islamkingdomfaceBook islamkingdomtwitter islamkingdominstagram islamkingdomyoutube


أَيْ تُخَاصِم وَتُحَاجّ عَنْ نَفْسهَا ; جَاءَ فِي الْخَبَر أَنَّ كُلّ أَحَد يَقُول يَوْم الْقِيَامَة : نَفْسِي نَفْسِي ! مِنْ شِدَّة هَوْل يَوْم الْقِيمَة سِوَى مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّهُ يَسْأَل فِي أُمَّته . وَفِي حَدِيث عُمَر أَنَّهُ قَالَ لِكَعْبِ الْأَحْبَار : يَا كَعْب , خَوِّفْنَا هَيِّجْنَا حَدِّثْنَا نَبِّهْنَا . فَقَالَ لَهُ كَعْب : يَا أَمِير الْمُؤْمِنِينَ , وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ وَافَيْت يَوْم الْقِيَامَة بِمِثْلِ عَمَل سَبْعِينَ نَبِيًّا لَأَتَتْ عَلَيْك تَارَات لَا يَهُمّك إِلَّا نَفْسك , وَإِنَّ لِجَهَنَّم زَفْرَة لَا يَبْقَى مَلَك مُقَرَّب وَلَا نَبِيّ مُنْتَخَب إِلَّا وَقَعَ جَاثِيًا عَلَى رُكْبَتَيْهِ , حَتَّى إِنَّ إِبْرَاهِيم الْخَلِيل لَيُدْلِي بِالْخُلَّةِ فَيَقُول : يَا رَبّ , أَنَا خَلِيلك إِبْرَاهِيم , لَا أَسْأَلك الْيَوْم إِلَّا نَفْسِي ! قَالَ : يَا كَعْب , أَيْنَ تَجِد ذَلِكَ فِي كِتَاب اللَّه ؟ قَالَ : قَوْله تَعَالَى : | يَوْم تَأْتِي كُلّ نَفْس تُجَادِل عَنْ نَفْسهَا وَتُوَفَّى كُلّ نَفْس مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ | . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس فِي هَذِهِ الْآيَة : مَا تَزَال الْخُصُومَة بِالنَّاسِ يَوْم الْقِيَامَة حَتَّى تُخَاصِم الرُّوح الْجَسَد ; فَتَقُول الرُّوح : رَبّ , الرُّوح مِنْك أَنْتَ خَلَقْته , لَمْ تَكُنْ لِي يَد أَبْطِش بِهَا , وَلَا رِجْل أَمْشِي بِهَا , وَلَا عَيْن أُبْصِر بِهَا , وَلَا أُذُن أَسْمَع بِهَا وَلَا عَقْل أَعْقِل بِهِ , حَتَّى جِئْت فَدَخَلْت فِي هَذَا الْجَسَد , فَضَعِّفْ عَلَيْهِ أَنْوَاع الْعَذَاب وَنَجِّنِي ; فَيَقُول الْجَسَد : رَبّ , أَنْتَ خَلَقْتنِي بِيَدِك فَكُنْت كَالْخَشَبَةِ , لَيْسَ لِي يَد أَبْطِش بِهَا , وَلَا قَدَم أَسْعَى بِهِ , وَلَا بَصَر أُبْصِر بِهِ , وَلَا سَمْع أَسْمَع بِهِ , فَجَاءَ هَذَا كَشُعَاعِ النُّور , فَبِهِ نَطَقَ لِسَانِي , وَبِهِ أَبْصَرَتْ عَيْنِي , وَبِهِ مَشَتْ رِجْلِي , وَبِهِ سَمِعَتْ أُذُنِي , فَضَعِّفْ عَلَيْهِ أَنْوَاع الْعَذَاب وَنَجِّنِي مِنْهُ . قَالَ : فَيَضْرِب اللَّه لَهُمَا مَثَلًا أَعْمَى وَمُقْعَدًا دَخَلَا بُسْتَانًا فِيهِ ثِمَار , فَالْأَعْمَى لَا يُبْصِر الثَّمَرَة وَالْمُقْعَد لَا يَنَالهَا , فَنَادَى الْمُقْعَد الْأَعْمَى اِيتِنِي فَاحْمِلْنِي آكُل وَأُطْعِمك , فَدَنَا|مِنْهُ فَحَمَلَهُ , فَأَصَابُوا مِنْ الثَّمَرَة ; فَعَلَى مَنْ يَكُون الْعَذَاب ؟ قَالَ : عَلَيْكُمَا جَمِيعًا الْعَذَاب ; ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيّ .

هَذَا مُتَّصِل بِذِكْرِ الْمُشْرِكِينَ . وَكَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعَا عَلَى مُشْرِكِي قُرَيْش وَقَالَ : ( اللَّهُمَّ اُشْدُدْ وَطْأَتك عَلَى مُضَر وَاجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِي يُوسُف ) . فَابْتُلُوا بِالْقَحْطِ حَتَّى أَكَلُوا الْعِظَام , وَوَجَّهَ إِلَيْهِمْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَعَامًا فَفَرَّقَ فِيهِمْ .

وَضَرَبَ مَكَّة مَثَلًا لِغَيْرِهَا مِنْ الْبِلَاد ; أَيْ أَنَّهَا مَعَ جِوَار بَيْت اللَّه وَعِمَارَة مَسْجِده لَمَّا كَفَرَ أَهْلهَا أَصَابَهُمْ الْقَحْط فَكَيْفَ بِغَيْرِهَا مِنْ الْقُرَى . وَقَدْ قِيلَ : إِنَّهَا الْمَدِينَة , آمَنَتْ بِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , ثُمَّ كَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّه لِقَتْلِ عُثْمَان بْن عَفَّان , وَمَا حَدَثَ بِهَا بَعْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْفِتَن . وَهَذَا قَوْل عَائِشَة وَحَفْصَة زَوْجَيْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَقِيلَ : إِنَّهُ مَثَل مَضْرُوب بِأَيِّ قَرْيَة كَانَتْ عَلَى هَذِهِ الصِّفَة مِنْ سَائِر الْقُرَى .|كَانَتْ آمِنَةً|لَا يُهَاج أَهْلهَا .|مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ|مِنْ الْبَرّ وَالْبَحْر ; نَظِيره | يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَات كُلّ شَيْء | [ الْقَصَص : 57 ] الْآيَة .|فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ|الْأَنْعُم : جَمْع النِّعْمَة ; كَالْأَشُدِّ جَمْع الشِّدَّة . وَقِيلَ : جَمْع نُعْمَى ; مِثْل بُؤْسَى وَأَبْؤُس . وَهَذَا الْكُفْرَان تَكْذِيب بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .|فَأَذَاقَهَا اللَّهُ|أَيْ أَذَاقَ أَهْلهَا .|لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ|سَمَّاهُ لِبَاسًا لِأَنَّهُ يَظْهَر عَلَيْهِمْ مِنْ الْهُزَال وَشُحُوبَة اللَّوْن وَسُوء الْحَال مَا هُوَ كَاللِّبَاسِ . وَقَرَأَهُ حَفْص بْن غِيَاث وَنَصْر بْن عَاصِم وَابْن أَبِي إِسْحَاق وَالْحَسَن وَأَبُو عَمْرو فِيمَا رَوَى عَنْهُ عَبْد الْوَارِث وَعُبَيْد وَعَبَّاس | وَالْخَوْف | نَصْبًا بِإِيقَاعِ أَذَاقَهَا عَلَيْهِ , عَطْفًا عَلَى | لِبَاس الْجُوع | وَأَذَاقَهَا الْخَوْف . وَهُوَ بَعْث النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَرَايَاهُ الَّتِي كَانَتْ تُطِيف بِهِمْ . وَأَصْل الذَّوْق بِالْفَمِ ثُمَّ يُسْتَعَار فَيُوضَع مَوْضِع الِابْتِلَاء .|بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ|أَيْ مِنْ الْكُفْر وَالْمَعَاصِي .

هَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّهَا مَكَّة . وَهُوَ قَوْل اِبْن عَبَّاس وَمُجَاهِد وَقَتَادَة .|فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ|وَهُوَ الْجُوع الَّذِي وَقَعَ بِمَكَّة . وَقِيلَ : الشَّدَائِد وَالْجُوع مِنْهَا .

أَيْ كُلُوا يَا مَعْشَر الْمُسْلِمِينَ مِنْ الْغَنَائِم . وَقِيلَ : الْخِطَاب لِلْمُشْرِكِينَ ; لِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ إِلَيْهِمْ بِطَعَامٍ رِقَّة عَلَيْهِمْ , وَذَلِكَ أَنَّهُمْ لَمَّا اُبْتُلُوا بِالْجُوعِ سَبْع سِنِينَ , وَقَطَعَ الْعَرَب عَنْهُمْ الْمِيرَة بِأَمْرِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَكَلُوا الْعِظَام الْمُحْرَقَة وَالْجِيفَة وَالْكِلَاب الْمَيِّتَة وَالْجُلُود وَالْعِلْهِز , وَهُوَ الْوَبَر يُعَالَج بِالدَّمِ . ثُمَّ إِنَّ رُؤَسَاء مَكَّة كَلَّمُوا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِين جَهَدُوا وَقَالُوا : هَذَا عَذَاب الرِّجَال فَمَا بَال النِّسَاء وَالصِّبْيَان . وَقَالَ لَهُ أَبُو سُفْيَان : يَا مُحَمَّد , إِنَّك جِئْت تَأْمُر بِصِلَةِ الرَّحِم وَالْعَفْو , وَإِنَّ قَوْمك قَدْ هَلَكُوا ; فَادْعُ اللَّه لَهُمْ . فَدَعَا لَهُمْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَأَذِنَ لِلنَّاسِ بِحَمْلِ الطَّعَام إِلَيْهِمْ وَهُمْ بَعْدُ مُشْرِكُونَ .

