islamkingdomfaceBook islamkingdomtwitter islamkingdominstagram islamkingdomyoutube islamkingdomnew


6- " إن الذين كفروا " لما ذكر خاصة عبادة ، وخلاصة أولياء بصفاتهم التي أهلتهم للهدى والفلاح ، عقبهم بأضدادهم العتاة المردة ، الذين لا ينفع فيهم الهدى ولا تغني عنهم الآيات والنذر ، ولم يعطف قصتهم على قصة المؤمنين كما عطف في قوله تعالى ، " إن الأبرار لفي نعيم * وإن الفجار لفي جحيم " لتباينهم في الغرض ، فإن الأولى سيقت لذكر الكتاب وبيان شأنه والأخرى مسوقة لشرح تمردهم ، وانهماكهم في الضلال ، و (إن ) من الحروف التي تشابه الفعل في عدد الحروف والبناء على الفتح ولزوم الأسماء وإعطاء معانيه ، والمتعدي خاصة في دخولها على اسمين . ولذلك أعلمت عمله الفرعي وهو نصب الجزء الأول ورفع الثاني إيذاناً بأنه فرع في العمل دخيل فيه . وقال الكوفيين : الخبر قبل دخولها كان مرفوعاً بالخبرية ، وهي بعد باقية مقتضية للرفع قضية للاستصحاب فلا يرفعه الحرف . وأجيب بأن اقتضاء الخبرية الرفع مشروط بالتجرد لتخلفه عنها في خير كان ، وقد زال بدخولها فتعين أعمال الحرف . وفأئدتها تأكيد النسبة وتحقيقها ، ولذلك يتلقى بها القسم ويصدر بها الأجوبة ، وتذكر في معرض الشك مثل قوله تعالى : " ويسألونك عن ذي القرنين قل سأتلو عليكم منه ذكرا * إنا مكنا له في الأرض " ، " وقال موسى يا فرعون إني رسول من رب العالمين " قال المبرد ( قولك : عبدالله قائم ، إخبار عن قيامه ، وإن عبدالله قائم ، جواب سائل عن قيامه ، وإن عبدالله لقائم ، جواب منكر لقيامه ) . وتعريف الموصول : إما للعهد ، والمراد به ناس بأعيانهم كأبي لهب ، وأبي جهل ، والوليد بن المغيرة ، وأحبار اليهود ، أو للجنس ، متناولاً من صمم على الكفر ، وغيرهم ، فخص منهم غير المصرين بما أسند إليه . والكفر لغة : ستر النعمة ، وأصله الكفر بالفتح وهو الستر ، ومنه قيل للزارع ولليل كافر ، ولكمام الثمرة كافور . وفي الشرع : إنكار ما علم بالضرورة مجيئ الرسول صلى الله عليه وسلم به ، وإنما عد لبس الغيار وشد الزنار ونحوهما كفراً لأنها تدل على التكذيب ، فإن من صدق الرسول صلى الله عليه وسلم لا يجترئ عليها ظاهراً لا أنها كفر في أنفسها . واحتجت المعتزلة بما جاء في القرآن بلفظ الماضي على حدوثه لاستدعائه سابقة المخبر عنه ، وأجيب بأنه مقتضى التعليق وحدوثه لا يستلزم حدوث الكلام كما في العلم . " سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم " خبر إن وسواء اسم بمعنى الاستواء ، نعت به كما نعت بالمصادر قال الله تعالى : " تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم " رفع بأنه خبر إن وما بعده مرتفع به على الفاعلية كأنه قيل : إن الذين كفروا مستوا عليهم إنذارك وعدمه ، أو بأنه خبر لما بعده بمعنى : إنذارك وعدمه سيان عليهم ، وبالفعل إنما يمتنع الإخبار عنه إذا أريد به تمام ما وضع له ، أما لو أطلق وأريد به اللفظ ، أو مطلق الحدث المدلول عليه ضمناً على الاتساع فهو كالاسم في الإضافة ، والإسناد إليه كقوله تعالى : " وإذا قيل لهم آمنوا " وقوله : " يوم ينفع الصادقين صدقهم " وقولهم : تسمع بالمعيدي خير من أن تراه . وإنما عدل ههنا عن المصدر إلى الفعل لما فيه من إيهام التجدد وحسن دخول الهمزة ، وأم عليه لتقرير معنى الاستواء وتأكيده ، فإنهما جردتا عن معنى الاستفهام لمجرد الاستواء ، كما جردت حروف النداء عن الطلب لمجرد التخصيص في قولهم : اللهم اغفر لنا أيتها العصابة . والإنذار : التخويف أريد به