islamkingdomfaceBook islamkingdomtwitter islamkingdominstagram islamkingdomyoutube islamkingdomnew


142-" سيقول السفهاء من الناس " الذين خفت أحلامهم ، واستمهنوها بالتقليد والإعراض عن النظر . يريد به المنكرين لتغيير القبلة من المنافقين واليهود والمشركين . وفائدة تقديم الأخبار به توطين النفس وإعداد الجواب وإظهار المعجزة . " ما ولاهم " ما صرفهم . " عن قبلتهم التي كانوا عليها " يعني بيت المقدس ، والقبلة في الأصل الحالة التي عليها الإنسان من الاستقبال ، فصارت عرفاً للمكان المتوجه نحوه للصلاة " قل لله المشرق والمغرب " لا يختص به مكان دون مكان بخاصية ذاتية تمنع إقامة غيره مقامه ، وإنما العبرة بارتسام أمره لا بخصوص المكان " يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم " وهو ما ترتضيه الحكمة ، وتقتضيه المصلحة من التوجه إلى بيت المقدس تارة ، والكعبة أخرى .

143-" وكذلك " إشارة إلى مفهوم الآية المتقدمة ، أي كما جعلناكم مهديين إلى الصراط المستقيم ، أو جعلنا قبلتكم أفضل القبل . " جعلناكم أمةً وسطاً " أي خياراً ، أو عدولاً مزكين بالعلم والعمل . وهو في الأصل اسم للمكان الذي تستوي إليه المساحة من الجوانب ، ثم استعير للخصال المحمودة لوقوعها بين طرفي إفراط وتفريط ، كالجود بين الإسراف والبخل ، والشجاعة بين التهور والجبن ، ثم أطلق على المتصف بها ، مستوياً فيه الواحد والجمع ، والمذكر والمؤنث كسائر الأسماء التي وصف بها ، واستدل به على أن الإجماع حجة إذ لو كان فيما اتفقوا عليه باطل لانثلمت به عدالتهم " لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً " علة للجعل ، أي لتعلموا بالتأمل فيما نصب لكم من الحجج ، وأنزل عليكم من الكتاب أنه تعالى ما بخل على أحد وما ظلم ، بل أوضح السبل وأرسل الرسل ، فبلغوا ونصحوا . ولكن الذين كفروا حملهم الشقاء على اتباع الشهوات ، والإعراض عن الآيات ،فتشهدون بذلك على معاصريكم وعلى الذين من قبلكم ، أو بعدكم . روي "أن الأمم يوم القيامة يجحدون تبليغ الأنبياء ، فيطالبهم الله ببينة التبليغ ـ وهو أعلم بهم ـ إقامة للحجة على المنكرين ، فيؤتى بأمة محمد صلى الله عليه وسلم فيشهدون ، فتقول الأمم من أين عرفتم ؟ فيقولون : علمنا ذلك بإخبار الله تعالى في كتابه الناطق على لسان نبيه الصادق ، فيؤتى بمحمد صلى الله عليه وسلم فيسأل عن حال أمته ، فيشهد بعدالتهم" وهذه الشهادة وإن كانت لهم لكن لما كان الرسول عليه السلام كالرقيب المهيمن على أمته عدى بعلى ، وقدمت الصلة للدلالة على اختصاصهم يكون الرسول شهيداً عليهم . " وما جعلنا القبلة التي كنت عليها " أي الجهة التي كنت عليها ، وهي الكعبة فإنه عليه الصلاة والسلام كان يصلي إليها بمكة ،ثم لما هاجر أمر بالصلاة إلى الصخرة تألفاً لليهود . أو الصخرة لقول ابن عباس رضي الله عنهما ( كانت قبلته بمكة بيت المقدس إلا أنه كان يجعل الكعبة بينه وبينها فالمخبر به على الأول الجعل الناسخ ، وعلى الثاني المنسوخ . والمعنى أن أصل أمرك أن تستقبل الكعبة ، وما جعلنا قبلتك بيت المقدس . " إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه " ألا لنمتحن به الناس ونعلم من يتبعك في الصلاة إليها ، ممن يرتد عن دينك إلفاً لقبلة آبائه . أو لنعلم الآن من يتبع الرسول ممن لا يتبعه ، وما كان لعارض يزول بزواله . وعلى الأول معناه : ما رددناك إلى التي كنت عليها ، إلا لنعلم الثابت على الإسلام ممن ينكص على عقبيه لقلقه وضعف إيمانه . فإن قيل : كيف يكون علمه تعالى غاية الجمل وهو لم يزل عالماً . قلت : هذا وأشباهه باعتبار التعلق الحالي الذي هو مناط الجزاء ، والمعنى ليتعلق علمنا به موجوداً . وقيل : ليعلم رسوله والمؤمنون لكنه أسنده إلى نفسه لأنهم خواصه ، أو لتميز الثابت من المتزلزل كقوله تعالى : " ليميز الله الخبيث من الطيب " فوضع العلم موضع التمييز المسبب عنه ، ويشهد له قراءة ليعلم على البناء للمفعول ، والعلم إما بمعنى المعرفة ، أو معلق لما في من من معنى الاستفهام ، أو مفعوله الثاني ممن ينقلب ، أي لنعلم من يتبع الرسول متميزاً ممن ينقلب . " وإن كانت لكبيرةً " إن هي المخففة من الثقيلة ، واللام هي الفاصلة . وقال الكوفيون هي النافية واللام بمعنى إلا . والضمير لما دل عليه قوله تعالى : " وما جعلنا القبلة التي كنت عليها " من الجعلة ، أو الردة ، أو التولية ، أو التحويلة ، أو القبلة . وقرئ لكبيرة بالرفع فتكون كان زائدة " إلا على الذين هدى الله " إلى حكمة الأحكام الثابتين على الإيمان والاتباع " وما كان الله ليضيع إيمانكم " أي ثباتكم على الإيمان . وقيل : إيمانكم بالقبلة المنسوخة ، أو صلاتكم إليها لما روي : " أنه عليه السلام لما وجه إلى الكعبة قالوا : كيف بمن مات يا رسول الله قبل التحويل من إخواننا فنزلت " " إن الله بالناس لرؤوف رحيم " فلا يضيع أجورهم ولا يدع صلاحهم ، ولعله قدم الرؤوف وهو أبلغ محافظة على الفواصل وقرأ الحرميان و ابن عامر و حفص لرؤوف بالمد ، والباقون بالقصر .

