islamkingdomfaceBook islamkingdomtwitter islamkingdominstagram islamkingdomyoutube islamkingdomnew


30"يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضراً وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمداً بعيداً" "يوم" منصوب بتود أي تتمنى كل نفس يوم تجد صحائف أعمالها، أو جزاء أعمالها من الخير والشر حاضرة لو أن بينها وبين ذلك اليوم، وهو له أمداً بعيداً، أو بمضمر نحو اذكر، و "تود" حال من الضمير في عملت أو خبر لما عملت من سوء وتجد مقصور على "ما عملت من خير" ولا تكون "ما" شرطية لارتفاع "تود". وقريء "ودت" وعلى هذا يصح أن تكون شرطية ولكن الحمل على الخبر أوقع معنى لأنه حكاية كائن وأوفق للقراءة المشهورة. "ويحذركم الله نفسه" كرره للتأكيد والتذكير. "والله رؤوف بالعباد" إشارة إلى أن الله تعالى إنما نهاهم رأفة بهم ومراعاة لصلاحهم، أو أنه لذو مغفرة وذو عقاب أليم فترجى رحمته ويخشى عذابه.

31"قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني" المحبة ميل النفس إلى الشيء لكمال أدركته فيه، بحيث يحملها على ما يقربها إليه، والعبد إذا علم أن الكمال الحقيقي ليس إلا لله، وأن كل ما يراه كمالاً من نفسه أو غيره فهو من الله وبالله وإلى الله لم يكن حبه إلى لله وفي الله وذلك يقتضي إرادة طاعته والرغبة فيما يقربه إليه، فلذلك فسرت المحبة بإرادة الطاعة وجعلت مستلزمة لإتباع الرسول صلى الله عليه وسلم في عبادته والحرص على مطاوعته. "يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم"جواب للأمر أي يرض عنكم ويكشف الحجب عن قلوبكم بالتجاوز عما فرط منكم فيقربكم من جناب عزه ويبوئكم في جوار قدسه، عبر عن ذلك بالمحبة على طريق الإستعارة أو المقابلة. "والله غفور رحيم" لمن تحبب إليه بطاعته وإتباع نبيه صلى الله عليه وسلم، روي: أنها نزلت لما قالت اليهود نحن أبناء الله وأحباؤه. وقيل نزلت في وفد نجران لما قالوا: إنما نعبد المسيح حباً لله. وقيل: في أقوام زعموا على عهده صلى الله عليه وسلم أنهم يحبون الله فأمروا أن يجعلوا لقولهم تصديقاً من العمل.

32" قل أطيعوا الله والرسول فإن تولوا " يحتمل المضي والمضارعة بمعنى فإن تتولوا. "فإن الله لا يحب الكافرين" لا يرضى عنهم ولا يثني عليهم، وإنما لم يقل لا يحبهم لقصد العموم والدلالة على أن التولي كفر، وإنما من هذه الحيثية ينفي محبة الله وأن محبته مخصوصة للمؤمنين.

33"إن الله اصطفى آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين" بالرسالة والخصائص الروحانية والجسمانية، ولذلك قووا على ما لم يقو عليه غيرهم. لما أوجب طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم وبين أنها الجالبة لمحبة الله عقب ذلك ببيان مناقبهم تحريضاً عليها، وبه استدل على فضلهم على الملائكة، "وآل إبراهيم"، إسماعيل واسحق وأولادهما. وقد دخل فيهم الرسول صلى الله عليه وسلم، "وآل عمران" موسى وهرون ابنا عمران بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب، أو عيسى وأمه مريم بنت عمران بن ماثان بن العازار بن أبي يوذ بن يوزن ين زربابل بن ساليان بن أوشيا بن منشكن بن حازقا بن أخاز بن يوثام بن عوزيا بن يورام بن ايشا بن راجعيم بن سليمان بن داود بن ايشي بن عوبد بن سلمون بن ياعز بن نحشون نب عمياد بن رام بن حصروم بنفارص بن يهوذا بن يعقوب عليه السلام، وكان بين العمرانين ألف وثمانمائة سنة.

34"ذرية بعضها من بعض" حال أو بدل من الآلين أو منهما ومن نوح أي إنهم ذرية واحدة متشعبة بعضها من بعض. وقيل بعضها من بعض في الدين. والذرية الولد يقع على الواحد والجمع فعلية من الذر أو فعولة من الذرء أبدلت همزتها ياء ثم قلبت الواو ياء وأدغمت. "والله سميع عليم" بأقوال الناس وأعمالهم فيصطفي من كان مستقيم القول والعمل، أو سميع بقول امرأة عمران عليم بنيتها.

35"إذ قالت امرأة عمران رب إني نذرت لك ما في بطني" فينتصب به إذ على التنازع. وقيل نصبه بإضمار اذكر، وهذه حنة بنت فاقوذة جدة عيسى عليه السلام، وكانت لعمران بن يصهر بنت يصهر بنت إسمها مريم أكبر من موسى وهرون فظن أن المراد زوجته ويرده كفالة زكريا فإنه كان معاصراً لابن ماثان وتزوج بنته ايشاع، وكلن يحيى وعيسى عليهما السلام ابني خالة من الأب روي أنها كانت عاقراً عجوزاً، فبينما هي في ظل شجرة إذ رأت طائراً يطعم فرخه فحنت إلى الولد وتمنته فقالت: اللهم إن لك علي نذراً إن رزقتني ولداً أن أتصدق به على بيت المقدس فيكون من خدمه، فحملت مريم وهلك عمران. وكان هذا النذر مشروعا في عهدهم للغلمان فلعلها بنت الأمر على التقدير أو طلبت ذكراً "محرراً" معتقاً لخدمته لا أشغله بشيء، أو مخلصاً للعبادة ونصبه على الحال. "فتقبل مني" ما نذرته. "إنك أنت السميع العليم" لقولي ونيتي.

36" فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى " لضمير لما في بطنها وتأنيثه لأنه كان أنثى، وجاز انتصاب أنثى حالاً عنه لأن تأنيثها علم منه في فإن الحال وصاحبها بالذات واحدً. أو على تأويل مؤنث كالنفس والحبلة. وإنما قالته تحسراً وتحزناً إلى ربها لأنها كانت ترجو أن تلد ذكراً ولذلك نذرت تحريره. "والله أعلم بما وضعت" أي بالشيء الذي وضعت. وهو إستئناف من الله تعالى تعظيماً لموضوعها وتجهيلاً لها بشأنها. وقرأ ابن عامر وأبو بكر عن عاصم ويعقوب "وضعت" على أنه من كلامها تسلية لنفسها أي ولعل الله سبحانه وتعالى فيه سراً، أو الأنثى كانت خيراً. وقريء "وضعت" على أ،ه خطاب لله تعالى لها. "وليس الذكر كالأنثى" بيان لقوله "والله أعلم" أي وليس الذكر الذي طلبت كالأنثى التي وهبت، واللام فيهما للعهد ويجوز أن يكون من قولها بمعنى وليس الذكر والأنثى سيان في ما نذرت فتكون اللام للجنس. "وإني سميتها مريم" عطف على ما قبلها من مقالها وما بينهما اعتراض، وإنما ذكرت ذلك لربها تقرباً إليه وطلباً لأن يعصمها ويصلحها حتى يكون فعلها مطابقاً لاسمها فإن مريم في لغتهم بمعنى: العبادة. وفيه دليل على أن الاسم والمسمى والتسمية أمور متغايرة. "وإني أعيذها بك" أجيرها بحفظك. "وذريتها من الشيطان الرجيم" المطرود، وأصل الرجم الرمي بالحجارة. وعن النبي صلى الله عليه وسلم "ما من مولود يولد إلا والشيطان يمسه حين يولد، فيستهل من مسه إلا مريم وابنها". ومعناه أن الشيطان يطمع في إغواء كل مولود يتأثر منه إلا مريم وابنها فإن الله تعالى عصمهما ببركة هذه الاستعاذة.

37 "فتقبلها ربها" فرضي بها في النذر مكان الذكر. "بقبول حسن" أي بوجه حسن يقبل به النذائر، وهو إقامتها مقام الذكر، أو تسلمها عقيب ولادتها قبل أن تكبر وتصلح للسدانة. روي أن حنة لما ولدتها لفتها في خرقة وحملتها إلى المسجد ووضعتها عند الأحبار وقالت: دونكم هذه النذيرة، فتنافسوا فيها لأنها كانت بنت إمامهم وصاحب قربانهم، فإن بني ماثان كانت رؤوس بني إسرائيل وملوكهم فقال زكريا: أنا أحق بها، عندي خالتها فأبوا إلا القرعة، وكانوا سبعة وعشرين فانطلقوا إلى نهر فألقوا أقلامهم فطفا قلم زكريا ورسبت أقلامهم فتكفلها زكريا. ويجوز أن يكون مصدراً على تقدير مضاف أي بذي قبول حسن، وأن يكون تقبل بمعنى استقبل كتقضي وتعجل أي فأخذها في أول أمرها حين ولدت بقبول حسن. "وأنبتها نباتاً حسناً" مجاز من تربيتها بما يصلحها في جميع أحوالها "وكفلها زكريا" شدد الفاء حمزة والكسائي وعاصم، وقصروا زكريا غير عاصم في رواية ابن عايش على أن الفاعل هو الله تعالى وزكريا مفعول أي جعله كافلاً لها وضامناً لمصالحها، وخفف الباقون. ومدوا "زكريا" مرفوعاً. "كلما دخل عليها زكريا المحراب" أي الغرفة التي بنيت لها، أو المسجد، أو أشرف مواضعه ومقدمها، سمي به لأنه محل محاربة الشيطان كأنها وضعت في أشرف موضع من بيت المقدس. "وجد عندها رزقاً" جواب "كلما" وناصبه. روي: أنه كان لا يدخل عليها غيره وإذا خرج أغلق عليها سبعة أبواب، وكان يجد عندها فاكهة الشتاء في الصيف وبالعكس. " قال يا مريم أنى لك هذا " من أين لك هذا الرزق الآتي في غير أوانه والأبواب مغلقة عليك، وهو دليل جواز الكرامة لأولياؤه. جعل ذلك معجزة زكريا يدفعه اشتباه الأمر عليه. "قالت هو من عند الله" فلا تستبعده. قيل تكلمت صغيرة كعيسى عليه السلام ولم ترضع ثديا قط وكان رزقها ينزل عليها من الجنة. "إن الله يرزق من يشاء بغير حساب" بغير تقدير لكثرته، أو بغير استحقاق تفضلاً به. وهو يحتمل أن يكون من كلامها وأن يكون من كلام الله تعالى. روي: "أن فاطمة رضي الله عنها أهدت لرسول الله صلى الله عليه وسلم رغيفين وبضعة لحم فرجع بها إليها وقال: هلمي يا بنية، فكشفت عن الطبق فإذا هو مملوء خبزاً ولحماً فقال لها: أنى لك هذا! فقالت: هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب، فقال: الحمد لله الذي جعلك شبيهة سيدة نساء بني إسرائيل، ثم جمع علياً والحسن والحسين وجمع أهل بيته عليه حتى شبعوا وبقي الطعام كما هو فأوسعت على جيرانها".