التخويف من عذاب الله ، وإنما اقتصر عليه دون البشارة لأنه أوقع في القلب وأشد تأثيراً في النفس ، من حيث دفع الضر أهم من جلب النفع ، فإذا لم ينفع فيهم كانت البشارة بعدم النفع أولى ، وقرئ " أأنذرتهم " بتحقيق الهمزتين وتخفيف الثانية بين بين ، وقلبها ألفاً وهو لحن لأن المتحركة لا تقلب ، ولأنه يؤدي إلى جمع الساكنين على غير حده ، وبتوسط ألف بينهما محققتين ، وبتوسيطها والثانية بين بين وبحذف الاستفهامية ، وبحذفها وإلقاء حركتها على الساكن قبلها . " لا يؤمنون " جملة مفسرة لإجمال ما قبلها فيما فيه الاستواء فلا محل لها أو حال مؤكدة . أو بدل عنه . أو خبر إن والجملة قبلها اعتراض بما هو علة الحكم . و الآية مما احتج به من جوز تكليف ما لا يطاق ، فإنه سبحانه وتعالى أخبر عنهم بأنهم لا يؤمنون وأمرهم بالإيمان ، فلو آمنوا انقلب خبره كذباً . وشمل إيمانهم الإيمان بأنهم لا يؤمنون فيجتمع الضدان ، والحق أن التكليف بالمممتع لذاته وإن جاز عقلاً من حيث إن الأحكام لا تستدعي غرضاً سيما الامتثال ، لكنه غير واقع للاستقراء ، والإخبار بوقوع الشئ أة عدمه لا ينفي القدرة عليه كإخباره تعالى عما يفعله هو أو العبد باختياره ، وفائدة الإنذار بعد العلم بأنه لا ينجح إلزام الحجة ، وحيازة الرسول فضل الإبلاغ ، ولذلك قال " سواء عليهم " ولم يقل سواء عليك . كما قال لعبدة الأصنام " سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون " . وفي الآية إخبار بالغيب على ما هو به أن أريد بالموصول أشخاص بأعيانهم فهي من المعجزات .

7-" ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة " تعليل للحكم السابق وبيان لما يقتضيه . والختم الكتم ، سمي به الاستيثاق من الشئ يضرب الخاتم عليه لأنه كتم له والبلوغ آخره نظراً إلى أنه آخر فعل يفعل في إحرازه . والغشاوة : فعالة من غشاء إذا غطاه ، بنيت لما يشتمل على الشئ ، كالعصابة والعمامة ولا تغشية على الحقيقة ، وإنما المراد بهما أن يحدث في نفوسهم هيئة تمرنهم على استحباب الكفر والمعاصي ، واستقباح الإيمان والطاعات بسبب غيهم ، وانهماكهم في التقليد ، وأعراضهم عن النظر الصحيح ، فتجعل قلوبهم بحيث لا ينفذ فيها ، وأسماعهم تعاف استماعه فتصير كأنها مستوثق منها بالختم ، وأبصارهم لا تجتلي الآيات المنصوبة لهم في الأنفس والآفاق كما تجتليها أعين المستبصرين ، فتصير كأنها غطي عليها . وحيل بينها وبين الإبصار ، وسماه على الاستعارة ختماً وتغشية . أو مثل قلوبهم ومشاعرهم المؤوفة بها بأشياء ضرب حجاب بينها وبين الاستنفاع بها ختماً وتغطية ، وقد عبر عن إحداث هذه الهيئة بالطبع في قوله تعالى : " أولئك الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم " . وبالاغفال في قوله تعالى : " ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا " ، وبالاقساء في قوله تعالى : " وجعلنا قلوبهم قاسية " وهي من حيث إن الممكنات بأسرها مستندا إلى الله تعالى واقعة بقدرته أسندت إليه ومن حيث إنها مسببة مما اقترفوه بدليل قوله تعالى : " بل طبع الله عليها بكفرهم " وقوله تعالى : " ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا فطبع على قلوبهم " وردت الآية ناعية عليهم شناعة صفتهم ووخامة عاقبتهم . واضطربت المعتزلة فيه فذكروا وجوهاً من التأويل : الأول : أن القوم لما أعرضوا عن الحق وتمكن ذلك في قلوبهم حتى صار كالطبيعة لهم ، شبه بالوصف الخلقي المجبول عليه . الثاني : أن المراد به تمثيل حال قلوبهم بقلوب البهائم التي