islamkingdomfaceBook islamkingdomtwitter islamkingdominstagram islamkingdomyoutube islamkingdomnew


127-" وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت " حكاية حال ماضية ، و " القواعد " جمع قاعدة وهي الأساس صفة غالبة من القعود ، بمعنى الثبات ، ولعله مجاز من المقابل للقيام ، ومنه قعدك الله ، ورفعها البناء عليها فإنه ينقلها عن هيئة الانخفاض إلى هيئة الارتفاع ، ويحتمل أن يراد بها سافات البناء فإن كل ساف قاعدة ما يوضع فوقه ويرفعها بناؤها . وقيل المراد رفع مكانته وإظهار شرفه بتعظيمه ، ودعاء الناس إلى حجة . وفي إبهام القواعد وتبيينها تفخيم لشأنها . " وإسماعيل " كان يتناوله الحجارة ، ولكنه لما كان له مدخل في البناء عطف عليه . وقيل : يبنيان في طرفين ، أو على التناوب . " ربنا تقبل منا " أي يقولان ربنا تقبل منا ، وقد قرئ به والجملة حال منهما . " إنك أنت السميع " لدعائنا " العليم " بنياتنا .

128-" ربنا واجعلنا مسلمين لك " مخلصين لك ، من أسلم وجهه ، أو مستسلمين من أسلم إذا استسلم وانقاد ، والمراد طلب الزيادة في الإخلاص والإذعان ، أو الثبات عليه . وقرئ " مسلمين " على أن المراد أنفسهما وهاجر . أو أن التثنية من مراتب الجمع . " ومن ذريتنا أمة مسلمة لك " أي واجعل بعض ذريتنا ، وإنما خصا الذرية بالدعاء لأنهم أحق بالشفقة ، ولأنهم إذا صلحوا صلح بهم الأتباع ، وخصا بعضهم لما أعلما أن في ذريتهما ظلمة ، وعلما أن الحكمة الإلهية لا تقتضي الاتفاق على الإخلاص والإقبال الكلي على الله تعالى ، فإنه مما يشوش المعاش ، ولذلك قيل : لولا الحمقى لخربت الدنيا ، وقيل : أراد بالأمة أمة محمد صلى الله عليه وسلم ،و يجوز أن تكون من للتبيين كقوله تعالى : " وعد الله الذين آمنوا منكم " قدم على المبين وفصل به بين العاطف والمعطوف كما في قوله تعالى : " خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن " . " وأرنا " من رأى بمعنى أبصر ، أو عرف ، ولذلك لم يتجاوز مفعولين " مناسكنا " متعبداتنا في الحج ، أو مذابحنا . والنسك في الأصل غاية العبادة وشاع في الحج لما فيه من الكلفة والبعد عن العادة . وقرأ ابن كثير و والسوسي عن أبي عمرو و يعقوب " أرنا " . قياساً على فخذ في فخذ ، وفيه إجحاف لأن الكسرة منقولة من الهمزة الساقطة دليل عليها . وقرأ الدوري عن أبي عمرو بالاختلاس " وتب علينا " استتابة لذريتهما ، أو عما فرط منهما سهواً . ولعلهما قالا هضما لأنفسهما وإرشادً لذريتهما " إنك أنت التواب الرحيم " لمن تاب .

129-" ربنا وابعث فيهم " في الأمة المسلمة " رسولاً منهم " ولم يبعث من ذريتهما غير محمد صلى الله عليه وسلم ، فهو المجاب به دعوتهما كما قال عليه الصلاة والسلام " أنا دعوة إبراهيم ، وبشرى عيسى ، ورؤيا أمي " . " يتلو عليهم آياتك " يقرأ عليهم ويبلغهم ما توحي إليه من دلائل التوحيد والنبوة . " ويعلمهم الكتاب " القرآن . " والحكمة " ما تكمل به نفوسهم من المعارف والأحكام . " ويزكيهم " عن الشرك والمعاصي " إنك أنت العزيز " الذي لا يقهر ولا يغلب على ما يريد " الحكيم " المحكم له .

130-" ومن يرغب عن ملة إبراهيم " استبعاد وإنكار لأن يكون أحد يرغب عن ملته الواضحة الغراء ، أي لا يرغب أحد من ملته . " إلا من سفه نفسه " إلا من استمهنها وأذلها واستخف بها . قال المبرد و ثعلب سفه بالكسر متعد وبالضم لازم ، ويشهد له ما جاء في الحديث " الكبر أن تسفه الحق ، وتغمص الناس " . وقيل : أصله سفه نفسه على الرفع ، فنصب على التمييز نحو غبن رأيه وألم رأسه ، وقول النابغة الذبياني : ونأخذ بعده بذناب عيش أجب الظهر ليس له سنام أو سفه في نفسه ، فنصب بنزع الخافض . والمستثنى في محل الرفع على المختار بدلاً من الضمير في يرغب لأنه في معنى النفي ، " ولقد اصطفيناه في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين " حجة وبيان لذلك ، فإن من كان صفوة العباد في الدنيا مشهوداً له بالاستقامة والصلاح يوم القيامة ، كان حقيقاً بالاتباع له لا يرغب عنه إلا سفيه ، أو متسفه أذل نفسه بالجهل والإعراض عن النظر .

