islamkingdomfaceBook islamkingdomtwitter islamkingdominstagram islamkingdomyoutube


أَيْ بِالْمَبْعَثِ وَالْجَزَاء . وَقَالَ سَعِيد بْن جُبَيْر : قَرِينه شَرِيكه . وَقَدْ مَضَى فِي [ الْكَهْف ] ذِكْرُهُمَا وَقِصَّتُهُمَا وَالِاخْتِلَاف فِي اِسْمَيْهِمَا مُسْتَوْفًى عِنْد قَوْله تَعَالَى : | وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ | [ الْكَهْف : 32 ] وَفِيهِمَا أَنْزَلَ اللَّه جَلَّ وَعَزَّ : | قَالَ قَائِل مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِين | إِلَى | مِنْ الْمُحْضَرِينَ | . وَقُرِئَ : | أَإِنَّك لَمِنْ الْمُصَّدِّقِينَ | بِتَشْدِيدِ الصَّاد . رَوَاهُ عَلِيّ بْن كَيْسَة عَنْ سُلَيْم عَنْ حَمْزَة . قَالَ النَّحَّاس : وَلَا يَجُوز | أَإِنَّك لَمِنْ الْمُصَّدِّقِينَ | لِأَنَّهُ لَا مَعْنَى لِلصَّدَقَةِ هَاهُنَا . وَقَالَ الْقُشَيْرِيّ : وَفِي قِرَاءَة عَنْ حَمْزَة | أَإِنَّك لَمِنْ الْمُصَّدِّقِينَ | بِتَشْدِيدِ الصَّاد . وَاعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأَنَّ هَذَا مِنْ التَّصْدِيق لَا مِنْ التَّصَدُّق . وَالِاعْتِرَاض بَاطِل ; لِأَنَّ الْقِرَاءَة إِذَا ثَبَتَتْ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَا مَجَالَ لِلطَّعْنِ فِيهَا . فَالْمَعْنَى | أَإِنَّك لَمِنْ الْمُصَّدِّقِينَ | بِالْمَالِ طَلَبًا فِي ثَوَاب الْآخِرَة .

أَيْ مَجْزِيُّونَ مُحَاسَبُونَ بَعْد الْمَوْت .

