islamkingdomfaceBook islamkingdomtwitter islamkingdominstagram islamkingdomyoutube islamkingdomnew


44ـ " أم تحسب " بل أتحسب . " أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون " فتجدي لهم الآيات أو الحجج فتهتم بشأنهم وتطمع في إيمانهم ، وهو أشد مذمة مما قبله حتى حق بالإضراب عنه إليه ، وتخصيص الأكثر لأنه كان منهم من آمن ومنهم من عقل الحق وكابر استكباراً وخوفاً على الرئاسة . " إن هم إلا كالأنعام " في عدم انتفاعهم بقرع الآيات آذانهم وعدم تدبرهم فيما شاهدوا من الدلائل والمعجزات . " بل هم أضل سبيلاً " من الأنعام لأنها تنقاد لمن يتعهدها وتميز من يحسن إليها ممن يسيء إليها ، وتطلب ما ينفعها وتتجنب ما يضرها وهؤلاء لا ينقادون لربهم ولا يعرفون إحسانه من إساءة الشيطان ، ولا يطلبون الثواب الذي هو أعظم المنافع ولا يتقون العقاب الذي هو أشد المضار ، ولأنها إن لم تعتقد حقاً ولم تكتسب خيراً لم تعتقد باطلاً ولم تكتسب شراً ، بخلاف هؤلاء ولأن جهالتها لا تضر بأحد وجهالة هؤلاء تؤدي إلى هيج الفتن وصد الناس عن الحق ، ولأنها غير متمكنة من طلب الكمال فلا تقصير منها ولا ذم وهؤلاء مقصرون ومستحقون أعظم العقاب على تقصيرهم .

45ـ " ألم تر إلى ربك " ألم تنظر إلى صنعه . " كيف مد الظل " كيف بسطه أو ألم تنظر إلى الظل كيف مده ربك ، فغير النظم إشعاراً بأنه المعقول من هذا الكلام لوضوح برهانه وهو دلالة حدوثه وتصرفه على الوجه النافع بأسباب ممكنة على أن ذلك فعل الصانع الحكيم كالمشاهد المرئي فكيف بالمحسوس منه ، أو ألم ينته علمك إلى أن ربك كيف مد الظل وهو فيما بين طلوع الفجر والشمس وهو أطيب الأحوال ، فإن الظلمة الخالصة تنفر الطبع وتسد النظر وشعاع الشمس : يسخن الجو ويبهر البصر، ولذلك وصف به الجنة فقال " وظل ممدود " . " ولو شاء لجعله ساكناً " ثابتاً من السكنى أم غير متقلص من السكون بأن يجعل الشمس مقيمة على وضع واحد . " ثم جعلنا الشمس عليه دليلاً " فإنه لا يظهر للحس حتى تطلع فيقع ضوؤها على بعض الأجرام ، أو لا يوجد ولا يتفاوت إلا بسبب حركتها .

46ـ " ثم قبضناه إلينا " أي أزلناه بإيقاع الشمس موقعه لما عبر عن أحداثه بالمد بمعنى التسيير عبر عن إزالته بالقبض إلى نفسه الذي هو في معنى الكف . " قبضاً يسيراً " قليلاً قليلاً حسبما ترتفع الشمس لينتظم بذلك مصالح الكون ويتحصل به ما لا يحصى من منافع الخلق ، و " ثم " في الموضعين لتفاضل الأمور أو لتفاضل مبادئ أوقات ظهورها ، وقيل " مد الظل " لما بنى السماء بلا نير ، ودحا الأرض تحتها فألقت عليها ظلها ولو شاء لجعله ثابتاً على تلك الحالة ، ثم خلق الشمس عليه دليلاً ، أي مسلطاً عليه مستتبعاً إياه كما يستتبع الدليل المدلول ، أو دليل الطريق من يهديه فإنه يتفاوت بحركتها ويتحول بتحولها ، " ثم قبضناه إلينا قبضاً يسيراً " شيئاً فشيئاً إلى أن تنتهي غاية نقصانه ، أو " قبضاً " سهلاً عند قيام الساعة بقض أسبابه من الأجرام المظلة والمظل عليها .