خلقها الله تعالى خالية عن الفطن . أو قلوب مقدر ختم الله عليها ، ونظيره : سال به الوادي إذا هلك . وطارت به العنقاء الثالث : أن ذلك في الحقيقة فعل الشيطان أو الكافر ، لكن لما كان صدوره عنه بإقداره تعالى إياه أسند إليه إسناد الفعل إلى المسبب . الرابع : أن أعراقهم لما رسخت في الكفر واستحكمت بحيث لم يبق طريق إلى تحصيل إيمانهم سوى الإلجاء والقسر ، ثم لم يقسرهم إبقاء على غرض التكليف ، عبر عن تركه بالختم فإنه سد لإيمانهم . وفيه إشعار على تمادي أمرهم في الغي وتناهي انهماكهم في الضلال والبغي . الخامس : أن يكون حكاية لما كان الكفرة يقولون مثل : " قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب " تهكماً واستهزاءً بهم [ و ] كقوله تعالى : " لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين " . السادس : أن ذلك في الآخرة ، وإنما أخبر عنه بالماضي لتحققه وتيقن وقوعه ويشهد له قوله تعالى : " ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكماً وصما ً " . السابع : أن المراد بالختم وسم قلوبهم بسمة تعرفها الملائكة فيبغضونهم وينفرون عنهم ، وعلى هذا المنهاج كلامنا وكلامهم فيما يضاف إلى الله تعالى من طبع وإضلال ونحوهما . و" على سمعهم " معطوف على قلوبهم لقوله تعالى : " وختم على سمعه وقلبه " وللوفاق على الوقف عليه ، ولأنهما لما اشتركا في الإدراك من جميع الجوانب جعل ما يمنعهما من خاص فعلهما الختم الذي يمنع من جميع الجهات ، وإدراك الأبصار لما اختص بجهة المقابلة جعل المانع لها عن فعلها الغشاوة المختصة بتلك الجهة ، وكرر الجار ليكون أدل على شدة الختم في الموضعين و استقلال كل منهما بالحكم . ووحد السمع للأمن من اللبس واعتبار الأصل ، فإنه مصدر في أصله والمصادر لا تجمع . أو على تقدير مضاف مثل وعلى حواس سمعهم . والأبصار جمع بصر وهو : إدراك العين ، وقد يطلق مجازاً على القوة الباصرة ، وعلى العضو وكذا السمع ، ولعل المراد بهما في الآ ية العضو لأنه أشد مناسبة للختم والتغطية ، وبالقلب ما هو محل العلم وقد يطلق ويراد به العقل والمعرفة كما قال تعالى : " إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب " . وإنما جاز إمالتها مع الصاد لأن الراء المكسورة تغلب المستعلية لما فيها من التكرير . وغشاوة رفع بالابتداء عند سيبويه ، وبالجار والمجرور عند الأخفش ، ويؤيد العطف على الجملة الفعلية . وقرئ بالنصب على تقدير ، وجعل على أبصارهم غشاوة ، أو على حذف الجار وإيصال الختم بنفسه إليه والمعنى . وختم على أبصارهم بغشاوة ، وقرئ بالضم والرفع ، وبالفتح والنصب وهما لغتان فيها . وغشوة بالكسر مرفوعة ، وبالفتح مرفوعة ومنصوبة وعشاوة بالعين الغير المعجمة . " ولهم عذاب عظيم " وعيد وبيان لما يستحقونه . والعذاب كالنكال بناءً ، ومعنى تقول : عذب عن الشئ ونكل عنه إذا أمسك ، ومنه الماء لأنه يقمع العطش ويردعه ولذلك سمي نقاخاً وفراتاً ، ثم اتسع فأطلق على كل قادح وإن لم يكن نكالاً ، أي : عقاباً يردع الجاني عن المعاودة فهو أعم منهما . وقيل أشتقاقه من التعذيب الذي هو إزالة العذب كالتقذية والتمريض . والعظيم نقيض الحقير، والكبير ، نقيض الصغير ، فكما أن الحقير دون الصغير ، فالعظيم فوق الكبير ، ومعنى التوصيف به إنه إذا قيس بسائر ما يجانسه قصر عنه جميعه وحقر بالإضافة إليه ومعنى التنكير في الآية أن على أبصارهم نوع غشاوة ليس مما يتعارفه الناس ، وهو التعامي عن الآيات ، ولهم من الآلام العظام لا يعلم كنهه إلا الله .