فَـ | قَالَ | اللَّه تَعَالَى لِأَهْلِ الْجَنَّة : | هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ | . وَقِيلَ : هُوَ مِنْ قَوْل الْمُؤْمِن لِإِخْوَانِهِ فِي الْجَنَّة هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ إِلَى النَّار لِنَنْظُرَ كَيْف حَال ذَلِكَ الْقَرِين . وَقِيلَ : هُوَ مِنْ قَوْل الْمَلَائِكَة . وَلَيْسَ | هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ | بِاسْتِفْهَامٍ , إِنَّمَا هُوَ بِمَعْنَى الْأَمْر , أَيْ اِطَّلِعُوا ; قَالَهُ اِبْن الْأَعْرَابِيّ وَغَيْره . وَمِنْهُ لَمَّا نَزَلَتْ آيَة الْخَمْر , قَامَ عُمَر قَائِمًا بَيْن يَدَيْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , ثُمَّ رَفَعَ رَأْسه إِلَى السَّمَاء , ثُمَّ قَالَ : يَا رَبّ بَيَانًا أَشْفَى مِنْ هَذَا فِي الْخَمْر . فَنَزَلَتْ : | فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ | [ الْمَائِدَة : 91 ] قَالَ : فَنَادَى عُمَر اِنْتَهَيْنَا يَا رَبَّنَا . وَقَرَأَ اِبْن عَبَّاس : | هَلْ أَنْتُمْ مُطْلِعُونَ | بِإِسْكَانِ الطَّاء خَفِيفَة | فَأُطْلِعَ | بِقَطْعِ الْأَلِف مُخَفَّفَة عَلَى مَعْنَى هَلْ أَنْتُمْ مُقْبِلُونَ , فَأَقْبَلَ . قَالَ النَّحَّاس | فَأُطْلِعَ فَرَآهُ | فِيهِ قَوْلَانِ : أَحَدهمَا أَنْ يَكُون فِعْلًا مُسْتَقْبَلًا مَعْنَاهُ فَأُطْلَعَ أَنَا , وَيَكُون مَنْصُوبًا عَلَى أَنَّهُ جَوَاب الِاسْتِفْهَام . وَالْقَوْل الثَّانِي أَنْ يَكُون فِعْلًا مَاضِيًا وَيَكُون اِطَّلَعَ وَأُطْلِعَ وَاحِدًا . قَالَ الزَّجَّاج : يُقَال طَلَعَ وَأَطْلَعَ وَاطَّلَعَ بِمَعْنًى وَاحِد . وَقَدْ حُكِيَ | هَلْ أَنْتُمْ مُطْلِعُونِ | بِكَسْرِ النُّون وَأَنْكَرَهُ أَبُو حَاتِم وَغَيْره . النَّحَّاس : وَهُوَ لَحْن لَا يَجُوز ; لِأَنَّهُ جَمْع بَيْن النُّون وَالْإِضَافَة , وَلَوْ كَانَ مُضَافًا لَكَانَ هَلْ أَنْتُمْ مُطْلِعِيَّ , وَإِنْ كَانَ سِيبَوَيْهِ وَالْفَرَّاء قَدْ حَكَيَا مِثْله , وَأَنْشَدَا :
هُمْ الْقَائِلُونَ الْخَيْرَ وَالْآمِرُونَهُ .......... إِذَا مَا خَشَوْا مِنْ مُحْدَثِ الْأَمْرِ مُعْظَمَا
وَأَنْشَدَ الْفَرَّاء : وَالْفَاعِلُونَهُ . وَأَنْشَدَ سِيبَوَيْهِ وَحْدَهُ :
وَلَمْ يَرْتَفِقْ وَالنَّاسُ مُحْتَضِرُونَهُ
وَهَذَا شَاذّ خَارِج عَنْ كَلَام الْعَرَب , وَمَا كَانَ مِثْل هَذَا لَمْ يُحْتَجَّ بِهِ فِي كِتَاب اللَّه عَزَّ وَجَلَّ , وَلَا يَدْخُل فِي الْفَصِيح . وَقَدْ قِيلَ فِي تَوْجِيهه : إِنَّهُ أَجْرَى اِسْم الْفَاعِل مُجْرَى الْمُضَارِع لِقُرْبِهِ مِنْهُ , فَجَرَى | مُطَّلِعُونَ | مَجْرَى يَطْلُعُونَ . ذَكَرَهُ أَبُو الْفَتْح عُثْمَان بْن جِنِّي وَأَنْشَدَ :
أَرَأَيْت إِنْ جِئْت بِهِ أُمْلُودَا .......... مُرَجَّلًا وَيَلْبَسُ الْبُرُودَا

أَقَائِلُنَّ أَحْضِرُوا الشُّهُودَا
فَأَجْرَى أَقَائِلُنَّ مُجْرَى أَتَقُولُنَّ . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى : | هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ . فَاطَّلَعَ فَرَآهُ | إِنَّ فِي الْجَنَّة كُوًى يَنْظُر أَهْلُهَا مِنْهَا إِلَى النَّار وَأَهْلِهَا . وَكَذَلِكَ قَالَ كَعْب فِيمَا ذَكَرَ اِبْن الْمُبَارَك , قَالَ : إِنَّ بَيْن الْجَنَّة وَالنَّار كُوًى , فَإِذَا أَرَادَ الْمُؤْمِن أَنْ يَنْظُر إِلَى عَدُوّ كَانَ لَهُ فِي الدُّنْيَا اِطَّلَعَ مِنْ بَعْض الْكُوَى .