| إِنَّمَا | كَلِمَة مَوْضُوعَة لِلْحَصْرِ , تَتَضَمَّن النَّفْي وَالْإِثْبَات ; فَتُثْبِت مَا تَنَاوَلَهُ الْخِطَاب وَتَنْفِي مَا عَدَاهُ , وَقَدْ حَصَرَتْ هَا هُنَا التَّحْرِيم , لَا سِيَّمَا وَقَدْ جَاءَتْ عَقِيب التَّحْلِيل فِي قَوْله تَعَالَى : | يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَات مَا رَزَقْنَاكُمْ | فَأَفَادَتْ الْإِبَاحَة عَلَى الْإِطْلَاق , ثُمَّ عَقَّبَهَا بِذِكْرِ الْمُحَرَّم بِكَلِمَةِ | إِنَّمَا | الْحَاصِرَة , فَاقْتَضَى ذَلِكَ الْإِيعَاب لِلْقِسْمَيْنِ ; فَلَا مُحَرَّم يَخْرُج عَنْ هَذِهِ الْآيَة , وَهِيَ مَدَنِيَّة , وَأَكَّدَهَا بِالْآيَةِ الْأُخْرَى الَّتِي رُوِيَ أَنَّهَا نَزَلَتْ بِعَرَفَة : | قُلْ لَا أَجِد فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِم يَطْعَمهُ | [ الْأَنْعَام : 145 ] إِلَى آخِرهَا ; فَاسْتَوْفَى الْبَيَان أَوَّلًا وَآخِرًا ; قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ . وَسَيَأْتِي الْكَلَام فِي تِلْكَ فِي | الْأَنْعَام | إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى .|الْمَيْتَةَ|نُصِبَ ب | حَرَّمَ | , و | مَا | كَافَّة . وَيَجُوز أَنْ تَجْعَلهَا بِمَعْنَى الَّذِي , مُنْفَصِلَة فِي الْخَطّ , وَتُرْفَع | الْمَيْتَة وَالدَّم وَلَحْم الْخِنْزِير | عَلَى خَبَر | إِنَّ | وَهِيَ قِرَاءَة اِبْن أَبِي عَبْلَة . وَفِي | حَرَّمَ | ضَمِير يَعُود عَلَى الَّذِي ; وَنَظِيره قَوْله تَعَالَى : | إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْد سَاحِر | [ طَه : 69 ] . وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَر | حُرِّمَ | بِضَمِّ الْحَاء وَكَسْر الرَّاء وَرَفْع الْأَسْمَاء بَعْدهَا , إِمَّا عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِله , وَإِمَّا عَلَى خَبَر إِنَّ . وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَر بْن الْقَعْقَاع أَيْضًا | الْمَيِّتَة | بِالتَّشْدِيدِ . الطَّبَرِيّ : وَقَالَ جَمَاعَة مِنْ اللُّغَوِيِّينَ : التَّشْدِيد وَالتَّخْفِيف فِي مَيْت وَمَيِّت لُغَتَانِ . وَقَالَ أَبُو حَاتِم وَغَيْره : مَا قَدْ مَاتَ فَيُقَالَانِ|فِيهِ , وَمَا لَمْ يَمُتْ بَعْد فَلَا يُقَال فِيهِ | مَيْت | بِالتَّخْفِيفِ ; دَلِيله قَوْله تَعَالَى : | إِنَّك مَيِّت وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ | [ الزُّمَر : 30 ] . وَقَالَ الشَّاعِر :
لَيْسَ مَنْ مَاتَ فَاسْتَرَاحَ بِمَيْتٍ .......... إِنَّمَا الْمَيْت مَيِّت الْأَحْيَاء
وَلَمْ يَقْرَأ أَحَد بِتَخْفِيفِ مَا لَمْ يَمُتْ ; إِلَّا مَا رَوَى الْبَزِّيّ عَنْ اِبْن كَثِير | وَمَا هُوَ بِمَيْتٍ | وَالْمَشْهُور عَنْهُ التَّثْقِيل ; وَأَمَّا قَوْل الشَّاعِر :
إِذَا مَا مَاتَ مَيْت مِنْ تَمِيم .......... فَسَرَّك أَنْ يَعِيش فَجِئْ بِزَادِ
فَلَا أَبْلَغ فِي الْهِجَاء مِنْ أَنَّهُ أَرَادَ الْمَيِّت حَقِيقَة ; وَقَدْ ذَهَبَ بَعْض النَّاس إِلَى أَنَّهُ أَرَادَ مَنْ شَارَفَ الْمَوْت ; وَالْأَوَّل أَشْهَر .

الْمَيْتَة : مَا فَارَقَتْهُ الرُّوح مِنْ غَيْر ذَكَاة مِمَّا يُذْبَح ; وَمَا لَيْسَ بِمَأْكُولٍ فَذَكَاته كَمَوْتِهِ ; كَالسِّبَاعِ وَغَيْرهَا , عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانه هُنَا وَفِي | الْأَنْعَام | إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى .

هَذِهِ الْآيَة عَامَّة دَخَلَهَا التَّخْصِيص بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَام : ( أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ الْحُوت وَالْجَرَاد وَدَمَانِ الْكَبِد وَالطِّحَال ) . أَخْرَجَهُ الدَّار قُطْنِيّ , وَكَذَلِكَ حَدِيث جَابِر فِي الْعَنْبَر يُخَصِّص عُمُوم الْقُرْآن بِصِحَّةِ سَنَده . خَرَّجَهُ الْبُخَارِيّ وَمُسْلِم مَعَ قَوْله تَعَالَى : | أُحِلَّ لَكُمْ صَيْد الْبَحْر | [ الْمَائِدَة : 96 ] , عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانه هُنَاكَ , إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى . وَأَكْثَر أَهْل الْعِلْم عَلَى جَوَاز أَكْل جَمِيع دَوَابّ الْبَحْر حَيّهَا وَمَيِّتهَا ; وَهُوَ مَذْهَب مَالِك . وَتَوَقَّفَ أَنْ يُجِيب فِي خِنْزِير الْمَاء وَقَالَ : أَنْتُمْ تَقُولُونَ خِنْزِيرًا قَالَ اِبْن الْقَاسِم : وَأَنَا أَتَّقِيه وَلَا أَرَاهُ حَرَامًا .

وَقَدْ اِخْتَلَفَ النَّاس فِي تَخْصِيص كِتَاب اللَّه تَعَالَى بِالسُّنَّةِ , وَمَعَ اِخْتِلَافهمْ فِي ذَلِكَ اِتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوز تَخْصِيصه بِحَدِيثٍ ضَعِيف ; قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : وَقَدْ يُسْتَدَلّ عَلَى تَخْصِيص هَذِهِ الْآيَة أَيْضًا بِمَا فِي صَحِيح مُسْلِم مِنْ حَدِيث عَبْد اللَّه بْن أَبِي أَوْفَى قَالَ : غَزَوْنَا مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَبْع غَزَوَات كُنَّا نَأْكُل الْجَرَاد مَعَهُ . وَظَاهِره أَكْله كَيْفَ مَا مَاتَ بِعِلَاجٍ أَوْ حَتْف أَنْفه ; وَبِهَذَا قَالَ اِبْن نَافِع وَابْن عَبْد الْحَكَم وَأَكْثَر الْعُلَمَاء , وَهُوَ مَذْهَب الشَّافِعِيّ وَأَبِي حَنِيفَة وَغَيْرهمَا . وَمَنَعَ مَالِك وَجُمْهُور أَصْحَابه مِنْ أَكْله إِنْ مَاتَ حَتْف أَنْفه ; لِأَنَّهُ مِنْ صَيْد الْبَرّ , أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُحْرِم يُجْزِئهُ إِذَا قَتَلَهُ ; فَأَشْبَهَ الْغَزَال . وَقَالَ أَشْهَب : إِنْ مَاتَ مِنْ قَطْع رِجْل أَوْ جَنَاح لَمْ يُؤْكَل ; لِأَنَّهَا حَالَة قَدْ يَعِيش بِهَا وَيَنْسِل . وَسَيَأْتِي لِحُكْمِ الْجَرَاد مَزِيد بَيَان فِي | الْأَعْرَاف | عِنْد ذِكْره , إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى .

وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء هَلْ يَجُوز أَنْ يُنْتَفَع بِالْمَيْتَةِ أَوْ بِشَيْءٍ مِنْ النَّجَاسَات , وَاخْتُلِفَ عَنْ مَالِك فِي ذَلِكَ أَيْضًا ; فَقَالَ مَرَّة : يَجُوز الِانْتِفَاع بِهَا ; لِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ عَلَى شَاة مَيْمُونَة فَقَالَ : ( هَلَّا أَخَذْتُمْ إِهَابهَا ) الْحَدِيث . وَقَالَ مَرَّة : جُمْلَتهَا مُحَرَّم , فَلَا يَجُوز الِانْتِفَاع بِشَيْءٍ مِنْهَا , وَلَا بِشَيْءٍ مِنْ النَّجَاسَات عَلَى وَجْه مِنْ وُجُوه الِانْتِفَاع ; حَتَّى لَا يَجُوز أَنْ يُسْقَى الزَّرْع وَلَا الْحَيَوَان الْمَاء النَّجِس , وَلَا تُعْلَف الْبَهَائِم النَّجَاسَات , وَلَا تُطْعَم الْمَيْتَة الْكِلَاب وَالسِّبَاع , وَإِنْ أَكَلَتْهَا لَمْ تُمْنَع . وَوَجْه هَذَا الْقَوْل ظَاهِر قَوْله تَعَالَى : | حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَة وَالدَّم | [ الْمَائِدَة : 3 ] وَلَمْ يَخُصّ وَجْهًا مِنْ وَجْه , وَلَا يَجُوز أَنْ يُقَال : هَذَا الْخِطَاب مُجْمَل ; لِأَنَّ الْمُجْمَل مَا لَا يُفْهَم الْمُرَاد مِنْ ظَاهِره , وَقَدْ فَهِمَتْ الْعَرَب الْمُرَاد مِنْ قَوْله تَعَالَى : | حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَة | , وَأَيْضًا فَإِنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( لَا تَنْتَفِعُوا مِنْ الْمَيْتَة بِشَيْءٍ ) . وَفِي حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عُكَيْم ( لَا تَنْتَفِعُوا مِنْ الْمَيْتَة بِإِهَابٍ وَلَا عَصَب ) . وَهَذَا آخِر مَا وَرَدَ بِهِ كِتَابه قَبْل مَوْته بِشَهْرٍ ; وَسَيَأْتِي بَيَان هَذِهِ الْأَخْبَار وَالْكَلَام عَلَيْهَا فِي | النَّحْل | إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى .

فَأَمَّا النَّاقَة إِذَا نُحِرَتْ , أَوْ الْبَقَرَة أَوْ الشَّاة إِذَا ذُبِحَتْ , وَكَانَ فِي بَطْنهَا جَنِين مَيِّت فَجَائِز أَكْله مِنْ غَيْر تَذْكِيَة لَهُ فِي نَفْسه , إِلَّا أَنْ يَخْرُج حَيًّا فَيُذَكَّى , وَيَكُون لَهُ حُكْم نَفْسه , وَذَلِكَ أَنَّ الْجَنِين إِذَا خَرَجَ مِنْهَا بَعْد الذَّبْح مَيِّتًا جَرَى مَجْرَى الْعُضْو مِنْ أَعْضَائِهَا . وَمِمَّا يُبَيِّن ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ بَاعَ الشَّاة وَاسْتَثْنَى مَا فِي بَطْنهَا لَمْ يَجُزْ , كَمَا لَوْ اسْتَثْنَى عُضْوًا مِنْهَا , وَكَانَ مَا فِي بَطْنهَا تَابِعًا لَهَا كَسَائِرِ أَعْضَائِهَا . وَكَذَلِكَ لَوْ أَعْتَقَهَا مِنْ غَيْر أَنْ يُوقِع عَلَى مَا فِي بَطْنهَا عِتْقًا مُبْتَدَأ ; وَلَوْ كَانَ مُنْفَصِلًا عَنْهَا لَمْ يَتْبَعهَا فِي بَيْع وَلَا عِتْق . وَقَدْ رَوَى جَابِر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنْ الْبَقَرَة وَالشَّاة تُذْبَح , وَالنَّاقَة تُنْحَر فَيَكُون فِي بَطْنهَا جَنِين مَيِّت ; فَقَالَ : ( إِنْ شِئْتُمْ فَكُلُوهُ لِأَنَّ ذَكَاته ذَكَاة أُمّه ) . خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُد بِمَعْنَاهُ مِنْ حَدِيث أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيّ وَهُوَ نَصّ لَا يُحْتَمَل . وَسَيَأْتِي لِهَذَا مَزِيد بَيَان فِي سُورَة | الْمَائِدَة | إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى .

وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَة عَنْ مَالِك فِي جِلْد الْمَيْتَة هَلْ يَطْهُر بِالدِّبَاغِ أَوْ لَا ; فَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ لَا يَطْهُر , وَهُوَ ظَاهِر مَذْهَبه . وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ يَطْهُر ; لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَام ( أَيّمَا إِهَاب دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ ) . وَوَجْه قَوْله : لَا يَطْهُر ; بِأَنَّهُ جُزْء مِنْ الْمَيْتَة لَوْ أُخِذَ مِنْهَا فِي حَال الْحَيَاة كَانَ نَجِسًا , فَوَجَبَ أَلَّا يُطَهِّرهُ الدِّبَاغ قِيَاسًا عَلَى اللَّحْم . وَتُحْمَل الْأَخْبَار بِالطَّهَارَةِ عَلَى أَنَّ الدِّبَاغ يُزِيل الْأَوْسَاخ عَنْ الْجِلْد حَتَّى يُنْتَفَع بِهِ فِي الْأَشْيَاء الْيَابِسَة وَفِي الْجُلُوس عَلَيْهِ , وَيَجُوز أَيْضًا أَنْ يُنْتَفَع بِهِ فِي الْمَاء بِأَنْ يُجْعَل سِقَاء ; لِأَنَّ الْمَاء عَلَى أَصْل الطَّهَارَة مَا لَمْ يَتَغَيَّر لَهُ وَصْف عَلَى مَا يَأْتِي مِنْ حُكْمه فِي سُورَة | الْفُرْقَان | . وَالطَّهَارَة فِي اللُّغَة مُتَوَجِّهَة نَحْو إِزَالَة الْأَوْسَاخ كَمَا تَتَوَجَّه إِلَى الطَّهَارَة الشَّرْعِيَّة , وَاَللَّه تَعَالَى أَعْلَم .

وَأَمَّا شَعْر الْمَيْتَة وَصُوفهَا فَطَاهِر ; لِمَا رُوِيَ عَنْ أُمّ سَلَمَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : ( لَا بَأْس بِمَسْكِ الْمَيْتَة إِذَا دُبِغَ وَصُوفهَا وَشَعْرهَا إِذَا غُسِلَ ) . وَلِأَنَّهُ كَانَ طَاهِرًا لَوْ أُخِذَ مِنْهَا فِي حَال الْحَيَاة فَوَجَبَ أَنْ يَكُون كَذَلِكَ بَعْد الْمَوْت , إِلَّا أَنَّ اللَّحْم لَمَّا كَانَ نَجِسًا فِي حَال الْحَيَاة كَانَ كَذَلِكَ بَعْد الْمَوْت ; فَيَجِب أَنْ يَكُون الصُّوف خِلَافه فِي حَال الْمَوْت كَمَا كَانَ خِلَافه فِي حَال الْحَيَاة اِسْتِدْلَالًا بِالْعَكْسِ . وَلَا يَلْزَم عَلَى هَذَا اللَّبَن وَالْبَيْضَة مِنْ الدَّجَاجَة الْمَيِّتَة ; لِأَنَّ اللَّبَن عِنْدنَا طَاهِر بَعْد الْمَوْت , وَكَذَلِكَ الْبَيْضَة , وَلَكِنَّهُمَا حَصَلَا فِي وِعَاء نَجَس فَتَنَجَّسَا بِمُجَاوَرَةِ الْوِعَاء لَا أَنَّهُمَا نُجِّسَا بِالْمَوْتِ .

وَأَمَّا مَا وَقَعَتْ فِيهِ الْفَأْرَة فَلَهُ حَالَتَانِ : حَالَة تَكُون إِنْ أُخْرِجَتْ الْفَأْرَة حَيَّة فَهُوَ طَاهِر . وَإِنْ مَاتَتْ فِيهِ فَلَهُ حَالَتَانِ : حَالَة يَكُون مَائِعًا فَإِنَّهُ يُنَجَّس جَمِيعه . وَحَالَة يَكُون جَامِدًا فَإِنَّهُ يُنَجَّس مَا جَاوَرَهَا , فَتُطْرَح وَمَا حَوْلهَا , وَيُنْتَفَع بِمَا بَقِيَ وَهُوَ عَلَى طَهَارَته ; لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنْ الْفَأْرَة تَقَع فِي السَّمْن فَتَمُوت ; فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام : ( إِنْ كَانَ جَامِدًا فَاطْرَحُوهَا وَمَا حَوْلهَا وَإِنْ كَانَ مَائِعًا فَأَرِيقُوهُ ) . وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِيهِ إِذَا غُسِلَ ; فَقِيلَ : لَا يَطْهُر بِالْغَسْلِ ; لِأَنَّهُ مَائِع نَجَس فَأَشْبَهَ الدَّم وَالْخَمْر وَالْبَوْل وَسَائِر النَّجَاسَات . وَقَالَ اِبْن الْقَاسِم : يَطْهُر بِالْغَسْلِ ; لِأَنَّهُ جِسْم تَنَجَّسَ بِمُجَاوَرَةِ النَّجَاسَة فَأَشْبَهَ الثَّوْب ; وَلَا يَلْزَم عَلَى هَذَا الدَّم ; لِأَنَّهُ نَجَس بِعَيْنِهِ , وَلَا الْخَمْر وَالْبَوْل لِأَنَّ الْغَسْل يَسْتَهْلِكهُمَا وَلَا يَتَأَتَّى فِيهِ .

فَإِذَا حَكَمْنَا بِطَهَارَتِهِ بِالْغَسْلِ رَجَعَ إِلَى حَالَته الْأُولَى فِي الطَّهَارَة وَسَائِر وُجُوه الِانْتِفَاع ; لَكِنْ لَا يَبِيعهُ حَتَّى يُبَيِّن ; لِأَنَّ ذَلِكَ عَيْب عِنْد النَّاس تَأْبَاهُ نُفُوسهمْ . وَمِنْهُمْ مَنْ يَعْتَقِد تَحْرِيمه وَنَجَاسَته ; فَلَا يَجُوز بَيْعه حَتَّى يُبَيِّن الْعَيْب كَسَائِرِ الْأَشْيَاء الْمَعِيبَة . وَأَمَّا قَبْل الْغَسْل فَلَا يَجُوز بَيْعه بِحَالٍ ; لِأَنَّ النَّجَاسَات عِنْده لَا يَجُوز بَيْعهَا , وَلِأَنَّهُ مَائِع نَجَس فَأَشْبَهَ الْخَمْر , وَلِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنْ ثَمَن الْخَمْر فَقَالَ : ( لَعَنَ اللَّه الْيَهُود حُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ الشُّحُوم فَجَمَلُوهَا فَبَاعُوهَا وَأَكَلُوا أَثْمَانهَا وَأَنَّ اللَّه إِذَا حَرَّمَ شَيْئًا حَرَّمَ ثَمَنه ) وَهَذَا الْمَائِع مُحَرَّم لِنَجَاسَتِهِ فَوَجَبَ أَنْ يُحَرَّم ثَمَنه بِحُكْمِ الظَّاهِر .

وَاخْتُلِفَ إِذَا وَقَعَ فِي الْقِدْر حَيَوَان , طَائِر أَوْ غَيْره فَمَاتَ فَرَوَى اِبْن وَهْب عَنْ مَالِك أَنَّهُ قَالَ : لَا يُؤْكَل مَا فِي الْقِدْر , وَقَدْ تَنَجَّسَ بِمُخَالَطَةِ الْمَيْتَة إِيَّاهُ . وَرَوَى اِبْن الْقَاسِم عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : يُغْسَل اللَّحْم وَيُرَاق الْمَرَق . وَقَدْ سُئِلَ اِبْن عَبَّاس عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَة فَقَالَ : يُغْسَل اللَّحْم وَيُؤْكَل . وَلَا مُخَالِف لَهُ فِي الْمَرَق مِنْ أَصْحَابه ; ذَكَرَهُ اِبْن خُوَيْز مِنْدَاد .

