islamkingdomfaceBook islamkingdomtwitter islamkingdominstagram islamkingdomyoutube islamkingdomnew


49-" وإذ نجيناكم من آل فرعون " تفصيل لما أجمله في قوله : " اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم " وعطف على " نعمتي " عطف " جبريل " و " ميكال " على " الملائكة " ، وقرئ أنجيتكم . وأصل " آل " أهل لأن تصغيره أهيل ، وخص بالإضافة إلى أولي الخطر كالأنبياء والملوك . و " فرعون " لقب لمن ملك العمالقة ككسرى وقيصر لملكي الفرس والروم . ولعتوهم اشتق منه تفرعن الرجل إذا عتا وتجبر ، وكان فرعون موسى ، مصعب بن ريان ، وقيل ابنه من بقايا عاد . وفرعون يوسف عليه السلام ، ريان وكان بينهما أكثر من أربعمائة سنة . " يسومونكم " يبغونكم ، من سامه خسفاً إذا أولاه ظلماً ، وأصل السوم الذهاب في طلب الشئ . " سوء العذاب " أفظعه فإنه قبيح بالإضافة إلى سائره ، والسوء مصدر ساء يسوء ونصبه على المفعول ليسومونكم ، والجملة حال من الضمير في نجيناكم ، أو من " آل فرعون " ، أو منهما جميعاً لأن فيها ضمير كل واحد منهما . " يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم " بيان ليسومونكم ولذلك لم يعطف ، وقرئ " يذبحون " بالتخفيف . وإنما فعلوا بهم ذلك لأن فرعون رأى في المنام ، أو قال له الكهنة : سيولد منهم من يذهب بملكه ، فلم يرد اجتهادهم من قدر الله شيئاً . " وفي ذلكم بلاء " محنة ، إن أشير بذلكم إلى صنيعهم ، ونعمة إن أشير به إلى الإنجاء ، وأصله الاختيار لكن لما كان اختيار الله تعالى عبادة تارة بالمحنة وتارة بالمحنة أطلق عليهما ، ويجوز أن يشار بذلكم إلى الجملة ويراد به الامتحان الشائع بينهما . " من ربكم " بتسليطهم عليكم ، أو ببعث موسى عليه السلام وتوفيقه لتخليصكم ، أو بهما , " عظيم " صفة بلاء . وفي الآية تنبيه على أن ما يصيب العبد من خير أو شر إختبار من الله تعالى ، فعليه أن يشكر على مساره ويصبر على مضاره ليكون من خير المختبرين .

50-" وإذ فرقنا بكم البحر " فلقناه وفصلنا بين بعضه وبعض حتى حصلت فيه مسالك بسلوككم فيه . أو بسبب إنجائكم ، أو ملتبساً بكم كقوله : تدوس بنا الجماجم والتريبا وقرئ " فرقنا " على بناء التكثير لأن المسالك كانت اثني عشر بعدد الأسباط . " فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون " أراد به فرعون وقومه ، وأقتصر على ذكرهم للعلم بأنه كان أولى به ، وقيل شخصه كما روي أن الحسن رضي الله تعالى عنه كان يقول : اللهم صل على آل محمد : أي شخصه واستغني بذكره عن ذكر أتباعه . " وأنتم تنظرون " ذلك ، أي غرقهم وإطباق البحر عليهم ، أو انفلاق البحر عن طرق يابسة مذللة ، أو جثثهم التي قذفها البحر إلى الساحل ، أو ينظر بعضكم بعضاً . روي أنه تعالى أمر موسى عليه السلام أن يسري ببني إسرائيل ، فخرج بهم فصبحهم فرعون وجنوده ، وصادفهم على شاطئ البحر ، فأوحى الله تعالى إليه أن أضرب بعصاك البحر ، فضربه فظهر فيه اثنا عشر طريقاً يابساً فسلكوها فقالوا : يا موسى نخاف أن يغرق بعضنا ولا نعلم ، ففتح الله فيها كوى فتراؤوا وتسامعوا حتى عبروا البحر ، ثم لما وصل إليه فرعون ورآه منفلقاً اقتحم فيه هو وجنوده فالتطم عليهم وأغرقهم أجمعين . واعلم أن هذه الواقعة من أعظم ما أنعم الله به على بني إسرائيل ، ومن الآيات الملجئة إلى العلم بوجود الصانع الحكيم وتصديق موسى عليه السلام ، ثم إنهم بعد ذلك اتخذوا العجل وقالوا : " لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة " ونحو ذلك ، فهم بمعزل في الفطنة والذكاء وسلامة النفس وحسن الاتباع عن أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، مع أن ما تواتر من معجزاته أمور نظرية مثل : القرآن والتحدي به والفضائل المجتمعة فيه الشاهدة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم دقيقة تدركها الأذكياء ، وإخباره عليه الصلاة والسلام عنها من جملة معجزاته على ما مر تقريره .

51-" وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة " لما عادوا إلى مصر بعد هلاك فرعون وعد الله موسى أن يعطيه التوراة ، وضرب له ميقاتاً ذا القعدة وعشر ذي الحجة وعبر عنها بالليالي لأنها غرر الشهور . وقرأ ابن كثير و نافع و عاصم و ابن عامر و وحمزة و الكسائي " واعدنا " لأنه تعالى وعده الوحي . ووعده موسى عليه السلام المجيء للميقات إلى الطور . " ثم اتخذتم العجل " إلهاً أو معبوداً . " من بعده " من بعد موسى عليه السلام ، أو مضيه . " وأنتم ظالمون " بإشراككم .

52-" ثم عفونا عنكم " حين تبتم ، والعفو محو الجريمة ، من عفا إذا درس . " من بعد ذلك " أي الاتخاذ " لعلكم تشكرون " أي لكي تشكروا عفوه .

53-" وإذ آتينا موسى الكتاب والفرقان " يعني التوراة الجامع بين كونه كتاباً منزلاً وحجة تفرق بين الحق والباطل . وقيل أراد بالفرقان معجزاته الفارقة بين المحق والمبطل في الدعوى ، أو بين الكفر والإيمان . وقيل الشرع الفارق بين الحلال والحرام ، أو النصر الذي فرق بينه وبين عدوه كقوله تعالى : " يوم الفرقان " يريد يوم بدر . " لعلكم تهتدون " لكي تهتدوا بتدبر الكتاب والتفكر في الآيات .

54-" وإذ قال موسى لقومه يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم " فاعزموا على التوبة والرجوع إلى من خلقكم براء من التفاوت ، ومميزاً بعضكم عن بعض بصور وهيئات مختلفة ، وأصل التركيب لخلوص الشئ عن غيره ، إما على سبيل التقصي كقولهم بريء المريض من مرضه المديون من دينه ، أو الإنشاء كقولهم برأ الله آدم من الطين أو فتوبوا . " فاقتلوا أنفسكم " إتماماً لتوبتكم بالبخع ، أو قطع الشهوات كما قيل من لم يعذب نفسه لم ينعمها ومن لم يقتلها لم يحيها . وقيل أمروا أن يقتل بعضهم بعضاً . وقيل أمر من لم يعبد العجل أن يقتل العبدة . روي أن الرجل كان يرى بعضه وقريبه فلم يقدر على المضي لأمر الله ، فأرسل الله ضبابة وسحابة سوداء لا يتباصرون ، فأخذوا يقتلون من الغداة إلى العشي حتى دعا موسى وهارون فكشف السحابة ونزلت التوبة ، وكانت القتلى سبعين ألفاً . والفاء الأولى للتسبب ، والثانية للتعقيب . " ذلكم خير لكم عند بارئكم " من حيث إنه طهرة من الشرك ، ووصلة إلى الحياة الأبدية والبهجة السرمدية . " فتاب عليكم " متعلق بمحذوف إن جعلته من كلام موسى عليه السلام لهم تقديره : إن فعلتم ما أمرتم به فقد تاب عليكم ، أو عطف على محذوف إن جعلته خطاباً من الله تعالى لهم على طريقة الالتفات ، كأنه قال : ففعلتم ما أمرتم به فتاب عليكم بارئكم . وذكر البارئ وترتيب الأمر عليه إشعاراً بأنهم بلغوا غاية الجهالة والغباوة ، حتى تركوا عبادة خالقهم الحكيم إلى عبادة البقر التي هي مثل الغباوة ، وأن من لم يعرف حق منعمه حقيق بأن لا يسترد منه ، ولذلك أمروا بالقتل وفك التركيب . " إنه هو التواب الرحيم " للذي يكثر توفيق التوبة ، أو قبولها من المذنبين ، ويبالغ في الإنعام عليهم .

55-" وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك " أي لأجل قولك ، أو لن نقر لك . " حتى نرى الله جهرةً " عياناً وهي في الأصل مصدر قولك : جهرت بالقراءة ، استعيرت للمعاينة ، ونصبها على المصدر لأنها نوع من الرؤية ، أو الحال من الفاعل ، أو المفعول . وقرئ جهرة بالفتح على أنها مصدر كالغلبة ، أو جمع جاهر كالكتبة فيكون حالاً من الفاعل قطعاً ، والقائلون هم السبعون الذين اختارهم موسى عليه السلام للميقات . وقيل عشرة آلاف من قومه . والمؤمن به : إن الله الذي أعطاك التوراة وكلمك ،أو إنك نبي . " فأخذتكم الصاعقة " لفرط العناد والنعت وطلب المستحيل ، فإنهم ظنوا أنه تعالى يشبه الأجسام فطلبوا رؤيته رؤية الأجسام في الجهات والأحياز المقابلة للرائي ، وهي محال ، بل الممكن أن يرى رؤية منزهة عن الكيفية ، وذلك للمؤمنين في الآخرة ولأفراد من الأنبياء في بعض الأحوال في الدنيا . قيل جاءت نار من السماء فأحرقتهم . وقيل صيحة . وقيل جنود سمعوا بحسيسها فخروا صعقين ميتين يوماً وليلة . " وأنتم تنظرون " ما أصابكم بنفسه أو أثره .

56-" ثم بعثناكم من بعد موتكم " بسبب الصاعقة ، وقيد للبعث لأنه قد يكون عن إغماء ، أو نوم كقوله تعالى : " ثم بعثناهم " . " لعلكم تشكرون " نعمة البعث ، أو ما كفرتموه لما رأيتم بأس الله بالصاعقة .

57-" وظللنا عليكم الغمام " سخر الله لهم السحاب يظلهم من الشمس حين كانوا في التيه . " وأنزلنا عليكم المن والسلوى " الترنجبين والسماني . قيل كان ينزل عليهم المن مثل الثلج من الفجر إلى الطلوع ، وتبعث الجنوب عليهم السماني ، وينزل بالليل عمود نار يسيرون في ضوئه ، وكانت ثيابهم لا تتسخ ولا تبلى . " كلوا من طيبات ما رزقناكم " على إرادة القول . " وما ظلمونا " فيه اختصار ، وأصله فظلموا بأن كفروا هذه النعم وما ظلمونا . " ولكن كانوا أنفسهم يظلمون " بالكفران لأنه لا يتخطاهم ضرره .