أَيْ فِي وَسَط النَّار وَالْحَسَك حَوَالَيْهِ ; قَالَهُ اِبْن مَسْعُود . وَيُقَال : تَعِبْت حَتَّى اِنْقَطَعَ سَوَائِي : أَيْ وَسَطِي . وَعَنْ أَبِي عُبَيْدَة : قَالَ لِي عِيسَى بْن عُمَر : كُنْت أَكْتُب يَا أَبَا عُبَيْدَة حَتَّى يَنْقَطِع سَوَائِي . وَعَنْ قَتَادَة قَالَ : قَالَ بَعْض الْعُلَمَاء : لَوْلَا أَنَّ اللَّه جَلَّ وَعَزَّ عَرَّفَهُ إِيَّاهُ لَمَا عَرَفَهُ , لَقَدْ تَغَيَّرَ حَبْرُهُ وَسَبْرُهُ . فَعِنْد ذَلِكَ يَقُول : | تَاللَّهِ إِنْ كِدْت لَتُرْدِينِ |

| إِنْ | مُخَفَّفَة مِنْ الثَّقِيلَة دَخَلَتْ عَلَى كَادَ كَمَا تَدْخُل عَلَى كَانَ . وَنَحْوه | إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا | [ الْفُرْقَان : 42 ] وَاللَّام هِيَ الْفَارِقَة بَيْنهَا وَبَيْن النَّافِيَة . وَقَالَ الْكِسَائِيّ : | لَتُرْدِينِ | أَيْ لَتُهْلِكُنِي , وَالرَّدَى الْهَلَاك . وَقَالَ الْمُبَرِّد : لَوْ قِيلَ : | لَتُرْدِينِ | لَتُوقِعُنِي فِي النَّار لَكَانَ جَائِزًا

أَيْ عِصْمَتُهُ وَتَوْفِيقه بِالِاسْتِمْسَاكِ بِعُرْوَةِ الْإِسْلَام وَالْبَرَاءَة مِنْ الْقَرِين السُّوء . وَمَا بَعْد لَوْلَا مَرْفُوع بِالِابْتِدَاءِ عِنْد سِيبَوَيْهِ وَالْخَبَر مَحْذُوف .|لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ|قَالَ الْفَرَّاء : أَيْ لَكُنْت مَعَك فِي النَّار مُحْضَرًا . وَأَحْضَرَ لَا يُسْتَعْمَل مُطْلَقًا إِلَّا فِي الشَّرّ ; قَالَهُ الْمَاوَرْدِيّ .

وَقُرِئَ | بِمَائِتِينَ | وَالْهَمْزَة فِي | أَفَمَا | لِلِاسْتِفْهَامِ دَخَلَتْ عَلَى فَاء الْعَطْف , وَالْمَعْطُوف مَحْذُوف مَعْنَاهُ أَنَحْنُ مُخَلَّدُونَ مُنَعَّمُونَ فَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ وَلَا مُعَذَّبِينَ .

يَكُون اِسْتِثْنَاء لَيْسَ مِنْ الْأَوَّل وَيَكُون مَصْدَرًا ; لِأَنَّهُ مَنْعُوت . وَهُوَ مِنْ قَوْل أَهْل الْجَنَّة لِلْمَلَائِكَةِ حِين يُذْبَح الْمَوْت , وَيُقَال : يَا أَهْل الْجَنَّة خُلُود وَلَا مَوْت , وَيَا أَهْل النَّار خُلُود وَلَا مَوْت . وَقِيلَ : هُوَ مِنْ قَوْل الْمُؤْمِن عَلَى جِهَة الْحَدِيث بِنِعْمَةِ اللَّه فِي أَنَّهُمْ لَا يَمُوتُونَ وَلَا يُعَذَّبُونَ ; أَيْ هَذِهِ حَالنَا وَصِفَتنَا . وَقِيلَ : هُوَ مِنْ قَوْل الْمُؤْمِن تَوْبِيخًا لِلْكَافِرِ لِمَا كَانَ يُنْكِرهُ مِنْ الْبَعْث , وَأَنَّهُ لَيْسَ إِلَّا الْمَوْت فِي الدُّنْيَا .

