islamkingdomfaceBook islamkingdomtwitter islamkingdominstagram islamkingdomyoutube


| ثَقِفْتُمُوهُمْ | يُقَال : ثَقِفَ يَثْقُف ثَقْفًا وَثَقَفًا , وَرَجُل ثَقْف لَقْف : إِذَا كَانَ مُحْكِمًا لِمَا يَتَنَاوَلهُ مِنْ الْأُمُور . وَفِي هَذَا دَلِيل عَلَى قَتْل الْأَسِير , وَسَيَأْتِي بَيَان هَذَا فِي | الْأَنْفَال | إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى .|وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ|أَيْ مَكَّة . قَالَ الطَّبَرِيّ : الْخِطَاب لِلْمُهَاجِرِينَ وَالضَّمِير لِكُفَّارِ قُرَيْش .|وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ|أَيْ الْفِتْنَة الَّتِي حَمَلُوكُمْ عَلَيْهَا وَرَامُوا رُجُوعكُمْ بِهَا إِلَى الْكُفْر أَشَدّ مِنْ الْقَتْل . قَالَ مُجَاهِد : أَيْ مِنْ أَنْ يُقْتَل الْمُؤْمِن , فَالْقَتْل أَخَفّ عَلَيْهِ مِنْ الْفِتْنَة , وَقَالَ غَيْره : أَيْ شِرْكهمْ بِاَللَّهِ وَكُفْرهمْ بِهِ أَعْظَم جُرْمًا وَأَشَدّ مِنْ الْقَتْل الَّذِي عَيَّرُوكُمْ بِهِ , وَهَذَا دَلِيل عَلَى أَنَّ الْآيَة نَزَلَتْ فِي شَأْن عَمْرو بْن الْحَضْرَمِيّ حِين قَتَلَهُ وَاقِد بْن عَبْد اللَّه التَّمِيمِيّ فِي آخِر يَوْم مِنْ رَجَب الشَّهْر الْحَرَام , حَسَب مَا هُوَ مَذْكُور فِي سَرِيَّة عَبْد اللَّه بْن جَحْش , عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانه , قَالَهُ الطَّبَرِيّ وَغَيْره .|وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ|لِلْعُلَمَاءِ فِي هَذِهِ الْآيَة قَوْلَانِ : أَحَدهمَا : أَنَّهَا مَنْسُوخَة , وَالثَّانِي : أَنَّهَا مُحْكَمَة . قَالَ مُجَاهِد : الْآيَة مُحْكَمَة , وَلَا يَجُوز قِتَال أَحَد فِي الْمَسْجِد الْحَرَام إِلَّا بَعْد أَنْ يُقَاتِل , وَبِهِ قَالَ طَاوُس , وَهُوَ الَّذِي يَقْتَضِيه نَصّ الْآيَة , وَهُوَ الصَّحِيح مِنْ الْقَوْلَيْنِ , وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَبُو حَنِيفَة وَأَصْحَابه , وَفِي الصَّحِيح عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْم فَتْح مَكَّة : ( إِنَّ هَذَا الْبَلَد حَرَّمَهُ اللَّه يَوْم خَلَقَ السَّمَوَات وَالْأَرْض فَهُوَ حَرَام بِحُرْمَةِ اللَّه تَعَالَى إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَإِنَّهُ لَمْ يَحِلّ الْقِتَال فِيهِ لِأَحَدٍ قَبْلِي وَلَمْ يَحِلّ لِي إِلَّا سَاعَة مِنْ نَهَار فَهُوَ حَرَام بِحُرْمَةِ اللَّه إِلَى يَوْم الْقِيَامَة ) , وَقَالَ قَتَادَة : الْآيَة مَنْسُوخَة بِقَوْلِهِ تَعَالَى : | فَإِذَا اِنْسَلَخَ الْأَشْهُر الْحُرُم فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ | [ التَّوْبَة : 5 ] , وَقَالَ مُقَاتِل : نَسَخَهَا قَوْله تَعَالَى : | وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ | ثُمَّ نَسَخَ هَذَا قَوْله : | اُقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ | , فَيَجُوز الِابْتِدَاء بِالْقِتَالِ فِي الْحَرَم , وَمِمَّا اِحْتَجُّوا بِهِ أَنَّ | بَرَاءَة | نَزَلَتْ بَعْد سُورَة | الْبَقَرَة | بِسَنَتَيْنِ , وَأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ مَكَّة وَعَلَيْهِ الْمِغْفَر , فَقِيلَ : إِنَّ اِبْن خَطَل مُتَعَلِّق بِأَسْتَارِ الْكَعْبَة , فَقَالَ : ( اُقْتُلُوهُ ) .

وَقَالَ اِبْن خُوَيْز مَنْدَاد : | وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْد الْمَسْجِد الْحَرَام | مَنْسُوخَة ; لِأَنَّ الْإِجْمَاع قَدْ تَقَرَّرَ بِأَنَّ عَدُوًّا لَوْ اِسْتَوْلَى عَلَى مَكَّة وَقَالَ : لَأُقَاتِلكُمْ , وَأَمْنَعكُمْ مِنْ الْحَجّ وَلَا أَبْرَح مِنْ مَكَّة لَوَجَبَ قِتَاله وَإِنْ لَمْ يَبْدَأ بِالْقِتَالِ , فَمَكَّة وَغَيْرهَا مِنْ الْبِلَاد سَوَاء . وَإِنَّمَا قِيلَ فِيهَا : هِيَ حَرَام تَعْظِيمًا لَهَا , أَلَا تَرَى أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ خَالِد بْن الْوَلِيد يَوْم الْفَتْح وَقَالَ : ( اُحْصُدْهُمْ بِالسَّيْفِ حَتَّى تَلْقَانِي عَلَى الصَّفَا ) حَتَّى جَاءَ الْعَبَّاس فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه , ذَهَبَتْ قُرَيْش , فَلَا قُرَيْش بَعْد الْيَوْم . أَلَا تَرَى أَنَّهُ قَالَ فِي تَعْظِيمهَا : ( وَلَا يَلْتَقِط لُقَطَتهَا إِلَّا مُنْشِد ) وَاللُّقَطَة بِهَا وَبِغَيْرِهَا سَوَاء , وَيَجُوز أَنْ تَكُون مَنْسُوخَة بِقَوْلِهِ : | وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُون فِتْنَة | [ الْبَقَرَة : 193 ] . قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : حَضَرَتْ فِي بَيْت الْمَقْدِس - طَهَّرَهُ اللَّه - بِمَدْرَسَةِ أَبِي عُقْبَة الْحَنَفِيّ , وَالْقَاضِي الزِّنْجَانِيّ يُلْقِي عَلَيْنَا الدَّرْس فِي يَوْم جُمُعَة , فَبَيْنَا نَحْنُ كَذَلِكَ إِذْ دَخَلَ عَلَيْنَا رَجُل بَهِيّ الْمَنْظَر عَلَى ظَهْره أَطْمَار , فَسَلَّمَ سَلَام الْعُلَمَاء وَتَصَدَّرَ فِي صَدْر الْمَجْلِس بِمَدَارِع الرِّعَاء , فَقَالَ الْقَاضِي الزِّنْجَانِيّ : مَنْ السَّيِّد ؟ فَقَالَ : رَجُل سَلَبَهُ الشُّطَّار أَمْسِ , وَكَانَ مَقْصِدِي هَذَا الْحَرَم الْمُقَدَّس , وَأَنَا رَجُل مِنْ أَهْل صَاغَان مِنْ طَلَبَة الْعِلْم , فَقَالَ الْقَاضِي مُبَادِرًا : سَلُوهُ - عَلَى الْعَادَة فِي إِكْرَام الْعُلَمَاء بِمُبَادَرَةِ سُؤَالهمْ - وَوَقَعَتْ الْقُرْعَة عَلَى مَسْأَلَة الْكَافِر إِذَا اِلْتَجَأَ إِلَى الْحَرَم هَلْ يُقْتَل أَمْ لَا ؟ فَأَفْتَى بِأَنَّهُ لَا يُقْتَل , فَسُئِلَ عَنْ الدَّلِيل , فَقَالَ قَوْله تَعَالَى : | وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْد الْمَسْجِد الْحَرَام حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ | قُرِئَ | وَلَا تَقْتُلُوهُمْ , وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ | فَإِنْ قُرِئَ | وَلَا تَقْتُلُوهُمْ | فَالْمَسْأَلَة نَصّ , وَإِنْ قُرِئَ | وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ | فَهُوَ تَنْبِيه ; لِأَنَّهُ إِذَا نَهَى عَنْ الْقِتَال الَّذِي هُوَ سَبَب الْقَتْل كَانَ دَلِيلًا بَيِّنًا ظَاهِرًا عَلَى النَّهْي عَنْ الْقَتْل , فَاعْتَرَضَ عَلَيْهِ الْقَاضِي مُنْتَصِرًا لِلشَّافِعِيِّ وَمَالِك , وَإِنْ لَمْ يَرَ مَذْهَبهمَا , عَلَى الْعَادَة , فَقَالَ : هَذِهِ الْآيَة مَنْسُوخَة بِقَوْلِهِ تَعَالَى : | فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ | [ التَّوْبَة : 5 ] , فَقَالَ لَهُ الصَّاغَانِيّ : هَذَا لَا يَلِيق بِمَنْصِبِ الْقَاضِي وَعِلْمه , فَإِنَّ هَذِهِ الْآيَة الَّتِي اِعْتَرَضْت بِهَا عَامَّة فِي الْأَمَاكِن , وَاَلَّتِي اِحْتَجَجْت بِهَا خَاصَّة , وَلَا يَجُوز لِأَحَدٍ أَنْ يَقُول : إِنَّ الْعَامّ يَنْسَخ الْخَاصّ , فَبُهِتَ الْقَاضِي الزِّنْجَانِيّ , وَهَذَا مِنْ بَدِيع الْكَلَام . قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : فَإِنْ لَجَأَ إِلَيْهِ كَافِر فَلَا سَبِيل إِلَيْهِ , لِنَصِّ الْآيَة وَالسُّنَّة الثَّابِتَة بِالنَّهْيِ عَنْ الْقِتَال فِيهِ , وَأَمَّا الزَّانِي وَالْقَاتِل فَلَا بُدّ مِنْ إِقَامَة الْحَدّ عَلَيْهِ , إِلَّا أَنْ يَبْتَدِئ الْكَافِر بِالْقِتَالِ فَيُقْتَل بِنَصِّ الْقُرْآن .

قُلْت : وَأَمَّا مَا اِحْتَجُّوا بِهِ مِنْ قَتْل اِبْن خَطَل وَأَصْحَابه فَلَا حُجَّة فِيهِ , فَإِنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي الْوَقْت الَّذِي أُحِلَّتْ لَهُ مَكَّة وَهِيَ دَار حَرْب وَكُفْر , وَكَانَ لَهُ أَنْ يُرِيق دِمَاء مَنْ شَاءَ مِنْ أَهْلهَا فِي السَّاعَة الَّتِي أُحِلَّ لَهُ فِيهَا الْقِتَال . فَثَبَتَ وَصَحَّ أَنَّ الْقَوْل الْأَوَّل أَصَحّ , وَاَللَّه أَعْلَم .

قَالَ بَعْض الْعُلَمَاء : فِي هَذِهِ الْآيَة دَلِيل عَلَى أَنَّ الْبَاغِي عَلَى الْإِمَام بِخِلَافِ الْكَافِر , فَالْكَافِر يُقْتَل إِذَا قَاتَلَ بِكُلِّ حَال , وَالْبَاغِي إِذَا قَاتَلَ يُقَاتِل بِنِيَّةِ الدَّفْع , وَلَا يُتْبَع مُدَبَّر وَلَا يُجْهَز عَلَى جَرِيح . عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانه مِنْ أَحْكَام الْبَاغِينَ فِي | الْحُجُرَات | إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى .

أَيْ عَنْ قِتَالكُمْ بِالْإِيمَانِ فَإِنَّ اللَّه يَغْفِر لَهُمْ جَمِيع مَا تَقَدَّمَ , وَيَرْحَم كُلًّا مِنْهُمْ بِالْعَفْوِ عَمَّا اِجْتَرَمَ , نَظِيره قَوْله تَعَالَى : | قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَر لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ | [ الْأَنْفَال : 38 ] . وَسَيَأْتِي .

| وَقَاتِلُوهُمْ | أَمْر بِالْقِتَالِ لِكُلِّ مُشْرِك فِي كُلّ مَوْضِع , عَلَى مَنْ رَآهَا نَاسِخَة , وَمَنْ رَآهَا غَيْر نَاسِخَة قَالَ : الْمَعْنَى قَاتِلُوا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ قَالَ اللَّه فِيهِمْ : | فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ | وَالْأَوَّل أَظْهَر , وَهُوَ أَمْر بِقِتَالٍ مُطْلَق لَا بِشَرْطِ أَنْ يَبْدَأ الْكُفَّار . دَلِيل ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى : | وَيَكُون الدِّين لِلَّهِ | , وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام : ( أُمِرْت أَنْ أُقَاتِل النَّاس حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَه إِلَّا اللَّه ) , فَدَلَّتْ الْآيَة وَالْحَدِيث عَلَى أَنَّ سَبَب الْقِتَال هُوَ الْكُفْر ; لِأَنَّهُ قَالَ : | حَتَّى لَا تَكُون فِتْنَة | أَيْ كُفْر , فَجَعَلَ الْغَايَة عَدَم الْكُفْر , وَهَذَا ظَاهِر . قَالَ اِبْن عَبَّاس وَقَتَادَة وَالرَّبِيع وَالسُّدِّيّ وَغَيْرهمْ : الْفِتْنَة هُنَاكَ الشِّرْك وَمَا تَابَعَهُ مِنْ أَذَى الْمُؤْمِنِينَ , وَأَصْل الْفِتْنَة : الِاخْتِبَار وَالِامْتِحَان مَأْخُوذ مِنْ فَتَنْت الْفِضَّة إِذَا أَدْخَلْتهَا فِي النَّار لِتُمَيِّز رَدِيئَهَا مِنْ جَيِّدهَا . وَسَيَأْتِي بَيَان مَحَامِلهَا إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى .|فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ|| فَإِنْ اِنْتَهَوْا | أَيْ عَنْ الْكُفْر , إِمَّا بِالْإِسْلَامِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْآيَة قَبْل , أَوْ بِأَدَاءِ الْجِزْيَة فِي حَقّ أَهْل الْكِتَاب , عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانه فِي | بَرَاءَة | وَإِلَّا قُوتِلُوا وَهُمْ الظَّالِمُونَ لَا عُدْوَان إِلَّا عَلَيْهِمْ , وَسُمِّيَ مَا يُصْنَع بِالظَّالِمِينَ عُدْوَانًا مِنْ حَيْثُ هُوَ جَزَاء عُدْوَان , إِذْ الظُّلْم يَتَضَمَّن الْعُدْوَان , فَسُمِّيَ جَزَاء الْعُدْوَان عُدْوَانًا , كَقَوْلِهِ : | وَجَزَاء سَيِّئَة سَيِّئَة مِثْلهَا | [ الشُّورَى : 40 ] . وَالظَّالِمُونَ هُمْ عَلَى أَحَد التَّأْوِيلَيْنِ : مَنْ بَدَأَ بِقِتَالٍ , وَعَلَى التَّأْوِيل الْآخَر : مَنْ بَقِيَ عَلَى كُفْر وَفِتْنَة .

