islamkingdomfaceBook islamkingdomtwitter islamkingdominstagram islamkingdomyoutube


اِخْتَلَفَ النُّحَاة فِي رَفْع | مِثْل | فَقَالَ سِيبَوَيْهِ : اِرْتَفَعَ بِالِابْتِدَاءِ وَالْخَبَر مَحْذُوف ; وَالتَّقْدِير : وَفِيمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ مَثَل الْجَنَّة . وَقَالَ الْخَلِيل : اِرْتَفَعَ بِالِابْتِدَاءِ وَخَبَره | تَجْرِي مِنْ تَحْتهَا الْأَنْهَار | أَيْ صِفَة الْجَنَّة الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتهَا الْأَنْهَار ; كَقَوْلِك : قَوْلِي يَقُوم زَيْد ; فَقَوْلِي مُبْتَدَأ , وَيَقُوم زَيْد خَبَره ; وَالْمَثَل بِمَعْنَى الصِّفَة مَوْجُود ; قَالَ اللَّه تَعَالَى : | ذَلِكَ مَثَلهمْ فِي التَّوْرَاة وَمَثَلهمْ فِي الْإِنْجِيل | [ الْفَتْح : 29 ] وَقَالَ : | وَلِلَّهِ الْمَثَل الْأَعْلَى | [ النَّحْل : 60 ] أَيْ الصِّفَة الْعُلْيَا ; وَأَنْكَرَهُ أَبُو عَلِيّ وَقَالَ : لَمْ يُسْمَع مِثْل بِمَعْنَى الصِّفَة ; إِنَّمَا مَعْنَاهُ الشَّبَه ; أَلَا تَرَاهُ يَجْرِي مَجْرَاهُ فِي مَوَاضِعه وَمُتَصَرِّفَاته , كَقَوْلِهِمْ : مَرَرْت بِرَجُلٍ مِثْلك ; كَمَا تَقُول : مَرَرْت بِرَجُلٍ شَبَهك ; قَالَ : وَيَفْسُد أَيْضًا مِنْ جِهَة الْمَعْنَى ; لِأَنَّ مَثَلًا إِذَا كَانَ مَعْنَاهُ صِفَة كَانَ تَقْدِير الْكَلَام : صِفَة الْجَنَّة الَّتِي فِيهَا أَنْهَار , وَذَلِكَ غَيْر مُسْتَقِيم ; لِأَنَّ الْأَنْهَار فِي الْجَنَّة نَفْسهَا لَا صِفَتهَا وَقَالَ الزَّجَّاج : مَثَّلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ لَنَا مَا غَابَ عَنَّا بِمَا نَرَاهُ ; وَالْمَعْنَى : مَثَل الْجَنَّة جَنَّة تَجْرِي مِنْ تَحْتهَا الْأَنْهَار ; وَأَنْكَرَهُ أَبُو عَلِيّ فَقَالَ : لَا يَخْلُو الْمَثَل عَلَى قَوْله أَنْ يَكُون الصِّفَة أَوْ الشَّبَه , وَفِي كِلَا الْوَجْهَيْنِ لَا يَصِحّ مَا قَالَهُ ; لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ بِمَعْنَى الصِّفَة لَمْ يَصِحّ , لِأَنَّك إِذَا قُلْت : صِفَة الْجَنَّة جَنَّة , فَجَعَلْت الْجَنَّة خَبَرًا لَمْ يَسْتَقِمْ ذَلِكَ ; لِأَنَّ الْجَنَّة لَا تَكُون الصِّفَة , وَكَذَلِكَ أَيْضًا شَبَه الْجَنَّة جَنَّة ; أَلَا تَرَى أَنَّ الشَّبَه عِبَارَة عَنْ الْمُمَاثَلَة الَّتِي بَيْن الْمُتَمَاثِلَيْنِ , وَهُوَ حَدَث ; وَالْجَنَّة غَيْر حَدَث ; فَلَا يَكُون الْأَوَّل الثَّانِي . وَقَالَ الْفَرَّاء : الْمَثَل مُقْحَم لِلتَّأْكِيدِ ; وَالْمَعْنَى : الْجَنَّة الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتهَا الْأَنْهَار ; وَالْعَرَب تَفْعَل ذَلِكَ كَثِيرًا بِالْمَثَلِ ; كَقَوْلِهِ : | لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء | [ الشُّورَى : 11 ] : أَيْ لَيْسَ هُوَ كَشَيْءٍ . وَقِيلَ التَّقْدِير : صِفَة الْجَنَّة الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ صِفَة جَنَّة | تَجْرِي مِنْ تَحْتهَا الْأَنْهَار | وَقِيلَ مَعْنَاهُ : شَبَه الْجَنَّة الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِي الْحُسْن وَالنِّعْمَة وَالْخُلُود كَشَبَهِ النَّار فِي الْعَذَاب وَالشِّدَّة وَالْخُلُود ; قَالَهُ مُقَاتِل .|أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا|لَا يَنْقَطِع ; وَفِي الْخَبَر : ( إِذَا أُخِذَتْ ثَمَرَة عَادَتْ مَكَانهَا أُخْرَى ) وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي | التَّذْكِرَة | . | وَظِلّهَا | أَيْ وَظِلّهَا كَذَلِكَ ; فَحَذَفَ ; أَيْ ثَمَرهَا لَا يَنْقَطِع , وَظِلّهَا لَا يَزُول ; وَهَذَا رَدّ عَلَى الْجَهْمِيَّة فِي زَعْمهمْ أَنَّ نَعِيم الْجَنَّة يَزُول وَيَفْنَى .|تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ|أَيْ عَاقِبَة أَمْر الْمُكَذِّبِينَ وَآخِرَتهمْ النَّار يَدْخُلُونَهَا.