قَالَ الْمُؤْمِن مُشِيرًا إِلَى مَا هُوَ فِيهِ ; | إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْز الْعَظِيم | يَكُون | هُوَ | مُبْتَدَأ وَمَا بَعْده خَبَر عَنْهُ وَالْجُمْلَة خَبَر إِنَّ . وَيَجُوز أَنْ يَكُون | هُوَ | فَاصِلًا .

يَحْتَمِل أَنْ يَكُون مِنْ كَلَام الْمُؤْمِن لَمَّا رَأَى مَا أَعَدَّ اللَّه لَهُ فِي الْجَنَّة وَمَا أَعْطَاهُ قَالَ : | لِمِثْلِ هَذَا | الْعَطَاء وَالْفَضْل | فَلْيَعْمَلْ الْعَامِلُونَ | نَظِير مَا قَالَ لَهُ الْكَافِر : | أَنَا أَكْثَر مِنْك مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا | [ الْكَهْف : 34 ] . وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون مِنْ قَوْل الْمَلَائِكَة . وَقِيلَ : هُوَ مِنْ قَوْل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ لِأَهْلِ الدُّنْيَا ; أَيْ قَدْ سَمِعْتُمْ مَا فِي الْجَنَّة مِنْ الْخَيْرَات وَالْجَزَاء , وَ | لِمِثْلِ هَذَا | الْجَزَاء | فَلْيَعْمَلْ الْعَامِلُونَ | . النَّحَّاس : وَتَقْدِير الْكَلَام - وَاَللَّه أَعْلَم - فَلْيَعْمَلْ الْعَامِلُونَ لِمِثْلِ هَذَا . فَإِنْ قَالَ قَائِل : الْفَاء فِي الْعَرَبِيَّة تَدُلّ عَلَى أَنَّ الثَّانِي بَعْد الْأَوَّل , فَكَيْف صَارَ مَا بَعْدهَا يُنْوَى بِهِ التَّقْدِيم ؟ فَالْجَوَاب أَنَّ التَّقْدِيم كَمِثْلِ التَّأْخِير ; لِأَنَّ حَقّ حُرُوف الْخَفْض وَمَا بَعْدهَا أَنْ تَكُون مُتَأَخِّرَة .