فَأَمَّا أَنْفِحَة الْمَيْتَة وَلَبَن الْمَيْتَة فَقَالَ الشَّافِعِيّ : ذَلِكَ نَجَس لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى | حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَة | [ الْمَائِدَة : 3 ] . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة بِطَهَارَتِهِمَا ; وَلَمْ يُجْعَل لِمَوْضِعِ الْخِلْقَة أَثَرًا فِي تَنَجُّس مَا جَاوَرَهُ مِمَّا حَدَثَ فِيهِ خِلْقَة , قَالَ : وَلِذَلِكَ يُؤْكَل اللَّحْم بِمَا فِيهِ مِنْ الْعُرُوق , مَعَ الْقَطْع بِمُجَاوَرَةِ الدَّم لِدَوَاخِلِهَا مِنْ غَيْر تَطْهِير وَلَا غَسْل إِجْمَاعًا . وَقَالَ مَالِك نَحْو قَوْل أَبِي حَنِيفَة إِنَّ ذَلِكَ لَا يُنَجَّس بِالْمَوْتِ , وَلَكِنْ يُنَجَّس بِمُجَاوَرَةِ الْوِعَاء النَّجَس وَهُوَ مِمَّا لَا يَتَأَتَّى فِيهِ الْغَسْل . وَكَذَلِكَ الدَّجَاجَة تَخْرُج مِنْهَا الْبَيْضَة بَعْد مَوْتهَا ; لِأَنَّ الْبَيْضَة لَيِّنَة فِي حُكْم الْمَائِع قَبْل خُرُوجهَا , وَإِنَّمَا تَجْمُد وَتَصْلُب بِالْهَوَاءِ .

قَالَ اِبْن خُوَيْز مِنْدَاد فَإِنْ قِيلَ : فَقَوْلكُمْ يُؤَدِّي إِلَى خِلَاف الْإِجْمَاع ; وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُسْلِمِينَ بَعْده كَانُوا يَأْكُلُونَ الْجُبْن وَكَانَ مَجْلُوبًا إِلَيْهِمْ مِنْ أَرْض الْعَجَم , وَمَعْلُوم أَنَّ ذَبَائِح الْعَجَم وَهُمْ مَجُوس مَيْتَة , وَلَمْ يَعْتَدُّوا بِأَنْ يَكُون مُجَمَّدًا بِأَنْفِحَة مَيْتَة أَوْ ذُكِّيَ . قِيلَ لَهُ : قَدْر مَا يَقَع مِنْ الْأَنْفِحَة فِي اللَّبَن الْمُجَبَّن يَسِير ; وَالْيَسِير مِنْ النَّجَاسَة مَعْفُوّ عَنْهُ إِذَا خَالَطَ الْكَثِير مِنْ الْمَائِع . هَذَا جَوَاب عَلَى إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ . وَعَلَى الرِّوَايَة الْأُخْرَى إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ فِي أَوَّل الْإِسْلَام , وَلَا يُمْكِن أَحَد أَنْ يَنْقُل أَنَّ الصَّحَابَة أَكَلَتْ الْجُبْن الْمَحْمُول مِنْ أَرْض الْعَجَم , بَلْ الْجُبْن لَيْسَ مِنْ طَعَام الْعَرَب ; فَلَمَّا اِنْتَشَرَ الْمُسْلِمُونَ فِي أَرْض الْعَجَم بِالْفُتُوحِ صَارَتْ الذَّبَائِح لَهُمْ ; فَمِنْ أَيْنَ لَنَا أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالصَّحَابَة أَكَلَتْ جُبْنًا فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُون مَحْمُولًا مِنْ أَرْض الْعَجَم وَمَعْمُولًا مِنْ أَنْفِحَة ذَبَائِحهمْ .

وَقَالَ أَبُو عُمَر : وَلَا بَأْس بِأَكْلِ طَعَام عَبَدَة الْأَوْثَان وَالْمَجُوس وَسَائِر مَنْ لَا كِتَاب لَهُ مِنْ الْكُفَّار مَا لَمْ يَكُنْ مِنْ ذَبَائِحهمْ وَلَمْ يَحْتَجْ إِلَى ذَكَاة إِلَّا الْجُبْن لِمَا فِيهِ مِنْ أَنْفِحَة الْمَيْتَة . وَفِي سُنَن اِبْن مَاجَهْ | الْجُبْن وَالسَّمْن | حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل بْن مُوسَى السُّدِّيّ حَدَّثَنَا سَيْف بْن هَارُون عَنْ سُلَيْمَان التَّيْمِيّ عَنْ أَبِي عُثْمَان النَّهْدِيّ عَنْ سَلْمَان الْفَارِسِيّ قَالَ : سُئِلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ السَّمْن وَالْجُبْن وَالْفِرَاءِ . فَقَالَ : ( الْحَلَال مَا أَحَلَّ اللَّه فِي كِتَابه وَالْحَرَام مَا حَرَّمَ اللَّه فِي كِتَابه وَمَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ مِمَّا عَفَا عَنْهُ ) .|وَالدَّمَ|اِتَّفَقَ الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّ الدَّم حَرَام نَجَس لَا يُؤْكَل وَلَا يُنْتَفَع بِهِ . قَالَ اِبْن خُوَيْز مِنْدَاد : وَأَمَّا الدَّم فَمُحَرَّم مَا لَمْ تَعُمّ بِهِ الْبَلْوَى , وَمَعْفُوّ عَمَّا تَعُمّ بِهِ الْبَلْوَى . وَاَلَّذِي تَعُمّ بِهِ الْبَلْوَى هُوَ الدَّم فِي اللَّحْم وَعُرُوقه , وَيَسِيره فِي الْبَدَن وَالثَّوْب يُصَلَّى فِيهِ . وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى قَالَ : | حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَة وَالدَّم | [ الْمَائِدَة : 3 ] , وَقَالَ فِي مَوْضِع آخَر | قُلْ لَا أَجِد فِيمَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِم يَطْعَمهُ إِلَّا أَنْ يَكُون مَيْتَة أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا | [ الْأَنْعَام : 145 ] . فَحَرَّمَ الْمَسْفُوح مِنْ الدَّم . وَقَدْ رَوَتْ عَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا قَالَتْ : ( كُنَّا نَطْبُخ الْبُرْمَة عَلَى عَهْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَعْلُوهَا الصُّفْرَة مِنْ الدَّم فَنَأْكُل وَلَا نُنْكِرهُ ) لِأَنَّ التَّحَفُّظ مِنْ هَذَا إِصْر وَفِيهِ مَشَقَّة , وَالْإِصْر وَالْمَشَقَّة فِي الدِّين مَوْضُوع . وَهَذَا أَصْل فِي الشَّرْع , أَنَّ كُلَّمَا حَرَجَتْ الْأُمَّة فِي أَدَاء الْعِبَادَة فِيهِ وَثَقُلَ عَلَيْهَا سَقَطَتْ الْعِبَادَة عَنْهَا فِيهِ ; أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُضْطَرّ يَأْكُل الْمَيْتَة , وَأَنَّ الْمَرِيض يُفْطِر وَيَتَيَمَّم فِي نَحْو ذَلِكَ .

قُلْت : ذَكَرَ اللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى الدَّم هَا هُنَا مُطْلَقًا , وَقَيَّدَهُ فِي الْأَنْعَام بِقَوْلِهِ | مَسْفُوحًا | [ الْأَنْعَام : 145 ] وَحَمَلَ الْعُلَمَاء هَا هُنَا الْمُطْلَق عَلَى الْمُقَيَّد إِجْمَاعًا . فَالدَّم هُنَا يُرَاد بِهِ الْمَسْفُوح ; لِأَنَّ مَا خَالَطَ اللَّحْم فَغَيْر مُحَرَّم بِإِجْمَاعٍ , وَكَذَلِكَ الْكَبِد وَالطِّحَال مُجْمَع عَلَيْهِ . وَفِي دَم الْحُوت الْمُزَايِل لَهُ اِخْتِلَاف ; وَرُوِيَ عَنْ الْقَابِسِيّ أَنَّهُ طَاهِر , وَيَلْزَم عَلَى طَهَارَته أَنَّهُ غَيْر مُحَرَّم . وَهُوَ اِخْتِيَار اِبْن الْعَرَبِيّ , قَالَ : لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ دَم السَّمَك نَجَسًا لَشُرِعَتْ ذَكَاته .

قُلْت : وَهُوَ مَذْهَب أَبِي حَنِيفَة فِي دَم الْحُوت ; سَمِعْت بَعْض الْحَنَفِيَّة يَقُول : الدَّلِيل عَلَى أَنَّهُ طَاهِر أَنَّهُ إِذَا يَبِسَ ابْيَضَّ بِخِلَافِ سَائِر الدِّمَاء فَإِنَّهُ يَسْوَدّ . وَهَذِهِ النُّكْتَة لَهُمْ فِي الِاحْتِجَاج عَلَى الشَّافِعِيَّة .|وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ|خَصَّ اللَّه تَعَالَى ذِكْر اللَّحْم مِنْ الْخِنْزِير لِيَدُلّ عَلَى تَحْرِيم عَيْنه ذُكِّيَ أَوْ لَمْ يُذَكَّ , وَلِيَعُمّ الشَّحْم وَمَا هُنَالِكَ مِنْ الْغَضَارِيف وَغَيْرهَا . السَّادِسَة عَشْرَة : أَجْمَعَتْ الْأُمَّة عَلَى تَحْرِيم شَحْم الْخِنْزِير . وَقَدْ اسْتَدَلَّ مَالِك وَأَصْحَابه عَلَى أَنَّ مَنْ حَلَفَ أَلَّا يَأْكُل شَحْمًا فَأَكَلَ لَحْمًا لَمْ يَحْنَث بِأَكْلِ اللَّحْم . فَإِنْ حَلَفَ أَلَّا يَأْكُل لَحْمًا فَأَكَلَ شَحْمًا حَنِثَ لِأَنَّ اللَّحْم مَعَ الشَّحْم يَقَع عَلَيْهِ اِسْم اللَّحْم ; فَقَدْ دَخَلَ الشَّحْم فِي اِسْم اللَّحْم وَلَا يَدْخُل اللَّحْم فِي اِسْم الشَّحْم . وَقَدْ حَرَّمَ اللَّه تَعَالَى لَحْم الْخِنْزِير فَنَابَ ذِكْر لَحْمه عَنْ شَحْمه ; لِأَنَّهُ دَخَلَ تَحْت اِسْم اللَّحْم . وَحَرَّمَ اللَّه تَعَالَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيل الشُّحُوم بِقَوْلِهِ : | حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومهمَا | [ الْأَنْعَام : 146 ] فَلَمْ يَقَع بِهَذَا عَلَيْهِمْ تَحْرِيم اللَّحْم وَلَمْ يَدْخُل فِي اِسْم الشَّحْم ; فَلِهَذَا فَرَّقَ مَالِك بَيْن الْحَالِف فِي الشَّحْم وَالْحَالِف فِي اللَّحْم ; إِلَّا أَنْ يَكُون لِلْحَالِفِ نِيَّة فِي اللَّحْم دُون الشَّحْم فَلَا يَحْنَث وَاَللَّه تَعَالَى أَعْلَم . وَلَا يَحْنَث فِي قَوْل الشَّافِعِيّ وَأَبِي ثَوْر وَأَصْحَاب الرَّأْي إِذَا حَلَفَ أَلَّا يَأْكُل لَحْمًا فَأَكَلَ شَحْمًا . وَقَالَ أَحْمَد : إِذَا حَلَفَ أَلَّا يَأْكُل لَحْمًا فَأَكَلَ الشَّحْم لَا بَأْس بِهِ إِلَّا أَنْ يَكُون أَرَادَ اِجْتِنَاب الدَّسَم .

