلِكَ وَقَالَ : ( لَقَدْ هَمَمْت أَلَّا أُصَلِّي عَلَيْهِ ) [ ثُمَّ دَعَا مَمْلُوكِيهِ ] فَجَزَّأَهُمْ ثَلَاثَة أَجْزَاء ثُمَّ أَقْرَعَ بَيْنهمْ فَأَعْتَقَ اِثْنَيْنِ وَأَرَقَّ أَرْبَعَة , وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم بِمَعْنَاهُ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ فِي آخِره : وَقَالَ لَهُ قَوْلًا شَدِيدًا , بَدَل قَوْله : ( لَقَدْ هَمَمْت أَلَّا أُصَلِّي عَلَيْهِ ) .|فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ|أَيْ لَا يَلْحَقهُ إِثْم الْمُبَدِّل الْمَذْكُور قَبْل , وَإِنْ كَانَ فِي فِعْله تَبْدِيل مَا وَلَا بُدّ , وَلَكِنَّهُ تَبْدِيل لِمَصْلَحَةٍ , وَالتَّبْدِيل الَّذِي فِيهِ الْإِثْم إِنَّمَا هُوَ تَبْدِيل الْهَوَى .|إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ|| غَفُور | عَنْ الْمُوصِي إِذَا عَمِلَتْ فِيهِ الْمَوْعِظَة وَرَجَعَ عَمَّا أَرَادَ مِنْ الْأَذِيَّة , وَقَالَ اِبْن عَبَّاس وَقَتَادَة وَالرَّبِيع وَغَيْرهمْ : مَعْنَى الْآيَة مَنْ خَافَ أَيْ عَلِمَ وَرَأَى وَأَتَى عِلْمه عَلَيْهِ بَعْد مَوْت الْمُوصِي أَنَّ الْمُوصِي جَنَفَ وَتَعَمَّدَ أَذِيَّة بَعْض وَرَثَته فَأَصْلَحَ مَا وَقَعَ بَيْن الْوَرَثَة مِنْ الِاضْطِرَاب وَالشِّقَاق .

لَمَّا ذَكَرَ مَا كُتِبَ عَلَى الْمُكَلَّفِينَ مِنْ الْقِصَاص وَالْوَصِيَّة ذَكَرَ أَيْضًا أَنَّهُ كُتِبَ عَلَيْهِمْ الصِّيَام وَأَلْزَمَهُمْ إِيَّاهُ وَأَوْجَبَهُ عَلَيْهِمْ , وَلَا خِلَاف فِيهِ , قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( بُنِيَ الْإِسْلَام عَلَى خَمْس شَهَادَة أَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُول اللَّه وَإِقَام الصَّلَاة وَإِيتَاء الزَّكَاة وَصَوْم رَمَضَان وَالْحَجّ ) رَوَاهُ اِبْن عُمَر , وَمَعْنَاهُ فِي اللُّغَة : الْإِمْسَاك , وَتَرْك التَّنَقُّل مِنْ حَال إِلَى حَال , وَيُقَال لِلصَّمْتِ صَوْم ; لِأَنَّهُ إِمْسَاك عَنْ الْكَلَام , قَالَ اللَّه تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ مَرْيَم : | إِنِّي نَذَرْت لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا | [ مَرْيَم : 26 ] أَيْ سُكُوتًا عَنْ الْكَلَام , وَالصَّوْم : رُكُود الرِّيح , وَهُوَ إِمْسَاكهَا عَنْ الْهُبُوب . وَصَامَتْ الدَّابَّة عَلَى آرِيّهَا : قَامَتْ وَثَبَتَتْ فَلَمْ تَعْتَلِف , وَصَامَ النَّهَار : اِعْتَدَلَ , وَمَصَام الشَّمْس حَيْثُ تَسْتَوِي فِي مُنْتَصَف النَّهَار , وَمِنْهُ قَوْل النَّابِغَة :
خَيْل صِيَام وَخَيْل غَيْر صَائِمَة .......... تَحْت الْعَجَاج وَخَيْل تَعْلُك اللُّجُمَا
أَيْ خَيْل ثَابِتَة مُمْسِكَة عَنْ الْجَرْي وَالْحَرَكَة , كَمَا قَالَ :
كَأَنَّ الثُّرَيَّا عُلِّقَتْ فِي مَصَامهَا
أَيْ هِيَ ثَابِتَة فِي مَوَاضِعهَا فَلَا تَنْتَقِل , وَقَوْله :
وَالْبَكَرَات شَرّهنَّ الصَّائِمَة
يَعْنِي الَّتِي لَا تَدُور , وَقَالَ اِمْرُؤُ الْقَيْس :
فَدَعْهَا وَسَلِّ الْهَمّ عَنْك بِجَسْرَة .......... ذَمُولٍ إِذَا صَامَ النَّهَار وَهَجَّرَا
أَيْ أَبْطَأَتْ الشَّمْس عَنْ الِانْتِقَال وَالسَّيْر فَصَارَتْ بِالْإِبْطَاءِ كَالْمُمْسِكَةِ , وَقَالَ آخَر :
حَتَّى إِذَا صَامَ النَّهَار وَاعْتَدَل .......... وَسَالَ لِلشَّمْسِ لُعَاب فَنَزَل
وَقَالَ آخَر :
نَعَامًا بِوَجْرَة صُفْر الْخُدُود .......... مَا تَطْعَم النَّوْم إِلَّا صِيَامَا
أَيْ قَائِمَة , وَالشِّعْر فِي هَذَا الْمَعْنَى كَثِير .

وَالصَّوْم فِي الشَّرْع : الْإِمْسَاك عَنْ الْمُفْطِرَات مَعَ اِقْتِرَان النِّيَّة بِهِ مِنْ طُلُوع الْفَجْر إِلَى غُرُوب الشَّمْس , وَتَمَامه وَكَمَاله بِاجْتِنَابِ الْمَحْظُورَات وَعَدَم الْوُقُوع فِي الْمُحَرَّمَات , لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَام : ( مَنْ لَمْ يَدَع قَوْل الزُّور وَالْعَمَل بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَة فِي أَنْ يَدَع طَعَامه وَشَرَابه ) .

فَضْل الصَّوْم عَظِيم , وَثَوَابه جَسِيم , جَاءَتْ بِذَلِكَ أَخْبَار كَثِيرَة صِحَاح وَحِسَان ذَكَرَهَا الْأَئِمَّة فِي مَسَانِيدهمْ , وَسَيَأْتِي بَعْضهَا , وَيَكْفِيك الْآن مِنْهَا فِي فَضْل الصَّوْم أَنْ خَصَّهُ اللَّه بِالْإِضَافَةِ إِلَيْهِ , كَمَا ثَبَتَ فِي الْحَدِيث عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ مُخْبِرًا عَنْ رَبّه : ( يَقُول اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلّ عَمَل اِبْن آدَم لَهُ إِلَّا الصَّوْم فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ ) الْحَدِيث , وَإِنَّمَا خَصَّ الصَّوْم بِأَنَّهُ لَهُ وَإِنْ كَانَتْ الْعِبَادَات كُلّهَا لَهُ لِأَمْرَيْنِ بَايَنَ الصَّوْم بِهِمَا سَائِر الْعِبَادَات . أَحَدهمَا : أَنَّ الصَّوْم يَمْنَع مِنْ مَلَاذّ النَّفْس وَشَهَوَاتهَا مَا لَا يَمْنَع مِنْهُ سَائِر الْعِبَادَات . الثَّانِي : أَنَّ الصَّوْم سِرّ بَيْن الْعَبْد وَبَيْن رَبّه لَا يَظْهَر إِلَّا لَهُ ; فَلِذَلِكَ صَارَ مُخْتَصًّا بِهِ , وَمَا سِوَاهُ مِنْ الْعِبَادَات ظَاهِر , رُبَّمَا فَعَلَهُ تَصَنُّعًا وَرِيَاء ; فَلِهَذَا صَارَ أَخَصّ بِالصَّوْمِ مِنْ غَيْره . وَقِيلَ غَيْر هَذَا .|الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ|الْكَاف فِي مَوْضِع نَصْب عَلَى النَّعْت , التَّقْدِير كِتَابًا كَمَا , أَوْ صَوْمًا كَمَا , أَوْ عَلَى الْحَال مِنْ الصِّيَام أَيْ كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَام مُشَبَّهًا كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلكُمْ , وَقَالَ بَعْض النُّحَاة : الْكَاف فِي مَوْضِع رَفْع نَعْتًا لِلصِّيَامِ , إِذْ لَيْسَ تَعْرِيفه بِمَحْضٍ , لِمَكَانِ الْإِجْمَال الَّذِي فِيهِ بِمَا فَسَّرَتْهُ الشَّرِيعَة ; فَلِذَلِكَ جَازَ نَعْته ب | كَمَا | إِذْ لَا يُنْعَت بِهَا إِلَّا النَّكِرَات , فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ كُتِبَ عَلَيْكُمْ صِيَام , وَقَدْ ضُعِّفَ هَذَا الْقَوْل . و | مَا | فِي مَوْضِع خَفْض , وَصِلَتهَا : | كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلكُمْ | , وَالضَّمِير فِي | كُتِبَ | يَعُود عَلَى | مَا | , وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي مَوْضِع التَّشْبِيه

قَالَ الشَّعْبِيّ وَقَتَادَة وَغَيْرهمَا : التَّشْبِيه يَرْجِع إِلَى وَقْت الصَّوْم وَقَدْر الصَّوْم , فَإِنَّ اللَّه تَعَالَى كَتَبَ عَلَى قَوْم مُوسَى وَعِيسَى صَوْم رَمَضَان فَغَيَّرُوا , وَزَادَ أَحْبَارهمْ عَلَيْهِمْ عَشْرَة أَيَّام ثُمَّ مَرِضَ بَعْض أَحْبَارهمْ فَنَذَرَ إِنْ شَفَاهُ اللَّه أَنْ يَزِيد فِي صَوْمهمْ عَشْرَة أَيَّام فَفَعَلَ , فَصَارَ صَوْم النَّصَارَى خَمْسِينَ يَوْمًا , فَصَعُبَ عَلَيْهِمْ فِي الْحَرّ فَنَقَلُوهُ إِلَى الرَّبِيع , وَاخْتَارَ هَذَا الْقَوْل النَّحَّاس وَقَالَ : وَهُوَ الْأَشْبَه بِمَا فِي الْآيَة , وَفِيهِ حَدِيث يَدُلّ عَلَى صِحَّته أَسْنَدَهُ عَنْ دَغْفَل بْن حَنْظَلَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( كَانَ عَلَى النَّصَارَى صَوْم شَهْر فَمَرِضَ رَجُل مِنْهُمْ فَقَالُوا لَئِنْ شَفَاهُ اللَّه لَأَزِيدَن عَشْرَة ثُمَّ كَانَ آخَر فَأَكَلَ لَحْمًا فَأَوْجَعَ فَاهُ فَقَالُوا لَئِنْ شَفَاهُ اللَّه لِأَزِيدَن سَبْعَة ثُمَّ كَانَ مَلِك آخَر فَقَالُوا لَنُتِمَّنَّ هَذِهِ السَّبْعَة الْأَيَّام وَنَجْعَل صَوْمنَا فِي الرَّبِيع قَالَ فَصَارَ خَمْسِينَ ) , وَقَالَ مُجَاهِد : كَتَبَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ صَوْم شَهْر رَمَضَان عَلَى كُلّ أُمَّة , وَقِيلَ : أَخَذُوا بِالْوَثِيقَةِ فَصَامُوا قَبْل الثَّلَاثِينَ يَوْمًا وَبَعْدهَا يَوْمًا , قَرْنًا بَعْد قَرْن , حَتَّى بَلَغَ صَوْمهمْ خَمْسِينَ يَوْمًا , فَصَعُبَ عَلَيْهِمْ فِي الْحَرّ فَنَقَلُوهُ إِلَى الْفَصْل الشَّمْسِيّ . قَالَ النَّقَّاش : وَفِي ذَلِكَ حَدِيث عَنْ دَغْفَل بْن حَنْظَلَة وَالْحَسَن الْبَصْرِيّ وَالسُّدِّيّ .

قُلْت : وَلِهَذَا - وَاَللَّه أَعْلَم - كُرِهَ الْآن صَوْم يَوْم الشَّكّ وَالسِّتَّة مِنْ شَوَّال بِإِثْرِ يَوْم الْفِطْر مُتَّصِلًا بِهِ . قَالَ الشَّعْبِيّ : لَوْ صُمْت السَّنَة كُلّهَا لَأَفْطَرْت يَوْم الشَّكّ , وَذَلِكَ أَنَّ النَّصَارَى فُرِضَ عَلَيْهِمْ صَوْم شَهْر رَمَضَان كَمَا فُرِضَ عَلَيْنَا , فَحَوَّلُوهُ إِلَى الْفَصْل الشَّمْسِيّ ; لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ يُوَافِق الْقَيْظ فَعَدُّوا ثَلَاثِينَ يَوْمًا , ثُمَّ جَاءَ بَعْدهمْ قَرْن فَأَخَذُوا بِالْوَثِيقَةِ لِأَنْفُسِهِمْ فَصَامُوا قَبْل الثَّلَاثِينَ يَوْمًا وَبَعْدهَا يَوْمًا , ثُمَّ لَمْ يَزَلْ الْآخَر يَسْتَنّ بِسُنَّةِ مَنْ كَانَ قَبْله حَتَّى صَارُوا إِلَى خَمْسِينَ يَوْمًا فَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى : | كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلكُمْ | , وَقِيلَ : التَّشْبِيه رَاجِع إِلَى أَصْل وُجُوبه عَلَى مَنْ تَقَدَّمَ , لَا فِي الْوَقْت وَالْكَيْفِيَّة , وَقِيلَ : التَّشْبِيه وَاقِع عَلَى صِفَة الصَّوْم الَّذِي كَانَ عَلَيْهِمْ مِنْ مَنْعهمْ مِنْ الْأَكْل وَالشُّرْب وَالنِّكَاح , فَإِذَا حَانَ الْإِفْطَار فَلَا يَفْعَل هَذِهِ الْأَشْيَاء مَنْ نَامَ , وَكَذَلِكَ كَانَ فِي النَّصَارَى أَوَّلًا وَكَانَ فِي أَوَّل الْإِسْلَام , ثُمَّ نَسَخَهُ اللَّه تَعَالَى بِقَوْلِهِ : | أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَة الصِّيَام الرَّفَث إِلَى نِسَائِكُمْ | [ الْبَقَرَة : 187 ] عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانه , قَالَهُ السُّدِّيّ وَأَبُو الْعَالِيَة وَالرَّبِيع , وَقَالَ مُعَاذ بْن جَبَل وَعَطَاء : التَّشْبِيه وَاقِع عَلَى الصَّوْم لَا عَلَى الصِّفَة وَلَا عَلَى الْعِدَّة وَإِنْ اِخْتَلَفَ الصِّيَامَانِ بِالزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَان . الْمَعْنَى : | كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَام | أَيْ فِي أَوَّل الْإِسْلَام ثَلَاثَة أَيَّام مِنْ كُلّ شَهْر وَيَوْم عَاشُورَاء | كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلكُمْ | وَهُمْ الْيَهُود - فِي قَوْل اِبْن عَبَّاس - ثَلَاثَة أَيَّام وَيَوْم عَاشُورَاء , ثُمَّ نُسِخَ هَذَا فِي هَذِهِ الْأُمَّة بِشَهْرِ رَمَضَان , وَقَالَ مُعَاذ بْن جَبَل : نُسِخَ ذَلِكَ | بِأَيَّامٍ مَعْدُودَات | ثُمَّ نُسِخَتْ الْأَيَّام بِرَمَضَان .|قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ|| لَعَلَّ | تَرَجٍّ فِي حَقّهمْ , كَمَا تَقَدَّمَ . و | تَتَّقُونَ | قِيلَ : مَعْنَاهُ هُنَا تَضْعُفُونَ , فَإِنَّهُ كُلَّمَا قَلَّ الْأَكْل ضَعُفَتْ الشَّهْوَة , وَكُلَّمَا ضَعُفَتْ الشَّهْوَة قَلَّتْ الْمَعَاصِي وَهَذَا وَجْه مَجَازِيّ حَسَن .

وَقِيلَ : لِتَتَّقُوا الْمَعَاصِي , وَقِيلَ : هُوَ عَلَى الْعُمُوم , لِأَنَّ الصِّيَام كَمَا قَالَ عَلَيْهِ السَّلَام : ( الصِّيَام جُنَّة وَوِجَاء ) وَسَبَب تَقْوَى ; لِأَنَّهُ يُمِيت الشَّهَوَات .

| أَيَّامًا | مَفْعُول ثَانٍ ب | كُتِبَ | , قَالَهُ الْفَرَّاء , وَقِيلَ : نُصِبَ عَلَى الظَّرْف ل | كُتِبَ | , أَيْ كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَام فِي أَيَّام , وَالْأَيَّام الْمَعْدُودَات : شَهْر رَمَضَان , وَهَذَا يَدُلّ عَلَى خِلَاف مَا رُوِيَ عَنْ مُعَاذ , وَاَللَّه أَعْلَم .|فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا|لِلْمَرِيضِ حَالَتَانِ : إِحْدَاهُمَا : أَلَّا يُطِيق الصَّوْم بِحَالٍ , فَعَلَيْهِ الْفِطْر وَاجِبًا . الثَّانِيَة : أَنْ يَقْدِر عَلَى الصَّوْم بِضَرَرٍ وَمَشَقَّة , فَهَذَا يُسْتَحَبّ لَهُ الْفِطْر وَلَا يَصُوم إِلَّا جَاهِل . قَالَ اِبْن سِيرِينَ : مَتَى حَصَلَ الْإِنْسَان فِي حَال يَسْتَحِقّ بِهَا اِسْم الْمَرَض صَحَّ الْفِطْر , قِيَاسًا عَلَى الْمُسَافِر لِعِلَّةِ السَّفَر , وَإِنْ لَمْ تَدْعُ إِلَى الْفِطْر ضَرُورَة . قَالَ طَرِيف بْن تَمَّام الْعُطَارِدِيّ : دَخَلْت عَلَى مُحَمَّد بْن سِيرِينَ فِي رَمَضَان وَهُوَ يَأْكُل , فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ : إِنَّهُ وَجِعَتْ أُصْبُعِي هَذِهِ , وَقَالَ جُمْهُور مِنْ الْعُلَمَاء : إِذَا كَانَ بِهِ مَرَض يُؤْلِمهُ وَيُؤْذِيه أَوْ يَخَاف تَمَادِيهِ أَوْ يَخَاف تَزَيُّده صَحَّ لَهُ الْفِطْر . قَالَ اِبْن عَطِيَّة : وَهَذَا مَذْهَب حُذَّاق أَصْحَاب مَالِك وَبِهِ يُنَاظِرُونَ , وَأَمَّا لَفْظ مَالِك فَهُوَ الْمَرَض الَّذِي يَشُقّ عَلَى الْمَرْء وَيَبْلُغ بِهِ , وَقَالَ اِبْن خُوَيْز مَنْدَاد : وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَة عَنْ مَالِك فِي الْمَرَض الْمُبِيح لِلْفِطْرِ , فَقَالَ مَرَّة : هُوَ خَوْف التَّلَف مِنْ الصِّيَام . وَقَالَ مَرَّة : شِدَّة الْمَرَض وَالزِّيَادَة فِيهِ وَالْمَشَقَّة الْفَادِحَة , وَهَذَا صَحِيح مَذْهَبه وَهُوَ مُقْتَضَى الظَّاهِر ; لِأَنَّهُ لَمْ يَخُصّ مَرَضًا مِنْ مَرَض فَهُوَ مُبَاح فِي كُلّ مَرَض , إِلَّا مَا خَصَّهُ الدَّلِيل مِنْ الصُّدَاع وَالْحُمَّى وَالْمَرَض الْيَسِير الَّذِي لَا كُلْفَة مَعَهُ فِي الصِّيَام . وَقَالَ الْحَسَن : إِذَا لَمْ يَقْدِر مِنْ الْمَرَض عَلَى الصَّلَاة قَائِمًا أَفْطَرَ , وَقَالَهُ النَّخَعِيّ , وَقَالَتْ فِرْقَة : لَا يُفْطِر بِالْمَرَضِ إِلَّا مَنْ دَعَتْهُ ضَرُورَة الْمَرَض نَفْسه إِلَى الْفِطْر , وَمَتَى اِحْتَمَلَ الضَّرُورَة مَعَهُ لَمْ يُفْطِر . وَهَذَا قَوْل الشَّافِعِيّ رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى .

قُلْت : قَوْل اِبْن سِيرِينَ أَعْدَل شَيْء فِي هَذَا الْبَاب إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى . قَالَ الْبُخَارِيّ : اِعْتَلَلْت بِنَيْسَابُور عِلَّة خَفِيفَة وَذَلِكَ فِي شَهْر رَمَضَان , فَعَادَنِي إِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ فِي نَفَر مِنْ أَصْحَابه فَقَالَ لِي : أَفْطَرْت يَا أَبَا عَبْد اللَّه ؟ فَقُلْت نَعَمْ , فَقَالَ : خَشِيت أَنْ تَضْعُف عَنْ قَبُول الرُّخْصَة . قُلْت : حَدَّثَنَا عَبْدَان عَنْ اِبْن الْمُبَارَك عَنْ اِبْن جُرَيْج قَالَ قُلْت لِعَطَاء : مِنْ أَيّ الْمَرَض أُفْطِر ؟ قَالَ : مِنْ أَيّ مَرَض كَانَ , كَمَا قَالَ اللَّه تَعَالَى : | فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا | قَالَ الْبُخَارِيّ : وَهَذَا الْحَدِيث لَمْ يَكُنْ عِنْد إِسْحَاق , وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة : إِذَا خَافَ الرَّجُل عَلَى نَفْسه وَهُوَ صَائِم إِنْ لَمْ يُفْطِر أَنْ تَزْدَاد عَيْنه وَجَعًا أَوْ حُمَّاهُ شِدَّة أَفْطَرَ .|أَوْ عَلَى سَفَرٍ|اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي السَّفَر الَّذِي يَجُوز فِيهِ الْفِطْر وَالْقَصْر , بَعْد إِجْمَاعهمْ عَلَى سَفَر الطَّاعَة كَالْحَجِّ وَالْجِهَاد , وَيَتَّصِل بِهَذَيْنِ سَفَر صِلَة الرَّحِم وَطَلَب الْمَعَاش الضَّرُورِيّ . أَمَّا سَفَر التِّجَارَات وَالْمُبَاحَات فَمُخْتَلَف فِيهِ بِالْمَنْعِ وَالْإِجَازَة , وَالْقَوْل بِالْجَوَازِ أَرْجَح , وَأَمَّا سَفَر الْعَاصِي فَيُخْتَلَف فِيهِ بِالْجَوَازِ وَالْمَنْع , وَالْقَوْل بِالْمَنْعِ أَرْجَح , قَالَهُ اِبْن عَطِيَّة , وَمَسَافَة الْفِطْر عِنْد مَالِك حَيْثُ تُقْصَر الصَّلَاة وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي قَدْر ذَلِكَ , فَقَالَ مَالِك : يَوْم وَلَيْلَة , ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ : ثَمَانِيَة وَأَرْبَعُونَ مِيلًا قَالَ اِبْن خُوَيْز مَنْدَاد : وَهُوَ ظَاهِر مَذْهَبه , وَقَالَ مَرَّة : اِثْنَانِ وَأَرْبَعُونَ مِيلًا وَقَالَ مَرَّة سِتَّة وَثَلَاثُونَ مِيلًا وَقَالَ مَرَّة : مَسِيرَة يَوْم وَلَيْلَة , وَرُوِيَ عَنْهُ يَوْمَانِ , وَهُوَ قَوْل الشَّافِعِيّ . وَفَصَلَ مَرَّة بَيْن الْبَرّ وَالْبَحْر , فَقَالَ فِي الْبَحْر مَسِيرَة يَوْم وَلَيْلَة , وَفِي الْبَرّ ثَمَانِيَة وَأَرْبَعُونَ مِيلًا , وَفِي الْمَذْهَب ثَلَاثُونَ مِيلًا , وَفِي غَيْر الْمَذْهَب ثَلَاثَة أَمْيَال , وَقَالَ اِبْن عَمْرو وَابْن عَبَّاس وَالثَّوْرِيّ : الْفِطْر فِي سَفَر ثَلَاثَة أَيَّام , حَكَاهُ اِبْن عَطِيَّة .

قُلْت : وَاَلَّذِي فِي الْبُخَارِيّ : وَكَانَ اِبْن عُمَر وَابْن عَبَّاس يُفْطِرَانِ وَيَقْصُرَانِ فِي أَرْبَعَة بُرُد وَهِيَ سِتَّة عَشَر فَرْسَخًا .

اِتَّفَقَ الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّ الْمُسَافِر فِي رَمَضَان لَا يَجُوز لَهُ أَنْ يُبَيِّت الْفِطْر , لِأَنَّ الْمُسَافِر لَا يَكُون مُسَافِرًا بِالنِّيَّةِ بِخِلَافِ الْمُقِيم , وَإِنَّمَا يَكُون مُسَافِرًا بِالْعَمَلِ وَالنُّهُوض , وَالْمُقِيم لَا يَفْتَقِر إِلَى عَمَل ; لِأَنَّهُ إِذَا نَوَى الْإِقَامَة كَانَ مُقِيمًا فِي الْحِين ; لِأَنَّ الْإِقَامَة لَا تَفْتَقِر إِلَى عَمَل فَافْتَرَقَا , وَلَا خِلَاف بَيْنهمْ أَيْضًا فِي الَّذِي يُؤَمِّل السَّفَر أَنَّهُ لَا يَجُوز لَهُ أَنْ يُفْطِر قَبْل أَنْ يَخْرُج , فَإِنْ أَفْطَرَ فَقَالَ اِبْن حَبِيب : إِنْ كَانَ قَدْ تَأَهَّبَ لِسَفَرِهِ وَأَخَذَ فِي أَسْبَاب الْحَرَكَة فَلَا شَيْء عَلَيْهِ , وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ أَصْبَغ وَابْن الْمَاجِشُونِ , فَإِنْ عَاقَهُ عَنْ السَّفَر عَائِق كَانَ عَلَيْهِ الْكَفَّارَة , وَحَسْبه أَنْ يَنْجُو إِنْ سَافَرَ , وَرَوَى عِيسَى عَنْ اِبْن الْقَاسِم أَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا قَضَاء يَوْم ; لِأَنَّهُ مُتَأَوَّل فِي فِطْره , وَقَالَ أَشْهَب : لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْء مِنْ الْكَفَّارَة سَافَرَ أَوْ لَمْ يُسَافِر , وَقَالَ سَحْنُون : عَلَيْهِ الْكَفَّارَة سَافَرَ أَوْ لَمْ يُسَافِر , وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمَرْأَة تَقُول : غَدًا تَأْتِينِي حَيْضَتِي , فَتُفْطِر لِذَلِكَ , ثُمَّ رَجَعَ إِلَى قَوْل عَبْد الْمَلِك وَأَصْبَغ وَقَالَ : لَيْسَ مِثْل الْمَرْأَة ; لِأَنَّ الرَّجُل يُحْدِث السَّفَر إِذَا شَاءَ , وَالْمَرْأَة لَا تُحْدِث الْحَيْضَة .

قُلْت : قَوْل اِبْن الْقَاسِم وَأَشْهَب فِي نَفْي الْكَفَّارَة حَسَن ; لِأَنَّهُ فِعْل مَا يَجُوز لَهُ فِعْله , وَالذِّمَّة بَرِيئَة , فَلَا يَثْبُت فِيهَا شَيْء إِلَّا بِيَقِينٍ وَلَا يَقِين مَعَ الِاخْتِلَاف , ثُمَّ إِنَّهُ مُقْتَضَى قَوْله تَعَالَى : | أَوْ عَلَى سَفَر | , وَقَالَ أَبُو عُمَر : هَذَا أَصَحّ أَقَاوِيلهمْ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة , لِأَنَّهُ غَيْر مُنْتَهِك لِحُرْمَةِ الصَّوْم بِقَصْدٍ إِلَى ذَلِكَ وَإِنَّمَا هُوَ مُتَأَوِّل , وَلَوْ كَانَ الْأَكْل مَعَ نِيَّة السَّفَر يُوجِب عَلَيْهِ الْكَفَّارَة لِأَنَّهُ كَانَ قَبْل خُرُوجه مَا أَسْقَطَهَا عَنْهُ خُرُوجه , فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ تَجِدهُ كَذَلِكَ , إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى , وَقَدْ رَوَى الدَّارَقُطْنِيّ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْر النَّيْسَابُورِيّ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل بْن إِسْحَاق بْن سَهْل بِمِصْر قَالَ حَدَّثَنَا اِبْن أَبِي مَرْيَم حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن جَعْفَر أَخْبَرَنِي زَيْد بْن أَسْلَم قَالَ : أَخْبَرَنِي مُحَمَّد بْن الْمُنْكَدِر عَنْ مُحَمَّد بْن كَعْب أَنَّهُ قَالَ : أَتَيْت أَنَس بْن مَالِك فِي رَمَضَان وَهُوَ يُرِيد السَّفَر وَقَدْ رَحَلَتْ دَابَّته وَلَبِسَ ثِيَاب السَّفَر وَقَدْ تَقَارَبَ غُرُوب الشَّمْس , فَدَعَا بِطَعَامٍ فَأَكَلَ مِنْهُ ثُمَّ رَكِبَ , فَقُلْت لَهُ : سُنَّة ؟ قَالَ نَعَمْ , وَرُوِيَ عَنْ أَنَس أَيْضًا قَالَ : قَالَ لِي أَبُو مُوسَى : أَلَمْ أُنْبِئَنك إِذَا خَرَجْت خَرَجْت صَائِمًا , وَإِذَا دَخَلْت دَخَلْت صَائِمًا , فَإِذَا خَرَجْت فَاخْرُجْ مُفْطِرًا , وَإِذَا دَخَلْت فَادْخُلْ مُفْطِرًا . وَقَالَ الْحَسَن الْبَصْرِيّ : يُفْطِر إِنْ شَاءَ فِي بَيْته يَوْم يُرِيد أَنْ يَخْرُج .|وَقَالَ أَحْمَد : يُفْطِر إِذَا بَرَزَ عَنْ الْبُيُوت . وَقَالَ إِسْحَاق : لَا , بَلْ حِين يَضَع رِجْله فِي الرَّحْل . قَالَ اِبْن الْمُنْذِر : قَوْل أَحْمَد صَحِيح ; لِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ لِمَنْ أَصْبَحَ صَحِيحًا ثُمَّ اِعْتَلَّ : إِنَّهُ يُفْطِر بَقِيَّة يَوْمه , وَكَذَلِكَ إِذَا أَصْبَحَ فِي الْحَضَر ثُمَّ خَرَجَ إِلَى السَّفَر فَلَهُ كَذَلِكَ أَنْ يُفْطِر , وَقَالَتْ طَائِفَة : لَا يُفْطِر يَوْمه ذَلِكَ وَإِنْ نَهَضَ فِي سَفَره , كَذَلِكَ قَالَ الزُّهْرِيّ وَمَكْحُول وَيَحْيَى الْأَنْصَارِيّ وَمَالِك وَالْأَوْزَاعِيّ وَالشَّافِعِيّ وَأَبُو ثَوْر وَأَصْحَاب الرَّأْي , وَاخْتَلَفُوا إِنْ فَعَلَ , فَكُلّهمْ قَالَ يَقْضِي وَلَا يُكَفِّر . قَالَ مَالِك : لِأَنَّ السَّفَر عُذْر طَارِئ , فَكَانَ كَالْمَرَضِ يَطْرَأ عَلَيْهِ . وَرُوِيَ عَنْ بَعْض أَصْحَاب مَالِك أَنَّهُ يَقْضِي وَيُكَفِّر , وَهُوَ قَوْل اِبْن كِنَانَة وَالْمَخْزُومِيّ , وَحَكَاهُ الْبَاجِيّ عَنْ الشَّافِعِيّ , وَاخْتَارَهُ اِبْن الْعَرَبِيّ وَقَالَ بِهِ , قَالَ : لِأَنَّ السَّفَر عُذْر طَرَأَ بَعْد لُزُوم الْعِبَادَة وَيُخَالِف الْمَرَض وَالْحَيْض ; لِأَنَّ الْمَرَض يُبِيح لَهُ الْفِطْر , وَالْحَيْض يُحَرِّم عَلَيْهَا الصَّوْم , وَالسَّفَر لَا يُبِيح لَهُ ذَلِكَ فَوَجَبَتْ عَلَيْهِ الْكَفَّارَة لِهَتْكِ حُرْمَته . قَالَ أَبُو عُمَر : وَلَيْسَ هَذَا بِشَيْءٍ ; لِأَنَّ اللَّه سُبْحَانه قَدْ أَبَاحَ لَهُ الْفِطْر فِي الْكِتَاب وَالسُّنَّة . وَأَمَّا قَوْلهمْ | لَا يُفْطِر | فَإِنَّمَا ذَلِكَ اِسْتِحْبَاب لِمَا عَقَدَهُ فَإِنْ أَخَذَ بِرُخْصَةِ اللَّه كَانَ عَلَيْهِ الْقَضَاء , وَأَمَّا الْكَفَّارَة فَلَا وَجْه لَهَا , وَمَنْ أَوْجَبَهَا فَقَدْ أَوْجَبَ مَا لَمْ يُوجِبهُ اللَّه وَلَا رَسُوله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَقَدْ رُوِيَ عَنْ اِبْن عُمَر فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة : ( يُفْطِر إِنْ شَاءَ فِي يَوْمه ذَلِكَ إِذَا خَرَجَ مُسَافِرًا ) وَهُوَ قَوْل الشَّعْبِيّ وَأَحْمَد وَإِسْحَاق .

قُلْت : وَقَدْ تَرْجَمَ الْبُخَارِيّ رَحِمَهُ اللَّه عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَة [ بَاب مَنْ أَفْطَرَ فِي السَّفَر لِيَرَاهُ النَّاس ] وَسَاقَ الْحَدِيث عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : ( خَرَجَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْمَدِينَة إِلَى مَكَّة فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ عُسْفَان , ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ فَرَفَعَهُ إِلَى يَدَيْهِ لِيُرِيَهُ النَّاس فَأَفْطَرَ حَتَّى قَدِمَ مَكَّة وَذَلِكَ فِي رَمَضَان . وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم أَيْضًا عَنْ اِبْن عَبَّاس وَقَالَ فِيهِ : ثُمَّ دَعَا بِإِنَاءٍ فِيهِ شَرَاب شَرِبَهُ نَهَارًا لِيَرَاهُ النَّاس ثُمَّ أَفْطَرَ حَتَّى دَخَلَ مَكَّة ) , وَهَذَا نَصّ فِي الْبَاب فَسَقَطَ مَا خَالَفَهُ , وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيق , وَفِيهِ أَيْضًا حُجَّة عَلَى مَنْ يَقُول : إِنَّ الصَّوْم لَا يَنْعَقِد فِي السَّفَر . رُوِيَ عَنْ عُمَر وَابْن عَبَّاس وَأَبِي هُرَيْرَة وَابْن عُمَر . قَالَ اِبْن عُمَر : ( مَنْ صَامَ فِي السَّفَر قَضَى فِي الْحَضَر ) وَعَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف : ( الصَّائِم فِي السَّفَر كَالْمُفْطِرِ فِي الْحَضَر ) وَقَالَ بِهِ قَوْم مِنْ أَهْل الظَّاهِر , وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى : | فَعِدَّة مِنْ أَيَّام أُخَر | عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانه , وَبِمَا رَوَى كَعْب بْن عَاصِم قَالَ : سَمِعْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : ( لَيْسَ مِنْ الْبِرّ الصِّيَام فِي السَّفَر ) , وَفِيهِ أَيْضًا حُجَّة عَلَى مَنْ يَقُول : إِنَّ مَنْ بَيَّتَ الصَّوْم فِي السَّفَر فَلَهُ أَنْ يُفْطِر وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عُذْر , وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مُطَرِّف , وَهُوَ أَحَد قَوْلَيْ الشَّافِعِيّ وَعَلَيْهِ جَمَاعَة مِنْ أَهْل الْحَدِيث , وَكَانَ مَالِك يُوجِب عَلَيْهِ الْقَضَاء وَالْكَفَّارَة لِأَنَّهُ كَانَ مُخَيَّرًا فِي الصَّوْم وَالْفِطْر , فَلَمَّا اِخْتَارَ الصَّوْم وَبَيَّتَهُ لَزِمَهُ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ الْفِطْر , فَإِنْ أَفْطَرَ عَامِدًا مِنْ غَيْر عُذْر كَانَ عَلَيْهِ الْقَضَاء وَالْكَفَّارَة , وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ لَا كَفَّارَة عَلَيْهِ , وَهُوَ قَوْل أَكْثَر أَصْحَابه إِلَّا عَبْد الْمَلِك فَإِنَّهُ قَالَ : إِنْ أَفْطَرَ بِجِمَاعٍ كَفَرَ ; لِأَنَّهُ لَا يَقْوَى بِذَلِكَ عَلَى سَفَره وَلَا عُذْر لَهُ , لِأَنَّ الْمُسَافِر إِنَّمَا أُبِيحَ لَهُ الْفِطْر لِيَقْوَى بِذَلِكَ عَلَى سَفَره . وَقَالَ سَائِر الْفُقَهَاء بِالْعِرَاقِ وَالْحِجَاز : إِنَّهُ لَا كَفَّارَة عَلَيْهِ , مِنْهُمْ الثَّوْرِيّ وَالْأَوْزَاعِيّ وَالشَّافِعِيّ وَأَبُو حَنِيفَة وَسَائِر فُقَهَاء الْكُوفَة , قَالَهُ أَبُو عُمَر .

وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي الْأَفْضَل مِنْ الْفِطْر أَوْ الصَّوْم فِي السَّفَر , فَقَالَ مَالِك وَالشَّافِعِيّ فِي بَعْض مَا رُوِيَ عَنْهُمَا : الصَّوْم أَفْضَل لِمَنْ قَوِيَ عَلَيْهِ , وَجُلّ مَذْهَب مَالِك التَّخْيِير وَكَذَلِكَ مَذْهَب الشَّافِعِيّ . قَالَ الشَّافِعِيّ وَمَنْ اِتَّبَعَهُ : هُوَ مُخَيَّر , وَلَمْ يُفَصِّل , وَكَذَلِكَ اِبْن عُلَيَّة , لِحَدِيثِ أَنَس قَالَ : ( سَافَرْنَا مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رَمَضَان فَلَمْ يَعِبْ الصَّائِم عَلَى الْمُفْطِر وَلَا الْمُفْطِر عَلَى الصَّائِم ) خَرَّجَهُ مَالِك وَالْبُخَارِيّ وَمُسْلِم , وَرُوِيَ عَنْ عُثْمَان بْن أَبِي الْعَاص الثَّقَفِيّ وَأَنَس بْن مَالِك صَاحِبَيْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُمَا قَالَا : ( الصَّوْم فِي السَّفَر أَفْضَل لِمَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ ) وَهُوَ قَوْل أَبِي حَنِيفَة وَأَصْحَابه , وَرُوِيَ عَنْ اِبْن عُمَر , وَابْن عَبَّاس : الرُّخْصَة أَفْضَل , وَقَالَ بِهِ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب وَالشَّعْبِيّ وَعُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز وَمُجَاهِد وَقَتَادَة وَالْأَوْزَاعِيّ وَأَحْمَد وَإِسْحَاق , كُلّ هَؤُلَاءِ يَقُولُونَ الْفِطْر أَفْضَل ; لِقَوْلِ اللَّه تَعَالَى : | يُرِيد اللَّه بِكُمْ الْيُسْر وَلَا يُرِيد بِكُمْ الْعُسْر | [ الْبَقَرَة : 185 ]|فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ|فِي الْكَلَام حَذْف , أَيْ مَنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ مُسَافِرًا فَأَفْطَرَ فَلْيَقْضِ , وَالْجُمْهُور مِنْ الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّ أَهْل الْبَلَد إِذَا صَامُوا تِسْعَة وَعِشْرِينَ يَوْمًا وَفِي الْبَلَد رَجُل مَرِيض لَمْ يَصِحّ فَإِنَّهُ يَقْضِي تِسْعَة وَعِشْرِينَ يَوْمًا , وَقَالَ قَوْم مِنْهُمْ الْحَسَن بْن صَالِح بْن حَيّ : إِنَّهُ يَقْضِي شَهْرًا بِشَهْرٍ مِنْ غَيْر مُرَاعَاة عَدَد الْأَيَّام . قَالَ إِلْكِيَا الطَّبَرِيّ : وَهَذَا بَعِيد ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى : | فَعِدَّة مِنْ أَيَّام أُخَر | وَلَمْ يَقُلْ فَشَهْر مِنْ أَيَّام أُخَر , وَقَوْله : | فَعِدَّة | يَقْتَضِي اِسْتِيفَاء عَدَد مَا أَفْطَرَ فِيهِ , وَلَا شَكّ أَنَّهُ لَوْ أَفْطَرَ بَعْض رَمَضَان وَجَبَ قَضَاء مَا أَفْطَرَ بَعْده بِعَدَدِهِ , كَذَلِكَ يَجِب أَنْ يَكُون حُكْم إِفْطَاره جَمِيعه فِي اِعْتِبَار عَدَده .

| فَعِدَّة | اِرْتَفَعَ | عِدَّة | عَلَى خَبَر الِابْتِدَاء , تَقْدِيره فَالْحُكْم أَوْ فَالْوَاجِب عِدَّة , وَيَصِحّ فَعَلَيْهِ عِدَّة , وَقَالَ الْكِسَائِيّ : وَيَجُوز فَعِدَّة , أَيْ فَلْيَصُمْ عِدَّة مِنْ أَيَّام , وَقِيلَ : الْمَعْنَى فَعَلَيْهِ صِيَام عِدَّة , فَحُذِفَ الْمُضَاف وَأُقِيمَتْ الْعِدَّة مَقَامه . وَالْعِدَّة فِعْلَة مِنْ الْعَدّ , وَهِيَ بِمَعْنَى الْمَعْدُود , كَالطَّحْنِ بِمَعْنَى الْمَطْحُون , تَقُول : أَسْمَع جَعْجَعَة وَلَا أَرَى طَحْنًا , وَمِنْهُ عِدَّة الْمَرْأَة . | مِنْ أَيَّام أُخَر | لَمْ يَنْصَرِف | أُخَر | عِنْد سِيبَوَيْهِ لِأَنَّهَا مَعْدُولَة عَنْ الْأَلِف وَاللَّام ; لِأَنَّ سَبِيل فُعَل مِنْ هَذَا الْبَاب أَنْ يَأْتِي بِالْأَلِفِ وَاللَّام , نَحْو الْكُبَر وَالْفُضَل , وَقَالَ الْكِسَائِيّ : هِيَ مَعْدُولَة عَنْ آخِر , كَمَا تَقُول : حَمْرَاء وَحُمَر , فَلِذَلِكَ لَمْ تَنْصَرِف . وَقِيلَ : مُنِعَتْ مِنْ الصَّرْف لِأَنَّهَا عَلَى وَزْن جُمَع وَهِيَ صِفَة لِأَيَّامٍ , وَلَمْ يَجِئْ أُخْرَى لِئَلَّا يَشْكُل بِأَنَّهَا صِفَة لِلْعِدَّةِ , وَقِيلَ : إِنَّ | أُخَر | جَمْع أُخْرَى كَأَنَّهُ أَيَّام أُخْرَى ثُمَّ كُثِّرَتْ فَقِيلَ : أَيَّام أُخَر , وَقِيلَ : إِنَّ نَعْت الْأَيَّام يَكُون مُؤَنَّثًا فَلِذَلِكَ نُعِتَتْ بِأُخَر .