| أَذَلِك خَيْر | مُبْتَدَأ وَخَبَر , وَهُوَ مِنْ قَوْل اللَّه جَلَّ وَعَزَّ . | نُزُلًا | عَلَى الْبَيَان ; وَالْمَعْنَى أَنَعِيم الْجَنَّة خَيْر نُزُلًا . | أَمْ شَجَرَة الزَّقُّوم | خَيْر نُزُلًا . وَالنُّزُل فِي اللُّغَة الرِّزْق الَّذِي لَهُ سَعَة - النَّحَّاس - وَكَذَا النُّزُل إِلَّا أَنَّهُ يَجُوز أَنْ يَكُون النُّزْل بِإِسْكَانِ الزَّاي لُغَة , وَيَجُوز أَنْ يَكُون أَصْله النُّزُل ; وَمِنْهُ أُقِيم لِلْقَوْمِ نُزُلهمْ , وَاشْتِقَاقه أَنَّهُ الْغِذَاء الَّذِي يَصْلُح أَنْ يَنْزِلُوا مَعَهُ وَيُقِيمُوا فِيهِ . وَقَدْ مَضَى هَذَا فِي آخِر سُورَة [ آل عِمْرَان ] وَشَجَرَة الزَّقُّوم مُشْتَقَّة مِنْ التَّزَقُّم وَهُوَ الْبَلْع عَلَى جَهْد لِكَرَاهَتِهَا وَنَتْنِهَا . قَالَ الْمُفَسِّرُونَ : وَهِيَ فِي الْبَاب السَّادِس , وَأَنَّهَا تَحْيَا بِلَهَبِ النَّار كَمَا تَحْيَا الشَّجَرَة بِبَرْدِ الْمَاء ; فَلَا بُدَّ لِأَهْلِ النَّار مِنْ أَنْ يَنْحَدِر إِلَيْهَا مَنْ كَانَ فَوْقهَا فَيَأْكُلُونَ مِنْهَا , وَكَذَلِكَ يَصْعَد إِلَيْهَا مَنْ كَانَ أَسْفَل . وَاخْتُلِفَ فِيهَا هَلْ هِيَ مِنْ شَجَر الدُّنْيَا الَّتِي تَعْرِفهَا الْعَرَب أَمْ لَا عَلَى قَوْلَيْنِ : أَحَدُهُمَا أَنَّهَا مَعْرُوفَة مِنْ شَجَر الدُّنْيَا . وَمَنْ قَالَ بِهَذَا اِخْتَلَفُوا فِيهَا ; فَقَالَ قُطْرُب : إِنَّهَا شَجَرَة مُرَّة تَكُون بِتِهَامَةَ مِنْ أَخْبَث الشَّجَر . وَقَالَ غَيْره : بَلْ هُوَ كُلّ نَبَات قَاتِل . الْقَوْل الثَّانِي : إِنَّهَا لَا تُعْرَف فِي شَجَر الدُّنْيَا . فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة فِي شَجَرَة الزَّقُّوم قَالَتْ كُفَّار قُرَيْش : مَا نَعْرِف هَذِهِ الشَّجَرَة . فَقَدِمَ عَلَيْهِمْ رَجُل مِنْ إِفْرِيقِيَّة فَسَأَلُوهُ فَقَالَ : هُوَ عِنْدنَا الزُّبْد وَالتَّمْر . فَقَالَ اِبْن الزِّبَعْرَى : أَكْثَرَ اللَّه فِي بُيُوتنَا الزَّقُّوم فَقَالَ أَبُو جَهْل لِجَارِيَتِهِ : زَقِّمِينَا ; فَأَتَتْهُ بِزُبْدٍ وَتَمْر . ثُمَّ قَالَ لِأَصْحَابِهِ : تَزَقَّمُوا ; هَذَا الَّذِي يُخَوِّفنَا بِهِ مُحَمَّد ; يَزْعُم أَنَّ النَّار تُنْبِتُ الشَّجَر , وَالنَّار تُحْرِق الشَّجَر .

