islamkingdomfaceBook islamkingdomtwitter islamkingdominstagram islamkingdomyoutube islamkingdomnew


17-" مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً " لما جاء بحقيقة حالهم عقبها يضرب المثل زيادة في التوضيح والتقرير ، فإنه أوقع في القلب وأقمع للخصم الألد ، ولأنه يريك المتخيل محققاً والمعقول محسوساً ، والأمر ما أكثر الله في كتبه الأمثال ، وفشت في كلام الأنبياء والحكماء . والمثل في الأصل بمعنى النظير يقال : مثل ومثل ومثيل كشبه وشبه وشبيه ، ثم قيل للقول السائر الممثل مضربه بمورده ، ولا يضرب إلا ما فيه غرابة ، ولذلك حوفظ عليه من التغيير ، ثم استعير لكل حال أو قصة أو صفة لها شأن وفيها غرابة مثل قوله تعالى : " مثل الجنة التي وعد المتقون " وقوله تعالى : " ولله المثل الأعلى " . والمعنى حالهم العجيبة الشأن كحال من استوقد ناراً ، والذي : بمعنى الذين كما في قوله تعالى : " وخضتم كالذي خاضوا " إن جعل مرجع الضمير في بنورهم ، وإنما جاز ذلك ولم يجز وضع القائم موضع القائمين لأنه غير مقصود بالوصف ، بل الجملة التي هي صلته وهو وصلة إلى وصف المعرفة بها لأنه ليس باسم تام بل هو كالجزء منه ، فحقه أنه لا يجمع كما لا نجمع أخواتها ، ويستوي فيه الواحد والجمع وليس الذين جمعه المصحح ، بل ذو زيادة زيدت لزيادة المعنى ولذلك جاء بالياء أبداً على اللغة الفصيحة التي عليها التنزيل ، ولكونه مستطالاً بصلته استحق التخفيف ، ولذلك بولغ فيه فحذف ياؤه ثم كسرته ثم اقتصر على اللام في أسماء الفاعلين والمفعولين ، أو قصد به جنس المستوقدين ، أو الفوج الذي استوقد . والاستيقاد : طلب الوقود والسعي في تحصيله ، وهو سطوع النار وارتفاع لهبها . واشتقاق النار من : نار ينور نوراً إذا نفر لأن فيها حركة واضطراباً . " فلما أضاءت ما حوله " أي : النار ، ما حول المستوقد إن جعلتها متعدية ، وإلا أمكن أن تكون مسندة إلى ما ، والتأنيث لأن ما حوله أشياء وأماكن أو إلى ضمير النار ، وما : موصولة في معنى الأمكنة ، نصب على الظرف ، أو مزيدة ، وحوله ظرف وتأليف الحول للدوران . وقيل للعام لأنه يدور . " ذهب الله بنورهم " جواب لما ، والضمير للذي ، وجمعه للحمل على المعنى ، وعلى هذا نما قال : " بنورهم " ولم يقل : بنارهم لأنه المراد من أيقادها . أو استئناف أجيب به اعتراض سابق يقول : ما بالهم شبهت حالهم بحال مستوقد انطفأت ناره ؟ أو بدل من جملة التمثيل على سبيل البيان . والضمير على الوجهين للمنافقين ، والجواب محذوف كما في قوله تعالى : " فلما ذهبوا به " للإيجاز وأمن الالتباس . واسند الذهاب إلى الله تعالى أما لأن الكل بفعله ، أو لأن الإطغاء حصل بسبب خفي ، أو أمر سماوي كريح أو مطر، أو للمبالغة ولذلك عدي الفعل بالباء دون الهمزة لما فيها من معنى الاستصحاب والاستمساك يقال : ذهب السلطان بماله إذا أخذه ، وما أخذه الله وأمسكه فلا مرسل له ، ولذلك عدل عن الضوء الذي هو مقتضى اللفظ إلى النور ، فإنه لو قيل : ذهب الله بضوئهم احتمل ذهاباً بما في الضوء من الزيادة وبقاء ما يسمى نوراً ، والغرض إزالة النور عنهم رأساً ألا ترى كيف قرر ذلك وأكده بقوله " وتركهم في ظلمات لا يبصرون " فذكر الظلمة التي هي عدم النور ، وانطماسه بالكلية ، وجمعها ونكرها ووصفها بأنها ظلمة خالصة لا يتراءى فيها شبحان . وترك الأصل بمعنى طرح وخلى ، وله مفعول واحد فضمن معنى صير ، فجرى مجرى أفعال القلوب كقوله تعالى : " وتركهم في ظلمات " . وقول الشاعر : فتركته جزر السباع ينشنه يقضمن حسن بنانه والمعصم والظلمة مأخوذة من قولهم : ما ظلمك أن تفعل كذا ، أي ما منعك ، لأنها تسد البصر وتمنع الرؤية . وظلماتهم : ظلمة الكفر ، وظلمة النفاق ، وظلمة يوم القيامة " يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم " . أو ظلمة الضلال ، وظلمة سخط الله ، وظلمة العقاب السرمدي ، أو ظلمة شديدة كأنها ظلمة متراكمة ، ومفعول " لا يبصرون " من قبيل المطروح المتروك فكأن الفعل غير متعد . والآية مثل ضربه الله لمن آتاه ضرباً من الهدى فأضاعه ، ولم يتوصل به إلى نعيم الأبد فبقي متحيراً متحسراً ، تقريراً وتوضيحاً لما تضمنته الآية الأولى ، ويدخل تحت عمومه هؤلاء المنافقون فأنهم أضاعوا ما نطقت به ألسنتهم هم من الحق باستبطان الكفر ، وإظهاره حين خلوا إلى شياطينهم ، ومن آثر الضلالة على الهدى المجهول له بالفطرة ، أو ارتد عن دينه بعدما آمن ، ومن صح له أحوال الإرادة فادعى أحوال المحبة فأذهب الله عنه ما أشرق عليه من أنوار الإرادة ، أو مثل لإيمانهم من حيث إنه يعود عليهم يحقن الدماء ، وسلامة الأموال والأولاد ، ومشاركة المسلمين في المغانم . والأحكام بالنار الموقدة للاستضاءة ، ولذهاب أثره وانطماس نوره بإهلاكهم وإفشاء حالهم بإطفاء الله تعالى إياها وإذهاب نورها .

