islamkingdomfaceBook islamkingdomtwitter islamkingdominstagram islamkingdomyoutube islamkingdomnew


38-" قلنا اهبطوا منها جميعاً " كرر للتأكيد ، أو لاختلاف المقصود فإن الأول دل على أن هبوطهم إلى دار بلية يتعادون فيها ولا يخلدون ، والثاني أشعر بأنهم أهبطوا للتكليف ، فمن اهتدى الهدى نجا ومن ضله هلك ، والتنبيه على أن مخالفة الإهباط المقترن بأحد هذين الأمرين وحدها كافية للحازم أن تعوقه عن مخالفة حكم الله سبحانه وتعالى ، فكيف بالمقترن بهما ، ولكنه نسي ولم نجد له عزماً ، وأن كل واحد منهما كفى به نكالاً لمن أراد أن يذكر . وقيل الأول من الجنة إلى السماء الدنيا ، والثاني منها إلى الأرض وهو كما ترى . و " جميعاً " حال في اللفظ تأكيد في المعنى كأنه قيل : اهبطوا أنتم أجمعون ، ولذلك لا يستدعي اجتماعهم على الهبوط في زمان واحد كقولك : جاؤوا جميعاً " فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون " الشرط الثاني مع جوابه جواب الشرط الأول ، وما مزيدة أكدت به إن ولذلك حسن تأكيد الفعل بالنون وإن لم يكن فيه معنى الطلب ، والمعنى : إن يأتينكم مني هدى بإنزال أو إرسال ، فمن تبعه منكم نجا وفاز ، وإنما جيء بحرف الشك ، وإتيان كائن لا محالة لأنه محتمل في نفسه غير واجب عقلاً ، وكرر لفظ الهدى ولم يضمر لأنه أراد بالثاني أعم من الأول ، وهو ما أتى به الرسل واقتضاه العقل ، أي : فمن تبع ما أتاه مراعياً فيه ما يشهد به العقل فلا خوف عليهم فضلاً عن أن يحل بهم مكروه ، ولا هم يفوت عنهم محبوب فيحزنوا عليه ، فالخوف على المتوقع والحزن على الواقع نفى عنهم العقاب وأثبت لهم الثواب على آكد وجه وأبلغه . وقرئ هدى على لغة هذيل ولا خوف بالفتح .