لَا خِلَاف أَنَّ جُمْلَة الْخِنْزِير مُحَرَّمَة إِلَّا الشَّعْر فَإِنَّهُ يَجُوز الْخِرَازَة بِهِ . وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْخِرَازَة بِشَعْرِ الْخِنْزِير ; فَقَالَ : ( لَا بَأْس بِذَلِكَ ) ذَكَرَهُ اِبْن خُوَيْز مِنْدَاد , قَالَ : وَلِأَنَّ الْخِرَازَة عَلَى عَهْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَتْ , وَبَعْده مَوْجُودَة ظَاهِرَة , لَا نَعْلَم أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْكَرَهَا وَلَا أَحَد مِنْ الْأَئِمَّة بَعْده . وَمَا أَجَازَهُ الرَّسُول صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهُوَ كَابْتِدَاءِ الشَّرْع مِنْهُ .

لَا خِلَاف فِي تَحْرِيم خِنْزِير الْبَرّ كَمَا ذَكَرْنَا ; وَفِي خِنْزِير الْمَاء خِلَاف . وَأَبَى مَالِك أَنْ يُجِيب فِيهِ بِشَيْءٍ , وَقَالَ : أَنْتُمْ تَقُولُونَ خِنْزِيرًا .

ذَهَبَ أَكْثَر اللُّغَوِيِّينَ إِلَى أَنَّ لَفْظَة الْخِنْزِير رُبَاعِيَّة . وَحَكَى اِبْن سِيدَهْ عَنْ بَعْضهمْ أَنَّهُ مُشْتَقّ مِنْ خَزَر الْعَيْن ; لِأَنَّهُ كَذَلِكَ يَنْظُر , وَاللَّفْظَة عَلَى هَذَا ثُلَاثِيَّة . وَفِي الصِّحَاح : وَتَخَازَرَ الرَّجُل إِذَا ضَيَّقَ جَفْنه لِيُحَدِّد النَّظَر . وَالْخَزَر : ضِيق الْعَيْن وَصِغَرهَا . رَجُل أَخْزَر بَيِّن الْخَزَر . وَيُقَال : هُوَ أَنْ يَكُون الْإِنْسَان كَأَنَّهُ يَنْظُر بِمُؤَخَّرِهَا . وَجَمْع الْخِنْزِير خَنَازِير . وَالْخَنَازِير أَيْضًا عِلَّة مَعْرُوفَة , وَهِيَ قُرُوح صَلْبَة تَحْدُث فِي الرَّقَبَة .|وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ|أَيْ ذُكِرَ عَلَيْهِ غَيْر اِسْم اللَّه تَعَالَى , وَهِيَ ذَبِيحَة الْمَجُوسِيّ وَالْوَثَنِيّ وَالْمُعَطِّل . فَالْوَثَنِيّ يَذْبَح لِلْوَثَنِ , وَالْمَجُوسِيّ لِلنَّارِ , وَالْمُعَطِّل لَا يَعْتَقِد شَيْئًا فَيَذْبَح لِنَفْسِهِ . وَلَا خِلَاف بَيْن الْعُلَمَاء أَنَّ مَا ذَبَحَهُ الْمَجُوسِيّ لِنَارِهِ وَالْوَثَنِيّ لِوَثَنِهِ لَا يُؤْكَل , وَلَا تُؤْكَل ذَبِيحَتهمَا عِنْد مَالِك وَالشَّافِعِيّ وَغَيْرهمَا وَإِنْ لَمْ يَذْبَحَا لِنَارِهِ وَوَثَنه ; وَأَجَازَهُمَا اِبْن الْمُسَيِّب وَأَبُو ثَوْر إِذَا ذَبَحَ لِمُسْلِمٍ بِأَمْرِهِ . وَسَيَأْتِي لِهَذَا مَزِيد بَيَان إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى فِي سُورَة | الْمَائِدَة | . وَالْإِهْلَال : رَفْع الصَّوْت ; يُقَال : أَهَلَّ بِكَذَا ; أَيْ رَفَعَ صَوْته . قَالَ اِبْن أَحْمَر يَصِف فَلَاة :
يُهِلّ بِالْفَرْقَدِ رُكْبَانهَا .......... كَمَا يُهِلّ الرَّاكِب الْمُعْتَمِر
وَقَالَ النَّابِغَة :
أَوْ دُرَّة صَدَفِيَّة غَوَّاصهَا .......... بَهِج مَتَى يَرَهَا يُهِلّ وَيَسْجُد
وَمِنْهُ إِهْلَال الصَّبِيّ وَاسْتِهْلَاله , وَهُوَ صِيَاحه عِنْد وِلَادَته . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس وَغَيْره : الْمُرَاد مَا ذُبِحَ لِلْأَنْصَابِ وَالْأَوْثَان , لَا مَا ذُكِرَ عَلَيْهِ اِسْم الْمَسِيح ; عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانه فِي سُورَة | الْمَائِدَة | إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى . وَجَرَتْ عَادَة الْعَرَب بِالصِّيَاحِ بِاسْمِ الْمَقْصُود بِالذَّبِيحَةِ , وَغَلَبَ ذَلِكَ فِي اِسْتِعْمَالهمْ حَتَّى عَبَّرَ بِهِ عَنْ النِّيَّة الَّتِي هِيَ عِلَّة التَّحْرِيم , أَلَا تَرَى أَنَّ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ رَاعَى النِّيَّة فِي الْإِبِل الَّتِي نَحَرَهَا غَالِب أَبُو الْفَرَزْدَق فَقَالَ : إِنَّهَا مِمَّا أُهِلّ لِغَيْرِ اللَّه بِهِ ; فَتَرَكَهَا النَّاس . قَالَ اِبْن عَطِيَّة : وَرَأَيْت فِي أَخْبَار الْحَسَن بْن أَبِي الْحَسَن أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ اِمْرَأَة مُتْرَفَة صَنَعَتْ لِلُعَبِهَا عُرْسًا فَنَحَرَتْ جَزُورًا ; فَقَالَ الْحَسَن : لَا يَحِلّ أَكْلهَا فَإِنَّهَا إِنَّمَا نَحَرَتْ لِصَنَمٍ .

قُلْت : وَمِنْ هَذَا الْمَعْنَى مَا رُوِّينَاهُ عَنْ يَحْيَى بْن يَحْيَى التَّمِيمِيّ شَيْخ مُسْلِم قَالَ : أَخْبَرَنَا جَرِير عَنْ قَابُوس قَالَ : أَرْسَلَ أَبِي اِمْرَأَة إِلَى عَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا وَأَمَرَهَا أَنْ تَقْرَأ عَلَيْهَا السَّلَام مِنْهُ , وَتَسْأَلهَا أَيَّة صَلَاة كَانَتْ أَعْجَب إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدُوم عَلَيْهَا . قَالَتْ : ( كَانَ يُصَلِّي قَبْل الظُّهْر أَرْبَع رَكَعَات يُطِيل فِيهِنَّ الْقِيَام وَيُحْسِن الرُّكُوع وَالسُّجُود , فَأَمَّا مَا لَمْ يَدَع قَطُّ , صَحِيحًا وَلَا مَرِيضًا وَلَا شَاهِدًا , رَكْعَتَيْنِ قَبْل صَلَاة الْغَدَاة . قَالَتْ اِمْرَأَة عِنْد ذَلِكَ مِنْ النَّاس : يَا أُمّ الْمُؤْمِنِينَ , إِنَّ لَنَا أَظْآرًا مِنْ الْعَجَم لَا يَزَال يَكُون لَهُمْ عِيد فَيُهْدُونَ لَنَا مِنْهُ , أَفَنَأْكُل مِنْهُ شَيْئًا ؟ قَالَتْ : أَمَّا مَا ذُبِحَ لِذَلِكَ الْيَوْم فَلَا تَأْكُلُوا وَلَكِنْ كُلُوا مِنْ أَشْجَارهمْ ) .|فَمَنِ اضْطُرَّ|قُرِئَ بِضَمِّ النُّون لِلْإِتْبَاعِ وَبِالْكَسْرِ وَهُوَ الْأَصْل لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ , وَفِيهِ إِضْمَار ; أَيْ فَمَنْ اُضْطُرَّ إِلَى شَيْء مِنْ هَذِهِ الْمُحَرَّمَات أَيْ أُحْوِجَ إِلَيْهَا ; فَهُوَ اُفْتُعِلَ مِنْ الضَّرُورَة . وَقَرَأَ اِبْن مُحَيْصِن | فَمَنْ اطُّرَّ | بِإِدْغَامِ الضَّاد فِي الطَّاء . وَأَبُو السَّمَّال | فَمَنْ اضْطِر | بِكَسْرِ الطَّاء . وَأَصْله اضْطَرَرَ فَلَمَّا أُدْغِمَتْ نُقِلَتْ حَرَكَة الرَّاء إِلَى الطَّاء .

