islamkingdomfaceBook islamkingdomtwitter islamkingdominstagram islamkingdomyoutube islamkingdomnew


216-" كتب عليكم القتال وهو كره لكم " شاق عليكم مكروه طبعاً ، وهو مصدر نعت به للمبالغة ، أو فعل بمعنى مفعول كالخبز . وقرئ بالفتح على أنه لغة فيه كالضعف والضعف ، أو بمعنى الإكراه على المجاز كأنهم أكرهوا عليه لشدته وعظم مشقته كقوله تعالى : " حملته أمه كرهاً ووضعته كرهاً " " وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم " وهو جميع ما كلفوا به ، فإن الطبع يكرهه وهو مناط صلاحهم وسبب فلاحهم . " وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم " وهو جميع ما نهوا عنه ، فإن النفس تحبه وتهواه وهو يفضي بها إلى الردى ، وإنما ذكر " عسى " لأن النفس إذا ارتاضت ينعكس الأمر عليها . " والله يعلم " ما هو خير لكم . " وأنتم لا تعلمون " ذلك ، وفيه دليل على أن الأحكام تتبع المصالح الراجحة وإن لم يعرف عينها .

217-" يسألونك عن الشهر الحرام " روي أنه عليه الصلاة والسلام " بعث عبد الله بن جحش ابن عمته على سرية في جمادى الآخرة ـ قبل بدر بشهرين ـ ليترصد عيراً لقريش فيها عمرو بن عبد الله الحضرمي وثلاثة معه ، فقتلوه وأسروا اثنين واستأنفوا العير وفيها من تجارة الطائف ، وكان ذلك غرة رجب وهم بظنونه من جمادى الآخرة ، فقالت قريش استحل محمد الشهر الحرام شهراً يأمن فيه الخائف ،وينذعر فيه الناس إلى معايشهم . وشق ذلك على أصحاب السرية وقالوا ما نبرح حتى تنزل توبتنا ،ورد رسول الله صلى الله عليه وسلم العير والأسارى ". وعن ابن عباس رضي الله عنهما " لما نزلت أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الغنيمة وهي أول غنيمة في الإسلام " والسائلون هم المشركون كتبوا إليه في ذلك تشنيعاً وتعييراً وقيل أصحاب السرية . " قتال فيه " بدل اشتمال من الشهر الحرام . وقرئ عن قتال بتكرير العامل . " قل قتال فيه كبير " أي ذنب كبير ، والأكثر أنه منسوخ بقوله تعالى : " فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم " خلافاً لعطاء وهو نسخ الخاص بالعام وفيه خلاف ، والأولى منع دلالة الآية على حرمة القتال في الشهر الحرام مطلقاً فإن قتال فيه نكرة في حيز مثبت فلا يعم . " وصد " صرف ومنع . " عن سبيل الله " أي الإسلام ،أو ما يوصل العبد إلى الله سبحانه وتعالى من الطاعات ز " وكفر به " أي بالله " والمسجد الحرام " على إرادة المضاف أي وصد والمسجد الحرام كقول أبي دؤاد : ‌‌ أكل امرئ تحسبين امرأ ونار توقد بالليل نارا ولا يحسن عطفه على " سبيل الله " لأن عطف قوله : " وكفر به " على " وصد " مانع منه إذ لا يتقدم العطف على الموصول على العطف على الصلة ولا على الهاء في " به " ، فإن العطف على الضمير المجرور إنما يكون بإعادة الجار . " وإخراج أهله منه " أهل المسجد الحرام وهم النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنون . " أكبر عند الله " مما فعلته السرية خطأ وبناء على الظن ،وهو خبر عن الأشياء الأربعة المعدودة من كبائر قريش . وأفعل مما يستوي فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث . " والفتنة أكبر من القتل " أي ما ترتكبونه من الإخراج والشرك أفظع مما ارتكبوه من قتلى الحضرمي . " ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم " إخبار عن دوام عداوة الكفار لهم وإنهم لا ينفكون عنها حتى يردوهم عن دينهم ، وحتى للتعليل كقولك أعبد الله حتى أدخل الجنة . " إن استطاعوا " وهو استبعاد لاستطاعتهم كقول الواثق بقوته : على قرنه إن ظفرت بي فلا تبق علي ، وإيذان بأنهم لا يردونهم . " ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم " قيد الردة بالموت عليها في إحباط الأعمال كما هو مذهب الشافعي رحمه الله تعالى ، والمراد بها الأعمال النافعة . وقرئ " حبطت " بالفتح وهي لغة فيه . " في الدنيا " لبطلان ما تخيلوه وفوات ما للإسلام من الفوائد الدنيوية . " والآخرة " بسقوط الثواب . " وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون " كسائر الكفرة .

