islamkingdomfaceBook islamkingdomtwitter islamkingdominstagram islamkingdomyoutube


| يَوْم | مَنْصُوب مُتَّصِل بِقَوْلِهِ : | وَيُحَذِّركُمْ اللَّه نَفْسه . يَوْم تَجِد | . وَقِيلَ : هُوَ مُتَّصِل بِقَوْلِهِ : | وَإِلَى اللَّه الْمَصِير . يَوْم تَجِد | . وَقِيلَ : هُوَ مُتَّصِل بِقَوْلِهِ : | وَاَللَّه عَلَى كُلّ شَيْء قَدِير . يَوْم تَجِد | وَيَجُوز أَنْ يَكُون مُنْقَطِعًا عَلَى إِضْمَار اُذْكُرْ ; وَمِثْله قَوْله : | إِنَّ اللَّه عَزِيز ذُو اِنْتِقَام . يَوْم تُبَدَّل الْأَرْض | [ إِبْرَاهِيم : 47 , 48 ]|مُحْضَرًا|حَال مِنْ الضَّمِير الْمَحْذُوف مِنْ صِلَة | مَا | تَقْدِيره يَوْم تَجِد كُلّ نَفْس , مَا عَمِلْته مِنْ خَيْر مُحْضَرًا . هَذَا عَلَى أَنْ يَكُون | تَجِد | مِنْ وُجْدَان الضَّالَّة .|وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ|و | مَا | مِنْ قَوْله | وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوء | عَطْف عَلَى | مَا | الْأُولَى .|تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا|و | تَوَدّ | فِي مَوْضِع الْحَال مِنْ | مَا | الثَّانِيَة . وَإِنْ جُعِلَتْ | تَجِد | بِمَعْنَى تَعْلَم كَانَ | مَحْضَرًا | الْمَفْعُول الثَّانِي , وَكَذَلِكَ تَكُون | تَوَدّ | فِي مَوْضِع الْمَفْعُول الثَّانِي ; تَقْدِيره يَوْم تَجِد كُلّ نَفْس جَزَاء مَا عَمِلَتْ مُحْضَرًا . وَيَجُوز أَنْ تَكُون | مَا | الثَّانِيَة رَفْعًا بِالِابْتِدَاءِ , و | تَوَدّ | فِي مَوْضِع رَفْع عَلَى أَنَّهُ خَبَر الِابْتِدَاء , وَلَا يَصِحّ أَنْ تَكُون | مَا | بِمَعْنَى الْجَزَاء ; لِأَنَّ | تَوَدّ | مَرْفُوع , وَلَوْ كَانَ مَاضِيًا لَجَازَ أَنْ يَكُون جَزَاء , وَكَانَ يَكُون مَعْنَى الْكَلَام : وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوء وَدَّتْ لَوْ أَنَّ بَيْنهَا وَبَيْنه أَمَدًا بَعِيدًا ; أَيْ كَمَا بَيْنَ الْمَشْرِق وَالْمَغْرِب . وَلَا يَكُون الْمُسْتَقْبَل إِذَا جُعِلَتْ | مَا | لِلشَّرْطِ إِلَّا مَجْزُومًا ; إِلَّا أَنْ تَحْمِلهُ عَلَى تَقْدِير حَذْف الْفَاء , عَلَى تَقْدِير : وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوء فَهِيَ تَوَدّ . أَبُو عَلِيّ : هُوَ قِيَاس قَوْل الْفَرَّاء عِنْدِي ; لِأَنَّهُ قَالَ فِي قَوْله تَعَالَى : | وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ | [ الْأَنْعَام : 121 ] : إِنَّهُ عَلَى حَذْف الْفَاء . وَالْأَمَد : الْغَايَة , وَجَمْعه آمَاد . وَيُقَال : اِسْتَوْلَى عَلَى الْأَمَد , أَيْ غَلَبَ سَابِقًا . قَالَ النَّابِغَة :
إِلَّا لِمِثْلِك أَوْ مَنْ أَنْتَ سَابِقه .......... سَبْق الْجَوَاد إِذَا اِسْتَوْلَى عَلَى الْأَمَد
وَالْأَمَد : الْغَضَب . يُقَال : أَمِدَ أَمَدًا , إِذَا غَضِبَ غَضَبًا .|وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ|قَالَ الزَّجَّاج : أَيْ وَيُحَذِّركُمْ اللَّه إِيَّاهُ . ثُمَّ اسْتَغْنَوْا عَنْ ذَلِكَ بِذَا وَصَارَ الْمُسْتَعْمَل ; قَالَ تَعَالَى : | تَعْلَم مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَم مَا فِي نَفْسك | [ الْمَائِدَة : 116 ] فَمَعْنَاهُ تَعْلَم مَا عِنْدِي وَمَا فِي حَقِيقَتِي وَلَا أَعْلَم مَا عِنْدك وَلَا مَا فِي حَقِيقَتك . وَقَالَ غَيْره : الْمَعْنَى وَيُحَذِّركُمْ اللَّه عِقَابه ; مِثْل | وَاسْأَلْ الْقَرْيَة | . وَقَالَ : | تَعْلَم مَا فِي نَفْسِي | أَيْ مَغِيبِي , فَجُعِلَتْ النَّفْس فِي مَوْضِع الْإِضْمَار لِأَنَّهُ فِيهَا يَكُون .