الِاضْطِرَار لَا يَخْلُو أَنْ يَكُون بِإِكْرَاهٍ مِنْ ظَالِم أَوْ بِجُوعٍ فِي مَخْمَصَة . وَاَلَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُور مِنْ الْفُقَهَاء وَالْعُلَمَاء فِي مَعْنَى الْآيَة هُوَ مَنْ صَيَّرَهُ الْعَدَم وَالْغَرَث وَهُوَ الْجُوع إِلَى ذَلِكَ ; وَهُوَ الصَّحِيح . وَقِيلَ : مَعْنَاهُ أُكْرِهَ وَغُلِبَ عَلَى أَكْل هَذِهِ الْمُحَرَّمَات . قَالَ مُجَاهِد : يَعْنِي أُكْرِهَ عَلَيْهِ كَالرَّجُلِ يَأْخُذهُ الْعَدُوّ فَيُكْرِهُونَهُ عَلَى أَكْل لَحْم الْخِنْزِير وَغَيْره مِنْ مَعْصِيَة اللَّه تَعَالَى ; إِلَّا أَنَّ الْإِكْرَاه يُبِيح ذَلِكَ إِلَى آخِر الْإِكْرَاه . وَأَمَّا الْمَخْمَصَة فَلَا يَخْلُو أَنْ تَكُون دَائِمَة أَوْ لَا ; فَإِنْ كَانَتْ دَائِمَة فَلَا خِلَاف فِي جَوَاز الشِّبَع مِنْ الْمَيْتَة ; إِلَّا أَنَّهُ لَا يَحِلّ لَهُ أَكْلهَا وَهُوَ يَجِد مَال مُسْلِم لَا يَخَاف فِيهِ قَطْعًا ; كَالتَّمْرِ الْمُعَلَّق وَحَرِيسَة الْجَبَل , وَنَحْو ذَلِكَ مِمَّا لَا قَطْع فِيهِ وَلَا أَذًى . وَهَذَا مِمَّا لَا اِخْتِلَاف فِيهِ ; لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ : بَيْنَمَا نَحْنُ مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَر إِذْ رَأَيْنَا إِبِلًا مَصْرُورَة بِعِضَاهِ الشَّجَر فَثُبْنَا إِلَيْهِمَا فَنَادَانَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَجَعْنَا إِلَيْهِ فَقَالَ : ( إِنَّ هَذِهِ الْإِبِل لِأَهْلِ بَيْت مِنْ الْمُسْلِمِينَ هُوَ قُوتهمْ وَيُمْنهمْ بَعْد اللَّه أَيَسُرُّكُمْ لَوْ رَجَعْتُمْ إِلَى مَزَاوِدكُمْ فَوَجَدْتُمْ مَا فِيهَا قَدْ ذُهِبَ بِهِ أَتَرَوْنَ ذَلِكَ عَدْلًا ) قَالُوا لَا ; فَقَالَ : ( إِنَّ هَذِهِ كَذَلِكَ ) . قُلْنَا : أَفَرَأَيْت إِنْ اِحْتَجْنَا إِلَى الطَّعَام وَالشَّرَاب ؟ فَقَالَ : ( كُلْ وَلَا تَحْمِل وَاشْرَبْ وَلَا تَحْمِل ) . خَرَّجَهُ اِبْن مَاجَهْ رَحِمَهُ اللَّه ; وَقَالَ : هَذَا الْأَصْل عِنْدِي . وَذَكَرَهُ اِبْن الْمُنْذِر قَالَ : قُلْنَا يَا رَسُول اللَّه , مَا يَحِلّ لِأَحَدِنَا مِنْ مَال أَخِيهِ إِذَا اُضْطُرَّ إِلَيْهِ ؟ قَالَ : ( يَأْكُل وَلَا يَحْمِل وَيَشْرَب وَلَا يَحْمِل ) . قَالَ اِبْن الْمُنْذِر : وَكُلّ مُخْتَلَف فِيهِ بَعْد ذَلِكَ فَمَرْدُود إِلَى تَحْرِيم اللَّه الْأَمْوَال . قَالَ أَبُو عُمَر : وَجُمْلَة الْقَوْل فِي ذَلِكَ أَنَّ الْمُسْلِم إِذَا تَعَيَّنَ عَلَيْهِ رَدّ رَمَق مُهْجَة الْمُسْلِم , وَتَوَجَّهَ الْفَرْض فِي ذَلِكَ بِأَلَّا يَكُون هُنَاكَ غَيْره قُضِيَ عَلَيْهِ بِتَرْمِيقِ تِلْكَ الْمُهْجَة الْآدَمِيَّة . وَكَانَ لِلْمَمْنُوعِ مِنْهُ مَا لَهُ مِنْ ذَلِكَ مُحَارَبَة مَنْ مَنَعَهُ وَمُقَاتَلَته , وَإِنْ أَتَى ذَلِكَ عَلَى نَفْسه ; وَذَلِكَ عِنْد أَهْل الْعِلْم إِذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ إِلَّا وَاحِد لَا غَيْر ; فَحِينَئِذٍ يَتَعَيَّن عَلَيْهِ الْفَرْض . فَإِنْ كَانُوا كَثِيرًا أَوْ جَمَاعَة وَعَدَدًا كَانَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فَرْضًا عَلَى الْكِفَايَة . وَالْمَاء فِي ذَلِكَ وَغَيْره مِمَّا يَرُدّ نَفْس الْمُسْلِم وَيُمْسِكهَا سَوَاء . إِلَّا أَنَّهُمْ اِخْتَلَفُوا فِي وُجُوب قِيمَة ذَلِكَ الشَّيْء عَلَى الَّذِي رُدَّتْ بِهِ مُهْجَته وَرَمَقَ بِهِ نَفْسه ; فَأَوْجَبَهَا مُوجِبُونَ , وَأَبَاهَا آخَرُونَ ; وَفِي مَذْهَبنَا الْقَوْلَانِ جَمِيعًا . وَلَا خِلَاف بَيْن أَهْل الْعِلْم مُتَأَخَّرِيهِمْ وَمُتَقَدِّمِيهِمْ فِي وُجُوب رَدّ مُهْجَة الْمُسْلِم عِنْد خَوْف الذَّهَاب وَالتَّلَف بِالشَّيْءِ الْيَسِير الَّذِي لَا مَضَرَّة فِيهِ عَلَى صَاحِبه وَفِيهِ الْبُلْغَة .

خَرَّجَ اِبْن مَاجَهْ أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْر بْن أَبِي شَيْبَة أَنْبَأَنَا شَبَابَة ( ح ) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار وَمُحَمَّد بْن الْوَلِيد قَالَا حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن جَعْفَر حَدَّثَنَا شُعْبَة عَنْ أَبِي بِشْر جَعْفَر بْن إِيَاس قَالَ : سَمِعْت عَبَّاد بْن شُرَحْبِيل - رَجُلًا مِنْ بَنِي غُبَر - قَالَ : أَصَابَنَا عَام مَخْمَصَة فَأَتَيْت الْمَدِينَة فَأَتَيْت حَائِطًا مِنْ حِيطَانهَا فَأَخَذْت سُنْبُلًا فَفَرَكْته وَأَكَلْته وَجَعَلْته فِي كِسَائِي ; فَجَاءَ صَاحِب الْحَائِط فَضَرَبَنِي وَأَخَذَ ثَوْبِي ; فَأَتَيْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرْته ; فَقَالَ لِلرَّجُلِ : ( مَا أَطْعَمْته إِذْ كَانَ جَائِعًا أَوْ سَاغِبًا وَلَا عَلَّمْته إِذْ كَانَ جَاهِلًا ) فَأَمَرَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَدَّ إِلَيْهِ ثَوْبه , وَأَمَرَ لَهُ بِوَسْقٍ مِنْ طَعَام أَوْ نِصْف وَسْق . قُلْت : هَذَا حَدِيث صَحِيح اِتَّفَقَ عَلَى رِجَاله الْبُخَارِيّ وَمُسْلِم ; إِلَّا اِبْن أَبِي شَيْبَة فَإِنَّهُ لِمُسْلِمٍ وَحْده . وَعَبَّاد بْن شُرَحْبِيل الْغُبَرِيّ الْيَشْكُرِيّ لَمْ يُخَرِّج لَهُ الْبُخَارِيّ وَمُسْلِم شَيْئًا , وَلَيْسَ لَهُ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَيْر هَذِهِ الْقِصَّة فَمَا ذَكَرَ أَبُو عُمَر رَحِمَهُ اللَّه , وَهُوَ يَنْفِي الْقَطْع وَالْأَدَب فِي الْمَخْمَصَة . وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ الْحَسَن عَنْ سَمُرَة أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( إِذَا أَتَى أَحَدكُمْ عَلَى مَاشِيَة فَإِنْ كَانَ فِيهَا صَاحِبهَا فَلْيَسْتَأْذِنْهُ فَإِنْ أَذِنَ لَهُ فَلْيَحْتَلِبْ وَلْيَشْرَبْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا فَلْيُصَوِّتْ ثَلَاثًا فَإِنْ أَجَابَ فَلْيَسْتَأْذِنْهُ فَإِنْ أَذِنَ لَهُ وَإِلَّا فَلْيَحْتَلِبْ وَلْيَشْرَبْ وَلَا يَحْمِلْ ) . وَذَكَرَ التِّرْمِذِيّ عَنْ يَحْيَى بْن سُلَيْم عَنْ عُبَيْد اللَّه عَنْ نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( مَنْ دَخَلَ حَائِطًا فَلْيَأْكُلْ وَلَا يَتَّخِذْ خُبْنَة ) . قَالَ : هَذَا حَدِيث غَرِيب لَا نَعْرِفهُ إِلَّا مِنْ حَدِيث يَحْيَى بْن سُلَيْم . وَذَكَرَ مِنْ حَدِيث عَمْرو بْن شُعَيْب عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّه أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنْ الثَّمَر الْمُعَلَّق ; فَقَالَ : ( مَنْ أَصَابَ مِنْهُ مِنْ ذِي حَاجَة غَيْر مُتَّخِذ خُبْنَة فَلَا شَيْء عَلَيْهِ ) . قَالَ فِيهِ : حَدِيث حَسَن . وَفِي حَدِيث عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : ( إِذَا مَرَّ أَحَدكُمْ بِحَائِطٍ فَلْيَأْكُلْ وَلَا يَتَّخِذْ ثِبَانًا ) . قَالَ أَبُو عُبَيْد قَالَ أَبُو عُمَر : وَهُوَ الْوِعَاء الَّذِي يُحْمَل فِيهِ الشَّيْء ; فَإِنْ حَمَلْته بَيْن يَدَيْك فَهُوَ ثِبَان ; يُقَال : قَدْ تَثَبَّنْت ثِبَانًا ; فَإِنْ حَمَلْته عَلَى ظَهْرك فَهُوَ الْحَال ; يُقَال مِنْهُ : قَدْ تَحَوَّلْت كِسَائِي إِذَا جَعَلْت فِيهِ شَيْئًا ثُمَّ حَمَلْته عَلَى ظَهْرك . فَإِنْ جَعَلْته فِي حِضْنك فَهُوَ خُبْنَة ; وَمِنْهُ حَدِيث عَمْرو بْن شُعَيْب الْمَرْفُوع ( وَلَا يَتَّخِذ خُبْنَة ) . يُقَال مِنْهُ : خَبَنْت أَخْبِن خَبْنًا . قَالَ أَبُو عُبَيْد : وَإِنَّمَا يُوَجَّه هَذَا الْحَدِيث أَنَّهُ رَخَّصَ فِيهِ لِلْجَائِعِ الْمُضْطَرّ الَّذِي لَا شَيْء مَعَهُ يَشْتَرِي بِهِ أَلَّا يَحْمِل إِلَّا مَا كَانَ فِي بَطْنه قَدْر قُوته .