أَيْ الْمُشْرِكِينَ , وَذَلِكَ أَنَّهُمْ قَالُوا : كَيْف تَكُون فِي النَّار شَجَرَة وَهِيَ تُحْرِق الشَّجَر ؟ وَقَدْ مَضَى هَذَا الْمَعْنَى فِي [ سُبْحَان ] وَاسْتِخْفَافهمْ فِي هَذَا كَقَوْلِهِمْ فِي قَوْله تَعَالَى : | عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ | [ الْمُدَّثِّر : 30 ] . مَا الَّذِي يُخَصِّصُ هَذَا الْعَدَد ؟ حَتَّى قَالَ بَعْضهمْ : أَنَا أَكْفِيكُمْ مِنْهُمْ كَذَا فَاكْفُونِي الْبَاقِينَ . فَقَالَ اللَّه تَعَالَى : | وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَة لِلَّذِينَ كَفَرُوا | [ الْمُدَّثِّر : 31 ] وَالْفِتْنَة الِاخْتِبَار , وَكَانَ هَذَا الْقَوْل مِنْهُمْ جَهْلًا ; إِذْ لَا يَسْتَحِيل فِي الْعَقْل أَنْ يَخْلُق اللَّه فِي النَّار شَجَرًا مِنْ جِنْسهَا لَا تَأْكُلهُ النَّار , كَمَا يَخْلُق اللَّه فِيهَا الْأَغْلَال وَالْقُيُود وَالْحَيَّات وَالْعَقَارِب وَخَزَنَة النَّار . وَقِيلَ : هَذَا الِاسْتِبْعَاد الَّذِي وَقَعَ لِلْكُفَّارِ هُوَ الَّذِي وَقَعَ الْآن لِلْمُلْحِدَةِ , حَتَّى حَمَلُوا الْجَنَّة وَالنَّار عَلَى نَعِيم أَوْ عِقَاب تَتَخَلَّلهُ الْأَرْوَاح , وَحَمَلُوا وَزْن الْأَعْمَال وَالصِّرَاط وَاللَّوْح وَالْقَلَم عَلَى مَعَان زَوَّرُوهَا فِي أَنْفُسهمْ , دُون مَا فَهِمَهُ الْمُسْلِمُونَ مِنْ مَوَارِد الشَّرْع , وَإِذَا وَرَدَ خَبَر الصَّادِق بِشَيْءٍ مَوْهُوم فِي الْعَقْل , فَالْوَاجِب تَصْدِيقه وَإِنْ جَازَ أَنْ يَكُون لَهُ تَأْوِيل , ثُمَّ التَّأْوِيل فِي مَوْضِع إِجْمَاع الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّهُ تَأْوِيل بَاطِل لَا يَجُوز , وَالْمُسْلِمُونَ مُجْمِعُونَ عَلَى الْأَخْذ بِهَذِهِ الْأَشْيَاء مِنْ غَيْر مَصِير إِلَى عِلْم الْبَاطِن . وَقِيلَ إِنَّهَا فِتْنَة أَيْ عُقُوبَة لِلظَّالِمِينَ ; كَمَا قَالَ : | ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ | [ الذَّارِيَات : 14 ] .

أَيْ قَعْر النَّار وَمِنْهَا مَنْشَؤُهَا ثُمَّ هِيَ مُتَفَرِّعَة فِي جَهَنَّم .

أَيْ ثَمَرهَا ; سُمِّيَ طَلْعًا لِطُلُوعِهِ .|كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ|قِيلَ : يَعْنِي الشَّيَاطِين بِأَعْيَانِهِمْ شَبَّهَهَا بِرُءُوسِهِمْ لِقُبْحِهِمْ , وَرُءُوس الشَّيَاطِين مُتَصَوَّر فِي النُّفُوس وَإِنْ كَانَ غَيْر مَرْئِيٍّ . وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلهمْ لِكُلِّ قَبِيح هُوَ كَصُورَةِ الشَّيْطَان , وَلِكُلِّ صُورَة حَسَنَة هِيَ كَصُورَةِ مَلَك . وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ صَوَاحِب يُوسُف : | مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَك كَرِيم | [ يُوسُف : 31 ] وَهَذَا تَشْبِيهٌ تَخْيِيلِيّ ; رُوِيَ مَعْنَاهُ عَنْ اِبْن عَبَّاس وَالْقُرَظِيّ . وَمِنْهُ قَوْل اِمْرِئِ الْقَيْس :
وَمَسْنُونَةٍ زُرْقٍ كَأَنْيَابِ أَغْوَالِ
وَإِنْ كَانَتْ الْغُول لَا تُعْرَف ; وَلَكِنْ لِمَا تُصُوِّرَ مِنْ قُبْحهَا فِي النُّفُوس . وَقَدْ قَالَ اللَّه تَعَالَى : | شَيَاطِين الْإِنْس وَالْجِنّ | [ الْأَنْعَام : 112 ] فَمَرَدَة الْإِنْس شَيَاطِين مَرْئِيَّةٌ . وَفِي الْحَدِيث الصَّحِيح ( وَلَكَأَنَّ نَخْلهَا رُءُوس الشَّيَاطِين ) وَقَدْ اِدَّعَى كَثِير مِنْ الْعَرَب رُؤْيَة الشَّيَاطِين وَالْغِيلَان . وَقَالَ الزَّجَّاج وَالْفَرَّاء : الشَّيَاطِين حَيَّات لَهَا رُءُوس وَأَعْرَاف , وَهِيَ مِنْ أَقْبَح الْحَيَّات وَأَخْبَثهَا وَأَخَفِّهَا جِسْمًا . قَالَ الرَّاجِز وَقَدْ شَبَّهَ الْمَرْأَة بِحَيَّةٍ لَهَا عُرْف :
عَنْجَرِدٌ تَحْلِفُ حِينَ أَحْلِفُ .......... كَمِثْلِ شَيْطَانِ الْحِمَاطِ أَعْرَفُ
الْوَاحِدَة حَمَاطَة . وَالْأَعْرَف الَّذِي لَهُ عُرْف . وَقَالَ الشَّاعِر يَصِف نَاقَتَهُ :
تُلَاعِبُ مَثْنَى حَضْرَمِيٍّ كَأَنَّهُ .......... تَعَمُّجُ شَيْطَانٍ بِذِي خِرْوَعٍ قَفْرِ
التَّعَمُّج : الِاعْوِجَاج فِي السَّيْر . وَسَهْم عَمُوجٌ : يَتَلَوَّى فِي ذَهَابه . وَتَعَمَّجَتْ الْحَيَّة : إِذَا تَلَوَّتْ فِي سَيْرهَا . وَقَالَ يَصِف زِمَام النَّاقَة :
تُلَاعِب مَثْنَى حَضْرَمِيٍّ كَأَنَّهُ .......... تَعَمُّجُ شَيْطَانٍ بِذِي خِرْوَعٍ قَفْر
وَقِيلَ : إِنَّمَا شُبِّهَ ذَلِكَ بِنَبْتٍ قَبِيح فِي الْيَمَن يُقَال لَهُ الْأَسْتَن وَالشَّيْطَان . قَالَ النَّحَّاس : وَلَيْسَ ذَلِكَ مَعْرُوفًا عِنْد الْعَرَب . الزَّمَخْشَرِيّ : هُوَ شَجَر خَشِن مُنْتِن مُرّ مُنْكَر الصُّورَة يُسَمَّى ثَمَره رُءُوس الشَّيَاطِين . النَّحَّاس : وَقِيلَ : الشَّيَاطِين ضَرْب مِنْ الْحَيَّات قِبَاح .

فَهَذَا طَعَامهمْ وَفَاكِهَتُهُمْ بَدَلَ رِزْق أَهْل الْجَنَّة . وَقَالَ فِي [ الْغَاشِيَة ] : | لَيْسَ لَهُمْ طَعَام إِلَّا مِنْ ضَرِيع | [ الْغَاشِيَة : 6 ] وَسَيَأْتِي .

أَيْ بَعْد الْأَكْل مِنْ الشَّجَرَة|لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ|الشَّوْب الْخَلْط , وَالشَّوْب وَالشُّوب لُغَتَانِ كَالْفَقْرِ وَالْفُقْر وَالْفَتْح أَشْهَر . قَالَ الْفَرَّاء : شَابَ طَعَامه وَشَرَابه إِذَا خَلَطَهُمَا بِشَيْءٍ يَشُوبُهُمَا شَوْبًا وَشِيَابَة . فَأَخْبَرَ أَنَّهُ يُشَاب لَهُمْ . وَالْحَمِيم : الْمَاء الْحَارّ لِيَكُونَ أَشْنَع ; قَالَ اللَّه تَعَالَى : | وَسُقُوا مَاء حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ | [ مُحَمَّد : 15 ] . السُّدِّيّ : يُشَاب لَهُمْ الْحَمِيم بِغَسَّاق أَعْيُنِهِمْ وَصَدِيدٍ مِنْ قَيْحهمْ وَدِمَائِهِمْ . وَقِيلَ : يُمْزَج لَهُمْ الزَّقُّوم بِالْحَمِيمِ لِيُجْمَع لَهُمْ بَيْن مَرَارَة الزَّقُّوم وَحَرَارَة الْحَمِيم ; تَغْلِيظًا لِعَذَابِهِمْ وَتَجْدِيدًا لِبَلَائِهِمْ .

قِيلَ : إِنَّ هَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا حِين أَكَلُوا الزَّقُّوم فِي عَذَاب غَيْر النَّار ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَيْهَا . وَقَالَ مُقَاتِل : الْحَمِيم خَارِج الْجَحِيم فَهُمْ يُورَدُونَ الْحَمِيم لِشُرْبِهِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى الْجَحِيم ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى : | هَذِهِ جَهَنَّم الَّتِي يُكَذِّب بِهَا الْمُجْرِمُونَ . يَطُوفُونَ بَيْنهَا وَبَيْن حَمِيم آنٍ | [ الرَّحْمَن : 43 - 44 ] . وَقَرَأَ اِبْن مَسْعُود : | ثُمَّ إِنَّ مُنْقَلَبَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيم | قَالَ أَبُو عُبَيْدَة : يَجُوز أَنْ تَكُون | ثُمَّ | بِمَعْنَى الْوَاو . الْقُشَيْرِيّ : وَلَعَلَّ الْحَمِيم فِي مَوْضِع مِنْ جَهَنَّم عَلَى طَرَف مِنْهَا .

أَيْ صَادَفُوهُمْ كَذَلِكَ فَاقْتَدَوْا بِهِمْ .

أَيْ يُسْرِعُونَ ; عَنْ قَتَادَة . وَقَالَ مُجَاهِد : كَهَيْئَةِ الْهَرْوَلَة . قَالَ الْفَرَّاء : الْإِهْرَاع الْإِسْرَاع بِرَعْدَةٍ . وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة : | يُهْرَعُونَ | يَسْتَحِثُّونَ مَنْ خَلْفَهُمْ . وَنَحْوه قَوْل الْمُبَرِّد . قَالَ : الْمُهْرِع الْمُسْتَحِثّ ; يُقَال : جَاءَ فُلَان يُهْرَعُ إِلَى النَّار إِذَا اِسْتَحَثَّهُ الْبَرْد إِلَيْهَا . وَقِيلَ : يُزْعَجُونَ مِنْ شِدَّة الْإِسْرَاع ; قَالَهُ الْفَضْل . الزَّجَّاج : يُقَال هُرِعَ وَأُهْرِعَ إِذَا اُسْتُحِثَّ وَأُزْعِجَ .

أَيْ مِنْ الْأُمَم الْمَاضِيَة .

أَيْ رُسُلًا أَنْذَرُوهُمْ الْعَذَاب فَكَفَرُوا .

أَيْ آخِر أَمْرهمْ .

أَيْ الَّذِينَ اِسْتَخْلَصَهُمْ اللَّه مِنْ الْكُفْر . وَقَدْ تَقَدَّمَ . ثُمَّ قِيلَ : هُوَ اِسْتِثْنَاء مِنْ | الْمُنْذَرِينَ | . وَقِيلَ هُوَ مِنْ قَوْله تَعَالَى : | وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلهمْ أَكْثَر الْأَوَّلِينَ | .

مِنْ النِّدَاء الَّذِي هُوَ الِاسْتِغَاثَة ; وَدَعَا قِيلَ بِمَسْأَلَةِ هَلَاك قَوْمه فَقَالَ : | رَبّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْض مِنْ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا | [ نُوح : 26 ] .|فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ|قَالَ الْكِسَائِيّ : أَيْ | فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ | لَهُ كُنَّا .

يَعْنِي أَهْل دِينه , وَهُمْ مَنْ آمَنَ مَعَهُ وَكَانُوا ثَمَانِينَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ .|مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ|وَهُوَ الْغَرَق .