islamkingdomfaceBook islamkingdomtwitter islamkingdominstagram islamkingdomyoutube


عَنْ الْهُدَى|الْمُكَذِّبُونَ|بِالْبَعْثِ

وَهُوَ شَجَر كَرِيه الْمَنْظَر , كَرِيه الطَّعْم , وَهِيَ الَّتِي ذُكِرَتْ فِي سُورَة | وَالصَّافَّات | .

أَيْ مِنْ الشَّجَرَة , لِأَنَّ الْمَقْصُود مِنْ الشَّجَر شَجَرَة . وَيَجُوز أَنْ تَكُون | مِنْ | الْأُولَى زَائِدَة , وَيَجُوز أَنْ يَكُون الْمَفْعُول مَحْذُوفًا كَأَنَّهُ قَالَ : | لَآكِلُونَ مِنْ شَجَر مِنْ زَقُّوم | طَعَامًا . وَقَوْله : | مِنْ زَقُّوم | صِفَة لِشَجَرٍ , وَالصِّفَة إِذَا قَدَّرْت الْجَار زَائِدًا نُصِبَتْ عَلَى الْمَعْنَى , أَوْ جَرَرْت عَلَى اللَّفْظ , فَإِنْ قَدَّرْت الْمَفْعُول مَحْذُوفًا لَمْ تَكُنْ الصِّفَة إِلَّا فِي مَوْضِع جَرّ .

أَيْ عَلَى الزَّقُّوم أَوْ عَلَى الْأَكْل أَوْ عَلَى الشَّجَر , لِأَنَّهُ يُذَكَّر وَيُؤَنَّث .|مِنَ الْحَمِيمِ|وَهُوَ الْمَاء الْمَغْلِيّ الَّذِي قَدْ اِشْتَدَّ غَلَيَانه وَهُوَ صَدِيد أَهْل النَّار . أَيْ يُوَرِّثهُمْ حَرّ مَا يَأْكُلُونَ مِنْ الزَّقُّوم مَعَ الْجُوع الشَّدِيد عَطَشًا فَيَشْرَبُونَ مَاء يَظُنُّونَ أَنَّهُ يُزِيل الْعَطَش فَيَجِدُونَهُ حَمِيمًا مُغْلًى .

قِرَاءَة نَافِع وَعَاصِم وَحَمْزَة | شُرْب | بِضَمِّ الشِّين . الْبَاقُونَ بِفَتْحِهَا لُغَتَانِ جَيِّدَتَانِ , تَقُول الْعَرَب : شَرِبْت شُرْبًا وَشَرْبًا وَشِرْبًا وَشُرُبًا بِضَمَّتَيْنِ . قَالَ أَبُو زَيْد : سَمِعْت الْعَرَب تَقُول بِضَمِّ الشِّين وَفَتْحهَا وَكَسْرهَا , وَالْفَتْح هُوَ الْمَصْدَر الصَّحِيح , لِأَنَّ كُلّ مَصْدَر مِنْ ذَوَات الثَّلَاثَة فَأَصْله فَعْل , أَلَا تَرَى أَنَّك تَرُدّهُ إِلَى الْمَرَّة الْوَاحِدَة , فَتَقُول : فَعْلَة نَحْو شَرْبَة وَبِالضَّمِّ الِاسْم . وَقِيلَ : إِنَّ الْمَفْتُوح وَالِاسْم مَصْدَرَانِ , فَالشُّرْب كَالْأَكْلِ , وَالشُّرْب كَالذُّكْرِ , وَالشِّرْب بِالْكَسْرِ الْمَشْرُوب كَالطَّحْنِ الْمَطْحُون . وَالْهِيم الْإِبِل الْعِطَاش الَّتِي لَا تُرْوَى لِدَاءٍ يُصِيبهَا , عَنْ اِبْن عَبَّاس وَعِكْرِمَة وَقَتَادَة وَالسُّدِّيّ وَغَيْرهمْ , وَقَالَ عِكْرِمَة أَيْضًا : هِيَ الْإِبِل الْمِرَاض . الضَّحَّاك : الْهِيم الْإِبِل يُصِيبهَا دَاء تَعْطَش مِنْهُ عَطَشًا شَدِيدًا , وَاحِدهَا أَهْيَم وَالْأُنْثَى هَيْمَاء . وَيُقَال لِذَلِكَ الدَّاء الْهُيَام , قَالَ قَيْس بْن الْمُلَوَّح :
يُقَال بِهِ دَاء الْهُيَام أَصَابَهُ .......... وَقَدْ عَلِمْت نَفْسِي مَكَان شِفَائِهَا
وَقَوْم هِيم أَيْضًا أَيْ عِطَاش , وَقَدْ هَامُوا هُيَامًا . وَمِنْ الْعَرَب مَنْ يَقُول فِي الْإِبِل : هَائِم وَهَائِمَة وَالْجَمْع هِيم , قَالَ لَبِيد :
أَجَزْت إِلَى مَعَارِفهَا بِشُعْثِ .......... وَأَطْلَاح مِنْ الْعِيدِيّ هِيم
وَقَالَ الضَّحَّاك وَالْأَخْفَش وَابْن عُيَيْنَة وَابْن كَيْسَان : الْهِيم الْأَرْض السَّهْلَة ذَات الرَّمَل . وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ اِبْن عَبَّاس : فَيَشْرَبُونَ شُرْب الرِّمَال الَّتِي لَا تُرْوَى بِالْمَاءِ . الْمَهْدَوِيّ : وَيُقَال لِكُلِّ مَا لَا يُرْوَى مِنْ الْإِبِل وَالرَّمَل أَهِيم وَهَيْمَاء . وَفِي الصِّحَاح : وَالْهُيَام بِالضَّمِّ أَشَدّ الْعَطَش . وَالْهُيَام كَالْجُنُونِ مِنْ الْعِشْق . وَالْهُيَام دَاء يَأْخُذ الْإِبِل فَتَهِيم فِي الْأَرْض لَا تَرْعَى . يُقَال : نَاقَة هَيْمَاء . وَالْهَيْمَاء أَيْضًا الْمَفَازَة لَا مَاء بِهَا . وَالْهَيَام بِالْفَتْحِ : الرَّمْل الَّذِي لَا يَتَمَاسَك أَنْ يَسِيل مِنْ الْيَد لِلِينِهِ وَالْجَمْع هِيم مِثْل قَذَال وَقُذُل . وَالْهِيَام بِالْكَسْرِ الْإِبِل الْعِطَاش الْوَاحِد هَيْمَان , وَنَاقَة هَيْمَاء مِثْل عَطْشَان وَعَطْشَى .