47ـ " وهو الذي جعل لكم الليل لباساً " شبه ظلامه باللباس في ستره . " والنوم سباتاً " راحة للأبدان بقطع المشاغل ، وأصل السبت القطع أو موتاً كقوله : " وهو الذي يتوفاكم بالليل " لأنه قطع الحياة ومنه المسبوت للميت . " وجعل النهار نشوراً " ذا نشور أي انتشار ينتشر فيه الناس للمعاش ، أو بعث من النوم بعث الأموات فيكون إشارة إلى أن النوم واليقظة أنموذج للموت والنشور . وعن لقمان عليه السلام يا بني كما تنام فتوقظ كذلك تموت فتنشر .

48ـ " وهو الذي أرسل الرياح " وقرأ ابن كثير على التوحيد إرادة للجنس . " نشراً " ناشرات للحساب جمع نشور ، وقرأ ابن عامر بالسكون على التخفيف و حمزة و الكسائي به وبفتح النون على أنه مصدر وصف به و عاصم " بشراً " تخفيف بشر جمع بشور بمعنى مبشر " بين يدي رحمته " يعنى قدام المطر . " وأنزلنا من السماء ماءً طهوراً " مطهر اً لقوله " ليطهركم به " . وهو اسم لما يتطهر به كالوضوء والوقود لما يتوضأ به ويوقد به . " قال عليه الصلاة والسلام التراب طهور المؤمن ، طهور إناء أحدكم إذا ولغ الكلب فيه أن يغسل سبعاً إحداهن بالتراب " . وقيل بليغاً في الطهارة وفعول وإن غلب في المعنيين لكنه قد جاء للمفعول كالضبوث وللمصدر كالقبول وللاسم كالذنوب ، وتوصيف الماء به إشعاراً بالنعمة فيه وتتميم للمنة فيما بعده فإن الماء الطهور أهنأ وأنفع مما خالطه ما يزيل طهوريته ، وتنبيه على أن ظواهرهم لما كانت مما ينبغي أن يطهروها فبواطنهم بذلك أولى .

49ـ " لنحيي به بلدة ميتاً " بالنبات وتذكير " ميتاً " لأن البلدة في معنى البلد، ولأنه غير جار على الفعل كسائر أبنية المبالغة فأجري مجرى الجامد . " ونسقيه مما خلقنا أنعاماً وأناسي كثيراً " يعني أهل البوادي الذين يعيشون بالحيا ولذلك نكر الأنعام والأناسي ، وتخصيصهم لأن أهل المدن والقرى يقيمون بقرب الأنهار ، والمنافع فيهم وبما حولهم من الأنعام غنية عم سقيا السماء وسائر الحيوانات تبعد في طلب الماء فلا يعوزها الشرب غالباً مع أن مساق هذه الآيات كما هو للدلالة على عظم القدرة ، فهو لتعداد أنواع النعمة والأنعام قنية الإنسان وعامة منافعهم وعلية معايشهم منوطة بها ، ولذلك قدم سقيها على سقيهم كما قدم عليها إحياء الأرض فإنه سبب لحياتها وتعيشها ، وقرىء " نسقيه " بالفتح وسقى وأسقى لغتان ، وقيل أسقاه جعل له سقياً " وأناسي " بحذف ياء وهو جمع إنسي أو إنسان كظرابي في ظربان على أن أصله أناسين فقلبت النون ياء .