قَدْ تَقَدَّمَ اِشْتِقَاق الشَّهْر , وَسَبَب نُزُولهَا مَا رُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس وَقَتَادَة وَمُجَاهِد وَمِقْسَم وَالسُّدِّيّ وَالرَّبِيع وَالضَّحَّاك وَغَيْرهمْ قَالُوا : نَزَلَتْ فِي عُمْرَة الْقَضِيَّة وَعَام الْحُدَيْبِيَة , ( وَذَلِكَ أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ مُعْتَمِرًا حَتَّى بَلَغَ الْحُدَيْبِيَة ) فِي ذِي الْقَعْدَة سَنَة سِتّ , فَصَدَّهُ الْمُشْرِكُونَ كُفَّار قُرَيْش عَنْ الْبَيْت فَانْصَرَفَ , وَوَعَدَهُ اللَّه سُبْحَانه أَنَّهُ سَيَدْخُلُهُ , فَدَخَلَهُ سَنَة سَبْع وَقَضَى نُسُكه , فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة , وَرُوِيَ عَنْ الْحَسَن أَنَّ الْمُشْرِكِينَ قَالُوا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَنُهِيت يَا مُحَمَّد عَنْ الْقِتَال فِي الشَّهْر الْحَرَام ؟ قَالَ : ( نَعَمْ ) . فَأَرَادُوا قِتَاله , فَنَزَلَتْ الْآيَة . الْمَعْنَى : إِنْ اِسْتَحَلُّوا ذَلِكَ فِيهِ فَقَاتِلْهُمْ , فَأَبَاحَ اللَّه بِالْآيَةِ مُدَافَعَتهمْ , وَالْقَوْل الْأَوَّل أَشْهَر وَعَلَيْهِ الْأَكْثَر .|وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ|الْحُرُمَات جَمْع حُرْمَة , كَالظُّلُمَاتِ جَمْع ظُلْمَة , وَالْحُجُرَات جَمْع حُجْرَة , وَإِنَّمَا جُمِعَتْ الْحُرُمَات لِأَنَّهُ أَرَادَ حُرْمَة الشَّهْر الْحَرَام وَحُرْمَة الْبَلَد الْحَرَام , وَحُرْمَة الْإِحْرَام . وَالْحُرْمَة : مَا مُنِعْت مِنْ اِنْتِهَاكه , وَالْقِصَاص الْمُسَاوَاة , أَيْ اِقْتَصَصْت لَكُمْ مِنْهُمْ إِذْ صَدُّوكُمْ سَنَة سِتّ فَقَضَيْتُمْ الْعُمْرَة سَنَة سَبْع . ف | الْحُرُمَات قِصَاص | عَلَى هَذَا مُتَّصِل بِمَا قَبْله وَمُتَعَلِّق . بِهِ . وَقِيلَ : هُوَ مَقْطُوع مِنْهُ , وَهُوَ اِبْتِدَاء أَمْر كَانَ فِي أَوَّل الْإِسْلَام : إِنَّ مَنْ اِنْتَهَكَ حُرْمَتك نِلْت مِنْهُ مِثْل مَا اِعْتَدَى عَلَيْك , ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِالْقِتَالِ , وَقَالَتْ طَائِفَة : مَا تَنَاوَلَتْ الْآيَة مِنْ التَّعَدِّي بَيْن أُمَّة مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْجِنَايَات وَنَحْوهَا لَمْ يُنْسَخ , وَجَازَ لِمَنْ تُعُدِّيَ عَلَيْهِ فِي مَال أَوْ جُرْح أَنْ يَتَعَدَّى بِمِثْلِ مَا تُعُدِّيَ بِهِ عَلَيْهِ إِذَا خَفِيَ لَهُ ذَلِكَ , وَلَيْسَ بَيْنه وَبَيْن اللَّه تَعَالَى فِي ذَلِكَ شَيْء , قَالَهُ الشَّافِعِيّ وَغَيْره , وَهِيَ رِوَايَة فِي مَذْهَب مَالِك , وَقَالَتْ طَائِفَة مِنْ أَصْحَاب مَالِك : لَيْسَ ذَلِكَ لَهُ , وَأُمُور الْقِصَاص وَقْف عَلَى الْحُكَّام , وَالْأَمْوَال يَتَنَاوَلهَا قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَدِّ الْأَمَانَة إِلَى مَنْ اِئْتَمَنَك وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَك ) . خَرَّجَهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَغَيْره , فَمَنْ اِئْتَمَنَهُ مَنْ خَانَهُ فَلَا يَجُوز لَهُ أَنْ يَخُونهُ وَيَصِل إِلَى حَقّه مِمَّا اِئْتَمَنَهُ عَلَيْهِ , وَهُوَ الْمَشْهُور مِنْ الْمَذْهَب , وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَة تَمَسُّكًا بِهَذَا الْحَدِيث , وَقَوْله تَعَالَى : | إِنَّ اللَّه يَأْمُركُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَات إِلَى أَهْلهَا | [ النِّسَاء : 58 ] , وَهُوَ قَوْل عَطَاء الْخُرَاسَانِيّ . قَالَ قُدَامَة بْن الْهَيْثَم : سَأَلْت عَطَاء بْن مَيْسَرَة الْخُرَاسَانِيّ فَقُلْت لَهُ : لِي عَلَى رَجُل حَقّ , وَقَدْ جَحَدَنِي بِهِ وَقَدْ أَعْيَا عَلَيَّ الْبَيِّنَة , أَفَأَقْتَصُّ مِنْ مَاله ؟ قَالَ : أَرَأَيْت لَوْ وَقَعَ بِجَارِيَتِك , فَعَلِمْت مَا كُنْت صَانِعًا .

قُلْت : وَالصَّحِيح جَوَاز ذَلِكَ كَيْف مَا تَوَصَّلَ إِلَى أَخْذ حَقّه مَا لَمْ يَعُدْ سَارِقًا , وَهُوَ مَذْهَب الشَّافِعِيّ وَحَكَاهُ الدَّاوُدِيّ عَنْ مَالِك , وَقَالَ بِهِ اِبْن الْمُنْذِر , وَاخْتَارَهُ اِبْن الْعَرَبِيّ , وَأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ خِيَانَة وَإِنَّمَا هُوَ وُصُول إِلَى حَقّ , وَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( اُنْصُرْ أَخَاك ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا ) وَأَخْذ الْحَقّ مِنْ الظَّالِم نَصْر لَهُ , وَقَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِهِنْد بِنْت عُتْبَة اِمْرَأَة أَبِي سُفْيَان لَمَّا قَالَتْ لَهُ : إِنَّ أَبَا سُفْيَان رَجُل شَحِيح لَا يُعْطِينِي مِنْ النَّفَقَة مَا يَكْفِينِي وَيَكْفِي بَنِيَّ إِلَّا مَا أَخَذْت مِنْ مَاله بِغَيْرِ عِلْمه , فَهَلْ عَلَيَّ جُنَاح ؟ فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( خُذِي مَا يَكْفِيك وَيَكْفِي وَلَدك بِالْمَعْرُوفِ ) . فَأَبَاحَ لَهَا الْأَخْذ وَأَلَّا تَأْخُذ إِلَّا الْقَدْر الَّذِي يَجِب لَهَا , وَهَذَا كُلّه ثَابِت فِي الصَّحِيح , قَوْله تَعَالَى : | فَمَنْ اِعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اِعْتَدَى عَلَيْكُمْ | قَاطِع فِي مَوْضِع الْخِلَاف .

وَاخْتَلَفُوا إِذَا ظَفِرَ لَهُ بِمَالٍ مِنْ غَيْر جِنْس مَاله , فَقِيلَ : لَا يَأْخُذ إِلَّا بِحُكْمِ الْحَاكِم , وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ , أَصَحّهمَا الْأَخْذ , قِيَاسًا عَلَى مَا لَوْ ظَفِرَ لَهُ مِنْ جِنْس مَاله , وَالْقَوْل الثَّانِي لَا يَأْخُذ لِأَنَّهُ خِلَاف الْجِنْس , وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : يَتَحَرَّى قِيمَة مَا لَهُ عَلَيْهِ وَيَأْخُذ مِقْدَار ذَلِكَ , وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح لِمَا بَيَّنَّاهُ مِنْ الدَّلِيل , وَاَللَّه أَعْلَم .

وَإِذَا فَرَّعْنَا عَلَى الْأَخْذ فَهَلْ يُعْتَبَر مَا عَلَيْهِ مِنْ الدُّيُون وَغَيْر ذَلِكَ , فَقَالَ الشَّافِعِيّ : لَا , بَلْ يَأْخُذ مَا لَهُ عَلَيْهِ , وَقَالَ مَالِك : يُعْتَبَر مَا يَحْصُل لَهُ مَعَ الْغُرَمَاء فِي الْفَلَس , وَهُوَ الْقِيَاس , وَاَللَّه أَعْلَم .|فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ|عُمُوم مُتَّفَق عَلَيْهِ , إِمَّا بِالْمُبَاشَرَةِ إِنْ أَمْكَنَ , وَإِمَّا بِالْحُكَّامِ , وَاخْتَلَفَ النَّاس فِي الْمُكَافَأَة هَلْ تُسَمَّى عُدْوَانًا أَمْ لَا , فَمَنْ قَالَ : لَيْسَ فِي الْقُرْآن مَجَاز , قَالَ : الْمُقَابَلَة عُدْوَان , وَهُوَ عُدْوَان مُبَاح , كَمَا أَنَّ الْمَجَاز فِي كَلَام الْعَرَب كَذِب مُبَاح ; لِأَنَّ قَوْل الْقَائِل :
فَقَالَتْ لَهُ الْعَيْنَانِ سَمْعًا وَطَاعَة
وَكَذَلِكَ :
اِمْتَلَأَ الْحَوْض وَقَالَ قَطْنِي
وَكَذَلِكَ :
شَكَا إِلَيَّ جَمَلِي طُول السُّرَى
وَمَعْلُوم أَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاء لَا تَنْطِق , وَحَدّ الْكَذِب : إِخْبَار عَنْ الشَّيْء عَلَى خِلَاف مَا هُوَ بِهِ , وَمَنْ قَالَ فِي الْقُرْآن مَجَاز سَمَّى هَذَا عُدْوَانًا عَلَى طَرِيق الْمَجَاز وَمُقَابَلَة الْكَلَام بِمِثْلِهِ , كَمَا قَالَ عَمْرو بْن كُلْثُوم :
أَلَا لَا يَجْهَلَن أَحَد عَلَيْنَا .......... فَنَجْهَل فَوْق جَهْل الْجَاهِلِينَا
وَقَالَ الْآخَر :
وَلِي فَرَس لِلْحِلْمِ بِالْحِلْمِ مُلْجَم .......... وَلِي فَرَس لِلْجَهْلِ بِالْجَهْلِ مُسْرَج

وَمَنْ رَامَ تَقْوِيمِي فَإِنِّي مُقَوَّم .......... وَمَنْ رَامَ تَعْوِيجِي فَإِنِّي مُعَوَّج
يُرِيد : أُكَافِئ الْجَاهِل وَالْمُعْوَجّ , لَا أَنَّهُ اِمْتَدَحَ بِالْجَهْلِ وَالِاعْوِجَاج .

وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِيمَنْ اِسْتَهْلَكَ أَوْ أَفْسَدَ شَيْئًا مِنْ الْحَيَوَان أَوْ الْعُرُوض الَّتِي لَا تُكَال وَلَا تُوزَن , فَقَالَ الشَّافِعِيّ وَأَبُو حَنِيفَة وَأَصْحَابهمَا وَجَمَاعَة مِنْ الْعُلَمَاء : عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ الْمِثْل , وَلَا يُعْدَل إِلَى الْقِيمَة إِلَّا عِنْد عَدَم الْمِثْل , لِقَوْلِهِ تَعَالَى : | فَمَنْ اِعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اِعْتَدَى عَلَيْكُمْ | وَقَوْله تَعَالَى : | وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ | [ النَّحْل : 126 ] . قَالُوا : وَهَذَا عُمُوم فِي جَمِيع الْأَشْيَاء كُلّهَا , وَعَضَدُوا هَذَا بِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَبَسَ الْقَصْعَة الْمَكْسُورَة فِي بَيْت الَّتِي كَسَرَتْهَا وَدَفَعَ الصَّحِيحَة وَقَالَ : ( إِنَاء بِإِنَاءٍ وَطَعَام بِطَعَامٍ ) خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُد قَالَ : حَدَّثَنَا مُسَدِّد حَدَّثَنَا يَحْيَى ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا خَالِد عَنْ حُمَيْد عَنْ أَنَس أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ عِنْد بَعْض نِسَائِهِ , فَأَرْسَلَتْ إِحْدَى أُمَّهَات الْمُؤْمِنِينَ مَعَ خَادِم قَصْعَة فِيهَا طَعَام , قَالَ : فَضَرَبَتْ بِيَدِهَا فَكَسَرَتْ الْقَصْعَة . قَالَ اِبْن الْمُثَنَّى : فَأَخَذَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْكِسْرَتَيْنِ فَضَمَّ إِحْدَاهُمَا إِلَى الْأُخْرَى , فَجَعَلَ يَجْمَع فِيهَا الطَّعَام وَيَقُول : ( غَارَتْ أُمّكُمْ ) . زَادَ اِبْن الْمُثَنَّى ( كُلُوا ) فَأَكَلُوا حَتَّى جَاءَتْ قَصْعَتهَا الَّتِي فِي بَيْتهَا , ثُمَّ رَجَعْنَا إِلَى لَفْظ حَدِيث مُسَدِّد وَقَالَ : ( كُلُوا ) وَحَبَسَ الرَّسُول وَالْقَصْعَة حَتَّى فَرَغُوا , فَدَفَعَ الْقَصْعَة الصَّحِيحَة إِلَى الرَّسُول وَحَبَسَ الْمَكْسُورَة فِي بَيْته . حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُد قَالَ : حَدَّثَنَا مُسَدِّد حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ سُفْيَان قَالَ وَحَدَّثَنَا فُلَيْت الْعَامِرِيّ - قَالَ أَبُو دَاوُد : وَهُوَ أَفْلَت بْن خَلِيفَة - عَنْ جَسْرَة بِنْت دَجَاجَة قَالَتْ : قَالَتْ عَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا : مَا رَأَيْت صَانِعًا طَعَامًا مِثْل صَفِيَّة , صَنَعَتْ لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَعَامًا فَبَعَثَتْ بِهِ , فَأَخَذَنِي أَفْكَل فَكَسَرْت الْإِنَاء , فَقُلْت : يَا رَسُول اللَّه , مَا كَفَّارَة مَا صَنَعْت ؟ قَالَ : ( إِنَاء مِثْل إِنَاء وَطَعَام مِثْل طَعَام ) . قَالَ مَالِك وَأَصْحَابه : عَلَيْهِ فِي الْحَيَوَان وَالْعُرُوض الَّتِي لَا تُكَال وَلَا تُوزَن الْقِيمَة لَا الْمِثْل , بِدَلِيلِ تَضْمِين النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي أَعْتَقَ نِصْف عَبْده قِيمَة نِصْف شَرِيكه , وَلَمْ يُضَمِّنهُ مِثْل نِصْف عَبْده . وَلَا خِلَاف بَيْن الْعُلَمَاء عَلَى تَضْمِين الْمِثْل فِي الْمَطْعُومَات وَالْمَشْرُوبَات وَالْمَوْزُونَات , لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَام : ( طَعَام بِطَعَامٍ ) .

لَا خِلَاف بَيْن الْعُلَمَاء أَنَّ هَذِهِ الْآيَة أَصْل فِي الْمُمَاثَلَة فِي الْقِصَاص , فَمَنْ قَتَلَ بِشَيْءٍ قُتِلَ بِمِثْلِ مَا قَتَلَ بِهِ , وَهُوَ قَوْل الْجُمْهُور , مَا لَمْ يَقْتُلهُ بِفِسْقٍ كَاللُّوطِيَّةِ وَإِسْقَاء الْخَمْر فَيُقْتَل بِالسَّيْفِ , وَلِلشَّافِعِيَّةِ قَوْل : إِنَّهُ يُقْتَل بِذَلِكَ , فَيُتَّخَذ عُود عَلَى تِلْكَ الصِّفَة وَيُطْعَن بِهِ فِي دُبُره حَتَّى يَمُوت , وَيُسْقَى عَنْ الْخَمْر مَاء حَتَّى يَمُوت . وَقَالَ اِبْن الْمَاجِشُونِ : إِنَّ مَنْ قَتَلَ بِالنَّارِ أَوْ بِالسُّمِّ لَا يُقْتَل بِهِ , لِقَوْلِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا يُعَذِّب بِالنَّارِ , إِلَّا اللَّه ) , وَالسُّمّ نَار بَاطِنَة , وَذَهَبَ الْجُمْهُور إِلَى أَنَّهُ يُقْتَل بِذَلِكَ , لِعُمُومِ الْآيَة .

وَأَمَّا الْقَوَد بِالْعَصَا فَقَالَ مَالِك فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ : إِنَّهُ إِنْ كَانَ فِي الْقَتْل بِالْعَصَا تَطْوِيل وَتَعْذِيب قُتِلَ بِالسَّيْفِ , رَوَاهُ عَنْهُ اِبْن وَهْب , وَقَالَهُ اِبْن الْقَاسِم , وَفِي الْأُخْرَى : يُقْتَل بِهَا وَإِنْ كَانَ فِيهِ ذَلِكَ , وَهُوَ قَوْل الشَّافِعِيّ , وَرَوَى أَشْهَب وَابْن نَافِع عَنْ مَالِك فِي الْحَجَر وَالْعَصَا أَنَّهُ يُقْتَل بِهِمَا إِذَا كَانَتْ الضَّرْبَة مُجْهِزَة , فَأَمَّا أَنْ يَضْرِب ضَرَبَات فَلَا , وَعَلَيْهِ لَا يُرْمَى بِالنَّبْلِ وَلَا بِالْحِجَارَةِ لِأَنَّهُ مِنْ التَّعْذِيب , وَقَالَهُ عَبْد الْمَلِك . قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : | وَالصَّحِيح مِنْ أَقْوَال عُلَمَائِنَا أَنَّ الْمُمَاثَلَة وَاجِبَة , إِلَّا أَنْ تَدْخُل فِي حَدّ التَّعْذِيب فَلْتُتْرَكْ إِلَى السَّيْف | , وَاتَّفَقَ عُلَمَاؤُنَا عَلَى أَنَّهُ إِذَا قَطَعَ يَده وَرِجْله وَفَقَأَ عَيْنه قَصْد التَّعْذِيب فُعِلَ بِهِ ذَلِكَ , كَمَا فَعَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَتَلَةِ الرِّعَاء , وَإِنْ كَانَ فِي مُدَافَعَة أَوْ مُضَارَبَة قُتِلَ بِالسَّيْفِ . وَذَهَبَتْ طَائِفَة إِلَى خِلَاف هَذَا كُلّه فَقَالُوا : لَا قَوَد إِلَّا بِالسَّيْفِ , وَهُوَ مَذْهَب أَبِي حَنِيفَة وَالشَّعْبِيّ وَالنَّخَعِيّ . وَاحْتَجُّوا عَلَى ذَلِكَ بِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( لَا قَوَد إِلَّا بِحَدِيدَةٍ ) , وَبِالنَّهْيِ عَنْ الْمُثْلَة , وَقَوْله : ( لَا يُعَذِّب بِالنَّارِ إِلَّا رَبّ النَّار ) . وَالصَّحِيح مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْجُمْهُور , لِمَا رَوَاهُ الْأَئِمَّة عَنْ أَنَس بْن مَالِك أَنَّ جَارِيَة وُجِدَ رَأْسهَا قَدْ رُضَّ بَيْن حَجَرَيْنِ , فَسَأَلُوهَا : مَنْ صَنَعَ هَذَا بِك ! أَفُلَان , أَفُلَان ؟ حَتَّى ذَكَرُوا يَهُودِيًّا فَأَوْمَأَتْ بِرَأْسِهَا , فَأُخِذَ الْيَهُودِيّ فَأَقَرَّ , فَأَمَرَ بِهِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تُرَضّ رَأْسه بِالْحِجَارَةِ , وَفِي رِوَايَة : فَقَتَلَهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْن حَجَرَيْنِ , وَهَذَا نَصّ صَرِيح صَحِيح , وَهُوَ مُقْتَضَى قَوْله تَعَالَى : | وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ | [ النَّحْل : 126 ] , وَقَوْله : | فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اِعْتَدَى عَلَيْكُمْ | . وَأَمَّا مَا اِسْتَدَلُّوا بِهِ مِنْ حَدِيث جَابِر فَحَدِيث ضَعِيف عِنْد الْمُحَدِّثِينَ , لَا يُرْوَى عَنْ طَرِيق صَحِيح , لَوْ صَحَّ قُلْنَا بِمُوجَبِهِ , وَأَنَّهُ إِذَا قَتَلَ بِحَدِيدَةٍ قُتِلَ بِهَا , يَدُلّ عَلَى ذَلِكَ حَدِيث أَنَس : أَنَّ يَهُودِيًّا رَضَّ رَأْس جَارِيَة بَيْن حَجَرَيْنِ فَرَضَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأْسه بَيْن حَجَرَيْنِ , وَأَمَّا النَّهْي عَنْ الْمُثْلَة فَنَقُول أَيْضًا بِمُوجِبِهَا إِذَا لَمْ يُمَثِّل , فَإِذَا مَثَّلَ مَثَّلْنَا بِهِ , يَدُلّ عَلَى ذَلِكَ حَدِيث الْعُرَنِيِّينَ , وَهُوَ صَحِيح أَخْرَجَهُ الْأَئِمَّة , وَقَوْله : ( لَا يُعَذِّب بِالنَّارِ إِلَّا رَبّ النَّار ) صَحِيح إِذَا لَمْ يُحْرِق , فَإِنْ حَرَقَ حُرِقَ , يَدُلّ عَلَيْهِ عُمُوم الْقُرْآن . قَالَ الشَّافِعِيّ : إِنْ طَرَحَهُ فِي النَّار عَمْدًا طَرَحَهُ فِي النَّار حَتَّى يَمُوت , وَذَكَرَهُ الْوَقَار فِي مُخْتَصَره عَنْ مَالِك , وَهُوَ قَوْل مُحَمَّد بْن عَبْد الْحَكَم . قَالَ اِبْن الْمُنْذِر : وَقَوْل كَثِير مِنْ أَهْل الْعِلْم فِي الرَّجُل يَخْنُق الرَّجُل : عَلَيْهِ الْقَوَد , وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ مُحَمَّد بْن الْحَسَن فَقَالَ : لَوْ خَنَقَهُ حَتَّى مَاتَ أَوْ طَرَحَهُ فِي بِئْر فَمَاتَ , أَوْ أَلْقَاهُ مِنْ جَبَل أَوْ سَطْح فَمَاتَ , لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ قِصَاص وَكَانَ عَلَى عَاقِلَته الدِّيَة , فَإِنْ كَانَ مَعْرُوفًا بِذَلِكَ - قَدْ خَنَقَ غَيْر وَاحِد - فَعَلَيْهِ الْقَتْل . قَالَ اِبْن الْمُنْذِر : وَلَمَّا أَقَادَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْيَهُودِيّ الَّذِي رَضَّ رَأْس الْجَارِيَة بِالْحَجَرِ كَانَ هَذَا فِي مَعْنَاهُ , فَلَا مَعْنَى لِقَوْلِهِ .

قُلْت : وَحَكَى هَذَا الْقَوْل غَيْره عَنْ أَبِي حَنِيفَة فَقَالَ : وَقَدْ شَذَّ أَبُو حَنِيفَة فَقَالَ فِيمَنْ قَتَلَ بِخَنْقٍ أَوْ بِسُمٍّ أَوْ تَرْدِيَة مِنْ جَبَل أَوْ بِئْر أَوْ بِخَشَبَةٍ : إِنَّهُ لَا يُقْتَل وَلَا يُقْتَصّ مِنْهُ , إِلَّا إِذَا قَتَلَ بِمُحَدَّدٍ حَدِيد أَوْ حَجَر أَوْ خَشَب أَوْ كَانَ مَعْرُوفًا بِالْخَنْقِ وَالتَّرْدِيَة وَكَانَ عَلَى عَاقِلَته الدِّيَة , وَهَذَا مِنْهُ رَدّ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّة , وَإِحْدَاث مَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَمْر الْأُمَّة , وَذَرِيعَة إِلَى رَفْع الْقِصَاص الَّذِي شَرَعَهُ اللَّه لِلنُّفُوسِ , فَلَيْسَ عَنْهُ مَنَاص .

وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ حَبَسَ رَجُلًا وَقَتَلَهُ آخَر , فَقَالَ عَطَاء : يُقْتَل الْقَاتِل وَيُحْبَس الْحَابِس حَتَّى يَمُوت , وَقَالَ مَالِك : إِنْ كَانَ حَبَسَهُ وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ يُرِيد قَتْله قُتِلَا جَمِيعًا , وَفِي قَوْل الشَّافِعِيّ وَأَبِي ثَوْر وَالنُّعْمَان يُعَاقَب الْحَابِس , وَاخْتَارَهُ اِبْن الْمُنْذِر .

قُلْت : قَوْل عَطَاء صَحِيح , وَهُوَ مُقْتَضَى التَّنْزِيل , وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيّ عَنْ اِبْن عُمَر عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( إِذَا أَمْسَكَ الرَّجُل الرَّجُل وَقَتَلَهُ الْآخَر يُقْتَل الْقَاتِل وَيُحْبَس الَّذِي أَمْسَكَهُ ) . رَوَاهُ سُفْيَان الثَّوْرِيّ عَنْ إِسْمَاعِيل بْن أُمَيَّة عَنْ نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر , وَرَوَاهُ مَعْمَر وَابْن جُرَيْج عَنْ إِسْمَاعِيل مُرْسَلًا .

| فَمَنْ اِعْتَدَى | الِاعْتِدَاء هُوَ التَّجَاوُز , قَالَ اللَّه تَعَالَى : | وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُود اللَّه | [ الْبَقَرَة : 229 ] أَيْ يَتَجَاوَزهَا , فَمَنْ ظَلَمَك فَخُذْ حَقّك مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلِمَتك , وَمَنْ شَتَمَك فَرُدَّ عَلَيْهِ مِثْل قَوْله , وَمَنْ أَخَذَ عِرْضك فَخُذْ عِرْضه , لَا تَتَعَدَّى إِلَى أَبَوَيْهِ وَلَا إِلَى اِبْنه أَوْ قَرِيبه , وَلَيْسَ لَك أَنْ تَكْذِب عَلَيْهِ وَإِنْ كَذَبَ عَلَيْك , فَإِنَّ الْمَعْصِيَة لَا تُقَابَل بِالْمَعْصِيَةِ , فَلَوْ قَالَ لَك مَثَلًا : يَا كَافِر , جَازَ لَك أَنْ تَقُول لَهُ : أَنْتَ الْكَافِر , وَإِنْ قَالَ لَك : يَا زَانٍ , فَقِصَاصك أَنْ تَقُول لَهُ : يَا كَذَّاب يَا شَاهِد زُور , وَلَوْ قُلْت لَهُ يَا زَانٍ , كُنْت كَاذِبًا وَأَثِمْت فِي الْكَذِب , وَإِنْ مَطَلَك وَهُوَ غَنِيّ دُون عُذْر فَقَالَ : يَا ظَالِم , يَا آكِل أَمْوَال النَّاس , قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَيّ الْوَاجِد يُحِلّ عِرْضه وَعُقُوبَته ) . أَمَّا عِرْضه فَبِمَا فَسَّرْنَاهُ , وَأَمَّا عُقُوبَته فَالسِّجْن يُحْبَس فِيهِ , وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : نَزَلَ هَذَا قَبْل أَنْ يَقْوَى الْإِسْلَام , فَأَمَرَ مَنْ أُوذِيَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يُجَازِي بِمِثْلِ مَا أُوذِيَ بِهِ , أَوْ يَصْبِر أَوْ يَعْفُو , ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ : | وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّة | [ التَّوْبَة : 36 ] , وَقِيلَ : نُسِخَ ذَلِكَ بِتَصْيِيرِهِ إِلَى السُّلْطَان , وَلَا يَحِلّ لِأَحَدٍ أَنْ يَقْتَصّ مِنْ أَحَد إِلَّا بِإِذْنِ السُّلْطَان .|وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ|يُقَال أَصْلهَا فِي اللُّغَة قِلَّة الْكَلَام , حَكَاهُ اِبْن فَارِس قُلْت وَمِنْهُ الْحَدِيث ( التَّقِيّ مُلْجَم وَالْمُتَّقِي فَوْق الْمُؤْمِن وَالطَّائِع ) وَهُوَ الَّذِي يَتَّقِي بِصَالِحِ عَمَله وَخَالِص دُعَائِهِ عَذَاب اللَّه تَعَالَى , مَأْخُوذ مِنْ اِتِّقَاء الْمَكْرُوه بِمَا تَجْعَلهُ حَاجِزًا بَيْنك وَبَيْنه , كَمَا قَالَ النَّابِغَة :
سَقَطَ النَّصِيف وَلَمْ تُرِدْ إِسْقَاطه .......... فَتَنَاوَلْته وَاتَّقَتْنَا بِالْيَدِ
وَقَالَ آخَر :
فَأَلْقَتْ قِنَاعًا دُونه الشَّمْس وَاتَّقَتْ .......... بِأَحْسَن مَوْصُولِينَ كَفّ وَمِعْصَم
وَخَرَّجَ أَبُو مُحَمَّد عَبْد الْغَنِيّ الْحَافِظ مِنْ حَدِيث سَعِيد بْن زَرْبِي أَبِي عُبَيْدَة عَنْ عَاصِم بْن بَهْدَلَة عَنْ زِرّ اِبْن حُبَيْش عَنْ اِبْن مَسْعُود قَالَ : قَالَ يَوْمًا لِابْنِ أَخِيهِ : يَا بْن أَخِي تَرَى النَّاس مَا أَكْثَرهمْ قَالَ : نَعَمْ , قَالَ : لَا خَيْر فِيهِمْ إِلَّا تَائِب أَوْ تَقِيّ ثُمَّ قَالَ : يَا بْن أَخِي تَرَى النَّاس مَا أَكْثَرهمْ قُلْت : بَلَى , قَالَ : لَا خَيْر فِيهِمْ إِلَّا عَالِم أَوْ مُتَعَلِّم , وَقَالَ أَبُو يَزِيد الْبِسْطَامِيّ : الْمُتَّقِي مَنْ إِذَا قَالَ قَالَ لِلَّهِ , وَمَنْ إِذَا عَمِلَ عَمِلَ لِلَّهِ , وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَان الدَّارَانِيّ : الْمُتَّقُونَ الَّذِينَ نَزَعَ اللَّه عَنْ قُلُوبهمْ حُبّ الشَّهَوَات , وَقِيلَ الْمُتَّقِي الَّذِي اِتَّقَى الشِّرْك وَبَرِئَ مِنْ النِّفَاق . قَالَ اِبْن عَطِيَّة : وَهَذَا فَاسِد ; لِأَنَّهُ قَدْ يَكُون كَذَلِكَ وَهُوَ فَاسِق , وَسَأَلَ عُمَر بْن الْخَطَّاب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَعْرَابِيًّا عَنْ التَّقْوَى , فَقَالَ : هَلْ أَخَذْت طَرِيقًا ذَا شَوْك قَالَ : نَعَمْ قَالَ فَمَا عَمِلْت فِيهِ قَالَ : تَشَمَّرْت وَحَذِرْت , قَالَ : فَذَاكَ التَّقْوَى , وَأَخَذَ هَذَا الْمَعْنَى اِبْن الْمُعْتَزّ فَنَظَمَهُ :
خَلّ الذُّنُوب صَغِيرهَا .......... وَكَبِيرهَا ذَلِكَ التُّقَى

وَاصْنَعْ كَمَاشٍ فَوْق .......... أَرْض الشَّوْك يَحْذَر مَا يَرَى

لَا تُحَقِّرَن صَغِيرَة إِنَّ .......... الْجِبَال مِنْ الْحَصَى
التَّقْوَى فِيهَا جِمَاع الْخَيْر كُلّه , وَهَى وَصِيَّة اللَّه فِي الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ , وَهَى خَيْر مَا يَسْتَفِيدهُ الْإِنْسَان , كَمَا قَالَ أَبُو الدَّرْدَاء وَقَدْ قِيلَ لَهُ : إِنَّ أَصْحَابك يَقُولُونَ الشِّعْر وَأَنْتَ مَا حُفِظَ عَنْك شَيْء , فَقَالَ :
يُرِيد الْمَرْء أَنْ يُؤْتَى مُنَاهُ .......... وَيَأْبَى اللَّه إِلَّا مَا أَرَادَا

يَقُول الْمَرْء فَائِدَتِي وَمَالِي .......... وَتَقْوَى اللَّه أَفْضَل مَا اِسْتَفَادَ الْمُؤْمِن
وَرَوَى اِبْن مَاجَهْ فِي سُنَنه عَنْ أَبِي أُمَامَة عَنْ النَّبِيّ ( ص ) أَنَّهُ كَانَ يَقُول : ( مَا اِسْتَفَادَ الْمُؤْمِن بَعْد تَقْوَى اللَّه خَيْر لَهُ مِنْ زَوْجَة صَالِحَة إِنْ أَمَرَهَا أَطَاعَتْهُ وَإِنْ نَظَرَ إِلَيْهَا سَرَّتْهُ وَإِنْ أَقْسَمَ عَلَيْهَا أَبَرَّتْهُ وَإِنْ غَابَ عَنْهَا نَصَحَتْهُ فِي نَفْسهَا وَمَاله ) .

وَالْأَصْل فِي التَّقْوَى : وَقْوَى عَلَى وَزْن فَعْلَى فَقُلِبَتْ الْوَاو تَاء مِنْ وَقَيْته أَقِيه أَيْ مَنَعْته , وَرَجُل تَقِيّ أَيْ خَائِف , أَصْله وَقِيّ , وَكَذَلِكَ تُقَاة كَانَتْ فِي الْأَصْل وُقَاة , كَمَا قَالُوا : تُجَاه وَتُرَاث , وَالْأَصْل وُجَاه وَوُرَاث .

رَوَى الْبُخَارِيّ عَنْ حُذَيْفَة : | وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيل اللَّه وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَة | قَالَ : نَزَلَتْ فِي النَّفَقَة , وَرَوَى يَزِيد بْن أَبِي حَبِيب عَنْ أَسْلَم أَبِي عِمْرَان قَالَ : غَزَوْنَا الْقُسْطَنْطِينِيَّة , وَعَلَى الْجَمَاعَة عَبْد الرَّحْمَن بْن الْوَلِيد , وَالرُّوم مُلْصِقُو ظُهُورهمْ بِحَائِطِ الْمَدِينَة , فَحَمَلَ رَجُل عَلَى الْعَدُوّ , فَقَالَ النَّاس : مَهٍ مَهْ ! لَا إِلَه إِلَّا اللَّه , يُلْقِي بِيَدَيْهِ إِلَى التَّهْلُكَة ! فَقَالَ أَبُو أَيُّوب : سُبْحَان اللَّه ! أَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة فِينَا مَعَاشِر الْأَنْصَار لَمَّا نَصَرَ اللَّه نَبِيّه وَأَظْهَرَ دِينه , قُلْنَا : هَلُمَّ نُقِيم فِي أَمْوَالنَا وَنُصْلِحهَا , فَأَنْزَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : | وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيل اللَّه | الْآيَة , وَالْإِلْقَاء بِالْيَدِ إِلَى التَّهْلُكَة أَنْ نُقِيم فِي أَمْوَالنَا وَنُصْلِحهَا وَنَدَع الْجِهَاد , فَلَمْ يَزَلْ أَبُو أَيُّوب مُجَاهِدًا فِي سَبِيل اللَّه حَتَّى دُفِنَ بِالْقُسْطَنْطِينِيَّةِ , فَقَبْره هُنَاكَ , فَأَخْبَرَنَا أَبُو أَيُّوب أَنَّ الْإِلْقَاء بِالْيَدِ إِلَى التَّهْلُكَة هُوَ تَرْك الْجِهَاد فِي سَبِيل اللَّه , وَأَنَّ الْآيَة نَزَلَتْ فِي ذَلِكَ . وَرُوِيَ مِثْله عَنْ حُذَيْفَة وَالْحَسَن وَقَتَادَة وَمُجَاهِد وَالضَّحَّاك .