8-" ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر " لما افتتح سبحانه وتعالى بشرح حال الكتاب وساق لبيانه ، ذكر المؤمنين الذين أخلصوا دينهم لله تعالى وواطأت فيه قلوبهم ألسنتهم ، وثنى بأضدادهم الذين محضوا ظاهراً وباطناً ولم يلتفتوا لفتة رأساً ، ثلث بالقسم الثالث المذبذب بين القسمين ، وهم الذين آمنوا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم تكميلاً للقسم ، وهم أخبث وأبغضهم إلى الله لأنهم الكفر وخلصوا به خداعاً واستهزاءً ، ولذلك طول في بيان خبثهم وجعلهم واستهزأ بهم ، وتهكم بأفعالهم وسجل على عمههم وطغيانهم ، وضرب لهم الأمثال وأنزل فيهم " إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار " وقصتهم عن آخرها معطوفة على قصة المصريين . والناس أصله أناس لقولهم : إنسان وأنس وأناسي فحذفت الهمزة حذفها في لوقة وعوض عنها حرف التعريف ولذلك لا يكاد يجمع بينهما . وقوله : إن المنايا يطلعن على الإناس الآمنينا شاذ . وهو اسم جمع كرجال ، إذ لم يثبت في أبنية الجمع . مأخوذ من أنس لأنهم يستأنسون بأمثالهم . أو آنس لأنهم ظاهرون مبصرون ، ولذلك سموا بشراً كنا سمي الجن جناً لاجتنابهم . واللام فيه للجنس ، ومن موصولة إذ لا عهد فكأنه قال : ومن الناس ناس يقولون . أو للعهد والمعهود : هم الذين كفروا ، ومن موصولة مراد بها ابن أبي وأصحابه ونظراؤه ، فإنهم من حيث إنهم صمموا على النفاق دخلوا في عداد الكفار المختوم على قلوبهم ، واختصاصهم بزيادات زادوها على الكفر لا يأبى دخولهم تحت هذا الجنس ، فإن الأجناس إنما تتنوع بزيادات يختلف فيها أبعاضها فعلى هذا تكون الآية تقسيماً للقسم الثاني . واختصاص الإيمان بالله وباليوم الآخر بالذكر ، تخصيص لما هو المقصود الأعظم من الإيمان وادعاء بأنهم اجتازوا الإيمان من جانبيه وأحاطوا بقطريه ، وإيذان بأنهم منافقون فيما يظنون أنهم مخلصون فيه ، فكيف بما يقصدون به النفاق ، لأن القوم كانوا يهوداً وكانوا يؤمنون بالله وباليوم الآخر إيماناً كلا إيمان ، لاعتقادهم التشبيه واتخاذ الولد ، وإن الجنة لا يدخلها غيرهم ، وأن النار لا تمسهم إلا أياماً معدودة وغيرها ، ويرون المؤمنين أنهم آمنوا مثل إيمانهم . وبيان لتضاعف خبثهم وإفراطهم في كفرهم ، لأن ما قالوه لو صدر عنهم لا على وجه الخداع والنفاق وعقيدتهم لم يكن إيماناً ، فكيف وقد قالوه تمويهاً على المسلمين وتهكماً بهم . وفي تكرار الباء ادعاء الإيمان بكل واحد على الأصالة والاستحكام . والقول هو التلفظ بما يفيد ، ويقال بمعنى المقول ، وللمعنى المتصور في النفس المعبر عنه باللفظ وللرأي والمذهب مجازاً . والمراد باليوم الآخر من وقت الحشر إلى ما لا ينتهي . أو إلى أن يدخل أهل الجنة الجنة ، وأهل النار النار لأنه آخر الأوقات المحدودة . " وما هم بمؤمنين " إنكار ما ادعوه ونفي ما انتحلوا إثباته ، وكان أصله وما آمنوا ليطابق قولهم في التصريح بشأن الفعل دون الفاعل لكنه عكس تأكيداً . أو مبالغة في التكذيب ، لأن إخراج ذواتهم من عداد المؤمنين أبلغ من نفي الإيمان عنهم في ماضي الزمان ، ولذلك أكد النفي بالباء وأطلق الإيمان على معنى أنهم ليسوا من الإيمان في شئ ويحتمل أن يقيد بما قيدوا به لأنه جوابه . والآية تدل على أن من ادعى الإيمان وخالف قلبه لسانه بالاعتقاد لم يكن مؤمناً . لأن من تفوه بالشهادتين فارغ القلب عما يوافقه أو ينافيه لم يكن مؤمناً . والخلاف مع الكراهية في الثاني فلا ينهض حجة عليهم .