50ـ " ولقد صرفناه بينهم " صرفنا هذا القول بين الناس في القرآن الكريم وسائر الكتب ، أو المطر بينهم في البلدان المختلفة والأوقات المتغايرة وعلى الصفات المتفاوتة من وابل وطل وغيرهما ، وعن ابن عباس رضي الله عنه : (( ما عام أمطر من عام ولكن الله قسم ذلك بين عباده على ما شاء وتلا هذه الآية )) أو في الأنهار والمنافع . " ليذكروا " ليتفكروا ويعرفوا كمال القدرة وحق النعمة في ذلك ويقوموا بشكره ، أو ليعتبروا بالصرف عنهم وإليهم . " فأبى أكثر الناس إلا كفوراً " إلا كفران النعمة وقلة الاكتراث لها ، أو جحودها بأن يقولوا مطرنا بنوء كذا ، ومن لا يرى الأمطار إلا من الأنواء كان كافراً بخلاف من يرى أنها من خلق الله ، والأنواء وسائط وأمارات بجعله تعالى .

51ـ " ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيراً " نبياً ينذر أهلها فيخف عليك أعباء النبوة لكن قصرنا الأمر عليك إجلالاً لك وتعظيماً لشأنك وتفضيلاً لك على سائر الرسل فقابل ذلك بالثبات والاجتهاد في الدعوة وإظهار الحق .

52ـ" فلا تطع الكافرين " فيما يريدونك عليه ، وهو تهييج له عليه الصلاة والسلام وللمؤمنين . " وجاهدهم به " بالقرآن أوبترك طاعتهم الذي يدل عليه فلا تطع ، والمعنى إنهم يجتهدون في إبطال حقك فقابلهم بالاجتهاد في مخالفتهم وإزاحة باطلهم ." جهاداً كبيراً " لأن مجاهدة السفهاء بالحجج أكبر من مجاهدة الأعداء بالسيف ، أو لأن مخالفتهم ومعاداتهم فيما بين أظهرهم مع عتوهم وظهورهم ، أو لأنه جهاد مع كل الكفرة لأنه مبعوث إلى كافة القرى .

53ـ " وهو الذي مرج البحرين " خلاهما متجاورين متلاصقين بحيث لا يتمازجان من مرج دابته إذا خلاها . " هذا عذب فرات " قامع للعطش من فرط عذوبته . " وهذا ملح أجاج " بليغ الملوحة ، وقرئ " ملح " على فعل ولعل أصله مالح فخفف كبرد في بار . " وجعل بينهما برزخاً " حاجزاً من قدرته . " وحجراً محجوراً " وتنافراً بليغاً كأن كلاً منهما يقول للآخر ما يقوله المتعوذ للمتعوذ عنه ، وقيل حداً محدوداً وذلك كدجلة تدخل البحر فتشقه فتجري في خلاله فراسخ لا يتغير طعمها ، وقيل المراد بالبحر العذب النهر العظيم مثل النيل وبالبحر الملح البحر الكبير وبالبرزخ ما يحول بينهما من الأرض فتكون القدرة في الفصل واختلاف الصفة منع أن مقتضى طبيعة أجزاء كل عنصر أن تضامت وتلاصقت وتشابهت في الكيفية .

54ـ " وهو الذي خلق من الماء بشراً " يعني الذي خمر به طينة آدم ، أو جعله جزءاً من مادة البشر لتجتمع لتبشر وتسلس وتقبل الأشكال والهيئات بسهولة ، أو النطفة . " فجعله نسباً وصهراً " أي قسمه قسمين ذوي نسب أي ذكوراً ينسب إليهم ، وذاوت صهر أي إناثاً يصاهر بهن كقوله تعالى : " فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى " . " وكان ربك قديراً " حيث خلق من مادة واحدة بشراً ذا أعضاء مختلفة وطباع متباعدة وجعله قسمين متقابلين ، وربما يخلق من نطفة واحدة توأمين ذكراً وأنثى .

55ـ " ويعبدون من دون الله ما لا ينفعهم ولا يضرهم " يعني الأصنام أو كل ما عبد من دون الله إذ ما من مخلوق يستقل بالنفع والضر . " وكان الكافر على ربه ظهيراً " يظاهر الشيطان بالعداوة والشرك والمراد بـ " الكافر " الجنس أو جهل . وقيل هيناً مهيناً لا وقعه له عنده من قولهم ظهرت به إذا نبذته خلف ظهرك خلف ظهرك فيكون كقوله " ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم " .