islamkingdomfaceBook islamkingdomtwitter islamkingdominstagram islamkingdomyoutube islamkingdomnew


164-" إن في خلق السموات والأرض " إنما جمع السموات وأفراد الأرض ، لأنها طبقات متفاصلة بالذات مختلفة بالحقيقة بخلاف الأرضين . " واختلاف الليل والنهار " تعاقبهما كقوله تعالى : " جعل الليل والنهار خلفةً " . " والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس " أي ينفعهم ، أو بالذي ينفعهم ، والقصد به إلى الاستدلال بالبحر وأحواله ، وتخصيص " الفلك " بالذكر لأنه سبب الخوض فيه والاطلاع على عجائبه ، ولذلك قدمه على ذكر المطر والسحاب ، لأن منشأهما البحر في غالب الأمر ، وتأنيث " الفلك " لأنه بمعنى السفينة . وقرئ بضمتين على الأصل ، أو الجمع وضمة الجمع غير ضمة الواحد عند المحققين . " وما أنزل الله من السماء من ماء " من الأولى للإبتداء ، والثانية للبيان . والسماء يحتمل الفلك والسحاب وجهة العلو . " فأحيا به الأرض بعد موتها " بالنبات " وبث فيها من كل دابة " عطف على أنزل ،كأنه استدل بنزول المطر وتكوين النبات به وبث الحيوانات في الأرض ، أو على أحيا فإن الدواب ينمون بالخصب ويعيشون بالحياة . والبث النشر والتفريق . " وتصريف الرياح " في مهابها وأحوالها ، وقرأ حمزة و الكسائي على الإفراد . " والسحاب المسخر بين السماء والأرض " لا ينزل ولا ينقشع ، مع أن الطبع يقتضي أحدهما حتى يأتي أمر الله تعالى . وقيل : مسخر الرياح تقلبه في الجو بمشيئة الله تعالى ، واشتقاقه من السحب لأن بعضه يجر بعضاً . " لآيات لقوم يعقلون " يتفكرون فيها وينظرون إليها بعيون عقولهم ، وعنه صلى الله عليه وسلم " ويل لمن قرأ هذه الآية فمج بها " أي لم يتفكر فيها . واعلم أن دلالة هذه الآيات على وجود الإله و وحدته من وجوه كثيرة يطول شرحها مفصلاً ، والكلام المجمل أنها : أمور ممكنة وجد كل منها بوجه مخصوص من وجوه محتملة وأنحاء مختلفة ، إذ كان من الجائز مثلاً أن لا تتحرك السموات ، أو بعضها كالأرض وأن تتحرك بعكس حركاتها ، وبحيث تصير المنطقة دائرة مارة بالقطبين ، وأن لا يكون لها أوج وحضيض أصلاً ،وعلى هذا الوجه لبساطتها وتساوي أجزائها ، فلا بد لها من موجه قادر حكيم ، يوجدها على ما تستدعيه حكمته وتقتضيه مشيئته ، متعالياً عن معارضة غيره ، إذ لو كان معه إله يقدر على ما يقدر عليه الآخر . فإن توافقت إرادتهما : فالفعل إن كان لهما ، لزم اجتماع مؤثرين على أثر واحد ، وإن كان لأحدهما ، لزم ترجيح الفاعل بلا مرجح وجز الآخر المنافي لآلهيته . وإن اختلفت : لزم التمانع والتطارد ، كما أشار إليه بقوله تعالى : " لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا " . وفي الآية تنبيه على شرف علم الكلام وأهله . وحث على البحث والنظر فيه .