الْحُبّ : الْمَحَبَّة , وَكَذَلِكَ الْحِبّ بِالْكَسْرِ . وَالْحِبّ أَيْضًا الْحَبِيب ; مِثْل الْخِدْن وَالْخَدِين ; يُقَال أَحَبَّهُ فَهُوَ مُحِبّ , وَحَبَّهُ يَحِبّهُ ( بِالْكَسْرِ ) فَهُوَ مَحْبُوب . قَالَ الْجَوْهَرِيّ : وَهَذَا شَاذّ ; لِأَنَّهُ لَا يَأْتِي فِي الْمُضَاعَف يَفْعَل بِالْكَسْرِ . قَالَ أَبُو الْفَتْح : وَالْأَصْل فِيهِ حَبُبَ كَظَرُفَ , فَأُسْكِنَتْ الْبَاء وَأُدْغِمَتْ فِي الثَّانِيَة . قَالَ اِبْن الدَّهَّان سَعِيد : فِي حَبّ لُغَتَانِ : حَبّ وَأَحَبَّ , وَأَصْل | حَبّ | فِي هَذَا الْبِنَاء حَبُبَ كَظَرُفَ ; يَدُلّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلهمْ : حَبُبْت , وَأَكْثَر مَا وَرَدَ فَعِيل مِنْ فَعُلَ . قَالَ أَبُو الْفَتْح : وَالدَّلَالَة عَلَى أَحَبَّ قَوْله تَعَالَى : | يُحِبّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ | [ الْمَائِدَة : 54 ] بِضَمِّ الْيَاء . و | اِتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّه | [ آل عِمْرَان : 31 ] و | حَبّ | يَرِد عَلَى فَعُلَ لِقَوْلِهِمْ حَبِيب . وَعَلَى فَعُلَ كَقَوْلِهِمْ مَحْبُوب : وَلَمْ يَرِد اِسْم الْفَاعِل مِنْ حَبّ الْمُتَعَدِّي , فَلَا يُقَال : أَنَا حَابّ . وَلَمْ يَرِد اِسْم الْمَفْعُول مِنْ أَفْعَل إِلَّا قَلِيلًا ; كَقَوْلِهِ :
مِنِّي بِمَنْزِلَةِ الْمُحَبّ الْمُكْرَم
وَحَكَى أَبُو زَيْد : حَبَّبَتْهُ أُحِبّهُ . وَأَنْشَدَ :
فَوَاَللَّهِ لَوْلَا تَمْرُهُ مَا حَبَبْته .......... وَلَا كَانَ أَدْنَى مِنْ عُوَيْف وَهَاشِم
وَأَنْشَدَ :
لَعَمْرك إِنَّنِي وَطِلَابَ مِصْر .......... لَكَالْمُزْدَادِ مِمَّا حَبَّ بُعْدَا
وَحَكَى الْأَصْمَعِيّ فَتْح حَرْف الْمُضَارَعَة مَعَ الْيَاء وَحْدهَا . وَالْحُبّ الْخَابِيَة , فَارِسِيّ مُعَرَّب , وَالْجَمْع حِبَاب وَحِبَبَة ; حَكَاهُ الْجَوْهَرِيّ . وَالْآيَة نَزَلَتْ فِي وَفْد نَجْرَان إِذْ زَعَمُوا أَنَّ مَا اِدَّعَوْهُ فِي عِيسَى حِبّ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ; قَالَهُ مُحَمَّد بْن جَعْفَر بْن الزُّبَيْر . وَقَالَ الْحَسَن وَابْن جُرَيْج : نَزَلَتْ فِي قَوْم مِنْ أَهْل الْكِتَاب قَالُوا : نَحْنُ الَّذِينَ نُحِبّ رَبّنَا . وَرُوِيَ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ قَالُوا : يَا رَسُول اللَّه , وَاَللَّه إِنَّا لَنُحِبّ رَبّنَا ; فَأَنْزَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : | قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّه فَاتَّبِعُونِي | . قَالَ اِبْن عَرَفَة : الْمَحَبَّة عِنْد الْعَرَب إِرَادَة الشَّيْء عَلَى قَصْد لَهُ . وَقَالَ الْأَزْهَرِيّ : مَحَبَّة الْعَبْد لِلَّهِ وَرَسُوله طَاعَته لَهُمَا وَاتِّبَاعه أَمْرهمَا ; قَالَ اللَّه تَعَالَى : | قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّه فَاتَّبِعُونِي | . وَمَحَبَّة اللَّه لِلْعِبَادِ إِنْعَامه عَلَيْهِمْ بِالْغُفْرَانِ ; قَالَ اللَّه تَعَالَى : | إِنَّ اللَّه لَا يُحِبّ الْكَافِرِينَ | [ آل عِمْرَان : 32 ] أَيْ لَا يَغْفِر لَهُمْ . وَقَالَ سَهْل بْن عَبْد اللَّه : عَلَامَة حُبّ اللَّه حُبّ الْقُرْآن , وَعَلَامَة حُبّ الْقُرْآن حُبّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَعَلَامَة حُبّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حُبّ السُّنَّة ; وَعَلَامَة حُبّ اللَّه وَحُبّ الْقُرْآن وَحُبّ النَّبِيّ وَحُبّ السُّنَّة حُبّ الْآخِرَة , وَعَلَامَة حُبّ الْآخِرَة أَنْ يُحِبّ نَفْسه , وَعَلَامَة حُبّ نَفْسه أَنْ يُبْغِض الدُّنْيَا , وَعَلَامَة بُغْض الدُّنْيَا أَلَّا يَأْخُذ مِنْهَا إِلَّا الزَّاد وَالْبُلْغَة . وَرَوَى أَبُو الدَّرْدَاء عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْله تَعَالَى : | قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّه فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّه | قَالَ : ( عَلَى الْبِرّ وَالتَّقْوَى وَالتَّوَاضُع وَذِلَّة النَّفْس ) خَرَّجَهُ أَبُو عَبْد اللَّه التِّرْمِذِيّ . وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : ( مَنْ أَرَادَ أَنْ يُحِبّهُ اللَّه فَعَلَيْهِ بِصِدْقِ الْحَدِيث وَأَدَاء الْأَمَانَة وَأَلَّا يُؤْذِيَ جَاره ) . وَفِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ اللَّه إِذَا أَحَبَّ عَبْدًا دَعَا جِبْرِيل فَقَالَ إِنِّي أَحَبَّ فُلَانًا فَأَحِبَّهُ قَالَ فَيُحِبّهُ جِبْرِيل ثُمَّ يُنَادِي فِي السَّمَاء فَيَقُول إِنَّ اللَّه يُحِبّ فُلَانًا فَأَحِبُّوهُ فَيُحِبّهُ أَهْل السَّمَاء - قَالَ - ثُمَّ يُوضَع لَهُ الْقَبُول فِي الْأَرْض , وَإِذَا أَبْغَضَ عَبْدًا دَعَا جِبْرِيل فَيَقُول إِنِّي أُبْغِض فُلَانًا فَأَبْغِضْهُ قَالَ فَيُبْغِضهُ جِبْرِيل ثُمَّ يُنَادِي فِي أَهْل السَّمَاء إِنَّ اللَّه يُبْغِض فُلَانًا فَأَبْغِضُوهُ - قَالَ - فَيُبْغِضُونَهُ ثُمَّ تُوضَع لَهُ الْبَغْضَاء فِي الْأَرْض ) . وَسَيَأْتِي لِهَذَا مَزِيد بَيَان فِي آخِر سُورَة | مَرْيَم | إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى . وَقَرَأَ أَبُو رَجَاء الْعُطَارِدِيّ ( فَاتْبَعُونِي ) بِفَتْحِ الْبَاء , | وَيَغْفِر لَكُمْ | عَطْف عَلَى | يُحْبِبْكُمْ | . وَرَوَى مَحْبُوب عَنْ أَبِي عَمْرو بْن الْعَلَاء أَنَّهُ أَدْغَمَ الرَّاء مِنْ | يَغْفِر | فِي اللَّام مِنْ | لَكُمْ | . قَالَ النَّحَّاس : لَا يُجِيز الْخَلِيل وَسِيبَوَيْهِ إِدْغَام الرَّاء فِي اللَّام , وَأَبُو عَمْرو أَجَلّ مِنْ أَنْ يَغْلَط فِي مِثْل هَذَا , وَلَعَلَّهُ كَانَ يُخْفِي الْحَرَكَة كَمَا يَفْعَل فِي أَشْيَاء كَثِيرَة .