18-" صم بكم عمي " لما سدوا مسامعهم عن الإصاخة إلى الحق وأبوا أن ينطقوا به ألسنتهم ويتبصروا الآيات بأبصارهم ، جعلوا كأنما أيفت مشاعرهم وانتفت قواهم كقوله : صم إذا سمعوا خيراً ذكرت به وإن ذكرت بسوء عندهم أذنوا وكقوله : أصم عن الشئ الذي لا أريده وأسمع خلق الله حين أريد وإطلاقها عليهم على طريقة التمثيل ، لا الاستعارة إذ من شرطها أن يطوي ذكر المستعار له ، بحيث يمكن حمل الكلام على المستعار منه لولا القرينة كقول زهير : لدى أسد شاكي السلاح مقذف له لبد أظفاره لم تقلم ومن ثم ترى المفلقين السحرة يضربون عن توهم التشبيه صفحاً كما قال أبو تمام الطائي : ويصعد حتى يظن الجهول بأن له حاجة في السماء وههنا وإن طوى ذكره بحذف المبتدأ لكنه في حكم المنطوي به ، ونظيره : أسد علي وفي الحروب نعامة فتخاء تنفر من صفير الصافر هذا إذا جعلت للمنافقين على أن الآية فذلكة التمثيل ونتيجته ، وإن جعلته للمستوقدين ، فهي على حقيقتها . والمعنى : أنهم لما أوقدوا ناراً فذهب الله بنورهم ، وتركهم في ظلمات هائلة أدهشتهم بحيث اختلت حواسهم وانتقصت قواهم ، وثلاثتها قرئت بالنصب على الحال من المفعول تركهم . والصمم : أصله صلابة من اكتناز الأجزاء ، ومنه قيل حجر أصم وقناة صماء ، وصمام القارورة ، وسمي به فقدان حاسة السمع لأن سببه أن يكون باطن الصماخ مكتنزاً لا تجويف فيه ، فيشتمل على هواء يسمع الصوت بتموجه . والبكم الخرس . والعمى : عدم البصر عما من شأنه أن يبصر وقد يقال لعدم البصيرة . " فهم لا يرجعون " لا يعودون إلى الهدى الذي باعوه وضيعوه : أو عن الضلالة التي اشتروها ، أو فهم متحيرون لا يدرون أيتقدمون أم يتأخرون ، وإلى حيث ابتدؤوا منه كيف يرجعون . الفاء للدلالة على أن اتصافهم بالأحكام السابقة سبب لتحيرهم واحتباسهم .

19-" أو كصيب من السماء " عطف على الذي استوقد أي : كمثل ذوي صيب لقوله : " يجعلون أصابعهم في آذانهم " و " أو" في الأصل للتساوي في الشك ، ثم اتسع فيها فأطلقت للتساوي من غير شك مثل : جالس الحسن أو ابن سيرين ، وقوله تعالى : " ولا تطع منهم آثماً أو كفوراً " . فإنها تفيد التساوي في حسن المجالسة ووجوب العصيان ومن ذلك قوله : " أو كصيب " ومعناه أن قصة المنافقين مشبهة بهاتين القصتين ، وأنهما سواء في صحة التشبيه بهما ، وأنت مخير في التمثيل بهما أو بأيهما شئت . والصيب : فيعل من الصوب ، وهو النزول ، يقال للمطر وللسحاب ، قال الشماخ : وأسحم دان صادق الرعد صيب وفي الآية يحتملهما ، وتنكيره لأنه أريد به نوع من المطر شديد . وتعريف السماء للدلالة على أن الغمام مطبق آخذ بآفاق السماء كلها فإن كل منها يسمى سماء كما أن كل طبقة منها سماء ، وقال : ومن بعد أرض بيننا وسماء أمد به في الصيب من المبالغة من جهة الأصل والبناء والتنكير ، وقيل المراد بالسماء السحاب فاللام لتعريف الماهية . " فيه ظلمات ورعد وبرق " إن أريد بالصيب المطر ، فظلماته ظلمة تكاثفه بتتابع القطر ، وظلمة غمامة مع ظلمة الليل وجعله مكاناً للرعد والبرق لأنهما في أعلاه ومنحدره ملتبسين به . وأن أريد به السحاب فظلماته سحمته وتطبيقه مع ظلمة الليل . وارتفاعها بالظرف وفاقاً لأنه معتمد على موصوف . والرعد : صوت يسمع من السحاب . والمشهور أن سببه اضطراب أجرام السحاب واصطكاكها إذا حدتها الريح من الارتعاد . والبرق ما يلمع من السحاب ، من برق الشئ بريقاً وكلاهما مصدر في الأصل ولذلك لم يجمعا . " يجعلون أصابعهم في آذانهم " الضمير لأصحاب الصيب وهو وإن حذف لفظه وأقيم الصيب مقامه لكن معناه باق ، فيجوز أن يعول عليه كما عول حسان في قوله : يسقون من ورد البريص عليهم بردى يصفق بالرحيق السلسل حيث ذكر الضمير لأن المعنى ماء بردى ، والجملة استئناف فكأنه لما ذكر ما يؤذن بالشدة والهول قيل : فكيف حالهم مع مثل ذلك ؟ فأجيب بها ، وإنما أطلق الأصابع موضع الأنامل للمبالغة . " من الصواعق " متعلق بيجعلون أي من أجلها يجعلون ، كقولهم سقاه من العيمة . والصاعقة قصفة رعد هائل معها نار لا تمر بشئ إلا أتت عليه ، من الصعق وهو شدة الصوت ، وقد تطلق على كل هائل مسموع أو مشاهد ، يقال صعقته الصاعقة إذا أهلكته بالإحراق أو شدة الصوت ، وقرئ من الصواقع وهو ليس بقلب من الصواعق لاستواء كلا البناءين في التصريف يقال صقع الديك ، وخطيب مصقع ، وصقعته الصاقعة ، وهي في الأصل إما صفة لقصفة الرعد ، أو للرعد . والتاء للمبالغة كما في الرواية أو مصدر كالعافية والكاذبة . " حذر الموت " نصب على العلة كقوله : وأغفر عوراء الكريم ادخاره وأصفح عن شتم اللئيم تكرما والموت : زوال الحياة ، وقيل عرض يضادها لقوله : " خلق الموت والحياة " ، ورد بأن الخلق بمعنى التقدير ، والاعدام مقدرة . " والله محيط بالكافرين " لا يفوتونه كما لا يفوت المحاط به المحيط ، لا يخلصهم الخداع والحيل ، والجملة اعتراضية لا محل لها .

