islamkingdomfaceBook islamkingdomtwitter islamkingdominstagram islamkingdomyoutube islamkingdomnew


30" وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة " تعداد لنعمة ثالثة تعم الناس كلهم ، فإن خلق آدم وإكرامه وتفضيله على ملائكته بأن أمرهم بالسجود له ، إنعام يعم ذريته . وإذا : ظرف وضع لزمان نسبة ماضية وقع فيه أخرى ، كما وضع إذ الزمان نسبة مستقبلة يقع فيه أخرى ، ولذلك يجب إضافتهما إلى الجمل كحيث في المكان ، وبنيتا تشبيهاً لهما بالموصولات ، واستعملنا للتعليل والمجازاة ، ومحلهما النصب أبداً بالظرفية فإنهما من الظروف الغير المتصرفة لما ذكرناه ، وأما قوله تعالى : " واذكر أخاً عاد إذ أنذر قومه بالأحقاف " ونحوه فعلى تأويل : اذكر الحادث إذا كان كذا ، فحذف الحادث وأقيم الظرف مقامه ، وعامله في الآية قالوا ، أو أذكر على التأويل المذكور لأنه جاء معمولاً له صريحاً في القرآن كثيراً ، أو مضمر دل عليه مضمون الآية المتقدمة ، مثل وبدأ خلقكم إذ قال ، وعلى هذا فالجملة معطوفة على خلق لكم داخلة في حكم الصلة . وعن معمر أنه مزيد . والملائكة جمع ملأك على الأصل كالشمائل جمع شمأل ، والتاء لتأنيث الجمع ، وهو مقلوب مألك من الألوكة وهي : الرسالة ، لأنهم وسائط بين الله تعالى ، وبين الناس ، فهم رسل الله . أو كالرسل إليهم . واختلف العقلاء في حقيقتهم بعد اتفاقهم على أنها ذوات موجودة قائمة بأنفسهم . فذهب أكثر المسلمين إلى أنها لطيفة قادرة على التشكل بأشكال مختلفة ، مستدلين بأن الرسل كانوا يرونهم كذلك . وقالت طائفة من النصارى : هي النفوس الفاضلة البشرية المفارقة للأبدان . وزعم الحكماء أنهم جواهر مجردة مخالفة للنفوس الناطقة في الحقيقة ، منقسمة إلى قسمين : قسم شأنهم الاستغراق في معرفة الحق جل جلاله والتنزه عن الاشتغال بغيره ، كما وصفهم في محكم تنزيله فقال تعالى : " يسبحون الليل والنهار لا يفترون " وهم العليون والملائكة المقربون . وقسم يدبر الأمر من السماء إلى الأرض على ما سبق به القضاء وجرى به القلم الإلهي " لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون " وهم المدبرات أمراً ، فمنهم سماوية ، ومنهم أرضية ، على تفصيل أثبته في كتاب الطوالع . والمقول لهم : الملائكة كلهم لعموم اللفظ وعدم المخصص ، وقيل ملائكة الأرض ، وقيل إبليس ومن كان معه في محاربة الجن ، فإنه تعالى أسكنهم في الأرض أولاً فأفسدوا فيها ، فبعث إليهم إبليس في جند الملائكة فدمرهم وفرقهم في الجزائر والجبال . وجاعل : من جعل الذي له مفعولان وهما في " الأرض خليفة " أعمل فيهما ، لأنه بمعنى المستقبل ومعتمد على مسند إليه . ويجوز أن يكون بمعنى خالق . والخليفة من يخلف غيره وينوب منابه ، والهاء فيه للمبالغة ، والمراد به آدم عليه الصلاة والسلام لأنه كان خليفة الله في أرضة ، وكذلك كل نبي استخلفهم الله في عمارة الأرض وسياسة الناس وتكميل نفوسهم وتنفيذ أمره فيهم ، لا لحاجة به تعالى إلى من ينوبه ، بل لقصور المستخلف عليه عن قبول فيضه ، وتلقي أمره بغير وسط ، وذلك لم يستنبئ ملكاً كما قال الله تعالى : " ولو جعلناه ملكاً لجعلناه رجلاً " ألا ترى أن الأنبياء لما فاقت قوتهم ، واشتعلت قريحتهم بحيث يكاد زيتها يضئ ولو لم تمسسه نار ، أرسل إليهم الملائكة ومن كان منهم أعلى رتبة كلمة بلا واسطة ، كما كلم موسى عليه السلام في الميقات , ومحمدا صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج ، ونظير ذلك في الطبيعة أن العظم لما عجز عن قبول الغذاء من اللحم لما بينهما من التباعد ، جعل الباري تعالى بحكمته بينهما الغضروف المناسب لهما ليأخذ من هذا ويعطي ذلك . أو خليفة من سكن الأرض قبله ، أو هو وذريته لأنهم يخلفون من قبلهم ، أو يخلف بعضهم بعضاً . وإفراد اللفظ : إما للاستغناء بذكره عن ذكر بنيه كما استغني بذكر أبي القبيلة في قولهم : مضر وهاشم . أو على تأويل من يخلفكم ، أو خلفاً يخلفكم . وفائدة قوله تعالى هذا للملائكة ، تعليم المشاورة ، وتعظيم شأن المجعول ، بأن بشر عز وجل بوجود سكان ملكوته ، ولقبه بالخليفة قبل خلقه ، وإظهار فضله الراجح على ما فيه من المفاسد بسؤالهم ، وجوابه وبيان أن الحكمة تقتضي إيجاد ما يغلب خيره ، فإن ترك الخير الكثير لأجل الشر القليل شر كثير إلى غير ذلك . " قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء " تعجب من أن يستخلف لعمارة الأرض وإصلاحها من يفسد فيها ، أو يستخلف مكان أهل الطاعة أهل المعصية ، واستكشاف عما خفي عليهم من الحكمة التي بهرت تلك المفاسد وألغتها ، واستخبار عما يرشدهم ويزيح شبهتهم كسؤال المتعلم معلمه عما يختلج في صدره ، وليس باعتراض على الله تعالى جلت قدرته ، ولا طعن في بني آدم على وجه الغيبة ، فإنهم أعلى من أن يظن بهم ذلك لقوله تعالى : " بل عباد مكرمون * لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون " وإنما عرفوا ذلك بإخبار من الله تعالى ، أو تلق من اللوح ، أو استنباط عما ركز في عقولهم أن العصمة من خواصهم ، أو قياس لأحد الثقلين على الآخر . السفك والسبك والسفح والشن أنواع من الصب ، فالسفك يقال في الدم والدمع ، والسبك في الجواهر المذابة ، والسفح في الصب من أعلى ، والشن في الصب من فم القربة ونحوها ، وكذلك السن ، وقرئ " يسفك " على البناء للمفعول ، فيكون الراجع إلى " من " ، سواء جعل موصولاً أو موصوفاً محذوفاً ، أي : يسفك الدماء فيهم . " ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك " حال مقررة لجهة الإشكال كقولك : أتحسن إلى أعدائك ، وأنا الصديق المحتاج القديم . والمعنى : أتستخلف عصاة ونحن معصومون أحقاء بذلك ، والمقصود منه ، الاستفسار ومع ما هو متوقع منهم ، على الملائكة المعصومين في الاستخلاف ، لا العجب والتفاخر . وكأنهم علموا أن المجعول خليفة ذو ثلاث قوى عليها مدار أمره : شهوية وغضبية تؤديان به إلى الفساد وسفك الدماء ، و عقلية تدعوه إلى المعرفة والطاعة . ونظروا إليها مفردة وقالوا : ما الحكمة في استخلافه ، وهو باعتبار تينك القوتين لا تقتضي إيجاده فضلاً عن استخلافه ، وأما باعتبار القوة العقلية فنحن نقيم ما يتوقع منها سليماً عن معارضة تلك المفاسد . وغفلوا عن فضيلة كل واحدة من القوتين إذا صارت مهذبة مطواعة للعقل ، متمرنة على الخير كالعفة والشجاعة ومجاهدة الهوى والإنصاف . ولم يعلموا أن التراكيب يفيد ما يقصر عنه الآحاد ، كالإحاطة بالجزئيات واستنباط الصناعات واستخراج منافع الكائنات من القوة إلى الفعل الذي هو المقصود من الاستخلاف ، وإليه أشار تعالى إجمالاً بقوله : " قال إني أعلم ما لا تعلمون " والتسبيح تبعيد الله تعالى عن السوء وكذلك التقديس ، من سبح في الأرض والماء ، وقدس في الأرض إذا ذهب فيها وأبعد ، ويقال قدس إذا طهر لأن مطهر الشئ مبعد له عن الأقذار .و " بحمدك " في موضع الحال ، أي : متلبسين بحمدك على ما ألهمتنا معرفتك ووفقتنا لتسبيحك ، تداركوا به ما أوهم إسناد التسبيح إلى أنفسهم ، ونقدس لك نطهر نفوسنا عن الذنوب لأجلك ، كأنهم قابلوا الفساد المفسر بالشرك عند قوم بالتسبيح ، وسفك الدماء الذي هو أعظم الأفعال الذميمة بتطهير النفوس عن الآثام وقيل : نقدسك واللام مزيدة .