9-"يخادعون الله والذين آمنوا " الخدع أن توهم غيرك خلاف ما تخفيه من المكروه لتنزله عما هو فيه ، وعما هو بصدده من قولهم : خدع الضب . إذ توارى في جحره ، وضب خادع وخدع إذا أوهم الحارس إقباله عليه ، ثم خرج من باب آخر وأصله الإخفاء ومنه المخدع للخزانة ، والأخدعان لعرقين خفيين في العنق ، والمخادعة تكون بين اثنين . وخداعهم مع الله ليس على ظاهره لأنه لا تخفى عليه خافية ، ولأنهم لم يقصدوا خديعة . بل المراد إما مخادعة رسوله على حذف المضاف ، أو على أن معاملة الرسول معاملة الله من حيث إنه خليفته كما قال تعالى : " من يطع الرسول فقد أطاع الله " . " إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله " . وإما أن صورة صنيعهم مع الله تعالى من إظهار الإيمان واستبطان الكفر ، وصنع الله معهم بإجراء أحكام المسلمين عليهم ، وهم عنده أخبث الكفار وأهل الدرك الأسفل من النار ، استدراجاً وامتثال الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين أمر الله في إخفاء حالهم ، وإجراء حكم الإسلام عليهم مجازاة لهم بمثل صنيعهم صورة المتخادعين . ويحتمل أن يراد بـ" يخادعون" يخدعون لأنه بيان ليقول ، أو مجازاة لهم بمثل صنيعهم صورة صنيع المخادعين . ويحتمل أن يراد بـ" يخادعون " يخدعون لأنه بيان ليقول ، أو استئناف بذكر ما هو الغرض منه ، إلا أنه أخرج في زنة فاعل للمبالغة ، فإن الزنة لما كانت للمبالغة والفعل متى غولب فيه ، كان أبلغ منه إذا جاء بلا مقابلة معارض ومبار استصحبت ذلك ، ويعضده قراءة من قرأ " يخدعون " . وكان غرضهم في ذلك أن يدفعوا عن أنفسهم ما يطرق به من سواهم من الكفرة ، وأن يفعل بهم ما يفعل بالمؤمنين من الإكرام والإعطاء ، وأن يختلطوا بالمسلمين فيطلعوا على أسرارهم ويذيعوها إلى منابذيهم إلى غير ذلك من الأغراض والمقاصد . " وما يخدعون إلا أنفسهم " قراءة نافع و ابن كثير و وأبي عمرو والمعنى : أن دائرة الخداع راجعة إليهم وضررها يحيق بهم . أو أنهم في ذلك خدعوا أنفسهم لما غروها بذلك . وخدعتهم أنفسهم حيث حدثتهم بالأماني الفارغة وحملتهم على مخادعة من لا تخفى عليه خافية . وقرأ الباقون " وما يخدعون " ، لأن المخادعة لا تتصور إلا بين اثنين وقرئ و" يخدعون " من خدع و " يخدعون " بمعنى يختدعون و " يخدعون " و " يخادعون " على البناء للمفعول ، ونصب أنفسهم بنزع الخافض ، والنفس ذات الشئ وحقيقته ، ثم قيل للروح لأن نفس الحي به ، وللقلب لأنه محل الروح أو متعلقه ، وللدم لأن قوامها به ، وللماء لفرط حاجتها إليه ، وللرأي في قولهم فلان يؤامر نفسه لأنه ينبعث عنها أو يشبه ذاتاً تأمر وتشير عليه . والمراد ههنا ذواتهم ويحتمل حملها على أرواحهم وآرائهم . " وما يشعرون " لا يسون لذلك لتمادي غفلتهم . جعل لحوق وبال الخداع ورجوع ضرره إليهم في الظهور كالمحسوس الذي لا يخفى إلا على مؤوف الحواس . والشعور : الإحساس ، ومشاعر الإنسان حواسه ، وأصله الشعر ومنه الشعار .

10-" في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضاً " المرض حقيقة فيما يعرض للبدن فيخرجه عن الاعتدال الخاص به ويوجب الخلل في أفعاله . ومجاز في الأعراض النفسانية التي تخل بكمالها كالجهل وسوء العقيدة والحسد والضغينة وحب المعاصي ، لأنها مانعة من نيل الفضائل ، أو مؤدية إلى زوال الحياة الحقيقية الأبدية . والآية الكريمة تحتلهما فإن قلوبهم كانت متألمة تحرفاً على ما فات عنهم من الرياسة ، وحسداً على ما يرون من ثبات أمر الرسول صلى الله عليه وسلم واستعلاء شأنه يوماً فيوماً ، وزاد الله غمهم بما زاد في إعلاء أمر وإشادة ذكره ، ونفوسهم كانت موصوفة بالكفر وسوء الاعتقاد ومعاداة النبي صلى الله عليه وسلم ونحوها ، فزاد الله سبحانه وتعالى ذلك بالطبع . أو بازدياد التكاليف وتكرير الوحي وتضاعف النصر ، وكان إسناد الزيادة إلى الله تعالى من حيث إنه مسبب من فعله وإسنادها إلى السورة في قوله تعالى " فزادتهم رجساً " لكونها سبباً . ويحتمل أن يراد بالمرض ما تداخل قلوبهم من الجبن والخور حين شاهدوا شوكه المسلمين وإمداد الله تعالى لهم بالملائكة ، وقذف الرعب في قلوبهم وبزيادته تضعيفه بما زاد لرسول الله صلى الله عليه وسلم نصرة على الأعداء وتبسيطاً في البلاد . " ولهم عذاب أليم " أي : ألم فهو أليم كوجع فهو وجيع ، وصف به العذاب للمبالغة كقوله : تحية بينهم ضرب وجيع على طريقة قولهم : جد جده . " بما كانوا يكذبون " قرأها عاصم و حمزة و الكسائي ، والمعنى بسبب كذبهم ، أو ببدله جزاء لهم وهو قولهم آمنا . وقرأ الباقون " يكذبون " ، من كذبه لأنهم كانوا يكذبون الرسول عليه الصلاة والسلام بقلوبهم ، وإذا خلوا إلى شياطينهم . أو من كذب الذي هو للمبالغة أو للتكثير مثل بين الشئ وموتت البهائم . أو من كذب الوحشي إذا جرى شوطاً وقف لينظر ما وراءه فإن المنافق متحير متردد . والكذب : هو الخبر عن الشئ على خلاف ما هو به . وهو حرام كله لأنه علل به استحقاق العذاب حيث رتب عليه . وما روي أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام كذب ثلاثة كذبات ، فالمراد التعريض . ولكن لما شابه الكذب في صورته سمي به .