131-" إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين " ظرف لـ " اصطفيناه " ، أو تعليل له ، أو منصوب بإضمار اذكر . كأنه قيل : اذكر ذلك الوقت لتعلم أنه المصطفى الصالح المستحق للإمامة والتقدم ، وأنه نال ما نال بالمبادرة إلى الإذعان وإخلاص السر حين ، دعاه ربه وأخطر بباله دلائله المؤدية إلى المعرفة الداعية إلى الإسلام . روي أنها نزلت لما دعا عبد الله بن سلام ابني أخيه : سلمة ومهاجراً إلى الإسلام ، فأسلم سلمة وأبي مهاجر .

132-" ووصى بها إبراهيم بنيه " التوصية هي التقدم إلى الغير بفعل فيه صلاح وقربة ، وأصلها الوصل يقال : وصاه إذا وصله ، وفصاه : إذا فصله ، كأن الموصي يصل فعلة بفعل الموصى ، والضمير في بها للملة ، أو لقوله أسلمت على تأويل الكلمة ، أو الجملة وقرأ نافع و ابن عامر وأوصى والأول أبلغ " ويعقوب " عطف على إبراهيم ، أي ووصى هو أيضاً بها بنيه . وقرئ بالنصب على أنه ممن وصاه إبراهيم " يا بني " . على إضمار القول عند البصريين ، متعلق بوصى عند الكوفيين لأنه نوع منه ونظيره : رجلان من ضبة أخبرانا أنا رأينا رجلاً عريانا بالكسر ، وبنو إبراهيم كانوا أربعة : إسماعيل وإسحاق ومدين ومدان . وقيل : ثمانية . وقيل : أربعة عشر : وبنو يعقوب إثنا عشر : روبيل وشمعون ولاوي ويهوذا ويشسوخور وبولون وتفتوني ودون وكودا وأوشير وبنيامين ويوسف " إن الله اصطفى لكم الدين " دين الإسلام الذي هو صفوة الأديان لقوله تعالى : " فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون " ظاهره النهي عن الموت على خلاف حال الإسلام ،والمقصود هو النهي عن أن يكونوا على خلاف تلك الحال إذا ماتوا ، والأمر بالثبات على الإسلام كقولك : لا تصل إلا وأنت خاشع ، تغيير العبارة للدلالة على أن موتهم لا على الإسلام موت لا خير فيه ، وأن من حقه أن لا يحل بهم ، ونظيره في الأمر مت وأنت شهيد . وروي أن اليهود قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم : ألست تعلم أن يعقوب أوصى بنيه باليهودية يوم مات فنزلت .

133-" أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت " أم منقطعة ومعنى الهمزة فيها الإنكار ، أي ما كنتم حاضرين إذ حضر يعقوب الموت وقال لبنيه ما قال فلم تدعون اليهودية عليه ، أو متصلة محذوف تقديره أكنتم غائبين أم كنتم شاهدين . وقيل : الخطاب للمؤمنين والمعنى ما شاهدتم ذلك وإنما علمتموه بالوحي وقرئ " حضر " بالكسر . " إذ قال لبنيه " بدل من " إذ حضر " . " ما تعبدون من بعدي " أي : شيء تعبدونه ، أراد به تقريرهم على التوحيد والإسلام ، وأخذ ميثاقهم على الثبات عليهما ، وما يسأل به عن كل شيء ما لم يعرف ، فإذا عرف خص العقلاء بمن إذا سئل عن تعيينه ، وإن سئل عن وصفه قيل : ما زيد أفقيه أم طبيب . " قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق " المتفق على وجوده وألوهيته ووجوب عبادته ، وعد إسماعيل من آبائه تغليباً للأب والجد ، أو لأنه كالأب لقوله عليه الصلاة والسلام : " عم الرجل صنو أبيه " . كما "قال عليه الصلاة والسلام في العباس رضي الله عنه هذا بقية آبائي " . وقرئ إله أبيك ، على أنه جمع بالواو والنون كما قال : ولما تبين أصواتنا بكين وفديننا بالأبينا أو مفرد وإبراهيم وحده عطف بيان . " إلهاً واحداً " بدل من إله آبائك كقوله تعالى : " بالناصية * ناصية كاذبة " . وفائدته التصريح بالتوحيد ، ونفي التوهم الناشئ من تكرير المضاف لتعذر العطف على المجرور والتأكيد ، أو نصب على الاختصاص " ونحن له مسلمون " حال من فاعل نعبده ، أو مفعوله ، أو منهما ، ويحتمل أن يكون اعتراضاً .

134-" تلك أمةً قد خلت " يعني إبراهيم ويعقوب وبنيهما ، والأمة في الأصل المقصود وسمي بها الجماعة ، لأن الفرق تؤمها . " لها ما كسبت ولكم ما كسبتم " لكل أجر عمله ، والمعنى أن انتسابكم إليهم لا يوجب انتفاعكم بأعمالهم ، وإنما تنتفعون بموافقتهم واتباعهم ، كما قال عليه الصلاة والسلام : " لا يأتيني الناس بأعمالهم وتأتوني بأنسابكم " " ولا تسألون عما كانوا يعملون " أي لا تؤخذون بسيئاتهم كما لا تثابون بحسناتهم .