39-" والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون " عطف على " فمن تبع " إلى آخره قسيم له كأنه قال : ومن يتبع بل كفروا بالله ، وكذبوا بآياته ، أو كفروا بالآيات جناناً ، وكذبوا بها لساناً فيكون الفعلان متوجهين إلى الجار والمجرور . والآية في الأصل العلامة الظاهرة ، ويقال للمصنوعات من حيث إنها تدل على وجود الصانع وعلمه وقدرته ، ولكل طائفة من كلمات القرآن المتميزة عن غيرها بفصل ، واشتقاقها من آي لأنها تبين آياً من أي أو من أوى إليه ,وأصلها أأية أو أوية كثمرة ، فأبدلت عينها ألفاً على غير قياس ، أو أيية . أو أوية كرمكة فأعلت . أو آئية كقائلة فحذفت الهمزة تخفيفاً . والمراد " بآياتنا " الآيات المنزلة ، أو ما يعمها والمعقوله , وقد تمسكت الحشوية بهذه القصة على عدم عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من وجوه : الأول : أن آدم صلوات الله عليه كان نبياً ،وارتكب المنهي عنه والمرتكب له عاص . والثاني : أنه جعل بارتكابه من الظالمين والظالم ملعون لقوله تعالى : " ألا لعنة الله على الظالمين " . والثالث : أنه تعالى أسند إليه العصيان ، فقال " وعصى آدم ربه فغوى " . والرابع : أنه تعالى لقنه التوبة ، وهي الرجوع عن الذنب والندم عليه . والخامس : اعترافه بأنه خاسر لولا مغفرة الله تعالى إياه بقوله : " وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين " والخاسر من يكون ذا كبيرة . والسادس : أنه لو لم يذنب لم يجر عليه ما جرى . والجواب من وجوه . الأول : أنه لم نبياً حينئذ ، والمدعي مطالب بالبيان . الثاني : أن النهي للتنزيه ، وإنما سمي ظالماً وخاسراً لأنه ظلم نفسه وخسر حظه بترك الأولى له . وأما إسناد الغي والعصيان إليه ، فسيأتي الجواب عنه في موضعه إن شاء الله تعالى . وإنما أمر بالتوبة تلافياً لما فات عنه ، وجرى عليه ما جرى معاتبة له على ترك الأولى ،ووفاء بما قاله للملائكة قبل خلقه . والثالث : أنه فعله ناسياً لقوله سبحانه وتعالى : " فنسي ولم نجد له عزماً " ولكنه عوتب بترك التحفظ عن أسباب النسيان ، ولعله وإن حط عن الأمة لم يحط عن الأنبياء لعظم قدرهم كما قال عليه الصلاة والسلام " أشد الناس بلاء الأنبياء ، ثم الأولياء ، ثم الأمثل فالأمثل " . أو أدى فعلة إلى ما جرى عليه على طريق السببية المقدرة دون المؤاخذة على تناوله ، كتناول السم على الجاهل بشأنه . لا يقال إنه باطل لقوله تعالى : " ما نهاكما ربكما " ، و " قاسمهما " لأنه ليس فيهما ما يدل على أن تناوله حين ما قال له إبليس ، فلعل مقاله أورث فيه ميلاً طبيعياً ، ثم إنه كف نفسه عنه مراعاة لحكم الله تعالى إلى أن نسي ذلك ، وزال المانع فحمله الطبع عليه . والرابع : أنه عليه السلام أقدم عليه بسبب اجتهاد أخطأ فيه ، فإنه ظن أن النهي للتنزيه ، أو الإشارة إلى عين تلك الشجرة فتتناول من غيرها من نوعها وكان المراد بها الإشارة إلى النوع ، كما روي أنه عليه الصلاة والسلام " أخذ حريراً وذهباً بيده وقال : هذان حرام على ذكور أمتي حل لإناثها " . وإنما جرى عليه ما جرى تعظيماً لشأن الخطيئة ليجتنبها أولاده . وفيها دلالة على أن الجنة مخلوقة وأنها في جهة عالية ، وأن التوبة مقبولة ، وأن متبع الهدى مأمون العاقبة ، أن عذاب النار دائم ، وأن الكافر فيه مخلد ، وأن غيره لا يخلد فيه بمفهوم قوله تعالى : " هم فيها خالدون " . وأعلم أنه سبحانه وتعالى لما ذكر دلائل التوحيد والنبوة والمعاد ، وعقبها تعداد النعم العامة تقريراً لها وتأكيداً ، فإنها من حيث إنها حوادث محكمة تدل على محدث حكيم له الخلق والأمر وحده لا شريك له ، ومن حيث إن الإخبار بها على ما هو مثبت في الكتب السابقة ممن لم يتعلمها ، ولم يمارس شيئاً منها إخبار بالغيب معجز يدل على نبوة المخبر عنها ، ومن حيث اشتمالها على خلق الإنسان وأصوله وما هو أعظم من ذلك ، تدل على أنه قادرة على الإعادة كما كان قادراً على الإبداء ، خاطب أهل العلم والكتاب منهم ، وأمرهم أن يذكروا نعم الله تعالى عليهم ، ويوفوا بعهده في اتباع الحق واقتفاء الحجج ليكونوا أول من آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم وما أنزل عليه فقال :

