islamkingdomfaceBook islamkingdomtwitter islamkingdominstagram islamkingdomyoutube


أَيْ فَكُلِي مِنْ الْجَنِيّ , وَاشْرَبِي مِنْ السَّرِيّ , وَقَرِّي عَيْنًا بِرُؤْيَةِ الْوَلَد النَّبِيّ . وَقُرِئَ بِفَتْحِ الْقَاف وَهِيَ قِرَاءَة الْجُمْهُور . وَحَكَى الطَّبَرِيّ قِرَاءَة | وَقِرِّي | بِكَسْرِ الْقَاف وَهِيَ لُغَة نَجْد . يُقَال : قَرَّ عَيْنًا يَقُرّ وَيَقِرّ بِضَمِّ الْقَاف وَكَسْرهَا وَأَقَرَّ اللَّه عَيْنه فَقَرَّتْ . وَهُوَ مَأْخُوذ مِنْ الْقُرّ وَالْقِرَّة وَهُمَا الْبَرْد . وَدَمْعَة السُّرُور بَارِدَة وَدَمْعَة الْحُزْن حَارَّة . وَضَعَّفَتْ فِرْقَة هَذَا وَقَالَتْ : الدَّمْع كُلّه حَارّ , فَمَعْنَى أَقَرَّ اللَّه عَيْنه أَيْ سَكَّنَ اللَّه عَيْنه بِالنَّظَرِ إِلَى مَنْ يُحِبّهُ حَتَّى تَقِرّ وَتَسْكُن ; وَفُلَان قُرَّة عَيْنِي ; أَيْ نَفْسِي تَسْكُن بِقُرْبِهِ . وَقَالَ الشَّيْبَانِيّ : | وَقَرِّي عَيْنًا | مَعْنَاهُ نَامِي حَضَّهَا عَلَى الْأَكْل وَالشُّرْب وَالنَّوْم . قَالَ أَبُو عَمْرو : أَقَرَّ اللَّه عَيْنه أَيْ أَنَامَ عَيْنه , وَأَذْهَبَ سَهَره . و | عَيْنًا | نُصِبَ عَلَى التَّمْيِيز ; كَقَوْلِك : طِبْ نَفْسًا . وَالْفِعْل فِي الْحَقِيقَة إِنَّمَا هُوَ لِلْعَيْنِ فَنُقِلَ ذَلِكَ إِلَى ذِي الْعَيْن ; وَيُنْصَب الَّذِي كَانَ فَاعِلًا فِي الْحَقِيقَة عَلَى التَّفْسِير . وَمِثْله طِبْت نَفْسًا , وَتَفَقَّأْت شَحْمًا , وَتَصَبَّبْت عَرَقًا , وَمِثْله كَثِير .|فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا|| فَإِمَّا تَرَيِنَّ | الْأَصْل فِي تَرَيِنَّ تَرْأَيِين فَحُذِفَتْ الْهَمْزَة كَمَا حُذِفَتْ مِنْ تَرَى وَنُقِلَتْ فَتَحْتهَا إِلَى الرَّاء فَصَارَ | تَرَيِينَ | ثُمَّ قُلِبَتْ الْيَاء الْأُولَى أَلِفًا لِتَحَرُّكِهَا وَانْفِتَاح مَا قَبْلهَا , فَاجْتَمَعَ سَاكِنَانِ الْأَلِف الْمُنْقَلِبَة عَنْ الْيَاء وَيَاء التَّأْنِيث , فَحُذِفَتْ الْأَلِف لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ , فَصَارَ تَرَيْنَ , ثُمَّ حُذِفَتْ النُّون عَلَامَة لِلْجَزْمِ لِأَنَّ إِنْ حَرْف شَرْط وَمَا صِلَة فَبَقِيَ تَرَيْ , ثُمَّ دَخَلَهُ نُون التَّوْكِيد وَهِيَ مُثَقَّلَة , فَكُسِرَ يَاء التَّأْنِيث لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ ; لِأَنَّ النُّون الْمُثَقَّلَة بِمَنْزِلَةِ نُونَيْنِ الْأُولَى سَاكِنَة فَصَارَ تَرَيِنَّ وَعَلَى هَذَا النَّحْو قَوْل اِبْن دُرَيْد :
إِمَّا تَرَيْ رَأْسِي حَاكَى لَوْنه
وَقَوْل الْأَفْوَه :
إِمَّا تَرَيْ رَأْسِي أَزْرَى بِهِ
وَإِنَّمَا دَخَلَتْ النُّون هُنَا بِتَوْطِئَةِ | مَا | كَمَا يُوَطِّئ لِدُخُولِهَا أَيْضًا لَام الْقَسَم . وَقَرَأَ طَلْحَة وَأَبُو جَعْفَر وَشَيْبَة | تَرَيْنَ | بِسُكُونِ الْيَاء وَفَتْح النُّون خَفِيفَة ; قَالَ أَبُو الْفَتْح : وَهِيَ شَاذَّة . | فَقُولِي إِنِّي نَذَرْت | هَذَا جَوَاب الشَّرْط وَفِيهِ إِضْمَار ; أَيْ فَسَأَلَك عَنْ وَلَدك | فَقُولِي إِنِّي نَذَرْت لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا | أَيْ صَمْتًا ; قَالَهُ اِبْن عَبَّاس وَأَنَس بْن مَالِك . وَفِي قِرَاءَة أُبَيّ بْن كَعْب | إِنَى نَذَرْت لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا صَمْتًا | وَرُوِيَ عَنْ أَنَس . وَعَنْهُ أَيْضًا | وَصَمْتًا | بِوَاوٍ , وَاخْتِلَاف اللَّفْظَيْنِ يَدُلّ عَلَى أَنَّ الْحَرْف ذُكِرَ تَفْسِيرًا لَا قُرْآنًا ; فَإِذَا أَتَتْ مَعَهُ وَاو فَمُمْكِن أَنْ يَكُون غَيْر الصَّوْم . وَاَلَّذِي تَتَابَعَتْ بِهِ الْأَخْبَار عَنْ أَهْل الْحَدِيث وَرُوَاة اللُّغَة أَنَّ الصَّوْم هُوَ الصَّمْت ; لِأَنَّ الصَّوْم إِمْسَاك وَالصَّمْت إِمْسَاك عَنْ الْكَلَام /و وَقِيلَ : هُوَ الصَّوْم الْمَعْرُوف , وَكَانَ يَلْزَمهُمْ الصَّمْت يَوْم الصَّوْم إِلَّا بِالْإِشَارَةِ . وَعَلَى هَذَا تُخَرَّج قِرَاءَة أَنَس | وَصَمْتًا | بِوَاوٍ , وَأَنَّ الصَّمْت كَانَ عِنْدهمْ فِي الصَّوْم مُلْتَزَمًا بِالنَّذْرِ , كَمَا أَنَّ مَنْ نَذَرَ مِنَّا الْمَشْي إِلَى الْبَيْت اِقْتَضَى ذَلِكَ الْإِحْرَام بِالْحَجِّ أَوْ الْعُمْرَة . وَمَعْنَى هَذِهِ الْآيَة أَنَّ اللَّه تَعَالَى أَمَرَهَا عَلَى لِسَان جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام - أَوْ اِبْنهَا عَلَى الْخِلَاف الْمُتَقَدِّم - بِأَنْ تُمْسِك عَنْ مُخَاطَبَة الْبَشَر , وَتُحِيل عَلَى اِبْنهَا فِي ذَلِكَ لِيَرْتَفِع عَنْهَا خَجَلهَا , وَتَتَبَيَّنَ الْآيَة فَيَقُوم عُذْرهَا . وَظَاهِر الْآيَة أَنَّهَا أُبِيحَ لَهَا أَنْ تَقُول هَذِهِ الْأَلْفَاظ الَّتِي فِي الْآيَة , وَهُوَ قَوْل الْجُمْهُور . وَقَالَتْ فِرْقَة : مَعْنَى | قُولِي | بِالْإِشَارَةِ لَا بِالْكَلَامِ . الزَّمَخْشَرِيّ : وَفِيهِ أَنَّ السُّكُوت عَنْ السَّفِيه وَاجِب , وَمِنْ أَذَلّ النَّاس سَفِيه لَمْ يَجِد مُسَافِهًا . مَنْ اِلْتَزَمَ بِالنَّذْرِ أَلَّا يُكَلِّم أَحَدًا مِنْ الْآدَمِيِّينَ فَيَحْتَمِل أَنْ يُقَال إِنَّهُ قُرْبَة فَيَلْزَم بِالنَّذْرِ , وَيَحْتَمِل أَنْ يُقَال : ذَلِكَ لَا يَجُوز فِي شَرْعنَا لِمَا فِيهِ مِنْ التَّضْيِيق وَتَعْذِيب النَّفْس ; كَنَذْرِ الْقِيَام فِي الشَّمْس وَنَحْوه . وَعَلَى هَذَا كَانَ نَذْر الصَّمْت فِي تِلْكَ الشَّرِيعَة لَا فِي شَرِيعَتنَا ; وَقَدْ تَقَدَّمَ . وَقَدْ أَمَرَ اِبْن مَسْعُود مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ بِالنُّطْقِ بِالْكَلَامِ . وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح لِحَدِيثِ أَبِي إِسْرَائِيل , خَرَّجَهُ الْبُخَارِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس . وَقَالَ اِبْن زَيْد وَالسُّدِّيّ : كَانَتْ سُنَّة الصِّيَام عِنْدهمْ الْإِمْسَاك عَنْ الْأَكْل وَالْكَلَام . قُلْت : وَمِنْ سُنَّتنَا نَحْنُ فِي الصِّيَام الْإِمْسَاك عَنْ الْكَلَام الْقَبِيح ; قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام : ( إِذَا كَانَ أَحَدكُمْ صَائِمًا فَلَا يَرْفُث وَلَا يَجْهَل فَإِنْ اِمْرُؤُ قَاتَلَهُ أَوْ شَاتَمَهُ فَلْيَقُلْ إِنِّي صَائِم ) . وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام : ( مَنْ لَمْ يَدَع قَوْل الزُّور وَالْعَمَل بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَة فِي أَنْ يَدَع طَعَامه وَشَرَابه ) .

رُوِيَ أَنَّ مَرْيَم لَمَّا اِطْمَأَنَّتْ بِمَا رَأَتْ مِنْ الْآيَات , وَعَلِمَتْ أَنَّ اللَّه تَعَالَى سَيُبَيِّنُ عُذْرهَا , أَتَتْ بِهِ تَحْمِلهُ مِنْ الْمَكَان الْقَصِيّ الَّذِي كَانَتْ اِنْتَبَذَتْ فِيهِ . قَالَ اِبْن عَبَّاس : خَرَجَتْ مِنْ عِنْدهمْ حِين أَشْرَقَتْ الشَّمْس , فَجَاءَتْهُمْ عِنْد الظُّهْر وَمَعَهَا صَبِيّ تَحْمِلهُ , فَكَانَ الْحَمْل وَالْوِلَادَة فِي ثَلَاث سَاعَات مِنْ النَّهَار . وَقَالَ الْكَلْبِيّ : وَلَدَتْ حَيْثُ لَمْ يَشْعُر بِهَا قَوْمهَا , وَمَكَثَتْ أَرْبَعِينَ يَوْمًا لِلنِّفَاسِ , ثُمَّ أَتَتْ قَوْمهَا تَحْمِلهُ , فَلَمَّا رَأَوْهَا وَمَعَهَا الصَّبِيّ حَزِنُوا وَكَانُوا أَهْل بَيْت صَالِحِينَ ; فَقَالُوا مُنْكِرِينَ : | يَا مَرْيَم لَقَدْ جِئْت شَيْئًا فَرِيًّا | .|قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا|أَيْ جِئْت بِأَمْرٍ عَظِيم كَالْآتِي بِالشَّيْءِ يَفْتَرِيه . قَالَ مُجَاهِد : | فَرِيًّا | عَظِيمًا . وَقَالَ سَعِيد بْن مَسْعَدَة : أَيْ مُخْتَلَقًا مُفْتَعَلًا ; يُقَال : فَرَيْت وَأَفْرَيْت بِمَعْنًى وَاحِد . وَالْوَلَد مِنْ الزِّنَا كَالشَّيْءِ الْمُفْتَرَى . قَالَ اللَّه تَعَالَى : | وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْن أَيْدِيهنَّ وَأَرْجُلهنَّ | [ الْمُمْتَحَنَة : 12 ] أَيْ بِوَلَدٍ بِقَصْدِ إِلْحَاقه بِالزَّوْجِ وَلَيْسَ مِنْهُ . يُقَال : فُلَان يَفْرِي الْفَرِيّ أَيْ يَعْمَل الْعَمَل الْبَالِغ , وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة : الْفَرِيّ الْعَجِيب النَّادِر , وَقَالَهُ الْأَخْفَش قَالَ : فَرِيًّا عَجِيبًا . وَالْفَرْي الْقَطْع كَأَنَّهُ مِمَّا يَخْرِق الْعَادَة , أَوْ يَقْطَع الْقَوْل بِكَوْنِهِ عَجِيبًا نَادِرًا . وَقَالَ قُطْرُب : الْفَرْي الْجَدِيد مِنْ الْأَسْقِيَة ; أَيْ جِئْت بِأَمْرٍ جَدِيد بَدِيع لَمْ تَسْبِقِي إِلَيْهِ . وَقَرَأَ أَبُو حَيْوَة : | شَيْئًا فَرِيًّا | بِسُكُونِ الرَّاء . وَقَالَ السُّدِّيّ وَوَهْب بْن مُنَبِّه : لَمَّا أَتَتْ بِهِ قَوْمهَا تَحْمِلهُ تَسَامَعَ بِذَلِكَ بَنُو إِسْرَائِيل , فَاجْتَمَعَ رِجَالهمْ وَنِسَاؤُهُمْ , فَمَدَّتْ اِمْرَأَة يَدهَا إِلَيْهَا لِتَضْرِبهَا فَأَجَفَّ اللَّه شَطْرهَا فَحَمَلَتْ كَذَلِكَ . وَقَالَ آخَر : مَا أَرَاهَا إِلَّا زَنَتْ فَأَخْرَسَهُ اللَّه تَعَالَى ; فَتَحَامَى النَّاس مِنْ أَنْ يَضْرِبُوهَا , أَوْ يَقُولُوا لَهَا كَلِمَة تُؤْذِيهَا , وَجَعَلُوا يُخْفِضُونَ إِلَيْهَا الْقَوْل وَيُلِينُونَ ; فَقَالُوا : | يَا مَرْيَم لَقَدْ جِئْت شَيْئًا فَرِيًّا | أَيْ عَظِيمًا قَالَ الرَّاجِز :
قَدْ أَطْعَمَتْنِي دَقَلًا حَوْلِيًّا .......... مُسَوِّسًا مُدَوِّدًا حَجْرِيَّا

قَدْ كُنْت تَفْرِينَ بِهِ الْفَرِيَّا
أَيْ [ تُعْظِمِينَهُ ] .

اِخْتَلَفَ النَّاس فِي مَعْنَى هَذِهِ الْأُخُوَّة وَمَنْ هَارُون ؟ فَقِيلَ : هُوَ هَارُون أَخُو مُوسَى ; وَالْمُرَاد مَنْ كُنَّا نَظُنّهَا مِثْل هَارُون فِي الْعِبَادَة تَأْتِي بِمِثْلِ هَذَا . وَقِيلَ : عَلَى هَذَا كَانَتْ مَرْيَم مِنْ وَلَد هَارُون أَخِي مُوسَى فَنُسِبَتْ إِلَيْهِ بِالْأُخُوَّةِ لِأَنَّهَا مِنْ وَلَده ; كَمَا يُقَال لِلتَّمِيمِيِّ : يَا أَخَا تَمِيم وَلِلْعَرَبِيِّ يَا أَخَا الْعَرَب وَقِيلَ كَانَ لَهَا أَخ مِنْ أَبِيهَا اِسْمه هَارُون ; لِأَنَّ هَذَا الِاسْم كَانَ كَثِيرًا فِي بَنِي إِسْرَائِيل تَبَرُّكًا بِاسْمِ هَارُون أَخِي مُوسَى , وَكَانَ أَمْثَل رَجُل فِي بَنِي إِسْرَائِيل ; قَالَهُ الْكَلْبِيّ . وَقِيلَ : هَارُون هَذَا رَجُل صَالِح فِي ذَلِكَ الزَّمَان تَبِعَ جِنَازَته يَوْم مَاتَ أَرْبَعُونَ أَلْفًا كُلّهمْ اِسْمه هَارُون . وَقَالَ قَتَادَة : كَانَ فِي ذَلِكَ الزَّمَان فِي بَنِي إِسْرَائِيل عَابِد مُنْقَطِع إِلَى اللَّه عَزَّ وَجَلَّ يُسَمَّى هَارُون فَنَسَبُوهَا إِلَى أُخُوَّته مِنْ حَيْثُ كَانَتْ عَلَى طَرِيقَته قَبْل ; إِذْ كَانَتْ مَوْقُوفَة عَلَى خِدْمَة الْبِيَع ; أَيْ يَا هَذِهِ الْمَرْأَة الصَّالِحَة مَا كُنْت أَهْلًا لِذَلِكَ . وَقَالَ كَعْب الْأَحْبَار بِحَضْرَةِ عَائِشَة أُمّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّه عَنْهَا : إِنَّ مَرْيَم لَيْسَتْ بِأُخْتِ هَارُون أَخِي مُوسَى ; فَقَالَتْ لَهُ عَائِشَة : كَذَبْت . فَقَالَ لَهَا : يَا أُمّ الْمُؤْمِنِينَ إِنْ كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَهُ فَهُوَ أَصْدَق وَأَخْبَر , وَإِلَّا فَإِنِّي أَجِد بَيْنهمَا مِنْ الْمُدَّة سِتّمِائَةِ سَنَة . قَالَ : فَسَكَتَتْ . وَفِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ الْمُغِيرَة بْن شُعْبَة قَالَ : لَمَّا قَدِمْت نَجْرَان سَأَلُونِي فَقَالَ إِنَّكُمْ تَقْرَءُونَ | يَا أُخْت هَارُون | وَمُوسَى قَبْل عِيسَى بِكَذَا وَكَذَا , فَلَمَّا قَدِمَتْ عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَأَلَتْهُ عَنْ ذَلِكَ , فَقَالَ : ( إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَمُّونَ بِأَنْبِيَائِهِمْ وَالصَّالِحِينَ قَبْلهمْ ) . وَقَدْ جَاءَ فِي بَعْض طُرُقه فِي غَيْر الصَّحِيح أَنَّ النَّصَارَى قَالُوا لَهُ : إِنَّ صَاحِبك يَزْعُم أَنَّ مَرْيَم هِيَ أُخْت هَارُون وَبَيْنهمَا فِي الْمُدَّة سِتّمِائَةِ سَنَة ؟ ! قَالَ الْمُغِيرَة : فَلَمْ أَدْرِ مَا أَقُول ; وَذَكَرَ الْحَدِيث . وَالْمَعْنَى أَنَّهُ اِسْم وَافَقَ اِسْمًا . وَيُسْتَفَاد مِنْ هَذَا جَوَاز التَّسْمِيَة بِأَسْمَاءِ الْأَنْبِيَاء ; وَاَللَّه أَعْلَم . قُلْت : فَقَدْ دَلَّ الْحَدِيث الصَّحِيح أَنَّهُ كَانَ بَيْن مُوسَى وَعِيسَى وَهَارُون زَمَان مَدِيد . الزَّمَخْشَرِيّ : كَانَ بَيْنهمَا وَبَيْنه أَلْف سَنَة أَوْ أَكْثَر فَلَا يُتَخَيَّل أَنَّ مَرْيَم كَانَتْ أُخْت مُوسَى وَهَارُون ; وَإِنْ صَحَّ فَكَمَا قَالَ السُّدِّيّ لِأَنَّهَا كَانَتْ مِنْ نَسْله ; وَهَذَا كَمَا تَقُول لِلرَّجُلِ مِنْ قَبِيلَة : يَا أَخَا فُلَان . وَمِنْهُ قَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام : ( إِنَّ أَخَا صُدَاء قَدْ أَذَّنَ فَمَنْ أَذَّنَ فَهُوَ يُقِيم ) وَهَذَا هُوَ الْقَوْل الْأَوَّل . اِبْن عَطِيَّة : وَقَالَتْ فِرْقَة بَلْ كَانَ فِي ذَلِكَ الزَّمَان رَجُل فَاجِر اِسْمه هَارُون فَنَسَبُوهَا إِلَيْهِ عَلَى جِهَة التَّعْيِير وَالتَّوْبِيخ ; ذَكَرَهُ الطَّبَرِيّ وَلَمْ يُسَمِّ قَائِله . قُلْت : ذَكَرَهُ الْغَزْنَوِيّ عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر أَنَّهُ كَانَ فَاسِقًا مَثَلًا فِي الْفُجُور فَنُسِبَتْ إِلَيْهِ . وَالْمَعْنَى : مَا كَانَ أَبُوك وَلَا أُمّك أَهْلًا لِهَذِهِ الْفَعْلَة فَكَيْفَ جِئْت أَنْتِ بِهَا ؟ ! وَهَذَا مِنْ التَّعْرِيض الَّذِي يَقُوم مَقَام التَّصْرِيح . وَذَلِكَ يُوجِب عِنْدنَا الْحَدّ وَسَيَأْتِي فِي سُورَة | النُّور | الْقَوْل فِيهِ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى . وَهَذَا الْقَوْل الْأَخِير يَرُدّهُ الْحَدِيث الصَّحِيح , وَهُوَ نَصّ صَرِيح فَلَا كَلَام لِأَحَدٍ مَعَهُ , وَلَا غُبَار عَلَيْهِ . وَالْحَمْد لِلَّهِ . وَقَرَأَ عُمَر بْن لجأ التَّيْمِيّ ( مَا كَانَ أَبَاك اِمْرُؤُ سَوْء ) .

اِلْتَزَمَتْ مَرْيَم عَلَيْهَا السَّلَام مَا أُمِرَتْ بِهِ مِنْ تَرْك الْكَلَام , وَلَمْ يَرِد فِي هَذِهِ الْآيَة أَنَّهَا نَطَقَتْ ب | إِنِّي نَذَرْت لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا | وَإِنَّمَا وَرَدَ بِأَنَّهَا أَشَارَتْ , فَيَقْوَى بِهَذَا قَوْل مَنْ قَالَ : إِنَّ أَمْرهَا ب | قُولِي | إِنَّمَا أُرِيدَ بِهِ الْإِشَارَة . وَيُرْوَى أَنَّهُمْ لَمَّا أَشَارَتْ إِلَى الطِّفْل قَالُوا : اِسْتِخْفَافهَا بِنَا أَشَدّ عَلَيْنَا مِنْ زِنَاهَا , ثُمَّ قَالُوا لَهَا عَلَى جِهَة التَّقْرِير | كَيْفَ نُكَلِّم مِنْ كَانَ فِي الْمَهْد صَبِيًّا | و | كَانَ | هُنَا لَيْسَ يُرَاد بِهَا الْمَاضِي ; لِأَنَّ كُلّ وَاحِد قَدْ كَانَ فِي الْمَهْد صَبِيًّا , وَإِنَّمَا هِيَ فِي مَعْنَى هُوَ ( الْآن ) . وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة : ( كَانَ ) هُنَا لَغْو ; كَمَا قَالَ :
وَجِيرَان لَنَا كَانُوا مراما
وَقِيلَ : هِيَ بِمَعْنَى الْوُجُود وَالْحُدُوث كَقَوْلِهِ : | وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَة | وَقَدْ تَقَدَّمَ . وَقَالَ اِبْن الْأَنْبَارِيّ : لَا يَجُوز أَنْ يُقَال زَائِدَة وَقَدْ نَصَبَتْ | صَبِيًّا | وَلَا أَنْ يُقَال | كَانَ | بِمَعْنَى حَدَثَ , لِأَنَّهُ لَوْ كَانَتْ بِمَعْنَى الْحُدُوث وَالْوُقُوع لَاسْتَغْنَى فِيهِ عَنْ الْخَبَر , تَقُول : كَانَ الْحَرّ وَتَكْتَفِي بِهِ . وَالصَّحِيح أَنَّ | مَنْ | فِي مَعْنَى الْجَزَاء و | كَانَ | بِمَعْنَى يَكُنْ ; التَّقْدِير : مَنْ يَكُنْ فِي الْمَهْد صَبِيًّا فَكَيْفَ نُكَلِّمهُ ؟ ! كَمَا تَقُول : كَيْفَ أُعْطِي مَنْ كَانَ لَا يَقْبَل عَطِيَّة ; أَيْ مَنْ يَكُنْ لَا يَقْبَل . وَالْمَاضِي قَدْ يُذْكَر بِمَعْنَى الْمُسْتَقْبَل فِي الْجَزَاء ; كَقَوْلِهِ تَعَالَى | تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَك خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّات تَجْرِي مِنْ تَحْتهَا الْأَنْهَار | [ الْفُرْقَان : 10 ] أَيْ إِنْ يَشَأْ يَجْعَل . وَتَقُول : مَنْ كَانَ إِلَيَّ مِنْهُ إِحْسَان كَانَ إِلَيْهِ مِنِّي مِثْله , أَيْ مَنْ يَكُنْ مِنْهُ إِلَيَّ إِحْسَان يَكُنْ إِلَيْهِ مِنِّي مِثْله . | وَالْمَهْد | قِيلَ : كَانَ سَرِيرًا كَالْمَهْدِ وَقِيلَ | الْمَهْد | هَاهُنَا حِجْر الْأُمّ . وَقِيلَ : الْمَعْنَى كَيْفَ نُكَلِّم مَنْ كَانَ سَبِيله أَنْ يُنَوَّم فِي الْمَهْد لِصِغَرِهِ , فَلَمَّا سَمِعَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام كَلَامهمْ قَالَ لَهُمْ مِنْ مَرْقَده .

فَقِيلَ : كَانَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام يَرْضِع فَلَمَّا سَمِعَ كَلَامهمْ تَرَكَ الرَّضَاعَة وَأَقْبَلَ عَلَيْهِمْ بِوَجْهِهِ , وَاتَّكَأَ عَلَى يَسَاره , وَأَشَارَ إِلَيْهِمْ بِسَبَّابَتِهِ الْيُمْنَى , و | قَالَ إِنِّي عَبْد اللَّه | فَكَانَ أَوَّل مَا نَطَقَ بِهِ الِاعْتِرَاف بِعُبُودِيَّتِهِ لِلَّهِ تَعَالَى وَرُبُوبِيَّته , رَدًّا عَلَى مَنْ غَلَا مِنْ بَعْده فِي شَأْنه . وَالْكِتَاب الْإِنْجِيل ; قِيلَ : آتَاهُ فِي تِلْكَ الْحَالَة الْكِتَاب , وَفَهَّمَهُ وَعَلَّمَهُ , وَآتَاهُ النُّبُوَّة كَمَا عَلَّمَ آدَم الْأَسْمَاء كُلّهَا , وَكَانَ يَصُوم وَيُصَلِّي . وَهَذَا فِي غَايَة الضَّعْف عَلَى مَا نُبَيِّنهُ فِي الْمَسْأَلَة بَعْد هَذَا . وَقِيلَ : أَيْ حَكَمَ لِي بِإِيتَاءِ الْكِتَاب وَالنُّبُوَّة فِي الْأَزَل , وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْكِتَاب مُنَزَّلًا فِي الْحَال ; وَهَذَا أَصَحّ .

أَيْ ذَا بَرَكَات وَمَنَافِع فِي الدِّين وَالدُّعَاء إِلَيْهِ وَمُعَلِّمًا لَهُ . التُّسْتَرِيّ : وَجَعَلَنِي آمُر بِالْمَعْرُوفِ , وَأَنْهَى عَنْ الْمُنْكَر , وَأُرْشِد الضَّالّ , وَأَنْصُر الْمَظْلُوم , وَأُغِيث الْمَلْهُوف .|‎وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ|أَيْ لِأُؤَدِّيهِمَا إِذَا أَدْرَكَنِي التَّكْلِيف , وَأَمْكَنَنِي أَدَاؤُهُمَا , عَلَى الْقَوْل الْأَخِير الصَّحِيح .|مَا دُمْتُ حَيًّا|فِي مَوْضِع نَصْب عَلَى الظَّرْف أَيْ دَوَام حَيَاتِي .

قَالَ اِبْن عَبَّاس : لَمَّا قَالَ | وَبَرًّا بِوَالِدَتِي | وَلَمْ يَقُلْ بِوَالِدَيَّ عُلِمَ أَنَّهُ شَيْء مِنْ جِهَة اللَّه تَعَالَى .|وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا|أَيْ مُتَعَظِّمًا مُتَكَبِّرًا يَقْتُل وَيَضْرِب عَلَى الْغَضَب . وَقِيلَ : الْجَبَّار الَّذِي لَا يَرَى لِأَحَدٍ عَلَيْهِ حَقًّا قَطُّ .|شَقِيًّا|أَيْ خَائِبًا مِنْ الْخَيْر . اِبْن عَبَّاس : عَاقًّا . وَقِيلَ : عَاصِيًا لِرَبِّهِ . وَقِيلَ : لَمْ يَجْعَلنِي تَارِكًا لِأَمْرِهِ فَأَشْقَى كَمَا شَقِيَ إِبْلِيس لَمَّا تَرَكَ أَمْره . قَالَ مَالِك بْن أَنَس رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَة : مَا أَشَدّهَا عَلَى أَهْل الْقَدَر ! أَخْبَرَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام بِمَا قُضِيَ مِنْ أَمْره , وَبِمَا هُوَ كَائِن إِلَى أَنْ يَمُوت . وَقَدْ رُوِيَ فِي قَصَص هَذِهِ الْآيَة عَنْ اِبْن زَيْد وَغَيْره أَنَّهُمْ لَمَّا سَمِعُوا كَلَام عِيسَى أَذْعَنُوا وَقَالُوا : إِنَّ هَذَا لَأَمْر عَظِيم . وَرُوِيَ أَنَّ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام إِنَّمَا تَكَلَّمَ فِي طُفُولَته بِهَذِهِ الْآيَة , ثُمَّ عَادَ إِلَى حَالَة الْأَطْفَال , حَتَّى مَشَى عَلَى عَادَة الْبَشَر إِلَى أَنْ بَلَغَ مَبْلَغ الصِّبْيَان فَكَانَ نُطْقه إِظْهَار بَرَاءَة أُمّه لَا أَنَّهُ كَانَ مِمَّنْ يَعْقِل فِي تِلْكَ الْحَالَة , وَهُوَ كَمَا يُنْطِق اللَّه تَعَالَى الْجَوَارِح يَوْم الْقِيَامَة . وَلَمْ يُنْقَل أَنَّهُ دَامَ نُطْقه , وَلَا أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي وَهُوَ اِبْن يَوْم أَوْ شَهْر , وَلَوْ كَانَ يَدُوم نُطْقه وَتَسْبِيحه وَوَعْظه وَصَلَاته فِي صِغَره مِنْ وَقْت الْوِلَادَة لَكَانَ مِثْله مِمَّا لَا يَنْكَتِم , وَهَذَا كُلّه مِمَّا يَدُلّ عَلَى فَسَاد الْقَوْل الْأَوَّل , وَيُصَرِّح بِجَهَالَةِ قَائِله . وَيَدُلّ أَيْضًا عَلَى أَنَّهُ تَكَلَّمَ فِي الْمَهْد خِلَافًا لِلْيَهُودِ وَالنَّصَارَى . وَالدَّلِيل عَلَى ذَلِكَ إِجْمَاع الْفِرَق عَلَى أَنَّهَا لَمْ تُحَدّ . وَإِنَّمَا صَحَّ بَرَاءَتهَا مِنْ الزِّنَا بِكَلَامِهِ فِي الْمَهْد . وَدَلَّتْ هَذِهِ الْآيَة عَلَى أَنَّ الصَّلَاة وَالزَّكَاة وَبِرّ الْوَالِدَيْنِ كَانَ وَاجِبًا عَلَى الْأُمَم السَّالِفَة , وَالْقُرُون الْخَالِيَة الْمَاضِيَة , فَهُوَ مِمَّا يَثْبُت حُكْمه وَلَمْ يُنْسَخ فِي شَرِيعَة أَمْره . وَكَانَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام فِي غَايَة التَّوَاضُع ; يَأْكُل الشَّجَر , وَيَلْبَس الشَّعْر , وَيَجْلِس عَلَى التُّرَاب , وَيَأْوِي حَيْثُ جَنَّهُ اللَّيْل , لَا مَسْكَن لَهُ , صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . الْإِشَارَة بِمَنْزِلَةِ الْكَلَام , وَتُفْهِم مَا يُفْهِم الْقَوْل . كَيْفَ لَا وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّه تَعَالَى عَنْ مَرْيَم فَقَالَ : | فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ | وَفَهِمَ مِنْهَا الْقَوْم مَقْصُودهَا وَغَرَضهَا فَقَالُوا : ( كَيْفَ نُكَلِّم ) وَقَدْ مَضَى هَذَا فِي | آل عِمْرَان | مُسْتَوْفًى . قَالَ الْكُوفِيُّونَ : لَا يَصِحّ قَذْف الْأَخْرَس وَلَا لِعَانه . وَرُوِيَ مِثْله عَنْ الشَّعْبِيّ , وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيّ وَأَحْمَد وَإِسْحَاق , وَإِنَّمَا يَصِحّ الْقَذْف عِنْدهمْ بِصَرِيحِ الزِّنَا دُون مَعْنَاهُ , وَهَذَا لَا يَصِحّ مِنْ الْأَخْرَس ضَرُورَة , فَلَمْ يَكُنْ قَاذِفًا ; بِالْإِشَارَةِ بِالزِّنَا مِنْ الْوَطْء الْحَلَال وَالشُّبْهَة . قَالُوا : وَاللِّعَان عِنْدنَا شَهَادَات , وَشَهَادَة الْأَخْرَس لَا تُقْبَل بِالْإِجْمَاعِ . قَالَ اِبْن الْقَصَّار : قَوْلهمْ إِنَّ الْقَذْف لَا يَصِحّ إِلَّا بِالتَّصْرِيحِ فَهُوَ بَاطِل بِسَائِرِ الْأَلْسِنَة مَا عَدَا الْعَرَبِيَّة , فَكَذَلِكَ إِشَارَة الْأَخْرَس . وَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ الْإِجْمَاع فِي شَهَادَة الْأَخْرَس فَغَلَط . وَقَدْ نَصَّ مَالِك أَنَّ شَهَادَته مَقْبُولَة إِذَا فُهِمَتْ إِشَارَته , وَأَنَّهَا تَقُوم مَقَام اللَّفْظ بِالشَّهَادَةِ , وَأَمَّا مَعَ الْقُدْرَة بِاللَّفْظِ فَلَا تَقَع مِنْهُ إِلَّا بِاللَّفْظِ . قَالَ اِبْن الْمُنْذِر : وَالْمُخَالِفُونَ يُلْزِمُونَ الْأَخْرَس الطَّلَاق وَالْبُيُوع وَسَائِر الْأَحْكَام , فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُون الْقَذْف مِثْل ذَلِكَ . قَالَ الْمُهَلِّب : وَقَدْ تَكُون الْإِشَارَة فِي كَثِير مِنْ أَبْوَاب الْفِقْه أَقْوَى مِنْ الْكَلَام مِثْل قَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام : ( بُعِثْت أَنَا وَالسَّاعَة كَهَاتَيْنِ ) نَعْرِف قُرْب مَا بَيْنهمَا بِمِقْدَارِ زِيَادَة الْوُسْطَى عَلَى السِّبَابَة . وَفِي إِجْمَاع الْعُقُول عَلَى أَنَّ الْعِيَان أَقْوَى مِنْ الْخَبَر دَلِيل عَلَى أَنَّ الْإِشَارَة قَدْ تَكُون فِي بَعْض الْمَوَاضِع أَقْوَى مِنْ الْكَلَام .

أَيْ السَّلَامَة عَلَيَّ مِنْ اللَّه تَعَالَى . قَالَ الزَّجَّاج : ذُكِرَ السَّلَام قَبْل هَذَا بِغَيْرِ أَلِف وَلَام فَحَسُنَ فِي الثَّانِيَة ذِكْر الْأَلِف وَاللَّام .|يَوْمَ وُلِدْتُ|يَعْنِي فِي الدُّنْيَا . وَقِيلَ : مِنْ هَمْز الشَّيْطَان كَمَا تَقَدَّمَ فِي | آل عِمْرَان | .|وَيَوْمَ أَمُوتُ|يَعْنِي فِي الْقَبْر|وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا|يَعْنِي فِي الْآخِرَة . لِأَنَّ لَهُ أَحْوَاله ثَلَاثَة فِي الدُّنْيَا حَيًّا , وَفِي الْقَبْر مَيِّتًا , وَفِي الْآخِرَة مَبْعُوثًا ; فَسَلِمَ فِي أَحْوَاله كُلّهَا وَهُوَ قَوْل الْكَلْبِيّ . ثُمَّ اِنْقَطَعَ كَلَامه فِي الْمَهْد حَتَّى بَلَغَ مَبْلَغ الْغِلْمَان . وَقَالَ قَتَادَة : ذُكِرَ لَنَا أَنَّ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام رَأَتْهُ اِمْرَأَة يُحْيِي الْمَوْتَى , وَيُبْرِئ الْأَكْمَه وَالْأَبْرَص فِي سَائِر آيَاته فَقَالَتْ : طُوبَى لِلْبَطْنِ الَّذِي حَمَلَك , وَالثَّدْي الَّذِي أَرْضَعَك ; فَقَالَ لَهَا عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام : طُوبَى لِمَنْ تَلَا كِتَاب اللَّه تَعَالَى وَاتَّبَعَ مَا فِيهِ وَعَمِلَ بِهِ .

أَيْ ذَلِكَ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عِيسَى ابْن مَرْيَم فَكَذَلِكَ اِعْتَقِدُوهُ , لَا كَمَا تَقُول الْيَهُود إِنَّهُ لِغَيْرِ رَشْدَة وَأَنَّهُ اِبْن يُوسُف النَّجَّار , وَلَا كَمَا قَالَتْ النَّصَارَى : إِنَّهُ الْإِلَه أَوْ اِبْن الْإِلَه .|قَوْلَ الْحَقِّ|قَالَ الْكِسَائِيّ : | قَوْل الْحَقّ | نَعْت لِعِيسَى أَيْ ذَلِكَ عِيسَى اِبْن مَرْيَم | قَوْل الْحَقّ | وَسُمِّيَ قَوْل الْحَقّ كَمَا سُمِّيَ كَلِمَة اللَّه ; وَالْحَقّ هُوَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ . وَقَالَ أَبُو حَاتِم : الْمَعْنَى هُوَ قَوْل الْحَقّ . وَقِيلَ : التَّقْدِير هَذَا الْكَلَام قَوْل الْحَقّ . قَالَ اِبْن عَبَّاس : ( يُرِيد هَذَا كَلَام عِيسَى صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْل الْحَقّ لَيْسَ بِبَاطِلٍ ; وَأُضِيفَ الْقَوْل إِلَى الْحَقّ كَمَا قَالَ : ( وَعْد الصِّدْق الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ ) [ الْأَحْقَاف : 16 ] أَيْ الْوَعْد وَالصِّدْق . وَقَالَ : | وَلَلدَّار الْآخِرَة خَيْر | [ الْأَنْعَام : 32 ] أَيْ وَلَا الدَّار الْآخِرَة . وَقَرَأَ عَاصِم وَعَبْد اللَّه بْن عَامِر | قَوْل الْحَقّ | بِالنَّصْبِ عَلَى الْحَال ; أَيْ أَقُول قَوْلًا حَقًّا . وَالْعَامِل مَعْنَى الْإِشَارَة فِي ( ذَلِكَ ) . الزَّجَّاج : هُوَ مَصْدَر أَيْ أَقُول قَوْل الْحَقّ لِأَنَّ مَا قَبْله يَدُلّ عَلَيْهِ . وَقِيلَ : مَدْح . وَقِيلَ : إِغْرَاء . وَقَرَأَ عَبْد اللَّه | قَالَ الْحَقّ | وَقَرَأَ الْحَسَن | قُولُ الْحَقّ | بِضَمِّ الْقَاف , وَكَذَلِكَ فِي | الْأَنْعَام | | قَوْله الْحَقّ | [ الْأَنْعَام : 73 ] وَالْقَوْل وَالْقَال وَالْقُولُ بِمَعْنًى وَاحِد , كَالرَّهْبِ وَالرَّهَب وَالرُّهْب|الَّذِي|مِنْ نَعْت عِيسَى .|فِيهِ يَمْتَرُونَ|أَيْ يَشُكُّونَ ; أَيْ ذَلِكَ عِيسَى ابْن مَرْيَم الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ الْقَوْل الْحَقّ . وَقِيلَ : | يَمْتَرُونَ | يَخْتَلِفُونَ . ذَكَرَ عَبْد الرَّزَّاق قَالَ أَخْبَرَنَا مَعْمَر عَنْ قَتَادَة فِي قَوْله تَعَالَى ( ذَلِكَ عِيسَى ابْن مَرْيَم قَوْل الْحَقّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ ) قَالَ : اِجْتَمَعَ بَنُو إِسْرَائِيل فَأَخْرَجُوا مِنْهُمْ أَرْبَعَة نَفَر , أَخْرَجَ كُلّ قَوْم عَالِمهمْ فَامْتَرَوْا فِي عِيسَى حِين رُفِعَ ; فَقَالَ أَحَدهمْ : هُوَ اللَّه هَبَطَ إِلَى الْأَرْض فَأَحْيَا مَنْ أَحْيَا وَأَمَاتَ مَنْ أَمَاتَ , ثُمَّ صَعِدَ إِلَى السَّمَاء وَهُمْ الْيَعْقُوبِيَّة . فَقَالَتْ الثَّلَاثَة : كَذَبْت . ثُمَّ قَالَ اِثْنَانِ مِنْهُمْ لِلثَّالِثِ : قُلْ فِيهِ , قَالَ : هُوَ اِبْن اللَّه وَهُمْ النَّسْطُورِيَّة , فَقَالَ الِاثْنَانِ كَذَبْت , ثُمَّ قَالَ أَحَد الِاثْنَيْنِ لِلْآخَرِ قُلْ فِيهِ , فَقَالَ : هُوَ ثَالِث ثَلَاثَة , اللَّه إِلَه وَهُوَ إِلَه , وَأُمّه إِلَه , وَهُمْ الْإِسْرَائِيلِيَّة مُلُوك النَّصَارَى . قَالَ الرَّابِع : كَذَبْت بَلْ هُوَ عَبْد اللَّه وَرَسُوله وَرُوحه وَكَلِمَته وَهُمْ الْمُسْلِمُونَ , فَكَانَ لِكُلِّ رَجُل مِنْهُمْ أَتْبَاع - عَلَى مَا قَالَ - فَاقْتَتَلُوا فَظُهِرَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ , فَذَلِكَ قَوْل اللَّه تَعَالَى : ( وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنْ النَّاس ) [ آل عِمْرَان : 21 ] . وَقَالَ قَتَادَة : وَهُمْ الَّذِينَ قَالَ اللَّه تَعَالَى فِيهِمْ : ( فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَاب مِنْ بَيْنهمْ ) اِخْتَلَفُوا فِيهِ فَصَارُوا أَحْزَابًا فَهَذَا مَعْنَى قَوْل ( الَّذِي فِيهِ تَمْتَرُونَ ) بِالتَّاءِ الْمُعْجَمَة مِنْ فَوْق وَهِيَ قِرَاءَة أَبِي عَبْد الرَّحْمَن السُّلَمِيّ وَغَيْره قَالَ اِبْن عَبَّاس فَمَرَّ بِمَرْيَم اِبْن عَمّهَا وَمَعَهَا اِبْنهَا إِلَى مِصْر فَكَانُوا فِيهَا اِثْنَتَيْ عَشْرَة سَنَة حَتَّى مَاتَ الْمَلِك الَّذِي كَانُوا يَخَافُونَهُ ; ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيّ . قُلْت وَوَقَعَ فِي تَارِيخ مِصْر فِيمَا رَأَيْت وَجَاءَ فِي الْإِنْجِيل الظَّاهِر أَنَّ السَّيِّد الْمَسِيح لَمَّا وُلِدَ فِي بَيْت لَحْم كَانَ هيرودس فِي ذَلِكَ الْوَقْت مَلِكًا وَأَنَّ اللَّه تَعَالَى أَوْحَى إِلَى يُوسُف النَّجَّار فِي الْحُلْم وَقَالَ لَهُ قُمْ فَخُذْ الصَّبِيّ وَأُمّه وَاذْهَبْ إِلَى مِصْر وَكُنْ هُنَاكَ حَتَّى أَقُول لَك , فَإِنَّ هيرودس مُزْمِع أَنْ يَطْلُب عِيسَى لِيُهْلِكهُ فَقَامَ مِنْ نَوْمه وَامْتَثَلَ أَمْر رَبّه وَأَخَذَ السَّيِّد الْمَسِيح وَمَرْيَم أُمّه وَجَاءَ إِلَى مِصْر , وَفِي حَال مَجِيئِهِ إِلَى مِصْر نَزَلَ بِبِئْرِ الْبَلَسَان الَّتِي بِظَاهِرِ الْقَاهِرَة وَغَسَلَتْ ثِيَابه عَلَى ذَلِكَ الْبِئْر فَالْبَلَسَان لَا يَطْلُع وَلَا يَنْبُت إِلَّا فِي تِلْكَ الْأَرْض وَمِنْهُ يَخْرُج الدُّهْن الَّذِي يُخَالِط الزَّيْت الَّذِي تَعَمَّد بِهِ النَّصَارَى وَلِذَلِكَ كَانَتْ قَارُورَة وَاحِدَة فِي أَيَّام الْمِصْرِيِّينَ لَهَا مِقْدَار عَظِيم , وَتَقَع فِي نُفُوس مُلُوك النَّصَارَى مِثْل مَلِك الْقُسْطَنْطِينِيَّة وَمَلِك صِقِلِّيَة وَمَلِك الْحَبَشَة وَمَلِك النَّوْبَة وَمَلِك الْفِرِنْجَة وَغَيْرهمْ مِنْ الْمُلُوك عِنْدَمَا يُهَادِيهِمْ بِهِ مُلُوك مِصْر مَوْقِعًا جَلِيلًا جِدًّا وَتَكُون أَحَبّ إِلَيْهِمْ مِنْ كُلّ هَدِيَّة لَهَا قَدْر وَفِي تِلْكَ السَّفْرَة وَصَلَ السَّيِّد الْمَسِيح إِلَى مَدِينَة الْأُشْمُونِينَ وقسقام الْمَعْرُوفَة الْآن بِالْمُحَرَّقَةِ فَلِذَلِكَ يُعَظِّمهَا النَّصَارَى إِلَى الْآنَ , وَيَحْضُرُونَ إِلَيْهَا فِي عِيد الْفِصْح مِنْ كُلّ مَكَان ; لِأَنَّهَا نِهَايَة مَا وَصَلَ إِلَيْهَا مِنْ أَرْض مِصْر , وَمِنْهَا عَادَ إِلَى الشَّام . وَاَللَّه أَعْلَم .

أَيْ مَا يَنْبَغِي لَهُ وَلَا يَجُوز|أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ||مِنْ | صِلَة لِلْكَلَامِ ; أَيْ أَنْ يَتَّخِذ وَلَدًا . و | أَنْ | فِي مَوْضِع رَفْع اِسْم | كَانَ | أَيْ مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذ وَلَدًا ; أَيْ مَا كَانَ مِنْ صِفَته اِتِّخَاذ الْوَلَد , ثُمَّ نَزَّهَ نَفْسه تَعَالَى عَنْ مَقَالَتهمْ فَقَالَ.|سُبْحَانَهُ|أَنْ يَكُون لَهُ وَلَد|إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ|أَيْ إِذَا أَرَادَ إِحْكَامه وَإِتْقَانه - كَمَا سَبَقَ فِي عِلْمه - قَالَ لَهُ كُنْ . قَالَ اِبْن عَرَفَة : قَضَاء الشَّيْء إِحْكَامه وَإِمْضَاؤُهُ وَالْفَرَاغ مِنْهُ ; وَمِنْهُ سُمِّيَ الْقَاضِي ; لِإِنَّهُ إِذَا حَكَمَ فَقَدْ فَرَغَ مِمَّا بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ . وَقَالَ الْأَزْهَرِيّ : قَضَى فِي اللُّغَة عَلَى وُجُوه , مَرْجِعهَا إِلَى اِنْقِطَاع الشَّيْء وَتَمَامه ; قَالَ أَبُو ذُؤَيْب :
وَعَلَيْهِمَا مَسْرُودَتَانِ قَضَاهُمَا .......... دَاوُد أَوْ صَنَع السَّوَابِغ تُبَّع
وَقَالَ الشَّمَّاخ فِي عُمَر بْن الْخَطَّاب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ :
قَضَيْت أُمُورًا ثُمَّ غَادَرْت بَعْدهَا .......... بَوَائِق فِي أَكْمَامهَا لَمْ تُفَتَّق
قَالَ عُلَمَاؤُنَا : | قَضَى | لَفْظ مُشْتَرَك , يَكُون بِمَعْنَى الْخَلْق ; قَالَ اللَّه تَعَالَى : | فَقَضَاهُنَّ سَبْع سَمَوَات فِي يَوْمَيْنِ | [ فُصِّلَتْ : 12 ] أَيْ خَلَقَهُنَّ . وَيَكُون بِمَعْنَى الْإِعْلَام ; قَالَ اللَّه تَعَالَى : | وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيل فِي الْكِتَاب | [ الْإِسْرَاء : 4 ] أَيْ أَعْلَمْنَا . وَيَكُون بِمَعْنَى الْأَمْر ; كَقَوْلِهِ تَعَالَى : | وَقَضَى رَبّك أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ | [ الْإِسْرَاء : 23 ] . وَيَكُون بِمَعْنَى الْإِلْزَام وَإِمْضَاء الْأَحْكَام ; وَمِنْهُ سُمِّيَ الْحَاكِم قَاضِيًا . وَيَكُون بِمَعْنَى تَوْفِيَة الْحَقّ , قَالَ اللَّه تَعَالَى : | فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَل | [ الْقَصَص : 29 ] . وَيَكُون بِمَعْنَى الْإِرَادَة ; كَقَوْلِهِ تَعَالَى : | فَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُول لَهُ كُنْ فَيَكُون | [ غَافِر : 68 ] أَيْ إِذَا أَرَادَ خَلْق شَيْء . قَالَ اِبْن عَطِيَّة : | قَضَى | مَعْنَاهُ قَدَّرَ ; وَقَدْ يَجِيء بِمَعْنَى أَمْضَى , وَيَتَّجِه فِي هَذِهِ الْآيَة الْمَعْنَيَانِ عَلَى مَذْهَب أَهْل السُّنَّة قَدَّرَ فِي الْأَزَل وَأَمْضَى فِيهِ . وَعَلَى مَذْهَب الْمُعْتَزِلَة أَمْضَى عِنْد الْخَلْق وَالْإِيجَاد . قَوْله تَعَالَى : | أَمْرًا | الْأَمْر وَاحِد الْأُمُور , وَلَيْسَ بِمَصْدَرِ أَمَرَ يَأْمُر . قَالَ عُلَمَاؤُنَا : وَالْأَمْر فِي الْقُرْآن يَتَصَرَّف عَلَى أَرْبَعَة عَشَر وَجْهًا : الْأَوَّل : الدِّين ; قَالَ اللَّه تَعَالَى : | حَتَّى جَاءَ الْحَقّ وَظَهَرَ أَمْر اللَّه | [ التَّوْبَة : 48 ] يَعْنِي دِين اللَّه الْإِسْلَام . الثَّانِي : الْقَوْل ; وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى : | فَإِذَا جَاءَ أَمْرنَا | يَعْنِي قَوْلنَا , وَقَوْله : | فَتَنَازَعُوا أَمْرهمْ بَيْنهمْ | [ طه : 62 ] يَعْنِي قَوْلهمْ . الثَّالِث : الْعَذَاب ; وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى : | لَمَّا قُضِيَ الْأَمْر | [ إِبْرَاهِيم : 22 ] يَعْنِي لَمَّا وَجَبَ الْعَذَاب بِأَهْلِ النَّار . الرَّابِع : عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام ; قَالَ اللَّه تَعَالَى : | إِذَا قَضَى أَمْرًا | [ آل عِمْرَان : 47 ] يَعْنِي عِيسَى , وَكَانَ فِي عِلْمه أَنْ يَكُون مِنْ غَيْر أَب . الْخَامِس : الْقَتْل بِبَدْرٍ ; قَالَ اللَّه تَعَالَى : | فَإِذَا جَاءَ أَمْر اللَّه | [ غَافِر : 78 ] يَعْنِي الْقَتْل بِبَدْرٍ , وَقَوْله تَعَالَى : | لِيَقْضِيَ اللَّه أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا | [ الْأَنْفَال : 42 ] يَعْنِي قَتْل كُفَّار مَكَّة . السَّادِس : فَتْح مَكَّة ; قَالَ اللَّه تَعَالَى : | فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِي اللَّه بِأَمْرِهِ | [ التَّوْبَة : 24 ] يَعْنِي فَتْح مَكَّة . السَّابِع : قَتْل قُرَيْظَة وَجَلَاء بَنِي النَّضِير ; قَالَ اللَّه تَعَالَى : | فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِي اللَّه بِأَمْرِهِ | [ الْبَقَرَة : 109 ] . الثَّامِن : الْقِيَامَة , قَالَ اللَّه تَعَالَى : | أَتَى أَمْر اللَّه | [ النَّحْل : 1 ] . التَّاسِع : الْقَضَاء ; قَالَ اللَّه تَعَالَى : | يُدَبِّر الْأَمْر | [ يُونُس : 3 ] يَعْنِي الْقَضَاء . الْعَاشِر : الْوَحْي ; قَالَ اللَّه تَعَالَى : | يُدَبِّر الْأَمْر مِنْ السَّمَاء إِلَى الْأَرْض | [ السَّجْدَة : 5 ] يَقُول : يُنَزِّل الْوَحْي مِنْ السَّمَاء إِلَى الْأَرْض ; وَقَوْله : | يَتَنَزَّل الْأَمْر بَيْنهنَّ | [ الطَّلَاق : 12 ] يَعْنِي الْوَحْي . الْحَادِي عَشَر : أَمْر الْخَلْق ; قَالَ اللَّه تَعَالَى : | أَلَا إِلَى اللَّه تَصِير الْأُمُور | [ الشُّورَى : 53 ] يَعْنِي أُمُور الْخَلَائِق . الثَّانِي عَشَر : النَّصْر , قَالَ اللَّه تَعَالَى : | يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنْ الْأَمْر مِنْ شَيْء | [ آل عِمْرَان : 154 ] يَعْنُونَ النَّصْر , | قُلْ إِنَّ الْأَمْر كُلّه لِلَّهِ | [ آل عِمْرَان : 154 ] يَعْنِي النَّصْر . الثَّالِث عَشَر : الذَّنْب ; قَالَ اللَّه تَعَالَى : | فَذَاقَتْ وَبَال أَمْرهَا | [ الطَّلَاق : 9 ] يَعْنِي جَزَاء ذَنْبهَا . الرَّابِع عَشَر : الشَّأْن وَالْفِعْل ; قَالَ اللَّه تَعَالَى : | وَمَا أَمْر فِرْعَوْن بِرَشِيدٍ | [ هُود : 97 ] أَيْ فِعْله وَشَأْنه , وَقَالَ : | فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْره | [ النُّور : 63 ] أَيْ فِعْله . قَوْله تَعَالَى : | كُنْ | قِيلَ : الْكَاف مِنْ كَيْنُونَة , وَالنُّون مِنْ نُوره ; وَهِيَ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَام : ( أَعُوذ بِكَلِمَاتِ اللَّه التَّامَّات مِنْ شَرّ مَا خَلَقَ ) . وَيُرْوَى : ( بِكَلِمَةِ اللَّه التَّامَّة ) عَلَى الْإِفْرَاد . فَالْجَمْع لَمَّا كَانَتْ هَذِهِ الْكَلِمَة فِي الْأُمُور كُلّهَا , فَإِذَا قَالَ لِكُلِّ أَمْر كُنْ , وَلِكُلِّ شَيْء كُنْ , فَهُنَّ كَلِمَات . يَدُلّ عَلَى هَذَا مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي ذَرّ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا يُحْكَى عَنْ اللَّه تَعَالَى : ( عَطَائِي كَلَام وَعَذَابِي كَلَام ) . خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيّ فِي حَدِيث فِيهِ طُول . وَالْكَلِمَة عَلَى الْإِفْرَاد بِمَعْنَى الْكَلِمَات أَيْضًا ; لَكِنْ لَمَّا تَفَرَّقَتْ الْكَلِمَة الْوَاحِدَة فِي الْأُمُور فِي الْأَوْقَات صَارَتْ كَلِمَات وَمَرْجِعهنَّ إِلَى كَلِمَة وَاحِدَة . وَإِنَّمَا قِيلَ | تَامَّة | لِأَنَّ أَقَلّ الْكَلَام عِنْد أَهْل اللُّغَة عَلَى ثَلَاثَة أَحْرُف : حَرْف مُبْتَدَأ , وَحَرْف تُحْشَى بِهِ الْكَلِمَة , وَحَرْف يُسْكَت عَلَيْهِ . وَإِذَا كَانَ عَلَى حَرْفَيْنِ فَهُوَ عِنْدهمْ مَنْقُوص , كَيَدٍ وَدَم وَفَم ; وَإِنَّمَا نَقَصَ لِعِلَّةٍ . فَهِيَ مِنْ الْآدَمِيِّينَ مِنْ الْمَنْقُوصَات لِأَنَّهَا عَلَى حَرْفَيْنِ ; وَلِأَنَّهَا كَلِمَة مَلْفُوظَة بِالْأَدَوَاتِ . وَمِنْ رَبّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى تَامَّة ; لِأَنَّهَا بِغَيْرِ الْأَدَوَات , تَعَالَى عَنْ شَبَه الْمَخْلُوقِينَ . قَوْله تَعَالَى : | فَيَكُون | قُرِئَ بِرَفْعِ النُّون عَلَى الِاسْتِئْنَاف . قَالَ سِيبَوَيْهِ . فَهُوَ يَكُون , أَوْ فَإِنَّهُ يَكُون . وَقَالَ غَيْره : هُوَ مَعْطُوف عَلَى | يَقُول | ; فَعَلَى الْأَوَّل كَائِنًا بَعْد الْأَمْر , وَإِنْ كَانَ مَعْدُومًا فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْمَوْجُود إِذَا هُوَ عِنْده مَعْلُوم ; عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانه . وَعَلَى الثَّانِي كَائِنًا مَعَ الْأَمْر ; وَاخْتَارَهُ الطَّبَرِيّ وَقَالَ : أَمْره لِلشَّيْءِ ب | كُنْ | لَا يَتَقَدَّم الْوُجُود وَلَا يَتَأَخَّر عَنْهُ ; فَلَا يَكُون الشَّيْء مَأْمُورًا بِالْوُجُودِ إِلَّا وَهُوَ مَوْجُود بِالْأَمْرِ , وَلَا مَوْجُودًا إِلَّا وَهُوَ مَأْمُور بِالْوُجُودِ , عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانه . قَالَ : وَنَظِيره قِيَام النَّاس مِنْ قُبُورهمْ لَا يَتَقَدَّم دُعَاء اللَّه وَلَا يَتَأَخَّر عَنْهُ ; كَمَا قَالَ | ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَة مِنْ الْأَرْض إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ | [ الرُّوم : 25 ] . وَضَعَّفَ اِبْن عَطِيَّة هَذَا الْقَوْل وَقَالَ : هُوَ خَطَأ مِنْ جِهَة الْمَعْنَى ; لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ الْقَوْل مَعَ التَّكْوِين وَالْوُجُود . وَتَلْخِيص الْمُعْتَقَد فِي هَذِهِ الْآيَة : أَنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يَزَلْ آمِرًا لِلْمَعْدُومَاتِ بِشَرْطِ وُجُودهَا , قَادِرًا مَعَ تَأَخُّر الْمَقْدُورَات , عَالِمًا مَعَ تَأَخُّر الْمَعْلُومَات . فَكُلّ مَا فِي الْآيَة يَقْتَضِي الِاسْتِقْبَال فَهُوَ بِحَسَبِ الْمَأْمُورَات ; إِذْ الْمُحْدَثَات تَجِيء بَعْد أَنْ لَمْ تَكُنْ . وَكُلّ مَا يُسْنَد إِلَى اللَّه تَعَالَى مِنْ قُدْرَة وَعِلْم فَهُوَ قَدِيم وَلَمْ يَزَلْ . وَالْمَعْنَى الَّذِي تَقْتَضِيه عِبَارَة | كُنْ | : هُوَ قَدِيم قَائِم بِالذَّاتِ . وَقَالَ أَبُو الْحَسَن الْمَاوَرْدِيّ فَإِنْ قِيلَ : فَفِي أَيّ حَال يَقُول لَهُ كُنْ فَيَكُون ؟ أَفِي حَال عَدَمه , أَمْ فِي حَال وُجُوده ؟ فَإِنْ كَانَ فِي حَال عَدَمه اِسْتَحَالَ أَنْ يَأْمُر إِلَّا مَأْمُورًا ; كَمَا يَسْتَحِيل أَنْ يَكُون الْأَمْر إِلَّا مِنْ آمِر ; وَإِنْ كَانَ فِي حَال وُجُوده فَتِلْكَ حَال لَا يَجُوز أَنْ يَأْمُر فِيهَا بِالْوُجُودِ وَالْحُدُوث ; لِأَنَّهُ مَوْجُود حَادِث ؟ قِيلَ عَنْ هَذَا السُّؤَال أَجْوِبَة ثَلَاثَة : أَحَدهَا : أَنَّهُ خَبَر مِنْ اللَّه تَعَالَى عَنْ نُفُوذ أَوَامِره فِي خَلْقه الْمَوْجُود , كَمَا أَمَرَ فِي بَنِي إِسْرَائِيل أَنْ يَكُونُوا قِرَدَة خَاسِئِينَ ; وَلَا يَكُون هَذَا وَارِدًا فِي إِيجَاد الْمَعْدُومَات . الثَّانِي : أَنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ عَالِم هُوَ كَائِن قَبْل كَوْنه ; فَكَانَتْ الْأَشْيَاء الَّتِي لَمْ تَكُنْ وَهِيَ كَائِنَة بِعِلْمِهِ قَبْل كَوْنهَا مُشَابِهَة لِلَّتِي هِيَ مَوْجُودَة ; فَجَازَ أَنْ يَقُول لَهَا : كُونِي . وَيَأْمُرهَا بِالْخُرُوجِ مِنْ حَال الْعَدَم إِلَى حَال الْوُجُود ; لِتَصَوُّرِ جَمِيعهَا لَهُ وَلِعِلْمِهِ بِهَا فِي حَال الْعَدَم . الثَّالِث : إِنَّ ذَلِكَ خَبَر مِنْ اللَّه تَعَالَى عَامّ عَنْ جَمِيع مَا يُحْدِثهُ وَيُكَوِّنهُ إِذَا أَرَادَ خَلْقه وَإِنْشَاءَهُ كَانَ , وَوُجِدَ مِنْ غَيْر أَنْ يَكُون هُنَاكَ قَوْل يَقُول , وَإِنَّمَا هُوَ قَضَاء يُرِيدهُ ; فَعَبَّرَ عَنْهُ بِالْقَوْلِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَوْلًا ; كَقَوْلِ أَبِي النَّجْم :
قَدْ قَالَتْ الْأَنْسَاع لِلْبَطْنِ الْحَقِ
وَلَا قَوْل هُنَاكَ , وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنْ الظَّهْر قَدْ لَحِقَ بِالْبَطْنِ , وَكَقَوْلِ عَمْرو بْن حممة الدَّوْسِيّ :
فَأَصْبَحْت مِثْل النَّسْر طَارَتْ فِرَاخه .......... إِذَا رَامَ تَطْيَارًا يُقَال لَهُ قَعِ
وَكَمَا قَالَ الْآخَر :
قَالَتْ جَنَاحَاهُ لِسَاقَيْهِ اِلْحَقَا .......... وَنَجِّيَا لَحْمَكُمَا أَنْ يُمَزَّقَا

قَرَأَ أَهْل الْمَدِينَة وَابْن كَثِير وَأَبُو عَمْرو بِفَتْحِ | أَنَّ | وَأَهْل الْكُوفَة | وَإِنَّ | بِكَسْرِ الْهَمْزَة عَلَى أَنَّهُ مُسْتَأْنَف . تَدُلّ عَلَيْهِ قِرَاءَة أُبَيّ | كُنْ فَيَكُون . إِنَّ اللَّه | بِغَيْرِ وَاو عَلَى الْعَطْف عَلَى | قَالَ إِنِّي عَبْد اللَّه | وَفِي الْفَتْح أَقْوَال : فَمَذْهَب الْخَلِيل وَسِيبَوَيْهِ أَنَّ الْمَعْنَى ; وَلِأَنَّ اللَّه رَبِّي وَرَبّكُمْ , وَكَذَا | وَأَنَّ الْمَسَاجِد لِلَّهِ | ف | أَنَّ | فِي مَوْضِع نَصْب عِنْدهمَا . وَأَجَازَ الْفَرَّاء أَنْ يَكُون فِي مَوْضِع خَفْض عَلَى حَذْف اللَّام , وَأَجَازَ أَنْ يَكُون أَيْضًا فِي مَوْضِع خَفْض بِمَعْنَى وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاة مَا دُمْت حَيًّا وَبِأَنَّ اللَّه رَبِّي وَرَبّكُمْ ; وَأَجَازَ الْكِسَائِيّ أَنْ يَكُون فِي مَوْضِع رَفْع بِمَعْنَى ; وَالْأَمْر أَنَّ اللَّه رَبِّي وَرَبّكُمْ . وَفِيهَا قَوْل خَامِس حَكَى أَبُو عُبَيْد أَنَّ أَبَا عَمْرو بْن الْعَلَاء قَالَهُ , وَهُوَ أَنْ يَكُون الْمَعْنَى : وَقَضَى أَنَّ اللَّه رَبِّي وَرَبّكُمْ ; فَهِيَ مَعْطُوفَة عَلَى قَوْله : | أَمْرًا | مِنْ قَوْله : | إِذَا قَضَى أَمْرًا | وَالْمَعْنَى إِذَا قَضَى أَمْرًا وَقَضَى أَنَّ اللَّه . وَلَا يُبْتَدَأ ب | أَنَّ | عَلَى هَذَا التَّقْدِير , وَلَا عَلَى التَّقْدِير الثَّالِث . وَيَجُوز الِابْتِدَاء بِهَا عَلَى الْأَوْجُه الْبَاقِيَة .|هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ|أَيْ دِين قَوِيم لَا اِعْوِجَاج فِيهِ .

|مِنْ | زَائِدَة أَيْ اِخْتَلَفَ الْأَحْزَاب بَيْنهمْ . وَقَالَ قَتَادَة : أَيْ مَا بَيْنهمْ فَاخْتَلَفَتْ الْفِرَق مِنْ أَهْل الْكِتَاب فِي أَمْر عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام فَالْيَهُود بِالْقَدْحِ وَالسِّحْر . وَالنَّصَارَى قَالَتْ النَّسْطُورِيَّة مِنْهُمْ : هُوَ اِبْن اللَّه . وَالْمَلْكَانِيَّة ثَالِث ثَلَاثَة . وَقَالَتْ الْيَعْقُوبِيَّة : هُوَ اللَّه ; فَأَفْرَطَتْ النَّصَارَى وَغَلَتْ , وَفَرَّطَتْ الْيَهُود وَقَصَّرَتْ . وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا فِي | النِّسَاء | وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : الْمُرَاد مِنْ الْأَحْزَاب الَّذِينَ تَحَزَّبُوا عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَذَّبُوهُ مِنْ الْمُشْرِكِينَ .|فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ|أَيْ مِنْ شُهُود يَوْم الْقِيَامَة , وَالْمَشْهَد بِمَعْنَى الْمَصْدَر , وَالشُّهُود الْحُضُور وَيَجُوز أَنْ يَكُون الْحُضُور لَهُمْ , وَيُضَاف إِلَى الظَّرْف لِوُقُوعِهِ فِيهِ , كَمَا يُقَال : وَيْل لِفُلَانٍ مِنْ قِتَال يَوْم كَذَا ; أَيْ مِنْ حُضُوره ذَلِكَ الْيَوْم . وَقِيلَ : الْمَشْهَد بِمَعْنَى الْمَوْضِع الَّذِي يَشْهَدهُ الْخَلَائِق , كَالْمَحْشَرِ لِلْمَوْضِعِ الَّذِي يُحْشَر إِلَيْهِ الْخَلْق . وَقِيلَ : فَوَيْل لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ حُضُورهمْ الْمَشْهَد الْعَظِيم الَّذِي اِجْتَمَعُوا فِيهِ لِلتَّشَاوُرِ , فَأَجْمَعُوا عَلَى الْكُفْر بِاَللَّهِ , وَقَوْلهمْ : إِنَّ اللَّه ثَالِث ثَلَاثَة .

قَالَ أَبُو الْعَبَّاس : الْعَرَب تَقُول هَذَا فِي مَوْضِع التَّعَجُّب ; فَتَقُول أَسْمِعْ بِزَيْدٍ وَأَبْصِرْ بِزَيْدٍ أَيْ مَا أَسْمَعَهُ وَأَبْصَرَهُ . قَالَ : فَمَعْنَاهُ أَنَّهُ عَجَّبَ نَبِيّه مِنْهُمْ . قَالَ الْكَلْبِيّ : لَا أَحَد أَسْمَع يَوْم الْقِيَامَة وَلَا أَبْصَر , حِين يَقُول اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى لِعِيسَى : ( أَأَنْت قُلْت لِلنَّاسِ اِتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُون اللَّه ) [ الْمَائِدَة : 116 ] . وَقِيلَ : | أَسْمِعْ | بِمَعْنَى الطَّاعَة ; أَيْ مَا أَطْوَعهمْ لِلَّهِ فِي ذَلِكَ الْيَوْم|لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ|يَعْنِي فِي الدُّنْيَا.|فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ|وَأَيّ ضَلَال أَبْيَن مِنْ أَنْ يَعْتَقِد الْمَرْء فِي شَخْص مِثْله حَمَلَتْهُ الْأَرْحَام , وَأَكَلَ وَشَرِبَ , وَأَحْدَثَ وَاحْتَاجَ أَنَّهُ إِلَه ؟ ! وَمَنْ هَذَا وَصْفه أَصَمّ أَعْمَى وَلَكِنَّهُ سَيُبْصِرُ وَيَسْمَع فِي الْآخِرَة إِذَا رَأَى الْعَذَاب , وَلَكِنَّهُ لَا يَنْفَعهُ ذَلِكَ ; قَالَ مَعْنَاهُ قَتَادَة وَغَيْره .