31" وعلم آدم الأسماء كلها " إما بخلق علم ضروري بها فيه ، أو إلقاء في روعه ، ولا يفتقر إلى سابقة اصطلاح ليتسلسل . والتعليم فعل يترتب عليه العلم غالباً ، ولذلك يقال علمته فلم يتعلم . و " آدم " اسم أعجمي كآزر وشالخ ، واشتقاقه من الأدمة أو الأمة بالفتح بمعنى الأسوة ، أو من أديم الأرض لما روي عنه عليه الصلاة والسلام " أنه تعالى قبض قبضة من جميع الأرض سهلها وحزنها فخلق منها آدم " فلذلك يأتي بنوه أخيافاً ، أو من الأدم أو الأدمة بمعنى الألفة ، تعسف كاشتقاق إدريس من الدرس ، ويعقوب من العقب ، وإبليس من الإبلاس . والاسم باعتبار الاشتقاق ما يكون علامة للشئ ودليلاً يرفعه إلى الذهن مع الألفاظ والصفات والأفعال ، واستعماله فرفاً في اللفظ الموضوع لمعنى سواء كان مركباً أو مفرداً مخبراً أو رابطة بينهما .واصطلاحاً : في المفرد الدال على معنى يستلزم الأول ، لأن العلم بألفاظ من حيث الدلالة متوقف على العلم بالمعاني ، والمعنى أنه تعالى خلقه من أجزاء مختلفة وقوى متباينة ، مستعداً لإدراك أنواع المدركات من المعقولات والمحسوسات , والمتخيلات والموهومات . وألهمه معرفة ذوات الأشياء وخواصها وأسمائها وأصول العلوم وقوانين الصناعات وكيفية آلاتها . " ثم عرضهم على الملائكة " الضمير فيه للمسميات المدلول عليها ضمناً إذ التقدير أسماء المسميات ، فحذف المضاف إليه لدلالة المضاف عليه وعوض عنه اللام كقوله تعالى : " واشتعل الرأس شيباً " لأن العرض للسؤال عن أسماء المعروضات فلا يكون المعروض نفس الأشياء سيما إن أريد به الألفاظ ، والمراد به ذوات الأشياء ، أو مدلولات الألفاظ ، وتذكيره ليغلب ما اشتمل عليه من العقلاء ، وقرئ عرضهن على معنى عرض مسمياتهن أو مسمياتها . " فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء " تبكيت لهم وتنبيه على عجزهم عن أمر الخلافة ، فإن التصرف والتدبير إقامة المعدلة قبل تحقق المعرفة ، والوقوف على مراتب الاستعدادات وقدر الحقوق محال ، وليس بتكليف ليكون من باب التكليف بالمحال ، والإنباء : إخبار فيه إعلام ، ولذلك يجري مجرى كل واحد منهما . " إن كنتم صادقين " في زعمكم أنكم أحقاء بالخلافة لعصمتكم ، أو أن خلقهم واستخلافهم وهذه صفتهم لا يليق بالحكيم ، وهو وإن لم يصرحوا به لكنه لازم مقالهم . والتصديق كما يتطرق إلى الكلام باعتبار منطوقه قد يتطوق إليه بفرض ما يلزم مدلوله من الأخبار ، وبهذا الاعتبار يعتري الإنشاءات .