40-" يا بني إسرائيل " أي أولاد يعقوب ، والابن من البناء لأنه مبنى أبيه ، ولذلك ينسب المصنوع إلى صانعه فيقال : أبو الحرب ، وبنت الفكر . وإسرائيل لقب يعقوب عليه السلام ومعناه بالعبرية : صفوة الله ، وقيل : عبد الله ، وقرئ " إسرائيل " بحذف الياء وإسرال بحذفهما و " إسرائيل " بقلب الهمزة ياء . " اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم " أي بالتفكر فيها والقيام بشكرها ، وتقييد النعمة بهم لأن الإنسان غيور حسود بالطبع ، فإذا نظر إلى ما أنعم الله على غيره حمله الغيرة والحسد على الكفران والسخط ، وإن نظر إلى ما أنعم الله به عليه حمله حب النعمة على الرضى والشكر . وقيل أراد بها ما أنعم الله به على آبائهم من الإنجاء من فرعون والغرق ، ومن العفو عن اتخاذ العجل ، وعليهم من إدراك زمن محمد صلى الله عليه وسلم وقرئ " اذكروا " والأصل إذتكروا . ونعمتي بإسكان الياء وقفاً وإسقاطها درجاً هو مذهب من لا يحرك الياء المكسور ما قبلها . " وأوفوا بعهدي " بالإيمان والطاعة . " أوف بعهدكم " بحسن الإثابة والعهد يضاف إلى المعاهد والمعاهد ، ولعل الأول مضاف إلى الفاعل والثاني إلى المفعول ، فإنه تعالى عهد إليهم بالإيمان والعمل الصالح بنصب الدلائل وإنزال الكتب ، ووعد لهم بالثواب على حسناتهم ، وللوفاء بهما عرض عريض فأول مراتب الوفاء منا هو الإتيان بكلمتي الشهادة ، ومن الله تعالى حقن الدم والمال ، وآخرها منا الاستغراق في بحر التوحيد يغفل عن نفسه فضلاً عن غيره ، ومن الله تعالى الفوز باللقاء الدائم . ما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : أوفوا بعهدي في اتباع محمد صلى الله عليه وسلم ، أوف بعهدكم في رفع الآنصار والإغلال . وعن غيره أوفوا بأداء الفرائض وترك الكبائر أوف بالمغفرة والثواب . أو أوفوا بالاستقامة على الطريق المستقيم ، أوف بالكرامة والنعيم المقيم ، فبالنظر إلى الوسائط . وقيل كلاهما مضاف إلى المفعول والمعنى : أوفوا بما عاهدتموني من الإيمان والتزام الطاعة ، أوف بما عاهدتكم من حسن الإثابة . وتفصيل العهدين في سورة المائدة في قوله تعالى : " ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل " إلى قوله : " ولأدخلنكم جنات تجري من تحتها الأنهار " . وقرئ أوف بالتشديد للمبالغة . " وإياي فارهبون " فيما تأتون وتذرون وخصوصاً في نقض العهد ، وهو آكد في إفادة التخصيص من إياك نعبد لما فيه مع التقديم من تكرير المفعول ، والفاء الجزائية الدالة على تضمن الكلام معنى الشرط كأنه قيل : إن كنتم راهبين شيئاً فارهبون . والرهبة : خوف مع تحرز . والآية متضمنة للوعد والوعيد دالة على وجوب الشكر والوفاء بالعهد ، وأن المؤمن ينبغي أن لا يخاف أحداً إلا الله تعالى .

41-" وآمنوا بما أنزلت مصدقاً لما معكم " إفراد للإيمان بالأمر به والحث عليه لأنه المقصود والعمدة للوفاء بالعهود ، وتقييد المنزل بأنه مصدق لما معهم من الكتب الإلهية من حيث إنه نازل حسبما نعت فيها ، أو مطابق لها في القصص والمواعيد والدعاء إلى التوحيد والأمر بالعبادة والعدل بين الناس والنهي عن المعاصي والفواحش ، وفيما يخالفها من جزئيات الأحكام بسبب تفاوت الأعصار في المصالح من حيث إن كل واحدة منها حق بالإضافة إلى زمانها ، مراعى فيها صلاح من خوطب بها ، حتى لو نزل المتقدم في أيام المتأخر لنزل على وفقه ، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام " لو كان موسى حياً لما وسعه إلا اتباعي " ، تنبيه على أن اتباعها لا ينافي الإيمان به ، بل يوجبه ولذلك عرض بقوله : " ولا تكونوا أول كافر به " بأن الواجب أن يكونوا أول من آمن به ، ولأنهم كانوا أهل النظر في معجزاته والعلم بشأنه والمستفتحين به والمبشرين بزمانه . و " أول كافر به " وقع خبراً عن ضمير الجمع بتقدير : أول فريق أو فوج ، أو بتأويل لا يكن كل واحد منكم أول كافر به ، كقولك كسانا حلة فإن قيل كيف نهرا عن التقدم في الكفر وقد سبقهم مشركو العرب ؟ قلت المراد به التعريض لا الدلالة على ما نطق به الظاهر كقولك أما أنا فلست بجاهل أو لا تكونوا أول كافر به . من أهل الكتاب ، أو ممن كفر بما معه فإن من كفر بالقرآن فقد كفر بما يصدقه ، أو مثل من كفر من مشركي مكة . و " أول " : أفعل لا فعل له ، وقيل : أصله أو أل من وأل ، فأبدلت همزته واواً تخفيفاً غير قياسي أو أأول من آل فقلبت همزته واواً وأدغمت . " ولا تشتروا بآياتي ثمناً قليلاً " ولا تستبدلوا بالإيمان بها والاتباع لها حظوظ الدنيا ، فإنها وإن جلت قليلة مسترذلة بالإضافة إلى ما يفوت عنكم من حظوظ الآخرة بترك الإيمان . قيل : كان لهم رياسة في قومهم ورسوم وهدايا منهم ، فخافوا عليها لو اتبعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاختاروها عليه . وقيل : كانوا يأخذون الرشى فيحرفون الحق ويكتمونه . " وإياي فاتقون " بالإيمان واتباع الحق والأعراض عن الدنيا . ولما كانت الآية السابقة مشتملة على ما هو كالمبادي لما في الآية الثانية ، فصلت بالرهبة التي هي مقدمة التقوى ، ولأن الخطاب بها عم العالم المقلد . أمرهم بالرهبة التي هي مبدأ السلوك ، والخطاب بالثانية لما خص أهل العلم ، أمرهم بالتقوى التي هي منتهاه .

42-" ولا تلبسوا الحق بالباطل " عطف على ما قبله . واللبس الخلط وقد يلزمه جعل الشئ مشتبهاً بغيره ، والمعنى لا تخلطوا الحق المنزل بالباطل الذي تخترعونه وتكتمونه حتى لا يميز بينهما ، أو ولا تجعلوا الحق ملتبساً بسبب خلط الباطل الذي تكتبونه في خلاله ، أو تذكرونه في تأويله . " وتكتموا الحق " جزم داخل تحت حكم النهي كأنهم أمروا بالإيمان وترك الضلال ، ونهوا عن الإضلال بالتلبيس على من سمع الحق والإخفاء على من لم يسمعه ، أو نصب بإضمار أن على أن الواو للجمع بمعنى مع ، أي لا تجمعوا لبس الحق بالباطل وكتمانه ، ويعضده أنه في مصحف ابن مسعود وتكتمون أي وأنتم تكتمون بمعنى كاتمين ، وفيه إشعار بأن استقباح اللبس لما يصحبه من كتمان الحق . " وأنتم تعلمون " عالمين بأنكم لابسون كاتمون فإنه أقبح إذ الجاهل قد يعذر .

43-" وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة " يعني صلاة المسلمين وزكاتهم فإن فيرهما كلا صلاة وزكاة . أمرهم بفروع الإسلام بعد ما أمرهم بأصوله ، وفيه دليل على أن الكفار مخاطبون بها . و " الزكاة " من زكا الزرع ، إذا نما ، فإن إخراجها يستجلب بركة في المال ويثمر للنفس فضيلة الكرم . أو من الزكاة بمعنى : الطهارة ، فإنها تطهر المال من الخبث والنفس من البخل . " واركعوا مع الراكعين " أي في جماعتهم ، فإن " صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة " لما فيها من تظاهر النفوس ، وعبر عن الصلاة بالركوع احترازاً عن صلاة اليهود .وقيل الركوع : الخضوع والانقياد لما يلزمهم الشارع ، قال الأضبط السعدي : لا تذل الضعيف علك أن تر كع يوماً والدهر قد رفعه

44-" أتأمرون الناس بالبر " تقرير مع توبيخ وتعجيب . والبر : التوسع في الخير ، من البر وهو الفضاء الواسع يتناول كل خير ، ولذلك قيل ثلاثة : بر في عبادة الله تعالى ، وبر في مراعاة الأقارب ، وبر في معاملة الأجانب . " وتنسون أنفسكم " وتتركونها من البر كالمنسييات ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنها نزلت في أحبار المدينة ، كانوا يأمرون سراً من نصحوه باتباع محمد صلى الله عليه وسلم ولا يتبعونه . وقيل : كانوا يأمرون بالصدقة ولا يتصدقون " وأنتم تتلون الكتاب " تبكيت كقوله : " وأنتم تعلمون " أي تتلون التوراة ، وفيها الوعيد على العناد وترك البر ومخالفة القول العمل . " أفلا تعقلون " قبح صنيعكم فيصدكم عنه ، أو أفلا عقل لكم يمنعكم عما تعلمون وخامة عاقبته . والعقل في الأصل الحبس ، سمي به الإدراك الإنساني لأنه يحبسه عما يقبح ، ويعقله على ما يحسن ، ثم القوة التي بها النفس ، تدرك هذا الإدراك . والآية ناعية على من يعظ غيره ولا يتعظ بنفسه سوء صنيعه وخبث نفسه ، وأن فعله فعل الجاهل بالشرع أو الأحمق الخالي عن العقل ، فإن الجامع بينهما تأبى عنه شكيمته ، والمراد بها حث الواعظ على تزكية النفس والإقبال عليها بالتكميل لتقوم فيقيم غيره ، لا منع الفاسق عن الوعظ فإن الإخلال بأحد الأمرين المأمور بهما لا يوجب الإخلال بالآخر .

45-" واستعينوا بالصبر والصلاة " متصل بما قبله ، كأنهم لما أمروا بما يشق عليهم لما فيه من الكلفة وترك الرياسة والإعراض عن المال عولجوا بذلك ، والمعنى استعينوا على حوائجكم بانتظار النجح والفرج توكلاً على الله ، أو بالصوم الذي هو صبر عن المفطرات لما فيه من كسر الشهوة ، وتصفية النفس . والتوسل بالصلاة والالتجاء إليها ، فإنها جامعة لأنواع العبادات النفسانية والبدنية ، من الطهارة وستر العورة وصرف المال فيهما ، والتوجه إلى الكعبة والعكوف للعبادة ، وإظهار الخشوع بالجوارح ، وإخلاص النية بالقلب ، ومجاهدة الشيطان ، ومناجاة الحق ، وقراءة القرآن ، والتكلم بالشهادتين وكف النفس عن الأطيبين حتى تجابوا إلى تحصيل المأرب وجبر المصائب ، روي أنه عليه الصلاة والسلام " كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة " ويجوز أن يراد بها الدعاء . " وإنها " : أي وإن الاستعانة بهما أو الصلاة وتخصيصها برد الضمير إليها ، لعظم شأنها واستجماعها ضروباً من الصبر . أو جملة ما أمروا بها ونهوا عنها . " لكبيرة " لثقيلة شاقة كقوله تعالى : " كبر على المشركين ما تدعوهم إليه " . " إلا على الخاشعين " أي المخبتين ، والخشوع الإخبات ومنه الخشعة للرملة المتطامنة . والخضوع اللين والانقياد ، ولذلك يقال الخشوع بالجوارح والخضوع بالقلب .

46-" الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم وأنهم إليه راجعون " أي يتوقعون لقاء الله تعالى ونيل ما عنده ، أو يتيقنون أنهم يحشرون إلى الله فيجازيهم ، ويؤيده أن في مصحف ابن مسعود يعلمون وكأن الظن لما شابه العلم في الرجحان أطلق عليه لتضمن معنى التوقع ، قال أوس بن حجر : فأرسلته مستيقن الظل أنه مخالط ما بين الشراسف جائف وإنما لم تثقل عليهم ثقلها على غيرهم فإن نفوسهم مرتاضة بأمثالها ، متوقعة في مقابلتها ما يستحقر لأجله مشاقها ويستلذ بسببه متاعبها ، ومن ثمة قال عليه الصلاة والسلام " وجعلت قرة عيني في الصلاة " .

47-" يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم " كرره للتأكيد وتذكير التفضيل الذي هو أجل النعم خصوصاً ، وربطه بالوعيد الشديد تخويفاً لمن غفل عنها وأخل بحقوقها . " وأني فضلتكم " عطف على نعمتي . " على العالمين " أي عالمي زمانهم ، ويريد به تفضيل آبائهم الذين كانوا في عصر موسى عليه الصلاة والسلام وبعده ، قبل أن يضروا بما منحهم الله تعالى من العلم والإيمان والعمل الصالح ، وجعلهم أنبياء وملوكاً مقسطين . واستدل به على تفضيل البشر على الملك وهو ضعيف .

48-" واتقوا يوماً " أي ما فيه من الحساب والعذاب . " لا تجزي نفس عن نفس شيئا " لا تقضي عنها شيئاً من الحقوق ، أو شيئاً من الجزاء فيكون نصبه على المصدر ، وقرئ لا " تجزي " من أجزأ عنه إذا أغنى وعلى هذا تعين أن يكون مصدراً ، وإيراده منكراً مع تنكير النفسين للتعميم و الإقناط الكلي والجملة صفة ليوماً ، والعائد فيها محذوف تقديره لا تجزي فيه ، ومن لم يجوز حذف العائد المجرور قال اتسع : فيه فحذف عنه الجار وأجري مجرى المفعول به ثم حذف كما حذف من قوله : أم مال أصابوا . " ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل " أي من النفس العاصية ، أو من الأولى ، وكأنه أريد بالآية نفي أن يدفع العذاب أحد عن أحد من كل وجه محتمل ، فإنه إما أن يكون قهراً أو غيره ، والأول النصرة ، والثاني إما أن يكون مجاناً أو غيره . والأول أن يشفع له والثاني إما بأداء ما كان عليه وهو أن يجزي عنه ، أو بغيره وهو أن يعطى عنه عدلاً . والشفاعة من الشفع كأن المشفوع له كان فرداً فجعله الشفيع شفعاً بضم نفسه إليه ، العدل الفدية . وقيل : البدل وأصله التسوية سمي به الفدية لأنها سميت بالمفدى ، وقرأ ابن كثير و أبو عمرو ولا تقبل بالتاء . " ولا هم ينصرون " يمنعون من عذاب الله ، والضمير لما دلت عليه النفس الثانية المنكرة الواقعة في سياق النفس من النفوس الكثيرة ، وتذكيره بمعنى العباد . أو الأناسي والنصر أخص من المعونة لاختصاصه بدفع الضر . وقد تمسكت المعتزلة بهذه الآية على نفي الشفاعة لأهل الكبائر ، وأجيب بأنها مخصوصة بالكفار للآيات والأحاديث الواردة في الشفاعة ، ويؤيد أن الخطاب معهم ، والآية نزلت رداً لما كانت اليهود تزعم أن آباءهم تشفع لهم .