20-" يكاد البرق يخطف أبصارهم " استئناف ثان كأنه جواب لمن يقول : ما حالهم مع تلك الصواعق ؟ وكاد من أفعال المقاربة ، وضعت لمقاربة الخبر من الوجود لعروض سببه لكنه لم يوجد ، إما لفقد شرط ، أو لوجود مانع وعسى موضوعة لرجائه ، فهي خير محض ولذلك جاءت متصرفة بخلاف عسى ، وخبرها مشروط فيه أن يكون فعلاً مضارعاً تنبيهاً على أنه المقصود بالقرب من غير أن ، لتوكيد القرب بالدلالة على الحال ، وقد تدخل عليه حملاً لها على عسى ، كما تحمل عليها بالحذف من خبرها لمشاركتهما في أصل معنى المقاربة . والخطف الأخذ بسرعة وقرئ ( يخطف ) بكسر الطاء ويخطف على أنه يختطف ، فنقلب فتحة التاء إلى الخاء ثم أدغمت في الطاء ، ويخطف بكسر الخاء لالتقاء الساكنين وإتباع الياء لها ، ويخطف ويتخطف . " كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا " استئناف ثالث كأنه قيل : ما يفعلون في تارتي خفوق البرق ، وخفيته ؟ فأجيب بذلك . وأضاء إما متعد والمفعول محذوف بمعنى كلما نور لهم ممشى أخذوه ، أو لازم بمعنى ، كلما لمع مشوا في مطرح نوره ، وكذلك أظلم فإنه جاء متعدياً منقولاً من ظلم الليل ، ويشهد له قراءة أظلم على البناء للمفعول ، و قول أبي تمام : هما أظلما حالي ثمة أجليا ظلاميهما عن وجه أمرد أشيب فإنه وإن كان من المحدثين لكنه من علماء العربية ، فلا يبعد أن يجعل ما يقوله بمنزلة ما يرويه . وإنما قال مع الإضاءة " كلما " ومع الإظلام " إذا " لأنهم حراص على المشي ، فكلما صادفوا منه فرصة انتهزوها ولا كذلك التوقف . ومعنى ( قاموا ) وقفوا ، ومنه قامت السوق إذا ركدت ، وقام الماء إذا جمد . " ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم " أي ولو شاء الله أن يذهب بسمعهم بقصيف الرعد وأبصارهم بوميض البرق لذهب بهما فحذف المفعول لدلالة الجواب عليه ، ولقد تكاثر حذفه في شاء وأراد حتى لا يكاد يذكر إلا في الشئ المستغرب كقوله : فلو شئت أن أبكي دما لبكيته ( ولو ) من حروف الشرط ، وظاهرها الدلالة على انتفاء الأول لانتفاء الثاني ، ضرورة انتفاء الملزوم عند لازمه ، وقرئ : لأذهب بأسماعهم ، بزيادة الباء كقوله تعالى : " ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة " . وفائدة هذه الشرطية إبداء المانع لذهاب سمعهم وأبصارهم مع قيام ما يقتضيه ، والتنبيه على أن تأثير الأسباب في مسبباتها مشروط بمشيئة الله تعالى ، وأن وجودها مرتبط بأسبابها واقع بقدرته وقوله . " إن الله على كل شيء قدير " كالتصريح به والتقرير له . والشئ يختص ، بالموجود ، لأنه في الأصل مصدر شاء أطلق بمعنى شاء تارة ، وحينئذ يتناول البارئ تعالى كما قال " قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد " وبمعنى مشيء أخرى ، أي مشيء وجوده وما شاء الله وجوده فهو موجود في الجملة وعليه قوله تعالى : " إن الله على كل شيء قدير " . " الله خالق كل شيء " فهما على عمومهما بلا مثنوية . والمعتزلة لما قالوا الشئ ما يصح أن يوجد وهو يعم الواجب والممكن ، أو ما يصح أن يعلم ويخبر عنه فيعم الممتنع أيضاً ، لزمهم التخصيص بالممكن في الموضعين بدليل العقل . والقدرة : هو التمكن من إيجاد الشئ . وقيل صفة تقتضي التمكن ، وقيل قدرة الإنسان هيئة بها يتمكن من الفعل وقدرة الله تعالى : عبارة عن نفي العجز عنه ، والقادر هو الذي إن شاء فعل وإن لم يشأ لم يفعل ، والقدير الفعال لما يشاء على ما يشاء ولذلك قلما يوصف به غير الباري تعالى ، واشتقاق القدرة من القدر لأن القادر يوقع الفعل على مقدار قوته ، أو على مقدار ما تقتضيه مشيئته . وفيه دليل على أن الحادث حال حدوثه والممكن حال بقائه مقدوران وأن مقدور العبد مقدور لله تعالى ، لأنه شئ وكل شئ مقدور لله تعالى . والظاهر أن التمثيلين من جملة التمثيلات المؤلفة ، وهو أن يشبه كيفية منتزعة من مجموعة تضامت أجزاؤه وتلاصقت حتى صارت شيئاً واحداً بأخرى مثلها ، كقوله تعالى : " مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها " ، فإنه تشبيه حال اليهود في جهلهم بما معهم من التوراة ، بحال الحمار في جهله بما يحمل من أسفار الحكمة . والغرض منهما تمثيل حال المنافقين من الحيرة والشدة ، بما يكابد من انطفأت ناره بعد إيقادها في ظلمة ، أو بحال من أخذته السماء في ليلة مظلمة مع رعد قاصف وبرق خاطف وخوف من