أَيْ رِزْقهمْ الَّذِي يُعَدّ لَهُمْ , كَالنُّزُلِ الَّذِي يُعَدّ لِلْأَضْيَافِ تَكْرِمَة لَهُمْ , وَفِيهِ تَهَكُّم , كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى : | فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيم | [ آل عِمْرَان : 21 ] وَكَقَوْلِ أَبِي السَّعْد الضَّبِّيّ :
وَكُنَّا إِذَا الْجَبَّار بِالْجَيْشِ ضَافَنَا .......... جَعَلْنَا اِلْقَنَا وَالْمُرْهَفَات لَهُ نُزُلَا
وَقَرَأَ يُونُس بْن حَبِيب وَعَبَّاس عَنْ أَبِي عَمْرو | هَذَا نُزْلُهُمْ | بِإِسْكَانِ الزَّاي , وَقَدْ مَضَى فِي آخِر | آل عِمْرَان | الْقَوْل فِيهِ . | يَوْم الدِّين | يَوْم الْجَزَاء , يَعْنِي فِي جَهَنَّم

أَيْ فَهَلَّا تُصَدِّقُونَ بِالْبَعْثِ ؟ لِأَنَّ الْإِعَادَة كَالِابْتِدَاءِ . وَقِيلَ : الْمَعْنَى نَحْنُ خَلَقْنَا رِزْقكُمْ فَهَلَّا تُصَدِّقُونَ أَنَّ هَذَا طَعَامكُمْ إِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا ؟

أَيْ مَا تَصُبُّونَهُ مِنْ الْمَنِيّ فِي أَرْحَام النِّسَاء .

أَيْ تُصَوِّرُونَ مِنْهُ الْإِنْسَان|أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ|الْمُقَدِّرُونَ الْمُصَوِّرُونَ . وَهَذَا اِحْتِجَاج عَلَيْهِمْ وَبَيَان لِلْآيَةِ الْأُولَى , أَيْ إِذَا أَقْرَرْتُمْ بِأَنَّا خَالِقُوهُ لَا غَيْرنَا فَاعْتَرِفُوا بِالْبَعْثِ . وَقَرَأَ أَبُو السِّمَال وَمُحَمَّد بْن السَّمَيْقَع وَأَشْهَب الْعُقَيْلِيّ : | تَمْنُونَ | بِفَتْحِ التَّاء وَهُمَا لُغَتَانِ أَمْنَى وَمَنَى , وَأَمْذَى وَمَذَى يُمْنِي وَيَمْنِي وَيُمْذِي وَيَمْذِي . الْمَاوَرْدِيّ : وَيَحْتَمِل أَنْ يَخْتَلِف مَعْنَاهَا عِنْدِي , فَيَكُون أَمْنَى إِذَا أَنْزَلَ عَنْ جِمَاع , وَمَنَى إِذَا أَنْزَلَ عَنْ الِاحْتِلَام . وَفِي تَسْمِيَة الْمَنِيّ مَنِيًّا وَجْهَانِ : أَحَدهمَا لِإِمْنَائِهِ وَهُوَ إِرَاقَته . الثَّانِي لِتَقْدِيرِهِ , وَمِنْهُ الْمَنَا الَّذِي يُوزَن بِهِ لِأَنَّهُ مِقْدَار لِذَلِكَ , وَكَذَلِكَ الْمَنِيّ مِقْدَار صَحِيح لِتَصْوِيرِ الْخِلْقَة .

احْتِجَاج أَيْضًا , أَيْ الَّذِي يَقْدِر عَلَى الْإِمَاتَة يَقْدِر عَلَى الْخَلْق , وَإِذَا قَدَرَ عَلَى الْخَلْق قَدَرَ عَلَى الْبَعْث . وَقَرَأَ مُجَاهِد وَحُمَيْد وَابْن مُحَيْصِن وَابْن كَثِير | قَدَرْنَا | بِتَخْفِيفِ الدَّال . الْبَاقُونَ بِالتَّشْدِيدِ , قَالَ الضَّحَّاك : أَيْ سَوَّيْنَا بَيْن أَهْل السَّمَاء وَأَهْل الْأَرْض . وَقِيلَ : قَضَيْنَا . وَقِيلَ : كَتَبْنَا , وَالْمَعْنَى مُتَقَارِب , فَلَا أَحَد يَبْقَى غَيْره عَزَّ وَجَلَّ .|وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ|أَيْ إِنْ أَرَدْنَا أَنْ نُبَدِّل أَمْثَالكُمْ لَمْ يَسْبِقنَا أَحَد , أَيْ لَمْ يَغْلِبنَا . | بِمَسْبُوقِينَ | مَعْنَاهُ بِمَغْلُوبِينَ .

وَقَالَ الطَّبَرِيّ : الْمَعْنَى نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنكُمْ الْمَوْت | عَلَى أَنْ نُبَدِّل أَمْثَالكُمْ | بَعْد مَوْتكُمْ بِآخَرِينَ مِنْ جِنْسكُمْ , وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ فِي آجَالكُمْ , أَيْ لَا يَتَقَدَّم مُتَأَخِّر وَلَا يَتَأَخَّر مُتَقَدِّم .|وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ|مِنْ الصُّوَر وَالْهَيْئَات . قَالَ الْحَسَن : أَيْ نَجْعَلكُمْ قِرَدَة وَخَنَازِير كَمَا فَعَلْنَا بِأَقْوَامٍ قَبْلكُمْ . وَقِيلَ : الْمَعْنَى نُنْشِئكُمْ فِي الْبَعْث عَلَى غَيْر صُوَركُمْ فِي الدُّنْيَا , فَيُجَمَّل الْمُؤْمِن بِبَيَاضِ وَجْهه , وَيُقَبَّح الْكَافِر بِسَوَادِ وَجْهه . سَعِيد بْن جُبَيْر : قَوْله تَعَالَى : | فِيمَا لَا تَعْلَمُونَ | يَعْنِي فِي حَوَاصِل طَيْر سُود تَكُون بِبَرَهُوت كَأَنَّهَا الْخَطَاطِيف , وَبَرَهُوت وَادٍ فِي الْيَمَن . وَقَالَ مُجَاهِد : | فِيمَا لَا تَعْلَمُونَ | فِي أَيّ خَلْق شِئْنَا . وَقِيلَ : الْمَعْنَى نُنْشِئكُمْ فِي عَالَم لَا تَعْلَمُونَ , وَفِي مَكَان لَا تَعْلَمُونَ .

أَيْ إِذْ خَلَقْتُمْ مِنْ نُطْفَة ثُمَّ مِنْ عَلَقَة ثُمَّ مِنْ مُضْغَة وَلَمْ تَكُونُوا شَيْئًا , عَنْ مُجَاهِد وَغَيْره . قَتَادَة وَالضَّحَّاك : يَعْنِي خَلْق آدَم عَلَيْهِ السَّلَام .|فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ|أَيْ فَهَلَّا تَذَكَّرُونَ . وَفِي الْخَبَر : عَجَبًا كُلّ الْعَجَب لِلْمُكَذِّبِ بِالنَّشْأَةِ الْأُخْرَى وَهُوَ يَرَى النَّشْأَة الْأُولَى , وَعَجَبًا لِلْمُصَدِّقِ بِالنَّشْأَةِ الْآخِرَة وَهُوَ لَا يَسْعَى لِدَارِ الْقَرَار . وَقِرَاءَة الْعَامَّة | النَّشْأَة | بِالْقَصْرِ . وَقَرَأَ مُجَاهِد وَالْحَسَن وَابْن كَثِير وَأَبُو عَمْرو : | النَّشَاءَة | بِالْمَدِّ , وَقَدْ مَضَى فِي | الْعَنْكَبُوت | بَيَانه .

هَذِهِ حُجَّة أُخْرَى , أَيْ أَخْبِرُونِي عَمَّا تَحْرُثُونَ مِنْ أَرْضكُمْ فَتَطْرَحُونَ فِيهَا الْبَذْر , أَنْتُمْ تُنْبِتُونَهُ وَتُحَصِّلُونَهُ زَرْعًا فَيَكُون فِيهِ السُّنْبُل وَالْحَبّ أَمْ نَحْنُ نَفْعَل ذَلِكَ ؟ وَإِنَّمَا مِنْكُمْ الْبَذْر وَشَقّ الْأَرْض , فَإِذَا أَقْرَرْتُمْ بِأَنَّ إِخْرَاج السُّنْبُل مِنْ الْحَبّ لَيْسَ إِلَيْكُمْ , فَكَيْفَ تُنْكِرُونَ إِخْرَاج الْأَمْوَات مِنْ الْأَرْض وَإِعَادَتهمْ ؟ ! وَأَضَافَ الْحَرْث إِلَيْهِمْ وَالزَّرْع إِلَيْهِ تَعَالَى , لِأَنَّ الْحَرْث فِعْلهمْ وَيَجْرِي عَلَى اِخْتِيَارهمْ , وَالزَّرْع مِنْ فِعْل اللَّه تَعَالَى وَيَنْبُت عَلَى اِخْتِيَاره لَا عَلَى اِخْتِيَارهمْ . وَكَذَلِكَ مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : ( لَا يَقُولَن أَحَدكُمْ زَرَعْت وَلْيَقُلْ حَرَثْت فَإِنَّ الزَّارِع هُوَ اللَّه ) قَالَ أَبُو هُرَيْرَة : أَلَمْ تَسْمَعُوا قَوْل اللَّه تَعَالَى :

وَالْمُسْتَحَبّ لِكُلِّ مَنْ يُلْقِي الْبَذْر فِي الْأَرْض أَنْ يَقْرَأ بَعْد الِاسْتِعَاذَة | أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ | الْآيَة , ثُمَّ يَقُول : بَلْ اللَّه الزَّارِع وَالْمُنْبِت وَالْمُبَلِّغ , اللَّهُمَّ صَلِّي عَلَى مُحَمَّد , وَارْزُقْنَا ثَمَره , وَجَنِّبْنَا ضَرَره , وَاِجْعَلْنَا لِأَنْعُمِك مِنْ الشَّاكِرِينَ , وَلِآلَائِك مِنْ الذَّاكِرِينَ , وَبَارِكْ لَنَا فِيهِ يَا رَبّ الْعَالَمِينَ . وَيُقَال : إِنَّ هَذَا الْقَوْل أَمَان لِذَلِكَ الزَّرْع مِنْ جَمِيع الْآفَات : الدُّود وَالْجَرَاد وَغَيْر ذَلِكَ , سَمِعْنَاهُ مِنْ ثِقَة وَجَرَّبَ فَوَجَدَ كَذَلِكَ . وَمَعْنَى | أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ | أَيْ تَجْعَلُونَهُ زَرْعًا . وَقَدْ يُقَال : فُلَان زَرَّاع كَمَا يُقَال حَرَّاث , أَيْ يَفْعَل مَا يَئُول إِلَى أَنْ يَكُون زَرْعًا يُعْجِب الزُّرَّاع . وَقَدْ يُطْلَق لَفْظ الزَّرْع عَلَى بَذْر الْأَرْض وَتَكْرِيبهَا تَجَوُّزًا . قُلْت : فَهُوَ نَهْي إِرْشَاد وَأَدَب لَا نَهْي حَظْر وَإِيجَاب , وَمِنْهُ قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام : ( لَا يَقُولَن أَحَدكُمْ عَبْدِي وَأَمَتِي وَلْيَقُلْ غُلَامِي وَجَارِيَتِي وَفَتَايَ وَفَتَاتِي ) وَقَدْ مَضَى فِي | يُوسُف | الْقَوْل فِيهِ . وَقَدْ بَالَغَ بَعْض الْعُلَمَاء فَقَالَ : لَا يَقُلْ حَرَثْت فَأَصَبْت , بَلْ يَقُلْ : أَعَانَنِي اللَّه فَحَرَثْت , وَأَعْطَانِي بِفَضْلِهِ مَا أَصَبْت . قَالَ الْمَاوَرْدِيّ : وَتَتَضَمَّن هَذِهِ الْآيَة أَمْرَيْنِ , أَحَدهمَا : الِامْتِنَان عَلَيْهِمْ بِأَنْ أَنْبَتَ زَرْعهمْ حَتَّى عَاشُوا بِهِ لِيَشْكُرُوهُ عَلَى نِعْمَته عَلَيْهِمْ . الثَّانِي : الْبُرْهَان الْمُوجِب لِلِاعْتِبَارِ , لِأَنَّهُ لَمَّا أَنْبَتَ زَرْعهمْ بَعْد تَلَاشِي بَذْره , وَانْتِقَاله إِلَى اِسْتِوَاء حَاله مِنْ الْعَفَن وَالتَّتْرِيب حَتَّى صَارَ زَرْعًا أَخْضَر , ثُمَّ جَعَلَهُ قَوِيًّا مُشْتَدًّا أَضْعَاف مَا كَانَ عَلَيْهِ , فَهُوَ بِإِعَادَةِ مَنْ أَمَاتَ أَخَفّ عَلَيْهِ وَأَقْدَر , وَفِي هَذَا الْبُرْهَان مَقْنَع لِذَوِي الْفِطَر السَّلِيمَة . ثُمَّ قَالَ

أَيْ مُتَكَسِّرًا يَعْنِي الزَّرْع . وَالْحُطَام الْهَشِيم الْهَالِك الَّذِي لَا يُنْتَفَع بِهِ فِي مَطْعَم وَلَا غِذَاء , فَنُبِّهَ بِذَلِكَ أَيْضًا عَلَى أَمْرَيْنِ : أَحَدهمَا : مَا أَوْلَاهُمْ بِهِ مِنْ النِّعَم فِي زَرْعهمْ إِذْ لَمْ يَجْعَلهُ حُطَامًا لِيَشْكُرُوهُ . الثَّانِي : لِيَعْتَبِرُوا بِذَلِكَ فِي أَنْفُسهمْ , كَمَا أَنَّهُ يَجْعَل الزَّرْع حُطَامًا إِذَا شَاءَ وَكَذَلِكَ يُهْلِكهُمْ إِذَا شَاءَ لِيَتَّعِظُوا فَيَنْزَجِرُوا .|فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ|أَيْ تَعْجَبُونَ بِذَهَابِهَا وَتَنْدَمُونَ مِمَّا حَلَّ بِكُمْ , قَالَهُ الْحَسَن وَقَتَادَة وَغَيْرهمَا . وَفِي الصِّحَاح : وَتَفَكَّهَ أَيْ تَعَجَّبَ , وَيُقَال : تَنَدَّمَ , قَالَ اللَّه تَعَالَى : | فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ | أَيْ تَنْدَمُونَ . وَتَفَكَّهْت بِالشَّيْءِ تَمَتَّعْت بِهِ . وَقَالَ يَمَان : تَنْدَمُونَ عَلَى نَفَقَاتكُمْ , دَلِيله : | فَأَصْبَحَ يُقَلِّب كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا | [ الْكَهْف : 42 ] وَقَالَ عِكْرِمَة : تَلَاوَمُونَ وَتَنْدَمُونَ عَلَى مَا سَلَفَ مِنْكُمْ مِنْ مَعْصِيَة اللَّه الَّتِي أَوْجَبَتْ عُقُوبَتكُمْ حَتَّى نَالَتْكُمْ فِي زَرْعكُمْ . اِبْن كَيْسَان : تَحْزَنُونَ , وَالْمَعْنَى مُتَقَارِب . وَفِيهِ لُغَتَانِ : تَفَكَّهُونَ وَتَفَكَّنُونَ : قَالَ الْفَرَّاء : وَالنُّون لُغَة عُكْل . وَفِي الصِّحَاح : اِلْتَفَكُّن التَّنَدُّم عَلَى مَا فَاتَ . وَقِيلَ : التَّفَكُّه التَّكَلُّم فِيمَا لَا يَعْنِيك , وَمِنْهُ قِيلَ لِلْمُزَاحِ فُكَاهَة بِالضَّمِّ , فَأَمَّا الْفُكَاهَة بِالْفَتْحِ فَمَصْدَر فَكِهَ الرَّجُل بِالْكَسْرِ فَهُوَ فَكِه إِذَا كَانَ طَيِّب النَّفْس مَزَّاحًا . وَقِرَاءَة الْعَامَّة | فَظَلْتُمْ | بِفَتْحِ الظَّاء . وَقَرَأَ عَبْد اللَّه | فَظِلْتُمْ | بِكَسْرِ الظَّاء وَرَوَاهَا هَارُون عَنْ حُسَيْن عَنْ أَبِي بَكْر . فَمَنْ فَتَحَ فَعَلَى الْأَصْل . وَالْأَصْل ظَلَلْتُمْ فَحَذَفَ اللَّام الْأُولَى تَخْفِيفًا , وَمَنْ كَسَرَ نَقَلَ كَسْرَة اللَّام الْأُولَى إِلَى الظَّاء ثُمَّ حَذَفَهَا .

وَقَرَأَ أَبُو بَكْر وَالْمُفَضَّل | أَإِنَّا | بِهَمْزَتَيْنِ عَلَى الِاسْتِفْهَام , وَرَوَاهُ عَاصِم عَنْ زِرّ بْن حُبَيْش . الْبَاقُونَ بِهَمْزَةٍ وَاحِدَة عَلَى الْخَبَر , أَيْ يَقُولُونَ | إِنَّا لَمُغْرَمُونَ | أَيْ مُعَذَّبُونَ , عَنْ اِبْن عَبَّاس وَقَتَادَة قَالَا : وَالْغَرَام الْعَذَاب , وَمِنْهُ قَوْل اِبْن الْمُحَلِّم :
وَثِقْت بِأَنَّ الْحِفْظ مِنِّي سَجِيَّة .......... وَأَنَّ فُؤَادِي مُتْبَل بِك مُغْرَم
وَقَالَ مُجَاهِد وَعِكْرِمَة : لَمُولَع بِنَا , وَمِنْهُ قَوْل النَّمِر بْن تَوْلَب :
سَلَا عَنْ تَذَكُّره تُكْتَمَا .......... وَكَانَ رَهِينًا بِهَا مُغْرَمَا
يُقَال : أُغْرِمَ فُلَان بِفُلَانَة , أَيْ أُولِعَ بِهَا وَمِنْهُ الْغَرَام وَهُوَ الشَّرّ اللَّازِم . وَقَالَ مُجَاهِد أَيْضًا : لَمُلْقُونَ شَرًّا . وَقَالَ مُقَاتِل بْن حَيَّان : مُهْلِكُونَ . النَّحَّاس : | إِنَّا لَمُغْرَمُونَ | مَأْخُوذ مِنْ الْغَرَام وَهُوَ الْهَلَاك , كَمَا قَالَ :
يَوْم النِّسَار وَيَوْم الْجِفَا .......... كَانَا عَذَابًا وَكَانَا غَرَامَا
وَالضَّحَّاك وَابْن كَيْسَان : هُوَ مِنْ الْغُرْم , وَالْمُغْرَم الَّذِي ذَهَبَ مَاله بِغَيْرِ عِوَض , أَيْ غَرِمْنَا الْحَبّ الَّذِي بَذَرْنَاهُ . وَقَالَ مُرَّة الْهَمْدَانِيّ : مُحَاسَبُونَ .

أَيْ حُرِمْنَا مَا طَلَبنَا مِنْ الرِّيع . وَالْمَحْرُوم الْمَمْنُوع مِنْ الرِّزْق . وَالْمَحْرُوم ضِدّ الْمَرْزُوق وَهُوَ الْمُحَارِف فِي قَوْل قَتَادَة . وَعَنْ أَنَس أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِأَرْضِ الْأَنْصَار فَقَالَ : ( مَا يَمْنَعكُمْ مِنْ الْحَرْث ) قَالُوا : الْجُدُوبَة , فَقَالَ : ( لَا تَفْعَلُوا فَإِنَّ اللَّه تَعَالَى يَقُول أَنَا الزَّارِع إِنْ شِئْت زَرَعْت بِالْمَاءِ وَإِنْ شِئْت زَرَعْت بِالرِّيحِ وَإِنْ شِئْت زَرَعْت بِالْبَذْرِ ) ثُمَّ تَلَا | أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ | . قُلْت : وَفِي هَذَا الْخَبَر وَالْحَدِيث الَّذِي قَبْله مَا يُصَحِّح قَوْل مَنْ أَدْخَلَ الزَّارِع فِي أَسْمَاء اللَّه سُبْحَانه , وَأَبَاهُ الْجُمْهُور مِنْ الْعُلَمَاء , وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِي ( الْكِتَاب الْأَسْنَى فِي شَرْح أَسْمَاء اللَّه الْحُسْنَى ) .

لِتُحْيُوا بِهِ أَنْفُسكُمْ , وَتُسَكِّنُوا بِهِ عَطَشكُمْ , لِأَنَّ الشَّرَاب إِنَّمَا يَكُون تَبَعًا لِلْمَطْعُومِ , وَلِهَذَا جَاءَ الطَّعَام مُقَدَّمًا فِي الْآيَة قَبْل , أَلَا تَرَى أَنَّك تَسْقِي ضَيْفك بَعْد أَنْ تُطْعِمهُ . الزَّمَخْشَرِيّ : وَلَوْ عَكَسْت قَعَدْت تَحْت قَوْل أَبِي الْعَلَاء :
إِذَا سُقِيَتْ ضُيُوف النَّاس مَحْضًا .......... سَقَوْا أَضْيَافهمْ شَبِمًا زُلَالَا
وَسُقِيَ بَعْض الْعَرَب فَقَالَ : أَنَا لَا أَشْرَب إِلَّا عَلَى ثَمِيلَة .

أَيْ السَّحَاب , الْوَاحِدَة مُزْنَة , فَقَالَ الشَّاعِر :
فَنَحْنُ كَمَاءِ الْمُزْن مَا فِي نِصَابنَا .......... كَهَام وَلَا فِينَا يُعَدّ بَخِيل
وَهَذَا قَوْل اِبْن عَبَّاس وَمُجَاهِد وَغَيْرهمَا أَنَّ الْمُزْن السَّحَاب . وَعَنْ اِبْن عَبَّاس أَيْضًا وَالثَّوْرِيّ : الْمُزْن السَّمَاء وَالسَّحَاب . وَفِي الصِّحَاح : أَبُو زَيْد : الْمُزْنَة السَّحَابَة الْبَيْضَاء وَالْجَمْع مُزْن , وَالْمُزْنَة الْمَطْرَة , قَالَ :
أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّه أَنْزَلَ مُزْنَة .......... وَعُفْر الظِّبَاء فِي الْكِنَاس تَقَمَّع
|أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ|أَيْ فَإِذَا عَرَفْتُمْ بِأَنِّي أَنْزَلْته فَلِمَ لَا تَشْكُرُونِي بِإِخْلَاصِ الْعِبَادَة لِي ؟ وَلِمَ تُنْكِرُونَ قُدْرَتِي عَلَى الْإِعَادَة ؟ .

أَيْ مِلْحًا شَدِيد الْمُلُوحَة , قَالَهُ اِبْن عَبَّاس . الْحَسَن : مُرًّا قُعَاعًا لَا تَنْتَفِعُونَ بِهِ فِي شُرْب وَلَا زَرْع وَلَا غَيْرهمَا .|فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ|أَيْ فَهَلَّا تَشْكُرُونَ الَّذِي صَنَعَ ذَلِكَ بِكُمْ .

أَيْ أَخْبِرُونِي عَنْ النَّار الَّتِي تُظْهِرُونَهَا بِالْقَدْحِ مِنْ الشَّجَر الرُّطَب

يَعْنِي الَّتِي تَكُون مِنْهَا الزِّنَاد وَهِيَ الْمَرْخ وَالْعَفَار , وَمِنْهُ قَوْلهمْ : فِي كُلّ شَجَر نَار , وَاسْتَمْجَدَ الْمَرْخ وَالْعَفَار , أَيْ اُسْتَكْثَرَ مِنْهَا , كَأَنَّهُمَا أَخَذَا مِنْ النَّار مَا هُوَ حَسْبهمَا . وَيُقَال : لِأَنَّهُمَا يُسْرِعَانِ الْوَرْي . يُقَال : أَوْرَيْت النَّار إِذَا قَدَحْتهَا . وَوَرَى الزَّنْد يَرِي إِذَا انْقَدَحَ مِنْهُ النَّار . وَفِيهِ لُغَة أُخْرَى : وَوَرِيَ الزَّنْد يَرِي بِالْكَسْرِ فِيهِمَا .|أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ|أَيْ الْمُخْتَرِعُونَ الْخَالِقُونَ , أَيْ فَإِذَا عَرَفْتُمْ قُدْرَتِي فَاشْكُرُونِي وَلَا تُنْكِرُوا قُدْرَتِي عَلَى الْبَعْث .

يَعْنِي نَار الدُّنْيَا مَوْعِظَة لِلنَّارِ الْكُبْرَى , قَالَ قَتَادَة . وَمُجَاهِد : تَبْصِرَة لِلنَّاسِ مِنْ الظَّلَام . وَصَحَّ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : ( إِنَّ نَاركُمْ هَذِهِ الَّتِي يُوقِد بَنُو آدَم جُزْء مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ نَار جَهَنَّم ) فَقَالُوا يَا رَسُول اللَّه : إِنْ كَانَتْ لَكَافِيَة , قَالَ : ( فَإِنَّهَا فُضِّلَتْ عَلَيْهَا بِتِسْعَةٍ وَسِتِّينَ جُزْءًا كُلّهنَّ مِثْل حَرّهَا ) .|وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ|قَالَ الضَّحَّاك : أَيْ مَنْفَعَة لِلْمُسَافِرِينَ , سُمُّوا بِذَلِكَ لِنُزُولِهِمْ الْقَوَى وَهُوَ الْقَفْر . الْفَرَّاء : إِنَّمَا يُقَال لِلْمُسَافِرِينَ : مُقْوِينَ إِذَا نَزَلُوا الْقِيّ وَهِيَ الْأَرْض الْقَفْر الَّتِي لَا شَيْء فِيهَا . وَكَذَلِكَ الْقَوَى وَالْقَوَاء بِالْمَدِّ وَالْقَصْر , وَمَنْزِل قَوَاء لَا أَنِيس بِهِ , يُقَال : أَقْوَتْ الدَّار وَقَوِيَتْ أَيْضًا أَيْ خَلَتْ مِنْ سُكَّانهَا , قَالَ النَّابِغَة :
يَا دَار مَيَّة بِالْعَلْيَاءِ فَالسَّنَد .......... أَقْوَتْ وَطَالَ عَلَيْهَا سَالِف الْأَمَد
وَقَالَ عَنْتَرَة :
حُيِّيت مِنْ طَلَل تَقَادَمَ عَهْده .......... أَقْوَى وَأَقْفَر بَعْد أُمّ الْهَيْثَم
وَيُقَال : أَقْوَى أَيْ قَوِيَ وَقَوِيَ أَصْحَابه , وَأَقْوَى إِذَا سَافَرَ أَيْ نَزَلَ الْقَوَاء وَالْقِيّ . وَقَالَ مُجَاهِد : | لِلْمُقْوِينَ | الْمُسْتَمْتَعِينَ بِهَا مِنْ النَّاس أَجْمَعِينَ فِي الطَّبْخ وَالْخَبْز وَالِاصْطِلَاء وَالِاسْتِضَاءَة , وَيَتَذَكَّر بِهَا نَار جَهَنَّم فَيُسْتَجَار بِاَللَّهِ مِنْهَا . وَقَالَ اِبْن زَيْد : لِلْجَائِعِينَ فِي , إِصْلَاح طَعَامهمْ . يُقَال : أَقْوَيْت مُنْذُ كَذَا وَكَذَا , أَيْ مَا أَكَلْت شَيْئًا , وَبَاتَ فُلَان الْقَوَاء وَبَاتَ الْقَفْر إِذَا بَاتَ جَائِعًا عَلَى غَيْر طَعْم , قَالَ الشَّاعِر :
وَإِنِّي لَأَخْتَار الْقَوَى طَاوِيَ الْحَشَى .......... مُحَافَظَة مِنْ أَنْ يُقَال لَئِيم
وَقَالَ الرَّبِيع وَالسُّدِّيّ : | الْمُقْوِينَ | الْمُنْزِلِينَ الَّذِينَ لَا زِنَاد مَعَهُمْ , يَعْنِي نَارًا يُوقِدُونَ فَيَخْتَبِزُونَ بِهَا ؟ وَرَوَاهُ الْعَوْفِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس . وَقَالَ قُطْرُب : الْمُقْوِيّ مِنْ الْأَضْدَاد يَكُون بِمَعْنَى الْفَقِير وَيَكُون بِمَعْنَى الْغَنِيّ , يُقَال : أَقْوَى الرَّجُل إِذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ زَاد , وَأَقْوَى إِذَا قَوِيَتْ دَوَابّه وَكَثُرَ مَاله . الْمَهْدَوِيّ : وَالْآيَة تَصْلُح لِلْجَمِيعِ , لِأَنَّ النَّار يَحْتَاج إِلَيْهَا الْمُسَافِر وَالْمُقِيم وَالْغَنِيّ وَالْفَقِير . وَحَكَى الثَّعْلَبِيّ أَنَّ أَكْثَر الْمُفَسِّرِينَ عَلَى الْقَوْل الْأَوَّل . الْقُشَيْرِيّ : وَخَصَّ الْمُسَافِر بِالِانْتِفَاعِ بِهَا لِأَنَّ اِنْتِفَاعه بِهَا أَكْثَر مِنْ مَنْفَعَة الْمُقِيم , لِأَنَّ أَهْل الْبَادِيَة لَا بُدّ لَهُمْ مِنْ النَّار يُوقِدُونَهَا لَيْلًا لِتَهْرُب مِنْهُمْ السِّبَاع , وَفِي كَثِير مِنْ حَوَائِجهمْ .

أَيْ فَنَزِّهِ اللَّه عَمَّا أَضَافَهُ إِلَيْهِ الْمُشْرِكُونَ مِنْ الْأَنْدَاد , وَالْعَجْز عَنْ الْبَعْث .

| لَا | صِلَة فِي قَوْل أَكْثَر الْمُفَسِّرِينَ , وَالْمَعْنَى فَأُقْسِم , بِدَلِيلِ قَوْله : | وَإِنَّهُ لَقَسَم | . وَقَالَ الْفَرَّاء : هِيَ نَفْي , وَالْمَعْنَى لَيْسَ الْأَمْر كَمَا تَقُولُونَ , ثُمَّ أَسْتَأْنَفَ | أُقْسِم | . وَقَدْ يَقُول الرَّجُل : لَا وَاَللَّه مَا كَانَ كَذَا فَلَا يُرِيد بِهِ نَفْي الْيَمِين , بَلْ يُرِيد بِهِ نَفْي كَلَام تَقَدَّمَ . أَيْ لَيْسَ الْأَمْر كَمَا ذَكَرْت , بَلْ هُوَ كَذَا . وَقِيلَ : | لَا | بِمَعْنَى إِلَّا لِلتَّنْبِيهِ كَمَا قَالَ :
أَلَا عِمْ صَبَاحًا أَيّهَا الطَّلَل الْبَالِي
وَنَبَّهَ بِهَذَا عَلَى فَضِيلَة الْقُرْآن لِيَتَدَبَّرُوهُ , وَأَنَّهُ لَيْسَ بِشِعْرٍ وَلَا سِحْر وَلَا كِهَانَة كَمَا زَعَمُوا . وَقَرَأَ الْحَسَن وَحُمَيْد وَعِيسَى بْن عُمَر فَلْأُقْسِمُ | بِغَيْرِ أَلِف بَعْد اللَّام عَلَى التَّحْقِيق وَهُوَ فِعْل حَال وَيُقَدَّر مُبْتَدَأ مَحْذُوف , التَّقْدِير : فَلَأَنَا أُقْسِم بِذَلِكَ . وَلَوْ أُرِيدَ بِهِ الِاسْتِقْبَال لَلَزِمَتْ النُّون , وَقَدْ جَاءَ حَذْف النُّون مَعَ الْفِعْل الَّذِي يُرَاد بِهِ الِاسْتِقْبَال وَهُوَ شَاذّ .|بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ|مَوَاقِع النُّجُوم مَسَاقِطهَا وَمَغَارِبهَا فِي قَوْل قَتَادَة وَغَيْره . عَطَاء بْن أَبِي رَبَاح : مَنَازِلهَا . الْحَسَن : اِنْكِدَارهَا وَانْتِثَارهَا يَوْم الْقِيَامَة . الضَّحَّاك : هِيَ الْأَنْوَاء الَّتِي كَانَ أَهْل الْجَاهِلِيَّة يَقُولُونَ إِذَا مُطِرُوا قَالُوا مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا . الْمَاوَرْدِيّ : وَيَكُون قَوْله تَعَالَى : | فَلَا أُقْسِم | مُسْتَعْمَلًا عَلَى حَقِيقَته مِنْ نَفْي الْقَسَم . الْقُشَيْرِيّ : هُوَ قَسَم , وَلِلَّهِ تَعَالَى أَنْ يُقْسِم بِمَا يُرِيد , وَلَيْسَ لَنَا أَنْ نُقْسِم بِغَيْرِ اللَّه تَعَالَى وَصِفَاته الْقَدِيمَة . قُلْت : يَدُلّ عَلَى هَذَا قِرَاءَة الْحَسَن | فَلْأُقْسِمُ | وَمَا أَقْسَمَ بِهِ سُبْحَانه مِنْ مَخْلُوقَاته فِي غَيْر مَوْضِع مِنْ كِتَابه . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : الْمُرَاد بِمَوَاقِع النُّجُوم نُزُول الْقُرْآن نُجُومًا , أَنْزَلَهُ اللَّه تَعَالَى مِنْ اللَّوْح الْمَحْفُوظ مِنْ السَّمَاء الْعُلْيَا إِلَى السَّفَرَة الْكَاتِبِينَ , فَنَجَّمَهُ السَّفَرَة عَلَى جِبْرِيل عِشْرِينَ لَيْلَة , وَنَجَّمَهُ جِبْرِيل عَلَى مُحَمَّد عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام عِشْرِينَ سَنَة , فَهُوَ يُنْزِلهُ عَلَى الْأَحْدَاث مِنْ أُمَّته , حَكَاهُ الْمَاوَرْدِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس وَالسُّدِّيّ . وَقَالَ أَبُو بَكْر الْأَنْبَارِيّ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل بْن إِسْحَاق الْقَاضِي حَدَّثَنَا حَجَّاج بْن الْمِنْهَال حَدَّثَنَا هَمَّام عَنْ الْكَلْبِيّ عَنْ أَبِي صَالِح عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : نَزَلَ الْقُرْآن إِلَى سَمَاء الدُّنْيَا جُمْلَة وَاحِدَة , ثُمَّ نَزَلَ إِلَى الْأَرْض نُجُومًا , وَفُرِّقَ بَعْد ذَلِكَ خَمْس آيَات خَمْس آيَات وَأَقَلّ وَأَكْثَر , فَذَلِكَ قَوْل اللَّه تَعَالَى : | فَلَا أُقْسِم بِمَوَاقِع النُّجُوم .

وَحَكَى الْفَرَّاء عَنْ اِبْن مَسْعُود أَنَّ مَوَاقِع النُّجُوم هُوَ مُحْكَم الْقُرْآن . وَقَرَأَ حَمْزَة وَالْكِسَائِيّ | بِمَوْقِعِ | عَلَى التَّوْحِيد , وَهِيَ قِرَاءَة عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود وَالنَّخَعِيّ وَالْأَعْمَش وَابْن مُحَيْصِن وَرُوَيْس عَنْ يَعْقُوب . الْبَاقُونَ عَلَى الْجَمْع فَمَنْ أَفْرَدَ فَلِأَنَّهُ اِسْم جِنْس يُؤَدِّي الْوَاحِد فِيهِ عَنْ الْجَمْع , وَمَنْ جَمَعَ فَلِاخْتِلَافِ أَنْوَاعه .