فَأَمَرَ بِطَاعَتِهِ جَلَّ وَعَزَّ أَوَّلًا , وَهِيَ اِمْتِثَال أَوَامِره وَاجْتِنَاب نَوَاهِيه , ثُمَّ بِطَاعَةِ رَسُوله ثَانِيًا فِيمَا أَمَرَ بِهِ وَنَهَى عَنْهُ | فَإِنْ تَوَلَّوْا | شَرْط , إِلَّا أَنَّهُ مَاضٍ لَا يُعْرَب . وَالتَّقْدِير فَإِنْ تَوَلَّوْا عَلَى كُفْرهمْ وَأَعْرَضُوا عَنْ طَاعَة اللَّه وَرَسُوله|فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ|أَيْ لَا يَرْضَى فِعْلهمْ وَلَا يَغْفِر لَهُمْ كَمَا تَقَدَّمَ . وَقَالَ | فَإِنَّ اللَّه | وَلَمْ يَقُلْ | فَإِنَّهُ | لِأَنَّ الْعَرَب إِذَا عَظَّمَتْ الشَّيْء أَعَادَتْ ذِكْره ; وَأَنْشَدَ سِيبَوَيْهِ :
لَا أَرَى الْمَوْت يَسْبِق الْمَوْت شَيْء .......... نَغَّصَ الْمَوْت ذَا الْغِنَى وَالْفَقِيرَا

اِصْطَفَى اِخْتَارَ , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْبَقَرَة . وَتَقَدَّمَ فِيهَا اِشْتِقَاق آدَم وَكُنْيَته , وَالتَّقْدِير إِنَّ اللَّه اِصْطَفَى دِينهمْ وَهُوَ دِين الْإِسْلَام ; فَحَذَفَ الْمُضَاف . وَقَالَ الزَّجَّاج : اِخْتَارَهُمْ لِلنُّبُوَّةِ عَلَى عَالَمِي زَمَانهمْ . | وَنُوحًا | قِيلَ إِنَّهُ مُشْتَقّ مِنْ نَاحَ يَنُوح , وَهُوَ اِسْم أَعْجَمِيّ إِلَّا أَنَّهُ اِنْصَرَفَ لِأَنَّهُ عَلَى ثَلَاثَة أَحْرُف , وَهُوَ شَيْخ الْمُرْسَلِينَ , وَأَوَّل رَسُول بَعَثَهُ اللَّه إِلَى أَهْل الْأَرْض بَعْد آدَم عَلَيْهِ السَّلَام بِتَحْرِيمِ الْبَنَات وَالْأَخَوَات وَالْعَمَّات وَالْخَالَات وَسَائِر الْقَرَابَات , وَمَنْ قَالَ : إِنَّ إِدْرِيس كَانَ قَبْله مِنْ الْمُؤَرِّخِينَ فَقَدْ وَهِمَ عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانه فِي | الْأَعْرَاف | إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى .|وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ|تَقَدَّمَ فِي الْبَقَرَة مَعْنَى الْآل وَعَلَى مَا يُطْلَق مُسْتَوْفًى . وَفِي الْبُخَارِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : آل إِبْرَاهِيم وَآل عِمْرَان الْمُؤْمِنُونَ مِنْ آل إِبْرَاهِيم وَآل عِمْرَان وَآل يَاسِين وَآل مُحَمَّد ; يَقُول اللَّه تَعَالَى : | إِنَّ أَوْلَى النَّاس بِإِبْرَاهِيم لِلَّذِينَ اِتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيّ وَاَلَّذِينَ آمَنُوا وَاَللَّه وَلِيّ الْمُؤْمِنِينَ | [ آل عِمْرَان : 68 ] وَقِيلَ : آل إِبْرَاهِيم إِسْمَاعِيل وَإِسْحَاق وَيَعْقُوب وَالْأَسْبَاط , وَإِنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ آل إِبْرَاهِيم . وَقِيلَ : آل إِبْرَاهِيم نَفْسه , وَكَذَا آل عِمْرَان ; وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى : | وَبَقِيَّة مِمَّا تَرَكَ آل مُوسَى وَآل هَارُون | [ الْبَقَرَة : 248 ] . وَفِي الْحَدِيث : ( لَقَدْ أُعْطِيَ مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِير آل دَاوُد ) ; وَقَالَ الشَّاعِر :
وَلَا تَبْكِ مَيْتًا بَعْد مَيْت أَحَبَّهُ .......... عَلِيّ وَعَبَّاس وَآل أَبِي بَكْر
وَقَالَ آخَر :
يُلَاقِي مِنْ تَذَكُّر آل لَيْلَى .......... كَمَا يَلْقَى السَّلِيمُ مِنْ الْعِدَاد
أَرَادَ مِنْ تَذَكُّر لَيْلَى نَفْسهَا . وَقِيلَ : آل عِمْرَان آل إِبْرَاهِيم ; كَمَا قَالَ : | ذُرِّيَّة بَعْضهَا مِنْ بَعْض | [ آل عِمْرَان : 34 ] . وَقِيلَ : الْمُرَاد عِيسَى , لِأَنَّ أُمّه اِبْنَة عِمْرَان . وَقِيلَ : نَفْسه كَمَا ذَكَرْنَا . قَالَ مُقَاتِل : هُوَ عِمْرَان أَبُو مُوسَى وَهَارُون , وَهُوَ عِمْرَان بْن يصهر بن فاهاث بْن لاوى بْن يَعْقُوب . وَقَالَ الْكَلْبِيّ : هُوَ عِمْرَان أَبُو مَرْيَم , وَهُوَ مِنْ وَلَد سُلَيْمَان عَلَيْهِ السَّلَام . وَحَكَى السُّهَيْلِيّ : عِمْرَان بْن ماتان , وَامْرَأَته حَنَّة ( بِالنُّونِ ) . وَخُصَّ هَؤُلَاءِ بِالذِّكْرِ مِنْ بَيْن الْأَنْبِيَاء لِأَنَّ الْأَنْبِيَاء وَالرُّسُل بِقَضِّهِمْ وَقَضِيضهمْ مِنْ نَسْلهمْ . وَلَمْ يَنْصَرِف عِمْرَان لِأَنَّ فِي آخِره أَلِفًا وَنُونًا زَائِدَتَيْنِ . وَمَعْنَى قَوْله : | عَلَى الْعَالَمِينَ | أَيْ عَلَى عَالَمِي زَمَانهمْ , فِي قَوْل أَهْل التَّفْسِير . وَقَالَ التِّرْمِذِيّ الْحَكِيم أَبُو عَبْد اللَّه مُحَمَّد بْن عَلِيّ : جَمِيع الْخَلْق كُلّهمْ . وَقِيلَ | عَلَى الْعَالَمِينَ | : عَلَى جَمِيع الْخَلْق كُلّهمْ إِلَى يَوْم الصُّور , وَذَلِكَ أَنَّ هَؤُلَاءِ رُسُل وَأَنْبِيَاء فَهُمْ صَفْوَة الْخَلْق ; فَأَمَّا مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَدْ جَازَتْ مَرْتَبَته الِاصْطِفَاء لِأَنَّهُ حَبِيب وَرَحْمَة . قَالَ اللَّه تَعَالَى : | وَمَا أَرْسَلْنَاك إِلَّا رَحْمَة لِلْعَالَمِينَ | [ الْأَنْبِيَاء : 107 ] فَالرُّسُل خُلِقُوا لِلرَّحْمَةِ , وَمُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خُلِقَ بِنَفْسِهِ رَحْمَة , فَلِذَلِكَ صَارَ أَمَانًا لِلْخَلْقِ , لَمَّا بَعَثَهُ اللَّه أَمِنَ الْخَلْق الْعَذَاب إِلَى نَفْخَة الصُّور . وَسَائِر الْأَنْبِيَاء لَمْ يَحِلُّوا هَذَا الْمَحَلّ ; وَلِذَلِكَ قَالَ عَلَيْهِ السَّلَام : ( أَنَا رَحْمَة مُهْدَاة ) يُخْبِر أَنَّهُ بِنَفْسِهِ رَحْمَة لِلْخَلْقِ مِنْ اللَّه . وَقَوْله ( مُهْدَاة ) أَيْ هَدِيَّة مِنْ اللَّه لِلْخَلْقِ . وَيُقَال : اِخْتَارَ آدَم بِخَمْسَةِ أَشْيَاء : أَوَّلهَا أَنَّهُ خَلَقَهُ بِيَدِهِ فِي أَحْسَن صُورَة بِقُدْرَتِهِ , وَالثَّانِي أَنَّهُ عَلَّمَهُ الْأَسْمَاء كُلّهَا , وَالثَّالِث أَمَرَ الْمَلَائِكَة بِأَنْ يَسْجُدُوا لَهُ , وَالرَّابِع أَسْكَنَهُ الْجَنَّة , وَالْخَامِس جَعَلَهُ أَبَا الْبَشَر . وَاخْتَارَ نُوحًا بِخَمْسَةِ أَشْيَاء : أَوَّلهَا أَنَّهُ جَعَلَهُ أَبَا الْبَشَر ; لِأَنَّ النَّاس كُلّهمْ غَرِقُوا وَصَارَ ذُرِّيَّته هُمْ الْبَاقِينَ , وَالثَّانِي أَنَّهُ أَطَالَ عُمْره ; وَيُقَال : طُوبَى لِمَنْ طَالَ عُمْره وَحَسُنَ عَمَله , وَالثَّالِث أَنَّهُ اِسْتَجَابَ دُعَاءَهُ عَلَى الْكَافِرِينَ وَالْمُؤْمِنِينَ , وَالرَّابِع أَنَّهُ حَمَلَهُ عَلَى السَّفِينَة , وَالْخَامِس أَنَّهُ كَانَ أَوَّل مَنْ نَسَخَ الشَّرَائِع ; وَكَانَ قَبْل ذَلِكَ لَمْ يَحْرُم تَزْوِيج الْخَالَات وَالْعَمَّات . وَاخْتَارَ إِبْرَاهِيم بِخَمْسَةِ أَشْيَاء : أَوَّلهَا أَنَّهُ جَعَلَهُ أَبَا الْأَنْبِيَاء ; لِأَنَّهُ رُوِيَ أَنَّهُ خَرَجَ مِنْ صُلْبه أَلْف نَبِيّ مِنْ زَمَانه إِلَى زَمَن النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَالثَّانِي أَنَّهُ اِتَّخَذَهُ خَلِيلًا , وَالثَّالِث أَنَّهُ أَنْجَاهُ مِنْ النَّار , وَالرَّابِع أَنَّهُ جَعَلَهُ إِمَامًا لِلنَّاسِ , وَالْخَامِس أَنَّهُ اِبْتَلَاهُ بِالْكَلِمَاتِ فَوَفَّقَهُ حَتَّى أَتَمَّهُنَّ . ثُمَّ قَالَ : | وَآل عِمْرَان | فَإِنْ كَانَ عِمْرَان أَبَا مُوسَى وَهَارُون فَإِنَّمَا اِخْتَارَهُمَا عَلَى الْعَالَمِينَ حَيْثُ بَعَثَ عَلَى قَوْمه الْمَنّ وَالسَّلْوَى وَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ مِنْ الْأَنْبِيَاء فِي الْعَالَم . وَإِنْ كَانَ أَبَا مَرْيَم فَإِنَّهُ اِصْطَفَى لَهُ مَرْيَم بِوِلَادَةِ عِيسَى بِغَيْرِ أَب وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لِأَحَدٍ فِي الْعَالَم . وَاَللَّه أَعْلَم .

تَقَدَّمَ فِي الْبَقَرَة مَعْنَى الذُّرِّيَّة وَاشْتِقَاقهَا . وَهِيَ نَصْب عَلَى الْحَال ; قَالَ الْأَخْفَش . أَيْ فِي حَال كَوْن بَعْضهمْ مِنْ بَعْض , أَيْ ذُرِّيَّة بَعْضهَا مِنْ وَلَد بَعْض . الْكُوفِيُّونَ : عَلَى الْقَطْع . الزَّجَّاج : بَدَل , أَيْ اِصْطَفَى ذُرِّيَّة بَعْضهَا مِنْ بَعْض , وَمَعْنَى بَعْضهَا مِنْ بَعْض , يَعْنِي فِي التَّنَاصُر فِي الدِّين ; كَمَا قَالَ : | الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَات بَعْضهمْ مِنْ بَعْض | [ التَّوْبَة : 67 ] يَعْنِي فِي الضَّلَالَة ; قَالَهُ الْحَسَن وقَتَادَة . وَقِيلَ : فِي الِاجْتِبَاء وَالِاصْطِفَاء وَالنُّبُوَّة . وَقِيلَ : الْمُرَاد بِهِ التَّنَاسُل , وَهَذَا أَضْعَفهَا .

قَالَ أَبُو عُبَيْدَة : | إِذْ | زَائِدَة . وَقَالَ مُحَمَّد بْن يَزِيد : التَّقْدِير اُذْكُرْ إِذْ . وَقَالَ الزَّجَّاج : الْمَعْنَى وَاصْطَفَى آل عِمْرَان إِذْ قَالَتْ اِمْرَأَة عِمْرَان . وَهِيَ حَنَّة ( بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَة وَالنُّون ) بِنْت فاقود بْن قنبل أُمّ مَرْيَم جَدَّة عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام , وَلَيْسَ بِاسْمٍ عَرَبِيّ وَلَا يُعْرَف فِي الْعَرَبِيَّة حَنَّة اِسْم اِمْرَأَة . وَفِي الْعَرَبِيَّة أَبُو حَنَّة الْبَدْرِيّ , وَيُقَال فِيهِ : أَبُو حَنَّة ( بِالْبَاءِ بِوَاحِدَةٍ ) وَهُوَ أَصَحّ , وَاسْمه عَامِر , وَدَيْر حَنَّة بِالشَّامِ , وَدَيْر آخَر أَيْضًا يُقَال لَهُ كَذَلِكَ ; قَالَ أَبُو نُوَاس :
يَا دَيْر حَنَّة مِنْ ذَات الْأُكَيْرَاحِ .......... مَنْ يَصْحُ عَنْك فَإِنِّي لَسْت بِالصَّاحِي