الصواعق . كقوله تعالى: " وما يستوي الأعمى والبصير * ولا الظلمات ولا النور * ولا الظل ولا الحرور " وقول امرئ القيس : كأن قلوب الطير رطباً ويابساً لدى وكرها العناب والحشف البالي بأن يشبه في الأول : ذوات المنافقين بالمستوقدين ، وإظهارهم الإيمان باستيقاد النار وما انتفعوا به من حقن الدماء وسلامة الأموال والأولاد وغير ذلك بإضاءة النار ما حول المستوقدين ، وزوال ذلك عنهم على القرب بإهلاكهم وبإفشاء حالهم وإبقائهم في الخسار الدائم ، والعذاب السرمد بإطفاء نارهم والذهاب بنورها . وفي الثاني : أنفسهم بأصحاب الصيب وإيمانهم المخالط بالكفر والخداع بصيب فيه ظلمات ورعد وبرق ، من حيث إنه وإن كان نافعاً في نفسه لكنه لما وجد في هذه الصورة عاد نفعه ضراً ونفاقهم حذراً عن نكايات المؤمنين ، وما يطرقون به من سواهم من الكفرة بجعل الأصابع في الآذان من الصواعق حذر الموت ، من حيث إنه لا يرد من قدر الله تعالى شيئاً ، ولا يخلص مما يريد بهم من المضار وتحيرهم لشدة الأمر وجهلهم بما يأتون ، ويذرون بأنهم كلما صادفوا من البرق خفقة انتهزوها فرصة مع خوف أن تخطف أبصارهم فخطوا خطاً يسيرة ، ثم إذا خفي وفتر لمعانه بقوا متقيدين لا حراك بهم . وقيل : شبه الإيمان والقرآن وسائر ما أوتي الإنسان من المعارف التي هي سبب الحياة الأبدية بالصيب الذي به حياة الأرض . وما ارتكبت بها من الشبه المبطلة ، واعترضت دونها من الاعتراضات المشككة بالظلمات . وشبه ما فيها من الوعد والوعيد بالرعد ، وما فيها من الآيات الباهرة بالبرق ، وتصامهم عما يسمعون من الوعيد بحال من يهوله الرعد فيخاف صواعقه فيسد أذنيه عنها مع أنه لا خلاص لهم منها وهو معنى قوله تعالى : " والله محيط بالكافرين " . واهتزازهم لما يلمع لهم من رشد يدركونه ، أو رفد تطمح إليه أبصارهم بمشيهم في مطرح ضوء البرق كلما أضاء لهم ، وتحيرهم وتوقفهم في الأمر حين تعرض لهم شبهة ، أو تعن لهم مصيبة بتوقفهم إذا أظلم عليهم . ونبه سبحانه بقوله : " ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم " على أنه تعالى جعل لهم السمع والأبصار ليتوسلوا بها إلى الهدى والفلاح ، ثم إنهم صرفوها إلى الحظوظ العاجلة ، وسدوها عن الفوائد الآجلة ، ولو شاء الله لجعلهم بالحالة التي يجعلونها لأنفسهم فإنه على ما يشاء قدير .

21-" يا أيها الناس اعبدوا ربكم " لما عدد فرق المكلفين وذكر خواصهم ومصارف أمورهم ، أقبل عليهم بالخطاب على سبيل الالتفات هزأ للسامع وتنشيطاً له واهتماماً بأمر العبادة ، وتفخيماً لشأنها ، وجبراً لكلفة العبادة بلذة المخاطبة . و ( يا ) حرف وضع لنداء البعيد ، وقد ينادي به القريب تنزيلاً له منزلة البعيد . إما لعظمته كقول الداعي : يا رب ، ويا الله ، هو أقرب إليه من حبل الوريد . أو لغفلته وسوء فهمه . أو للاعتناء بالمدعو له وزيادة الحث عليه . وهو مع المنادى جملة مفيدة ، لأنه مناب فعل . وأي : جعل وصلة إلى نداء المعرف باللام ، فإن إدخال يا عليه متعذر لتعذر الجمع بين حرفي التعريف فإنهما كمثلين وأعطي حكم المنادى وأجري عليه المقصود بالنداء وصفاً موضحاً له ، والتزام رفعه إشعاراً بأنه المقصود ، وأقحمت بينهما هاء التنبيه تأكيداً وتعويضاً عما يستحقه ، أي من المضاف إليه ، وإنما كثر النداء على هذه الطريقة في القرآن لاستقلاله بأوجه من التأكيد ، وكل ما نادى الله له عباده من حيث إنها أمور عظام ، من حقها أن يتفطنوا إليها ، ويقبلوا بقلوبهم عليها ، وأكثرهم عنها غافلون ، حقيق بأن ينادي له بالآكد الأبلغ والجموع وأسماؤها المحلاة باللام للعموم حيث لا عهد ، ويدل صحة الاستثناء منها . أو التأكيد بما يفيد العموم كقوله تعالى : ‌" فسجد الملائكة كلهم أجمعون " واستدلال الصحابة بعمومها شائعاً وذائعاً ، فالناس يعم الموجودين وقت النزول لفظاً ومن سيوجد ، لما تواتر من دينه عليه الصلاة والسلام أن مقتضى خطابه وأحكامه شامل للقبيلين ، ثابت إلى قيام الساعة إلا ما خصه الدليل ، وما روي عن علقمة و الحسن أن كل شئ نزل فيه " يا أيها الناس " فمكي " يا أيها الذين آمنوا " فمدني ، إن صح رفعه فلا يوجب تخصيصه بالكفار ، ولا أمرهم بالعبادة ، فإن المأمور به هو القدر المشترك بين بدء العبادة ، والزيادة فيها ، والمواظبة عليها ، فالمطلوب من الكفار هو الشروع فيها بعد الإتيان بما يجب تقديمه من المعرفة والإقرار بالصانع ، فإن من لوازم وجوب الشئ وجوب ما لا يتم إلا به ، وكما أن الحدث لا يمنع وجوب الصلاة ، فالكفر ويمنع وجوب العبادة ، بل يجب رفعه والاشتغال بها عقيبه . ومن المؤمنين ازديادهم وثباتهم عليها وإنما قال : " ربكم " تنبيهاً على أن الموجب للعبادة هي الربوبية . " الذي خلقكم " صفة جرت عليه تعالى للتعظيم والتعليل ، ويحتمل التقييد والتوضيح إن خص الخطاب بالمشركين ، وأريد بالرب أعم من الرب الحقيقي ، والآلهة التي يسمونها أرباباً . والخلق إيجاد الشئ على تقدير واستواء ، وأصله يقال : خلق النعل إذا قدرها وسواها بالمقياس . " والذين من قبلكم " متناول كل ما يتقدم الإنسان بالذات أو الزمان . منصوب معطوف على الضمير المنصوب في " خلقكم " . والجملة أخرجت مخرج المقرر عندهم ، إما لاعترافهم به كما قال الله تعالى : " ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله " أو لتمكنهم من العلم به بأدنى نظر ‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‌‌‌! وقرئ " من قبلكم " على إقحام الموصول الثاني بين الأول وصلته تأكيداً ، كما أقحم جرير في قوله : يا تيم عدي لا أبا لكمو تيماً ، الثاني بين الأول وما أضيف إليه . " لعلكم تتقون " حال من الضمير في " اعبدوا " كأنه قال : اعبدوا ربكم راجين أن تنخرطوا في سلك المتقين الفائزين بالهدى والفلاح ، المستوجبين جوار الله تعالى . نبه به على أن التقوى منتهى درجات السالكين وهو التبري من كل شئ سوى الله تعالى إلى الله ، وأن العابد ينبغي أن لا يغتر بعبادته ، ويكون ذا خوف ورجاء قال تعالى : " يدعون ربهم خوفاً وطمعاً " " يرجون رحمته ويخافون عذابه " . أو من مفعول " خلقكم " والمعطوف عليه على معنى أنه خلقكم ومن قبلكم في صورة من يرجى منه التقوى لترجح أمره باجتماع أسبابه ، وكثرة الدواعي ،إليه . وغلب المخاطبين على الغائبين في اللفظ ، والمعنى على إرادتهم جميعاً . وقيل تعليل للخلق أي خلقكم لكي تتقوا كما قال : " وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون " . وهو ضعيف ،إذ لم يثبت في اللغة مثله . والآية تدل على أن الطريق إلى معرفة الله تعالى والعلم بوحدانيته واستحقاقه للعبادة ، النظر في صنعه والاستدلال بأفعاله ، وأن العبد لا يستحق بعبادته عليه ثواباً ، فإنها لما وجبت عليه شكراً لما عدده عليه من النعم السابقة فهو كأجير أخذ الأجر قبل العمل .

22-" الذي جعل لكم الأرض فراشاً " صفة ثانية ، أو مدح منصوب ، أو مرفوع ، أو مبتدأ خبره فلا تجعلوا وجعل من الأفعال العامة يجيء على ثلاثة أوجه : بمعنى صار ، وطفق فلا يتعدى كقوله : ‌ فقد جعلت قلوص بني سهيل من الأكوار مرتعها قريب وبمعنى أوجد فيتعدى إلى مفعول واحد كقوله تعالى : " وجعل الظلمات والنور " وبمعنى صير ، ويتعدى إلى مفعولين كقوله تعالى : " جعل لكم الأرض فراشاً " والتصيير يكون بالفعل تارة ، وبالقول أو العقد أخرى . ومعنى جعلها فراشاً أن جعل بعض جوانبها بارزاً ظاهراً عن الماء ، مع ما في طبعه من الإحاطة بها ، وصيرها متوسطة بين الصلابة واللطافة حتى صارت مهيأة لأن يقعدوا ويناموا عليها كالفراش المبسوط ، وذلك لا يستدعي كونها مسطحة ، لأن كرية شكلها مع عظم حجمها . واتساع جرمها لا تأبى الافتراش عليها . " والسماء بناءً " قبة مضروبة عليكم . والسماء اسم جنس يقع على الواحد والمتعدد كالدينار والدرهم ، وقيل : جمع سماءة . والبناء مصدر ، سمي به المبني بيتاً كان أو قبة أو خباء ، ومنه بني على امرأته ، لأنهم كانوا إذا تزوجوا ضربوا عليها خباءً جديداً . " وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقاً لكم " عطف على ( جعل ) ، وخروج الثمار بقدرة الله تعالى ومشيئته ، ولكن جعل الماء الممزوج بالتراب سبباً في إخراجها ومادة لها كالنطفة للحيوان ، بأن أجرى عادته بإفاضة صورها وكيفياتها على المادة الممتزجة منهما ، أو أودع في الماء قوة فاعلة وفي الأرض قوة قابلة يتولد من اجتماعهما أنواع الثمار ، وهو قادر على أن يوجد الأشياء كلها بلا أسباب ومواد كما أبدع نفوس الأسباب والمواد ، ولكن له في إنشائها مدرجاً من حال إلى حال ، صنائع وحكم يجدد فيها لأولي الأبصار عبراً ، وسكوناً إلى عظيم قدرته ليس في إيجادها دفعة ، و " من " الأولى للابتداء سواء أريد بالسماء