قُلْت : وَرَوَى التِّرْمِذِيّ عَنْ يَزِيد بْن أَبِي حَبِيب عَنْ أَسْلَم أَبِي عِمْرَان هَذَا الْخَبَر بِمَعْنَاهُ فَقَالَ : | كُنَّا بِمَدِينَةِ الرُّوم , فَأَخْرَجُوا إِلَيْنَا صَفًّا عَظِيمًا مِنْ الرُّوم , فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مِثْلهمْ أَوْ أَكْثَر , وَعَلَى أَهْل مِصْر عُقْبَة بْن عَامِر , وَعَلَى الْجَمَاعَة فَضَالَة بْن عُبَيْد , فَحَمَلَ رَجُل مِنْ الْمُسْلِمِينَ عَلَى صَفّ الرُّوم حَتَّى دَخَلَ فِيهِمْ , فَصَاحَ النَّاس وَقَالُوا : سُبْحَان اللَّه يُلْقِي بِيَدَيْهِ إِلَى التَّهْلُكَة , فَقَامَ أَبُو أَيُّوب الْأَنْصَارِيّ فَقَالَ : يَا أَيّهَا النَّاس , إِنَّكُمْ تَتَأَوَّلُونَ هَذِهِ الْآيَة هَذَا التَّأْوِيل , وَإِنَّمَا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَة فِينَا مَعَاشِر الْأَنْصَار لَمَّا أَعَزَّ اللَّه الْإِسْلَام وَكَثُرَ نَاصِرُوهُ , فَقَالَ بَعْضنَا لِبَعْضٍ سِرًّا دُون رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ أَمْوَالنَا قَدْ ضَاعَتْ , وَإِنَّ اللَّه قَدْ أَعَزَّ الْإِسْلَام وَكَثُرَ نَاصِرُوهُ , فَلَوْ أَقَمْنَا فِي أَمْوَالنَا فَأَصْلَحْنَا مَا ضَاعَ مِنْهَا , فَأَنْزَلَ اللَّه عَلَى نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرُدّ عَلَيْهِ مَا قُلْنَا : | وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيل اللَّه وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَة | . فَكَانَتْ التَّهْلُكَة الْإِقَامَة عَلَى الْأَمْوَال وَإِصْلَاحهَا وَتَرَكْنَا الْغَزْو , فَمَا زَالَ أَبُو أَيُّوب شَاخِصًا فِي سَبِيل اللَّه حَتَّى دُفِنَ بِأَرْضِ الرُّوم . قَالَ أَبُو عِيسَى : هَذَا حَدِيث حَسَن غَرِيب صَحِيح . وَقَالَ حُذَيْفَة بْن الْيَمَان وَابْن عَبَّاس وَعِكْرِمَة وَعَطَاء وَمُجَاهِد وَجُمْهُور النَّاس : الْمَعْنَى لَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ بِأَنْ تَتْرُكُوا النَّفَقَة فِي سَبِيل اللَّه وَتَخَافُوا الْعَيْلَة , فَيَقُول الرَّجُل : لَيْسَ عِنْدِي مَا أُنْفِقهُ , وَإِلَى هَذَا الْمَعْنَى ذَهَبَ الْبُخَارِيّ إِذْ لَمْ يَذْكُر غَيْره , وَاَللَّه أَعْلَم . قَالَ اِبْن عَبَّاس : أَنْفِقْ فِي سَبِيل اللَّه , وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَك إِلَّا سَهْم أَوْ مِشْقَص , وَلَا يَقُولَن أَحَدكُمْ : لَا أَجِد شَيْئًا , وَنَحْوه عَنْ السُّدِّيّ : أَنْفِقْ وَلَوْ عِقَالًا , وَلَا تُلْقِي بِيَدِك إِلَى التَّهْلُكَة فَتَقُول : لَيْسَ عِنْدِي شَيْء , وَقَوْل ثَالِث قَالَهُ اِبْن عَبَّاس , وَذَلِكَ أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا أَمَرَ النَّاس بِالْخُرُوجِ إِلَى الْجِهَاد قَامَ إِلَيْهِ أُنَاس مِنْ الْأَعْرَاب حَاضِرِينَ بِالْمَدِينَةِ فَقَالُوا : بِمَاذَا نَتَجَهَّز ! فَوَاَللَّهِ مَا لَنَا زَادَ وَلَا يُطْعِمنَا أَحَد , فَنَزَلَ قَوْله تَعَالَى : | وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيل اللَّه | يَعْنِي تَصَدَّقُوا يَا أَهْل الْمَيْسَرَة فِي سَبِيل اللَّه , يَعْنِي فِي طَاعَة اللَّه . | وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَة | يَعْنِي وَلَا تُمْسِكُوا بِأَيْدِيكُمْ عَنْ الصَّدَقَة فَتَهْلِكُوا , وَهَكَذَا قَالَ مُقَاتِل , وَمَعْنَى اِبْن عَبَّاس : وَلَا تُمْسِكُوا عَنْ الصَّدَقَة فَتَهْلِكُوا , أَيْ لَا تُمْسِكُوا عَنْ النَّفَقَة عَلَى الضُّعَفَاء , فَإِنَّهُمْ إِذَا تَخَلَّفُوا عَنْكُمْ غَلَبَكُمْ الْعَدُوّ فَتَهْلِكُوا , وَقَوْل رَابِع - قِيلَ لِلْبَرَاءِ بْن عَازِب فِي هَذِهِ الْآيَة : أَهُوَ الرَّجُل يَحْمِل عَلَى الْكَتِيبَة ؟ فَقَالَ لَا , وَلَكِنَّهُ الرَّجُل يُصِيب الذَّنْب فَيُلْقِي بِيَدَيْهِ وَيَقُول : قَدْ بَالَغْت فِي الْمَعَاصِي وَلَا فَائِدَة فِي التَّوْبَة , فَيَيْأَس مِنْ اللَّه فَيَنْهَمِك بَعْد ذَلِكَ فِي الْمَعَاصِي , فَالْهَلَاك : الْيَأْس مِنْ اللَّه , وَقَالَ عُبَيْدَة السَّلْمَانِيّ . وَقَالَ زَيْد بْن أَسْلَم : الْمَعْنَى لَا تُسَافِرُوا فِي الْجِهَاد بِغَيْرِ زَاد , وَقَدْ كَانَ فَعَلَ ذَلِكَ قَوْم فَأَدَّاهُمْ ذَلِكَ إِلَى الِانْقِطَاع فِي الطَّرِيق , أَوْ يَكُون عَالَة عَلَى النَّاس , فَهَذِهِ خَمْسَة أَقْوَال . | سَبِيل اللَّه | هُنَا : الْجِهَاد , وَاللَّفْظ يَتَنَاوَل بَعْد جَمِيع سُبُله , وَالْبَاء فِي | بِأَيْدِيكُمْ | زَائِدَة , التَّقْدِير تُلْقُوا أَيْدِيكُمْ , وَنَظِيره : | أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ اللَّه يَرَى | [ الْعَلَق : 14 ] . وَقَالَ الْمُبَرِّد : | بِأَيْدِيكُمْ | أَيْ بِأَنْفُسِكُمْ , فَعَبَّرَ بِالْبَعْضِ عَنْ الْكُلّ , كَقَوْلِهِ : | فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ | , [ الشُّورَى : 30 ] , | بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاك | [ الْحَجّ : 10 ] , وَقِيلَ : هَذَا ضَرْب مَثَل , تَقُول : فُلَان أَلْقَى بِيَدِهِ فِي أَمْر كَذَا إِذَا اِسْتَسْلَمَ ; لِأَنَّ الْمُسْتَسْلِم فِي الْقِتَال يُلْقِي سِلَاحه بِيَدَيْهِ , فَكَذَلِكَ فِعْل كُلّ عَاجِز فِي أَيّ فِعْل كَانَ , وَمِنْهُ قَوْل عَبْد الْمُطَّلِب : [ وَاَللَّه إِنَّ إِلْقَاءَنَا بِأَيْدِينَا لِلْمَوْتِ لَعَجْز ] وَقَالَ قَوْم : التَّقْدِير لَا تُلْقُوا أَنْفُسكُمْ بِأَيْدِيكُمْ , كَمَا تَقُول : لَا تُفْسِد حَالك بِرَأْيِك . التَّهْلُكَة بِضَمِّ اللَّام مَصْدَر مِنْ هَلَكَ يَهْلِك هَلَاكًا وَهُلْكًا وَتَهْلُكَة , أَيْ لَا تَأْخُذُوا فِيمَا يُهْلِككُمْ , قَالَهُ الزَّجَّاج وَغَيْره . أَيْ إِنْ لَمْ تُنْفِقُوا عَصَيْتُمْ اللَّه وَهَلَكْتُمْ , وَقِيلَ : إِنَّ مَعْنَى الْآيَة لَا تُمْسِكُوا أَمْوَالكُمْ فَيَرِثهَا مِنْكُمْ غَيْركُمْ , فَتَهْلِكُوا بِحِرْمَانِ مَنْفَعَة أَمْوَالكُمْ , وَمَعْنًى آخَر : وَلَا تُمْسِكُوا فَيَذْهَب عَنْكُمْ الْخُلْف فِي الدُّنْيَا وَالثَّوَاب فِي الْآخِرَة . وَيُقَال : | لَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَة | يَعْنِي لَا تُنْفِقُوا مِنْ حَرَام فَيُرَدّ عَلَيْكُمْ فَتَهْلِكُوا , وَنَحْوه عَنْ عِكْرِمَة قَالَ : | وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَة | قَالَ : | وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيث مِنْهُ تُنْفِقُونَ | [ الْبَقَرَة : 267 ] وَقَالَ الطَّبَرِيّ : قَوْله | وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَة | عَامّ فِي جَمِيع مَا ذُكِرَ لِدُخُولِهِ فِيهِ , إِذْ اللَّفْظ يَحْتَمِلهُ .

اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي اِقْتِحَام الرَّجُل فِي الْحَرْب وَحَمْله عَلَى الْعَدُوّ وَحْده , فَقَالَ الْقَاسِم اِبْن مُخَيْمَرَة وَالْقَاسِم بْن مُحَمَّد وَعَبْد الْمَلِك مِنْ عُلَمَائِنَا : لَا بَأْس أَنْ يَحْمِل الرَّجُل وَحْده عَلَى الْجَيْش الْعَظِيم إِذَا كَانَ فِيهِ قُوَّة , وَكَانَ لِلَّهِ بِنِيَّةٍ خَالِصَة , فَإِنْ لَمْ تَكُنْ فِيهِ قُوَّة فَذَلِكَ مِنْ التَّهْلُكَة , وَقِيلَ : إِذَا طَلَبَ الشَّهَادَة وَخَلَصَتْ النِّيَّة فَلْيَحْمِلْ ; لِأَنَّ مَقْصُوده وَاحِد مِنْهُمْ , وَذَلِكَ بَيِّن فِي قَوْله تَعَالَى : | وَمِنْ النَّاس مَنْ يَشْرِي نَفْسه اِبْتِغَاء مَرْضَات اللَّه | [ الْبَقَرَة : 207 ] , وَقَالَ اِبْن خُوَيْز مَنْدَاد : فَأَمَّا أَنْ يَحْمِل الرَّجُل عَلَى مِائَة أَوْ عَلَى جُمْلَة الْعَسْكَر أَوْ جَمَاعَة اللُّصُوص وَالْمُحَارِبِينَ وَالْخَوَارِج فَلِذَلِكَ حَالَتَانِ : إِنْ عَلِمَ وَغَلَبَ عَلَى ظَنّه أَنْ سَيَقْتُلُ مَنْ حَمَلَ عَلَيْهِ وَيَنْجُو فَحَسَن , وَكَذَلِكَ لَوْ عَلِمَ وَغَلَبَ عَلَى ظَنّه أَنْ يَقْتُل وَلَكِنْ سَيُنْكَى نِكَايَة أَوْ سَيُبْلَى أَوْ يُؤْثِر أَثَرًا يَنْتَفِع بِهِ الْمُسْلِمُونَ فَجَائِز أَيْضًا , وَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ عَسْكَر الْمُسْلِمِينَ لَمَّا لَقِيَ الْفُرْس نَفَرَتْ خَيْل الْمُسْلِمِينَ مِنْ الْفِيَلَة , فَعَمَدَ رَجُل مِنْهُمْ فَصَنَعَ فِيلًا مِنْ طِين وَأَنَّسَ بِهِ فَرَسه حَتَّى أَلِفَهُ , فَلَمَّا أَصْبَحَ لَمْ يَنْفُر فَرَسه مِنْ الْفِيل فَحَمَلَ عَلَى الْفِيل الَّذِي كَانَ يَقْدُمهَا فَقِيلَ لَهُ : إِنَّهُ قَاتِلك , فَقَالَ : لَا ضَيْر أَنْ أُقْتَل وَيُفْتَح لِلْمُسْلِمِينَ . وَكَذَلِكَ يَوْم الْيَمَامَة لَمَّا تَحَصَّنَتْ بَنُو حَنِيفَة بِالْحَدِيقَةِ , قَالَ رَجُل مِنْ الْمُسْلِمِينَ : ضَعُونِي فِي الْحَجَفَة وَأَلْقُونِي إِلَيْهِمْ , فَفَعَلُوا وَقَاتَلَهُمْ وَحْده وَفَتَحَ الْبَاب .

قُلْت : وَمِنْ هَذَا مَا رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَرَأَيْت إِنْ قُتِلْت فِي سَبِيل اللَّه صَابِرًا مُحْتَسِبًا ؟ قَالَ : ( فَلَك الْجَنَّة ) , فَانْغَمَسَ فِي الْعَدُوّ حَتَّى قُتِلَ . وَفِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ أَنَس بْن مَالِك أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُفْرِدَ يَوْم أُحُد فِي سَبْعَة مِنْ الْأَنْصَار وَرَجُلَيْنِ مِنْ قُرَيْش , فَلَمَّا رَهِقُوهُ قَالَ : ( مَنْ يَرُدّهُمْ عَنَّا وَلَهُ الْجَنَّة ) أَوْ ( هُوَ رَفِيقِي فِي الْجَنَّة ) فَتَقَدَّمَ رَجُل مِنْ الْأَنْصَار فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ , ثُمَّ رَهِقُوهُ أَيْضًا فَقَالَ : ( مَنْ يَرُدّهُمْ عَنَّا وَلَهُ الْجَنَّة ) أَوْ ( هُوَ رَفِيقِي فِي الْجَنَّة ) , فَتَقَدَّمَ رَجُل مِنْ الْأَنْصَار فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ . فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى قُتِلَ السَّبْعَة , فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَا أَنْصَفْنَا أَصْحَابنَا ) . هَكَذَا الرِّوَايَة ( أَنْصَفْنَا ) بِسُكُونِ الْفَاء ( أَصْحَابَنَا ) بِفَتْحِ الْبَاء , أَيْ لَمْ نَدُلّهُمْ لِلْقِتَالِ حَتَّى قُتِلُوا . وَرُوِيَ بِفَتْحِ الْفَاء وَرَفْع الْبَاء , وَوَجْههَا أَنَّهَا تَرْجِع لِمَنْ فَرَّ عَنْهُ مِنْ أَصْحَابه , وَاَللَّه أَعْلَم , وَقَالَ مُحَمَّد بْن الْحَسَن : لَوْ حَمَلَ رَجُل وَاحِد عَلَى أَلْف رَجُل مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَهُوَ وَحْده , لَمْ يَكُنْ بِذَلِكَ بَأْس إِذَا كَانَ يَطْمَع فِي نَجَاة أَوْ نِكَايَة فِي الْعَدُوّ , فَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَهُوَ مَكْرُوه ; لِأَنَّهُ عَرَّضَ نَفْسه لِلتَّلَفِ فِي غَيْر مَنْفَعَة لِلْمُسْلِمِينَ , فَإِنْ كَانَ قَصْده تَجْرِئَة الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ حَتَّى يَصْنَعُوا مِثْل صَنِيعه فَلَا يَبْعُد جَوَازه ; وَلِأَنَّ فِيهِ مَنْفَعَة لِلْمُسْلِمِينَ عَلَى بَعْض الْوُجُوه , وَإِنْ كَانَ قَصْده إِرْهَاب الْعَدُوّ وَلِيُعْلِم صَلَابَة الْمُسْلِمِينَ فِي الدِّين فَلَا يَبْعُد جَوَازه , وَإِذَا كَانَ فِيهِ نَفْع لِلْمُسْلِمِينَ فَتَلِفَتْ نَفْسه لِإِعْزَازِ دِين اللَّه وَتَوْهِين الْكُفْر فَهُوَ الْمَقَام الشَّرِيف الَّذِي مَدَحَ اللَّه بِهِ الْمُؤْمِنِينَ فِي قَوْله : | إِنَّ اللَّه اِشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسهمْ | [ التَّوْبَة : 111 ] الْآيَة , إِلَى غَيْرهَا مِنْ آيَات الْمَدْح الَّتِي مَدَحَ اللَّه بِهَا مَنْ بَذَلَ نَفْسه , وَعَلَى ذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُون حُكْم الْأَمْر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَنْ الْمُنْكَر أَنَّهُ مَتَى رَجَا نَفْعًا فِي الدِّين فَبَذَلَ نَفْسه فِيهِ حَتَّى قُتِلَ كَانَ فِي أَعْلَى دَرَجَات الشُّهَدَاء , قَالَ اللَّه تَعَالَى : | وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنْ الْمُنْكَر وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَك إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْم الْأُمُور | [ لُقْمَان : 17 ] . وَقَدْ رَوَى عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : ( أَفْضَل الشُّهَدَاء حَمْزَة بْن عَبْد الْمُطَّلِب وَرَجُل تَكَلَّمَ بِكَلِمَةِ حَقّ عِنْد سُلْطَان جَائِر فَقَتَلَهُ ) , وَسَيَأْتِي الْقَوْل فِي هَذَا فِي [ آل عِمْرَان ] إِنْ شَاءَ تَعَالَى .|وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ|أَيْ فِي الْإِنْفَاق فِي الطَّاعَة , وَأَحْسِنُوا الظَّنّ بِاَللَّهِ فِي إِخْلَافه عَلَيْكُمْ , وَقِيلَ : | أَحْسِنُوا | فِي أَعْمَالكُمْ بِامْتِثَالِ الطَّاعَات , رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ بَعْض الصَّحَابَة .