165-" ومن الناس من يتخذ من دون الله أنداداً " من الأصنام . وقيل الرؤساء الذين كانوا يطيعونهم لقوله تعالى : " إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا " ولعل المراد أعم منهما وهو ما يشغله عن الله " يحبونهم " يعظمونهم ويطيعونهم " كحب الله " كتعظيمه والميل إلى طاعته ، أي يسوون بينه وبينهم في المحبة والطاعة ، والمحبة : ميل القلب من الحب ، استعير لحبة القلب ، ثم اشتق منه الحب لأنه أصابها ورسخ فيها ، ومحبة العبد لله تعالى إرادة طاعته و الإعتناء بتحصيل مراضيه ، ومحبة الله للعبد إرادة إكرامه واستعماله في الطاعة ، وصونه عن المعاصي . " والذين آمنوا أشد حباً لله " لأنه لا ينقطع محبتهم لله تعالى ، بخلاف محبة الإنداد فإنها لأغراض فاسدة موهومة تزول بأدنى سبب ،ولذلك كانوا يعدلون عن آلهتهم إلى الله تعالى عند الشدائد ،ويعبدون الصنم زماناً ثم يرفضونه إلى غيره . " ولو يرى الذين ظلموا " ولو يعلم هؤلاء الذين ظلموا باتخاذ الأنداد " إذ يرون العذاب " إذ عاينوه يوم القيامة . وأجرى المستقبل مجرى الماضي لتحققه كقوله تعالى : " ونادى أصحاب الجنة " . " أن القوة لله جميعاً " ساد مسد مفعولي " يرى " ، وجواب " لو " محذوف . أي لو يعلمون أن القوة لله جميعاً إذا عاينوا العذاب لندموا أشد الندم . وقيل هو متعلق الجواب والمفعولان محذوفان ، والتقدير : ولو يرى الذين ظلموا أندادهم لا تنفع ، لعلموا أن القوة لله كلها لا ينفع ولا يضر غيره . و قرأ ابن عامر و نافع و يعقوب : و لو ترى على أنه خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ، أي ولو ترى ذلك لرأيت أمراً عظيماً ، و ابن عامر : " إذ يرون " على البناء للمفعول ، و يعقوب " إن " بالكسر وكذا " وأن الله شديد العذاب " على الاستئناف ، أو إضمار القول .

166-" إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا " بدل من " إذ يرون " ، أي إذ تبرأ المتبوعون من الأتباع . وقرئ بالعكس ، أي تبرأ الأتباع من الرؤساء " ورأوا العذاب " أي رائين له ، والواو للحال ، وقد مضمرة . وقيل ، عطف على تبرأ " وتقطعت بهم الأسباب " يحتمل العطف على تبرأ ، أو رأوا والواو للحال ، والأول أظهر . و " الأسباب " : الوصل التي كانت بينهم من الأتباع والاتفاق على الدين ، والأغراض الداعية إلى ذلك . وأصل السبب : الحبل الذي يرتقي به الشجر . وقرئ و " تقطعت " على البناء للمفعول .

167-" وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرؤوا منا " " لو " للتمني ولذلك أجيب بالفاء ، أي ليت لنا كرة إلى الدنيا فنتبرأ منهم " كذلك " مثل ذلك الآراء الفظيع . " يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم " ندامات ، وهي ثالث مفاعيل يرى أن كان من رؤية القلب وإلا فحال " وما هم بخارجين من النار " أصله وما يخرجون ، فعدل به إلى هذه العبارة ، للمبالغة في الخلود والأقناط عن الخلاص والرجوع إلى الدنيا .

168-" يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالاً " نزلت في قوم حرموا على أنفسهم رفيع الأطعمة والملابس ، وحلالاً مفعول كلوا ، أو صفة مصدر محذوف ، أو حال مما في الأرض ومن للتبعيض إذ يؤكل كل ما في الأرض " طيباً " يستطيبه الشرع ، أو الشهوة المستقيمة . إذ الحلال دل على الأول . " ولا تتبعوا خطوات الشيطان " لا تقتدوا به في إتباع الهوى فتحرموا الحلال وتحللوا الحرام . وقرأ نافع و أبو عمرو و حمزة و البزي و أبو بكر حيث وقع بتسكين الطاء وهما لغتان في جمع خطوة ،وهي ما بين قدمي الخاطي . وقرئ بضمتين وهمزة جعلت ضمة الطاء كأنها عليها ،و بفتحتين على أنه جمع خطوة وهي المرة من الخطو " إنه لكم عدو مبين " ظاهر العداوة عند ذوي البصيرة وإن كان يظهر الموالاة لمن يغويه ، ولذلك سماه ولياً في قوله تعالى : " أولياؤهم الطاغوت " .

169-" إنما يأمركم بالسوء والفحشاء " بيان لعداوته ، ووجوب التحرز عن متابعته .واستعير الأمر لتزيينه وبعثه لهم على الشر تسفيهاً لرأيهم وتحقيراً لشأنهم ،والسوء والفحشاء ما أنكره العقل واستقبحه الشرع ، والعطف لاختلاف الوصفين فإنه سوء لاغتمام العاقل به ، وفحشاء باستقباحه إياه . وقيل : السوء يعم القبائح ، والفحشاء ما يتجاوز الحد في القبح من الكبائر . وقيل : الأول ما لا حد فيه ، والثاني ما شرع فيه الحد " وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون " كاتخاذ الأنداد وتحليل المحرمات وتحريم الطيبات ،وفيه دليل على المنع من اتباع الظن رأساً . وأما اتباع المجتهد لما أدى إليه ظن مستند إلى مدرك شرعي فوجوبه قطعي ، والظن في طريقة كما بيناه في الكتب الأصولية .