218-" إن الذين آمنوا " نزلت أيضاً في أصحاب السرية لما ظن بهم أنهم إن سلموا من الإثم فليس لهم أجر . " والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله " كرر الموصول لتعظيم الهجرة والجهاد كأنهما مستقلان في تحقيق الرجاء " أولئك يرجون رحمة الله " ثوابه ، أثبت لهم الرجاء إشعاراً بأن العمل غير موجب ولا قاطع في الدلالة سيما والعبرة بالخواتيم . " والله غفور " لما فعلوا خطأ وقلة احتياط . " رحيم " بإجزال الأجر والثواب .

219-" يسألونك عن الخمر والميسر " روي ، أنه نزل بمكة قوله تعالى : " ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا " فأخذ المسلمون يشربونها ، ثم إن عمر ومعاذاً ونفراً من الصحابة قالوا : أفتنا يا رسول الله في الخمر فإنها مذهبة للعقل مسلبة للمال ، فنزلت هذه الآية فشربها قوم وتركها آخرون . ثم دعا عبد الرحمن بن عوف ناساً منهم فشربوا وسكروا ، فأم أحدهم فقرأ : " قل يا أيها الكافرون * لا أعبد ما تعبدون " فنزلت " لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى " فقل من يشربها ، ثم دعا عتبان بن مالك سعد بن أبي وقاص في نفر فلما سكروا افتخروا وتناشدوا ، فأنشد فيه هجاء الأنصار ،فضربه أنصاري بلحى بعير فشجه ، فشكا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عمر رضي الله عنه : اللهم بين لنا في الخمر بياناً شافياً فنزلت " إنما الخمر والميسر " إلى قوله : " فهل أنتم منتهون " فقال عمر رضي الله عنه : انتهينا يا رب . والخمر في الأصل مصدر خمره إذا ستره ، سمي بها عصير العنب والتمر إذا اشتد وغلا كأنه يخمر العقل ، كما سمي سكراً لأنه يسكره أي يحجزه ، وهي حرام مطلقاً وكذا كل ما أسكر عند أكثر العلماء . وقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى : نقيع الزبيب والتمر إذا طبخ حتى ذهب ثلثاه ثم اشتد حل شربه ما دون السكر . " والميسر " أيضاً مصدر كالموعد ، سمي به القمار لأنه أخذ مال الغير بيسر أو سلب يساره ، والمعنى يسألونك عن تعاطيهما لقوله تعالى : " قل فيهما " أي في تعاطيهما . " إثم كبير " من حيث إنه يؤدي إلى الانتكاب عن المأمور ، وارتكاب المحظور . وقرأ حمزة و الكسائي كثير بالثاء . " ومنافع للناس " من كسب المال والطرب والالتذاذ ومصادقة الفتيان ، وفي الخمر خصوصاً تشجيع الجبان وتوفير المروءة وتقوية الطبيعة . " وإثمهما أكبر من نفعهما " أي المفاسد التي تنشأ منهما أعظم من المنافع المتوقعة منهما . ولهذا قيل إنها المحرمة للخمر لأن المفسدة إذا ترجحت على المصلحة اقتضت تحريم الفعل ، والأظهر أنه ليس كذلك لما مر من إبطال مذهب المعتزلة . " ويسألونك ماذا ينفقون " قيل سائلة أيضاً عمرو بن الجموح سأل أولاً عن المنفق والمصرف ،ثم سأل عن كيفية الإنفاق . " قل العفو " العفو نقيض الجهد ومنه يقال للأرض السهلة ، وهو أن ينفق ما تيسر له بذله ولا يبلغ منه الجهد . قال : خذي العفو مني تستديمي مودتي ولا تنطقي في سورتي حين اغضب وروي أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم بيضة من ذهب أصابها في بعض المغانم فقال : خذها مني صدقة ، فأعرض عليه الصلاة والسلام عنه حتى كرر مراراً فقال : هاتها مغضباً فأخذها فحذفها حذفاً لو أصابه لشجه ثم قال : " يأتي أحدكم بماله كله يتصدق به ويجلس يتكفف الناس ،إنما الصدقة عن ظهر عنى " . وقرأ أبو عمرو برفع " العفو " . ز" كذلك يبين الله لكم الآيات " أي مثل ما بين أن العفو أصلح من الجهد ، أو ما ذكر من الأحكام ، والكاف في موضع النصب صفة لمصدر محذوف أي تبييناً مثل هذا التبيين ، وإنما وحد العلامة والمخاطب به جمع على تأويل القبيل والجمع ، " لعلكم تتفكرون " في الدلائل والأحكام .