فِيهَا سَبْعَة مَسَائِل

الْأُولَى : اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي الْمَعْنَى الْمُرَاد بِإِتْمَامِ الْحَجّ وَالْعُمْرَة لِلَّهِ , فَقِيلَ : أَدَاؤُهُمَا وَالْإِتْيَان بِهِمَا , كَقَوْلِهِ : | فَأَتِمهنَّ | [ الْبَقَرَة : 124 ] وَقَوْله : | ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَام إِلَى اللَّيْل | [ الْبَقَرَة : 187 ] أَيْ اِئْتُوا بِالصِّيَامِ , وَهَذَا عَلَى مَذْهَب مَنْ أَوْجَبَ الْعُمْرَة , عَلَى مَا يَأْتِي , وَمَنْ لَمْ يُوجِبهَا قَالَ : الْمُرَاد تَمَامهمَا بَعْد الشُّرُوع فِيهِمَا , فَإِنَّ مَنْ أَحْرَمَ بِنُسُكٍ وَجَبَ عَلَيْهِ الْمُضِيّ فِيهِ وَلَا يَفْسَخهُ , قَالَ مَعْنَاهُ الشَّعْبِيّ وَابْن زَيْد , وَعَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : إِتْمَامهمَا أَنْ تُحْرِم بِهِمَا مِنْ دُوَيْرَة أَهْلك , وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَر بْن الْخَطَّاب وَسَعْد بْن أَبِي وَقَّاص , وَفَعَلَهُ عِمْرَان بْن حُصَيْن , وَقَالَ سُفْيَان الثَّوْرِيّ : إِتْمَامهمَا أَنْ تَخْرُج قَاصِدًا لَهُمَا لَا لِتِجَارَةٍ وَلَا لِغَيْرِ ذَلِكَ , وَيُقَوِّي هَذَا قَوْله | لِلَّهِ | . وَقَالَ عُمَر : إِتْمَامهمَا أَنْ يُفْرِد كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا مِنْ غَيْر تَمَتُّع وَقِرَان , وَقَالَهُ اِبْن حَبِيب , وَقَالَ مُقَاتِل : إِتْمَامهمَا أَلَّا تَسْتَحِلُّوا فِيهِمَا مَا لَا يَنْبَغِي لَكُمْ , وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا يُشْرِكُونَ فِي إِحْرَامهمْ فَيَقُولُونَ : لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ , لَا شَرِيك لَك إِلَّا شَرِيكًا هُوَ لَك , تَمْلِكهُ وَمَا مَلَكَ , فَقَالَ : فَأَتِمُّوهُمَا وَلَا تَخْلِطُوهُمَا بِشَيْءٍ آخَر .

قُلْت : أَمَّا مَا رُوِيَ عَنْ عَلِيّ وَفَعَلَهُ عِمْرَان بْن حُصَيْن فِي الْإِحْرَام قَبْل الْمَوَاقِيت الَّتِي وَقَّتَهَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَدْ قَالَ بِهِ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود وَجَمَاعَة مِنْ السَّلَف , وَثَبَتَ أَنَّ عُمَر أَهَلَّ مِنْ إِيلِيَاء , وَكَانَ الْأَسْوَد وَعَلْقَمَة وَعَبْد الرَّحْمَن وَأَبُو إِسْحَاق يُحْرِمُونَ مِنْ بُيُوتهمْ , وَرَخَّصَ فِيهِ الشَّافِعِيّ , وَرَوَى أَبُو دَاوُد وَالدَّارَقُطْنِيّ عَنْ أُمّ سَلَمَة قَالَتْ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ أَحْرَمَ مِنْ بَيْت الْمَقْدِس بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَة كَانَ مِنْ ذُنُوبه كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمّه ) فِي رِوَايَة ( غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبه وَمَا تَأَخَّرَ ) , وَخَرَّجَهُ أَبُو دَاوُد وَقَالَ : | يَرْحَم اللَّه وَكِيعًا أَحْرَمَ مِنْ بَيْت الْمَقْدِس , يَعْنِي إِلَى مَكَّة | , فَفِي هَذَا إِجَازَة الْإِحْرَام قَبْل الْمِيقَات , وَكَرِهَ مَالِك رَحِمَهُ اللَّه أَنْ يُحْرِم أَحَد قَبْل الْمِيقَات , وَيُرْوَى ذَلِكَ عَنْ عُمَر بْن الْخَطَّاب , وَأَنَّهُ أَنْكَرَ عَلَى عِمْرَان بْن حُصَيْن إِحْرَامه مِنْ الْبَصْرَة , وَأَنْكَرَ عُثْمَان عَلَى اِبْن عُمَر إِحْرَامه قَبْل الْمِيقَات , وَقَالَ أَحْمَد وَإِسْحَاق : وَجْه الْعَمَل الْمَوَاقِيت , وَمِنْ الْحُجَّة لِهَذَا الْقَوْل أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَّتَ الْمَوَاقِيت وَعَيَّنَهَا , فَصَارَتْ بَيَانًا لِمُجْمَلِ الْحَجّ , وَلَمْ يُحْرِم صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ بَيْته لِحَجَّتِهِ , بَلْ أَحْرَمَ مِنْ مِيقَاته الَّذِي وَقَّتَهُ لِأُمَّتِهِ , وَمَا فَعَلَهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهُوَ الْأَفْضَل إِنْ شَاءَ اللَّه , وَكَذَلِكَ صَنَعَ جُمْهُور الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ بَعْدهمْ , وَاحْتَجَّ أَهْل الْمَقَالَة الْأُولَى بِأَنَّ ذَلِكَ أَفْضَل بِقَوْلِ عَائِشَة : مَا خُيِّرَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْن أَمْرَيْنِ إِلَّا اِخْتَارَ أَيْسَرهمَا , وَبِحَدِيثِ أُمّ سَلَمَة مَعَ مَا ذُكِرَ عَنْ الصَّحَابَة فِي ذَلِكَ , وَقَدْ شَهِدُوا إِحْرَام رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّته مِنْ مِيقَاته , وَعَرَفُوا مَغْزَاهُ وَمُرَاده , وَعَلِمُوا أَنَّ إِحْرَامه مِنْ مِيقَاته كَانَ تَيْسِيرًا عَلَى أُمَّته .

الثَّانِيَة : رَوَى الْأَئِمَّة أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَّتَ لِأَهْلِ الْمَدِينَة ذَا الْحُلَيْفَة , وَلِأَهْلِ الشَّام الْجُحْفَة , وَلِأَهْلِ نَجْد قَرْن , وَلِأَهْلِ الْيَمَن يَلَمْلَم , هُنَّ لَهُنَّ وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْر أَهْلهنَّ مِمَّنْ أَرَادَ الْحَجّ وَالْعُمْرَة , وَمَنْ كَانَ دُون ذَلِكَ فَمِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ , حَتَّى أَهْل مَكَّة مِنْ مَكَّة يُهِلُّونَ مِنْهَا , وَأَجْمَعَ أَهْل الْعِلْم عَلَى الْقَوْل بِظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيث وَاسْتِعْمَاله , لَا يُخَالِفُونَ شَيْئًا مِنْهُ , وَاخْتَلَفُوا فِي مِيقَات أَهْل الْعِرَاق وَفِيمَنْ وَقَّتَهُ , فَرَوَى أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَّتَ لِأَهْلِ الْمَشْرِق الْعَقِيق . قَالَ التِّرْمِذِيّ : هَذَا حَدِيث حَسَن , وَرُوِيَ أَنَّ عُمَر وَقَّتَ لِأَهْلِ الْعِرَاق ذَات عِرْق , وَفِي كِتَاب أَبِي دَاوُد عَنْ عَائِشَة أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَّتَ لِأَهْلِ الْعِرَاق ذَات عِرْق , وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح وَمَنْ رَوَى أَنَّ عُمَر وَقَّتَهُ لِأَنَّ الْعِرَاق فِي وَقْته وَقَدْ اُفْتُتِحَتْ , فَغَفْلَة مِنْهُ , بَلْ وَقَّتَهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا وَقَّتَ لِأَهْلِ الشَّام الْجُحْفَة , وَالشَّام كُلّهَا يَوْمئِذٍ دَار كُفْر كَمَا كَانَتْ الْعِرَاق وَغَيْرهَا يَوْمئِذٍ مِنْ الْبُلْدَان , وَلَمْ تُفْتَح الْعِرَاق وَلَا الشَّام إِلَّا عَلَى عَهْد عُمَر , وَهَذَا مَا لَا خِلَاف فِيهِ بَيْن أَهْل السِّيَر . قَالَ أَبُو عُمَر : كُلّ عِرَاقِيّ أَوْ مَشْرِقِيّ أَحْرَمَ مِنْ ذَات عِرْق فَقَدْ أَحْرَمَ عِنْد الْجَمِيع مِنْ مِيقَاته , وَالْعَقِيق أَحْوَط عِنْدهمْ وَأَوْلَى مِنْ ذَات عِرْق , وَذَات عِرْق مِيقَاتهمْ أَيْضًا بِإِجْمَاعٍ .

الثَّالِثَة : أَجْمَعَ أَهْل الْعِلْم عَلَى أَنَّ مَنْ أَحْرَمَ قَبْل أَنْ يَأْتِي الْمِيقَات أَنَّهُ مُحْرِم , وَإِنَّمَا مَنَعَ مِنْ ذَلِكَ مَنْ رَأَى الْإِحْرَام عِنْد الْمِيقَات أَفْضَل , كَرَاهِيَة أَنْ يُضَيِّق الْمَرْء عَلَى نَفْسه مَا قَدْ وَسَّعَ اللَّه عَلَيْهِ , وَأَنْ يَتَعَرَّض بِمَا لَا يُؤْمَن أَنْ يَحْدُث فِي إِحْرَامه , وَكُلّهمْ أَلْزَمَهُ الْإِحْرَام إِذَا فَعَلَ ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ زَادَ وَلَمْ يَنْقُص .

الرَّابِعَة : فِي هَذِهِ الْآيَة دَلِيل عَلَى وُجُوب الْعُمْرَة ; لِأَنَّهُ تَعَالَى أَمَرَ بِإِتْمَامِهَا كَمَا أَمَرَ بِإِتْمَامِ الْحَجّ . قَالَ الصُّبَيّ بْن مَعْبَد : أَتَيْت عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ فَقُلْت إِنِّي كُنْت نَصْرَانِيًّا فَأَسْلَمْت , وَإِنِّي وَجَدْت الْحَجّ وَالْعُمْرَة مَكْتُوبَتَيْنِ عَلَيَّ , وَإِنِّي أَهْلَلْت بِهِمَا جَمِيعًا , فَقَالَ لَهُ عُمَر هُدِيت لِسُنَّةِ نَبِيّك قَالَ اِبْن الْمُنْذِر : وَلَمْ يُنْكِر عَلَيْهِ قَوْله : | وَجَدْت الْحَجّ وَالْعُمْرَة مَكْتُوبَتَيْنِ عَلَيَّ | , وَبِوُجُوبِهِمَا قَالَ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب وَابْن عُمَر وَابْن عَبَّاس , وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيّ عَنْ اِبْن جُرَيْج قَالَ : أَخْبَرَنِي نَافِع أَنَّ عَبْد اللَّه بْن عُمَر كَانَ يَقُول : لَيْسَ مِنْ خَلْق اللَّه أَحَد إِلَّا عَلَيْهِ حَجَّة وَعُمْرَة وَاجِبَتَانِ مَنْ اِسْتَطَاعَ ذَلِكَ سَبِيلًا , فَمَنْ زَادَ بَعْدهَا شَيْئًا فَهُوَ خَيْر وَتَطَوُّع . قَالَ : وَلَمْ أَسْمَعهُ يَقُول فِي أَهْل مَكَّة شَيْئًا . قَالَ اِبْن جُرَيْج : وَأُخْبِرْت عَنْ عِكْرِمَة أَنَّ اِبْن عَبَّاس قَالَ : الْعُمْرَة وَاجِبَة كَوُجُوبِ الْحَجّ مَنْ اِسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا , وَمِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى وُجُوبهَا مِنْ التَّابِعِينَ عَطَاء وَطَاوُس وَمُجَاهِد وَالْحَسَن وَابْن سِيرِينَ وَالشَّعْبِيّ وَسَعِيد بْن جُبَيْر وَأَبُو بُرْدَة وَمَسْرُوق وَعَبْد اللَّه بْن شَدَّاد وَالشَّافِعِيّ وَأَحْمَد وَإِسْحَاق وَأَبُو عُبَيْد وَابْن الْجَهْم مِنْ الْمَالِكِيِّينَ . وَقَالَ الثَّوْرِيّ : سَمِعْنَا أَنَّهَا وَاجِبَة , وَسُئِلَ زَيْد بْن ثَابِت عَنْ الْعُمْرَة قَبْل الْحَجّ , فَقَالَ : صَلَاتَانِ لَا يَضُرّك بِأَيِّهِمَا بَدَأْت , ذَكَرَهُ الدَّارَقُطْنِيّ , وَرُوِيَ مَرْفُوعًا عَنْ مُحَمَّد بْن سِيرِينَ عَنْ زَيْد بْن ثَابِت قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ الْحَجّ وَالْعُمْرَة فَرِيضَتَانِ لَا يَضُرّك بِأَيِّهِمَا بَدَأْت ) وَكَانَ مَالِك يَقُول : الْعُمْرَة سُنَّة وَلَا نَعْلَم أَحَدًا أَرْخَصَ فِي تَرْكهَا , وَهُوَ قَوْل النَّخَعِيّ وَأَصْحَاب الرَّأْي فِيمَا حَكَى اِبْن الْمُنْذِر , وَحَكَى بَعْض الْقَزْوِينِيِّينَ وَالْبَغْدَادِيِّينَ عَنْ أَبِي حَنِيفَة أَنَّهُ كَانَ يُوجِبهَا كَالْحَجِّ , وَبِأَنَّهَا سُنَّة ثَابِتَة , قَالَ اِبْن مَسْعُود وَجَابِر بْن عَبْد اللَّه . رَوَى الدَّارَقُطْنِيّ حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْقَاسِم بْن زَكَرِيَّا حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْعَلَاء أَبُو كُرَيْب حَدَّثَنَا عَبْد الرَّحِيم بْن سُلَيْمَان عَنْ حَجَّاج عَنْ مُحَمَّد بْن الْمُنْكَدِر عَنْ جَابِر بْن عَبْد اللَّه قَالَ : سَأَلَ رَجُل رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الصَّلَاة وَالزَّكَاة وَالْحَجّ : أَوَاجِب هُوَ ؟ قَالَ : ( نَعَمْ ) فَسَأَلَهُ عَنْ الْعُمْرَة : أَوَاجِبَة هِيَ ؟ قَالَ : ( لَا وَأَنْ تَعْتَمِر خَيْر لَك ) . رَوَاهُ يَحْيَى بْن أَيُّوب عَنْ حَجَّاج وَابْن جُرَيْج عَنْ اِبْن الْمُنْكَدِر عَنْ جَابِر مَوْقُوفًا مِنْ قَوْل جَابِر فَهَذِهِ حَجَّة مَنْ لَمْ يُوجِبهَا مِنْ السُّنَّة قَالُوا : وَأَمَّا الْآيَة فَلَا حُجَّة فِيهَا لِلْوُجُوبِ ; لِأَنَّ اللَّه سُبْحَانه إِنَّمَا قَرَنَهَا فِي وُجُوب الْإِتْمَام لَا فِي الِابْتِدَاء , فَإِنَّهُ اِبْتَدَأَ الصَّلَاة وَالزَّكَاة فَقَالَ | وَأَقِيمُوا الصَّلَاة وَآتُوا الزَّكَاة | [ الْمُزَّمِّل : 20 ] , وَابْتَدَأَ بِإِيجَابِ الْحَجّ فَقَالَ : | وَلِلَّهِ عَلَى النَّاس حَجّ الْبَيْت | [ آل عِمْرَان : 97 ] وَلَمَّا ذَكَرَ الْعُمْرَة أَمَرَ بِإِتْمَامِهَا لَا بِابْتِدَائِهَا , فَلَوْ حَجَّ عَشْر حِجَج , أَوْ اِعْتَمَرَ عَشْر عُمَر لَزِمَ الْإِتْمَام فِي جَمِيعهَا , فَإِنَّمَا جَاءَتْ الْآيَة لِإِلْزَامِ الْإِتْمَام لَا لِإِلْزَامِ الِابْتِدَاء , وَاَللَّه أَعْلَم , وَاحْتَجَّ الْمُخَالِف مِنْ جِهَة النَّظَر عَلَى وُجُوبهَا بِأَنْ قَالَ : عِمَاد الْحَجّ الْوُقُوف بِعَرَفَة , وَلَيْسَ فِي الْعُمْرَة وُقُوف , فَلَوْ كَانَتْ كَسُنَّةِ الْحَجّ لَوَجَبَ أَنْ تُسَاوِيه فِي أَفْعَاله , كَمَا أَنَّ سُنَّة الصَّلَاة تُسَاوِي فَرِيضَتهَا فِي أَفْعَالهَا .

الْخَامِسَة : قَرَأَ الشَّعْبِيّ وَأَبُو حَيْوَة بِرَفْعِ التَّاء فِي | الْعُمْرَة | , وَهِيَ تَدُلّ عَلَى عَدَم الْوُجُوب , وَقَرَأَ الْجَمَاعَة | الْعُمْرَة | بِنَصْبِ التَّاء , وَهِيَ تَدُلّ عَلَى الْوُجُوب , وَفِي مُصْحَف اِبْن مَسْعُود | وَأَتِمُّوا الْحَجّ وَالْعُمْرَة إِلَى الْبَيْت لِلَّهِ | وَرُوِيَ عَنْهُ | وَأَقِيمُوا الْحَجّ وَالْعُمْرَة إِلَى الْبَيْت | , وَفَائِدَة التَّخْصِيص بِذِكْرِ اللَّه هُنَا أَنَّ الْعَرَب كَانَتْ تَقْصِد الْحَجّ لِلِاجْتِمَاعِ وَالتَّظَاهُر وَالتَّنَاضُل وَالتَّنَافُر وَقَضَاء الْحَاجَة وَحُضُور الْأَسْوَاق , وَكُلّ ذَلِكَ لَيْسَ لِلَّهِ فِيهِ طَاعَة , وَلَا حَظّ بِقَصْدٍ , وَلَا قُرْبَة بِمُعْتَقَدٍ , فَأَمَرَ اللَّه سُبْحَانه بِالْقَصْدِ إِلَيْهِ لِأَدَاءِ فَرْضه وَقَضَاء حَقّه , ثُمَّ سَامَحَ فِي التِّجَارَة , عَلَى مَا يَأْتِي .

السَّادِسَة : لَا خِلَاف بَيْن الْعُلَمَاء فِيمَنْ شَهِدَ مَنَاسِك الْحَجّ وَهُوَ لَا يَنْوِي حَجًّا وَلَا عُمْرَة وَالْقَلَم جَارٍ لَهُ وَعَلَيْهِ أَنَّ شُهُودهَا بِغَيْرِ نِيَّة وَلَا قَصْد غَيْر مُغْنٍ عَنْهُ , وَأَنَّ النِّيَّة تَجِب فَرْضًا , لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَأَتِمُّوا } وَمِنْ تَمَام الْعِبَادَة حُضُور النِّيَّة , وَهِيَ فَرْض كَالْإِحْرَامِ عِنْد الْإِحْرَام , لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَام لَمَّا رَكِبَ رَاحِلَته : ( لَبَّيْكَ بِحَجَّةٍ وَعُمْرَة مَعًا ) عَلَى مَا يَأْتِي , وَذَكَرَ الرَّبِيع فِي كِتَاب الْبُوَيْطِيّ عَنْ الشَّافِعِيّ قَالَ : وَلَوْ لَبَّى رَجُل وَلَمْ يَنْوِ حَجًّا وَلَا عُمْرَة لَمْ يَكُنْ حَاجًّا وَلَا مُعْتَمِرًا , وَلَوْ نَوَى وَلَمْ يُلَبِّ حَتَّى قَضَى الْمَنَاسِك كَانَ حَجّه تَامًّا , وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ ) . قَالَ : وَمَنْ فَعَلَ مِثْل مَا فَعَلَ عَلِيّ حِين أَهَلَّ عَلَى إِهْلَال النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْزَتْهُ تِلْكَ النِّيَّة ; لِأَنَّهَا وَقَعَتْ عَلَى نِيَّة لِغَيْرِهِ قَدْ تَقَدَّمَتْ , بِخِلَافِ الصَّلَاة .

السَّابِعَة : وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي الْمُرَاهِق وَالْعَبْد يُحْرِمَانِ بِالْحَجِّ ثُمَّ يَحْتَلِم هَذَا وَيَعْتِق هَذَا قَبْل الْوُقُوف بِعَرَفَة , فَقَالَ مَالِك : لَا سَبِيل لَهُمَا إِلَى رَفْض الْإِحْرَام وَلَا لِأَحَدٍ مُتَمَسِّكًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَأَتِمُّوا الْحَجّ وَالْعُمْرَة لِلَّهِ } وَمَنْ رَفَضَ إِحْرَامه فَلَا يَتِمّ حَجّه وَلَا عُمْرَته , وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة : جَائِز لِلصَّبِيِّ إِذَا بَلَغَ قَبْل الْوُقُوف بِعَرَفَة أَنْ يُجَدِّد إِحْرَامًا , فَإِنْ تَمَادَى عَلَى حَجّه ذَلِكَ لَمْ يُجْزِهِ مِنْ حَجَّة الْإِسْلَام , وَاحْتَجَّ بِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَكُنْ الْحَجّ يَجْزِي عَنْهُ , وَلَمْ يَكُنْ الْفَرْض لَازِمًا لَهُ حِين أَحْرَمَ بِالْحَجِّ ثُمَّ لَزِمَهُ حِين بَلَغَ اِسْتَحَالَ أَنْ يُشْغَل عَنْ فَرْض قَدْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ بِنَافِلَةٍ وَيُعَطَّل فَرْضه , كَمَنْ دَخَلَ فِي نَافِلَة وَأُقِيمَتْ عَلَيْهِ الْمَكْتُوبَة وَخَشِيَ فَوْتهَا قَطَعَ النَّافِلَة وَدَخَلَ فِي الْمَكْتُوبَة , وَقَالَ الشَّافِعِيّ : إِذَا أَحْرَمَ الصَّبِيّ ثُمَّ بَلَغَ قَبْل الْوُقُوف بِعَرَفَة فَوَقَفَ بِهَا مُحْرِمًا أَجْزَأَهُ مِنْ حَجَّة الْإِسْلَام , وَكَذَلِكَ الْعَبْد . قَالَ : وَلَوْ عَتَقَ بِمُزْدَلِفَة وَبَلَغَ الصَّبِيّ بِهَا فَرَجَعَا إِلَى عَرَفَة بَعْد الْعِتْق وَالْبُلُوغ فَأَدْرَكَا الْوُقُوف بِهَا قَبْل طُلُوع الْفَجْر أَجْزَتْ عَنْهُمَا مِنْ حَجَّة الْإِسْلَام , وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمَا دَم , وَلَوْ اِحْتَاطَا فَأَهْرَاقَا دَمًا كَانَ أَحَبّ إِلَيَّ , وَلَيْسَ ذَلِكَ بِالْبَيِّنِ عِنْدِي , وَاحْتُجَّ فِي إِسْقَاط تَجْدِيد الْإِحْرَام بِحَدِيثِ عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ إِذْ قَالَ لَهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِين أَقْبَلَ مِنْ الْيَمَن مُهِلًّا بِالْحَجِّ : ( بِمَ أَهْلَلْت ) قَالَ قُلْت : لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ بِإِهْلَالٍ كَإِهْلَالِ نَبِيّك , فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَإِنِّي أَهْلَلْت بِالْحَجِّ وَسُقْت الْهَدْي ) . قَالَ الشَّافِعِيّ : وَلَمْ يُنْكِر عَلَيْهِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَقَالَته , وَلَا أَمَرَهُ بِتَجْدِيدِ نِيَّة لِإِفْرَادٍ أَوْ تَمَتُّع أَوْ قِرَان , وَقَالَ مَالِك فِي النَّصْرَانِيّ يُسْلِم عَشِيَّة عَرَفَة فَيُحْرِم بِالْحَجِّ : أَجْزَأَهُ مِنْ حَجَّة الْإِسْلَام , وَكَذَلِكَ الْعَبْد يَعْتِق , وَالصَّبِيّ يَبْلُغ إِذَا لَمْ يَكُونُوا مُحْرِمِينَ وَلَا دَم عَلَى وَاحِد مِنْهُمْ , وَإِنَّمَا يَلْزَم الدَّم مَنْ أَرَادَ الْحَجّ وَلَمْ يُحْرِم مِنْ الْمِيقَات . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة : يَلْزَم الْعَبْد الدَّم , وَهُوَ كَالْحُرِّ عِنْدهمْ فِي تَجَاوُز الْمِيقَات , بِخِلَافِ الصَّبِيّ وَالنَّصْرَانِيّ فَإِنَّهُمَا لَا يَلْزَمهُمَا الْإِحْرَام لِدُخُولِ مَكَّة لِسُقُوطِ الْفَرْض عَنْهُمَا , فَإِذَا أَسْلَمَ الْكَافِر وَبَلَغَ الصَّبِيّ كَانَ حُكْمهمَا حُكْم الْمَكِّيّ , وَلَا شَيْء عَلَيْهِمَا فِي تَرْك الْمِيقَات .|فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ|فِيهَا إِحْدَى عَشْرَة مَسْأَلَة

الْأُولَى : قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : هَذِهِ آيَة مُشْكِلَة , عُضْلَة مِنْ الْعُضَل .

قُلْت : لَا إِشْكَال فِيهَا , وَنَحْنُ نُبَيِّنهَا غَايَة الْبَيَان فَنَقُول : الْإِحْصَار هُوَ الْمَنْع مِنْ الْوَجْه الَّذِي تَقْصِدهُ بِالْعَوَائِقِ جُمْلَة , | فَجُمْلَة | أَيْ بِأَيِّ عُذْر كَانَ , كَانَ حَصْر عَدُوّ أَوْ جَوْر سُلْطَان أَوْ مَرَض أَوْ مَا كَانَ , وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي تَعْيِين الْمَانِع هُنَا عَلَى قَوْلَيْنِ : الْأَوَّل : قَالَ عَلْقَمَة وَعُرْوَة بْن الزُّبَيْر وَغَيْرهمَا : هُوَ الْمَرَض لَا الْعَدُوّ . وَقِيلَ : الْعَدُوّ خَاصَّة , قَالَ اِبْن عَبَّاس وَابْن عُمَر وَأَنْسَ وَالشَّافِعِيّ . قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : وَهُوَ اِخْتِيَار عُلَمَائِنَا , وَرَأَى أَكْثَر أَهْل اللُّغَة وَمُحَصِّلِيهَا عَلَى أَنَّ | أُحْصِرَ | عُرِّضَ لِلْمَرَضِ , و | حُصِرَ | نَزَلَ بِهِ الْعَدُوّ .

قُلْت : مَا حَكَاهُ اِبْن الْعَرَبِيّ مِنْ أَنَّهُ اِخْتِيَار عُلَمَائِنَا فَلَمْ يَقُلْ بِهِ إِلَّا أَشْهَب وَحْده , وَخَالَفَهُ سَائِر أَصْحَاب مَالِك فِي هَذَا وَقَالُوا : الْإِحْصَار إِنَّمَا هُوَ الْمَرَض , وَأَمَّا الْعَدُوّ فَإِنَّمَا يُقَال فِيهِ : حَصِرَ حَصْرًا فَهُوَ مَحْصُور , قَالَهُ الْبَاجِيّ فِي الْمُنْتَقَى . وَحَكَى أَبُو إِسْحَاق الزَّجَّاج أَنَّهُ كَذَلِكَ عِنْد جَمِيع أَهْل اللُّغَة , عَلَى مَا يَأْتِي , وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة وَالْكِسَائِيّ : | أُحْصِرَ | بِالْمَرَضِ , و | حُصِرَ | بِالْعَدُوِّ , وَفِي الْمُجْمَل لِابْنِ فَارِس عَلَى الْعَكْس , فَحُصِرَ بِالْمَرَضِ , وَأُحْصِرَ بِالْعَدُوِّ , وَقَالَتْ طَائِفَة : يُقَال أُحْصِرَ فِيهِمَا جَمِيعًا مِنْ الرُّبَاعِيّ , حَكَاهُ أَبُو عُمَر .

قُلْت : وَهُوَ يُشْبِه قَوْل مَالِك حَيْثُ تَرْجَمَ فِي مُوَطَّئِهِ | أُحْصِرَ | فِيهِمَا , فَتَأَمَّلْهُ , وَقَالَ الْفَرَّاء : هُمَا بِمَعْنًى وَاحِد فِي الْمَرَض وَالْعَدُوّ . قَالَ الْقُشَيْرِيّ أَبُو نَصْر : وَادَّعَتْ الشَّافِعِيَّة أَنَّ الْإِحْصَار يُسْتَعْمَل فِي الْعَدُوّ , فَأَمَّا الْمَرَض فَيُسْتَعْمَل فِيهِ الْحَصْر , وَالصَّحِيح أَنَّهُمَا يُسْتَعْمَلَانِ فِيهِمَا .

قُلْت : مَا اِدَّعَتْهُ الشَّافِعِيَّة قَدْ نَصَّ الْخَلِيل بْن أَحْمَد وَغَيْره عَلَى خِلَافه . قَالَ الْخَلِيل : حَصَرْت الرَّجُل حَصْرًا مَنَعْته وَحَبَسْته , وَأُحْصِرَ الْحَاجّ عَنْ بُلُوغ الْمَنَاسِك مِنْ مَرَض أَوْ نَحْوه , هَكَذَا قَالَ , جُعِلَ الْأَوَّل ثُلَاثِيًّا مِنْ حَصَرْت , وَالثَّانِي فِي الْمَرَض رُبَاعِيًّا , وَعَلَى هَذَا خَرَجَ قَوْل اِبْن عَبَّاس : لَا حَصْر إِلَّا حَصْر الْعَدُوّ , وَقَالَ اِبْن السِّكِّيت : أَحْصَرَهُ الْمَرَض إِذَا مَنَعَهُ مِنْ السَّفَر أَوْ مِنْ حَاجَة يُرِيدهَا , وَقَدْ حَصَرَهُ الْعَدُوّ يَحْصُرُونَهُ إِذَا ضَيَّقُوا عَلَيْهِ فَأَطَافُوا بِهِ , وَحَاصَرُوهُ مُحَاصَرَة وَحِصَارًا . قَالَ الْأَخْفَش : حَصَرْت الرَّجُل فَهُوَ مَحْصُور , أَيْ حَبَسْته . قَالَ : وَأَحْصَرَنِي بِوَلِيٍّ , وَأَحْصَرَنِي مَرَضِي , أَيْ جَعَلَنِي أَحْصُر نَفْسِي . قَالَ أَبُو عَمْرو الشَّيْبَانِيّ : حَصَرَنِي الشَّيْء وَأَحْصَرَنِي , أَيْ حَبَسَنِي .