السحاب فإن ما علاك سماء ، أو الفلك فإن المطر يبتدئ من السماء إلى السحاب ومنه إلى الأرض على ما دلت عليه الظواهر . أو من أسباب سماوية تثير الأجزاء الرطبة من أعماق الأرض إلى جو الهواء فتنعقد سحاباً ماطراً . و " من " الثانية للتبعيض بدليل قوله تعالى : " فأخرجنا به ثمرات " واكتناف المنكرين له أعني ماء ورزقاً كأنه قال : وأنزلنا من السماء بعض الماء فأخرجنا به بعض الثمرات ليكون بعض رزقكم ، وهكذا الواقع إذ لم ينزل من السماء الماء كله ، ولا أخرج بالمطر كل الثمرات ، ولا جعل كل المرزوق ثماراً . أو للتبيين ، و رزقاً مفعول بمعنى المرزوق كقولك أنفقت من الدراهم ألفاً . وإنما ساغ الثمرات والموضع موضع الكثرة ، لأنه أراد بالثمرات جماعة الثمرة التي في قولك أدركت ثمرة بستانه ، ويؤيد قراءة من قرأ : من الثمرة على التوحيد . أو لأن الجموع يتعاور بعضها موقع بعض كقوله تعالى : " كم تركوا من جنات وعيون " وقوله : " ثلاثة قروء " . أو لأنها لما كانت محلاة باللام خرجت عن حد القلة . و " لكم " صفة رزقاً إن أريد به المرزوق ومفعوله إن أريد به المصدر كأنه قال : رزقاً إياكم . " فلا تجعلوا لله أنداداً " متعلق باعبدوا على أنه نهي معطوف عليه . أو نفي منصوب بإضمار أن جواب له . أو بلعل على أن نصب تجعلوا فاطلع في قوله تعالى : " لعلي أبلغ الأسباب * أسباب السماوات فأطلع " إلحاقاً لها بالأشياء الستة لاشتراكها في أنها غير موجبة ، والمعنى : إن تتقوا لا تجعلوا لله أنداداً ، أو بالذي جعل ، إن استأنفت به على أنه نهي وقع خبراً على تأويل مقول فيه : لا تجعلوا ، والفاء للسببية أدخلت عليه لتضمن المبتدأ معنى الشرط والمعنى : أن من خصكم بهذه النعم الجسام والآيات العظام ينبغي أن لا يشرك به . والند : المثل المناوىء ، قال جرير : أتيماً تجعلون إلي نداً وما تيم لذي حسب نديد من ند يند ندوداً : إذا نفر ، وناددت الرجل خالفته ، خص بالمخالف المماثل في الذات كما خص المساوي بالمماثل في القدر ، وتسمية ما يعبده المشركين من دون الله ( أنداداً ) ، وما زعموا أنها تساويه في ذاته وصفاته ولا أنها تخالفه في أفعاله لأنهم لما تركوا عبادته إلى عبادتها ، وسموها آلهة شابهت حالهم حال من يعتقد أنها ذوات واجبة بالذات ، قادرة على أن تدفع عنهم بأس الله ، وتمنحهم ما لم يرد الله بهم من خير ، فتهكم بهم وشنع عليهم بأن جعلوا أنداداً لمن يمتنع أن يكون له ند . ولهذا قال موحد الجاهلية زيد بن عمرو بن نفيل : أرباً واحداً أم ألف رب أدين إذا تقسمت الأمور تركت اللات والعزى جميعاً كذلك يفعل الرجل البصير " وأنتم تعلمون " حال من ضمير فلا تجعلوا ، ومفعول تعلمون مطروح ، أي : وحالكم أنكم من أهل العلم والنظر وإصابة الرأي ، فلو تأملتم أدنى تأمل اضطر عقلكم إلى إثبات موجد للمكنات منفرد بوجوب الذات ، متعال عن متشابهة المخلوقات . أو منوي وهو أنها لا تماثله ولا تقدر على مثل ما يفعله كقوله سبحانه وتعالى : " هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء " وعلى هذا فالمقصود منه التوبيخ والتثريب ، لا تقييد الحكم وقصره عليه ، فإن العالم والجاهل المتمكن من العلم سواء في التكليف . واعلم إن مضمون الآيتين هو الأمر بعبادة الله سبحانه وتعالى ، والنهي عن الإشراك به تعالى ، والإشارة إلى ما هو العلة والمقتضى . وبيانه أنه رتب الأمر بالعبادة على صفة الربوبية إشعاراً بأنها العلة لوجوبها ، ثم بين ربوبيته بأنه تعالى خالقهم وخالق أصولهم وما يحتاجون إليه في معاشهم من المقلة والمظلة والمطاعم والملابس ، فإن الثمرة أعم من المطعوم ، والرزق أعم من المأكل والمشروب . ثم لما كانت هذه الأمور التي لا يقدر عليها غيره شاهدة على وحدانيته تعالى ، رتب تعالى عليها النهي عن الإشراك به ، ولعله سبحانه أراد من الآية الأخيرة مع ما دل عليه الظاهر وسيق فيه الكلام ، الإشارة إلى تفصيل خلق الإنسان وما أفاض عليه من المعاني والصفات على طريقة التمثيل ، فمثل البدن بالأرض ، والنفس بالسماء ، والعقل بالماء ، وما أفاض عليه من الفضائل العملية والنظرية المحصلة بواسطة استعمال العقل للحواس ، وازدواج القوى النفسانية والبدنية ، بالثمرات المتولدة من ازدواج القوى السماوية الفاعلة والأرضية المنفعلة بقدرة الفاعل المختار ، فإن لكل آية ظهراً وبطناً ولكل حد مطلعاً .