32-" قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا " اعتراف بالعجز والقصور ، وإشعار بأن سؤالهم كان استفساراً ولم يكن اعتراضاً ، وأنه قد بان لهم ما خفي عليهم من فضل الإنسان والحكمة في خلقة ، وإظهار لشكر نعمته بما عرفهم وكشف لهم ما اعتقل عليهم ، ومراعاة للأدب بتفويض العلم كله إليه . وسبحان : مصدر كغفران ولا يكاد يستعمل إلا مضافاً منصوباً بإضمار فعله ، كمعاذ الله . وقد أجري علماً للتسبيح بمعنى التنزيه على الشذوذ في قوله : سبحان من علقمة الفاخر . وتصدير الكلام به اعتذار عن الاستفسار والجهل بحقيقة الحال ، ولذلك جعل مفتاح التوبة فقال موسى عليه السلام : " سبحانك تبت إليك " وقال يونس : " سبحانك إني كنت من الظالمين " . " إنك أنت العليم " الذي لا يخفى عليه خافية : " الحكيم " المحكم لمبدعاته الذي لا يفعل إلا ما فيه حكمة بالغة وأنت فصل ، وقيل : تأكيد للكاف كما في قولك : مررت بك أنت ، وإن لم يجز : مررت بأنت ، إذ التابع يسوغ فيه ما لا يسوغ في المتبوع ، ولذلك جاز : يا هذا الرجل ، ولم يجز : يا الرجل ، وقيل : مبتدأ خبره ما بعده والجملة خبر إن .

33-" قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم " أي : أعلمهم ، وقرئ بقلب الهمزة ياء وحذفها بكسر الهاء فيهما . " فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السموات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون " استحضار لقوله تعالى : " إني أعلم ما لا تعلمون " لكنه جاء به على وجه أبسط ليكون كالحجة عليه ، فإنه تعالى لما علم ما خفي عليهم من أمور السماوات والأرض ، وما ظهر لهم من أحوالهم الظاهرة والباطنة علم ما لا يعلمون ، وفيه تعريض بمعاتبتهم على ترك الأولى ، وهو أن يتوقفوا مترصدين لأن يبين لهم ، وقيل : " ما تبدون " قولهم : أتجعل فيها من يفسد فيها . وما " تكتمون " استبطانهم أنهم أحقاء بالخلافة ، وأنه تعالى لا يخلق خلقاً أفضل منهم . وقيل : ما أظهروا من الطاعة ، وأسر إبليس منهم من المعصية ، والهمزة للإنكار دخلت حرف الجحد فأفادت الإثبات والتقرير . واعلم أن هذه الآيات تدل على شرف الإنسان ، ومزية العلم وفضله على العبادة ، وأنه شرط في الخلافة بل العمدة فيها ، وأن التعليم يصح إسناده إلى الله تعالى ، وإن لم يصح إطلاق المعلم عليه لاختصاصه بمن يحترف به ، وأن اللغات توقيفية ، فإن الأسماء تدل على الألفاظ بخصوص أو عموم ، وتعليماً ظاهر في إلقائها على المتعلم مبيناً له معانيها ، وذلك يستدعي سابقة وضع ، والأصل ينفي أن يكون ذلك الوضع ممن كان قبل آدم فيكون من الله سبحانه وتعالى ، وان مفهوم الحكمة زائد على مفهوم العلم وإلا لتكرر قوله : " إنك أنت العليم الحكيم " وأن علوم الملائكة و كمالاتهم تقبل الزيادة ، والحكماء منعوا ذلك في الطبقة العليا منهم ، وحملوا عليه قوله تعالى : " وما منا إلا له مقام معلوم " وأن آدم أفضل من هؤلاء الملائكة لأنه أعلم منهم ، والأعلم أفضل لقوله تعالى : " هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون " وأنه تعالى يعلم الأشياء قبل حدوثها .

34-" وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم " لما أنبأهم بأسمائهم وعلمهم ما لم يعلموا أمرهم بالسجود له ، اعترافاً بفضله ، وأداء لحقه واعتذاراً عما قالوا فيه ، وقيل : أمرهم به قبل أن يسوي خلقة لقوله تعالى : " فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين " امتحاناً لهم وإظهاراً لفضله . والعاطف عطف الظرف على الظرف السابق إن نصبته بمضمر ، وإلا عطفه بما يقدر عاملاً فيه على الجملة المتقدمة ، بل القصة بأسرها على القصة الأخرى ، وهي نعمة رابعة عدها عليهم . والسجود في الأصل تذلل مع تطامن قول الشاعر : ترى الأكم فيها سجداً للحوافر وقال آخر : وقلن له اسجد لليلى فاسجدا يعني البعير إذا طأطأ رأسه . وفي الشرع : وضع الجبهة على قصد العبادة ، والمأمور به إما المعنى الشرعي فالمسجود له بالحقيقة هو الله تعالى ، وجعل آدم قبلة لسجودهم تفخيماً لشأنه ، أو سبباً لوجوبه فكأنه تعالى لما خلقه بحيث يكون نموذجاً للمبدعات كلها بل الموجودات بأسرها ، ونسخة لما في العالم الروحاني والجسماني وذريعة للملائكة إلى استيفاء ما قدر لهم من الكمالات ، ووصلة إلى ظهور ما تباينوا فيه من المراتب والدرجات ، أمرهم بالسجود تذللاً لما رأوا فيه من عظيم قدرته وباهر آياته ، وشكراً لما أنعم عليهم بواسطته ، فاللام فيه كاللام في قول حسان رضي الله تعالى عنه : أليس أول من صلى لقبلتكم وأعرف الناس بالقرآن والسنن أو في قوله تعالى : " أقم الصلاة لدلوك الشمس " . وأما المعنى اللغوي وهو التواضع لآدم تحية وتعظيماً له ، كسجود إخوة يوسف له ، أو التذلل والإنقياد بالسعي في تحصيل ما ينوط به معاشهم ويتم به كمالهم . والكلام في أن المأمور بالسجود ، الملائكة كلهم ، أو طائفة منهم ما سبق . " فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر " امتنع عما أمر به ، استكباراً من أن يتخذه وصلة في عبادة ربه ، أو يعظمه ويتلقاه بالتحية ، أو يخدمه ويسعى فيما فيه خيره وصلاحه . والإباء : امتناع باختيار . والتنكير : أن يرى الرجل نفسه أكبر من غيره . والاستكبار طلب ذلك بالتشبع . " وكان من الكافرين " أي في علم الله تعالى ، أو صار منهم باستقباحه أمر الله تعالى ،إياه بالسجود لآدم اعتقاداً بأنه أفضل منه ، والأفضل لا يحسن أن يؤمر بالتخضع للمفضول والتوسع به كما أشعر به قاله : " أنا خير منه " جواباً لقوله : " ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي أستكبرت أم كنت من العالين " . لا بترك الواجب وحده . والآية تدل على أن آدم عليه السلام أفضل من الملائكة المأمورين بالسجود له ، ولو من وجه ، وأن إبليس كان من الملائكة وإلا لم يتناوله أمرهم ولا يصح استثناؤه منهم ، ولا يرد على ذلك قوله سبحانه وتعالى : " إلا إبليس كان من الجن " لجواز أن يقال إنه كان من الجن فعلاً ومن الملائكة نوعاً ، ولأن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما روي : أن من الملائكة ضرباً يتوالدون يقال لهم الجن ومنهم إبليس . ولمن زعم أنه لم يكن من الملائكة أن يقول : إنه كان جنياً نشأ بين أظهر الملائكة ،وكان مغروراً بالألوف منهم فغلبوا عليه ، أو الجن أيضاً كانوا مأمورين مع الملائكة لكنه استغنى بذكر الملائكة عن ذكرهم ، فإنه إذا علم أن الأكابر مأمورون بالتذلل لأحد والتوسل به ، علم أن الأصاغر أيضاً مأمورون به . والضمير في فسجدوا راجع إلى القبيلين كأنه ، قال فسجد المأمورون بالسجود إلا إبليس ، وأن من الملائكة من ليس بمعصوم وإن كان الغالب فيهم العصمة ، كما أن من الإنس معصومين والغالب فيهم عدم العصمة ، ولعل ضرباً من الملائكة لا يخالف الشياطين بالذات ، وإنما يخالفهم بالعوارض والصفات كالبررة والفسقة من الإنس والجن يشملهما . وكان إبليس من هذا الصنف كما قاله ابن عباس رضي الله تعالى عنهما فلذلك صح عليه التغير عن حاله والهبوط من محله ،كما أشار إليه بقوله عز وجل : " إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه " لا يقال : كيف يصح ذلك والملائكة خلقت من نور والجن من نار ؟ لما روت عائشة رضي الله تعالى عنها أنه عليه الصلاة والسلام قال : " خلقت الملائكة من النور ، وخلق الجن من مارج من نار " لأنه كالتمثيل لما ذكرنا فإن المراد بالنور الجوهر المضيء والنار كذلك ، غير أن ضوءها مكدر مغمور بالدخان محذور عنه بسبب ما يصحبه من فرط الحرارة والإحراق ، فإذا صارت مهذبة مصفاة كانت محض نور ، ومتى نكصت عادت الحالة الأولى جذعة ولا تزال تتزايد حتى ينطفئ نورها ويتقى الدخان الصرف ، وهذا أشبه بالصواب وأوفق للجمع بين النصوص ، والعلم عند الله سبحانه وتعالى . ومن فوائد الآية استقباح الاستكبار وأنه قد يفضي بصاحبه إلى الكفر ، والحث على الائتمار لأمره وترك الخوض في سره , وأن الأمر للوجوب ، وأن الذي علم الله تعالى من حاله أنه يتوفى على الكفر هو الكافر على الحقيقة ، إذ العبرة بالخواتم وإن كان بحكم الحال مؤمناً وهو الموافاة المنسوبة إلى شيخنا أبي الحسن الأشعري رحمه الله تعالى . و

35-" وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة " السكن من السكون لأنها استقرار ولبث ، و " أنت " تأكيد أكد به المستكن ليصبح العطف عليه ، وإنما لم يخاطبهما أولاً تنبيهاً على أنه المقصود بالحكم والمعطوف عليه تبع له . والجنة دار الثواب ، لأن اللام للعهد ولا معهود غيرها . ومن زعم أنها لم تخلق بعد قال إنه بستان كان بأرض فلسطين ، أو بين فارس وكرمان خلقه الله تعالى امتحاناً لآدم ، وحمل الإهباط على الانتقال منه إلى أرض الهند كما في قوله تعالى : " اهبطوا مصراً " " وكلا منها رغدا " واسعاً رافهاً ، صفة مصدر محذوف . " حيث شئتما " أي مكان من الجنة شئتما ، وسع الأمر عليهما إزاحة للعملة ، والعذر في التناول من الشجرة المنهي عنها من بين أشجارها الفائتة للحصر . " ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين " فيه مبالغات ، تعليق النهي بالقرب الذي هو من مقدمات التناول مبالغة في تحريمه ، ووجوب الاجتناب عنه ، وتنبيهاً على أن القرب من الشئ يورث داعية ، وميلاً يأخذ بمجامع القلب ويلهيه عما هو مقتضى العقل والشرع ، كما روي " حبك الشئ يعمي ويصم " فينبغي أن لا يحوما حول ما حرم الله عليهما مخافة أن يقعا فيه ، وجعله سبباً لأن يكون من الظالمين الذين ظلموا أنفسهم بارتكاب المعاصي ، أو بنقص حظهما بالإتيان بما يخل بالكرامة والنعيم ، فإن الفاء تفيد السببية سواء جعلت للعطف على النهي أو الجواب له . والشجرة هي الحنطة ، أو الكرمة ، أو التينة ، أو شجرة من أكل منها أحدث ، والأولى أن لا تعين من غير قاطع كما لم تعين في الآية لعدم توقف ما هو المقصود عليه . وقرئ بكسر الشين ، وتقرباً بكسر التاء وهذي بالياء .