وَحَبَّة فِي الْعَرَب كَثِير , مِنْهُمْ أَبُو حَبَّة الْأَنْصَارِيّ , وَأَبُو السَّنَابِل بْن بَعْكك الْمَذْكُور فِي حَدِيث سُبَيْعَة حَبَّة , وَلَا يُعْرَف خُنَّة بِالْخَاءِ الْمَعْجَة إِلَّا بِنْت يَحْيَى بْن أَكْثَم الْقَاضِي , وَهِيَ أُمّ مُحَمَّد بْن نَصْر , وَلَا يُعْرَف جَنَّة ( بِالْجِيمِ ) إِلَّا أَبُو جَنَّة , وَهُوَ خَال ذِي الرُّمَّة الشَّاعِر . كُلّ هَذَا مِنْ كِتَاب اِبْن مَاكُولَا .|رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي|تَقَدَّمَ مَعْنَى النَّذْر , وَأَنَّهُ لَا يَلْزَم الْعَبْد إِلَّا بِأَنْ يَلْزَمهُ نَفْسه . وَيُقَال : إِنَّهَا لَمَّا حَمَلَتْ قَالَتْ : لَئِنْ نَجَّانِي اللَّه وَوَضَعْت مَا فِي بَطْنِي لَجَعَلْته مُحَرَّرًا . وَمَعْنَى | لَك | أَيْ لِعِبَادَتِك . | مُحَرَّرًا | نُصِبَ عَلَى الْحَال , وَقِيلَ : نَعْت لِمَفْعُولِ مَحْذُوف , أَيْ إِنِّي نَذَرْت لَك مَا فِي بَطْنِي غُلَامًا مُحَرَّرًا , وَالْأَوَّل أَوْلَى مِنْ جِهَة التَّفْسِير وَسِيَاق الْكَلَام وَالْإِعْرَاب : أَمَّا الْإِعْرَاب فَإِنَّ إِقَامَة النَّعْت مَقَام الْمَنْعُوت لَا يَجُوز فِي مَوَاضِع , وَيَجُوز عَلَى الْمَجَاز فِي أُخْرَى , وَأَمَّا التَّفْسِير فَقِيلَ إِنَّ سَبَب قَوْل اِمْرَأَة عِمْرَان هَذَا أَنَّهَا كَانَتْ كَبِيرَة لَا تَلِد , وَكَانُوا أَهْل بَيْت مِنْ اللَّه بِمَكَانٍ , وَإِنَّهَا كَانَتْ تَحْت شَجَرَة فَبَصُرَتْ بِطَائِرٍ يَزُقّ فَرْخًا فَتَحَرَّكَتْ نَفْسهَا لِذَلِكَ , وَدَعَتْ رَبّهَا أَنْ يَهَب لَهَا وَلَدًا , وَنَذَرَتْ إِنْ وَلَدَتْ أَنْ تَجْعَل وَلَدهَا مُحَرَّرًا : أَيْ عَتِيقًا خَالِصًا لِلَّهِ تَعَالَى , خَادِمًا لِلْكَنِيسَةِ حَبِيسًا عَلَيْهَا , مُفَرَّغًا لِعِبَادَةِ اللَّه تَعَالَى . وَكَانَ ذَلِكَ جَائِزًا فِي شَرِيعَتهمْ , وَكَانَ عَلَى أَوْلَادهمْ أَنْ يُطِيعُوهُمْ . فَلَمَّا وَضَعَتْ مَرْيَم قَالَتْ : | رَبّ إِنِّي وَضَعْتهَا أُنْثَى | يَعْنِي أَنَّ الْأُنْثَى لَا تَصْلُح لِخِدْمَةِ الْكَنِيسَة . قِيلَ لِمَا يُصِيبهَا مِنْ الْحَيْض وَالْأَذَى . وَقِيلَ : لَا تَصْلُح لِمُخَالَطَةِ الرِّجَال . وَكَانَتْ تَرْجُو أَنْ يَكُون ذَكَرًا فَلِذَلِكَ حُرِّرَتْ .

قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : | لَا خِلَاف أَنَّ اِمْرَأَة عِمْرَان لَا يَتَطَرَّق إِلَى حَمْلهَا نَذْر لِكَوْنِهَا حُرَّة , فَلَوْ كَانَتْ اِمْرَأَته أَمَة فَلَا خِلَاف أَنَّ الْمَرْء لَا يَصِحّ لَهُ نَذْر فِي وَلَده وَكَيْفَمَا تَصَرَّفَتْ حَاله ; فَإِنَّهُ إِنْ كَانَ النَّاذِر عَبْدًا فَلَمْ يَتَقَرَّر لَهُ قَوْل فِي ذَلِكَ ; وَإِنْ كَانَ حُرًّا فَلَا يَصِحّ أَنْ يَكُون مَمْلُوكًا لَهُ , وَكَذَلِكَ الْمَرْأَة مِثْله ; فَأَيّ وَجْه لِلنَّذْرِ فِيهِ ؟ وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ - وَاَللَّه أَعْلَم - أَنَّ الْمَرْء إِنَّمَا يُرِيد وَلَده لِلْأُنْسِ بِهِ وَالِاسْتِنْصَار وَالتَّسَلِّي , فَطَلَبَتْ هَذِهِ الْمَرْأَة الْوَلَد أُنْسًا بِهِ وَسُكُونًا إِلَيْهِ ; فَلَمَّا مَنَّ اللَّه تَعَالَى عَلَيْهَا بِهِ نَذَرَتْ أَنَّ حَظّهَا مِنْ الْأُنْس بِهِ مَتْرُوك فِيهِ , وَهُوَ عَلَى خِدْمَة اللَّه تَعَالَى مَوْقُوف , وَهَذَا نَذْر الْأَحْرَار مِنْ الْأَبْرَار . وَأَرَادَتْ بِهِ مُحَرَّرًا مِنْ جِهَتِي , مُحَرَّرًا مِنْ رَقِّ الدُّنْيَا وَأَشْغَالهَا ; وَقَدْ قَالَ رَجُل مِنْ الصُّوفِيَّة لِأُمِّهِ : يَا أُمّه : ذَرِينِي لِلَّهِ أَتَعَبَّد لَهُ وَأَتَعَلَّم الْعِلْم , فَقَالَتْ نَعَمْ . فَسَارَ حَتَّى تَبَصَّرَ ثُمَّ عَادَ إِلَيْهَا فَدَقَّ الْبَاب , فَقَالَتْ مَنْ ؟ فَقَالَ لَهَا : اِبْنك فُلَان , قَالَتْ : قَدْ تَرَكْنَاك لِلَّهِ وَلَا نَعُود فِيك .|مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ|مَأْخُوذ مِنْ الْحُرِّيَّة الَّتِي هِيَ ضِدّ الْعُبُودِيَّة ; مِنْ هَذَا تَحْرِير الْكِتَاب , وَهُوَ تَخْلِيصه مِنْ الِاضْطِرَاب وَالْفَسَاد . وَرَوَى خَصِيف عَنْ عِكْرِمَة وَمُجَاهِد : أَنَّ الْمُحَرَّر الْخَالِص لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لَا يَشُوبهُ شَيْء مِنْ أَمْر الدُّنْيَا . وَهَذَا مَعْرُوف فِي اللُّغَة أَنْ يُقَال لِكُلِّ مَا خُلِّصَ : حُرّ , وَمُحَرَّر بِمَعْنَاهُ ; قَالَ ذُو الرُّمَّة :
وَالْقُرْط فِي حُرَّة الذِّفْرَى مُعَلَّقه .......... تَبَاعَدَ الْحَبْل مِنْهُ فَهُوَ يَضْطَرِب
وَطِين حُرّ لَا رَمْل فِيهِ , وَبَاتَتْ فُلَانَة بِلَيْلَةٍ حُرَّة إِذَا لَمْ يَصِل إِلَيْهَا زَوْجهَا أَوَّل لَيْلَة ; فَإِنْ تَمَكَّنَ مِنْهَا فَهِيَ بِلَيْلَةٍ شَيْبَاء .