اِخْتَلَفَ النَّاس فِي وُجُوب تَتَابُعهَا عَلَى قَوْلَيْنِ ذَكَرَهُمَا الدَّارَقُطْنِيّ فِي | سُنَنه | , فَرُوِيَ عَنْ عَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا قَالَتْ : نَزَلَتْ | فَعِدَّة مِنْ أَيَّام أُخَر مُتَتَابِعَات | فَسَقَطَتْ | مُتَتَابِعَات | قَالَ هَذَا إِسْنَاد صَحِيح , وَرُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ كَانَ عَلَيْهِ صَوْم مِنْ رَمَضَان فَلْيَسْرُدْهُ وَلَا يَقْطَعهُ ) فِي إِسْنَاده عَبْد الرَّحْمَن بْن إِبْرَاهِيم ضَعِيف الْحَدِيث , وَأَسْنَدَهُ عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي قَضَاء رَمَضَان | صُمْهُ كَيْف شِئْت | , وَقَالَ اِبْن عُمَر : | صُمْهُ كَمَا أَفْطَرْته | , وَأُسْنِدَ عَنْ أَبِي عُبَيْدَة بْن الْجَرَّاح وَابْن عَبَّاس وَأَبِي هُرَيْرَة وَمُعَاذ بْن جَبَل وَعَمْرو بْن الْعَاص , وَعَنْ مُحَمَّد بْن الْمُنْكَدِر قَالَ : بَلَغَنِي أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنْ تَقْطِيع صِيَام رَمَضَان فَقَالَ : ( ذَلِكَ إِلَيْك أَرَأَيْت لَوْ كَانَ عَلَى أَحَدكُمْ دَيْن فَقَضَى الدِّرْهَم وَالدِّرْهَمَيْنِ أَلَمْ يَكُنْ قَضَاهُ فَاَللَّه أَحَقّ أَنْ يَعْفُو وَيَغْفِر ) . إِسْنَاده حَسَن إِلَّا أَنَّهُ مُرْسَل وَلَا يَثْبُت مُتَّصِلًا , وَفِي مُوَطَّأ مَالِك عَنْ نَافِع أَنَّ عَبْد اللَّه بْن عُمَر كَانَ يَقُول : يَصُوم رَمَضَان مُتَتَابِعًا مَنْ أَفْطَرَهُ مُتَتَابِعًا مِنْ مَرَض أَوْ فِي سَفَر . قَالَ الْبَاجِيّ فِي | الْمُنْتَقَى | : يُحْتَمَل أَنْ يُرِيد الْإِخْبَار عَنْ الْوُجُوب , وَيُحْتَمَل أَنْ يُرِيد الْإِخْبَار عَنْ الِاسْتِحْبَاب , وَعَلَى الِاسْتِحْبَاب جُمْهُور الْفُقَهَاء , وَإِنْ فَرَّقَهُ أَجْزَأَهُ , وَبِذَلِكَ قَالَ مَالِك وَالشَّافِعِيّ , وَالدَّلِيل عَلَى صِحَّة هَذَا قَوْله تَعَالَى : | فَعِدَّة مِنْ أَيَّام أُخَر | وَلَمْ يَخُصّ مُتَفَرِّقَة مِنْ مُتَتَابِعَة , وَإِذَا أَتَى بِهَا مُتَفَرِّقَة فَقَدْ صَامَ عِدَّة مِنْ أَيَّام أُخَر , فَوَجَبَ أَنْ يَجْزِيه | . اِبْن الْعَرَبِيّ : إِنَّمَا وَجَبَ التَّتَابُع فِي الشَّهْر لِكَوْنِهِ مُعَيَّنًا , وَقَدْ عُدِمَ التَّعْيِين فِي الْقَضَاء فَجَازَ التَّفْرِيق .

لَمَّا قَالَ تَعَالَى : | فَعِدَّة مِنْ أَيَّام أُخَر | دَلَّ ذَلِكَ عَلَى وُجُوب الْقَضَاء مِنْ غَيْر تَعْيِين لِزَمَانٍ ; لِأَنَّ اللَّفْظ مُسْتَرْسِل عَلَى الْأَزْمَان لَا يَخْتَصّ بِبَعْضِهَا دُون بَعْض , وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا قَالَتْ : يَكُون عَلَيَّ الصَّوْم مِنْ رَمَضَان فَمَا أَسْتَطِيع أَنْ أَقْضِيه إِلَّا فِي شَعْبَان , الشُّغْل مِنْ رَسُول اللَّه , أَوْ بِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . فِي رِوَايَة : وَذَلِكَ لِمَكَانِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَهَذَا نَصّ وَزِيَادَة بَيَان لِلْآيَةِ , وَذَلِكَ يَرُدّ عَلَى دَاوُد قَوْله : إِنَّهُ يَجِب عَلَيْهِ قَضَاؤُهُ ثَانِي شَوَّال , وَمَنْ لَمْ يَصُمْهُ ثُمَّ مَاتَ فَهُوَ آثِم عِنْده , وَبَنَى عَلَيْهِ أَنَّهُ لَوْ وَجَبَ عَلَيْهِ عِتْق رَقَبَة فَوَجَدَ رَقَبَة تُبَاع بِثَمَنٍ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَعَدَّاهَا وَيَشْتَرِي غَيْرهَا ; لِأَنَّ الْفَرْض عَلَيْهِ أَنْ يُعْتِق أَوَّل رَقَبَة يَجِدهَا فَلَا يَجْزِيه غَيْرهَا , وَلَوْ كَانَتْ عِنْده رَقَبَة فَلَا يَجُوز لَهُ أَنْ يَشْتَرِي غَيْرهَا , وَلَوْ مَاتَ الَّذِي عِنْده فَلَا يَبْطُل الْعِتْق , كَمَا يَبْطُل فِيمَنْ نَذَرَ أَنْ يُعْتِق رَقَبَة بِعَيْنِهَا فَمَاتَتْ يَبْطُل نَذْره , وَذَلِكَ يُفْسِد قَوْله . وَقَالَ بَعْض الْأُصُولِيِّينَ : إِذَا مَاتَ بَعْد مُضِيّ الْيَوْم الثَّانِي مِنْ شَوَّال لَا يَعْصِي عَلَى شَرْط الْعَزْم , وَالصَّحِيح أَنَّهُ غَيْر آثِم وَلَا مُفَرِّط , وَهُوَ قَوْل الْجُمْهُور , غَيْر أَنَّهُ يُسْتَحَبّ لَهُ تَعْجِيل الْقَضَاء لِئَلَّا تُدْرِكهُ الْمَنِيَّة فَيَبْقَى عَلَيْهِ الْفَرْض .

مَنْ كَانَ عَلَيْهِ قَضَاء أَيَّام مِنْ رَمَضَان فَمَضَتْ عَلَيْهِ عِدَّتهَا مِنْ الْأَيَّام بَعْد الْفِطْر أَمْكَنَهُ فِيهَا صِيَامه فَأَخَّرَ ذَلِكَ ثُمَّ جَاءَهُ مَانِع مَنَعَهُ مِنْ الْقَضَاء إِلَى رَمَضَان آخَر فَلَا إِطْعَام عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُفَرِّطٍ حِين فَعَلَ مَا يَجُوز لَهُ مِنْ التَّأْخِير . هَذَا قَوْل الْبَغْدَادِيِّينَ مِنْ الْمَالِكِيِّينَ , وَيَرَوْنَهُ قَوْل اِبْن الْقَاسِم فِي الْمُدَوَّنَة .

فَإِنْ أَخَّرَ قَضَاءَهُ عَنْ شَعْبَان الَّذِي هُوَ غَايَة الزَّمَان الَّذِي يُقْضَى فِيهِ رَمَضَان فَهَلْ يَلْزَمهُ لِذَلِكَ كَفَّارَة أَوْ لَا , فَقَالَ مَالِك وَالشَّافِعِيّ وَأَحْمَد وَإِسْحَاق : نَعَمْ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة وَالْحَسَن وَالنَّخَعِيّ وَدَاوُد : لَا .

قُلْت : وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الْبُخَارِيّ لِقَوْلِهِ , وَيُذْكَر عَنْ أَبِي هُرَيْرَة مُرْسَلًا وَابْن عَبَّاس أَنَّهُ يُطْعِم , وَلَمْ يَذْكُر اللَّه الْإِطْعَام , إِنَّمَا قَالَ : | فَعِدَّة مِنْ أَيَّام أُخَر | .

قُلْت : قَدْ جَاءَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة مُسْنَدًا فِيمَنْ فَرَّطَ فِي قَضَاء رَمَضَان حَتَّى أَدْرَكَهُ رَمَضَان آخَر قَالَ : ( يَصُوم هَذَا مَعَ النَّاس , وَيَصُوم الَّذِي فَرَّطَ فِيهِ وَيُطْعِم لِكُلِّ يَوْم مِسْكِينًا ) خَرَّجَهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَقَالَ : إِسْنَاد صَحِيح . وَرُوِيَ عَنْهُ مَرْفُوعًا إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رَجُل أَفْطَرَ فِي شَهْر رَمَضَان مِنْ مَرَض ثُمَّ صَحَّ وَلَمْ يَصُمْ حَتَّى أَدْرَكَهُ رَمَضَان آخَر قَالَ : ( يَصُوم الَّذِي أَدْرَكَهُ ثُمَّ يَصُوم الشَّهْر الَّذِي أَفْطَرَ فِيهِ وَيُطْعِم لِكُلِّ يَوْم مِسْكِينًا ) . فِي إِسْنَاده اِبْن نَافِع وَابْن وَجِيه ضَعِيفَانِ .

فَإِنْ تَمَادَى بِهِ الْمَرَض فَلَمْ يَصِحّ حَتَّى جَاءَ رَمَضَان آخَر , فَرَوَى الدَّارَقُطْنِيّ عَنْ اِبْن عُمَر ( أَنَّهُ يُطْعِم مَكَان كُلّ يَوْم مِسْكِينًا مُدًّا مِنْ حِنْطَة , ثُمَّ لَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاء ) وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَة أَنَّهُ قَالَ : ( إِذَا لَمْ يَصِحّ بَيْن الرَّمَضَانَيْنِ صَامَ عَنْ هَذَا وَأَطْعَمَ عَنْ الثَّانِي وَلَا قَضَاء عَلَيْهِ , وَإِذَا صَحَّ فَلَمْ يَصُمْ حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ رَمَضَان آخَر صَامَ عَنْ هَذَا وَأَطْعَمَ عَنْ الْمَاضِي , فَإِذَا أَفْطَرَ قَضَاهُ ) إِسْنَاد صَحِيح . قَالَ عُلَمَاؤُنَا : وَأَقْوَال الصَّحَابَة عَلَى خِلَاف الْقِيَاس قَدْ يُحْتَجّ بِهَا , وَرُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَيْهِ فَقَالَ : مَرِضْت رَمَضَانَيْنِ ؟ فَقَالَ لَهُ اِبْن عَبَّاس : ( اِسْتَمَرَّ بِك مَرَضك , أَوْ صَحَحْت بَيْنهمَا ؟ ) فَقَالَ : بَلْ صَحَحْت , قَالَ : ( صُمْ رَمَضَانَيْنِ وَأَطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا ) وَهَذَا بَدَل مِنْ قَوْله : إِنَّهُ لَوْ تَمَادَى بِهِ مَرَضه لَا قَضَاء عَلَيْهِ . وَهَذَا يُشْبِه مَذْهَبهمْ فِي الْحَامِل وَالْمُرْضِع أَنَّهُمَا يُطْعِمَانِ وَلَا قَضَاء عَلَيْهِمَا , عَلَى مَا يَأْتِي .

وَاخْتَلَفَ مَنْ أَوْجَبَ عَلَيْهِ الْإِطْعَام فِي قَدْر مَا يَجِب أَنْ يُطْعِم , فَكَانَ أَبُو هُرَيْرَة وَالْقَاسِم بْن مُحَمَّد وَمَالك وَالشَّافِعِيّ يَقُولُونَ : يُطْعِم عَنْ كُلّ يَوْم مُدًّا . وَقَالَ الثَّوْرِيّ : يُطْعِم نِصْف صَاع عَنْ كُلّ يَوْم .

وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ أَفْطَرَ أَوْ جَامَعَ فِي قَضَاء رَمَضَان مَاذَا يَجِب عَلَيْهِ , فَقَالَ مَالِك : مَنْ أَفْطَرَ يَوْمًا مِنْ قَضَاء رَمَضَان نَاسِيًا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْء غَيْر قَضَائِهِ , وَيُسْتَحَبّ لَهُ أَنْ يَتَمَادَى فِيهِ لِلِاخْتِلَافِ ثُمَّ يَقْضِيه , وَلَوْ أَفْطَرَهُ عَامِدًا أَثِمَ وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ غَيْر قَضَاء ذَلِكَ الْيَوْم وَلَا يَتَمَادَى ; لِأَنَّهُ لَا مَعْنَى لِكَفِّهِ عَمَّا يَكُفّ الصَّائِم هَاهُنَا إِذْ هُوَ غَيْر صَائِم عِنْد جَمَاعَة الْعُلَمَاء لِإِفْطَارِهِ عَامِدًا , وَأَمَّا الْكَفَّارَة فَلَا خِلَاف عِنْد مَالِك وَأَصْحَابه أَنَّهَا لَا تَجِب فِي ذَلِكَ , وَهُوَ قَوْل جُمْهُور الْعُلَمَاء . قَالَ مَالِك : لَيْسَ عَلَى مَنْ أَفْطَرَ يَوْمًا مِنْ قَضَاء رَمَضَان بِإِصَابَةِ أَهْله أَوْ غَيْر ذَلِكَ كَفَّارَة , وَإِنَّمَا عَلَيْهِ قَضَاء ذَلِكَ الْيَوْم . وَقَالَ قَتَادَة : عَلَى مَنْ جَامَعَ فِي قَضَاء رَمَضَان الْقَضَاء وَالْكَفَّارَة . وَرَوَى اِبْن الْقَاسِم عَنْ مَالِك أَنَّ مَنْ أَفْطَرَ فِي قَضَاء رَمَضَان فَعَلَيْهِ يَوْمَانِ , وَكَانَ اِبْن الْقَاسِم يُفْتِي بِهِ ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ ثُمَّ قَالَ : إِنْ أَفْطَرَ عَمْدًا فِي قَضَاء الْقَضَاء كَانَ عَلَيْهِ مَكَانه صِيَام يَوْمَيْنِ , كَمَنْ أَفْسَدَ حَجّه بِإِصَابَةِ أَهْله , وَحَجَّ قَابِلًا فَأَفْسَدَ حَجّه أَيْضًا بِإِصَابَةِ أَهْله كَانَ عَلَيْهِ حَجَّتَانِ . قَالَ أَبُو عُمَر : قَدْ خَالَفَهُ فِي الْحَجّ اِبْن وَهْب وَعَبْد الْمَلِك , وَلَيْسَ يَجِب الْقِيَاس عَلَى أَصْل مُخْتَلَف فِيهِ , وَالصَّوَاب عِنْدِي - وَاَللَّه أَعْلَم - أَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ فِي الْوَجْهَيْنِ إِلَّا قَضَاء يَوْم وَاحِد ; لِأَنَّهُ يَوْم وَاحِد أَفْسَدَهُ مَرَّتَيْنِ .

قُلْت : وَهُوَ مُقْتَضَى قَوْله تَعَالَى : | فَعِدَّة مِنْ أَيَّام أُخَر | فَمَتَى أَتَى بِيَوْمٍ تَامّ بَدَلًا عَمَّا أَفْطَرَهُ فِي قَضَاء رَمَضَان فَقَدْ أَتَى بِالْوَاجِبِ عَلَيْهِ , وَلَا يَجِب عَلَيْهِ غَيْر ذَلِكَ , وَاَللَّه أَعْلَم .

وَالْجُمْهُور عَلَى أَنَّ مَنْ أَفْطَرَ فِي رَمَضَان لِعِلَّةٍ فَمَاتَ مِنْ عِلَّتِهِ تِلْكَ , أَوْ سَافَرَ فَمَاتَ فِي سَفَره ذَلِكَ أَنَّهُ لَا شَيْء عَلَيْهِ , وَقَالَ طَاوُس وَقَتَادَة فِي الْمَرِيض يَمُوت قَبْل أَنْ يَصِحّ : يُطْعَم عَنْهُ .

وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صَوْم مِنْ رَمَضَان لَمْ يَقْضِهِ , فَقَالَ مَالِك وَالشَّافِعِيّ وَالثَّوْرِيّ : لَا يَصُوم أَحَد عَنْ أَحَد , وَقَالَ أَحْمَد وَإِسْحَاق وَأَبُو ثَوْر وَاللَّيْث وَأَبُو عُبَيْد وَأَهْل الظَّاهِر : يُصَام عَنْهُ , إِلَّا أَنَّهُمْ خَصَّصُوهُ بِالنَّذْرِ , وَرُوِيَ مِثْله عَنْ الشَّافِعِيّ , وَقَالَ أَحْمَد وَإِسْحَاق فِي قَضَاء رَمَضَان : يُطْعَم عَنْهُ . اِحْتَجَّ مَنْ قَالَ بِالصَّوْمِ بِمَا رَوَاهُ مُسْلِم عَنْ عَائِشَة أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَام صَامَ عَنْهُ وَلِيّه ) . إِلَّا أَنَّ هَذَا عَامّ فِي الصَّوْم , يُخَصِّصهُ مَا رَوَاهُ مُسْلِم أَيْضًا عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : جَاءَتْ اِمْرَأَة إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ : يَا رَسُول اللَّه , إِنَّ أُمِّي قَدْ مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْم نَذْر - وَفِي رِوَايَة صَوْم شَهْر - أَفَأَصُوم عَنْهَا ؟ قَالَ : ( أَرَأَيْت لَوْ كَانَ عَلَى أُمّك دَيْن فَقَضَيْتِيهِ أَكَانَ يُؤَدِّي ذَلِكَ عَنْهَا ) قَالَتْ : نَعَمْ , قَالَ : ( فَصُومِي عَنْ أُمّك ) . اِحْتَجَّ مَالِك وَمَنْ وَافَقَهُ بِقَوْلِهِ سُبْحَانه : | وَلَا تَزِر وَازِرَة وِزْر أُخْرَى | [ الْأَنْعَام : 164 ] وَقَوْله : | وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى | [ النَّجْم : 39 ] وَقَوْله : | وَلَا تَكْسِب كُلّ نَفْس إِلَّا عَلَيْهَا | [ الْأَنْعَام : 164 ] وَبِمَا خَرَّجَهُ النَّسَائِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : ( لَا يُصَلِّي أَحَد عَنْ أَحَد وَلَا يَصُوم أَحَد عَنْ أَحَد وَلَكِنْ يُطْعِم عَنْهُ مَكَان يَوْم مُدًّا مِنْ حِنْطَة ) .

قُلْت : وَهَذَا الْحَدِيث عَامّ , فَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِقَوْلِهِ : ( لَا يَصُوم أَحَد عَنْ أَحَد ) صَوْم رَمَضَان , فَأَمَّا صَوْم النَّذْر فَيَجُوز , بِدَلِيلِ حَدِيث اِبْن عَبَّاس وَغَيْره , فَقَدْ جَاءَ فِي صَحِيح مُسْلِم أَيْضًا مِنْ حَدِيث بُرَيْدَة نَحْو حَدِيث اِبْن عَبَّاس , وَفِي بَعْض طُرُقه : صَوْم شَهْرَيْنِ أَفَأَصُوم عَنْهَا ؟ قَالَ : ( صُومِي عَنْهَا ) قَالَتْ : إِنَّهَا لَمْ تَحُجّ قَطُّ أَفَأَحُجُّ عَنْهَا ؟ قَالَ : ( حُجِّي عَنْهَا ) , فَقَوْلهَا : شَهْرَيْنِ , يَبْعُد أَنْ يَكُون رَمَضَان , وَاَللَّه أَعْلَم , وَأَقْوَى مَا يُحْتَجّ بِهِ لِمَالِك أَنَّهُ عَمَل أَهْل الْمَدِينَة , وَيَعْضُدهُ الْقِيَاس الْجَلِيّ , وَهُوَ أَنَّهُ عِبَادَة بَدَنِيَّة لَا مَدْخَل لِلْمَالِ فِيهَا فَلَا تُفْعَل عَمَّنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ كَالصَّلَاةِ . وَلَا يُنْقَض هَذَا بِالْحَجِّ لِأَنَّ لِلْمَالِ فِيهِ مَدْخَلًا .

اِسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الْآيَة مَنْ قَالَ : إِنَّ الصَّوْم لَا يَنْعَقِد فِي السَّفَر وَعَلَيْهِ الْقَضَاء أَبَدًا , فَإِنَّ اللَّه تَعَالَى يَقُول : | فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَر فَعِدَّة مِنْ أَيَّام أُخَر | أَيْ فَعَلَيْهِ عِدَّة , وَلَا حَذْف فِي الْكَلَام وَلَا إِضْمَار وَبِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام : ( لَيْسَ مِنْ الْبِرّ الصِّيَام فِي السَّفَر )

قَالَ : مَا لَمْ يَكُنْ مِنْ الْبِرّ فَهُوَ مِنْ الْإِثْم , فَيَدُلّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ صَوْم رَمَضَان لَا يَجُوز فِي السَّفَر ] , وَالْجُمْهُور يَقُولُونَ : فِيهِ مَحْذُوف فَأَفْطَرَ , كَمَا تَقَدَّمَ . وَهُوَ الصَّحِيح , لِحَدِيثِ أَنَس قَالَ : ( سَافَرْنَا مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رَمَضَان فَلَمْ يَعِبْ الصَّائِم عَلَى الْمُفْطِر وَلَا الْمُفْطِر عَلَى الصَّائِم ) رَوَاهُ مَالِك عَنْ حُمَيْد الطَّوِيل عَنْ أَنَس , وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم عَنْ أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيّ قَالَ : ( غَزَوْنَا مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِسِتِّ عَشْرَة مَضَتْ مِنْ رَمَضَان فَمِنَّا مَنْ صَامَ وَمِنَّا مَنْ أَفْطَرَ , فَلَمْ يَعِبْ الصَّائِم عَلَى الْمُفْطِر وَلَا الْمُفْطِر عَلَى الصَّائِم )|وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ|| وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ | قَرَأَ الْجُمْهُور بِكَسْرِ الطَّاء وَسُكُون الْيَاء , وَأَصْله يُطَوَّقُونَهُ نُقِلَتْ الْكَسْرَة إِلَى الطَّاء وَانْقَلَبَتْ الْوَاو يَاء لِانْكِسَارِ مَا قَبْلهَا , وَقَرَأَ حُمَيْد عَلَى الْأَصْل مِنْ غَيْر اِعْتِلَال , وَالْقِيَاس الِاعْتِلَال , وَمَشْهُور قِرَاءَة اِبْن عَبَّاس | يُطَوَّقُونَهُ | بِفَتْحِ الطَّاء مُخَفَّفَة وَتَشْدِيد الْوَاو بِمَعْنَى يُكَلَّفُونَهُ . وَقَدْ رَوَى مُجَاهِد | يَطِيقُونَهُ | بِالْيَاءِ بَعْد الطَّاء عَلَى لَفْظ | يَكِيلُونَهُ | وَهِيَ بَاطِلَة وَمُحَال ; لِأَنَّ الْفِعْل مَأْخُوذ مِنْ الطَّوْق , فَالْوَاو لَازِمَة وَاجِبَة فِيهِ وَلَا مَدْخَل لِلْيَاءِ فِي هَذَا الْمِثَال . قَالَ أَبُو بَكْر الْأَنْبَارِيّ : وَأَنْشَدَنَا أَحْمَد بْن يَحْيَى النَّحْوِيّ لِأَبِي ذُؤَيْب :
فَقِيلَ تَحَمَّلْ فَوْق طَوْقك إِنَّهَا .......... مُطَبَّعَة مَنْ يَأْتِهَا لَا يَضِيرهَا
فَأَظْهَرَ الْوَاو فِي الطَّوْق , وَصَحَّ بِذَلِكَ أَنَّ وَاضِع الْيَاء مَكَانهَا يُفَارِق الصَّوَاب , وَرَوَى اِبْن الْأَنْبَارِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس | يَطَّيَّقُونَهُ | بِفَتْحِ الْيَاء وَتَشْدِيد الطَّاء وَالْيَاء مَفْتُوحَتَيْنِ بِمَعْنَى يُطِيقُونَهُ , يُقَال : طَاقَ وَأَطَاقَ وَأُطِيق بِمَعْنًى , وَعَنْ اِبْن عَبَّاس أَيْضًا وَعَائِشَة وَطَاوُس وَعَمْرو بْن دِينَار | يَطَّوَّقُونَهُ | بِفَتْحِ الْيَاء وَشَدّ الطَّاء مَفْتُوحَة , وَهِيَ صَوَاب فِي اللُّغَة ; لِأَنَّ الْأَصْل يَتَطَوَّقُونَهُ فَأُسْكِنَتْ التَّاء وَأُدْغِمَتْ فِي الطَّاء فَصَارَتْ طَاء مُشَدَّدَة , وَلَيْسَتْ مِنْ الْقُرْآن , خِلَافًا لِمَنْ أَثْبَتَهَا قُرْآنًا , وَإِنَّمَا هِيَ قِرَاءَة عَلَى التَّفْسِير , وَقَرَأَ أَهْل الْمَدِينَة وَالشَّام | فِدْيَة طَعَام | مُضَافًا | مَسَاكِين | جَمْعًا , وَقَرَأَ اِبْن عَبَّاس | طَعَام مِسْكِين | بِالْإِفْرَادِ فِيمَا ذَكَرَ الْبُخَارِيّ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ عَنْ عَطَاء عَنْهُ , وَهِيَ قِرَاءَة حَسَنَة ; لِأَنَّهَا بَيَّنَتْ الْحُكْم فِي الْيَوْم , وَاخْتَارَهَا أَبُو عُبَيْد , وَهِيَ قِرَاءَة أَبِي عَمْرو وَحَمْزَة وَالْكِسَائِيّ . قَالَ أَبُو عُبَيْد : فَبَيَّنَتْ أَنَّ لِكُلِّ يَوْم إِطْعَام وَاحِد , فَالْوَاحِد مُتَرْجَم عَنْ الْجَمِيع , وَلَيْسَ الْجَمِيع بِمُتَرْجَمٍ عَنْ وَاحِد , وَجَمْع الْمَسَاكِين لَا يُدْرَى كَمْ مِنْهُمْ فِي الْيَوْم إِلَّا مِنْ غَيْر الْآيَة , وَتَخْرُج قِرَاءَة الْجَمْع فِي | مَسَاكِين | لَمَّا كَانَ الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ جَمْع وَكُلّ وَاحِد مِنْهُمْ يَلْزَمهُ مِسْكِين فَجُمِعَ لَفْظه , كَمَا قَالَ تَعَالَى : | وَاَلَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَات ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَة | [ النُّور : 4 ] أَيْ اِجْلِدُوا كُلّ وَاحِد مِنْهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَة , فَلَيْسَتْ الثَّمَانُونَ مُتَفَرِّقَة فِي جَمِيعهمْ , بَلْ لِكُلِّ وَاحِد ثَمَانُونَ , قَالَ مَعْنَاهُ أَبُو عَلِيّ , وَاخْتَارَ قِرَاءَة الْجَمْع النَّحَّاس قَالَ : وَمَا اِخْتَارَهُ أَبُو عُبَيْد مَرْدُود ; لِأَنَّ هَذَا إِنَّمَا يُعْرَف بِالدِّلَالَةِ , فَقَدْ عُلِمَ أَنَّ مَعْنَى | وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَة طَعَام مَسَاكِين | أَنَّ لِكُلِّ يَوْم مِسْكِينًا , فَاخْتِيَار هَذِهِ الْقِرَاءَة لِتَرُدّ جَمْعًا عَلَى جَمْع . قَالَ النَّحَّاس : وَاخْتَارَ أَبُو عُبَيْد أَنْ يُقْرَأ | فِدْيَة طَعَام | قَالَ : لِأَنَّ الطَّعَام هُوَ الْفِدْيَة , وَلَا يَجُوز أَنْ يَكُون الطَّعَام نَعْتًا لِأَنَّهُ جَوْهَر وَلَكِنَّهُ يَجُوز عَلَى الْبَدَل , وَأَبْيَن مِنْهُ أَنْ يُقْرَأ | فِدْيَة طَعَام | بِالْإِضَافَةِ ; لِأَنَّ | فِدْيَة | مُبْهَمَة تَقَع لِلطَّعَامِ وَغَيْره , قِصَار مِثْل قَوْلك : هَذَا ثَوْب خَزّ .

وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي الْمُرَاد بِالْآيَةِ , فَقِيلَ : هِيَ مَنْسُوخَة . رَوَى الْبُخَارِيّ : | وَقَالَ اِبْن نُمَيْر حَدَّثَنَا الْأَعْمَش حَدَّثَنَا عَمْرو بْن مُرَّة حَدَّثَنَا اِبْن أَبِي لَيْلَى حَدَّثَنَا أَصْحَاب مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : نَزَلَ رَمَضَان فَشَقَّ عَلَيْهِمْ فَكَانَ مَنْ أَطْعَمَ كُلّ يَوْم مِسْكِينًا تَرَكَ الصَّوْم مِمَّنْ يُطِيقهُ وَرُخِّصَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ فَنَسَخَتْهَا | وَأَنْ تَصُومُوا خَيْر لَكُمْ | , وَعَلَى هَذَا قِرَاءَة الْجُمْهُور | يُطِيقُونَهُ | أَيْ يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ فَرْض الصِّيَام هَكَذَا : مَنْ أَرَادَ صَامَ وَمَنْ أَرَادَ أَطْعَمَ مِسْكِينًا , وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة رُخْصَة لِلشُّيُوخِ وَالْعَجَزَة خَاصَّة إِذَا أَفْطَرُوا وَهُمْ يُطِيقُونَ الصَّوْم , ثُمَّ نُسِخَتْ بِقَوْلِهِ | فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْر فَلْيَصُمْهُ | [ الْبَقَرَة : 185 ] فَزَالَتْ الرُّخْصَة إِلَّا لِمَنْ عَجَزَ مِنْهُمْ . قَالَ الْفَرَّاء : الضَّمِير فِي | يُطِيقُونَهُ | يَجُوز أَنْ يَعُود عَلَى الصِّيَام , أَيْ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَ الصِّيَام أَنْ يُطْعِمُوا إِذَا أَفْطَرُوا , ثُمَّ نُسِخَ بِقَوْلِهِ : | وَأَنْ تَصُومُوا | , وَيَجُوز أَنْ يَعُود عَلَى الْفِدَاء , أَيْ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَ الْفِدَاء فِدْيَة , وَأَمَّا قِرَاءَة | يُطَوَّقُونَهُ | عَلَى مَعْنَى يُكَلَّفُونَهُ مَعَ الْمَشَقَّة اللَّاحِقَة لَهُمْ , كَالْمَرِيضِ وَالْحَامِل فَإِنَّهُمَا يَقْدِرَانِ عَلَيْهِ لَكِنْ بِمَشَقَّةٍ تَلْحَقهُمْ فِي أَنْفُسهمْ , فَإِنْ صَامُوا أَجْزَأَهُمْ وَإِنْ اِفْتَدَوْا فَلَهُمْ ذَلِكَ , فَفَسَّرَ اِبْن عَبَّاس - إِنْ كَانَ الْإِسْنَاد عَنْهُ صَحِيحًا - | يُطِيقُونَهُ | بِيُطَوَّقُونَهُ وَيَتَكَلَّفُونَهُ فَأَدْخَلَهُ بَعْض النَّقَلَة فِي الْقُرْآن . رَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ اِبْن عَبَّاس | وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ | قَالَ : أَثْبَتَتْ لِلْحُبْلَى وَالْمُرْضِع , وَرُوِيَ عَنْهُ أَيْضًا | وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَة طَعَام مِسْكِين | قَالَ : كَانَتْ رُخْصَة لِلشَّيْخِ الْكَبِير وَالْمَرْأَة الْكَبِيرَة وَهُمَا يُطِيقَانِ الصَّوْم أَنْ يُفْطِرَا وَيُطْعِمَا مَكَان كُلّ يَوْم مِسْكِينًا , وَالْحُبْلَى وَالْمُرْضِع إِذَا خَافَتَا عَلَى أَوْلَادهمَا أَفْطَرَتَا وَأَطْعَمَتَا , وَخَرَّجَ الدَّارَقُطْنِيّ عَنْهُ أَيْضًا قَالَ : رُخِّصَ لِلشَّيْخِ الْكَبِير أَنْ يُفْطِر وَيُطْعِم عَنْ كُلّ يَوْم مِسْكِينًا وَلَا قَضَاء عَلَيْهِ , هَذَا إِسْنَاد صَحِيح . وَرُوِيَ عَنْهُ أَيْضًا أَنَّهُ قَالَ : | وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَة طَعَام | لَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةٍ , هُوَ الشَّيْخ الْكَبِير وَالْمَرْأَة الْكَبِيرَة لَا يَسْتَطِيعَانِ أَنْ يَصُومَا , فَيُطْعِمَا مَكَان كُلّ يَوْم مِسْكِينًا , وَهَذَا صَحِيح , وَرُوِيَ عَنْهُ أَيْضًا أَنَّهُ قَالَ لِأُمِّ وَلَد لَهُ حُبْلَى أَوْ مُرْضِع : أَنْتِ مِنْ الَّذِينَ لَا يُطِيقُونَ الصِّيَام , عَلَيْك الْجَزَاء وَلَا عَلَيْك الْقَضَاء , وَهَذَا إِسْنَاد صَحِيح . وَفِي رِوَايَة : كَانَتْ لَهُ أُمّ وَلَد تُرْضِع - مِنْ غَيْر شَكّ - فَأُجْهِدَتْ فَأَمَرَهَا أَنْ تُفْطِر وَلَا تَقْضِي , هَذَا صَحِيح .

قُلْت : فَقَدْ ثَبَتَ بِالْأَسَانِيدِ الصِّحَاح عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّ الْآيَة لَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةٍ وَأَنَّهَا مُحْكَمَة فِي حَقّ مَنْ ذُكِرَ , وَالْقَوْل الْأَوَّل صَحِيح أَيْضًا , إِلَّا أَنَّهُ يُحْتَمَل أَنْ يَكُون النَّسْخ هُنَاكَ بِمَعْنَى التَّخْصِيص , فَكَثِيرًا مَا يُطْلِق الْمُتَقَدِّمُونَ النَّسْخ بِمَعْنَاهُ , وَاَللَّه أَعْلَم , وَقَالَ الْحَسَن الْبَصْرِيّ وَعَطَاء بْن أَبِي رَبَاح وَالضَّحَّاك وَالنَّخَعِيّ وَالزُّهْرِيّ وَرَبِيعَة وَالْأَوْزَاعِيّ وَأَصْحَاب الرَّأْي : الْحَامِل وَالْمُرْضِع يُفْطِرَانِ وَلَا إِطْعَام عَلَيْهِمَا , بِمَنْزِلَةِ الْمَرِيض يُفْطِر وَيَقْضِي , وَبِهِ قَالَ أَبُو عُبَيْد وَأَبُو ثَوْر , وَحَكَى ذَلِكَ أَبُو عُبَيْد عَنْ أَبِي ثَوْر , وَاخْتَارَهُ اِبْن الْمُنْذِر , وَهُوَ قَوْل مَالِك فِي الْحُبْلَى إِنْ أَفْطَرَتْ , فَأَمَّا الْمُرْضِع إِنْ أَفْطَرَتْ فَعَلَيْهَا الْقَضَاء وَالْإِطْعَام , وَقَالَ الشَّافِعِيّ وَأَحْمَد : يُفْطِرَانِ وَيُطْعِمَانِ وَيَقْضِيَانِ , وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْمَشَايِخ وَالْعَجَائِز الَّذِينَ لَا يُطِيقُونَ الصِّيَام أَوْ يُطِيقُونَهُ عَلَى مَشَقَّة شَدِيدَة أَنْ يُفْطِرُوا , وَاخْتَلَفُوا فِيمَا عَلَيْهِمْ , فَقَالَ رَبِيعَة وَمَالِك : لَا شَيْء عَلَيْهِمْ , غَيْر أَنَّ مَالِكًا قَالَ : لَوْ أَطْعَمُوا عَنْ كُلّ يَوْم مِسْكِينًا كَانَ أَحَبّ إِلَيَّ . وَقَالَ أَنَس وَابْن عَبَّاس وَقَيْس بْن السَّائِب وَأَبُو هُرَيْرَة : عَلَيْهِمْ الْفِدْيَة , وَهُوَ قَوْل الشَّافِعِيّ وَأَصْحَاب الرَّأْي وَأَحْمَد وَإِسْحَاق , اِتِّبَاعًا لِقَوْلِ الصَّحَابَة رَضِيَ اللَّه عَنْ جَمِيعهمْ , وَقَوْله تَعَالَى : | فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَر فَعِدَّة مِنْ أَيَّام أُخَر | ثُمَّ قَالَ : | وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَة طَعَام مِسْكِين | وَهَؤُلَاءِ لَيْسُوا بِمَرْضَى وَلَا مُسَافِرِينَ , فَوَجَبَتْ عَلَيْهِمْ الْفِدْيَة , وَالدَّلِيل لِقَوْلِ مَالِك : أَنَّ هَذَا مُفْطِر لِعُذْرٍ مَوْجُود فِيهِ وَهُوَ الشَّيْخُوخَة وَالْكِبَر فَلَمْ يَلْزَمهُ إِطْعَام كَالْمُسَافِرِ وَالْمَرِيض , وَرُوِيَ هَذَا عَنْ الثَّوْرِيّ وَمَكْحُول , وَاخْتَارَهُ اِبْن الْمُنْذِر .

وَاخْتَلَفَ مَنْ أَوْجَبَ الْفِدْيَة عَلَى مَنْ ذُكِرَ فِي مِقْدَارهَا , فَقَالَ مَالِك : مُدّ بِمُدِّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ كُلّ يَوْم أَفْطَرَهُ , وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيّ , وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة : كَفَّارَة كُلّ يَوْم صَاع تَمْر أَوْ نِصْف صَاع بُرّ , وَرُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس نِصْف صَاع مِنْ حِنْطَة , ذَكَرَهُ الدَّارَقُطْنِيّ , وَرُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ : مَنْ أَدْرَكَهُ الْكِبَر فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَصُوم فَعَلَيْهِ لِكُلِّ يَوْم مُدّ مِنْ قَمْح . وَرُوِيَ عَنْ أَنَس بْن مَالِك أَنَّهُ ضَعُفَ عَنْ الصَّوْم عَامًا فَصَنَعَ جَفْنَة مِنْ طَعَام ثُمَّ دَعَا بِثَلَاثِينَ مِسْكِينًا فَأَشْبَعَهُمْ .|فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ|قَالَ اِبْن شِهَاب : مَنْ أَرَادَ الْإِطْعَام مَعَ الصَّوْم , وَقَالَ مُجَاهِد : مَنْ زَادَ فِي الْإِطْعَام عَلَى الْمُدّ . اِبْن عَبَّاس : | فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا | قَالَ : مِسْكِينًا آخَر فَهُو

فِيهِ سَبْع مَسَائِل الْأُولَى : قَالَ أَهْل التَّارِيخ : أَوَّل مَنْ صَامَ رَمَضَان نُوح عَلَيْهِ السَّلَام لَمَّا خَرَجَ مِنْ السَّفِينَة , وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْل مُجَاهِد : كَتَبَ اللَّه رَمَضَان عَلَى كُلّ أُمَّة , وَمَعْلُوم أَنَّهُ كَانَ قَبْل نُوح أُمَم , وَاَللَّه أَعْلَم , وَالشَّهْر مُشْتَقّ مِنْ الْإِشْهَار لِأَنَّهُ مُشْتَهِر لَا يَتَعَذَّر عِلْمه عَلَى أَحَد يُرِيدهُ , وَمِنْهُ يُقَال : شَهَرْت السَّيْف إِذَا سَلَلْته . وَرَمَضَان مَأْخُوذ مِنْ رَمَضَ الصَّائِم يُرْمَض إِذَا حَرَّ جَوْفه مِنْ شِدَّة الْعَطَش . وَالرَّمْضَاء مَمْدُودَة : شِدَّة الْحَرّ , وَمِنْهُ الْحَدِيث : ( صَلَاة الْأَوَّابِينَ إِذَا رَمِضَتْ الْفِصَال ) . خَرَّجَهُ مُسْلِم . وَرَمَض الْفِصَال أَنْ تُحْرِق الرَّمْضَاء أَخْفَافهَا فَتَبْرُك مِنْ شِدَّة حَرّهَا . فَرَمَضَان - فِيمَا ذَكَرُوا - وَافَقَ شِدَّة الْحَرّ , فَهُوَ مَأْخُوذ مِنْ الرَّمْضَاء . قَالَ الْجَوْهَرِيّ : وَشَهْر رَمَضَان يُجْمَع عَلَى رَمَضَانَات وَأَرْمِضَاء , يُقَال إِنَّهُمْ لَمَّا نَقَلُوا أَسْمَاء الشُّهُور عَنْ اللُّغَة الْقَدِيمَة سَمَّوْهَا بِالْأَزْمِنَةِ الَّتِي وَقَعَتْ فِيهَا , فَوَافَقَ هَذَا الشَّهْر أَيَّام رَمِضَ الْحَرّ فَسُمِّيَ بِذَلِكَ . وَقِيلَ : إِنَّمَا سُمِّيَ رَمَضَان لِأَنَّهُ يَرْمِض الذُّنُوب أَيْ يُحْرِقهَا بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَة , مِنْ الْإِرْمَاض وَهُوَ الْإِحْرَاق , وَمِنْهُ رَمِضَتْ قَدَمه مِنْ الرَّمْضَاء أَيْ اِحْتَرَقَتْ , وَأَرْمَضَتْنِي الرَّمْضَاء أَيْ أَحْرَقَتْنِي , وَمِنْهُ قِيلَ : أَرْمَضَنِي الْأَمْر , وَقِيلَ : لِأَنَّ الْقُلُوب تَأْخُذ فِيهِ مِنْ حَرَارَة الْمَوْعِظَة وَالْفِكْرَة فِي أَمْر الْآخِرَة كَمَا يَأْخُذ الرَّمْل وَالْحِجَارَة مِنْ حَرّ الشَّمْس , وَالرَّمْضَاء : الْحِجَارَة الْمُحْمَاة , وَقِيلَ : هُوَ مِنْ رَمَضْت النَّصْل أَرْمِضهُ وَأَرْمُضهُ رَمْضًا إِذَا دَقَقْته بَيْن حَجَرَيْنِ لِيَرِقّ . وَمِنْهُ نَصْل رَمِيض وَمَرْمُوض - عَنْ اِبْن السِّكِّيت - , وَسُمِّيَ الشَّهْر بِهِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَرْمُضُونَ أَسْلِحَتهمْ فِي رَمَضَان لِيُحَارِبُوا بِهَا فِي شَوَّال قَبْل دُخُول الْأَشْهُر الْحُرُم , وَحَكَى الْمَاوَرْدِيّ أَنَّ اِسْمه فِي الْجَاهِلِيَّة | نَاتِق | وَأَنْشَدَ لِلْمُفَضَّلِ :
وَفِي نَاتِق أَجْلَتْ لَدَى حَوْمَة الْوَغَى .......... وَوَلَّتْ عَلَى الْأَدْبَار فُرْسَان خَثْعَمَا
و | شَهْر | بِالرَّفْعِ قِرَاءَة الْجَمَاعَة عَلَى الِابْتِدَاء , وَالْخَبَر | الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآن | . أَوْ يَرْتَفِع عَلَى إِضْمَار مُبْتَدَأ , الْمَعْنَى : الْمَفْرُوض عَلَيْكُمْ صَوْمه شَهْر رَمَضَان , أَوْ فِيمَا كُتِبَ عَلَيْكُمْ شَهْر رَمَضَان , وَيَجُوز أَنْ يَكُون | شَهْر | مُبْتَدَأ , و | الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآن | صِفَة , وَالْخَبَر | فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْر | , وَأُعِيدَ ذِكْر الشَّهْر تَعْظِيمًا , كَقَوْلِهِ تَعَالَى : | الْحَاقَّة مَا الْحَاقَّة | [ الْحَاقَّة : 1 - 2 ] , وَجَازَ أَنْ يَدْخُلهُ مَعْنَى الْجَزَاء ; لِأَنَّ شَهْر رَمَضَان وَإِنْ كَانَ مَعْرِفَة فَلَيْسَ مَعْرِفَة بِعَيْنِهَا لِأَنَّهُ شَائِع فِي جَمِيع الْقَابِل , قَالَهُ أَبُو عَلِيّ . وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِد وَشَهْر بْن حَوْشَب نَصْب | شَهْر | , وَرَوَاهَا هَارُون الْأَعْوَر عَنْ أَبِي عَمْرو , وَمَعْنَاهُ : اِلْزَمُوا شَهْر رَمَضَان أَوْ صُومُوا . و | الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآن | نَعْت لَهُ , وَلَا يَجُوز أَنْ يَنْتَصِب بِتَصُومُوا ; لِئَلَّا يُفَرَّق بَيْن الصِّلَة وَالْمَوْصُول بِخَبَرِ أَنْ وَهُوَ | خَيْر لَكُمْ | . الرُّمَّانِيّ : يَجُوز نَصْبه عَلَى الْبَدَل مِنْ قَوْل | أَيَّامًا مَعْدُودَات | [ الْبَقَرَة : 184 ] .

الثَّانِيَة : وَاخْتُلِفَ هَلْ يُقَال | رَمَضَان | دُون أَنْ يُضَاف إِلَى شَهْر , فَكَرِهَ ذَلِكَ مُجَاهِد وَقَالَ : يُقَال كَمَا قَالَ اللَّه تَعَالَى . وَفِي الْخَبَر : ( لَا تَقُولُوا رَمَضَان بَلْ اُنْسُبُوهُ كَمَا نَسَبَهُ اللَّه فِي الْقُرْآن فَقَالَ شَهْر رَمَضَان ) , وَكَانَ يَقُول : بَلَغَنِي أَنَّهُ اِسْم مِنْ أَسْمَاء اللَّه . وَكَانَ يُكْرَه أَنْ يُجْمَع لَفْظه لِهَذَا الْمَعْنَى , وَيَحْتَجّ بِمَا رُوِيَ : رَمَضَان اِسْم مِنْ أَسْمَاء اللَّه تَعَالَى , وَهَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ فَإِنَّهُ مِنْ حَدِيث أَبِي مَعْشَر نَجِيح وَهُوَ ضَعِيف , وَالصَّحِيح جَوَاز إِطْلَاق رَمَضَان مِنْ غَيْر إِضَافَة كَمَا ثَبَتَ فِي الصِّحَاح وَغَيْرهَا . رَوَى مُسْلِم عَنْ أَبِي هُرَيْرَة أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( إِذَا جَاءَ رَمَضَان فُتِحَتْ أَبْوَاب الرَّحْمَة وَغُلِّقَتْ أَبْوَاب النَّار وَصُفِّدَتْ الشَّيَاطِين ) . وَفِي صَحِيح الْبُسْتِيّ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِذَا كَانَ رَمَضَان فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَاب الرَّحْمَة وَغُلِّقَتْ أَبْوَاب جَهَنَّم وَسُلْسِلَتْ الشَّيَاطِين ) , وَرُوِيَ عَنْ اِبْن شِهَاب عَنْ أَنَس بْن أَبِي أَنَس أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَة يَقُول . .. , فَذَكَرَهُ . قَالَ الْبُسْتِيّ : أَنَس بْن أَبِي أَنَس هَذَا هُوَ وَالِد مَالِك بْن أَنَس , وَاسْم أَبِي أَنَس مَالِك بْن أَبِي عَامِر مِنْ ثِقَات أَهْل الْمَدِينَة , وَهُوَ مَالِك اِبْن أَبِي عَامِر بْن عَمْرو بْن الْحَارِث بْن عُثْمَان بْن جُثَيْل بْن عَمْرو مِنْ ذِي أَصْبَح مِنْ أَقْيَال الْيَمَن , وَرَوَى النَّسَائِيّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَتَاكُمْ رَمَضَان شَهْر مُبَارَك فَرَضَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْكُمْ صِيَامه تُفْتَح فِيهِ أَبْوَاب السَّمَاء وَتُغْلَق فِيهِ أَبْوَاب الْجَحِيم وَتُغَلّ فِيهِ مَرَدَة الشَّيَاطِين لِلَّهِ فِيهِ لَيْلَة خَيْر مِنْ أَلْف شَهْر مَنْ حُرِمَ خَيْرهَا فَقَدْ حُرِمَ ) , وَأَخْرَجَهُ أَبُو حَاتِم الْبُسْتِيّ أَيْضًا وَقَالَ : فَقَوْله ( مَرَدَة الشَّيَاطِين ) تَقْيِيد لِقَوْلِهِ : ( صُفِّدَتْ الشَّيَاطِين وَسُلْسِلَتْ ) , وَرَوَى النَّسَائِيّ أَيْضًا عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِامْرَأَةٍ مِنْ الْأَنْصَار : ( إِذَا كَانَ رَمَضَان فَاعْتَمِرِي فَإِنَّ عُمْرَة فِيهِ تَعْدِل حَجَّة ) , وَرَوَى النَّسَائِيّ أَيْضًا عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ اللَّه تَعَالَى فَرَضَ صِيَام رَمَضَان [ عَلَيْكُمْ ] وَسَنَنْت لَكُمْ قِيَامه فَمَنْ صَامَهُ وَقَامَهُ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا خَرَجَ مِنْ ذُنُوبه كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمّه ) , وَالْآثَار فِي هَذَا كَثِيرَة , كُلّهَا بِإِسْقَاطِ شَهْر , وَرُبَّمَا أَسْقَطَتْ الْعَرَب ذِكْر الشَّهْر مِنْ رَمَضَان . قَالَ الشَّاعِر :
جَارِيَة فِي دِرْعهَا الْفَضْفَاض .......... أَبْيَض مِنْ أُخْت بَنِي إِبَاضِ

جَارِيَة فِي رَمَضَان الْمَاضِي .......... تُقَطِّع الْحَدِيث بِالْإِيمَاضِ
وَفَضْل رَمَضَان عَظِيم , وَثَوَابه جَسِيم , يَدُلّ عَلَى ذَلِكَ مَعْنَى الِاشْتِقَاق مِنْ كَوْنه مُحْرِقًا لِلذُّنُوبِ , وَمَا كَتَبْنَاهُ مِنْ الْأَحَادِيث .

الثَّالِثَة : فَرَضَ اللَّه صِيَام شَهْر رَمَضَان أَيْ مُدَّة هِلَاله , وَبِهِ سُمِّيَ الشَّهْر , كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيث : ( فَإِنْ غُمِّيَ عَلَيْكُمْ الشَّهْر ) أَيْ الْهِلَال , وَسَيَأْتِي , وَقَالَ الشَّاعِر :
أَخَوَانِ مِنْ نَجْد عَلَى ثِقَة .......... وَالشَّهْر مِثْل قُلَامَة الظُّفْر

حَتَّى تَكَامَلَ فِي اِسْتِدَارَته .......... فِي أَرْبَع زَادَتْ عَلَى عَشْر
وَفُرِضَ عَلَيْنَا عِنْد غُمَّة الْهِلَال إِكْمَال عِدَّة شَعْبَان ثَلَاثِينَ يَوْمًا , وَإِكْمَال عِدَّة رَمَضَان ثَلَاثِينَ يَوْمًا , حَتَّى نَدْخُل فِي الْعِبَادَة بِيَقِينٍ وَنَخْرُج عَنْهَا بِيَقِينٍ , فَقَالَ فِي كِتَابه | وَأَنْزَلْنَا إِلَيْك الذِّكْر لِتُبَيِّن لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ | [ النَّحْل : 44 ] , وَرَوَى الْأَئِمَّة الْأَثْبَات عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعَدَد ) فِي رِوَايَة ( فَإِنْ غُمِّيَ عَلَيْكُمْ الشَّهْر فَعُدُّوا ثَلَاثِينَ ) . وَقَدْ ذَهَبَ مُطَرِّف بْن عَبْد اللَّه بْن الشِّخِّير وَهُوَ مِنْ كِبَار التَّابِعِينَ وَابْن قُتَيْبَة مِنْ اللُّغَوِيِّينَ فَقَالَا : يُعَوَّل عَلَى الْحِسَاب عِنْد الْغَيْم بِتَقْدِيرِ الْمَنَازِل وَاعْتِبَار حِسَابهَا فِي صَوْم رَمَضَان , حَتَّى إِنَّهُ لَوْ كَانَ صَحْوًا لَرُئِيَ , لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَام : ( فَإِنْ أُغْمِيَ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ ) أَيْ اِسْتَدِلُّوا عَلَيْهِ بِمَنَازِلِهِ , وَقَدِّرُوا إِتْمَام الشَّهْر بِحِسَابِهِ . وَقَالَ الْجُمْهُور : مَعْنَى ( فَاقْدُرُوا لَهُ ) فَأَكْمِلُوا الْمِقْدَار , يُفَسِّرهُ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة ( فَأَكْمِلُوا الْعِدَّة ) . وَذَكَرَ الدَّاوُدِيّ أَنَّهُ قِيلَ فِي مَعْنَى قَوْله | فَاقْدُرُوا لَهُ | : أَيْ قَدِّرُوا الْمَنَازِل , وَهَذَا لَا نَعْلَم أَحَدًا قَالَ بِهِ إِلَّا بَعْض أَصْحَاب الشَّافِعِيّ أَنَّهُ يُعْتَبَر فِي ذَلِكَ بِقَوْلِ الْمُنَجِّمِينَ , وَالْإِجْمَاع حُجَّة عَلَيْهِمْ , وَقَدْ رَوَى اِبْن نَافِع عَنْ مَالِك فِي الْإِمَام لَا يَصُوم لِرُؤْيَةِ الْهِلَال وَلَا يُفْطِر لِرُؤْيَتِهِ , وَإِنَّمَا يَصُوم وَيُفْطِر عَلَى الْحِسَاب : إِنَّهُ لَا يُقْتَدَى بِهِ وَلَا يُتَّبَع . قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : وَقَدْ زَلَّ بَعْض أَصْحَابنَا فَحَكَى عَنْ الشَّافِعِيّ أَنَّهُ قَالَ : يُعَوَّل عَلَى الْحِسَاب , وَهِيَ عَثْرَة لَا لَعًا لَهَا .

الرَّابِعَة : وَاخْتَلَفَ مَالِك وَالشَّافِعِيّ هَلْ يَثْبُت هِلَال رَمَضَان بِشَهَادَةِ وَاحِد أَوْ شَاهِدَيْنِ , فَقَالَ مَالِك : لَا يُقْبَل فِيهِ شَهَادَة الْوَاحِد لِأَنَّهَا شَهَادَة عَلَى هِلَال فَلَا يُقْبَل فِيهَا أَقَلّ مِنْ اِثْنَيْنِ , أَصْله الشَّهَادَة عَلَى هِلَال شَوَّال وَذِي الْحَجَّة , وَقَالَ الشَّافِعِيّ وَأَبُو حَنِيفَة : يُقْبَل الْوَاحِد , لِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَنْ اِبْن عُمَر قَالَ : تَرَاءَى النَّاس الْهِلَال فَأَخْبَرْت بِهِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنِّي رَأَيْته , فَصَامَ وَأَمَرَ النَّاس بِصِيَامِهِ , وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَقَالَ : تَفَرَّدَ بِهِ مَرْوَان بْن مُحَمَّد عَنْ اِبْن وَهْب وَهُوَ ثِقَة . رَوَى الدَّارَقُطْنِيّ | أَنَّ رَجُلًا شَهِدَ عِنْد عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب عَلَى رُؤْيَة هِلَال رَمَضَان فَصَامَ , أَحْسَبهُ قَالَ : وَأَمَرَ النَّاس أَنْ يَصُومُوا , وَقَالَ : أَصُوم يَوْمًا مِنْ شَعْبَان أَحَبّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُفْطِر يَوْمًا مِنْ رَمَضَان . قَالَ الشَّافِعِيّ : فَإِنْ لَمْ تَرَ الْعَامَّة هِلَال شَهْر رَمَضَان وَرَآهُ رَجُل عَدْل رَأَيْت أَنْ أَقْبَلَهُ لِلْأَثَرِ وَالِاحْتِيَاط , وَقَالَ الشَّافِعِيّ بَعْد : لَا يَجُوز عَلَى رَمَضَان إِلَّا شَاهِدَانِ . قَالَ الشَّافِعِيّ وَقَالَ بَعْض أَصْحَابنَا : لَا أَقْبَل عَلَيْهِ إِلَّا شَاهِدَيْنِ , وَهُوَ الْقِيَاس عَلَى كُلّ مُغَيَّب | .

الْخَامِسَة : وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ رَأَى هِلَال رَمَضَان وَحْده أَوْ هِلَال شَوَّال , فَرَوَى الرَّبِيع عَنْ الشَّافِعِيّ : مَنْ رَأَى هِلَال رَمَضَان وَحْده فَلْيَصُمْهُ , وَمَنْ رَأَى هِلَال شَوَّال وَحْده فَلْيُفْطِرْ , وَلْيُخْفِ ذَلِكَ , وَرَوَى اِبْن وَهْب عَنْ مَالِك فِي الَّذِي يَرَى هِلَال رَمَضَان وَحْده أَنَّهُ يَصُوم ; لِأَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُفْطِر وَهُوَ يَعْلَم أَنَّ ذَلِكَ الْيَوْم مِنْ شَهْر رَمَضَان , وَمَنْ رَأَى هِلَال شَوَّال وَحْده فَلَا يُفْطِر ; لِأَنَّ النَّاس يُتَّهَمُونَ عَلَى أَنْ يُفْطِر مِنْهُمْ مَنْ لَيْسَ مَأْمُونًا , ثُمَّ يَقُول أُولَئِكَ إِذَا ظَهَرَ عَلَيْهِمْ : قَدْ رَأَيْنَا الْهِلَال . قَالَ اِبْن الْمُنْذِر : وَبِهَذَا قَالَ اللَّيْث بْن سَعْد وَأَحْمَد بْن حَنْبَل , وَقَالَ عَطَاء وَإِسْحَاق : لَا يَصُوم وَلَا يُفْطِر . قَالَ اِبْن الْمُنْذِر : يَصُوم وَيُفْطِر .

السَّادِسَة : وَاخْتَلَفُوا إِذَا أَخْبَرَ مُخْبِر عَنْ رُؤْيَة بَلَد , فَلَا يَخْلُو أَنْ يَقْرُب أَوْ يَبْعُد , فَإِنْ قَرُبَ فَالْحُكْم وَاحِد , وَإِنْ بَعُدَ فَلِأَهْلِ كُلّ بَلَد رُؤْيَتهمْ , رُوِيَ هَذَا عَنْ عِكْرِمَة وَالْقَاسِم وَسَالِم , وَرُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس , وَبِهِ قَالَ إِسْحَاق , وَإِلَيْهِ أَشَارَ الْبُخَارِيّ حَيْثُ بَوَّبَ : [ لِأَهْلِ كُلّ بَلَد رُؤْيَتهمْ ] وَقَالَ آخَرُونَ . إِذَا ثَبَتَ عِنْد النَّاس أَنَّ أَهْل بَلَد قَدْ رَأَوْهُ فَعَلَيْهِمْ قَضَاء مَا أَفْطَرُوا , هَكَذَا قَالَ اللَّيْث بْن سَعْد وَالشَّافِعِيّ . قَالَ اِبْن الْمُنْذِر : وَلَا أَعْلَمهُ إِلَّا قَوْل الْمُزَنِيّ وَالْكُوفِيّ .

قُلْت : ذَكَرَ إِلْكِيَا الطَّبَرِيّ فِي كِتَاب | أَحْكَام الْقُرْآن | لَهُ : وَأَجْمَعَ أَصْحَاب أَبِي حَنِيفَة عَلَى أَنَّهُ إِذَا صَامَ أَهْل بَلَد ثَلَاثِينَ يَوْمًا لِلرُّؤْيَةِ , وَأَهْل بَلَد تِسْعَة وَعِشْرِينَ يَوْمًا أَنَّ عَلَى الَّذِينَ صَامُوا تِسْعَة وَعِشْرِينَ يَوْمًا قَضَاء يَوْم . وَأَصْحَاب الشَّافِعِيّ لَا يَرَوْنَ ذَلِكَ , إِذْ كَانَتْ الْمَطَالِع فِي الْبُلْدَان يَجُوز أَنْ تَخْتَلِف , وَحُجَّة أَصْحَاب أَبِي حَنِيفَة قَوْله تَعَالَى : | وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّة | وَثَبَتَ بِرُؤْيَةِ أَهْل بَلَد أَنَّ الْعِدَّة ثَلَاثُونَ فَوَجَبَ عَلَى هَؤُلَاءِ إِكْمَالهَا . وَمُخَالِفهمْ يَحْتَجّ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ ) الْحَدِيث , وَذَلِكَ يُوجِب اِعْتِبَار عَادَة كُلّ قَوْم فِي بَلَدهمْ , وَحَكَى أَبُو عُمَر الْإِجْمَاع عَلَى أَنَّهُ لَا تُرَاعَى الرُّؤْيَة فِيمَا بَعْد مِنْ الْبُلْدَان كَالْأَنْدَلُسِ مِنْ خُرَاسَان , قَالَ : وَلِكُلِّ بَلَد رُؤْيَتهمْ , إِلَّا مَا كَانَ كَالْمِصْرِ الْكَبِير وَمَا تَقَارَبَتْ أَقْطَاره مِنْ بُلْدَان الْمُسْلِمِينَ . رَوَى مُسْلِم عَنْ كُرَيْب أَنَّ أُمّ الْفَضْل بِنْت الْحَارِث بَعَثَتْهُ إِلَى مُعَاوِيَة بِالشَّامِ قَالَ : فَقَدِمْت الشَّام فَقَضَيْت حَاجَتهَا وَاسْتَهَلَّ عَلَيَّ رَمَضَان وَأَنَا بِالشَّامِ فَرَأَيْت الْهِلَال لَيْلَة الْجُمُعَة ثُمَّ قَدِمْت الْمَدِينَة فِي آخِر الشَّهْر فَسَأَلَنِي عَبْد اللَّه بْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا , ثُمَّ ذَكَرَ الْهِلَال فَقَالَ : مَتَى رَأَيْتُمْ الْهِلَال ؟ فَقُلْت : رَأَيْنَاهُ لَيْلَة الْجُمُعَة , فَقَالَ : أَنْتَ رَأَيْته ؟ فَقُلْت نَعَمْ , وَرَآهُ النَّاس وَصَامُوا وَصَامَ مُعَاوِيَة , فَقَالَ : لَكِنَّا رَأَيْنَاهُ لَيْلَة السَّبْت فَلَا نَزَال نَصُوم حَتَّى نُكْمِل ثَلَاثِينَ أَوْ نَرَاهُ , فَقُلْت : أَوَ لَا تَكْتَفِي بِرُؤْيَةِ مُعَاوِيَة وَصِيَامه ؟ فَقَالَ لَا , هَكَذَا أَمَرَنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ عُلَمَاؤُنَا : قَوْل اِبْن عَبَّاس ( هَكَذَا أَمَرَنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) كَلِمَة تَصْرِيح بِرَفْعِ ذَلِكَ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِأَمْرِهِ , فَهُوَ حُجَّة عَلَى أَنَّ الْبِلَاد إِذَا تَبَاعَدَتْ كَتَبَاعُدِ الشَّام مِنْ الْحِجَاز فَالْوَاجِب عَلَى أَهْل كُلّ بَلَد أَنْ تَعْمَل عَلَى رُؤْيَته دُون رُؤْيَة غَيْره , وَإِنْ ثَبَتَ ذَلِكَ عِنْد الْإِمَام الْأَعْظَم , مَا لَمْ يَحْمِل النَّاس عَلَى ذَلِكَ , فَإِنْ حُمِلَ فَلَا تَجُوز مُخَالَفَته , وَقَالَ إِلْكِيَا الطَّبَرِيّ : قَوْله ( هَكَذَا أَمَرَنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) يَحْتَمِل أَنْ يَكُون تَأَوَّلَ فِيهِ قَوْل رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ ) , وَقَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : وَاخْتُلِفَ فِي تَأْوِيل قَوْل اِبْن عَبَّاس هَذَا فَقِيلَ : رَدَّهُ لِأَنَّهُ خَبَر وَاحِد , وَقِيلَ : رَدَّهُ لِأَنَّ الْأَقْطَار مُخْتَلِفَة فِي الْمَطَالِع , وَهُوَ الصَّحِيح ; لِأَنَّ كُرَيْبًا لَمْ يَشْهَد وَإِنَّمَا أَخْبَرَ عَنْ حُكْم ثَبَتَ بِالشَّهَادَةِ , وَلَا خِلَاف فِي الْحُكْم الثَّابِت أَنَّهُ يَجْزِي فِيهِ خَبَر الْوَاحِد , وَنَظِيره مَا لَوْ ثَبَتَ أَنَّهُ أَهَلَّ لَيْلَة الْجُمُعَة بِأَغْمَات وَأَهَلَّ بِأَشْبِيلِيَة لَيْلَة السَّبْت فَيَكُون لِأَهْلِ كُلّ بَلَد رُؤْيَتهمْ ; لِأَنَّ سُهَيْلًا يَكْشِف مِنْ أَغْمَات وَلَا يَكْشِف مِنْ أَشْبِيلِيَة , وَهَذَا يَدُلّ عَلَى اِخْتِلَاف الْمَطَالِع .

قُلْت : وَأَمَّا مَذْهَب مَالِك رَحِمَهُ اللَّه فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة فَرَوَى اِبْن وَهْب وَابْن الْقَاسِم عَنْهُ فِي الْمَجْمُوعَة أَنَّ أَهْل الْبَصْرَة إِذَا رَأَوْا هِلَال رَمَضَان ثُمَّ بَلَغَ ذَلِكَ إِلَى أَهْل الْكُوفَة وَالْمَدِينَة وَالْيَمَن أَنَّهُ يَلْزَمهُمْ الصِّيَام أَوْ الْقَضَاء إِنْ فَاتَ الْأَدَاء , وَرَوَى الْقَاضِي أَبُو إِسْحَاق عَنْ اِبْن الْمَاجِشُونِ أَنَّهُ إِنْ كَانَ ثَبَتَ بِالْبَصْرَةِ بِأَمْرٍ شَائِع ذَائِع يُسْتَغْنَى عَنْ الشَّهَادَة وَالتَّعْدِيل لَهُ فَإِنَّهُ يَلْزَم غَيْرهمْ مِنْ أَهْل الْبِلَاد الْقَضَاء , وَإِنْ كَانَ إِنَّمَا ثَبَتَ عِنْد حَاكِمهمْ بِشَهَادَةِ شَاهِدَيْنِ لَمْ يَلْزَم ذَلِكَ مِنْ الْبِلَاد إِلَّا مَنْ كَانَ يَلْزَمهُ حُكْم ذَلِكَ الْحَاكِم مِمَّنْ هُوَ فِي وِلَايَته , أَوْ يَكُون ثَبَتَ ذَلِكَ عِنْد أَمِير الْمُؤْمِنِينَ فَيَلْزَم الْقَضَاء جَمَاعَة الْمُسْلِمِينَ . قَالَ : وَهَذَا قَوْل مَالِك .