144-" قد نرى " ربما نرى " تقلب وجهك في السماء " تردد وجهك في جهة السماء تطلعاً للوحي ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقع في روعه ويتوقع من ربه أن يحوله إلى الكعبة ، لأنها قبلة أبيه إبراهيم ، وأقدم القبلتين وأدعى للعرب إلى الإيمان ، ولمخالفة اليهود ، وذلك يدل على كمال أدبه حيث انتظر ولم يسأل " فلنولينك قبلةً " فلنمكننك من استقبالها من قولك : وليته كذا ، إذا صيرته والياً له ، أو فلنجعلنك تلي جهتها " ترضاها " تحبها وتتشوق إليها ، لمقاصد دينية وافقت مشيئة الله وحكمته . " فول وجهك " اصرف وجهك . " شطر المسجد الحرام " نحوه . وقيل : الشطر في الأصل لما انفصل عن الشيء إذا انفصل ، ودار شطور : أي منفصلة عن الدور ، ثم استعمل لجانبه ، وإن لم ينفصل كالقطر ، والحرام المحرم أي محرم فيه القتال ، أو ممنوع من الظلمة أن يتعرضوه ، وإنما ذكر المسجد دون الكعبة لأن عليه الصلاة والسلام كان في المدينة ، والبعيد يكفيه مراعاة الجهة ، فإن استقبال عينها حرج عليه بخلا القريب . روي : " أنه عليه الصلاة والسلام قدم المدينة ، فصلى نحو بيت المقدس ستة عشر شهراً ، ثم وجه إلى الكعبة في رجب بعد الزوال قبل قتال بدر بشهرين " . " وقد صلى بأصحابه في مسجد بني سلمة ركعتين من الظهر ، فتحول في الصلاة واستقبل الميزاب ، وتبادل الرجال والنساء صفوفهم ، فسمي المسجد مسجد القبلتين " . " وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره " خص الرسول بالخطاب تعظيماً له وإيجاباً لرغبته ، ثم عمم تصريحاً بعموم الحكم وتأكيداً لأمر القبلة وتضيضاً للأمة على المتابعة . " وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم " أنه صلى الله عليه وسلم يصلي إلى القبلتين ، والضمير للتحويل أو التوجه " وما الله بغافل عما تعملون " وعد ووعيد للفريقين . وقرأ ابن عامر و حمزة و الكسائي بالياء .

145-" ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية " برهان وحجة على أن الكعبة قبلة ، واللام موطئة للقسم " ما تبعوا قبلتك " جواب للقسم المضمر ، والقسم وجوابه ساد مسد جواب الشرط ، والمعنى ما تركوا قبلتك لشبهة تزيلها بالحجة ، وإنما خالفوك مكابرة وعناداً . " وما أنت بتابع قبلتهم " قطع لأطماعهم ، فإنهم قالوا : لو ثبت على قبلتنا لكنا نرجو أن تكون صاحبنا الذي ننتظره ، تغريراً له وطمعاً في رجوعه ، وقبلتهم وإن تعددت لكنها متحدة بالبطلان ومخالفة الحق . " وما بعضهم بتابع قبلة بعض " فإن اليهود تستقبل الصخرة ، والنصارى مطلع الشمس . لا يرجى توافقهم كما لا يرجى موافقتهم لك ، لتصلب كل حزب فيما هو فيه " ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم " على سبيل الفرض والتقدير ، أي : ولئن اتبعتهم مثلاً بعدما بان لك الحق وجاءك فيه الوحي " إنك إذاً لمن الظالمين " وأكد تهديده وبالغ فيه من سبعة أوجه : أحدها : الإتيان باللام الموطئة للقسم : ثانيها : القسم المضمر . ثالثها : حرف التحقيق وهو أن . رابعها : تركيبه من جملة فعلية وجملة اسمية . وخامسها : الإتيان باللام في الخبر . وسادسها : جعله من " الظالمين " ، ولم يقل إنك ظالم لأن في الاندراج معهم إيهاماً بحصول أنواع الظلم . وسابعها : التقييد بمجيء العلم تعظيماً للحق المعلوم ، وتحريصاً على اقتفائه وتحذيراً عن متابعة الهوى ، واستفظاعاً لصدور الذنب عن الأنبياء .