قُلْت : لِأَنَّ الْأَصْل الْمُتَّفَق عَلَيْهِ تَحْرِيم مَال الْغَيْر إِلَّا بِطِيبِ نَفْس مِنْهُ ; فَإِنْ كَانَتْ هُنَاكَ عَادَة بِعَمَلِ ذَلِكَ كَمَا كَانَ فِي أَوَّل الْإِسْلَام , أَوْ كَمَا هُوَ الْآن فِي بَعْض الْبُلْدَان , فَذَلِكَ جَائِز . وَيُحْمَل ذَلِكَ عَلَى أَوْقَات الْمَجَاعَة وَالضَّرُورَة , كَمَا تَقَدَّمَ وَاَللَّه أَعْلَم . وَإِنْ كَانَ الثَّانِي وَهُوَ النَّادِر فِي وَقْت مِنْ الْأَوْقَات ; فَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِيهَا عَلَى قَوْلَيْنِ : أَحَدهمَا : أَنَّهُ يَأْكُل حَتَّى يَشْبَع وَيَتَضَلَّع , وَيَتَزَوَّد إِذَا خَشِيَ الضَّرُورَة فِيمَا بَيْن يَدَيْهِ مِنْ مَفَازَة وَقَفْر , وَإِذَا وَجَدَ عَنْهَا غِنًى طَرَحَهَا . قَالَ مَعْنَاهُ مَالِك فِي مُوَطَّئِهِ ; وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيّ وَكَثِير مِنْ الْعُلَمَاء . وَالْحُجَّة فِي ذَلِكَ أَنَّ الضَّرُورَة تَرْفَع التَّحْرِيم فَيَعُود مُبَاحًا . وَمِقْدَار الضِّرْوَة إِنَّمَا هُوَ فِي حَالَة عَدَم الْقُوت إِلَى حَالَة وُجُوده . وَحَدِيث الْعَنْبَر نَصّ فِي ذَلِكَ ; فَإِنَّ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا رَجَعُوا مِنْ سَفَرهمْ وَقَدْ ذَهَبَ عَنْهُمْ الزَّاد , اِنْطَلَقُوا إِلَى سَاحِل الْبَحْر فَرُفِعَ لَهُمْ عَلَى سَاحِله كَهَيْئَةِ الْكَثِيب الضَّخْم ; فَلَمَّا أَتَوْهُ إِذَا هِيَ دَابَّة تُدْعَى الْعَنْبَر ; فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة أَمِيرهمْ : مَيْتَة . ثُمَّ قَالَ : لَا , بَلْ نَحْنُ رُسُل رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِي سَبِيل اللَّه , وَقَدْ اُضْطُرِرْتُمْ فَكُلُوا . قَالَ : فَأَقَمْنَا عَلَيْهَا شَهْرًا وَنَحْنُ ثَلَاثمِائَةٍ حَتَّى سَمِنَّا , الْحَدِيث . فَأَكَلُوا وَشَبِعُوا - رِضْوَان اللَّه عَلَيْهِمْ - مِمَّا اِعْتَقَدُوا أَنَّهُ مَيْتَة وَتَزَوَّدُوا مِنْهَا إِلَى الْمَدِينَة , وَذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَهُمْ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ حَلَال وَقَالَ : ( هَلْ مَعَكُمْ مِنْ لَحْمه شَيْء فَتُطْعِمُونَا ) فَأَرْسَلُوا إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهُ فَأَكَلَهُ . وَقَالَتْ طَائِفَة . يَأْكُل بِقَدْرِ سَدّ الرَّمَق . وَبِهِ قَالَ اِبْن الْمَاجِشُون وَابْن حَبِيب وَفَرَّقَ أَصْحَاب الشَّافِعِيّ بَيْن حَالَة الْمُقِيم وَالْمُسَافِر فَقَالُوا : الْمُقِيم يَأْكُل بِقَدْرِ مَا يَسُدّ رَمَقَهُ , وَالْمُسَافِر يَتَضَلَّع وَيَتَزَوَّد : فَإِذَا وَجَدَ غِنًى عَنْهَا طَرَحَهَا , وَإِنْ وَجَدَ مُضْطَرًّا أَعْطَاهُ إِيَّاهَا وَلَا يَأْخُذ مِنْهُ عِوَضًا ; فَإِنَّ الْمَيْتَة لَا يَجُوز بَيْعهَا .

فَإِنْ اُضْطُرَّ إِلَى خَمْر فَإِنْ كَانَ بِإِكْرَاهٍ شَرِبَ بِلَا خِلَاف , وَإِنْ كَانَ بِجُوعٍ أَوْ عَطَش فَلَا يَشْرَب ; وَبِهِ قَالَ مَالِك فِي الْعُتْبِيَّة قَالَ : وَلَا يَزِيدهُ الْخَمْر إِلَّا عَطَشًا . وَهُوَ قَوْل الشَّافِعِيّ ; فَإِنَّ اللَّه تَعَالَى حَرَّمَ الْخَمْر تَحْرِيمًا مُطْلَقًا , وَحَرَّمَ الْمَيْتَة بِشَرْطِ عَدَم الضَّرُورَة . وَقَالَ الْأَبْهَرِيّ : إِنْ رَدَّتْ الْخَمْر عَنْهُ جُوعًا أَوْ عَطَشًا شَرِبَهَا ; لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى قَالَ فِي الْخِنْزِير | فَإِنَّهُ رِجْس | ثُمَّ أَبَاحَهُ لِلضَّرُورَةِ . وَقَالَ تَعَالَى فِي الْخَمْر إِنَّهَا | رِجْس | فَتَدْخُل فِي إِبَاحَة الْخِنْزِير لِلضَّرُورَةِ بِالْمَعْنَى الْجَلِيّ الَّذِي هُوَ أَقْوَى مِنْ الْقِيَاس , وَلَا بُدّ أَنْ تَرْوِي وَلَوْ سَاعَة , وَتَرُدّ الْجُوع وَلَوْ مُدَّة .

رَوَى أَصْبَغ عَنْ اِبْن الْقَاسِم أَنَّهُ قَالَ : يَشْرَب الْمُضْطَرّ الدَّم وَلَا يَشْرَب الْخَمْر , وَيَأْكُل الْمَيْتَة وَلَا يَقْرَب ضَوَالّ الْإِبِل - وَقَالَ اِبْن وَهْب - وَيَشْرَب الْبَوْل وَلَا يَشْرَب الْخَمْر ; لِأَنَّ الْخَمْر يَلْزَم فِيهَا الْحَدّ فَهِيَ أَغْلَظ . نَصَّ عَلَيْهِ أَصْحَاب الشَّافِعِيّ .

فَإِنْ غَصَّ بِلُقْمَةٍ فَهَلْ يُسِيغهَا بِخَمْرٍ أَوْ لَا ; فَقِيلَ : لَا ; مَخَافَة أَنْ يَدَّعِي ذَلِكَ . وَأَجَازَ ذَلِكَ اِبْن حَبِيب ; لِأَنَّهَا حَالَة ضَرُورَة . اِبْن الْعَرَبِيّ : | أَمَّا الْغَاصّ بِلُقْمَةٍ فَإِنَّهُ يَجُوز لَهُ فِيمَا بَيْنه وَبَيْن اللَّه تَعَالَى , وَأَمَّا فِيمَا بَيْننَا فَإِنْ شَاهَدْنَاهُ فَلَا تَخْفَى عَلَيْنَا بِقَرَائِن الْحَال صُورَة الْغُصَّة مِنْ غَيْرهَا ; فَيُصَدَّق إِذَا ظَهَرَ ذَلِكَ ; وَإِنْ لَمْ يَظْهَر حَدَدْنَاهُ ظَاهِرًا وَسَلِمَ مِنْ الْعُقُوبَة عِنْد اللَّه تَعَالَى بَاطِنًا . ثُمَّ إِذَا وَجَدَ الْمُضْطَرّ مَيْتَة وَخِنْزِيرًا وَلَحْم اِبْن آدَم أَكَلَ الْمَيْتَة ; لِأَنَّهَا حَلَال فِي حَال . وَالْخِنْزِير وَابْن آدَم لَا يَحِلّ بِحَالٍ . وَالتَّحْرِيم الْمُخَفَّف أَوْلَى أَنْ يُقْتَحَم مِنْ التَّحْرِيم الْمُثَقَّل ; كَمَا لَوْ أُكْرِهَ أَنْ يَطَأ أُخْته أَوْ أَجْنَبِيَّة , وَطِئَ الْأَجْنَبِيَّة لِأَنَّهَا تَحِلّ لَهُ بِحَالٍ . وَهَذَا هُوَ الضَّابِط لِهَذِهِ الْأَحْكَام . وَلَا يَأْكُل اِبْن آدَم وَلَوْ مَاتَ ; قَالَهُ عُلَمَاؤُنَا , وَبِهِ قَالَ أَحْمَد وَدَاوُد . اِحْتَجَّ أَحْمَد بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَام : ( كَسْر عَظْم الْمَيِّت كَكَسْرِهِ حَيًّا ) . وَقَالَ الشَّافِعِيّ : يَأْكُل لَحْم اِبْن آدَم . وَلَا يَجُوز لَهُ أَنْ يَقْتُل ذِمِّيًّا لِأَنَّهُ مُحْتَرَم الدَّم , وَلَا مُسْلِمًا وَلَا أَسِيرًا لِأَنَّهُ مَال الْغَيْر . فَإِنْ كَانَ حَرْبِيًّا أَوْ زَانِيًا مُحْصَنًا جَازَ قَتْله وَالْأَكْل مِنْهُ . وَشَنَّعَ دَاوُد عَلَى الْمُزَنِيّ بِأَنْ قَالَ : قَدْ أَبَحْت أَكْل لُحُوم الْأَنْبِيَاء فَغَلَبَ عَلَيْهِ اِبْن شُرَيْح بِأَنْ قَالَ : فَأَنْتَ قَدْ تَعَرَّضْت لِقَتْلِ الْأَنْبِيَاء إِذْ مَنَعْتهمْ مِنْ أَكْل الْكَافِر . قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : الصَّحِيح عِنْدِي أَلَّا يَأْكُل الْآدَمِيّ إِلَّا إِذَا تَحَقَّقَ أَنَّ ذَلِكَ يُنْجِيه وَيُحْيِيه ; وَاَللَّه أَعْلَم .