قَالَ اِبْن عَبَّاس : إِنَّمَا قَالَتْ هَذَا لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَقْبَل فِي النَّذْر إِلَّا الذُّكُور , فَقَبِلَ اللَّه مَرْيَم . | وَأُنْثَى | حَال , وَإِنْ شِئْت بَدَل . فَقِيلَ : إِنَّهَا رَبَّتهَا حَتَّى تَرَعْرَعَتْ وَحِينَئِذٍ أَرْسَلَتْهَا ; رَوَاهُ أَشْهَب عَنْ مَالِك : وَقِيلَ : لَفَّتْهَا فِي خِرْقَتهَا وَأَرْسَلَتْ بِهَا إِلَى الْمَسْجِد , فَوَفَّتْ بِنَذْرِهَا وَتَبَرَّأَتْ مِنْهَا . وَلَعَلَّ الْحِجَاب لَمْ يَكُنْ عِنْدهمْ كَمَا كَانَ فِي صَدْر الْإِسْلَام ; فَفِي الْبُخَارِيّ وَمُسْلِم أَنَّ اِمْرَأَة سَوْدَاء كَانَتْ تَقُمّ الْمَسْجِد عَلَى عَهْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَاتَتْ . الْحَدِيث .|وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ|هُوَ عَلَى قِرَاءَة مَنْ قَرَأَ | وَضَعْت | بِضَمِّ التَّاء مِنْ جُمْلَة كَلَامهَا ; فَالْكَلَام مُتَّصِل . وَهِيَ قِرَاءَة أَبِي بَكْر وَابْن عَامِر , وَفِيهَا مَعْنَى التَّسْلِيم لِلَّهِ وَالْخُضُوع وَالتَّنْزِيه لَهُ أَنْ يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْء , وَلَمْ تَقُلْهُ عَلَى طَرِيق الْإِخْبَار لِأَنَّ عِلْم اللَّه فِي كُلّ شَيْء قَدْ تَقَرَّرَ فِي نَفْس الْمُؤْمِن , وَإِنَّمَا قَالَتْهُ عَلَى طَرِيق التَّعْظِيم وَالتَّنْزِيه لِلَّهِ تَعَالَى . وَعَلَى قِرَاءَة الْجُمْهُور هُوَ مِنْ كَلَام اللَّه عَزَّ وَجَلَّ قَدِمَ , وَتَقْدِيره أَنْ يَكُون مُؤَخَّرًا بَعْد | وَإِنِّي أُعِيذهَا بِك وَذُرِّيَّتهَا مِنْ الشَّيْطَان الرَّجِيم | [ آل عِمْرَان : 36 ] وَاَللَّه أَعْلَم بِمَا وَضَعَتْ ; قَالَ الْمَهْدَوِيّ . وَقَالَ مَكِّيّ : هُوَ إِعْلَام مِنْ اللَّه تَعَالَى لَنَا عَلَى طَرِيق التَّثْبِيت فَقَالَ : وَاَللَّه أَعْلَم بِمَا وَضَعَتْ أُمّ مَرْيَم قَالَتْهُ أَوْ لَمْ تَقُلْهُ . وَيُقَوِّي ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ مِنْ كَلَام أُمّ مَرْيَم لَكَانَ وَجْه الْكَلَام : وَأَنْتَ أَعْلَم بِمَا وَضَعْت ; لِأَنَّهَا نَادَتْهُ فِي أَوَّل الْكَلَام فِي قَوْلهَا : رَبّ إِنِّي وَضَعْتهَا أُنْثَى . وَرُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس | بِمَا وَضَعْت | بِكَسْرِ التَّاء , أَيْ قِيلَ لَهَا هَذَا .|وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى|اِسْتَدَلَّ بِهِ بَعْض الشَّافِعِيَّة عَلَى أَنَّ الْمُطَاوِعَة فِي نَهَار رَمَضَان لِزَوْجِهَا عَلَى الْوَطْء لَا تُسَاوِيه فِي وُجُوب الْكَفَّارَة عَلَيْهَا , اِبْن الْعَرَبِيّ , وَهَذِهِ مِنْهُ غَفْلَة , فَإِنَّ هَذَا خَبَر عَنْ شَرْع مَنْ قَبْلنَا وَهُمْ لَا يَقُولُونَ بِهِ , وَهَذِهِ الصَّالِحَة إِنَّمَا قَصَدَتْ بِكَلَامِهَا مَا تَشْهَد لَهُ بِهِ بَيِّنَة حَالهَا وَمَقْطَع كَلَامهَا , فَإِنَّهَا نَذَرَتْ خِدْمَة الْمَسْجِد فِي وَلَدهَا , فَلَمَّا رَأَتْهُ أُنْثَى لَا تَصْلُح وَأَنَّهَا عَوْرَة اِعْتَذَرَتْ إِلَى رَبّهَا مِنْ وُجُودهَا لَهَا عَلَى خِلَاف مَا قَصَدَتْهُ فِيهَا . وَلَمْ يَنْصَرِف | مَرْيَم | لِأَنَّهُ مُؤَنَّث مَعْرِفَة , وَهُوَ أَيْضًا أَعْجَمِيّ ; قَالَهُ النَّحَّاس . وَاَللَّه تَعَالَى أَعْلَم .|وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ|يَعْنِي خَادِم الرَّبّ فِي لُغَتهمْ .|وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ|يَعْنِي مَرْيَم .|وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ|يَعْنِي عِيسَى . وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ الذُّرِّيَّة قَدْ تَقَع عَلَى الْوَلَد خَاصَّة . وَفِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَا مِنْ مَوْلُود يُولَد إِلَّا نَخَسَهُ الشَّيْطَان فَيَسْتَهِلّ صَارِخًا مِنْ نَخْسَة الشَّيْطَان إِلَّا اِبْن مَرْيَم وَأُمّه ) ثُمَّ قَالَ أَبُو هُرَيْرَة : اِقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ : | وَإِنِّي أُعِيذهَا بِك وَذُرِّيَّتهَا مِنْ الشَّيْطَان الرَّجِيم | . قَالَ عُلَمَاؤُنَا : فَأَفَادَ هَذَا الْحَدِيث أَنَّ اللَّه تَعَالَى اِسْتَجَابَ دُعَاء أُمّ مَرْيَم , فَإِنَّ الشَّيْطَان يَنْخُس جَمِيع وَلَد آدَم حَتَّى الْأَنْبِيَاء وَالْأَوْلِيَاء إِلَّا مَرْيَم وَابْنهَا . قَالَ قَتَادَة : كُلّ مَوْلُود يَطْعَن الشَّيْطَان فِي جَنْبه حِينَ يُولَد غَيْر عِيسَى وَأُمّه جُعِلَ بَيْنهمَا حِجَاب فَأَصَابَتْ الطَّعْنَة الْحِجَاب وَلَمْ يَنْفُذ لَهُمَا مِنْهُ شَيْء , قَالَ عُلَمَاؤُنَا : وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ بَطَلَتْ الْخُصُوصِيَّة بِهِمَا , وَلَا يَلْزَم مِنْ هَذَا أَنَّ نَخْس الشَّيْطَان يَلْزَم مِنْهُ إِضْلَال الْمَمْسُوس وَإِغْوَاؤُهُ فَإِنَّ ذَلِكَ ظَنّ فَاسِد ; فَكَمْ تَعَرَّضَ الشَّيْطَان لِلْأَنْبِيَاءِ وَالْأَوْلِيَاء بِأَنْوَاعِ الْإِفْسَاد وَالْإِغْوَاء وَمَعَ ذَلِكَ فَعَصَمَهُمْ اللَّه مِمَّا يَرُومهُ الشَّيْطَان , كَمَا قَالَ تَعَالَى : | إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَك عَلَيْهِمْ سُلْطَان | [ الْحِجْر : 42 ] . هَذَا مَعَ أَنَّ كُلّ وَاحِد مِنْ بَنِي آدَم قَدْ وُكِّلَ بِهِ قَرِينه مِنْ الشَّيَاطِين ; كَمَا قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَرْيَم وَابْنهَا وَإِنْ عُصِمَا مِنْ نَخْسه فَلَمْ يُعْصَمَا مِنْ مُلَازَمَته لَهَا وَمُقَارَنَته . وَاَللَّه أَعْلَم .