23-" وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فاتوا بسورة " لما قرر وحدانيته تعالى وبين الطريق الموصل إلى العلم بها ، ذكر عقيبه ما هو الحجة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، وهو القرآن المعجز بفصاحته التي بذت فصاحة كل منطق وإفحامه ، من طولب بمعارضته من مصاقع الخطباء من العرب العرباء مع كثرتهم وإفراطهم في المضادة والمضارة ، و تهالكهم على المعازة والمعارة ، وعرف ما يتعرف به إعجازه ويتيقن أنه من عند الله كما يدعيه . وإنما قال " مما نزلنا " لأن نزوله نجماً منجماً بحسب الوقائع على ما ترى أهل الشعر والخطابة مما يريبهم ، كما حكى الله عنهم فقال " وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة " فكان الواجب تحديهم على هذا الوجه إزاحة للشبهة وإلزاماً للحجة ، وأضاف العبد إلى نفسه تعالى تنويهاً بذكره ، وتنبيهاً على أنه مختص به منقاد لحمه تعالى ، وقرئ عبادنا يريد محمد صلى الله عليه وسلم وأمته . والسورة الطائفة من القرآن المترجمة التي أقلها ثلاث آيات ، وهي إن جعلت واوها أصلية منقولة من سور المدينة لأنها محيطة بطائفة من القرآن مفرزة محوزة على حيالها ، أو محتوية على أنواع من العلم احتواء سور المدينة على ما فيها ، أو من السور التي هي الرتبة ، قال النابغة : ولرهط حراب وقدً سورة في المجد ليس غرابها بمطار لأن السور كالمنازل والمراتب يترقى فيها القارئ ، أولها مراتب في الطول والقصر والفضل والشرف وثواب القراءة . وإن جعلت مبدلة من الهمزة فمن السورة التي هي البقية والقطعة من الشئ . والحكمة في تقطيع القرآن سوراً : إفراد الأنواع ، وتلاحق الأشكال ، وتجاوب النظم ، وتنشيط القارئ ، وتسهيل الحفظ ، والترغيب فيه ، فإنه إذا ختم سورة نفس ذلك عنه ، كالمسافر إذا علم أنه قطع ميلاً أو طوى بريداً ، والحافظ متى حذفها اعتقد أنه أخذ من القرآن حظاً تاماً ،وفاز بطائفة محدودة مستقلة بنفسها ، فعظم ذلك عنده و ابتهج به إلى غير ذلك من الفوائد . " من مثله " صفة سورة أي : بسورة كائنة من مثله ، والضمير لما نزلنا ، و ( من ) للتبعيض أو للتبيين . وزائدة عند الأخفش أي بسورة مماثلة للقرآن العظيم في البلاغة وحسن النظم . أو لعبدنا ، و ( من ) للابتداء أي : بسورة كائنة ممن هو على حاله عليه الصلاة والسلام من كونه بشراً أمياً لم يقرأ الكتب ولم يتعلم العلوم . أو صلة " فأتوا " ، والضمير للعبد صلى الله عليه وسلم ، والرد إلى المنزل أوجه لأنه المطابق لقوله تعالى " فاتوا بسورة من مثله " ولسائر آيات التحدي ، ولأن الكلام فيه لا في المنزل عليه فحقه أن لا ينفك عنه ليتسق الترتيب والنظم ، ولأن مخاطبة الجم الغفير بأن يأتوا بمثل ما أتى به واحد من أبناء جلدتهم أبلغ في التحدي من أن يقال لهم : ليأت بنحو ما أوتي به هذا آخر مثله ، ولأنه معجز في نفسه لا بالنسبة إليه لقوله تعالى : " قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله " ولأن رده إلى عبدنا يوهم إمكان صدوره ممن لم يكن على صفته ، ولا يلائمه قوله تعالى " وادعوا شهداءكم من دون الله " فإنه أمر يستعينوا بكل من ينصرهم ويعينهم . والشهداء جمع شهيد بمعنى الحاضر ، أو القائم بالشهادة ، أو الناصر أو الإمام . وكأنه سمي به لأنه يحضر النوادي وتبرم بمحضره الأمور ، إذ التركيب للحضور ، إما بالذات أو بالتصور ، ومنه قيل : للمقتول في سبيل الله شهيد لأنه حضر ما كان يرجوه ، أو الملائكة حضروه . ومعنى " دون " أدنى مكان من الشئ ومنه تدوين الكتب ، لأنه إدناء البعض من البعض ، ودونك هذا أي : خذه من أدنى مكان منك ، ثم استعير للرتب فقيل : زيد دون عمرو أي : في الشرف ، ومنه الشئ الدون ، ثم اتسع فيه فاستعمل في كل تجاوز حد إلى حد وتخطي أمر إلى آخر ، قال تعالى : " لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين " أي لا يتجاوزوا ولاية المؤمنين إلى ولاية الكافرين . قال أمية : يا نفس ما لك دون الله من واق أي إذا تجاوزت وقاية الله فلا يقيك غيره ، و " من " متعلقة بـ " ادعوا " . والمعنى " وادعوا " للمعارضة من حضركم ، أو رجوتم معونته من إنسكم وجنكم وآلهتكم غير الله سبحانه وتعالى ، فإنه لا يقدر على أن يأتي بمثله إلا الله . أو : " وادعوا " من دون الله شهداء يشهدون لكم بأن ما أتيتم به مثله ، ولا تستشهدوا بالله فإنه من ديدن المبهوت العاجز عن إقامة الحجة . أو بـ" شهداءكم " أي الذين اتخذتموهم من دون الله أولياء وآلهة ، وزعمتم أنها تشهد لكم يوم القيامة . أو الذين يشهدون لكم بين يدي الله تعالى على زعمكم من قول الأعشى : تريك القذى من دونها وهي دونه ليعينوكم وفي أمرهم أن يستظهروا بالجماد في معارضة القرآن العزيز غاية التبكيت والتهكم بهم . وقيل : " من دون الله " أي من دون أوليائه ، يعني فصحاء العرب ووجوه المشاهد ليشهدوا لكم أن ما أتيتم به مثله ، فإن العاقل لا يرضى لنفسه أن يشهد بصحة ما اتضح فساده وبان اختلاله . " إن كنتم صادقين " أنه من كلام البشر ، وجوابه محذوف دل عليه ما قبله . والصدق : الإخبار المطابق وقيل : اعتقاد المخبر أنه كذلك عن دلالة أو أمارة ، لأنه تعالى كذب المنافقين في قولهم : " إنك لرسول الله " ، لما لم يعتقدوا مطابقته ، ورد بصرف التكذيب إلى قولهم " نشهد " ، لأن الشهادة إخبار عما علمه وهم ما كانوا عالمين به .