11-" وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض " عطف على " يكذبون " أو " يقول " . وما روي عن سلمان رضي الله عنه أن أهل هذه الآية لم يأتوا بعد فلعله أراد به أن أهلها ليس الذين كانوا فقط ، بل وسيكون من بعد من حاله حالهم لأن الآية متصلة بما قبلها بالضمير الذي فيها . والفساد : خروج الشئ عن الاعتدال . والصلاح ضده وكلاهما يعمان كل ضار ونافع . وكان من فسادهم في الأرض هيج الحروب والفتن بمخادعة المسلمين ، وممالأة الكفار عليهم بإفشاء الأسرار إليهم ، فإن ذلك يؤدي إلى فساد ما في الأرض من الناس والدواب والحرث . ومنه إظهار المعاصي والإهانة بالدين فإن الإخلال بالشرائع والإعراض عنها مما يوجب الهرج والمرج ويخل بنظام العالم . والقائل هو الله تعالى ، أو الرسول صلى الله عليه وسلم ، أو بعض المؤمنين . وقرأ الكسائي و هشام ( قيل ) بإشمام الضم الأول . " قالوا إنما نحن مصلحون " جواب لـ"إذا " رد للناصح على سبيل المبالغة ، والمعنى أنه لا يصح مخاطبتنا بذلك، فإن شأننا ليس إلا الإصلاح ، وإن حالنا متمحضة عن شوائب الفساد ، لأن إنما تفيد قصر ما دخلت عليه على ما بعده . مثل : إنما زيد منطلق ، وإنما ينطلق زيد ، وإنما قالوا ذلك : لأنهم تصوروا الفساد بصورة الصلاح لما في قلوبهم من المرض كما قال الله تعالى : " أفمن زين له سوء عمله فرآه حسناً " .

12-" ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون " رد لما ادعوه أبلغ رد للاستئناف به وتصديره بحرفي التأكيد : ( ألا ) المنبهة على تحقيق ما بعدها ، فأن همزة الاستفهام التي للإنكار إذا دخلت على النفي أفادت تحقيقاً ، ونظيره " أليس ذلك بقادر " ، ولذلك لا تكاد تقع الجملة بعدها إلا مصدرة بما يلتقي به القسم ، وأختها إما التي هي من طلائع القسم : وإن المقررة للنسبة ، وتعريف الخبر وتوسيط الفصل لرد ما في قولهم "إنما نحن مصلحون" من التعريض للمؤمنين ، والاستدراك بـ" لا يشعرون " .

13-" وإذا قيل لهم آمنوا " من تمام النصح والإرشاد فإن كمال الإيمان بمجموع الأمرين : الإعراض عما لا ينبغي وهو المقصود بقوله : " لا تفسدوا " ، والإتيان بما ينبغي وهو المطلوب بقوله : " آمنوا " . " كما آمن الناس " في النصب على المصدر ، وما مصدرية أو كافة مثلها في ربما ، واللام في الناس للجنس والمراد به الكاملون في الإنسانية العاملون بقضية العقل ، فإن اسم الجنس كما يستعمل لمسماه مطلقاً يستعمل لما يستجمع المعاني المخصوصة به والمقصودة منه ، ولذلك يسلب عن غيره فيقال : زيد ليس بإنسان ، ومن هذا الباب قوله تعالى : " صم بكم عمي " ونحوه وقد جمعهما الشاعر في قوله : إذ الناس ناس والزمان زمان أو للعهد ، والمراد به الرسول صلى الله عليه وسلم ومن معه . أو من آمن من أهل جلدتهم كابن سلام وأصحابه ، والمعنى آمنوا إيماناً مقروناً بالإخلاص متمحضاً عن شوائب النفاق مماثلاً لإيمانهم ، واستدل به على قبول توبة الزنديق وأن الإقرار باللسان إيمان وإن لم يفد التقييد . " قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء " الهمزة فيه للإنكار ، واللام مشار بها إلى الناس ، أو الجنس بأسره وهم مندرجون فيه على زعمهم ، وإنما سفهوهم لاعتقادهم فساد رأيهم ، أو لتحقير شأنهم ، فإن أكثر المؤمنين كانوا فقراء ومنهم موالي : كصهيب وبلال ، أو للتجلد وعدم المبالاة بمن آمن منهم إن فسر الناس بعبد الله بن سلام وأشياعه . والسفه : خفة وسخافة رأي يقتضيهما نقصان العقل ، والحلم يقابله . " ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون " رد ومبالغة في تجهيلهم ، فإن الجاهل بجهله الجازم على خلاف ما هو الواقع أعظم ضلاله وأتم جهالة من المتوقف المعترف بجهله ، فإنه ربما يعذر وتنفعه الآيات والنذر ، وإنما فصلت الآية بـ" لا يعلمون " والتي قبلها بـ" لا يشعرون " لأنه أكثر طباقاً لذكر السفه ، ولأن الوقوف على أمر الدين والتمييز بين الحق والباطل مما يفتقر إلى نظر وفكر . وإما النفاق وما فيه من الفتن والفساد فإنما يدرك بأدنى تفطن وتأمل فيما يشاهد من أقوالهم وأفعالهم .