36-" فأزلهما الشيطان عنها " أصدر زلتهما عن الشجرة وحملهما على الزلة بسببها ، ونظير عن هذه في قوله تعالى " وما فعلته عن أمري " . أو أزلهما عن الجنة بمعنى أذهبهما ، ويعضده قراءة حمزة فأزلهما وهما متقاربان في المعنى ، غير أن أزل يقتضي عثرة مع الزوال ، و إزلاله قوله : " هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى " وقوله : " ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين " ومقاسمته إياها بقوله : " إني لكما لمن الناصحين " . واختلف في أنه تمثل لهما فقاولهما بذلك ، أو ألقاه إليهما على طريق الوسوسة ، وأنه كيف توصل إلى إزلالهما بعدما قيل له : " اخرج منها فإنك رجيم " . فقيل : إنه منع من الدخول على جهة التكرمة كما كان يدخل مع الملائكة ، ولم يمنع أن يدخل للوسوسة ابتلاء لآدم وحواء . وقيل : قام عند الباب فناداهما . وقيل : تمثل بصورة دابة فدخل ولم تعرفه الخزنة . وقيل : دخل في فم الحية حتى دخلت به . وقيل : أرسل بعض أتباعه فأزلهما ، والعلم عند الله سبحانه وتعالى . " فأخرجهما مما كانا فيه " أي من الكرامة والنعيم. " وقلنا اهبطوا" خطاب لآدم عليه الصلاة والسلام وحواء لقوله سبحانه وتعالى : " قال اهبطا منها جميعاً " . وجمع الضمير لأنهما أصلاً الجنس فكأنهما الإنس كلهم . أو هما وإبليس أخرج منها ثانياً بعدما كان يدخلها للوسوسة ، أو دخلها مسارقة أو من السماء . " بعضكم لبعض عدوً " حال استغني فيها عن الواو بالضمير ، والمعنى متعادين يبغي بعضكم على بعض بتضليله . " ولكم في الأرض مستقر " موضع استقرار ، أو استقرار . " ومتاع " تمتع . " إلى حين " يريد به وقت الموت أو القيامة .

37-" فتلقى آدم من ربه كلمات " استقبلها بالأخذ والقبول والعمل بها حين علمها . وقرأ ابن كثير بنصب " آدم " ورفع الكلمات على أنها استقبلته وبلغته وهي قوله تعالى : " ربنا ظلمنا أنفسنا " ، وقيل : سبحانك اللهم وبحمدك ، وتبارك اسمك ، وتعالى جدك لا إله إلا أنت ظلمت نفسي فاغفر لي ، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت . وعن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : يا رب ألم تخلقني بيدك ، قال : بلى ، قال : يا رب ألم تنفخ في الروح من روحك ، قال : بلى ، قال : يا رب ألم تسبق رحمتك غضبك ، قال : بلى ، قال : ألم تسكني جنتك ، قال : بلى ، قال : يا رب إن تبت وأصلحت أراجعي أنت إلى الجنة قال : نعم . وأصل الكلمة : الكلم ، وهو التأثير المدرك بإحدى الحاستين السمع والبصر كالكلام والجراحة والحركة . " فتاب عليه " رجع عليه بالرحمة وقبول التوبة ، وإنما رتبه بالفاء على تلقي الكلمات لتضمنه معنى التوبة : وهو الإعتراف بالذنب والندم عليه والعزم على أن لا يعود إليه . واكتفى بذكر آدم لأن حواء كانت تبعاً له في الحكم ولذلك طوي ذكر النساء في أكثر القرآن والسنن . " إنه هو التواب " الرجاع على عباده بالمغفرة ، أو الذي إعانتهم على التوبة ، وأصل التوبة : الرجوع ، فإذا وصف بها العبد كان رجوعاً عن المعصية ، وإذا وصف بها الباري تعالى أريد بها الرجوع عن العقوبة إلى المغفرة . " الرحيم " المبالغ في الرحمة ، وفي الجمع بين الوصفين ، وعد للتائب بالإحسان مع العفو .