24-" فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة " لما بين لهم ما يتعرفون به أمر الرسول صلى الله عليه وسلم وما جاء به ، وميز لهم الحق عن الباطل ، رتب عليه ما هو كالفذلكة له ، وهو أنكم إذا اجتهدتم في معارضته جميعاً عن الإتيان بما يساويه أو يدانيه ، ظهر معجز والتصديق به واجب ، فآمنوا به واتقوا العذاب المعد لمن كذب ، فعبر عن الإتيان المكيف بالفعل الذي يعم الإتيان وغيره إيجازاً ، ونزل لازم الجزاء منزلته على سبيل الكتابة تقريراً للمكنى عنه ، وتهويلاً لشأن العتاد ، وتصريحاً بالوعيد مع الإيجاز ، وصدر الشرطية بإن التي للشك والحال يقتضي إذا الذي للوجوب ، فإن القائل سبحانه وتعالى لم يكن شاكاً في عجزهم ، ولذلك نفى إتيانهم معترضاً بين الشرط والجزاء تهكماً بهم وخطاباً معهم على حسب ظنهم ، فإن العجز قبل التأمل لم يكن محققاً عندهم . و " تفعلوا " جزم بـ" لم " لأنها واجبة الإعمال مختصة بالمضارع متصلة بالمعمول ، ولأنها لما صيرته ماضياً صارت كالجزء منه ، وحرف الشرط كالداخل على المجموع فكأنه قال : فإن تركتم الفعل ، ولذلك ساغ اجتماعهما . " ولن " كلا في نفي المستقبل غير أنه أبلغ وهو حرف مقتضب عند سيبويه و الخليل في إحدى الروايتين عنه ، وفي الرواية الأخرى أصله لا أن ، وعند الفراء لا فأبدلت ألفها نوناً ، والوقود بالفتح ما توقد به النار ، وبالضم المصدر وقد جاء المصدر بالفتح قال سيبويه : وسمعنا من يقول وقدت النار وقوداً عالياً ، واسم بالضم ولعله مصدر سمي به كما قيل : فلان فخر قومه وزين بلده ، وقد قرئ به والظاهر أن المراد به الاسم ، وإن أريد به المصدر فعلى حذف مضاف أي : وقودها احتراق الناس ، والحجارة : وهي جمع حجر . كجمالة جمع جمل وهو قليل غير منقاس ، والمراد بها الأصنام التي نحتوها وقرنوا بها أنفسهم وعبدوها طمعاً في شفاعتها والانتفاع بها واستدفاع المضار لمكانتهم ، وبدل عليه قوله تعالى : " إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم " . عذبوا بما هو منشأ جرمهم كما عذب الكافرون بما كنزوه . أو بنقيض ما كانوا يتوقعون زيادة في تحسرهم . وقيل : الذهب والفضة التي كانوا يكنزونها ويغترون بها ، وعلى هذا لم يكن لتخصيص إعداد هذا النوع من العذاب بالكفار وجه ، وقيل : حجارة الكبريت وهو تخصيص بغير دليل وإبطال للمقصود ، إذ الغرض تهويل شأنها وتفاقم لهبها بحيث تتقد بما لا يتقد به غيرها ، والكبريت تتقد به كل نار وإن ضعفت ، فإن صح هذا عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما فلعله عني به أن الأحجار كلها لتلك النار كحجارة الكبريت لسائر النيران . ولما كانت الآية مدنية نزلت بعد ما نزل بمكة قوله تعالى في سورة التحريم " ناراً وقودها الناس والحجارة " . وسمعوه صح تعريف النار . ووقوع الجملة صلة بإزائها فإنها يجب أن تكون قصة معلومة . " أعدت للكافرين " هيئت لهم وجعلت عدة لعذابهم . وقرئ : أعتدت من العتاد بمعنى العدة ، والجملة استئناف ، أو حال بإضمار قد من النار لا الضمير الذي في وقودها ، وإن جعلته مصدراً للفصل بينهما بالخبر . وفي الآيتين ما يدل على النبوة من وجوه : الأول : ما فيهما من التحدي والتحريض على الجد وبذل الوسع في المعارضة بالتقريع والتهديد ، وتعليق الوعيد على عدم الإتيان بما يعارض أقصر سورة من سور القرآن ، ثم :إنهم مع كثرتهم واشتهارهم بالفصاحة وتهالكهم على المضادة لم يتصدوا لمعارضته ، التجؤوا إلى جلاء الوطن وبذل المهج . الثاني : أنهما يتضمنان الإخبار عن الغيب على ما هو به ، فإنهم لو عارضوه بشئ لامتنع خفاؤه عادة سيما والطاعنون فيه أكثر من الذابين عنه في كل عصر . الثالث : أنه صلى الله عليه وسلم لو شك في أمره لما دعاهم إلى المعارضة بهذه المبالغة ، مخافة أن يعارض فتدحض حجته . وقوله تعالى : " أعدت للكافرين " دل على أن النار مخلوقة معدة الآن لهم .