14-" وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا " بيان لمعاملتهم المؤمنين والكفار ، وما صدرت به القصة فمساقه لبيان مذهبهم وتمهيد نفاقهم فليس بتكرير . روي أن ابن أبي وأصحابه استقبلهم نفر من الصحابة ، فقال لقومه : انظروا كيف أرد هؤلاء السفهاء عنكم ، فأخذ بيد أبي بكر رضي الله تعالى عنه فقال : مرحباً بالصديق سيد بني تيم ، وشيخ الإسلام وثاني رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغار الباذل نفسه وماله لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم أخذ بيد عمر رضي الله عنه فقال : مرحباً بسيد الله عدي الفاروق القوي في دينه ، الباذل نفسه وماله لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم أخذ بيد علي رضي الله عنه فقال : مرحباً بابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وختنه سيد بني هاشم ، ما خلا رسول الله صلى الله عليه وسلم . فنزلت . واللقاء المصادفة يقال ، لقيته ، إذا صادفته واستقبلته ، ومنه ألقيته إذا طرحته فإنك بطرحه جعلته بحيث يلقى . " وإذا خلوا إلى شياطينهم " من خلوت بفلان وإليه انفردت معه . أو من خلال ذم أي عداك ومضى عنك ، ومنه القرون الخالية . أو من خلوت به إذا سخرت منه ، وعدي بإلى لتضمن معنى الإنهاء ، والمراد بشياطينهم الذين ماثلوا الشيطان في تمردهم ، وهم المظهرون كفرهم ، وإضافتهم إليهم للمشاركة في الكفر . أو كبار المنافقين والقائلون صغارهم . وجعل سيبويه نوناً تارة أصلية على أنه من شطن إذا بعد عن الصلاح ، ويشهد له قولهم : تشيطن . وأخرى زائدة على أنه من شاط إذا بطل ، ومن أسمائه الباطل . " قالوا إنا معكم " أي في الدين والاعتقاد ، خاطبوا المؤمنين بالجملة الفعلية ، والشياطين بالجملة الإسمية المؤكدة بإن لأنهم قصدوا بالأولى دعوى إحداث الإيمان وبالثانية تحقيق ثباتهم على ما كانوا عليه ، ولأنه لم يكن لهم باعث من عقيدة وصدق رغبة فيما خاطبوا به المؤمنين ، ولا توقع رواج ادعاء الكمال في الأيمان على المؤمنين من المهاجرين والأنصار بخلاف ما قالوه مع الكفار . " إنما نحن مستهزئون " تأكيد لما قبله ، لأن المستهزئ بالشئ المستخف به مصر على خلافه . أو بدل منه لأن من حقر الإسلام فقد عظم الكفر . أو استئناف فكأن الشياطين قالوا لهم لما ( قالوا إنا معكم ) إن صح ذلك فما بالكم توافقون المؤمنين وتدعون الإيمان فأجابوا بذلك . والاستهزاء السخرية والاستخفاف يقال : هزئت واستهزأت بمعنى كأجبت واستجبت ، وأصله الخفة من الهزء وهو القتل السريع يقال : هزأ فلان إذا مات على مكانه ، وناقته تهزأ به أي تسرع وتخف .