أَيْ بَعْض مَنْ أُوتِيَ الْكِتَاب يَفْرَح بِالْقُرْآنِ , كَابْنِ سَلَام وَسَلْمَان , وَاَلَّذِينَ جَاءُوا مِنْ الْحَبَشَة ; فَاللَّفْظ عَامّ , وَالْمُرَاد الْخُصُوص . وَقَالَ قَتَادَة : هُمْ أَصْحَاب مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْرَحُونَ بِنُورِ الْقُرْآن ; وَقَالَهُ مُجَاهِد وَابْن زَيْد . وَعَنْ مُجَاهِد أَيْضًا أَنَّهُمْ مُؤْمِنُو أَهْل الْكِتَاب . وَقِيلَ : هُمْ جَمَاعَة أَهْل الْكِتَاب مِنْ الْيَهُود وَالنَّصَارَى يَفْرَحُونَ بِنُزُولِ الْقُرْآن لِتَصْدِيقِهِ كُتُبهمْ . وَقَالَ أَكْثَر الْعُلَمَاء : كَانَ ذِكْر الرَّحْمَن فِي الْقُرْآن قَلِيلًا فِي أَوَّل مَا أُنْزِلَ , فَلَمَّا أَسْلَمَ عَبْد اللَّه بْن سَلَام وَأَصْحَابه سَاءَهُمْ قِلَّة ذِكْر الرَّحْمَن فِي الْقُرْآن مَعَ كَثْرَة ذِكْره فِي التَّوْرَاة ; فَسَأَلُوا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ ; فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى : | قُلْ اُدْعُوا اللَّه أَوْ اُدْعُوا الرَّحْمَن أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاء الْحُسْنَى | [ الْإِسْرَاء : 110 ] فَقَالَتْ قُرَيْش : مَا بَال مُحَمَّد يَدْعُو إِلَى إِلَه وَاحِد فَأَصْبَحَ الْيَوْم يَدْعُو إِلَهَيْنِ , اللَّه وَالرَّحْمَن ! وَاَللَّه مَا نَعْرِف الرَّحْمَن إِلَّا رَحْمَن الْيَمَامَة , يَعْنُونَ مُسَيْلِمَة الْكَذَّاب ; فَنَزَلَتْ : | وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَن هُمْ كَافِرُونَ | [ الْأَنْبِيَاء : 36 ] | وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ | [ الرَّعْد : 30 ] فَفَرِحَ مُؤْمِنُو أَهْل الْكِتَاب بِذِكْرِ الرَّحْمَن ; فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى : | وَاَلَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَاب يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْك | .|وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ|يَعْنِي مُشْرِكِي مَكَّة , وَمَنْ لَمْ يُؤْمِن مِنْ الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوس. وَقِيلَ : هُمْ الْعَرَب الْمُتَحَزِّبُونَ عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَقِيلَ : وَمِنْ أَعْدَاء الْمُسْلِمِينَ مَنْ يُنْكِر بَعْض مَا فِي الْقُرْآن ; لِأَنَّ فِيهِمْ مَنْ كَانَ يَعْتَرِف بِبَعْضِ الْأَنْبِيَاء , وَفِيهِمْ مَنْ كَانَ يَعْتَرِف بِأَنَّ اللَّه خَالِق السَّمَاوَات وَالْأَرْض .|قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا أُشْرِكَ بِهِ|قِرَاءَة الْجَمَاعَة بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلَى | أَعْبُد | . وَقَرَأَ أَبُو خَالِد بِالرَّفْعِ عَلَى الِاسْتِئْنَاف أَيْ أُفْرِدهُ بِالْعِبَادَةِ وَحْده لَا شَرِيك لَهُ , وَأَتَبَرَّأ عَنْ الْمُشْرِكِينَ , وَمَنْ قَالَ : الْمَسِيح اِبْن اللَّه وَعُزَيْر اِبْن اللَّه , وَمَنْ اِعْتَقَدَ التَّشْبِيه كَالْيَهُودِ .|إِلَيْهِ أَدْعُو|أَيْ إِلَى عِبَادَته أَدْعُو النَّاس .|وَإِلَيْهِ مَآبِ|أَيْ أَرْجِع فِي أُمُورِي كُلّهَا .

أَيْ وَكَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْك الْقُرْآن فَأَنْكَرَهُ بَعْض الْأَحْزَاب كَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرِيبًا ; وَإِذَا وَصَفَهُ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ أَنْزَلَهُ عَلَى مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَهُوَ عَرَبِيّ , فَكَذَّبَ الْأَحْزَاب بِهَذَا الْحُكْم أَيْضًا . وَقِيلَ نَظْم الْآيَة : وَكَمَا أَنْزَلْنَا الْكُتُب عَلَى الرُّسُل بِلُغَاتِهِمْ كَذَلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْك الْقُرْآن حُكْمًا عَرَبِيًّا , أَيْ بِلِسَانِ الْعَرَب ; وَيُرِيد بِالْحُكْمِ مَا فِيهِ مِنْ الْأَحْكَام. وَقِيلَ : أَرَادَ بِالْحُكْمِ الْعَرَبِيّ الْقُرْآن كُلّه ; لِأَنَّهُ يَفْصِل بَيْن الْحَقّ وَالْبَاطِل وَيَحْكُم .|وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ|أَيْ أَهْوَاء الْمُشْرِكِينَ فِي عِبَادَة مَا دُون اللَّه , وَفِي التَّوْجِيه إِلَى غَيْر الْكَعْبَة.|بَعْدَمَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ|أَيْ نَاصِر يَنْصُرك . | وَلَا وَاقٍ | يَمْنَعك مِنْ عَذَابه ; وَالْخِطَاب لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَالْمُرَاد الْأُمَّة .

قِيلَ : إِنَّ الْيَهُود عَابُوا عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْأَزْوَاج , وَعَيَّرَتْهُ بِذَلِكَ وَقَالُوا : مَا نَرَى لِهَذَا الرَّجُل هِمَّة إِلَّا النِّسَاء وَالنِّكَاح , وَلَوْ كَانَ نَبِيًّا لَشَغَلَهُ أَمْر النُّبُوَّة عَنْ النِّسَاء ; فَأَنْزَلَ اللَّه هَذِهِ الْآيَة , وَذَكَّرَهُمْ أَمْر دَاوُد وَسُلَيْمَان فَقَالَ : | وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلك وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّة | أَيْ جَعَلْنَاهُمْ بَشَرًا يَقُصُّونَ مَا أَحَلَّ اللَّه مِنْ شَهَوَات الدُّنْيَا , وَإِنَّمَا التَّخْصِيص فِي الْوَحْي .

هَذِهِ الْآيَة تَدُلّ عَلَى التَّرْغِيب فِي النِّكَاح وَالْحَضّ عَلَيْهِ , وَتَنْهِي عَنْ التَّبَتُّل , وَهُوَ تَرْك النِّكَاح , وَهَذِهِ سُنَّة الْمُرْسَلِينَ كَمَا نَصَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَة , وَالسُّنَّة وَارِدَة بِمَعْنَاهَا ; قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( تَزَوَّجُوا فَإِنِّي مُكَاثِر بِكُمْ الْأُمَم ) الْحَدِيث . وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي | آل عِمْرَان | وَقَالَ : ( مَنْ تَزَوَّجَ فَقَدْ اِسْتَكْمَلَ نِصْف الدِّين فَلْيَتَّقِ اللَّه فِي النِّصْف الثَّانِي ) . وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ النِّكَاح يُعِفّ عَنْ الزِّنَا , وَالْعَفَاف أَحَد الْخَصْلَتَيْنِ اللَّتَيْنِ ضَمِنَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِمَا الْجَنَّة فَقَالَ : ( مَنْ وَقَاهُ اللَّه شَرّ اِثْنَتَيْنِ وَلَجَ الْجَنَّة مَا بَيْن لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْن رِجْلَيْهِ ) خَرَّجَهُ الْمُوَطَّأ وَغَيْره . وَفِي صَحِيح الْبُخَارِيّ عَنْ أَنَس قَالَ : ( جَاءَ ثَلَاثَة رَهْط إِلَى بُيُوت أَزْوَاج النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَلَمَّا أُخْبِرُوا كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا فَقَالُوا : وَأَيْنَ نَحْنُ مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ! قَدْ غَفَرَ اللَّه لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبه وَمَا تَأَخَّرَ . فَقَالَ أَحَدهمْ : أَمَّا أَنَا فَإِنِّي أُصَلِّي اللَّيْل أَبَدًا , وَقَالَ الْآخَر : إِنِّي أَصُوم الدَّهْر فَلَا أُفْطِر. وَقَالَ الْآخَر : أَنَا أَعْتَزِل النِّسَاء فَلَا أَتَزَوَّج ; فَجَاءَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ : ( أَنْتُمْ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا أَمَا وَاَللَّه إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ لَكِنِّي أَصُوم وَأُفْطِر وَأُصَلِّي وَأَرْقُد وَأَتَزَوَّج النِّسَاء فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي ) . خَرَّجَهُ مُسْلِم بِمَعْنَاهُ ; وَهَذَا أَبْيَن . وَفِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ سَعْد بْن أَبِي وَقَّاص قَالَ : ( أَرَادَ عُثْمَان أَنْ يَتَبَتَّل فَنَهَاهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; وَلَوْ أَجَازَ لَهُ ذَلِكَ لَاخْتَصَيْنَا , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي | آل عِمْرَان | الْحَضّ عَلَى طَلَب الْوَلَد وَالرَّدّ عَلَى مَنْ جَهِلَ ذَلِكَ . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَر بْن الْخَطَّاب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَقُول : إِنِّي لَأَتَزَوَّج الْمَرْأَة وَمَا لِي فِيهَا مِنْ حَاجَة , وَأَطَؤُهَا وَمَا أَشْتَهِيهَا ; قِيلَ لَهُ : وَمَا يَحْمِلك عَلَى ذَلِكَ يَا أَمِير الْمُؤْمِنِينَ ؟ قَالَ : حُبِّي أَنْ يُخْرِج اللَّه مِنِّي مَنْ يُكَاثِر بِهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّبِيِّينَ يَوْم الْقِيَامَة ; وَإِنِّي سَمِعْته يَقُول : ( عَلَيْكُمْ بِالْأَبْكَارِ فَإِنَّهُنَّ أَعْذَب أَفْوَاهًا وَأَحْسَن أَخْلَاقًا وَأَنْتَق أَرْحَامًا وَإِنِّي مُكَاثِر بِكُمْ الْأُمَم يَوْم الْقِيَامَة ) يَعْنِي بِقَوْلِهِ : ( أَنْتَق أَرْحَامًا ) أَقْبَل لِلْوَلَدِ ; وَيُقَال لِلْمَرْأَةِ الْكَثِيرَة الْوَلَد نَاتِق ; لِأَنَّهَا تَرْمِي بِالْأَوْلَادِ رَمْيًا . وَخَرَّجَ أَبُو دَاوُد عَنْ مَعْقِل بْن يَسَار قَالَ : جَاءَ رَجُل إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : إِنِّي أَصَبْت امْرَأَة ذَات حَسَب وَجَمَال , وَإِنَّهَا لَا تَلِد , أَفَأَتَزَوَّجهَا ؟ قَالَ | لَا | ثُمَّ أَتَاهُ الثَّانِيَة فَنَهَاهُ , ثُمَّ أَتَاهُ الثَّالِثَة فَقَالَ : ( تَزَوَّجُوا الْوَدُود الْوَلُود فَإِنِّي مُكَاثِر بِكُمْ الْأُمَم ) صَحَّحَهُ أَبُو مُحَمَّد عَبْد الْحَقّ وَحَسْبك .|وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ|عَادَ الْكَلَام إِلَى مَا اِقْتَرَحُوا مِنْ الْآيَات - مَا تَقَدَّمَ ذِكْره فِي هَذِهِ السُّورَة - فَأَنْزَلَ اللَّه ذَلِكَ فِيهِمْ ; وَظَاهِر الْكَلَام حَظْر وَمَعْنَاهُ النَّفْي ; لِأَنَّهُ لَا يُحْظَر عَلَى أَحَد مَا لَا يَقْدِر عَلَيْهِ .|لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ|أَيْ لِكُلِّ أَمْر قَضَاهُ اللَّه كِتَاب عِنْد اللَّه ; قَالَهُ الْحَسَن . وَقِيلَ : فِيهِ تَقْدِيم وَتَأْخِير , الْمَعْنَى : لِكُلِّ كِتَاب أَجَل ; قَالَهُ الْفَرَّاء وَالضَّحَّاك ; أَيْ لِكُلِّ أَمْر كَتَبَهُ اللَّه أَجَل مُؤَقَّت , وَوَقْت مَعْلُوم ; نَظِيره . | لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرّ | [ الْأَنْعَام : 67 ] ; بَيَّنَ أَنَّ الْمُرَاد لَيْسَ عَلَى اِقْتِرَاح الْأُمَم فِي نُزُول الْعَذَاب , بَلْ لِكُلٍّ أَجَل كِتَاب . وَقِيلَ : الْمَعْنَى لِكُلِّ مُدَّة كِتَاب مَكْتُوب , وَأَمْر مُقَدَّر لَا تَقِف عَلَيْهِ الْمَلَائِكَة . وَذَكَرَ التِّرْمِذِيّ الْحَكِيم فِي | نَوَادِر الْأُصُول | عَنْ شَهْر بْن حَوْشَب عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ : لَمَّا اِرْتَقَى مُوسَى صَلَوَات اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَامه طُور سَيْنَاء رَأَى الْجَبَّار فِي إِصْبَعه خَاتَمًا , فَقَالَ : يَا مُوسَى مَا هَذَا ؟ وَهُوَ أَعْلَم بِهِ , قَالَ : شَيْء مِنْ حُلِيّ الرِّجَال , قَالَ : فَهَلْ عَلَيْهِ شَيْء مِنْ أَسْمَائِي مَكْتُوب أَوْ كَلَامِي ؟ قَالَ : لَا , قَالَ : فَاكْتُبْ عَلَيْهِ | لِكُلِّ أَجَل كِتَاب | .

أَيْ يَمْحُو مِنْ ذَلِكَ الْكِتَاب مَا يَشَاء أَنْ يُوقِعهُ بِأَهْلِهِ وَيَأْتِي بِهِ . | وَيُثْبِتُ | مَا يَشَاء ; أَيْ يُؤَخِّرهُ إِلَى وَقْته ; يُقَال : مَحَوْت الْكِتَاب مَحْوًا , أَيْ أَذْهَبْت أَثَره. | وَيُثْبِتُ | أَيْ وَيُثْبِتهُ ; كَقَوْلِهِ : | وَالذَّاكِرِينَ اللَّه كَثِيرًا وَالذَّاكِرَات | [ الْأَحْزَاب : 35 ] أَيْ وَالذَّاكِرَات اللَّه . وَقَرَأَ اِبْن كَثِير وَأَبُو عَمْرو وَعَاصِم | وَيُثْبِت | بِالتَّخْفِيفِ , وَشَدَّدَ الْبَاقُونَ ; وَفِي قِرَاءَة اِبْن عَبَّاس , وَاخْتِيَار أَبِي حَاتِم وَأَبِي عُبَيْد لِكَثْرَةِ مَنْ قَرَأَ بِهَا ; لِقَوْلِهِ : | يُثَبِّت اللَّه الَّذِينَ آمَنُوا | [ إِبْرَاهِيم : 27 ] . وَقَالَ اِبْن عُمَر : سَمِعْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : ( يَمْحُو اللَّه مَا يَشَاء وَيُثْبِت إِلَّا السَّعَادَة وَالشَّقَاوَة وَالْمَوْت ) . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : يَمْحُو اللَّه مَا يَشَاء وَيُثْبِت إِلَّا أَشْيَاء ; الْخَلْق وَالْخُلُق وَالْأَجَل وَالرِّزْق وَالسَّعَادَة وَالشَّقَاوَة ; وَعَنْهُ : هُمَا كِتَابَانِ سِوَى أُمّ الْكِتَاب , يَمْحُو اللَّه مِنْهُمَا مَا يَشَاء وَيُثْبِت. | وَعِنْده أُمّ الْكِتَاب | الَّذِي لَا يَتَغَيَّر مِنْهُ شَيْء . قَالَ الْقُشَيْرِيّ : وَقِيلَ السَّعَادَة وَالشَّقَاوَة وَالْخَلْق وَالْخُلُق وَالرِّزْق لَا تَتَغَيَّر ; فَالْآيَة فِيمَا عَدَا هَذِهِ الْأَشْيَاء ; وَفِي هَذَا الْقَوْل نَوْع تَحَكُّم. قُلْت : مِثْل هَذَا لَا يُدْرَك بِالرَّأْيِ وَالِاجْتِهَاد , وَإِنَّمَا يُؤْخَذ : تَوْقِيفًا , فَإِنْ صَحَّ فَالْقَوْل بِهِ يَجِب وَيُوقَف عِنْده , وَإِلَّا فَتَكُون الْآيَة عَامَّة فِي جَمِيع الْأَشْيَاء , وَهُوَ الْأَظْهَر وَاَللَّه أَعْلَم ; وَهَذَا يُرْوَى مَعْنَاهُ عَنْ عُمَر بْن الْخَطَّاب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ وَابْن مَسْعُود وَأَبِي وَائِل وَكَعْب الْأَحْبَار وَغَيْرهمْ , وَهُوَ قَوْل الْكَلْبِيّ. وَعَنْ أَبِي عُثْمَان النَّهْدِيّ أَنَّ عُمَر بْن الْخَطَّاب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ كَانَ يَطُوف بِالْبَيْتِ وَهُوَ يَبْكِي وَيَقُول : اللَّهُمَّ إِنْ كُنْت كَتَبْتنِي فِي أَهْل السَّعَادَة فَأَثْبِتْنِي فِيهَا , وَإِنْ كُنْت كَتَبْتنِي فِي أَهْل الشَّقَاوَة وَالذَّنْب فَامْحُنِي وَأَثْبِتْنِي فِي أَهْل السَّعَادَة وَالْمَغْفِرَة ; فَإِنَّك تَمْحُو مَا تَشَاء وَتُثْبِت , وَعِنْدك أُمّ الْكِتَاب . وَقَالَ اِبْن مَسْعُود : اللَّهُمَّ إِنْ كُنْت كَتَبْتنِي فِي السُّعَدَاء فَأَثْبِتْنِي فِيهِمْ , وَإِنْ كُنْت كَتَبْتنِي فِي الْأَشْقِيَاء فَامْحُنِي مِنْ الْأَشْقِيَاء وَاكْتُبْنِي فِي السُّعَدَاء ; فَإِنَّك : تَمْحُو مَا تَشَاء وَتُثْبِت ; وَعِنْدك أُمّ الْكِتَاب . وَكَانَ أَبُو وَائِل يُكْثِر أَنْ يَدْعُو : اللَّهُمَّ إِنْ كُنْت كَتَبْتنَا أَشْقِيَاء فَامْحُ وَاكْتُبْنَا سُعَدَاء , وَإِنْ كُنْت كَتَبْتنَا سُعَدَاء فَأَثْبِتْنَا , فَإِنَّك تَمْحُو مَا تَشَاء وَتُثْبِت وَعِنْدك أُمّ الْكِتَاب. وَقَالَ كَعْب لِعُمَر بْن الْخَطَّاب : لَوْلَا آيَة فِي كِتَاب اللَّه لَأَنْبَأْتُك بِمَا هُوَ كَائِن إِلَى يَوْم الْقِيَامَة . | يَمْحُو اللَّه مَا يَشَاء وَيُثْبِت وَعِنْده أُمّ الْكِتَاب | . وَقَالَ مَالِك بْن دِينَار فِي الْمَرْأَة الَّتِي دَعَا لَهَا : اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ فِي بَطْنهَا جَارِيَة فَأَبْدِلْهَا غُلَامًا فَإِنَّك تَمْحُو مَا تَشَاء وَتُثْبِت وَعِنْدك أُمّ الْكِتَاب . وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ : سَمِعْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : | مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَط لَهُ فِي رِزْقه وَيُنْسَأ لَهُ فِي أَثَره فَلْيَصِلْ رَحِمه ) . وَمِثْله عَنْ أَنَس بْن مَالِك أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( مَنْ أَحَبَّ ) فَذَكَرَهُ بِلَفْظِهِ سَوَاء ; وَفِيهِ تَأْوِيلَانِ : أَحَدهمَا : مَعْنَوِيّ , وَهُوَ مَا يَبْقَى بَعْده مِنْ الثَّنَاء الْجَمِيل وَالذِّكْر الْحَسَن , وَالْأَجْر الْمُتَكَرِّر , فَكَأَنَّهُ لَمْ يَمُتْ . وَالْآخَر : يُؤَخَّر أَجَله الْمَكْتُوب فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ ; وَاَلَّذِي فِي عِلْم اللَّه ثَابِت لَا تَبَدُّل لَهُ , كَمَا قَالَ : | يَمْحُو اللَّه مَا يَشَاء وَيُثْبِت وَعِنْده أُمّ الْكِتَاب | . وَقِيلَ لِابْنِ عَبَّاس لَمَّا رَوَى الْحَدِيث الصَّحِيح عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : ( مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَمُدّ اللَّه فِي عُمْره وَأَجَله وَيَبْسُط لَهُ فِي رِزْقه فَلْيَتَّقِ اللَّه وَلْيَصِلْ رَحِمه ) كَيْف يُزَاد فِي الْعُمْر وَالْأَجَل ؟ ! فَقَالَ : قَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : | هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِين ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَل مُسَمًّى عِنْده | [ الْأَنْعَام : 2 ] . فَالْأَجَل الْأَوَّل أَجَل الْعَبْد مِنْ حِين وِلَادَته إِلَى حِين مَوْته , وَالْأَجَل الثَّانِي : يَعْنِي الْمُسَمَّى عِنْده - مِنْ حِين وَفَاته إِلَى يَوْم يَلْقَاهُ فِي الْبَرْزَخ لَا يَعْلَمهُ إِلَّا اللَّه ; فَإِذَا اِتَّقَى الْعَبْد رَبّه وَوَصَلَ رَحِمه زَادَهُ اللَّه فِي أَجَل عُمْره الْأَوَّل مِنْ أَجَل الْبَرْزَخ ; مَا شَاءَ , وَإِذَا عَصَى وَقَطَعَ رَحِمه نَقَصَهُ اللَّه مِنْ أَجَل عُمْره فِي الدُّنْيَا مَا شَاءَ , فَيَزِيدهُ فِي أَجَل الْبَرْزَخ فَإِذَا تَحَتَّمَ الْأَجَل فِي عِلْمه السَّابِق اِمْتَنَعَ الزِّيَادَة وَالنُّقْصَان ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى : | فَإِذَا جَاءَ أَجَلهمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَة وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ | [ الْأَعْرَاف : 34 ] فَتَوَافَقَ الْخَبَر وَالْآيَة ; وَهَذِهِ زِيَادَة فِي نَفْس الْعُمْر وَذَات الْأَجَل عَلَى ظَاهِر اللَّفْظ , فِي اِخْتِيَار حَبْر الْأُمَّة , وَاَللَّه أَعْلَم . وَقَالَ مُجَاهِد : يُحْكِم اللَّه أَمْر السَّنَة فِي رَمَضَان فَيَمْحُو مَا يَشَاء وَيُثْبِت مَا يَشَاء , إِلَّا الْحَيَاة وَالْمَوْت , وَالشَّقَاء وَالسَّعَادَة ; وَقَدْ مَضَى الْقَوْل فِيهِ . وَقَالَ الضَّحَّاك : يَمْحُو اللَّه مَا يَشَاء مِنْ دِيوَان الْحَفَظَة مَا لَيْسَ فِيهِ ثَوَاب وَلَا عِقَاب , وَيُثْبِت مَا فِيهِ ثَوَاب وَعِقَاب ; وَرَوَى مَعْنَاهُ أَبُو صَالِح عَنْ اِبْن عَبَّاس . وَقَالَ الْكَلْبِيّ : يَمْحُو مِنْ الرِّزْق وَيَزِيد فِيهِ , وَيَمْحُو مِنْ الْأَجَل وَيَزِيد فِيهِ , وَرَوَاهُ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . ثُمَّ سُئِلَ الْكَلْبِيّ عَنْ هَذِهِ الْآيَة فَقَالَ : يُكْتَب الْقَوْل كُلّه , حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْم الْخَمِيس طُرِحَ مِنْهُ كُلّ شَيْء لَيْسَ فِيهِ ثَوَاب وَلَا عِقَاب , مِثْل قَوْلك : أَكَلْت وَشَرِبْت وَدَخَلْت وَخَرَجْت وَنَحْوه , وَهُوَ صَادِق , وَيُثْبَت مَا فِيهِ الثَّوَاب وَالْعِقَاب . وَقَالَ قَتَادَة وَابْن زَيْد وَسَعِيد بْن جُبَيْر : يَمْحُو اللَّه مَا يَشَاء مِنْ الْفَرَائِض وَالنَّوَافِل فَيَنْسَخهُ وَيُبَدِّلهُ , وَيُثْبِت مَا يَشَاء فَلَا يَنْسَخهُ , وَجُمْلَة النَّاسِخ وَالْمَنْسُوخ عِنْده فِي أُمّ الْكِتَاب ; وَنَحْوه ذَكَرَهُ النَّحَّاس وَالْمَهْدَوِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس ; قَالَ النَّحَّاس : وَحَدَّثَنَا بَكْر بْن سَهْل , قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو صَالِح , عَنْ مُعَاوِيَة بْن صَالِح , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ اِبْن عَبَّاس , | يَمْحُو اللَّه مَا يَشَاء | يَقُول : يُبَدِّل اللَّه مِنْ الْقُرْآن مَا يَشَاء فَيَنْسَخهُ , | وَيُثْبِت | مَا يَشَاء فَلَا يُبَدِّلهُ , | وَعِنْده أُمّ الْكِتَاب | يَقُول : جُمْلَة ذَلِكَ عِنْده فِي أُمّ الْكِتَاب , النَّاسِخ وَالْمَنْسُوخ . وَقَالَ سَعِيد بْن جُبَيْر أَيْضًا : يَغْفِر مَا يَشَاء - يَعْنِي - مِنْ ذُنُوب عِبَاده , وَيَتْرُك مَا يَشَاء فَلَا يَغْفِرهُ . وَقَالَ عِكْرِمَة : يَمْحُو مَا يَشَاء - يَعْنِي بِالتَّوْبَةِ - جَمِيع الذُّنُوب وَيُثْبِت بَدَل الذُّنُوب حَسَنَات قَالَ تَعَالَى : | إِلَّا مَنْ تَابَ وآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا | [ الْفُرْقَان : 70 ] الْآيَة . وَقَالَ الْحَسَن : | يَمْحُو اللَّه مَا يَشَاء | مَنْ جَاءَ أَجَله , | وَيُثْبِت | مَنْ لَمْ يَأْتِ أَجَله . وَقَالَ الْحَسَن : يَمْحُو الْآبَاء , وَيُثْبِت الْأَبْنَاء . وَعَنْهُ أَيْضًا. يُنْسِي الْحَفَظَة مِنْ الذُّنُوب وَلَا يُنْسِي . وَقَالَ السُّدِّيّ : | يَمْحُو اللَّه مَا يَشَاء | يَعْنِي : الْقَمَر , | وَيُثْبِت | يَعْنِي : الشَّمْس ; بَيَانه قَوْله : | فَمَحَوْنَا آيَة اللَّيْل وَجَعَلْنَا آيَة النَّهَار مُبْصِرَة | [ الْإِسْرَاء : 12 ] وَقَالَ الرَّبِيع بْن أَنَس : هَذَا فِي الْأَرْوَاح حَالَة النَّوْم ; يَقْبِضهَا عِنْد النَّوْم , ثُمَّ إِذَا أَرَادَ مَوْته فَجْأَة أَمْسَكَهُ , وَمَنْ أَرَادَ بَقَاءَهُ أَثْبَتَهُ وَرَدَّهُ إِلَى صَاحِبه ; بَيَانه قَوْله : | اللَّه يَتَوَفَّى الْأَنْفُس حِين مَوْتهَا | الْآيَة [ الزُّمَر : 42 ] . وَقَالَ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب يَمْحُو اللَّه مَا يَشَاء مِنْ الْقُرُون , كَقَوْلِهِ : | أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلهمْ مِنْ الْقُرُون | [ يس : 31 ] وَيُثْبِت مَا يَشَاء مِنْهَا , كَقَوْلِهِ : | ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدهمْ قَرْنًا آخَرِينَ | [ الْمُؤْمِنُونَ : 31 ] فَيَمْحُو قَرْنًا , وَيُثْبِت قَرْنًا . وَقِيلَ : هُوَ الرَّجُل يَعْمَل الزَّمَن الطَّوِيل بِطَاعَةِ اللَّه , ثُمَّ يَعْمَل بِمَعْصِيَةِ اللَّه فَيَمُوت عَلَى ضَلَاله ; فَهُوَ الَّذِي يَمْحُو , وَاَلَّذِي يُثْبِت : الرَّجُل يَعْمَل بِمَعْصِيَةِ اللَّه الزَّمَان الطَّوِيل ثُمَّ يَتُوب , فَيَمْحُوهُ اللَّه مِنْ دِيوَان السَّيِّئَات , وَيُثْبِتهُ فِي دِيوَان الْحَسَنَات ; ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيّ وَالْمَاوَرْدِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس. وَقِيلَ : يَمْحُو اللَّه مَا يَشَاء - يَعْنِي الدُّنْيَا - وَيُثْبِت الْآخِرَة. وَقَالَ قَيْس بْن عَبَّاد فِي الْيَوْم الْعَاشِر مِنْ رَجَب : هُوَ الْيَوْم الَّذِي يَمْحُو اللَّه فِيهِ مَا يَشَاء , وَيُثْبِت فِيهِ مَا يَشَاء , وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنْ مُجَاهِد أَنَّ ذَلِكَ يَكُون فِي رَمَضَان . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : إِنَّ لِلَّهِ لَوْحًا مَحْفُوظًا مَسِيرَة خَمْسمِائَةِ عَام , مِنْ دُرَّة بَيْضَاء , لَهَا دَفَّتَانِ مِنْ يَاقُوتَة حَمْرَاء , لِلَّهِ فِيهِ كُلّ يَوْم ثَلَاثمِائَةِ وَسِتُّونَ نَظْرَة , يُثْبِت مَا يَشَاء وَيَمْحُو مَا يَشَاء. وَرُوِيَ أَبُو الدَّرْدَاء عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( إِنَّ اللَّه سُبْحَانه يَفْتَح الذِّكْر فِي ثَلَاث سَاعَات يَبْقَيْنَ مِنْ اللَّيْل فَيَنْظُر فِي الْكِتَاب الَّذِي لَا يَنْظُر فِيهِ أَحَد غَيْره فَيُثْبِت مَا يَشَاء وَيَمْحُو مَا يَشَاء ) . وَالْعَقِيدَة أَنَّهُ لَا تَبْدِيل لِقَضَاءِ اللَّه ; وَهَذَا الْمَحْو وَالْإِثْبَات مِمَّا سَبَقَ بِهِ الْقَضَاء , وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ مِنْ الْقَضَاء مَا يَكُون وَاقِعًا مَحْتُومًا , وَهُوَ الثَّابِت ; وَمِنْهُ مَا يَكُون مَصْرُوفًا بِأَسْبَابٍ , وَهُوَ الْمَمْحُوّ , وَاَللَّه أَعْلَم . وَقَالَ الْغَزْنَوِيّ : وَعِنْدِي أَنَّ مَا فِي اللَّوْح خَرَجَ عَنْ الْغَيْب لِإِحَاطَةِ بَعْض الْمَلَائِكَة ; فَيَحْتَمِل التَّبْدِيل ; لِأَنَّ إِحَاطَة الْخَلْق بِجَمِيعِ عِلْم اللَّه مُحَال ; وَمَا فِي عِلْمه مِنْ تَقْدِير الْأَشْيَاء لَا يُبَدَّل . | وَعِنْده أُمّ الْكِتَاب | أَيْ أَصْل مَا كُتِبَ مِنْ الْآجَال وَغَيْرهَا . وَقِيلَ : أُمّ الْكِتَاب اللَّوْح الْمَحْفُوظ الَّذِي لَا يُبَدَّل وَلَا يُغَيَّر . وَقَدْ قِيلَ : إِنَّهُ يَجْرِي فِيهِ التَّبْدِيل . وَقِيلَ : إِنَّمَا يَجْرِي فِي الْجَرَائِد الْأُخَر . وَسُئِلَ اِبْن عَبَّاس عَنْ أُمّ الْكِتَاب فَقَالَ : عِلْم اللَّه مَا هُوَ خَالِق , وَمَا خَلْقه عَامِلُونَ ; فَقَالَ لِعِلْمِهِ : كُنْ كِتَابًا , وَلَا تَبْدِيل فِي عِلْم اللَّه , وَعَنْهُ أَنَّهُ الذِّكْر ; دَلِيله قَوْله تَعَالَى : | وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُور مِنْ بَعْد الذِّكْر | [ الْأَنْبِيَاء : 105 ] وَهَذَا يَرْجِع مَعْنَاهُ إِلَى الْأَوَّل ; وَهُوَ مَعْنَى قَوْل كَعْب . قَالَ كَعْب الْأَحْبَار : أُمّ الْكِتَاب عِلْم اللَّه تَعَالَى بِمَا خَلَقَ وَبِمَا هُوَ خَالِق.

| مَا | زَائِدَة , وَالتَّقْدِير : وَإِنْ نُرِيَنَّكَ بَعْض الَّذِي نَعِدهُمْ , أَيْ مِنْ الْعَذَاب لِقَوْلِهِ : | لَهُمْ عَذَاب فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا | [ الرَّعْد : 34 ] وَقَوْله : | وَلَا يَزَال الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَة | [ الرَّعْد : 31 ] أَيْ إِنْ أَرَيْنَاك بَعْض مَا وَعَدْنَاهُمْ|أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ|فَلَيْسَ عَلَيْك إِلَّا الْبَلَاغ ; أَيْ التَّبْلِيغ ;|وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ|أَيْ الْجَزَاء وَالْعُقُوبَة .

يَعْنِي , أَهْل مَكَّة , | أَنَّا نَأْتِي الْأَرْض | أَيْ نَقْصِدهَا . | نَنْقُصهَا مِنْ أَطْرَافهَا | اُخْتُلِفَ فِيهِ ; فَقَالَ اِبْن عَبَّاس وَمُجَاهِد : | نَنْقُصهَا مِنْ أَطْرَافهَا | مَوْت عُلَمَائِهَا وَصُلَحَائِهَا قَالَ الْقُشَيْرِيّ : وَعَلَى هَذَا فَالْأَطْرَاف الْأَشْرَاف ; وَقَدْ قَالَ اِبْن الْأَعْرَابِيّ : الطَّرَف وَالطَّرْف الرَّجُل الْكَرِيم ; وَلَكِنَّ هَذَا الْقَوْل بَعِيد , لِأَنَّ مَقْصُود الْآيَة : أَنَّا أَرَيْنَاهُمْ النُّقْصَان فِي أُمُورهمْ , لِيَعْلَمُوا أَنَّ تَأْخِير الْعِقَاب عَنْهُمْ لَيْسَ عَنْ عَجْز ; إِلَّا أَنْ يُحْمَل قَوْل اِبْن عَبَّاس عَلَى مَوْت أَحْبَار الْيَهُود وَالنَّصَارَى . وَقَالَ مُجَاهِد أَيْضًا وَقَتَادَة وَالْحَسَن : هُوَ مَا يَغْلِب عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ مِمَّا فِي أَيْدِي الْمُشْرِكِينَ ; وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ اِبْن عَبَّاس , وَعَنْهُ أَيْضًا هُوَ خَرَاب الْأَرْض حَتَّى يَكُون الْعُمْرَانِ فِي نَاحِيَة مِنْهَا ; وَعَنْ مُجَاهِد : نُقْصَانهَا خَرَابهَا وَمَوْت أَهْلهَا . وَذَكَرَ وَكِيع بْن الْجَرَّاح عَنْ طَلْحَة بْن عُمَيْر عَنْ عَطَاء بْن أَبِي رَبَاح فِي قَوْل اللَّه تَعَالَى : | أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْض نَنْقُصهَا مِنْ أَطْرَافهَا | قَالَ : ذَهَاب فُقَهَائِهَا وَخِيَار أَهْلهَا . قَالَ أَبُو عُمَر بْن عَبْد الْبَرّ : قَوْل عَطَاء فِي تَأْوِيل الْآيَة حَسَن جِدًّا ; تَلَقَّاهُ أَهْل الْعِلْم بِالْقَبُولِ. قُلْت : وَحَكَاهُ الْمَهْدَوِيّ عَنْ مُجَاهِد وَابْن عُمَر , وَهَذَا نَصّ الْقَوْل الْأَوَّل نَفْسه , رَوَى سُفْيَان عَنْ مَنْصُور عَنْ مُجَاهِد , | نَنْقُصهَا مِنْ أَطْرِفهَا | قَالَ : مَوْت الْفُقَهَاء وَالْعُلَمَاء ; وَمَعْرُوف فِي اللُّغَة أَنَّ الطَّرَف الْكَرِيم مِنْ كُلّ شَيْء ; وَهَذَا خِلَاف مَا اِرْتَضَاهُ أَبُو نَصْر عَبْد الرَّحِيم بْن عَبْد الْكَرِيم مِنْ قَوْل اِبْن عَبَّاس . وَقَالَ عِكْرِمَة وَالشَّعْبِيّ : هُوَ النُّقْصَان وَقَبْض الْأَنْفُس . قَالَ أَحَدهمَا : وَلَوْ كَانَتْ الْأَرْض تَنْقُص لَضَاقَ عَلَيْك حَشّك . وَقَالَ الْآخَر : لَضَاقَ عَلَيْك حَشّ تَتَبَرَّز فِيهِ . قِيلَ : الْمُرَاد بِهِ هَلَاك مَنْ هَلَكَ مِنْ الْأُمَم قَبْل قُرَيْش وَهَلَاك أَرْضهمْ بَعْدهمْ ; وَالْمَعْنَى : أَوَلَمْ تَرَ قُرَيْش هَلَاك مَنْ قَبْلهمْ , وَخَرَاب أَرْضهمْ بَعْدهمْ ؟ ! أَفَلَا يَخَافُونَ أَنْ يَحِلّ بِهِمْ مِثْل ذَلِكَ ; وَرُوِيَ ذَلِكَ أَيْضًا عَنْ اِبْن عَبَّاس وَمُجَاهِد وَابْن جُرَيْج . وَعَنْ اِبْن عَبَّاس أَيْضًا أَنَّهُ نَقْص بَرَكَات الْأَرْض وَثِمَارهَا وَأَهْلهَا . وَقِيلَ : نَقْصهَا بِجَوْرِ وُلَاتهَا . قُلْت : وَهَذَا صَحِيح مَعْنًى ; فَإِنَّ الْجَوْر وَالظُّلْم يُخَرِّب الْبِلَاد , بِقَتْلِ أَهْلهَا وَانْجِلَائِهِمْ عَنْهَا , وَتُرْفَع مِنْ الْأَرْض الْبَرَكَة , وَاَللَّه أَعْلَم .|وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ|أَيْ لَيْسَ يَتَعَقَّب حُكْمه أَحَد بِنَقْصٍ وَلَا تَغْيِير .|وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ|أَيْ الِانْتِقَام مِنْ الْكَافِرِينَ , سَرِيع الثَّوَاب لِلْمُؤْمِنِ. وَقِيلَ : لَا يَحْتَاج فِي حِسَابه إِلَى رَوِيَّة قَلْب , وَلَا عَقْد بَنَان ; حَسَب مَا تَقَدَّمَ فِي | الْبَقَرَة | بَيَانه .

أَيْ مِنْ قَبْل مُشْرِكِي مَكَّة , مَكَرُوا بِالرُّسُلِ وَكَادُوا لَهُمْ وَكَفَرُوا بِهِمْ .|فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا|أَيْ هُوَ مَخْلُوق لَهُ مَكْر الْمَاكِرِينَ , فَلَا يَضُرّ إِلَّا بِإِذْنِهِ . وَقِيلَ : فَلِلَّهِ خَيْر الْمَكْر ; أَيْ يُجَازِيهِمْ بِهِ .|يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ|مِنْ خَيْر وَشَرّ , فَيُجَازِي عَلَيْهِ .|وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ|كَذَا قِرَاءَة نَافِع وَابْن كَثِير وَأَبِي عَمْرو . الْبَاقُونَ : | الْكُفَّار | عَلَى الْجَمْع. وَقِيلَ : عُنِيَ بِهِ أَبُو جَهْل .|لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ|أَيْ عَاقِبَة دَار الدُّنْيَا ثَوَابًا وَعِقَابًا , أَوْ لِمَنْ الثَّوَاب وَالْعِقَاب فِي الدَّار الْآخِرَة ; وَهَذَا تَهْدِيد وَوَعِيد .