سُئِلَ مَالِك عَنْ الْمُضْطَرّ إِلَى أَكْل الْمَيْتَة وَهُوَ يَجِد مَال الْغَيْر تَمْرًا أَوْ زَرْعًا أَوْ غَنَمًا ; فَقَالَ : إِنْ أَمِنَ الضَّرَر عَلَى بَدَنه بِحَيْثُ لَا يُعَدّ سَارِقًا وَيُصَدَّق فِي قَوْل , أَكَلَ مِنْ أَيّ ذَلِكَ وَجَدَ مَا يَرُدّ جُوعه وَلَا يَحْمِل مِنْهُ شَيْئًا , وَذَلِكَ أَحَبّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَأْكُل الْمَيْتَة ; وَإِنْ هُوَ خَشِيَ أَلَّا يُصَدِّقُوهُ وَأَنْ يَعُدُّوهُ سَارِقًا فَإِنَّ أَكْل الْمَيْتَة أَجْوَز عِنْدِي , وَلَهُ فِي أَكْل الْمَيْتَة عَلَى هَذِهِ الْمَنْزِلَة سَعَة .

رَوَى أَبُو دَاوُد قَالَ حَدَّثَنَا مُوسَى بْن إِسْمَاعِيل قَالَ حَدَّثَنَا حَمَّاد عَنْ سِمَاك بْن حَرْب عَنْ جَابِر بْن سَمُرَة أَنَّ رَجُلًا نَزَلَ الْحَرَّة وَمَعَهُ أَهْله وَوَلَده , فَقَالَ رَجُل : إِنَّ نَاقَة لِي ضَلَّتْ فَإِنْ وَجَدْتهَا فَأَمْسِكْهَا ; فَوَجَدَهَا فَلَمْ يَجِد صَاحِبهَا فَمَرِضَتْ , فَقَالَتْ اِمْرَأَته : انْحَرْهَا , فَأَبَى فَنَفَقَتْ . فَقَالَتْ : اِسْلُخْهَا حَتَّى نُقَدِّد لَحْمهَا وَشَحْمهَا وَنَأْكُلهُ ; فَقَالَ : حَتَّى أَسْأَل رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَتَاهُ فَسَأَلَهُ , فَقَالَ : ( هَلْ عِنْدك غِنًى يُغْنِيك ) قَالَ لَا , قَالَ : ( فَكُلُوهَا ) قَالَ : فَجَاءَ صَاحِبهَا فَأَخْبَرَهُ الْخَبَر ; فَقَالَ : هَلَّا كُنْت نَحَرْتهَا فَقَالَ : اِسْتَحْيَيْت مِنْك . قَالَ اِبْن خُوَيْز مِنْدَاد : فِي هَذَا الْحَدِيث دَلِيلَانِ : أَحَدهمَا : أَنَّ الْمُضْطَرّ يَأْكُل مِنْ الْمَيْتَة وَإِنْ لَمْ يَخَفْ التَّلَف ; لِأَنَّهُ سَأَلَهُ عَنْ الْغِنَى وَلَمْ يَسْأَلهُ عَنْ خَوْفه عَلَى نَفْسه . وَالثَّانِي : يَأْكُل وَيَشْبَع وَيَدَّخِر وَيَتَزَوَّد ; لِأَنَّهُ أَبَاحَهُ الِادِّخَار وَلَمْ يَشْتَرِط عَلَيْهِ أَلَّا يَشْبَع . قَالَ أَبُو دَاوُد : وَحَدَّثَنَا هَارُون بْن عَبْد اللَّه قَالَ حَدَّثَنَا الْفَضْل بْن دُكَيْن قَالَ أَنْبَأَنَا عُقْبَة بْن وَهْب بْن عُقْبَة الْعَامِرِيّ قَالَ : سَمِعْت أَبِي يُحَدِّث عَنْ الْفُجَيْع الْعَامِرِيّ أَنَّهُ أَتَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : مَا يَحِلّ لَنَا الْمَيْتَة ؟ قَالَ : ( مَا طَعَامكُمْ ) قُلْنَا : نَغْتَبِق وَنَصْطَبِح . قَالَ أَبُو نُعَيْم : فَسَّرَهُ لِي عُقْبَ

| لِمَا تَصِف | مَا هُنَا مَصْدَرِيَّة , أَيْ لِوَصْفٍ . وَقِيلَ : اللَّام لَام سَبَب وَأَجْل , أَيْ لَا تَقُول لِأَجْلِ وَصْفكُمْ | الْكَذِب | بِنَزْعِ الْخَافِض , , أَيْ لِمَا تَصِف أَلْسِنَتكُمْ مِنْ الْكَذِب . وَقُرِئَ | الْكُذُب | بِضَمِّ الْكَاف وَالذَّال وَالْبَاء , نَعْتًا لِلْأَلْسِنَةِ . وَقَدْ تَقَدَّمَ وَقَرَأَ الْحَسَن هُنَا خَاصَّة | الْكَذِب | بِفَتْحِ الْكَاف وَخَفْض الذَّال وَالْبَاء , نَعْتًا | لِمَا | ; التَّقْدِير : وَلَا تَقُولُوا لِوَصْفِ أَلْسِنَتكُمْ الْكَذِب . وَقِيلَ عَلَى الْبَدَل مِنْ مَا ; أَيْ وَلَا تَقُولُوا لِلْكَذِبِ الَّذِي تَصِفهُ أَلْسِنَتكُمْ هَذَا حَلَال وَهَذَا حَرَام لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّه الْكَذِب . الْآيَة خِطَاب لِلْكُفَّارِ الَّذِينَ حَرَّمُوا الْبَحَائِر وَالسَّوَائِب وَأَحَلُّوا مَا فِي بُطُون الْأَنْعَام وَإِنْ كَانَ مَيْتَة .|هَذَا حَلَالٌ|إِشَارَة إِلَى مَيْتَة بُطُون الْأَنْعَام , وَكُلّ مَا أَحَلُّوهُ .|وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ|إِشَارَة إِلَى الْبَحَائِر وَالسَّوَائِب وَكُلّ مَا حَرَّمُوهُ .

أَسْنَدَ الدَّارِمِيّ أَبُو مُحَمَّد فِي مُسْنَده أَخْبَرَنَا هَارُون عَنْ حَفْص عَنْ الْأَعْمَش قَالَ : مَا سَمِعْت إِبْرَاهِيم قَطُّ يَقُول حَلَال وَلَا حَرَام , وَلَكِنْ كَانَ يَقُول : كَانُوا يَكْرَهُونَ وَكَانُوا يَسْتَحِبُّونَ . وَقَالَ اِبْن وَهْب قَالَ مَالِك : لَمْ يَكُنْ مِنْ فُتْيَا النَّاس أَنْ يَقُولُوا هَذَا حَلَال وَهَذَا حَرَام , وَلَكِنْ يَقُولُوا إِيَّاكُمْ كَذَا وَكَذَا , وَلَمْ أَكُنْ لِأَصْنَع هَذَا . وَمَعْنَى هَذَا : أَنَّ التَّحْلِيل وَالتَّحْرِيم إِنَّمَا هُوَ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ , وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَقُول أَوْ يُصَرِّح بِهَذَا فِي عَيْن مِنْ الْأَعْيَان , إِلَّا أَنْ يَكُون الْبَارِئ تَعَالَى يُخْبِر بِذَلِكَ عَنْهُ . وَمَا يُؤَدِّي إِلَيْهِ الِاجْتِهَاد فِي أَنَّهُ حَرَام يَقُول : إِنِّي أَكْرَه كَذَا . وَكَذَلِكَ كَانَ مَالِك يَفْعَل اِقْتِدَاء بِمَنْ تَقَدَّمَ مِنْ أَهْل الْفَتْوَى . فَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ قَالَ فِيمَنْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ أَنْتِ عَلَيَّ حَرَام إِنَّهَا حَرَام وَيَكُون ثَلَاثًا . فَالْجَوَاب أَنَّ مَالِكًا لَمَّا سَمِعَ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب يَقُول إِنَّهَا حَرَام اِقْتَدَى بِهِ . وَقَدْ يَقْوَى الدَّلِيل عَلَى التَّحْرِيم عِنْد الْمُجْتَهِد فَلَا بَأْس عِنْد ذَلِكَ أَنْ يَقُول ذَلِكَ , كَمَا يَقُول إِنَّ الرِّبَا حَرَام فِي غَيْر الْأَعْيَان السِّتَّة , وَكَثِيرًا مَا يُطْلِق مَالِك رَحِمَهُ اللَّه ; فَذَلِكَ حَرَام لَا يَصْلُح فِي الْأَمْوَال الرِّبَوِيَّة وَفِيمَا خَالَفَ الْمَصَالِح وَخَرَجَ عَنْ طَرِيق الْمَقَاصِد لِقُوَّةِ الْأَدِلَّة فِي ذَلِكَ .

أَيْ مَا هُمْ فِيهِ مِنْ نَعِيم الدُّنْيَا يَزُول عَنْ قَرِيب . وَقَالَ الزَّجَّاج : أَيْ مَتَاعهمْ مَتَاع قَلِيل . وَقِيلَ : لَهُمْ مَتَاع قَلِيل ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَاب أَلِيم .

بَيَّنَ أَنَّ الْأَنْعَام وَالْحَرْث حَلَال لِهَذِهِ الْأُمَّة , فَأَمَّا الْيَهُود فَحُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ مِنْهَا أَشْيَاء .|مِنْ قَبْلُ|أَيْ فِي سُورَة الْأَنْعَام .|وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ|أَيْ بِتَحْرِيمِ مَا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ , وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسهمْ فَحَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ تِلْكَ الْأَشْيَاء عُقُوبَة لَهُمْ . كَمَا تَقَدَّمَ فِي النِّسَاء