15-" الله يستهزئ بهم " يجازهم على استهزائهم ، سمي جزاء الاستهزاء باسمه كما سمي جزاء السيئة سيئة ، إما لمقابلة اللفظ باللفظ ، أو لكونه مماثلاً له في القدر ، أو يرجع وبال الاستهزاء عليهم فيكون كالمستهزئ بهم ، أو ينزل بهم الحقارة والهوان الذي هو لازم الاستهزاء ، أو الغرض منه ، أو يعاملهم معاملة المستهزئ : أما في الدنيا فبإجراء أحكام المسلمين عليهم ، واستدراجهم بالإمهال والزيادة في النعمة على التمادي في الطغيان ، وأما في الآخرة : فبأن يفتح لهم وهم في النار باباً إلى الجنة فيسرعون نحوه ، فإذا صاروا إليه سد عليهم الباب ، وذلك قوله تعالى : " فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون " وإنما استؤنف به ولم يعطف ليدل على أن الله تعالى تولى مجازاتهم ، ولم يحوج المؤمنين إلى أن يعارضوهم ، وأن استهزاءهم لا يؤبه به في مقابلة ما يفعل الله تعالى بهم ولعله لم يقل : الله مستهزئ بهم ليطابق قولهم ، إيماء بأن الاستهزاء يحدث حالاً فحالاً ويتجدد حيناً بعد حين ، وهكذا كانت نكايات الله فيهم كما قال تعالى " أو لا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين " . " ويمدهم في طغيانهم يعمهون " من مد الجيش وأمده إذا زاد وقواه ، ومنه مددت السراج والأرض إذا استصلحتهما بالزيت والسماد ، لا من المد في العمر فإنه يعدى باللام كأملى له . ويدل عليه قراءة ابن كثير ( ويمدهم ) . والمعتزلة لما تعذر عليهم إجراء الكلام على ظاهره قالوا : لما منعهم الله تعالى ألطافة التي يمنحها المؤمنين وخذلهم بسبب كفرهم وإصرارهم ، وسدهم طرق التوفيق على أنفسهم فتزايدت بسببه قلوبهم ريناً وظلمة ، تزايد قلوب المؤمنين انشراحاً ونوراً ، وأمكن الشيطان من إغوائهم فزادهم طغياناً ، أسند ذلك إلى الله تعالى إسناد الفعل إلى المسبب مجازاً ، وأضاف الطغيان إليهم لئلا يتوهم أن إسناد الفعل إليه على الحقيقة ، ومصدق ذلك أنه لما أسند المد إلى الشياطين أطلق الغي وقال " وإخوانهم يمدونهم في الغي " . أو أصله يمد لهم بمعنى يملي لهم ويمد في أعمارهم كي يتنبهوا ويطيعوا ، فما زادوا إلا طغياناً وعمهاً ، فحذفت اللام وعدى الفعل بنفسه كما في قوله تعالى : " واختار موسى قومه " . أو التقدير يمدهم استصلاحاً ، وهم مع ذلك يعمهون في الكفر . والطغيان بالضم والكسر كلقيان ، والطغيان : تجاوز الحد في العتو ، والغلو في الكفر ، وأصله تجاوز الشئ عن مكانه قال تعالى : " إنا لما طغى الماء حملناكم " . والعمه في البصيرة كالعمى في البصر ، وهو : التحير في الأمر يقال رجل عامه وعمه ' وأرض عمهاء لا منار بها قال : أعمى الهدى بالجاهلين العمه

16-" أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى " اختاروها عليه واستبدلوها به ، وأصله بذل الثمن لتحصيل ما يطلب من الأعيان ، فإن كان أحد العوضين ناضاً تعين من حيث إنه لا يطلب لعينه أن يكون ثمناً وبذله اشتراء ، وإلا فأي العوضين تصورته بصورة الثمن فباذله مشتر وآخذ بائع ، ولذلك عدت الكلمتان من الأضداد ، ثم استعير للإعراض عما في يده محصلاً به غيره ، سواء كان من المعاني أو الأعيان ، ومنه قول الشاعر : أخذت بالجملة رأساً أزعرا وبالثنايا الواضحات الدردرا وبالطويل العمر عمرأ جيذراً كما اشترى المسلم إذ تنصرا ثم اتسع فيه فاستعمل للرغبة عن الشئ طمعاً في غيره ، والمعنى أنهم أخلوا بالهدى الذي جعله الله لهم بالفطرة التي فطر الناس عليها محصلين الضلالة التي ذهبوا إليها . أو اختاروا الضلالة واستحبوها على الهدى . " فما ربحت تجارتهم " . ترشيح للمجاز ، لما استعمل الاشتراه في معاملتهم أتبعه ما يشاكله تمثيلاً لخسارتهم ، ونحوه : ولما رأيت النسر عز بن دأبة وعشش في وكريه جاش له صدري والتجارة : طلب الربح بالبيع والشراء . والربح : الفضل على رأس المال ، ولذلك سمي شفا ، وإسناده إلى التجارة وهو لأربابها على الاتساع لتلبسها بالفاعل ، أو لمشابهتها إياه من حيث إنها سبب الربح والخسران . " وما كانوا مهتدين " لطرق التجارة ، فإن المقصود منها سلامة رأس المال والربح ، وهولاء قد أضاعوا الطلبتين لأن رأس مالهم كان الفطرة السليمة ، والعقل الصرف ، فلما اعتقدوا هذه الضلالات بطل استعدادهم ، واختل عقلهم ولم يبق لهم رأس مال يتوسلون به إلى درك الحق ، ونيل الكمال ، فبقوا خاسرين آيسين من الربح فاقدين للأصل .