قُلْت : فَالْأَكْثَر مِنْ أَهْل اللُّغَة عَلَى أَنَّ | حُصِرَ | فِي الْعَدُوّ , و | أُحْصِرَ | فِي الْمَرَض , وَقَدْ قِيلَ ذَلِكَ فِي قَوْل اللَّه تَعَالَى : | لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيل اللَّه | [ الْبَقَرَة : 273 ] , وَقَالَ اِبْن مَيَّادَة :
وَمَا هَجْر لَيْلَى أَنْ تَكُون تَبَاعَدَتْ .......... عَلَيْك وَلَا أَنْ أَحْصَرَتْك شُغُول
وَقَالَ الزَّجَّاج : الْإِحْصَار عِنْد جَمِيع أَهْل اللُّغَة إِنَّمَا هُوَ مِنْ الْمَرَض , فَأَمَّا مِنْ الْعَدُوّ فَلَا يُقَال فِيهِ إِلَّا حُصِرَ , يُقَال : حُصِرَ حَصْرًا , وَفِي الْأَوَّل أُحْصِرَ إِحْصَارًا , فَدَلَّ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ . وَأَصْل الْكَلِمَة مِنْ الْحَبْس , وَمِنْهُ الْحَصِير لِلَّذِي يَحْبِس نَفْسه عَنْ الْبَوْح بِسِرِّهِ , وَالْحَصِير : الْمَلِك لِأَنَّهُ كَالْمَحْبُوسِ مِنْ وَرَاء الْحِجَاب . وَالْحَصِير الَّذِي يُجْلَس عَلَيْهِ لِانْضِمَامِ بَعْض طَاقَات الْبَرْدِيّ إِلَى بَعْض , كَحَبْسِ الشَّيْء مَعَ غَيْره .

الثَّانِيَة : وَلَمَّا كَانَ أَصْل الْحَصْر الْحَبْس قَالَتْ الْحَنَفِيَّة : الْمُحْصَر مَنْ يَصِير مَمْنُوعًا مِنْ مَكَّة بَعْد الْإِحْرَام بِمَرَضٍ أَوْ عَدُوّ أَوْ غَيْر ذَلِكَ , وَاحْتَجُّوا بِمُقْتَضَى الْإِحْصَار مُطْلَقًا , قَالُوا : وَذِكْر الْأَمْن فِي آخِر الْآيَة لَا يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَكُون مِنْ الْمَرَض , قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( الزُّكَام أَمَان مِنْ الْجُذَام ) وَقَالَ : ( مَنْ سَبَقَ الْعَاطِس بِالْحَمْدِ أَمِنَ مِنْ الشَّوْص وَاللَّوْص وَالْعِلَّوْص ) . الشَّوْص : وَجَع السِّنّ , وَاللَّوْص : وَجَع الْأُذُن . وَالْعِلَّوْص : وَجَع الْبَطْن . أَخْرَجَهُ اِبْن مَاجَهْ فِي سُنَنه . قَالُوا : وَإِنَّمَا جَعَلْنَا حَبْس الْعَدُوّ حِصَارًا قِيَاسًا عَلَى الْمَرَض إِذَا كَانَ فِي حُكْمه , لَا بِدَلَالَةِ الظَّاهِر , وَقَالَ اِبْن عُمَر وَابْن الزُّبَيْر وَابْن عَبَّاس وَالشَّافِعِيّ وَأَهْل الْمَدِينَة : الْمُرَاد بِالْآيَةِ حَصْر الْعَدُوّ ; لِأَنَّ الْآيَة نَزَلَتْ فِي سَنَة سِتّ فِي عُمْرَة الْحُدَيْبِيَة حِين صَدَّ الْمُشْرِكُونَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ مَكَّة . قَالَ اِبْن عُمَر : خَرَجْنَا مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَحَالَ كُفَّار قُرَيْش دُون الْبَيْت فَنَحَرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَدْيه وَحَلَقَ رَأْسه , وَدَلَّ عَلَى هَذَا قَوْله تَعَالَى : | فَإِذَا أَمِنْتُمْ | , وَلَمْ يَقُلْ : بَرَأْتُمْ , وَاَللَّه أَعْلَم .

الثَّالِثَة : جُمْهُور النَّاس عَلَى أَنَّ الْمُحْصَر بِعَدُوٍّ يَحِلّ حَيْثُ أُحْصِرَ وَيَنْحَر هَدْيه إِنْ كَانَ ثَمَّ هَدْي وَيَحْلِق رَأْسه , وَقَالَ قَتَادَة وَإِبْرَاهِيم : يَبْعَث بِهَدْيِهِ إِنْ أَمْكَنَهُ , فَإِذَا بَلَغَ مَحِلّه صَارَ حَلَالًا , وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة : دَم الْإِحْصَار لَا يَتَوَقَّف عَلَى يَوْم النَّحْر , بَلْ يَجُوز ذَبْحه قَبْل يَوْم النَّحْر إِذَا بَلَغَ مَحِلّه , وَخَالَفَهُ صَاحِبَاهُ فَقَالَا : يَتَوَقَّف عَلَى يَوْم النَّحْر , وَإِنْ نَحَرَ قَبْله لَمْ يُجْزِهِ , وَسَيَأْتِي لِهَذِهِ الْمَسْأَلَة زِيَادَة بَيَان .

الرَّابِعَة : الْأَكْثَر مِنْ الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّ مَنْ أُحْصِرَ بِعَدُوٍّ كَافِر أَوْ مُسْلِم أَوْ سُلْطَان حَبَسَهُ فِي سِجْن أَنَّ عَلَيْهِ الْهَدْي , وَهُوَ قَوْل الشَّافِعِيّ , وَبِهِ قَالَ أَشْهَب , وَكَانَ اِبْن الْقَاسِم يَقُول : لَيْسَ عَلَى مَنْ صُدَّ عَنْ الْبَيْت فِي حَجّ أَوْ عُمْرَة هَدْي إِلَّا أَنْ يَكُون سَاقَهُ مَعَهُ , وَهُوَ قَوْل مَالِك , وَمِنْ حُجَّتهمَا أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا نَحَرَ يَوْم الْحُدَيْبِيَة هَدْيًا قَدْ كَانَ أَشْعَرَهُ وَقَلَّدَهُ حِين أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ , فَلَمَّا لَمْ يَبْلُغ ذَلِكَ الْهَدْي مَحِلّه لِلصَّدِّ أَمَرَ بِهِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَحَرَ ; لِأَنَّهُ كَانَ هَدْيًا وَجَبَ بِالتَّقْلِيدِ وَالْإِشْعَار , وَخَرَجَ لِلَّهِ فَلَمْ يَجُزْ الرُّجُوع فِيهِ , وَلَمْ يَنْحَرهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَجْل الصَّدّ , فَلِذَلِكَ لَا يَجِب عَلَى مَنْ صُدَّ عَنْ الْبَيْت هَدْي , وَاحْتَجَّ الْجُمْهُور بِأَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَحِلّ يَوْم الْحُدَيْبِيَة وَلَمْ يَحْلِق رَأْسه حَتَّى نَحَرَ الْهَدْي , فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ مِنْ شَرْط إِحْلَال الْمُحْصَر ذَبْح هَدْي إِنْ كَانَ عِنْده , وَإِنْ كَانَ فَقِيرًا فَمَتَى وَجَدَهُ وَقَدَرَ عَلَيْهِ لَا يَحِلّ إِلَّا بِهِ , وَهُوَ مُقْتَضَى قَوْله : | فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اِسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْي | , وَقَدْ قِيلَ : يَحِلّ وَيُهْدِي إِذَا قَدَرَ عَلَيْهِ , وَالْقَوْلَانِ لِلشَّافِعِيِّ , وَكَذَلِكَ مَنْ لَا يَجِد هَدْيًا يَشْتَرِيه , قَوْلَانِ .

الْخَامِسَة : قَالَ عَطَاء وَغَيْره : الْمُحْصَر بِمَرَضٍ كَالْمُحْصَرِ بِعَدُوٍّ , وَقَالَ مَالِك وَالشَّافِعِيّ وَأَصْحَابهمَا : مَنْ أَحْصَرَهُ الْمَرَض فَلَا يُحِلّهُ إِلَّا الطَّوَاف بِالْبَيْتِ وَإِنْ أَقَامَ سِنِينَ حَتَّى يُفِيق , وَكَذَلِكَ مَنْ أَخْطَأَ الْعَدَد أَوْ خَفِيَ عَلَيْهِ الْهِلَال . قَالَ مَالِك : وَأَهْل مَكَّة فِي ذَلِكَ كَأَهْلِ الْآفَاق . قَالَ : وَإِنْ اِحْتَاجَ الْمَرِيض إِلَى دَوَاء تَدَاوَى بِهِ وَافْتَدَى وَبَقِيَ عَلَى إِحْرَامه لَا يَحِلّ مِنْ شَيْء حَتَّى يَبْرَأ مِنْ مَرَضه , فَإِذَا بَرِئَ مِنْ مَرَضه مَضَى إِلَى الْبَيْت فَطَافَ بِهِ سَبْعًا , وَسَعَى بَيْن الصَّفَا وَالْمَرْوَة , وَحَلَّ مِنْ حَجَّته أَوْ عُمْرَته , وَهَذَا كُلّه قَوْل الشَّافِعِيّ , وَذَهَبَ فِي ذَلِكَ إِلَى مَا رُوِيَ عَنْ عُمَر وَابْن عَبَّاس وَعَائِشَة وَابْن عُمَر وَابْن الزُّبَيْر أَنَّهُمْ قَالُوا فِي الْمُحْصَر بِمَرَضٍ أَوْ خَطَأ الْعَدَد : إِنَّهُ لَا يُحِلّهُ إِلَّا الطَّوَاف بِالْبَيْتِ . وَكَذَلِكَ مَنْ أَصَابَهُ كَسْر أَوْ بَطْن مُنْخَرِق , وَحُكْم مَنْ كَانَتْ هَذِهِ حَاله عِنْد مَالِك وَأَصْحَابه أَنْ يَكُون بِالْخِيَارِ إِذَا خَافَ فَوْت الْوُقُوف بِعَرَفَة لِمَرَضِهِ , إِنْ شَاءَ مَضَى إِذَا أَفَاقَ إِلَى الْبَيْت فَطَافَ وَتَحَلَّلَ بِعُمْرَةٍ , وَإِنْ شَاءَ أَقَامَ عَلَى إِحْرَامه إِلَى قَابِل , وَإِنْ أَقَامَ عَلَى إِحْرَامه وَلَمْ يُوَاقِع شَيْئًا مِمَّا نُهِيَ عَنْهُ الْحَاجّ فَلَا هَدْي عَلَيْهِ , وَمِنْ حُجَّته فِي ذَلِكَ الْإِجْمَاع مِنْ الصَّحَابَة عَلَى أَنَّ مَنْ أَخْطَأَ الْعَدَد أَنَّ هَذَا حُكْمه لَا يُحِلّهُ إِلَّا الطَّوَاف بِالْبَيْتِ . وَقَالَ فِي الْمَكِّيّ إِذَا بَقِيَ مَحْصُورًا حَتَّى فَرَغَ النَّاس مِنْ حَجّهمْ : فَإِنَّهُ يَخْرُج إِلَى الْحِلّ فَيُلَبِّي وَيَفْعَل مَا يَفْعَلهُ الْمُعْتَمِر وَيَحِلّ , فَإِذَا كَانَ قَابِل حَجَّ وَأَهْدَى . وَقَالَ اِبْن شِهَاب الزُّهْرِيّ فِي إِحْصَار مَنْ أُحْصِرَ بِمَكَّة مِنْ أَهْلهَا : لَا بُدّ لَهُ مِنْ أَنْ يَقِف بِعَرَفَة وَإِنْ نُعِشَ نَعْشًا , وَاخْتَارَ هَذَا الْقَوْل أَبُو بَكْر مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن عَبْد اللَّه بْن بُكَيْر الْمَالِكِيّ فَقَالَ : قَوْل مَالِك فِي الْمُحْصَر الْمَكِّيّ أَنَّ عَلَيْهِ مَا عَلَى الْآفَاق مِنْ إِعَادَة الْحَجّ وَالْهَدْي خِلَاف ظَاهِر الْكِتَاب , لِقَوْلِ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : | ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْله حَاضِرِي الْمَسْجِد الْحَرَام | . قَالَ : وَالْقَوْل عِنْدِي فِي هَذَا قَوْل الزُّهْرِيّ فِي أَنَّ الْإِبَاحَة مِنْ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْله حَاضِرِي الْمَسْجِد الْحَرَام أَنْ يُقِيم لِبُعْدِ الْمَسَافَة يَتَعَالَج وَإِنْ فَاتَهُ الْحَجّ , فَأَمَّا مَنْ كَانَ بَيْنه وَبَيْن الْمَسْجِد الْحَرَام مَا لَا تُقْصَر فِي مِثْله الصَّلَاة فَإِنَّهُ يَحْضُر الْمَشَاهِد وَإِنْ نُعِشَ نَعْشًا لِقُرْبِ الْمَسَافَة بِالْبَيْتِ , وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة وَأَصْحَابه : كُلّ مَنْ مَنَعَ مِنْ الْوُصُول إِلَى الْبَيْت بِعَدُوٍّ أَوْ مَرَض أَوْ ذَهَاب نَفَقَة أَوْ إِضْلَال رَاحِلَة أَوْ لَدْغ هَامَة فَإِنَّهُ يَقِف مَكَانه عَلَى إِحْرَامه وَيَبْعَث بِهَدْيِهِ أَوْ بِثَمَنِ هَدْيه , فَإِذَا نَحَرَ فَقَدْ حَلَّ مِنْ إِحْرَامه . كَذَلِكَ قَالَ عُرْوَة وَقَتَادَة وَالْحَسَن وَعَطَاء وَالنَّخَعِيّ وَمُجَاهِد وَأَهْل الْعِرَاق , لِقَوْلِهِ تَعَالَى : | فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اِسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْي | الْآيَة .

السَّادِسَة : قَالَ مَالِك وَأَصْحَابه : لَا يَنْفَع الْمُحْرِم الِاشْتِرَاط فِي الْحَجّ إِذَا خَافَ الْحَصْر بِمَرَضٍ أَوْ عَدُوّ , وَهُوَ قَوْل الثَّوْرِيّ وَأَبِي حَنِيفَة وَأَصْحَابهمْ , وَالِاشْتِرَاط أَنْ يَقُول إِذَا أَهَلَّ : لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ , وَمَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتنِي مِنْ الْأَرْض , وَقَالَ أَحْمَد بْن حَنْبَل وَإِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ وَأَبُو ثَوْر : لَا بَأْس أَنْ يَشْتَرِط وَلَهُ شَرْطه , وَقَالَهُ غَيْر وَاحِد مِنْ الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ , وَحُجَّتهمْ حَدِيث ضُبَاعَة بِنْت الزُّبَيْر بْن عَبْد الْمُطَّلِب أَنَّهَا أَتَتْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ : يَا رَسُول اللَّه , إِنِّي أَرَدْت الْحَجّ , أَأَشْتَرِطُ ؟ قَالَ : ( نَعَمْ ) . قَالَتْ : فَكَيْف أَقُول ؟ قَالَ : ( قُولِي لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ وَمَحِلِّي مِنْ الْأَرْض حَيْثُ حَبَسْتنِي ) . أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالدَّارَقُطْنِيّ وَغَيْرهمَا . قَالَ الشَّافِعِيّ : لَوْ ثَبَتَ حَدِيث ضُبَاعَة لَمْ أَعُدّهُ , وَكَانَ مَحِلّه حَيْثُ حَبَسَهُ اللَّه .

قُلْت : قَدْ صَحَّحَهُ غَيْر وَاحِد , مِنْهُمْ أَبُو حَاتِم الْبُسْتِيّ وَابْن الْمُنْذِر , قَالَ اِبْن الْمُنْذِر : ثَبَتَ أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِضُبَاعَة بِنْت الزُّبَيْر : ( حُجِّي وَاشْتَرِطِي ) , وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيّ إِذْ هُوَ بِالْعِرَاقِ , ثُمَّ وَقَفَ عَنْهُ بِمِصْر . قَالَ اِبْن الْمُنْذِر : وَبِالْقَوْلِ الْأَوَّل أَقُول , وَذَكَرَهُ عَبْد الرَّزَّاق أَخْبَرَنَا اِبْن جُرَيْج قَالَ : أَخْبَرَنَا أَبُو الزُّبَيْر أَنَّ طَاوُسًا وَعِكْرِمَة أَخْبَرَاهُ عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : جَاءَتْ ضُبَاعَة بِنْت الزُّبَيْر إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ : إِنِّي اِمْرَأَة ثَقِيلَة وَإِنِّي أُرِيد الْحَجّ , فَكَيْف تَأْمُرنِي أَنْ أُهِلّ ؟ قَالَ : ( أَهِلِّي وَاشْتَرِطِي أَنَّ مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتنِي ) . قَالَ : فَأَدْرَكَتْ , وَهَذَا إِسْنَاد صَحِيح .

السَّابِعَة : وَاخْتَلَفَتْ الْعُلَمَاء أَيْضًا فِي وُجُوب الْقَضَاء عَلَى مَنْ أُحْصِرَ , فَقَالَ مَالِك وَالشَّافِعِيّ : مَنْ أُحْصِرَ بِعَدُوٍّ فَلَا قَضَاء عَلَيْهِ بِحَجِّهِ وَلَا عُمْرَته , إِلَّا أَنْ يَكُون ضَرُورَة لَمْ يَكُنْ حَجّ , فَيَكُون عَلَيْهِ الْحَجّ عَلَى حَسَب وُجُوبه عَلَيْهِ , وَكَذَلِكَ الْعُمْرَة عِنْد مَنْ أَوْجَبَهَا فَرْضًا . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة : الْمُحْصَر بِمَرَضٍ أَوْ عَدُوّ عَلَيْهِ حَجَّة وَعُمْرَة , وَهُوَ قَوْل الطَّبَرِيّ . قَالَ أَصْحَاب الرَّأْي : إِنْ كَانَ مُهِلًّا بِحَجٍّ قَضَى حَجَّة وَعُمْرَة ; لِأَنَّ إِحْرَامه بِالْحَجِّ صَارَ عُمْرَة . وَإِنْ كَانَ قَارِنًا قَضَى حَجَّة وَعُمْرَتَيْنِ , وَإِنْ كَانَ مُهِلًّا بِعُمْرَةٍ قَضَى عُمْرَة , وَسَوَاء عِنْدهمْ الْمُحْصَر بِمَرَضٍ أَوْ عَدُوّ , عَلَى مَا تَقَدَّمَ , وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ مَيْمُون اِبْن مَهْرَان قَالَ : خَرَجْت مُعْتَمِرًا عَام حَاصَرَ أَهْل الشَّام اِبْن الزُّبَيْر بِمَكَّة وَبَعَثَ مَعِي رِجَال مِنْ قَوْمِي بِهَدْيٍ , فَلَمَّا اِنْتَهَيْت إِلَى أَهْل الشَّام مَنَعُونِي أَنْ أَدْخُل الْحَرَم , فَنَحَرْت الْهَدْي مَكَانِي ثُمَّ حَلَلْت ثُمَّ رَجَعْت , فَلَمَّا كَانَ مِنْ الْعَام الْمُقْبِل خَرَجْت لِأَقْضِيَ عُمْرَتِي , فَأَتَيْت اِبْن عَبَّاس فَسَأَلْته , فَقَالَ : أَبْدِلْ الْهَدْي , فَإِنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ أَصْحَابه أَنْ يُبْدِلُوا الْهَدْي الَّذِي نَحَرُوا عَام الْحُدَيْبِيَة فِي عُمْرَة الْقَضَاء , وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَام : ( مَنْ كُسِرَ أَوْ عَرَجَ فَقَدْ حَلَّ وَعَلَيْهِ حَجَّة أُخْرَى أَوْ عُمْرَة أُخْرَى ) . رَوَاهُ عِكْرِمَة عَنْ الْحَجَّاج بْن عَمْرو الْأَنْصَارِيّ قَالَ : سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : ( مَنْ عَرَجَ أَوْ كُسِرَ فَقَدْ حَلَّ وَعَلَيْهِ حَجَّة أُخْرَى ) . قَالُوا : فَاعْتِمَار رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابه فِي الْعَام الْمُقْبِل مِنْ عَام الْحُدَيْبِيَة إِنَّمَا كَانَ قَضَاء لِتِلْكَ الْعُمْرَة , قَالُوا : وَلِذَلِكَ قِيلَ لَهَا عُمْرَة الْقَضَاء . وَاحْتَجَّ مَالِك بِأَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَأْمُر أَحَدًا مِنْ أَصْحَابه وَلَا مِمَّنْ كَانَ مَعَهُ أَنْ يَقْضُوا شَيْئًا وَلَا أَنْ يَعُودُوا لِشَيْءٍ , وَلَا حُفِظَ ذَلِكَ عَنْهُ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوه , وَلَا قَالَ فِي الْعَام الْمُقْبِل : إِنَّ عُمْرَتِي هَذِهِ قَضَاء عَنْ الْعُمْرَة الَّتِي حُصِرْت فِيهَا , وَلَمْ يُنْقَل ذَلِكَ عَنْهُ . قَالُوا : وَعُمْرَة الْقَضَاء وَعُمْرَة الْقَضِيَّة سَوَاء , وَإِنَّمَا قِيلَ لَهَا ذَلِكَ لِأَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَاضَى قُرَيْشًا وَصَالَحَهُمْ فِي ذَلِكَ الْعَام عَلَى الرُّجُوع عَنْ الْبَيْت وَقَصْده مِنْ قَابِل , فَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ عُمْرَة الْقَضِيَّة .

الثَّامِنَة : لَمْ يَقُلْ أَحَد مِنْ الْفُقَهَاء فِيمَنْ كُسِرَ أَوْ عَرَجَ أَنَّهُ يَحِلّ مَكَانه بِنَفْسِ الْكَسْر غَيْر أَبِي ثَوْر عَلَى ظَاهِر حَدِيث الْحَجَّاج بْن عَمْرو , وَتَابَعَهُ عَلَى ذَلِكَ دَاوُد بْن عَلِيّ وَأَصْحَابه , وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّهُ يَحِلّ مَنْ كُسِرَ , وَلَكِنْ اِخْتَلَفُوا فِيمَا بِهِ يَحِلّ , فَقَالَ مَالِك وَغَيْره : يَحِلّ بِالطَّوَافِ بِالْبَيْتِ لَا يَحِلّهُ غَيْره , وَمَنْ خَالَفَهُ مِنْ الْكُوفِيِّينَ يَقُول : يَحِلّ بِالنِّيَّةِ وَفِعْل مَا يَتَحَلَّل بِهِ , عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ مَذْهَبه .

التَّاسِعَة : لَا خِلَاف بَيْن عُلَمَاء الْأَمْصَار أَنَّ الْإِحْصَار عَامّ فِي الْحَجّ وَالْعُمْرَة , وَقَالَ اِبْن سِيرِينَ : لَا إِحْصَار فِي الْعُمْرَة ; لِأَنَّهَا غَيْر مُؤَقَّتَة , وَأُجِيبَ بِأَنَّهَا وَإِنْ كَانَتْ غَيْر مُؤَقَّتَة لَكِنْ فِي الصَّبْر إِلَى زَوَال الْعُذْر ضَرَر , وَفِي ذَلِكَ نَزَلَتْ الْآيَة , وَحُكِيَ عَنْ اِبْن الزُّبَيْر أَنَّ مَنْ أَحْصَرَهُ الْعَدُوّ أَوْ الْمَرَض فَلَا يَحِلّهُ إِلَّا الطَّوَاف بِالْبَيْتِ , وَهَذَا أَيْضًا مُخَالِف لِنَصِّ الْخَبَر عَام الْحُدَيْبِيَة .

الْعَاشِرَة : الْحَاصِر لَا يَخْلُو أَنْ يَكُون كَافِرًا أَوْ مُسْلِمًا , فَإِنْ كَانَ كَافِرًا لَمْ يَجُزْ قِتَاله وَلَوْ وَثِقَ بِالظُّهُورِ عَلَيْهِ , وَيَتَحَلَّل بِمَوْضِعِهِ , لِقَوْلِهِ تَعَالَى : | وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْد الْمَسْجِد الْحَرَام | كَمَا تَقَدَّمَ وَلَوْ سَأَلَ الْكَافِر جُعْلًا لَمْ يَجُزْ ; لِأَنَّ ذَلِكَ وَهْن فِي الْإِسْلَام , فَإِنْ كَانَ مُسْلِمًا لَمْ يَجُزْ قِتَاله بِحَالٍ , وَوَجَبَ التَّحَلُّل , فَإِنْ طَلَبَ شَيْئًا وَيَتَخَلَّى عَنْ الطَّرِيق جَازَ دَفْعه , وَلَمْ يَجُزْ الْقِتَال لِمَا فِيهِ مِنْ إِتْلَاف الْمُهَج , وَذَلِكَ لَا يَلْزَم فِي أَدَاء الْعِبَادَات , فَإِنَّ الدِّين أَسْمَح . وَأَمَّا بَذْل الْجُعْل فَلِمَا فِيهِ مِنْ دَفْع أَعْظَم الضَّرَرَيْنِ بِأَهْوَنِهِمَا ; وَلِأَنَّ الْحَجّ مِمَّا يُنْفَق فِيهِ الْمَال , فَيُعَدّ هَذَا مِنْ النَّفَقَة .

الْحَادِيَة عَشْرَة : وَالْعَدُوّ الْحَاصِر لَا يَخْلُو أَنْ يُتَيَقَّن بَقَاؤُهُ وَاسْتِيطَانه لِقُوَّتِهِ وَكَثْرَته أَوَّلًا , فَإِنْ كَانَ الْأَوَّل حَلَّ الْمُحْصَر مَكَانه مِنْ سَاعَته , وَإِنْ كَانَ الثَّانِي وَهُوَ مِمَّا يُرْجَى زَوَاله فَهَذَا لَا يَكُون مَحْصُورًا حَتَّى يَبْقَى بَيْنه وَبَيْن الْحَجّ مِقْدَار مَا يُعْلَم أَنَّهُ إِنْ زَالَ الْعَدُوّ لَا يُدْرِك فِيهِ الْحَجّ , فَيَحِلّ حِينَئِذٍ عِنْد اِبْن الْقَاسِم وَابْن الْمَاجِشُونِ , وَقَالَ أَشْهَب : لَا يَحِلّ مَنْ حُصِرَ عَنْ الْحَجّ بِعَدُوٍّ حَتَّى يَوْم النَّحْر , وَلَا يَقْطَع التَّلْبِيَة حَتَّى يَرُوح النَّاس إِلَى عَرَفَة , وَجْه قَوْل اِبْن الْقَاسِم : أَنَّ هَذَا وَقْت يَأْس مِنْ إِكْمَال حَجّه لِعَدُوٍّ غَالِب , فَجَازَ لَهُ أَنْ يَحِلّ فِيهِ , أَصْل ذَلِكَ يَوْم عَرَفَة , وَوَجْه قَوْل أَشْهَب أَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَأْتِي مِنْ حُكْم الْإِحْرَام بِمَا يُمْكِنهُ وَالْتِزَامه لَهُ إِلَى يَوْم النَّحْر , الْوَقْت الَّذِي يَجُوز لِلْحَاجِّ التَّحَلُّل بِمَا يُمْكِنهُ الْإِتْيَان بِهِ فَكَانَ ذَلِكَ عَلَيْهِ .|فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ|| مَا | فِي مَوْضِع رَفْع , أَيْ فَالْوَاجِب أَوْ فَعَلَيْكُمْ مَا اِسْتَيْسَرَ , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون فِي مَوْضِع نَصْب , أَيْ فَانْحَرُوا أَوْ فَاهْدُوا . و | مَا اِسْتَيْسَرَ | عِنْد جُمْهُور أَهْل الْعِلْم شَاة , وَقَالَ اِبْن عُمَر وَعَائِشَة وَابْن الزُّبَيْر : | مَا اِسْتَيْسَرَ | جَمَل دُون جَمَل , وَبَقَرَة دُون بَقَرَة لَا يَكُون مِنْ غَيْرهمَا , وَقَالَ الْحَسَن : أَعْلَى الْهَدْي بَدَنَة , وَأَوْسَطه بَقَرَة , وَأَخَسّه شَاة , وَفِي هَذَا دَلِيل عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مَالِك مِنْ أَنَّ الْمُحْصَر بِعَدُوٍّ لَا يَجِب عَلَيْهِ الْقَضَاء , لِقَوْلِهِ : | فَمَا اِسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْي | وَلَمْ يَذْكُر قَضَاء , وَاَللَّه أَعْلَم .

|مِنْ الْهَدْي | الْهَدْي وَالْهَدِيّ لُغَتَانِ . وَهُوَ مَا يُهْدَى إِلَى بَيْت اللَّه مِنْ بَدَنَة أَوْ غَيْرهَا , وَالْعَرَب تَقُول : كَمْ هَدِيّ بَنِي فُلَان , أَيْ كَمْ إِبِلهمْ . وَقَالَ أَبُو بَكْر : سُمِّيَتْ هَدْيًا لِأَنَّ مِنْهَا مَا يُهْدَى إِلَى بَيْت اللَّه , فَسُمِّيَتْ بِمَا يَلْحَق بَعْضهَا , كَمَا قَالَ تَعَالَى : | فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْف مَا عَلَى الْمُحْصَنَات مِنْ الْعَذَاب | [ النِّسَاء : 25 ] . أَرَادَ فَإِنْ زَنَى الْإِمَاء فَعَلَى الْأَمَة مِنْهُنَّ إِذَا زَنَتْ نِصْف مَا عَلَى الْحُرَّة الْبِكْر إِذَا زَنَتْ , فَذَكَرَ اللَّه الْمُحْصَنَات وَهُوَ يُرِيد الْأَبْكَار ; لِأَنَّ الْإِحْصَان يَكُون فِي أَكْثَرهنَّ فَسُمِّينَ بِأَمْرٍ يُوجَد فِي بَعْضهنَّ , وَالْمُحْصَنَة مِنْ الْحَرَائِر هِيَ ذَات الزَّوْج , يَجِب عَلَيْهَا الرَّجْم إِذَا زَنَتْ , وَالرَّجْم لَا يَتَبَعَّض , فَيَكُون عَلَى الْأَمَة نِصْفه , فَانْكَشَفَ بِهَذَا أَنَّ الْمُحْصَنَات يُرَاد بِهِنَّ الْأَبْكَار لَا أُولَات الْأَزْوَاج , وَقَالَ الْفَرَّاء : أَهْل الْحِجَاز وَبَنُو أَسَد يُخَفِّفُونَ الْهَدْي , قَالَ : وَتَمِيم وَسُفْلَى قَيْس يُثَقِّلُونَ فَيَقُولُونَ : هَدِيّ . قَالَ الشَّاعِر :
حَلَفْت بِرَبِّ مَكَّة وَالْمُصَلَّى .......... وَأَعْنَاق الْهَدْي مُقَلَّدَات
قَالَ : وَوَاحِد الْهَدْي هَدْيَة , وَيُقَال فِي جَمْع الْهَدْي : أَهْدَاء .|وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ|فِيهَا سَبْع مَسَائِل

الْأُولَى : الْخِطَاب لِجَمِيعِ الْأُمَّة مُحْصَر وَمُخَلًّى , وَمِنْ الْعُلَمَاء مَنْ يَرَاهَا لِلْمُحْصَرِينَ خَاصَّة , أَيْ لَا تَتَحَلَّلُوا مِنْ الْإِحْرَام حَتَّى يُنْحَر الْهَدْي . وَالْمَحِلّ : الْمَوْضِع الَّذِي يَحِلّ فِيهِ ذَبْحه , فَالْمَحِلّ فِي حَصْر الْعَدُوّ عِنْد مَالِك وَالشَّافِعِيّ : مَوْضِع الْحَصْر , اِقْتِدَاء بِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَمَن الْحُدَيْبِيَة , قَالَ اللَّه تَعَالَى : | وَالْهَدْي مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغ مَحِلّه | [ الْفَتْح : 25 ] قِيلَ : مَحْبُوسًا إِذَا كَانَ مُحْصَرًا مَمْنُوعًا مِنْ الْوُصُول إِلَى الْبَيْت الْعَتِيق , وَعِنْد أَبِي حَنِيفَة مَحِلّ الْهَدْي فِي الْإِحْصَار : الْحَرَم , لِقَوْلِهِ تَعَالَى : | ثُمَّ مَحِلّهَا إِلَى الْبَيْت الْعَتِيق | [ الْحَجّ : 33 ] , وَأُجِيبَ عَنْ هَذَا بِأَنَّ الْمُخَاطَب بِهِ الْآمِن الَّذِي يَجِد الْوُصُول إِلَى الْبَيْت , فَأَمَّا الْمُحْصَر فَخَارِج مِنْ قَوْل اللَّه تَعَالَى : | ثُمَّ مَحِلّهَا إِلَى الْبَيْت الْعَتِيق | بِدَلِيلِ نَحْر النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابه هَدْيهمْ بِالْحُدَيْبِيَةِ وَلَيْسَتْ مِنْ الْحَرَم , وَاحْتَجُّوا مِنْ السُّنَّة بِحَدِيثِ نَاجِيَة بْن جُنْدُب صَاحِب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اِبْعَثْ مَعِي الْهَدْي فَأَنْحَرهُ بِالْحَرَمِ . قَالَ : ( فَكَيْف تَصْنَع بِهِ ) قَالَ : أَخْرَجَهُ فِي الْأَوْدِيَة لَا يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ , فَأَنْطَلِق بِهِ حَتَّى أَنْحَرهُ فِي الْحَرَم , وَأُجِيبَ بِأَنَّ هَذَا لَا يَصِحّ , وَإِنَّمَا يَنْحَر حَيْثُ حَلَّ , اِقْتِدَاء بِفِعْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَام بِالْحُدَيْبِيَةِ , وَهُوَ الصَّحِيح الَّذِي رَوَاهُ الْأَئِمَّة ; وَلِأَنَّ الْهَدْي تَابِع لِلْمُهْدِي , وَالْمُهْدِي حَلَّ بِمَوْضِعِهِ , فَالْمُهْدَى أَيْضًا يَحِلّ مَعَهُ .

الثَّانِيَة : وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء عَلَى مَا قَرَّرْنَاهُ فِي الْمُحْصَر هَلْ لَهُ أَنْ يَحْلِق أَوْ يَحِلّ بِشَيْءٍ مِنْ الْحِلّ قَبْل أَنْ يَنْحَر مَا اِسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْي , فَقَالَ مَالِك :