الْمَعْنَى : سَلَكَ بِهَا طَرِيق السُّعَدَاء ; عَنْ اِبْن عَبَّاس . وَقَالَ قَوْم : مَعْنَى التَّقَبُّل التَّكَفُّل فِي التَّرْبِيَة وَالْقِيَام بِشَأْنِهَا . وَقَالَ الْحَسَن : مَعْنَى التَّقَبُّل أَنَّهُ مَا عَذَّبَهَا سَاعَة قَطُّ مِنْ لَيْل وَلَا نَهَار .|وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا|يَعْنِي سَوَّى خَلْقهَا مِنْ غَيْر زِيَادَة وَلَا نُقْصَان , فَكَانَتْ تَنْبُت فِي الْيَوْم مَا يَنْبُت الْمَوْلُود فِي عَام وَاحِد . وَالْقَبُول وَالنَّبَات مَصْدَرَانِ عَلَى غَيْر الْمَصْدَر , وَالْأَصْل تَقَبُّلًا وَإِنْبَاتًا . قَالَ الشَّاعِر :
أَكُفْرًا بَعْد رَدّ الْمَوْت عَنِّي .......... وَبَعْد عَطَائِك الْمِائَة الرِّتَاعَا
أَرَادَ بَعْد إِعْطَائِك , لَكِنْ لَمَّا قَالَ | أَنْبَتَهَا | دَلَّ عَلَى نَبَتَ ; كَمَا قَالَ اِمْرُؤُ الْقَيْس :
فَصِرْنَا إِلَى الْحُسْنَى وَرَقَّ كَلَامنَا .......... وَرُضْت فَذَلَّتْ صَعْبَة أَيّ إِذْلَال
وَإِنَّمَا مَصْدَر ذَلَّتْ ذُلّ , وَلَكِنَّهُ رَدَّهُ عَلَى مَعْنَى أَذْلَلْت ; وَكَذَلِكَ كُلّ مَا يَرِد عَلَيْك فِي هَذَا الْبَاب . فَمَعْنَى تَقَبَّلَ وَقَبِلَ وَاحِد , فَالْمَعْنَى فَقِبَلهَا رَبّهَا بِقَبُولٍ حَسَن . وَنَظِيره قَوْل رُؤْبَة :
وَقَدْ تَطَوَّيْت اِنْطِوَاء الْحِضْب
الْأَفْعَى لِأَنَّ مَعْنَى تَطَوَّيْت وَانْطَوَيْت وَاحِد ; وَمِثْله قَوْل الْقَطَامِيّ :
وَخَيْر الْأَمْر مَا اِسْتَقْبَلْت مِنْهُ .......... وَلَيْسَ بِأَنْ تَتَبَّعَهُ اِتِّبَاعًا
لِأَنَّ تَتَبَّعْت وَاتَّبَعْت وَاحِد . وَفِي قِرَاءَة اِبْن مَسْعُود | وَأَنْزَلَ الْمَلَائِكَة تَنْزِيلًا | لِأَنَّ مَعْنَى نَزَّلَ وَأَنْزَلَ وَاحِد . وَقَالَ الْمُفَضَّل : مَعْنَاهُ وَأَنْبَتَهَا فَنَبَتَتْ نَبَاتًا حَسَنًا . وَمُرَاعَاة الْمَعْنَى أَوْلَى كَمَا ذَكَرْنَا . وَالْأَصْل فِي الْقَبُول الضَّمّ ; لِأَنَّهُ مَصْدَر مِثْل الدُّخُول وَالْخُرُوج , وَالْفَتْح جَاءَ فِي حُرُوف قَلِيلَة ; مِثْل الْوَلُوع وَالْوَزُوع ; هَذِهِ الثَّلَاثَة لَا غَيْر ; قَالَ أَبُو عُمَر وَالْكِسَائِيّ وَالْأَئِمَّة . وَأَجَازَ الزَّجَّاج | بِقُبُولٍ | بِضَمِّ الْقَاف عَلَى الْأَصْل .|وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا|أَيْ ضَمَّهَا إِلَيْهِ . أَبُو عُبَيْدَة : ضَمِنَ الْقِيَام بِهَا . وَقَرَأَ الْكُوفِيُّونَ | وَكَفَّلَهَا | بِالتَّشْدِيدِ , فَهُوَ يَتَعَدَّى إِلَى مَفْعُولَيْنِ ; وَالتَّقْدِير وَكَفَّلَهَا رَبّهَا زَكَرِيَّا , أَيْ أَلْزَمَهُ كَفَالَتهَا وَقَدَّرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَيَسَّرَهُ لَهُ . وَفِي مُصْحَف أُبَيّ | وَكَفَّلَهَا | وَالْهَمْزَة كَالتَّشْدِيدِ فِي التَّعَدِّي ; وَأَيْضًا فَإِنَّ قَبْله | فَتَقَبَّلَهَا | , وَأَنْبَتَهَا | فَأَخْبَرَ تَعَالَى عَنْ نَفْسه بِمَا فَعَلَ بِهَا ; فَجَاءَ | كَفَّلَهَا | بِالتَّشْدِيدِ عَلَى ذَلِكَ . وَخَفَّفَهُ الْبَاقُونَ عَلَى إِسْنَاد الْفِعْل إِلَى زَكَرِيَّا . فَأَخْبَرَ اللَّه تَعَالَى أَنَّهُ هُوَ الَّذِي تَوَلَّى كَفَالَتهَا وَالْقِيَام بِهَا ; بِدَلَالَةِ قَوْله : | أَيّهمْ يَكْفُل مَرْيَم | [ آل عِمْرَان : 44 ] . قَالَ مَكِّيّ : وَهُوَ الِاخْتِيَار ; لِأَنَّ التَّشْدِيد يَرْجِع إِلَى التَّخْفِيف , لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى إِذَا كَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كَفَلَهَا بِأَمْرِ اللَّه , وَلِأَنَّ زَكَرِيَّا إِذَا كَفَلَهَا فَعَنْ مَشِيئَة اللَّه وَقُدْرَته ; فَعَلَى ذَلِكَ فَالْقِرَاءَتَانِ مُتَدَاخِلَتَانِ . وَرَوَى عَمْرو بْن مُوسَى عَنْ عَبْد اللَّه بْن كَثِير وَأَبِي عَبْد اللَّه الْمُزَنِيّ | وَكَفِلَهَا | بِكَسْرِ الْفَاء . قَالَ الْأَخْفَش : يُقَال كَفَلَ يَكْفُل وَكَفِلَ يَكْفِل وَلَمْ أَسْمَع كَفُلَ , وَقَدْ ذَكَرْت . وَقَرَأَ مُجَاهِد | فَتَقَبَّلْهَا | بِإِسْكَانِ اللَّام عَلَى الْمَسْأَلَة وَالطَّلَب . | رَبّهَا | بِالنَّصْبِ نِدَاء مُضَاف . | وَأَنْبَتْهَا | بِإِسْكَانِ التَّاء | وَكَفَّلْهَا | بِإِسْكَانِ اللَّام | زَكَرِيَّاء | بِالْمَدِّ وَالنَّصْب . وَقَرَأَ حَفْص وَحَمْزَة وَالْكِسَائِيّ | زَكَرِيَّا | بِغَيْرِ مَدّ وَلَا هَمْزَة , وَمَدَّهُ الْبَاقُونَ وَهَمَزُوهُ . وَقَالَ الْفَرَّاء : أَهْل الْحِجَاز يَمُدُّونَ | زَكَرِيَّاءَ | وَيَقْصُرُونَهُ , وَأَهْل نَجْد يَحْذِفُونَ مِنْهُ الْأَلِف وَيَصْرِفُونَهُ فَيَقُولُونَ : زَكَرِيّ . قَالَ الْأَخْفَش : فِيهِ أَرْبَع لُغَات : الْمَدّ وَالْقَصْر , وَزَكَرِيّ بِتَشْدِيدِ الْيَاء وَالصَّرْف , وَزَكَر وَرَأَيْت زَكَرِيَّا . قَالَ أَبُو حَاتِم : زَكَرِيّ بِلَا صَرْف لِأَنَّهُ أَعْجَمِيّ وَهَذَا غَلَط ; لِأَنَّ مَا كَانَ فِيهِ | يَا | مِثْل هَذَا اِنْصَرَفَ مِثْل كُرْسِيّ وَيَحْيَى , وَلَمْ يَنْصَرِف زَكَرِيَّاءَ فِي الْمَدّ وَالْقَصْر لِأَنَّ فِيهِ أَلِف تَأْنِيث وَالْعُجْمَة وَالتَّعْرِيف .|كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا|الْمِحْرَاب فِي اللُّغَة أَكْرَم مَوْضِع فِي الْمَجْلِس . وَسَيَأْتِي لَهُ مَزِيد بَيَان فِي سُورَة | مَرْيَم | . وَجَاءَ فِي الْخَبَر : إِنَّهَا كَانَتْ فِي غَرْفَة كَانَ زَكَرِيَّا يَصْعَد إِلَيْهَا بِسُلَّمٍ . قَالَ وَضَّاح الْيَمَن :
رَبَّةُ مِحْرَابٍ إِذَا جِئْتهَا .......... لَمْ أَلْقَهَا حَتَّى اَرْتَقِي سُلَّمًا
أَيْ رَبَّة غَرْفَة . رَوَى أَبُو صَالِح عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : حَمَلَتْ اِمْرَأَة عِمْرَان بَعْد مَا أَسَنَّتْ فَنَذَرَتْ مَا فِي بَطْنهَا مُحَرَّرًا فَقَالَ لَهَا عِمْرَان : وَيْحك مَا صَنَعْت ؟ أَرَأَيْت إِنْ كَانَتْ أُنْثَى ؟ فَاغْتَمَّا لِذَلِكَ جَمِيعًا . فَهَلَكَ عِمْرَان وَحَنَّة حَامِل فَوَلَدَتْ أُنْثَى فَتَقَبَّلَهَا اللَّه بِقَبُولٍ حَسَن , وَكَانَ لَا يُحَرَّر إِلَّا الْغِلْمَان فَتَسَاهَمَ عَلَيْهَا الْأَحْبَار بِالْأَقْلَامِ الَّتِي يَكْتُبُونَ بِهَا الْوَحْي , عَلَى مَا يَأْتِي . فَكَفَلَهَا زَكَرِيَّا وَأَخَذَ لَهَا مَوْضِعًا فَلَمَّا أَسَنَّتْ جَعَلَ لَهَا مِحْرَابًا لَا يُرْتَقَى إِلَيْهِ إِلَّا بِسُلَّمٍ , وَاسْتَأْجَرَ لَهَا ظِئْرًا وَكَانَ يُغْلِق عَلَيْهَا بَابًا , وَكَانَ لَا يَدْخُل عَلَيْهَا إِلَّا زَكَرِيَّا حَتَّى كَبِرَتْ , فَكَانَتْ إِذَا حَاضَتْ أَخْرَجَهَا إِلَى مَنْزِله فَتَكُون عِنْد خَالَتهَا وَكَانَتْ خَالَتهَا اِمْرَأَة زَكَرِيَّا فِي قَوْل الْكَلْبِيّ . قَالَ مُقَاتِل : كَانَتْ أُخْتهَا اِمْرَأَة زَكَرِيَّا . وَكَانَتْ إِذَا طَهُرَتْ مِنْ حَيْضَتهَا وَاغْتَسَلَتْ رَدَّهَا إِلَى الْمِحْرَاب . وَقَالَ بَعْضهمْ : كَانَتْ لَا تَحِيض وَكَانَتْ مُطَهَّرَة مِنْ الْحَيْض . وَكَانَ زَكَرِيَّا إِذَا دَخَلَ عَلَيْهَا يَجِد عِنْدهَا فَاكِهَة الشِّتَاء فِي الْقَيْظ وَفَاكِهَة الْقَيْظ فِي الشِّتَاء فَقَالَ : يَا مَرْيَم أَنَّى لَك هَذَا ؟ فَقَالَتْ : هُوَ مِنْ عِنْد اللَّه . فَعِنْد ذَلِكَ طَمِعَ زَكَرِيَّا فِي الْوَلَد وَقَالَ : إِنَّ الَّذِي يَأْتِيهَا بِهَذَا قَادِر أَنْ يَرْزُقنِي وَلَدًا . و | كُلَّمَا | مَنْصُوب ب | وَجَدَ | , أَيْ كُلّ دَخْلَة .|قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ|وَمَعْنَى | أَنَّى | مِنْ أَيْنَ ; قَالَهُ أَبُو عُبَيْدَة . قَالَ النَّحَّاس : وَهَذَا فِيهِ تَسَاهُل ; لِأَنَّ | أَيْنَ | سُؤَال عَنْ الْمَوَاضِع و | أَنَّى | سُؤَال عَنْ الْمَذَاهِب وَالْجِهَات . وَالْمَعْنَى مِنْ أَيّ الْمَذَاهِب وَمِنْ أَيّ الْجِهَات لَك هَذَا . وَقَدْ فَرَّقَ الْكُمَيْت بَيْنهمَا فَقَالَ :
أَنَّى وَمِنْ أَيْنَ آبَك الطَّرِب .......... مِنْ حَيْثُ لَا صَبْوَة وَلَا رِيَب
|هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ|قِيلَ : هُوَ مِنْ قَوْل مَرْيَم , وَيَجُوز أَنْ يَكُون مُسْتَأْنَفًا ; فَكَانَ ذَلِكَ سَبَب دُعَاء زَكَرِيَّا وَسُؤَاله الْوَلَد . وَقَالَ بَعْضهمْ : كَانَتْ لَا تَحِيض وَكَانَتْ مُطَهَّرَة مِنْ الْحَيْض . وَكَانَ زَكَرِيَّا إِذَا دَخَلَ عَلَيْهَا يَجِد عِنْدهَا فَاكِهَة الشِّتَاء فِي الْقَيْظ وَفَاكِهَة الْقَيْظ فِي الشِّتَاء فَقَالَ : يَا مَرْيَم أَنَّى لَك هَذَا ؟ فَقَالَتْ : هُوَ مِنْ عِنْد اللَّه . فَعِنْد ذَلِكَ طَمِعَ زَكَرِيَّا فِي الْوَلَد وَقَالَ : إِنَّ الَّذِي يَأْتِيهَا بِهَذَا قَادِر أَنْ يَرْزُقنِي وَلَدًا