السَّابِعَة : قَرَأَ جُمْهُور النَّاس | شَهْر | بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ خَبَر اِبْتِدَاء مُضْمَر , أَيْ ذَلِكُمْ شَهْر , أَوْ الْمُفْتَرَض عَلَيْكُمْ صِيَامه شَهْر رَمَضَان , أَوْ الصَّوْم أَوْ الْأَيَّام , وَقِيلَ : اِرْتَفَعَ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُول لَمْ يُسَمَّ فَاعِله ب | كُتِبَ | أَيْ كُتِبَ عَلَيْكُمْ شَهْر رَمَضَان . و | رَمَضَان | لَا يَنْصَرِف لِأَنَّ النُّون فِيهِ زَائِدَة , وَيَجُوز أَنْ يَكُون مَرْفُوعًا عَلَى الِابْتِدَاء , وَخَبَره | الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآن | , وَقِيلَ : خَبَره | فَمَنْ شَهِدَ | , و | الَّذِي أُنْزِلَ | نَعْت لَهُ , وَقِيلَ : اِرْتَفَعَ عَلَى الْبَدَل مِنْ الصِّيَام , فَمَنْ قَالَ : إِنَّ الصِّيَام فِي قَوْله | كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَام | هِيَ ثَلَاثَة أَيَّام وَعَاشُورَاء قَالَ هُنَا بِالِابْتِدَاءِ , وَمَنْ قَالَ : إِنَّ الصِّيَام هُنَاكَ رَمَضَان قَالَ هُنَا بِالِابْتِدَاءِ أَوْ بِالْبَدَلِ مِنْ الصِّيَام , أَيْ كُتِبَ عَلَيْكُمْ شَهْر رَمَضَان , وَقَرَأَ مُجَاهِد وَشَهْر بْن حَوْشَب | شَهْر | بِالنَّصْبِ . قَالَ الْكِسَائِيّ : الْمَعْنَى كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَام , وَأَنْ تَصُومُوا شَهْر رَمَضَان . وَقَالَ الْفَرَّاء : أَيْ كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَام أَيْ أَنْ تَصُومُوا شَهْر رَمَضَان . قَالَ النَّحَّاس : | لَا يَجُوز أَنْ يَنْتَصِب | شَهْر رَمَضَان | بِتَصُومُوا ; لِأَنَّهُ يَدْخُل فِي الصِّلَة ثُمَّ يُفَرَّق بَيْن الصِّلَة وَالْمَوْصُول , وَكَذَلِكَ إِنْ نَصَبْته بِالصِّيَامِ , وَلَكِنْ يَجُوز أَنْ تَنْصِبهُ عَلَى الْإِغْرَاء , أَيْ اِلْزَمُوا شَهْر رَمَضَان , وَصُومُوا شَهْر رَمَضَان , وَهَذَا بَعِيد أَيْضًا لِأَنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّم ذِكْر الشَّهْر فَيَغْرَى بِهِ | .

قُلْت : قَوْله | كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَام | يَدُلّ عَلَى الشَّهْر فَجَازَ الْإِغْرَاء , وَهُوَ اِخْتِيَار أَبِي عُبَيْد , وَقَالَ الْأَخْفَش : اِنْتَصَبَ عَلَى الظَّرْف , وَحُكِيَ عَنْ الْحَسَن وَأَبِي عَمْرو إِدْغَام الرَّاء فِي الرَّاء , وَهَذَا لَا يَجُوز لِئَلَّا يَجْتَمِع سَاكِنَانِ , وَيَجُوز أَنْ تُقْلَب حَرَكَة الرَّاء عَلَى الْهَاء فَتُضَمّ الْهَاء ثُمَّ تُدْغَم , وَهُوَ قَوْل الْكُوفِيِّينَ .|الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ|نَصّ فِي أَنَّ الْقُرْآن نُزِّلَ فِي شَهْر رَمَضَان , وَهُوَ يُبَيِّن قَوْله عَزَّ وَجَلَّ : | حم , وَالْكِتَاب الْمُبِين . إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَة مُبَارَكَة | [ الدُّخَان : 1 - 3 ] يَعْنِي لَيْلَة الْقَدْر , وَلِقَوْلِهِ : | إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَة الْقَدْر | [ الْقَدْر : 1 ] , وَفِي هَذَا دَلِيل عَلَى أَنَّ لَيْلَة الْقَدْر إِنَّمَا تَكُون فِي رَمَضَان لَا فِي غَيْره , وَلَا خِلَاف أَنَّ الْقُرْآن أُنْزِلَ مِنْ اللَّوْح الْمَحْفُوظ لَيْلَة الْقَدْر - عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ - جُمْلَة وَاحِدَة , فَوُضِعَ فِي بَيْت الْعِزَّة فِي سَمَاء الدُّنْيَا , ثُمَّ كَانَ جِبْرِيل صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْزِل بِهِ نَجْمًا نَجْمًا فِي الْأَوَامِر وَالنَّوَاهِي وَالْأَسْبَاب , وَذَلِكَ فِي عِشْرِينَ سَنَة . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : أُنْزِلَ الْقُرْآن مِنْ اللَّوْح الْمَحْفُوظ جُمْلَة وَاحِدَة إِلَى الْكَتَبَة فِي سَمَاء الدُّنْيَا , ثُمَّ أُنْزِلَ بِهِ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام نُجُومًا - يَعْنِي الْآيَة وَالْآيَتَيْنِ - فِي أَوْقَات مُخْتَلِفَة فِي إِحْدَى وَعِشْرِينَ سَنَة . وَقَالَ مُقَاتِل فِي قَوْله تَعَالَى : | شَهْر رَمَضَان الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآن | قَالَ أُنْزِلَ مِنْ اللَّوْح الْمَحْفُوظ كُلّ عَام فِي لَيْلَة الْقَدْر إِلَى سَمَاء الدُّنْيَا , ثُمَّ نُزِّلَ إِلَى السَّفَرَة مِنْ اللَّوْح الْمَحْفُوظ فِي عِشْرِينَ شَهْرًا , وَنَزَلَ بِهِ جِبْرِيل فِي عِشْرِينَ سَنَة . قُلْت : وَقَوْل مُقَاتِل هَذَا خِلَاف مَا نُقِلَ مِنْ الْإِجْمَاع | أَنَّ الْقُرْآن أُنْزِلَ جُمْلَة وَاحِدَة | وَاَللَّه أَعْلَم , وَرَوَى وَاثِلَة بْن الْأَسْقَع عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : ( أُنْزِلَتْ صُحُف إِبْرَاهِيم أَوَّل لَيْلَة مِنْ شَهْر رَمَضَان وَالتَّوْرَاة لِسِتٍّ مَضَيْنَ مِنْهُ وَالْإِنْجِيل لِثَلَاثِ عَشْرَة وَالْقُرْآن لِأَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ ) .

قُلْت : وَفِي هَذَا الْحَدِيث دَلَالَة عَلَى مَا يَقُولهُ الْحَسَن أَنَّ لَيْلَة الْقَدْر تَكُون لَيْلَة أَرْبَع وَعِشْرِينَ , وَسَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى بَيَان هَذَا .

| الْقُرْآن | : اِسْم لِكَلَامِ اللَّه تَعَالَى , وَهُوَ بِمَعْنَى الْمَقْرُوء , كَالْمَشْرُوبِ يُسَمَّى شَرَابًا , وَالْمَكْتُوب يُسَمَّى كِتَابًا , وَعَلَى هَذَا قِيلَ : هُوَ مَصْدَر قَرَأَ يَقْرَأ قِرَاءَة وَقُرْآنًا بِمَعْنًى . قَالَ الشَّاعِر :
ضَحُّوا بِأَشْمَط عِنْوَان السُّجُود بِهِ .......... يَقْطَع اللَّيْل تَسْبِيحًا وَقُرْآنًا
أَيْ قِرَاءَة , وَفِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ عَبْد اللَّه بْن عُمَر ( أَنَّ فِي الْبَحْر شَيَاطِين مَسْجُونَة أَوْثَقَهَا سُلَيْمَان عَلَيْهِ السَّلَام يُوشِك أَنْ تَخْرُج فَتَقْرَأ عَلَى النَّاس قُرْآنًا ) أَيْ قِرَاءَة , وَفِي التَّنْزِيل : | وَقُرْآن الْفَجْر إِنَّ قُرْآن الْفَجْر كَانَ مَشْهُودًا | [ الْإِسْرَاء : 78 ] أَيْ قِرَاءَة الْفَجْر . وَيُسَمَّى الْمَقْرُوء قُرْآنًا عَلَى عَادَة الْعَرَب فِي تَسْمِيَتهَا الْمَفْعُول بِاسْمِ الْمَصْدَر , كَتَسْمِيَتِهِمْ لِلْمَعْلُومِ عِلْمًا وَلِلْمَضْرُوبِ ضَرْبًا وَلِلْمَشْرُوبِ شُرْبًا , كَمَا ذَكَرْنَا , ثُمَّ اُشْتُهِرَ الِاسْتِعْمَال فِي هَذَا وَاقْتَرَنَ بِهِ الْعُرْف الشَّرْعِيّ , فَصَارَ الْقُرْآن اِسْمًا لِكَلَامِ اللَّه , حَتَّى إِذَا قِيلَ : الْقُرْآن غَيْر مَخْلُوق , يُرَاد بِهِ الْمَقْرُوء لَا الْقِرَاءَة لِذَلِكَ , وَقَدْ يُسَمَّى الْمُصْحَف الَّذِي يُكْتَب فِيهِ كَلَام اللَّه قُرْآنًا تَوَسُّعًا , وَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا تُسَافِرُوا بِالْقُرْآنِ إِلَى أَرْض الْعَدُوّ ) أَرَادَ بِهِ الْمُصْحَف . وَهُوَ مُشْتَقّ مِنْ قَرَأْت الشَّيْء جَمَعْته . وَقِيلَ : هُوَ اِسْم عَلَم لِكِتَابِ اللَّه , غَيْر مُشْتَقّ كَالتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيل , وَهَذَا يُحْكَى عَنْ الشَّافِعِيّ , وَالصَّحِيح الِاشْتِقَاق فِي الْجَمِيع , وَسَيَأْتِي .|هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ|| هُدًى | فِي مَوْضِع نَصْب عَلَى الْحَال مِنْ الْقُرْآن , أَيْ هَادِيًا لَهُمْ . | وَبَيِّنَات | عَطْف عَلَيْهِ . و | الْهُدَى | الْإِرْشَاد وَالْبَيَان , كَمَا تَقَدَّمَ أَيْ بَيَانًا لَهُمْ وَإِرْشَادًا , وَالْمُرَاد الْقُرْآن بِجُمْلَتِهِ مِنْ مُحْكَم وَمُتَشَابِه وَنَاسِخ وَمَنْسُوخ , ثُمَّ شَرُفَ بِالذِّكْرِ وَالتَّخْصِيص الْبَيِّنَات مِنْهُ , يَعْنِي الْحَلَال وَالْحَرَام وَالْمَوَاعِظ وَالْأَحْكَام . | وَبَيِّنَات | جَمْع بَيِّنَة , مِنْ بَانَ الشَّيْء يَبِين إِذَا وَضَحَ . | وَالْفُرْقَان | مَا فَرَّقَ بَيْن الْحَقّ وَالْبَاطِل , أَيْ فَصَلَ , وَقَدْ تَقَدَّمَ .|فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ|قِرَاءَة الْعَامَّة بِجَزْمِ اللَّام , وَقَرَأَ الْحَسَن وَالْأَعْرَج بِكَسْرِ اللَّام , وَهِيَ لَام الْأَمْر وَحَقّهَا الْكَسْر إِذَا أُفْرِدَتْ , فَإِذَا وُصِلَتْ بِشَيْءٍ فَفِيهَا وَجْهَانِ : الْجَزْم وَالْكَسْر . وَإِنَّمَا تُوصَل بِثَلَاثَةِ أَحْرُف : بِالْفَاءِ كَقَوْلِهِ | فَلْيَصُمْهُ | | فَلْيَعْبُدُوا | [ قُرَيْش : 3 ] , وَالْوَاو كَقَوْلِهِ : | وَلْيُوفُوا | [ الْحَجّ : 29 ] . وَثُمَّ كَقَوْلِهِ : | ثُمَّ لْيَقْضُوا | [ الْحَجّ : 29 ] و | شَهِدَ | بِمَعْنَى حَضَرَ , وَفِيهِ إِضْمَار , أَيْ مَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الْمِصْر فِي الشَّهْر عَاقِلًا بَالِغًا صَحِيحًا مُقِيمًا فَلْيَصُمْهُ , وَهُوَ يُقَال عَامّ فَيُخَصَّص بِقَوْلِهِ : | فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَر | الْآيَة , وَلَيْسَ الشَّهْر بِمَفْعُولٍ وَإِنَّمَا هُوَ ظَرْف زَمَان , وَقَدْ اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي تَأْوِيل هَذَا , فَقَالَ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب وَابْن عَبَّاس وَسُوَيْد بْن غَفْلَة وَعَائِشَة - أَرْبَعَة مِنْ الصَّحَابَة - وَأَبُو مِجْلَز لَاحَقَ بْن حُمَيْد وَعُبَيْدَة السَّلْمَانِيّ : ( مَنْ شَهِدَ أَيْ مَنْ حَضَرَ دُخُول الشَّهْر وَكَانَ مُقِيمًا فِي أَوَّله فِي بَلَده وَأَهْله فَلْيُكْمِلْ صِيَامه , سَافَرَ بَعْد ذَلِكَ أَوْ أَقَامَ , وَإِنَّمَا يُفْطِر فِي السَّفَر مَنْ دَخَلَ عَلَيْهِ رَمَضَان وَهُوَ فِي سَفَر ) وَالْمَعْنَى عِنْدهمْ : مَنْ أَدْرَكَهُ رَمَضَان مُسَافِرًا أَفْطَرَ وَعَلَيْهِ عِدَّة مِنْ أَيَّام أُخَر , وَمَنْ أَدْرَكَهُ حَاضِرًا فَلْيَصُمْهُ , وَقَالَ جُمْهُور الْأُمَّة : مَنْ شَهِدَ أَوَّل الشَّهْر وَآخِره فَلْيَصُمْ مَا دَامَ مُقِيمًا , فَإِنْ سَافَرَ أَفْطَرَ , وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح وَعَلَيْهِ تَدُلّ الْأَخْبَار الثَّابِتَة . وَقَدْ تَرْجَمَ الْبُخَارِيّ رَحِمَهُ اللَّه رَدًّا عَلَى الْقَوْل الْأَوَّل | بَاب إِذَا صَامَ أَيَّامًا مِنْ رَمَضَان ثُمَّ سَافَرَ | حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن يُوسُف قَالَ أَنْبَأَنَا مَالِك عَنْ اِبْن شِهَاب عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن عَبْد اللَّه بْن عُتْبَة عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ إِلَى مَكَّة فِي رَمَضَان فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ الْكَدِيد أَفْطَرَ فَأَفْطَرَ النَّاس . قَالَ أَبُو عَبْد اللَّه : وَالْكَدِيد مَا بَيْن عُسْفَان وَقُدَيْد .

قُلْت : قَدْ يُحْتَمَل أَنْ يُحْمَل قَوْل عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ وَمَنْ وَافَقَهُ عَلَى السَّفَر الْمَنْدُوب كَزِيَارَةِ الْإِخْوَان مِنْ الْفُضَلَاء وَالصَّالِحِينَ , أَوْ الْمُبَاح فِي طَلَب الرِّزْق الزَّائِد عَلَى الْكِفَايَة . وَأَمَّا السَّفَر الْوَاجِب فِي طَلَب الْقُوت الضَّرُورِيّ , أَوْ فَتْح بَلَد إِذَا تَحَقَّقَ ذَلِكَ , أَوْ دَفْع عَدُوّ , فَالْمَرْء فِيهِ مُخَيَّر وَلَا يَجِب عَلَيْهِ الْإِمْسَاك , بَلْ الْفِطْر فِيهِ أَفْضَل لِلتَّقَوِّي , وَإِنْ كَانَ شَهِدَ الشَّهْر فِي بَلَده وَصَامَ بَعْضه فِيهِ , لِحَدِيثِ اِبْن عَبَّاس وَغَيْره , وَلَا يَكُون فِي هَذَا خِلَاف إِنْ شَاءَ اللَّه وَاَللَّه أَعْلَم , وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة وَأَصْحَابه : مَنْ شَهِدَ الشَّهْر بِشُرُوطِ التَّكْلِيف غَيْر مَجْنُون وَلَا مُغْمًى عَلَيْهِ فَلْيَصُمْهُ , وَمَنْ دَخَلَ عَلَيْهِ رَمَضَان وَهُوَ مَجْنُون وَتَمَادَى بِهِ طُول الشَّهْر فَلَا قَضَاء عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَشْهَد الشَّهْر بِصِفَةٍ يَجِب بِهَا الصِّيَام , وَمَنْ جُنَّ أَوَّل الشَّهْر وَآخِره فَإِنَّهُ يَقْضِي أَيَّام جُنُونه , وَنَصْبُ الشَّهْر عَلَى هَذَا التَّأْوِيل هُوَ عَلَى الْمَفْعُول الصَّرِيح ب | شَهِدَ | .

قَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ فَرْض الصَّوْم مُسْتَحَقّ بِالْإِسْلَامِ وَالْبُلُوغ وَالْعِلْم بِالشَّهْرِ , فَإِذَا أَسْلَمَ الْكَافِر أَوْ بَلَغَ الصَّبِيّ قَبْل الْفَجْر لَزِمَهُمَا الصَّوْم صَبِيحَة الْيَوْم , وَإِنْ كَانَ الْفَجْر اُسْتُحِبَّ لَهُمَا الْإِمْسَاك , وَلَيْسَ عَلَيْهِمَا قَضَاء الْمَاضِي مِنْ الشَّهْر وَلَا الْيَوْم الَّذِي بَلَغَ فِيهِ أَوْ أَسْلَمَ , وَقَدْ اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي الْكَافِر يُسْلِم فِي آخِر يَوْم مِنْ رَمَضَان , هَلْ يَجِب عَلَيْهِ قَضَاء رَمَضَان كُلّه أَوْ لَا ؟ وَهَلْ يَجِب عَلَيْهِ قَضَاء الْيَوْم الَّذِي أَسْلَمَ فِيهِ ؟ فَقَالَ الْإِمَام مَالِك وَالْجُمْهُور : لَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاء مَا مَضَى ; لِأَنَّهُ إِنَّمَا ش أَنْ يَقْضِي الْيَوْم الَّذِي أَسْلَمَ فِيهِ , وَقَالَ عَطَاء وَالْحَسَن : يَصُوم مَا بَقِيَ وَيَقْضِي مَا مَضَى , وَقَالَ عَبْد الْمَلِك بْن الْمَاجِشُونِ : يَكُفّ عَنْ الْأَكْل فِي ذَلِكَ الْيَوْم وَيَقْضِيه , وَقَالَ أَحْمَد وَإِسْحَاق مِثْله , وَقَالَ اِبْن الْمُنْذِر : لَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَقْضِي مَا مَضَى مِنْ الشَّهْر وَلَا ذَلِكَ الْيَوْم , وَقَالَ الْبَاجِيّ : مَنْ قَالَ مِنْ أَصْحَابنَا إِنَّ الْكُفَّار مُخَاطَبُونَ بِشَرَائِع الْإِسْلَام - وَهُوَ مُقْتَضَى قَوْل مَالِك وَأَكْثَر أَصْحَابه - أَوْجَبَ عَلَيْهِ الْإِمْسَاك فِي بَقِيَّة يَوْمه , وَرَوَاهُ فِي الْمُدَوَّنَة اِبْن نَافِع عَنْ مَالِك , وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو الْقَاسِم , وَمَنْ قَالَ مِنْ أَصْحَابنَا لَيْسُوا مُخَاطَبِينَ قَالَ : لَا يَلْزَمهُ الْإِمْسَاك فِي بَقِيَّة يَوْمه , وَهُوَ مُقْتَضَى قَوْل أَشْهَب وَعَبْد الْمَلِك بْن الْمَاجِشُونِ , وَقَالَهُ اِبْن الْقَاسِم .

قُلْت : وَهُوَ الصَّحِيح لِقَوْلِهِ تَعَالَى : | يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا | فَخَاطَبَ الْمُؤْمِنِينَ دُون غَيْرهمْ , وَهَذَا وَاضِح , فَلَا يَجِب عَلَيْهِ الْإِمْسَاك فِي بَقِيَّة الْيَوْم وَلَا قَضَاء مَا مَضَى .|وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا|لِلْمَرِيضِ حَالَتَانِ : إِحْدَاهُمَا : أَلَّا يُطِيق الصَّوْم بِحَالٍ , فَعَلَيْهِ الْفِطْر وَاجِبًا . الثَّانِيَة : أَنْ يَقْدِر عَلَى الصَّوْم بِضَرَرٍ وَمَشَقَّة , فَهَذَا يُسْتَحَبّ لَهُ الْفِطْر وَلَا يَصُوم إِلَّا جَاهِل . قَالَ اِبْن سِيرِينَ : مَتَى حَصَلَ الْإِنْسَان فِي حَال يَسْتَحِقّ بِهَا اِسْم الْمَرَض صَحَّ الْفِطْر , قِيَاسًا عَلَى الْمُسَافِر لِعِلَّةِ السَّفَر , وَإِنْ لَمْ تَدْعُ إِلَى الْفِطْر ضَرُورَة . قَالَ طَرِيف بْن تَمَّام الْعُطَارِدِيّ : دَخَلْت عَلَى مُحَمَّد بْن سِيرِينَ فِي رَمَضَان وَهُوَ يَأْكُل , فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ : إِنَّهُ وَجِعَتْ أُصْبُعِي هَذِهِ , وَقَالَ جُمْهُور مِنْ الْعُلَمَاء : إِذَا كَانَ بِهِ مَرَض يُؤْلِمهُ وَيُؤْذِيه أَوْ يَخَاف تَمَادِيهِ أَوْ يَخَاف تَزَيُّده صَحَّ لَهُ الْفِطْر . قَالَ اِبْن عَطِيَّة : وَهَذَا مَذْهَب حُذَّاق أَصْحَاب مَالِك وَبِهِ يُنَاظِرُونَ , وَأَمَّا لَفْظ مَالِك فَهُوَ الْمَرَض الَّذِي يَشُقّ عَلَى الْمَرْء وَيَبْلُغ بِهِ , وَقَالَ اِبْن خُوَيْز مَنْدَاد : وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَة عَنْ مَالِك فِي الْمَرَض الْمُبِيح لِلْفِطْرِ , فَقَالَ مَرَّة : هُوَ خَوْف التَّلَف مِنْ الصِّيَام . وَقَالَ مَرَّة : شِدَّة الْمَرَض وَالزِّيَادَة فِيهِ وَالْمَشَقَّة الْفَادِحَة , وَهَذَا صَحِيح مَذْهَبه وَهُوَ مُقْتَضَى الظَّاهِر ; لِأَنَّهُ لَمْ يَخُصّ مَرَضًا مِنْ مَرَض فَهُوَ مُبَاح فِي كُلّ مَرَض , إِلَّا مَا خَصَّهُ الدَّلِيل مِنْ الصُّدَاع وَالْحُمَّى وَالْمَرَض الْيَسِير الَّذِي لَا كُلْفَة مَعَهُ فِي الصِّيَام . وَقَالَ الْحَسَن : إِذَا لَمْ يَقْدِر مِنْ الْمَرَض عَلَى الصَّلَاة قَائِمًا أَفْطَرَ , وَقَالَهُ النَّخَعِيّ , وَقَالَتْ فِرْقَة : لَا يُفْطِر بِالْمَرَضِ إِلَّا مَنْ دَعَتْهُ ضَرُورَة الْمَرَض نَفْسه إِلَى الْفِطْر , وَمَتَى اِحْتَمَلَ الضَّرُورَة مَعَهُ لَمْ يُفْطِر . وَهَذَا قَوْل الشَّافِعِيّ رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى .

قُلْت : قَوْل اِبْن سِيرِينَ أَعْدَل شَيْء فِي هَذَا الْبَاب إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى . قَالَ الْبُخَارِيّ : اِعْتَلَلْت بِنَيْسَابُور عِلَّة خَفِيفَة وَذَلِكَ فِي شَهْر رَمَضَان , فَعَادَنِي إِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ فِي نَفَر مِنْ أَصْحَابه فَقَالَ لِي : أَفْطَرْت يَا أَبَا عَبْد اللَّه ؟ فَقُلْت نَعَمْ , فَقَالَ : خَشِيت أَنْ تَضْعُف عَنْ قَبُول الرُّخْصَة . قُلْت : حَدَّثَنَا عَبْدَان عَنْ اِبْن الْمُبَارَك عَنْ اِبْن جُرَيْج قَالَ قُلْت لِعَطَاءٍ : مِنْ أَيّ الْمَرَض أُفْطِر ؟ قَالَ : مِنْ أَيّ مَرَض كَانَ , كَمَا قَالَ اللَّه تَعَالَى : | فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا | قَالَ الْبُخَارِيّ : وَهَذَا الْحَدِيث لَمْ يَكُنْ عِنْد إِسْحَاق , وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة : إِذَا خَافَ الرَّجُل عَلَى نَفْسه وَهُوَ صَائِم إِنْ لَمْ يُفْطِر أَنْ تَزْدَاد عَيْنه وَجَعًا أَوْ حُمَّاهُ شِدَّة أَفْطَرَ .|أَوْ عَلَى سَفَرٍ|اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي السَّفَر الَّذِي يَجُوز فِيهِ الْفِطْر وَالْقَصْر , بَعْد إِجْمَاعهمْ عَلَى سَفَر الطَّاعَة كَالْحَجِّ وَالْجِهَاد , وَيَتَّصِل بِهَذَيْنِ سَفَر صِلَة الرَّحِم وَطَلَب الْمَعَاش الضَّرُورِيّ . أَمَّا سَفَر التِّجَارَات وَالْمُبَاحَات فَمُخْتَلَف فِيهِ بِالْمَنْعِ وَالْإِجَازَة , وَالْقَوْل بِالْجَوَازِ أَرْجَح , وَأَمَّا سَفَر الْعَاصِي فَيُخْتَلَف فِيهِ بِالْجَوَازِ وَالْمَنْع , وَالْقَوْل بِالْمَنْعِ أَرْجَح , قَالَهُ اِبْن عَطِيَّة , وَمَسَافَة الْفِطْر عِنْد مَالِك حَيْثُ تُقْصَر الصَّلَاة وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي قَدْر ذَلِكَ , فَقَالَ مَالِك : يَوْم وَلَيْلَة , ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ : ثَمَانِيَة وَأَرْبَعُونَ مِيلًا قَالَ اِبْن خُوَيْز مَنْدَاد : وَهُوَ ظَاهِر مَذْهَبه , وَقَالَ مَرَّة : اِثْنَانِ وَأَرْبَعُونَ مِيلًا وَقَالَ مَرَّة سِتَّة وَثَلَاثُونَ مِيلًا وَقَالَ مَرَّة : مَسِيرَة يَوْم وَلَيْلَة , وَرُوِيَ عَنْهُ يَوْمَانِ , وَهُوَ قَوْل الشَّافِعِيّ , وَفَصَّلَ مَرَّة بَيْن الْبَرّ وَالْبَحْر , فَقَالَ فِي الْبَحْر مَسِيرَة يَوْم وَلَيْلَة , وَفِي الْبَرّ ثَمَانِيَة وَأَرْبَعُونَ مِيلًا , وَفِي الْمَذْهَب ثَلَاثُونَ مِيلًا , وَفِي غَيْر الْمَذْهَب ثَلَاثَة أَمْيَال , وَقَالَ اِبْن عَمْرو وَابْن عَبَّاس وَالثَّوْرِيّ : الْفِطْر فِي سَفَر ثَلَاثَة أَيَّام , حَكَاهُ اِبْن عَطِيَّة .

قُلْت : وَاَلَّذِي فِي الْبُخَارِيّ : وَكَانَ اِبْن عُمَر وَابْن عَبَّاس يُفْطِرَانِ وَيَقْصُرَانِ فِي أَرْبَعَة بُرُد وَهِيَ سِتَّة عَشَر فَرْسَخًا .

اِتَّفَقَ الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّ الْمُسَافِر فِي رَمَضَان لَا يَجُوز لَهُ أَنْ يُبَيِّت الْفِطْر ; لِأَنَّ الْمُسَافِر لَا يَكُون مُسَافِرًا بِالنِّيَّةِ بِخِلَافِ الْمُقِيم , وَإِنَّمَا يَكُون مُسَافِرًا بِالْعَمَلِ وَالنُّهُوض , وَالْمُقِيم لَا يَفْتَقِر إِلَى عَمَل ; لِأَنَّهُ إِذَا نَوَى الْإِقَامَة كَانَ مُقِيمًا فِي الْحِين ; لِأَنَّ الْإِقَامَة لَا تَفْتَقِر إِلَى عَمَل فَافْتَرَقَا , وَلَا خِلَاف بَيْنهمْ أَيْضًا فِي الَّذِي يُؤَمِّل السَّفَر أَنَّهُ لَا يَجُوز لَهُ أَنْ يُفْطِر قَبْل أَنْ يَخْرُج , فَإِنْ أَفْطَرَ فَقَالَ اِبْن حَبِيب : إِنْ كَانَ قَدْ تَأَهَّبَ لِسَفَرِهِ وَأَخَذَ فِي أَسْبَاب الْحَرَكَة فَلَا شَيْء عَلَيْهِ , وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ أَصْبَغ وَابْن الْمَاجِشُونِ , فَإِنْ عَاقَهُ عَنْ السَّفَر عَائِق كَانَ عَلَيْهِ الْكَفَّارَة , وَحَسْبه أَنْ يَنْجُو إِنْ سَافَرَ , وَرَوَى عِيسَى عَنْ اِبْن الْقَاسِم أَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا قَضَاء يَوْم ; لِأَنَّهُ مُتَأَوَّل فِي فِطْره , وَقَالَ أَشْهَب : لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْء مِنْ الْكَفَّارَة سَافَرَ أَوْ لَمْ يُسَافِر , وَقَالَ سَحْنُون : عَلَيْهِ الْكَفَّارَة سَافَرَ أَوْ لَمْ يُسَافِر , وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمَرْأَة تَقُول : غَدًا تَأْتِينِي حَيْضَتِي , فَتُفْطِر لِذَلِكَ , ثُمَّ رَجَعَ إِلَى قَوْل عَبْد الْمَلِك وَأَصْبَغ وَقَالَ : لَيْسَ مِثْل الْمَرْأَة ; لِأَنَّ الرَّجُل يُحْدِث السَّفَر إِذَا شَاءَ , وَالْمَرْأَة لَا تُحْدِث الْحَيْضَة .

قُلْت : قَوْل اِبْن الْقَاسِم وَأَشْهَب فِي نَفْي الْكَفَّارَة حَسَن ; لِأَنَّهُ فَعَلَ مَا يَجُوز لَهُ فِعْله , وَالذِّمَّة بَرِيئَة , فَلَا يَثْبُت فِيهَا شَيْء إِلَّا بِيَقِينٍ وَلَا يَقِين مَعَ الِاخْتِلَاف , ثُمَّ إِنَّهُ مُقْتَضَى قَوْله تَعَالَى : | أَوْ عَلَى سَفَر | , وَقَالَ أَبُو عُمَر : هَذَا أَصَحّ أَقَاوِيلهمْ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة ; لِأَنَّهُ غَيْر مُنْتَهِك لِحُرْمَةِ الصَّوْم بِقَصْدٍ إِلَى ذَلِكَ وَإِنَّمَا هُوَ مُتَأَوِّل , وَلَوْ كَانَ الْأَكْل مَعَ نِيَّة السَّفَر يُوجِب عَلَيْهِ الْكَفَّارَة لِأَنَّهُ كَانَ قَبْل خُرُوجه مَا أَسْقَطَهَا عَنْهُ خُرُوجه , فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ تَجِدهُ كَذَلِكَ , إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى . وَقَدْ رَوَى الدَّارَقُطْنِيّ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْر النَّيْسَابُورِيّ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل بْن إِسْحَاق بْن سَهْل بِمِصْر قَالَ حَدَّثَنَا اِبْن أَبِي مَرْيَم حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن جَعْفَر أَخْبَرَنِي زَيْد بْن أَسْلَم قَالَ : أَخْبَرَنِي مُحَمَّد بْن الْمُنْكَدِر عَنْ مُحَمَّد بْن كَعْب أَنَّهُ قَالَ : أَتَيْت أَنَس بْن مَالِك فِي رَمَضَان وَهُوَ يُرِيد السَّفَر وَقَدْ رَحَلَتْ دَابَّته وَلَبِسَ ثِيَاب السَّفَر وَقَدْ تَقَارَبَ غُرُوب الشَّمْس , فَدَعَا بِطَعَامٍ فَأَكَلَ مِنْهُ ثُمَّ رَكِبَ , فَقُلْت لَهُ : سُنَّة ؟ قَالَ نَعَمْ , وَرُوِيَ عَنْ أَنَس أَيْضًا قَالَ : قَالَ لِي أَبُو مُوسَى : أَلَمْ أُنْبِئَنك إِذَا خَرَجْت خَرَجْت صَائِمًا , وَإِذَا دَخَلْت دَخَلْت صَائِمًا , فَإِذَا خَرَجْت فَاخْرُجْ مُفْطِرًا , وَإِذَا دَخَلْت فَادْخُلْ مُفْطِرًا , وَقَالَ الْحَسَن الْبَصْرِيّ : يُفْطِر إِنْ شَاءَ فِي بَيْته يَوْم يُرِيد أَنْ يَخْرُج , وَقَالَ أَحْمَد : يُفْطِر إِذَا بَرَزَ عَنْ الْبُيُوت , وَقَالَ إِسْحَاق : لَا , بَلْ حِين يَضَع رِجْله فِي الرَّحْل . قَالَ اِبْن الْمُنْذِر : قَوْل أَحْمَد صَحِيح ; لِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ لِمَنْ أَصْبَحَ صَحِيحًا ثُمَّ اِعْتَلَّ : إِنَّهُ يُفْطِر بَقِيَّة يَوْمه , وَكَذَلِكَ إِذَا أَصْبَحَ فِي الْحَضَر ثُمَّ خَرَجَ إِلَى السَّفَر فَلَهُ كَذَلِكَ أَنْ يُفْطِر , وَقَالَتْ طَائِفَة : لَا يُفْطِر يَوْمه ذَلِكَ وَإِنْ نَهَضَ فِي سَفَره , كَذَلِكَ قَالَ الزُّهْرِيّ وَمَكْحُول وَيَحْيَى الْأَنْصَارِيّ وَمَالِك وَالْأَوْزَاعِيّ وَالشَّافِعِيّ وَأَبُو ثَوْر وَأَصْحَاب الرَّأْي , وَاخْتَلَفُوا إِنْ فَعَلَ , فَكُلّهمْ قَالَ يَقْضِي وَلَا يُكَفِّر . قَالَ مَالِك : لِأَنَّ السَّفَر عُذْر طَارِئ , فَكَانَ كَالْمَرَضِ يَطْرَأ عَلَيْهِ , وَرُوِيَ عَنْ بَعْض أَصْحَاب مَالِك أَنَّهُ يَقْضِي وَيُكَفِّر , وَهُوَ قَوْل اِبْن كِنَانَة وَالْمَخْزُومِيّ , وَحَكَاهُ الْبَاجِيّ عَنْ الشَّافِعِيّ , وَاخْتَارَهُ اِبْن الْعَرَبِيّ وَقَالَ بِهِ , قَالَ : لِأَنَّ السَّفَر عُذْر طَرَأَ بَعْد لُزُوم الْعِبَادَة وَيُخَالِف الْمَرَض وَالْحَيْض ; لِأَنَّ الْمَرَض يُبِيح لَهُ الْفِطْر , وَالْحَيْض يُحَرِّم عَلَيْهَا الصَّوْم , وَالسَّفَر لَا يُبِيح لَهُ ذَلِكَ فَوَجَبَتْ عَلَيْهِ الْكَفَّارَة لِهَتْكِ حُرْمَته . قَالَ أَبُو عُمَر : وَلَيْسَ هَذَا بِشَيْءٍ ; لِأَنَّ اللَّه سُبْحَانه قَدْ أَبَاحَ لَهُ الْفِطْر فِي الْكِتَاب وَالسُّنَّة , وَأَمَّا قَوْلهمْ | لَا يُفْطِر | فَإِنَّمَا ذَلِكَ اِسْتِحْبَاب لِمَا عَقَدَهُ فَإِنْ أَخَذَ بِرُخْصَةِ اللَّه كَانَ عَلَيْهِ الْقَضَاء , وَأَمَّا الْكَفَّارَة فَلَا وَجْه لَهَا , وَمَنْ أَوْجَبَهَا فَقَدْ أَوْجَبَ مَا لَمْ يُوجِبهُ اللَّه وَلَا رَسُوله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَقَدْ رُوِيَ عَنْ اِبْن عُمَر فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة : ( يُفْطِر إِنْ شَاءَ فِي يَوْمه ذَلِكَ إِذَا خَرَجَ مُسَافِرًا ) وَهُوَ قَوْل الشَّعْبِيّ وَأَحْمَد وَإِسْحَاق .

قُلْت : وَقَدْ تَرْجَمَ الْبُخَارِيّ رَحِمَهُ اللَّه عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَة [ بَاب مَنْ أَفْطَرَ فِي السَّفَر لِيَرَاهُ النَّاس ] وَسَاقَ الْحَدِيث عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : ( خَرَجَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْمَدِينَة إِلَى مَكَّة فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ عُسْفَان , ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ فَرَفَعَهُ إِلَى يَدَيْهِ لِيُرِيَهُ النَّاس فَأَفْطَرَ حَتَّى قَدِمَ مَكَّة وَذَلِكَ فِي رَمَضَان , وَأَخْرَجَهُ مُسْلِم أَيْضًا عَنْ اِبْن عَبَّاس وَقَالَ فِيهِ : ثُمَّ دَ

الْمَعْنَى وَإِذَا سَأَلُوك عَنْ الْمَعْبُود فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُ قَرِيب يُثِيب عَلَى الطَّاعَة وَيُجِيب الدَّاعِي , وَيَعْلَم مَا يَفْعَلهُ الْعَبْد مِنْ صَوْم وَصَلَاة وَغَيْر ذَلِكَ , وَاخْتُلِفَ فِي سَبَب نُزُولهَا , فَقَالَ مُقَاتِل : إِنَّ عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ وَاقَع اِمْرَأَته بَعْد مَا صَلَّى الْعِشَاء فَنَدِمَ عَلَى ذَلِكَ وَبَكَى , وَجَاءَ إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَهُ بِذَلِكَ وَرَجَعَ مُغْتَمًّا , وَكَانَ ذَلِكَ قَبْل نُزُول الرُّخْصَة , فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة : | وَإِذَا سَأَلَك عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيب | , وَقِيلَ : لَمَّا وَجَبَ عَلَيْهِمْ فِي الِابْتِدَاء تَرْك الْأَكْل بَعْد النَّوْم فَأَكَلَ بَعْضهمْ ثُمَّ نَدِمَ , فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة فِي قَبُول التَّوْبَة وَنَسْخ ذَلِكَ الْحُكْم , عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانه . وَرَوَى الْكَلْبِيّ عَنْ أَبِي صَالِح عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : قَالَتْ الْيَهُود كَيْف يَسْمَع رَبّنَا دُعَاءَنَا , وَأَنْتَ تَزْعُم أَنَّ بَيْننَا وَبَيْن السَّمَاء خَمْسمِائَةِ عَام , وَغِلَظ كُلّ سَمَاء مِثْل ذَلِكَ ؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة , وَقَالَ الْحَسَن : سَبَبهَا أَنَّ قَوْمًا قَالُوا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَقَرِيب رَبّنَا فَنُنَاجِيه , أَمْ بَعِيد فَنُنَادِيه ؟ فَنَزَلَتْ , وَقَالَ عَطَاء وَقَتَادَة : لَمَّا نَزَلَتْ : | وَقَالَ رَبّكُمْ اُدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ | [ غَافِر : 60 ] قَالَ قَوْم : فِي أَيّ سَاعَة نَدْعُوهُ ؟ فَنَزَلَتْ .|فَإِنِّي قَرِيبٌ|أَيْ بِالْإِجَابَةِ , وَقِيلَ بِالْعِلْمِ , وَقِيلَ : قَرِيب مِنْ أَوْلِيَائِي بِالْإِفْضَالِ وَالْإِنْعَام .|أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ|أَيْ أَقْبَل عِبَادَة مَنْ عَبَدَنِي , فَالدُّعَاء بِمَعْنَى الْعِبَادَة , وَالْإِجَابَة بِمَعْنَى الْقَبُول . دَلِيله مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَنْ النُّعْمَان بْن بَشِير عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( الدُّعَاء هُوَ الْعِبَادَة قَالَ رَبّكُمْ اُدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ) فَسُمِّيَ الدُّعَاء عِبَادَة , وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى : | إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّم دَاخِرِينَ | [ غَافِر : 60 ] أَيْ دُعَائِي , فَأَمَرَ تَعَالَى بِالدُّعَاءِ وَخَصَّ عَلَيْهِ وَسَمَّاهُ عِبَادَة , وَوَعَدَ بِأَنْ يَسْتَجِيب لَهُمْ . رَوَى لَيْث عَنْ شَهْر بْن حَوْشَب عَنْ عُبَادَة بْن الصَّامِت قَالَ سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : ( أُعْطِيَتْ أُمَّتِي ثَلَاثًا لَمْ تُعْطَ إِلَّا الْأَنْبِيَاء كَانَ اللَّه إِذَا بَعَثَ نَبِيًّا قَالَ اُدْعُنِي أَسْتَجِبْ لَك وَقَالَ لِهَذِهِ الْأُمَّة اُدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ وَكَانَ اللَّه إِذَا بَعَثَ النَّبِيّ قَالَ لَهُ مَا جَعَلَ عَلَيْك فِي الدِّين مِنْ حَرَج وَقَالَ لِهَذِهِ الْأُمَّة مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّين مِنْ حَرَج وَكَانَ اللَّه إِذَا بَعَثَ النَّبِيّ جَعَلَهُ شَهِيدًا عَلَى قَوْمه وَجَعَلَ هَذِهِ الْأُمَّة شُهَدَاء عَلَى النَّاس ) , وَكَانَ خَالِد الرَّبَعِيّ يَقُول : عَجِبْت لِهَذِهِ الْأُمَّة فِي | اُدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ | [ غَافِر : 60 ] أَمَرَهُمْ بِالدُّعَاءِ وَوَعَدَهُمْ بِالْإِجَابَةِ , وَلَيْسَ بَيْنهمَا شَرْط . قَالَ لَهُ قَائِل : مِثْل مَاذَا ؟ قَالَ مِثْل قَوْله : | وَبَشِّرْ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات | [ الْبَقَرَة : 25 ] فَهَاهُنَا شَرْط , وَقَوْله : | وَبَشِّرْ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَم صِدْق | [ يُونُس : 2 ] فَلَيْسَ فِيهِ شَرْط الْعَمَل , وَمِثْل قَوْله : | فَادْعُوا اللَّه مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّين | [ غَافِر : 14 ] فَهَاهُنَا شَرْط , وَقَوْله : | اُدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ | لَيْسَ فِيهِ شَرْط , وَكَانَتْ الْأُمَم تَفْزَع إِلَى أَنْبِيَائِهَا فِي حَوَائِجهمْ حَتَّى تَسْأَل الْأَنْبِيَاء لَهُمْ ذَلِكَ .

فَإِنْ قِيلَ : فَمَا لِلدَّاعِي قَدْ يَدْعُو فَلَا يُجَاب ؟ فَالْجَوَاب أَنْ يَعْلَم أَنَّ قَوْله الْحَقّ فِي الْآيَتَيْنِ | أُجِيب | | أَسْتَجِبْ | لَا يَقْتَضِي الِاسْتِجَابَة مُطْلَقًا لِكُلِّ دَاعٍ عَلَى التَّفْصِيل , وَلَا بِكُلِّ مَطْلُوب عَلَى التَّفْصِيل , فَقَدْ قَالَ رَبّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي آيَة أُخْرَى : | اُدْعُوا رَبّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَة إِنَّهُ لَا يُحِبّ الْمُعْتَدِينَ | [ الْأَعْرَاف : 55 ] وَكُلّ مُصِرّ عَلَى كَبِيرَة عَالِمًا بِهَا أَوْ جَاهِلًا فَهُوَ مُعْتَدٍ , وَقَدْ أَخْبَرَ أَنَّهُ لَا يُحِبّ الْمُعْتَدِينَ فَكَيْف يَسْتَجِيب لَهُ , وَأَنْوَاع الِاعْتِدَاء كَثِيرَة , يَأْتِي بَيَانهَا هُنَا وَفِي [ الْأَعْرَاف ] إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى , وَقَالَ بَعْض الْعُلَمَاء : أُجِيب إِنْ شِئْت , كَمَا قَالَ : | فَيَكْشِف مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ | [ الْأَنْعَام : 41 ] فَيَكُون هَذَا مِنْ بَاب الْمُطْلَق وَالْمُقَيَّد , وَقَدْ دَعَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ثَلَاث فَأُعْطِيَ اِثْنَتَيْنِ وَمُنِعَ وَاحِدَة , عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانه فِي [ الْأَنْعَام ] إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى . وَقِيلَ : إِنَّمَا مَقْصُود هَذَا الْإِخْبَار تَعْرِيف جَمِيع الْمُؤْمِنِينَ أَنَّ هَذَا وَصْف رَبّهمْ سُبْحَانه أَنْ يُجِيب دُعَاء الدَّاعِينَ فِي الْجُمْلَة , وَأَنَّهُ قَرِيب مِنْ الْعَبْد يَسْمَع دُعَاءَهُ وَيَعْلَم اِضْطِرَاره فَيُجِيبهُ بِمَا شَاءَ وَكَيْف شَاءَ | وَمَنْ أَضَلّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُون اللَّه مَنْ لَا يَسْتَجِيب لَهُ | [ الْأَحْقَاف : 5 ] الْآيَة . وَقَدْ يُجِيب السَّيِّد عَبْده وَالْوَالِد وَلَده ثُمَّ لَا يُعْطِيه رَسُوله , فَالْإِجَابَة كَانَتْ حَاصِلَة لَا مَحَالَة عِنْد وُجُود الدَّعْوَة ; لِأَنَّ أُجِيب وَأَسْتَجِبْ خَبَر لَا يُنْسَخ فَيَصِير الْمُخْبِر كَذَّابًا . يَدُلّ عَلَى هَذَا التَّأْوِيل مَا رَوَى اِبْن عُمَر عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( مَنْ فُتِحَ لَهُ فِي الدُّعَاء فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَاب الْإِجَابَة ) . وَأَوْحَى اللَّه تَعَالَى إِلَى دَاوُد : أَنْ قُلْ لِلظَّلَمَةِ مِنْ عِبَادِي لَا يَدْعُونِي فَإِنِّي أَوْجَبْت عَلَى نَفْسِي أَنْ أُجِيب مَنْ دَعَانِي وَإِنِّي إِذَا أَجَبْت الظَّلَمَة لَعَنْتهمْ , وَقَالَ قَوْم : إِنَّ اللَّه يُجِيب كُلّ الدُّعَاء , فَإِمَّا أَنْ تَظْهَر الْإِجَابَة فِي الدُّنْيَا , وَإِمَّا أَنْ يُكَفِّر عَنْهُ , وَإِمَّا أَنْ يَدَّخِر لَهُ فِي الْآخِرَة , لِمَا رَوَاهُ أَبُو سَعِيد الْخُدْرِيّ قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَا مِنْ مُسْلِم يَدْعُو بِدَعْوَةٍ لَيْسَ فِيهَا إِثْم وَلَا قَطِيعَة رَحِم إِلَّا أَعْطَاهُ اللَّه بِهَا إِحْدَى ثَلَاث إِمَّا أَنْ يُعَجِّل لَهُ دَعْوَته وَإِمَّا أَنْ يَدَّخِر لَهُ وَإِمَّا أَنْ يَكُفّ عَنْهُ مِنْ السُّوء بِمِثْلِهَا ) . قَالُوا : إِذَنْ نُكْثِر ؟ قَالَ : ( لِلَّهِ أَكْثَر ) . خَرَّجَهُ أَبُو عُمَر بْن عَبْد الْبَرّ , وَصَحَّحَهُ أَبُو مُحَمَّد عَبْد الْحَقّ , وَهُوَ فِي الْمُوَطَّأ مُنْقَطِع السَّنَد . قَالَ أَبُو عُمَر : وَهَذَا الْحَدِيث يُخَرَّج فِي التَّفْسِير الْمُسْنَد لِقَوْلِ اللَّه تَعَالَى | اُدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ | [ غَافِر : 60 ] فَهَذَا كُلّه مِنْ الْإِجَابَة , وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : كُلّ عَبْد دَعَا اُسْتُجِيبَ لَهُ , فَإِنْ كَانَ الَّذِي يَدْعُو بِهِ رِزْقًا لَهُ فِي الدُّنْيَا أُعْطِيَهُ , وَإِنْ لَمْ يَكُنْ رِزْقًا لَهُ فِي الدُّنْيَا ذُخِرَ لَهُ .

قُلْت : وَحَدِيث أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيّ وَإِنْ كَانَ إِذْنًا بِالْإِجَابَةِ فِي إِحْدَى ثَلَاث فَقَدْ دَلَّك عَلَى صِحَّة مَا تَقَدَّمَ مِنْ اِجْتِنَاب الِاعْتِدَاء الْمَانِع مِنْ الْإِجَابَة حَيْثُ قَالَ فِيهِ : ( مَا لَمْ يَدْعُ بِإِثْمٍ أَوْ قَطِيعَة رَحِم ) وَزَادَ مُسْلِم : ( مَا لَمْ يَسْتَعْجِل ) . رَوَاهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : ( لَا يَزَال يُسْتَجَاب لِلْعَبْدِ مَا لَمْ يَدْعُ بِإِثْمٍ أَوْ قَطِيعَة رَحِم مَا لَمْ يَسْتَعْجِل - قِيلَ : يَا رَسُول اللَّه , مَا الِاسْتِعْجَال ؟ قَالَ - يَقُول قَدْ دَعَوْت وَقَدْ دَعَوْت فَلَمْ أَرَ يَسْتَجِيب لِي فَيَسْتَحْسِر عِنْد ذَلِكَ وَيَدَع الدُّعَاء ) , وَرَوَى الْبُخَارِيّ وَمُسْلِم وَأَبُو دَاوُد عَنْ أَبِي هُرَيْرَة أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( يُسْتَجَاب لِأَحَدِكُمْ مَا لَمْ يَعْجَل يَقُول دَعَوْت فَلَمْ يُسْتَجَبْ لِي ) . قَالَ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَة اللَّه عَلَيْهِمْ : يَحْتَمِل قَوْله ( يُسْتَجَاب لِأَحَدِكُمْ ) الْإِخْبَار عَنْ وُجُوب وُقُوع الْإِجَابَة , وَالْإِخْبَار عَنْ جَوَاز وُقُوعهَا , فَإِذَا كَانَ بِمَعْنَى الْإِخْبَار عَنْ الْوُجُوب وَالْوُقُوع فَإِنَّ الْإِجَابَة تَكُون بِمَعْنَى الثَّلَاثَة الْأَشْيَاء الْمُتَقَدِّمَة , فَإِذَا قَالَ : قَدْ دَعَوْت فَلَمْ يَسْتَجِبْ لِي , بَطَلَ وُقُوع أَحَد هَذِهِ الثَّلَاثَة الْأَشْيَاء وَعَرِيَ الدُّعَاء مِنْ جَمِيعهَا , وَإِنْ كَانَ بِمَعْنَى جَوَاز الْإِجَابَة فَإِنَّ الْإِجَابَة حِينَئِذٍ تَكُون بِفِعْلِ مَا دَعَا بِهِ خَاصَّة , وَيَمْنَع مِنْ ذَلِكَ قَوْل الدَّاعِي : قَدْ دَعَوْت فَلَمْ يُسْتَجَبْ لِي ; لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ بَاب الْقُنُوط وَضَعْف الْيَقِين وَالسَّخَط .

قُلْت : وَيَمْنَع مِنْ إِجَابَة الدُّعَاء أَيْضًا أَكْل الْحَرَام وَمَا كَانَ فِي مَعْنَاهُ , قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( الرَّجُل يُطِيل السَّفَر أَشْعَث أَغْبَر يَمُدّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاء يَا رَبّ يَا رَبّ وَمَطْعَمه حَرَام وَمَشْرَبه حَرَام وَمَلْبَسه حَرَام وَغُذِّيَ بِالْحَرَامِ فَأَنَّى يُسْتَجَاب لِذَلِكَ ) وَهَذَا اِسْتِفْهَام عَلَى جِهَة الِاسْتِبْعَاد مِنْ قَبُول دُعَاء مَنْ هَذِهِ صِفَته , فَإِنَّ إِجَابَة الدُّعَاء لَا بُدّ لَهَا مِنْ شُرُوط فِي الدَّاعِي وَفِي الدُّعَاء وَفِي الشَّيْء الْمَدْعُوّ بِهِ . فَمِنْ شَرْط الدَّاعِي أَنْ يَكُون عَالِمًا بِأَنْ لَا قَادِر عَلَى حَاجَته إِلَّا اللَّه , وَأَنَّ الْوَسَائِط فِي قَبْضَته وَمُسَخَّرَة بِتَسْخِيرِهِ , وَأَنْ يَدْعُو بِنِيَّةٍ صَادِقَة وَحُضُور قَلْب , فَإِنَّ اللَّه لَا يَسْتَجِيب دُعَاء مِنْ قَلْب غَافِل لَاهٍ , وَأَنْ يَكُون مُجْتَنِبًا لِأَكْلِ الْحَرَام , وَأَلَّا يَمَلّ مِنْ الدُّعَاء , وَمِنْ شَرْط الْمَدْعُوّ فِيهِ أَنْ يَكُون مِنْ الْأُمُور الْجَائِزَة الطَّلَب وَالْفِعْل شَرْعًا , كَمَا قَالَ : ( مَا لَمْ يَدْعُ بِإِثْمٍ أَوْ قَطِيعَة رَحِم ) فَيَدْخُل فِي الْإِثْم كُلّ مَا يَأْثَم بِهِ مِنْ الذُّنُوب , وَيَدْخُل فِي الرَّحِم جَمِيع حُقُوق الْمُسْلِمِينَ وَمَظَالِمهمْ , وَقَالَ سَهْل بْن عَبْد اللَّه التُّسْتَرِيّ : شُرُوط الدُّعَاء سَبْعَة : أَوَّلهَا التَّضَرُّع وَالْخَوْف وَالرَّجَاء وَالْمُدَاوَمَة وَالْخُشُوع وَالْعُمُوم وَأَكْل الْحَلَال , وَقَالَ اِبْن عَطَاء : إِنَّ لِلدُّعَاءِ أَرْكَانًا وَأَجْنِحَة وَأَسْبَابًا وَأَوْقَاتًا , فَإِنْ وَافَقَ أَرْكَانه قَوِيَ , وَإِنْ وَافَقَ أَجْنِحَته طَارَ فِي السَّمَاء , وَإِنْ وَافَقَ مَوَاقِيته فَازَ , وَإِنْ وَافَقَ أَسْبَابه أَنْجَحَ . فَأَرْكَانه حُضُور الْقَلْب وَالرَّأْفَة وَالِاسْتِكَانَة وَالْخُشُوع , وَأَجْنِحَته الصِّدْق , وَمَوَاقِيته الْأَسْحَار , وَأَسْبَابه الصَّلَاة عَلَى مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَقِيلَ : شَرَائِطه أَرْبَع : أَوَّلهَا حِفْظ الْقَلْب عِنْد الْوَحْدَة , وَحِفْظ اللِّسَان مَعَ الْخَلْق , وَحِفْظ الْعَيْن عَنْ النَّظَر إِلَى مَا لَا يَحِلّ , وَحِفْظ الْبَطْن مِنْ الْحَرَام , وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ مِنْ شَرْط الدُّعَاء أَنْ يَكُون سَلِيمًا مِنْ اللَّحْن , كَمَا أَنْشَدَ بَعْضهمْ :
يُنَادِي رَبّه بِاللَّحْنِ لَيْث .......... كَذَاك إِذَا دَعَاهُ لَا يُجِيب
وَقِيلَ لِإِبْرَاهِيم بْن أَدْهَم : مَا بَالنَا نَدْعُو فَلَا يُسْتَجَاب لَنَا ؟ قَالَ : لِأَنَّكُمْ عَرَفْتُمْ اللَّه فَلَمْ تُطِيعُوهُ , وَعَرَفْتُمْ الرَّسُول فَلَمْ تَتَّبِعُوا سُنَّته , وَعَرَفْتُمْ الْقُرْآن فَلَمْ تَعْمَلُوا بِهِ , وَأَكَلْتُمْ نِعَم اللَّه فَلَمْ تُؤَدُّوا شُكْرهَا , وَعَرَفْتُمْ الْجَنَّة فَلَمْ تَطْلُبُوهَا , وَعَرَفْتُمْ النَّار فَلَمْ تَهْرُبُوا مِنْهَا , وَعَرَفْتُمْ الشَّيْطَان فَلَمْ تُحَارِبُوهُ وَوَافَقْتُمُوهُ , وَعَرَفْتُمْ الْمَوْت فَلَمْ تَسْتَعِدُّوا لَهُ , وَدَفَنْتُمْ الْأَمْوَات فَلَمْ تَعْتَبِرُوا , وَتَرَكْتُمْ عُيُوبكُمْ وَاشْتَغَلْتُمْ بِعُيُوبِ النَّاس . قَالَ عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ لِنَوْفٍ الْبَكَالِيّ : يَا نَوْف , إِنَّ اللَّه أَوْحَى إِلَى دَاوُد أَنْ مُرْ بَنِي إِسْرَائِيل أَلَّا يَدْخُلُوا بَيْتًا مِنْ بُيُوتِي إِلَّا بِقُلُوبٍ طَاهِرَة , وَأَبْصَار خَاشِعَة , وَأَيْدٍ نَقِيَّة , فَإِنِّي لَا أَسْتَجِيب لِأَحَدٍ مِنْهُمْ , وَلَا لِأَحَدٍ مِنْ خَلْقِي لَهُ عِنْده مَظْلِمَة . يَا نَوْف , لَا تَكُونَن شَاعِرًا وَلَا عَرِيفًا وَلَا شَرْطِيًّا وَلَا جَابِيًا وَلَا عَشَّارًا , فَإِنَّ دَاوُد قَامَ فِي سَاعَة مِنْ اللَّيْل فَقَالَ : إِنَّهَا سَاعَة لَا يَدْعُو عَبْد إِلَّا اُسْتُجِيبَ لَهُ فِيهَا , إِلَّا أَنْ يَكُون عَرِيفًا أَوْ شَرْطِيًّا أَوْ جَابِيًا أَوْ عَشَّارًا , أَوْ صَاحِب عَرْطَبَة , وَهِيَ الطُّنْبُور , أَوْ صَاحِب كُوبَة , وَهِيَ الطَّبْل . قَالَ عُلَمَاؤُنَا : وَلَا يَقُلْ الدَّاعِي : اللَّهُمَّ أَعْطِنِي إِنْ شِئْت , اللَّهُمَّ اِغْفِرْ لِي إِنْ شِئْت , اللَّهُمَّ اِرْحَمْنِي إِنْ شِئْت , بَلْ يُعَرِّي سُؤَاله وَدُعَاءَهُ مِنْ لَفْظ الْمَشِيئَة , وَيَسْأَل سُؤَال مَنْ يَعْلَم أَنَّهُ لَا يَفْعَل إِلَّا أَنْ يَشَاء . وَأَيْضًا فَإِنَّ فِي قَوْله : | إِنْ شِئْت | نَوْع مِنْ الِاسْتِغْنَاء عَنْ مَغْفِرَته وَعَطَائِهِ وَرَحْمَته , كَقَوْلِ الْقَائِل : إِنْ شِئْت أَنْ تُعْطِينِي كَذَا فَافْعَلْ , لَا يُسْتَعْمَل هَذَا إِلَّا مَعَ الْغِنَى عَنْهُ , وَأَمَّا الْمُضْطَرّ إِلَيْهِ فَإِنَّهُ يَعْزِم فِي مَسْأَلَته وَيَسْأَل سُؤَال فَقِير مُضْطَرّ إِلَى مَا سَأَلَهُ . /و رَوَى الْأَئِمَّة وَاللَّفْظ لِلْبُخَارِيِّ عَنْ أَنَس بْن مَالِك قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِذَا دَعَا أَحَدكُمْ فَلْيَعْزِمْ الْمَسْأَلَة يَقُولَن اللَّهُمَّ إِنْ شِئْت فَأَعْطِنِي فَإِنَّهُ لَا مُسْتَكْرِه لَهُ ) . وَفِي الْمُوَطَّأ : ( اللَّهُمَّ اِغْفِرْ لِي إِنْ شِئْت , اللَّهُمَّ اِرْحَمْنِي إِنْ شِئْت ) . قَالَ عُلَمَاؤُنَا : قَوْله ( فَلْيَعْزِمْ الْمَسْأَلَة ) دَلِيل عَلَى أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يَجْتَهِد فِي الدُّعَاء وَيَكُون عَلَى رَجَاء مِنْ الْإِجَابَة , وَلَا يَقْنُط مِنْ رَحْمَة اللَّه ; لِأَنَّهُ يَدْعُو كَرِيمًا . قَالَ سُفْيَان بْن عُيَيْنَة : لَا يَمْنَعَن أَحَدًا مِنْ الدُّعَاء مَا يَعْلَمهُ مِنْ نَفْسه فَإِنَّ اللَّه قَدْ أَجَابَ دُعَاء شَرّ الْخَلْق إِبْلِيس , قَالَ : رَبّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْم يُبْعَثُونَ , قَالَ فَإِنَّك مِنْ الْمُنْظَرِينَ , وَلِلدُّعَاءِ أَوْقَات وَأَحْوَال يَكُون الْغَالِب فِيهَا الْإِجَابَة , وَذَلِكَ كَالسَّحَرِ وَوَقْت الْفِطْر , وَمَا بَيْن الْأَذَان وَالْإِقَامَة , وَمَا بَيْن الظُّهْر وَالْعَصْر فِي يَوْم الْأَرْبِعَاء , وَأَوْقَات الِاضْطِرَار وَحَالَة السَّفَر وَالْمَرَض , وَعِنْد نُزُول الْمَطَر وَالصَّفّ فِي سَبِيل اللَّه . كُلّ هَذَا جَاءَتْ بِهِ الْآثَار , وَيَأْتِي بَيَانهَا فِي مَوَاضِعهَا , وَرَوَى شَهْر بْن حَوْشَب أَنَّ أُمّ الدَّرْدَاء قَالَتْ لَهُ : يَا شَهْر , أَلَا تَجِد الْقُشَعْرِيرَة ؟ قُلْت نَعَمْ . قَالَتْ : فَادْعُ اللَّه فَإِنَّ الدُّعَاء مُسْتَجَاب عِنْد ذَلِكَ , وَقَالَ جَابِر بْن عَبْد اللَّه : دَعَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَسْجِد الْفَتْح ثَلَاثًا يَوْم الْإِثْنَيْنِ وَيَوْم الثُّلَاثَاء فَاسْتُجِيبَ لَهُ يَوْم الْأَرْبِعَاء بَيْن الصَّلَاتَيْنِ فَعَرَفْت السُّرُور فِي وَجْهه . قَالَ جَابِر : ( مَا نَزَلَ بِي أَمْر مُهِمّ غَلِيظ إِلَّا تَوَخَّيْت تِلْكَ السَّاعَة فَأَدْعُو فِيهَا فَأَعْرِف الْإِجَابَة )|فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي|قَالَ أَبُو رَجَاء الْخُرَاسَانِيّ : فَلْيَدْعُوا لِي . وَقَالَ اِبْن عَطِيَّة : الْمَعْنَى فَلْيَطْلُبُوا أَنْ أُجِيبهُمْ , وَهَذَا هُوَ بَاب اِسْتَفْعَلَ أَيْ طَلَب الشَّيْء إِلَّا مَا شَذَّ مِثْل اِسْتَغْنَى اللَّه , وَقَالَ مُجَاهِد وَغَيْره : الْمَعْنَى فَلْيُجِيبُوا إِلَيَّ فِيمَا دَعَوْتهمْ إِلَيْهِ مِنْ الْإِيمَان , أَيْ الطَّاعَة وَالْعَمَل وَيُقَال : أَجَابَ وَاسْتَجَابَ بِمَعْنًى , وَمِنْهُ قَوْل الشَّاعِر :
فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْد ذَاكَ مُجِيب
أَيْ لَمْ يُجِبْهُ وَالسِّين زَائِدَة وَاللَّام لَام الْأَمْر , وَجَزَمَتْ لَام الْأَمْر لِأَنَّهَا تَجْعَل الْفِعْل مُسْتَقْبِلًا لَا غَيْر فَأَشْبَهَتْ إِنْ الَّتِي لِلشَّرْطِ , وَقِيلَ : لِأَنَّهَا لَا تَقَع إِلَّا عَلَى الْفِعْل .|وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ|اللَّام لَام الْأَمْر وَجَزَمَتْ لِأَنَّهَا تَجْعَل الْفِعْل مُسْتَقْبِلًا لَا غَيْر , فَأَشْبَهَتْ إِنْ الَّتِي لِلشَّرْطِ , وَقِيلَ : لِأَنَّهَا لَا تَقَع إِلَّا عَلَى الْفِعْل . وَالرَّشَاد خِلَاف الْغَيّ , وَقَدْ رَشَدَ يَرْشُد رُشْدًا , وَرَشِدَ بِالْكَسْرِ يَرْشَد رَشَدًا , لُغَة فِيهِ , وَأَرْشَدَهُ اللَّه . وَالْمَرَاشِد : مَقَاصِد الطُّرُق , وَالطَّرِيق الْأَرْشَد : نَحْو الْأَقْصَد , وَتَقُول : هُوَ لِرِشْدَةٍ . خِلَاف قَوْلك : لِزِنْيَة وَأُمّ رَاشِد كُنْيَة لِلْفَأْرَةِ وَبَنُو رَشْدَان : بَطْن مِنْ الْعَرَب , عَنْ الْجَوْهَرِيّ , وَقَالَ الْهَرَوِيّ : الرُّشْد وَالرَّشَد وَالرَّشَاد : الْهُدَى وَالِاسْتِقَامَة , وَمِنْهُ قَوْله : | لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ | .