islamkingdomfaceBook islamkingdomtwitter islamkingdominstagram islamkingdomyoutube islamkingdomnew


94-" قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصةً " خاصة بكم كما قلتم : " لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً " ونصبها على الحال من الدار . " من دون الناس " سائرهم ، واللام للجنس ، أو المسلمين واللام للعهد " فتمنوا الموت إن كنتم صادقين " لأن من أيقن أنه من أهل الجنة اشتاقها ، وأحب التخلص إليها من الدار ذات الشوائب ، كما قال علي رضي الله تعالى عنه : ( لا أبالي سقطت على الموت ، أو سقط الموت علي ) . وقال عمار رضي الله تعالى عنه بصفين : ( الآن ألاقي الأحبة محمداً وحزبه ) . وقال حذيفة رضي الله عنه حين اختصر : ( جاء حبيب على فاقة لا أفلح من ندم ) أي : على التمني ، سيما إذا علم أنها سالمة له لا يشاركه فيها غيره .

95-" ولن يتمنوه أبداً بما قدمت أيديهم " من موجبات النار ، كالكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم ، والقرآن ، وتحريف التوراة . ولما كانت اليد العاملة مختصة بالإنسان ، آلة لقدرته بها عامة صنائعه ومنها أكثر منافعه ، عبر بها عن النفس تارة والقدرة أخرى ، وهذه الجملة إخبار بالغيب وكان كما أخبر ، لأنهم لو تمنوا لنقل واشتهر ، فإن التمني ليس من عمل القلب ليخفى ، بل هو أن يقول : ليت لي كذا ، ولو كان بالقلب لقالوا : تمنينا . وعن النبي صلى الله عليه وسلم " لو تمنوا الموت لغص كل إنسان بريقه فمات مكانه ، وما بقي على وجه الأرض يهودي " . " والله عليم بالظالمين " تهديد لهم وتنبيه على أنهم ظالمون في دعوى ما ليس لهم ، ونفيه عمن هو لهم .

96-" ولتجدنهم أحرص الناس على حياة " من وجد بعقله الجاري مجرى علم ، ومفعولاه هم وأحرص الناس ، وتنكير حياة لأنه أريد بها فرد من أفرادها وهي : الحياة المتطاولة : وقرئ باللام . " ومن الذين أشركوا " محمول على المعنى وكأنه قال : أحرص من الناس على الحياة ومن الذين أشركوا . وإفراده بالذكر للمبالغة ، فإن حرصتم شديد إذ لم يعرفوا إلا الحياة العاجلة ، والزيادة في التوبيخ والتقريع ، فإنهم لما زاد حرصهم ـ وهم مقرون بالجزاء على حرص المنكرين ـ دل ذلك على علمهم بأنهم صائرون إلى النار ، ويجوز أن يراد وأحرص من الذين أشركوا ، فحذف أحرص لدلالة الأول عليه ، وأن يكون خبر مبتدأ محذوف صفته " يود أحدهم " على أنه أريد بالذين أشركوا اليهود لأنهم قالوا : " عزير ابن الله " ، أي : ومنهم ناس يود أحدهم ، وهو على الأولين بيان لزيادة حرصهم على طريقة الاستئناف . " لو يعمر ألف سنة " حكاية لودادتهم ، ولو بمعنى ليت وكان أصله : لو أعمر ، فأجرى على الغيبة لقوله : يود ، كقولك حلف بالله ليفعلن " وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر " الضمير لأحدهم ، وأن يعمر فاعل مزحزحه ، أي وما أحدهم بمن يزحزحه من العذاب تعميره ، أو لما دل عليه يعمر . وأن يعمر بدل منه . أو منهم ، وأن يعمر موضحه وأصل سنة سنوة لقولهم سنوات . وقيل سنهة كجبهة لقولهم سانهته وتسنهت النخلة إذا أتت عليها السنون ، والزحزحة التبعيد " والله بصير بما يعملون " فيجازيهم .

97-" قل من كان عدواً لجبريل " "نزل في عبد الله بن صوريا ، سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عمن ينزل عليه الوحي ؟ فقال : جبريل ، فقال : ذاك عدونا عادانا مراراً ، وأشدها أنه أنزل على نبينا أن بيت المقدس سيخربه بختنصر ، فبعثنا من يقتله فرآه ببابل فدفع عنه جبريل . وقال : إن كان ربكم أمره بهلاككم فلا يسلطكم عليه وإلا فيم تقتلونه ؟" . وقيل :" دخل عمر رضي الله تعالى عنه مدارس اليهود يوماً ، فسألهم عن جبريل فقالوا : ذاك عدونا يطلع محمداً على أسرارنا وإنه صاحب كل خسف وعذاب ، وميكائيل صاحب الخصب والسلام ،فقال : وما منزلتهما من الله ؟ قالوا : جبريل عن يمينه وميكائيل عن يساره وبينهما عداوة ، فقال ، لئن كانا كما تقولون فليسا بعدوين ولأنتم أكفر من الحمير ، ومن كان عدو أحدهما فهو عدو الله . ثم رجع عمر فوجد جبريل قد سبقه بالوحي فقال عليه الصلاة والسلام لقد وافقك ربك يا عمر " . وفي جبريل ثمان لغات قرئ بهن أربع في : المشهور جبرئيل كسلسبيل قراءة حمزة و الكسائي / و " جبريل " بكسر الراء وحذف الهمزة قراءة ابن كثير ، و جبرئيل كجحموش قراءة عاصم برواية أبي بكر ، و " جبريل " كقنديل قراءة الباقين . وأربع في الشواذ : جبرائيل كجبراعيل ، و جبريل وجبرين ومنع صرفه للعجمة ، والتعريف ، ومهناه عبد الله . " فإنه نزله " البارز الأول لجبريل ، والثاني للقرآن ، وإضماره غير مذكور يدل على فخامة شأنه كأنه لتعينه وفرط شهرته لم يحتج إلى سبق ذكره . " على قلبك " فإنه القابل الأول للوحي ، ومحل الفهم والحفظ ، وكان حقه على قلبي لكنه جاء على حكاية كلام الله تعالى كأنه قال : قل ما تكلمت به " بإذن الله " بأمره ، أو تيسيره حال من فاعله نزله . " مصدقاً لما بين يديه وهدى وبشرى للمؤمنين " أحوال من مفعوله ، والظاهر أن جواب الشرط " فإنه نزله " ، والمعنى من عادى منهم جبريل فقد خلع ربقه الإنصاف ، أو كفر بما معه من الكتاب بمعاداته إياه لنزوله عليك بالوحي ، لأنه نزول كتاباً مصدقاً للكتب المتقدمة ، فحذف الجواب وأقيم علته مقامه ، أو من عاداه فالسبب في عداوته أنه نزله عليك . وقيل محذوف مثل : فليمت غيظاً ، أو فهو عدو لي وأنا عدو له . كما قال :

98-" من كان عدواً لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدو للكافرين " أراد بعداوة الله مخالفة عناداً ، أو معاداة المقربين من عبادة ، وصدر الكلام بذكره تفخيماً لشأنهم كقوله تعالى : " والله ورسوله أحق أن يرضوه " . وأفرد الملكين بالذكر لفضلهما كأنهما من جنس آخر ، والتنبيه على أن معاداة الواحد والكل سواء في الكفر واستجلاب العداوة من الله تعالى ،وأن من عادى أحدهم فكأنه عادى الجميع ، إذ الواجب لعداوتهم ومحبتهم على الحقيقة واحد ، ولأن المحاجة كانت فيهما . ووضع الظاهر موضع المضمر للدلالة على أنه تعالى عاداهم لكفرهم ، وأن عداوة الملائكة والرسل كفر . وقرأ نافع ميكائيل كميكاعل ، و أبو عمرو و يعقوب و عاصم برواية حفص " ميكال " كميعاد ، والباقون ميكائيل بالهمزة والياء بعدها . وقرئ ميكئل كميكعل ، و ميكئيل كميكعيل ، وميكايل .

99-" ولقد أنزلنا إليك آيات بينات وما يكفر بها إلا الفاسقون " أي المتمردون من الكفرة ، والفسق إذا استعمل في نوع من المعاصي دل على عظمه كأنه متجاوز عن حده . نزل في ابن صوريا حين قال لرسوله صلى الله عليه وسلم ، ما جئتنا بشئ نعرفه ، وما أنزل عليك من آية فنتبعك .

100-" أو كلما عاهدوا عهدا " الهمزة للإنكار ، والواو للعطف على محذوف تقديره أكفروا بالآيات وكلما عاهدوا ،وقرئ بسكون الواو على أن التقدير إلا الذين فسقوا ، " أو كلما عاهدوا " ، وقرئ عوهدوا و عهدوا . " نبذه فريق منهم " نقضه ، وأصل النبذ الطرح ، لكنه يغلب فيما ينسى ، وإنما قال فريق لأن بعضهم لم ينقض " بل أكثرهم لا يؤمنون " رد لما يتوهم من أن الفريق هم الأقلون ، أو أن من لم ينبذ جهاراً فهم مؤمنون به خفاء .

101-" ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم " كعيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام . " نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله " يعني التوراة ، لأن كفرهم بالرسول المصدق لها كفر بها فيما يصدقه ، ونبذ لما فيها من وجوب الإيمان بالرسل المؤيدين بالآيات . وقيل ما مع الرسول صلى الله عليه وسلم هو القرآن . " وراء ظهورهم " مثل لإعراضهم عنه رأساً ، بالإعراض عما يرمي به وراء الظهر لعدم الالتفات إليه . " كأنهم لا يعلمون " أنه كتاب الله ، يعني أن علمهم به رصين ولكن يتجاهلون عناداً . واعلم أنه تعالى دل بالآيتين على أن جيل اليهود أربع فرق : فرقة آمنوا بالتوراة وقاموا بحقوقها كمؤمني أهل الكتاب وهم الأقلون المدلول عليهم بقوله : " بل أكثرهم لا يؤمنون " . وفرقة جاهروا بنبذ عهودها وتخطي حدودها تمرادً وفسوقاً ، وهم المعنيون بقوله : " نبذه فريق منهم " . وفرقة لم يجاهروا بنبذها ولكن نبذوا لجهلهم بها وهم الأكثرون . وفرقة تمسكوا بها ظاهراً ونبذوها خفية عالمين بالحال ، بغياً وعناداً وهم المتجاهلون .