islamkingdomfaceBook islamkingdomtwitter islamkingdominstagram islamkingdomyoutube


كَأَنَّهُمْ تَوَعَّدُوهُ بِالْقَتْلِ فَاسْتَجَارَ بِاَللَّهِ . قَالَ قَتَادَة : | تَرْجُمُونِ | بِالْحِجَارَةِ . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : تَشْتُمُونَ ; فَتَقُولُوا سَاحِر كَذَّاب . وَأَظْهَر الذَّال مِنْ | عُذْت | نَافِع وَابْن كَثِير وَابْن عَامِر وَعَاصِم وَيَعْقُوب . وَأَدْغَمَ الْبَاقُونَ . وَالْإِدْغَام طَلَبًا لِلتَّخْفِيفِ , وَالْإِظْهَار عَلَى الْأَصْل . ثُمَّ قِيلَ : إِنِّي عُذْت بِاَللَّهِ فِيمَا مَضَى ; لِأَنَّ اللَّه وَعَدَهُ فَقَالَ : | فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا | [ الْقَصَص : 35 ] . وَقِيلَ : إِنِّي أَعُوذ ; كَمَا تَقُول نَشَدْتُك بِاَللَّهِ , وَأَقْسَمْت عَلَيْك بِاَللَّهِ ; أَيْ أَقْسَمَ .

| وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي | أَيْ إِنْ لَمْ تُصَدِّقُونِي وَلَمْ تُؤْمِنُوا بِاَللَّهِ لِأَجْلِ بُرْهَانِي ; فَاللَّام فِي | لِي | لَام أَجْل . وَقِيلَ : أَيْ وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا بِي ; كَقَوْلِهِ : | فَآمَنَ لَهُ لُوط | [ الْعَنْكَبُوت : 26 ] أَيْ بِهِ . | فَاعْتَزِلُونِ | أَيْ دَعُونِي كَفَافًا لَا لِي وَلَا عَلَيَّ ; قَالَهُ مُقَاتِل . وَقِيلَ : أَيْ كُونُوا بِمَعْزِلٍ مِنِّي وَأَنَا بِمَعْزِلٍ مِنْكُمْ إِلَى أَنْ يَحْكُم اللَّه بَيْننَا . وَقِيلَ : فَخَلُّوا سَبِيلِي وَكُفُّوا عَنْ أَذَايَ . وَالْمَعْنَى مُتَقَارِب , وَاَللَّه أَعْلَم .

| فَدَعَا رَبّه | فِيهِ حَذْف ; أَيْ فَكَفَرُوا فَدَعَا رَبّه . | أَنَّ هَؤُلَاءِ | بِفَتْحِ | أَنْ | أَيْ بِأَنْ هَؤُلَاءِ . | قَوْم مُجْرِمُونَ | أَيْ مُشْرِكُونَ , قَدْ اِمْتَنَعُوا مِنْ إِطْلَاق بَنِي إِسْرَائِيل وَمِنْ الْإِيمَان .

فِيهِ مَسْأَلَتَانِ :

الْأُولَى : | فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا | أَيْ فَأَجَبْنَا دُعَاءَهُ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي ; أَيْ بِمَنْ آمَنَ بِاَللَّهِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل . | لَيْلًا | أَيْ قَبْل الصَّبَاح | إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ | وَقَرَأَ أَهْل الْحِجَاز | فَاسْرِ | بِوَصْلِ الْأَلِف . وَكَذَلِكَ اِبْن كَثِير ; مِنْ سَرَى . الْبَاقُونَ | فَأَسْرِ | بِالْقَطْعِ ; مِنْ أَسْرَى . وَقَدْ تَقَدَّمَ . وَتَقَدَّمَ خُرُوج فِرْعَوْن وَرَاء مُوسَى فِي | الْبَقَرَة وَالْأَعْرَاف وَطَه وَالشُّعَرَاء وَيُونُس | وَإِغْرَاقه وَإِنْجَاء مُوسَى | ; فَلَا مَعْنَى لِلْإِعَادَةِ .

الثَّانِيَة : أُمِرَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام بِالْخُرُوجِ لَيْلًا . وَسَيْر اللَّيْل فِي الْغَالِب إِنَّمَا يَكُون عَنْ خَوْف , وَالْخَوْف يَكُون بِوَجْهَيْنِ : إِمَّا مِنْ الْعَدُوّ فَيَتَّخِذ اللَّيْل سِتْرًا مُسْدِلًا ; فَهُوَ مِنْ أَسْتَار اللَّه تَعَالَى . وَإِمَّا مِنْ خَوْف الْمَشَقَّة عَلَى الدَّوَابّ وَالْأَبْدَان بِحَرٍّ أَوْ جَدْب , فَيُتَّخَذ السُّرَى مَصْلَحَة مِنْ ذَلِكَ . وَكَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْرِي وَيُدْلِج وَمُتَرَفِّق وَيَسْتَعْجِل , بِحَسَبِ الْحَاجَة وَمَا تَقْتَضِيه الْمَصْلَحَة . وَفِي الصَّحِيح عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِذَا سَافَرْتُمْ فِي الْخِصْب فَأَعْطُوا الْإِبِل حَظّهَا مِنْ الْأَرْض وَإِذَا سَافَرْتُمْ فِي السَّنَة فَبَادِرُوا بِهَا نِقْيهَا ) . وَقَدْ مَضَى فِي أَوَّل | النَّحْل | ; وَالْحَمْد لِلَّهِ .

قَالَ اِبْن عَبَّاس : | رَهْوًا | أَيْ طَرِيقًا . وَقَالَ كَعْب وَالْحَسَن . وَعَنْ اِبْن عَبَّاس أَيْضًا سَمْتًا . الضَّحَّاك وَالرَّبِيع : سَهْلًا . عِكْرِمَة : يَبَسًا , لِقَوْلِهِ : | فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْر يَبَسًا | وَقِيلَ : مُفْتَرِقًا . مُجَاهِد : مُنْفَرِجًا . وَعَنْهُ يَابِسًا . وَعَنْهُ سَاكِنًا , وَهُوَ الْمَعْرُوف فِي اللُّغَة . وَقَالَهُ قَتَادَة وَالْهَرَوِيّ . وَقَالَ غَيْرهمَا : مُنْفَرِجًا . وَقَالَ اِبْن عَرَفَة : وَهُمَا يَرْجِعَانِ إِلَى مَعْنًى وَاحِد وَإِنْ اِخْتَلَفَ لَفْظَاهُمَا , لِأَنَّهُ إِذَا سَكَنَ جَرْيه اِنْفَرَجَ . وَكَذَلِكَ كَانَ الْبَحْر يَسْكُن جَرْيه وَانْفَرَجَ لِمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام . وَالرَّهْو عِنْد الْعَرَب : السَّاكِن , يُقَال : جَاءَتْ الْخَيْل رَهْوًا , أَيْ سَاكِنَة . قَالَ :
وَالْخَيْل تَمْزَع رَهْوًا فِي أَعِنَّتهَا .......... كَالطَّيْرِ تَنْجُو مِنْ الشُّؤْبُوبِ ذِي الْبَرْد
الْجَوْهَرِيّ : وَيُقَال اِفْعَلْ ذَلِكَ رَهْوًا , أَيْ سَاكِنًا عَلَى هَيِّنَتك . وَعَيْش رَاهٍ , أَيْ سَاكِن رَافِه . وَخِمْس رَاهٍ , إِذَا كَانَ سَهْلًا . وَرَهَا الْبَحْر أَيْ سَكَنَ . وَقَالَ أَبُو عُبَيْد : رَهَا بَيْن رِجْلَيْهِ يَرْهُو رَهْوًا أَيْ فَتَحَ , وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى : | وَاتْرُكْ الْبَحْر رَهْوًا | وَالرَّهْو : السَّيْر السَّهْل , يُقَال : جَاءَتْ الْخَيْل رَهْوًا . قَالَ اِبْن الْأَعْرَابِيّ : رَهَا يَرْهُو فِي السَّيْر أَيْ رَفَقَ . قَالَ الْقَطَامِيّ فِي نَعْت الرِّكَاب :
يَمْشِينَ رَهْوًا فَلَا الْأَعْجَاز خَاذِلَة .......... وَلَا الصُّدُور عَلَى الْأَعْجَاز تَتَّكِل
وَالرَّهْو وَالرَّهْوَة : الْمَكَان الْمُرْتَفِع , وَالْمُنْخَفِض أَيْضًا يَجْتَمِع فِيهِ الْمَاء , وَهُوَ مِنْ الْأَضْدَاد . وَقَالَ أَبُو عُبَيْد : الرَّهْو : الْجَوْبَة تَكُون فِي مَحَلَّة الْقَوْم يَسِيل فِيهَا مَاء الْمَطَر وَغَيْره . وَفِي الْحَدِيث أَنَّهُ قَضَى أَنْ ( لَا شُفْعَة فِي فِنَاء وَلَا طَرِيق وَلَا مَنْقَبَة وَلَا رُكْح وَلَا رَهْو ) . وَالْجَمْع رِهَاء . وَالرَّهْو : الْمَرْأَة الْوَاسِعَة الْهَنِ . حَكَاهُ النَّضْر بْن شُمَيْل . وَالرَّهْو : ضَرْب مِنْ الطَّيْر , وَيُقَال : هُوَ الْكُرْكِيّ . قَالَ الْهَرَوِيّ : وَيَجُوز أَنْ يَكُون | رَهْوًا | مِنْ نَعْت مُوسَى - وَقَالَهُ الْقُشَيْرِيّ - أَيْ سِرْ سَاكِنًا عَلَى هَيِّنَتك ; فَالرَّهْو مِنْ نَعْت مُوسَى وَقَوْمه لَا مِنْ نَعْت الْبَحْر , وَعَلَى الْأَوَّل هُوَ مِنْ نَعْت الْبَحْر ; أَيْ اُتْرُكْهُ سَاكِنًا كَمَا هُوَ قَدْ اِنْفَرَقَ فَلَا تَأْمُرهُ بِالِانْضِمَامِ . حَتَّى يَدْخُل فِرْعَوْن وَقَوْمه . قَالَ قَتَادَة : أَرَادَ مُوسَى أَنْ يَضْرِب الْبَحْر لَمَّا قَطَعَهُ بِعَصَاهُ حَتَّى يَلْتَئِم , وَخَافَ أَنْ يَتْبَعهُ فِرْعَوْن فَقِيلَ لَهُ هَذَا . وَقِيلَ : لَيْسَ الرَّهْو مِنْ السُّكُون بَلْ هُوَ الْفُرْجَة بَيْن الشَّيْئَيْنِ ; يُقَال : رَهَا مَا بَيْن الرِّجْلَيْنِ أَيْ فُرِجَ . فَقَوْله : | رَهْوًا | أَيْ مُنْفَرِجًا . وَقَالَ اللَّيْث : الرَّهْو مَشْي فِي سُكُون , يُقَال : رَهَا يَرْهُو رَهْوًا فَهُوَ رَاهٍ . وَعَيْش رَاهٍ : وَادِع خَافِض . وَافْعَلْ ذَلِكَ سَهْوًا رَهْوًا ; أَيْ سَاكِنًا بِغَيْرِ شِدَّة . وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ آنِفًا . | إِنَّهُمْ | أَيْ إِنَّ فِرْعَوْن وَقَوْمه . | جُنْد مُغْرَقُونَ | أُخْبِرَ مُوسَى بِذَلِكَ لِيَسْكُن قَلْبه .

يَعْنِي مِنْ أَرْض مِصْر . وَعَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو قَالَ : كَانَتْ الْجَنَّات بِحَافَتَيْ النِّيل فِي الشُّقَّتَيْنِ جَمِيعًا مِنْ أَسْوَان إِلَى رَشِيد , وَبَيْن الْجَنَّات زُرُوع . وَالنِّيل سَبْعَة خُلْجَان : خَلِيج الْإِسْكَنْدَرِيَّة , وَخَلِيج سَخَا , وَخَلِيج دِمْيَاط , وَخَلِيج سَرْدُوس , وَخَلِيج مَنْف , وَخَلِيج الْفَيُّوم , وَخَلِيج الْمُنْهَى مُتَّصِلَة لَا يَنْقَطِع مِنْهَا شَيْء عَنْ شَيْء , وَالزُّرُوع مَا بَيْن الْخُلْجَان كُلّهَا . وَكَانَتْ أَرْض مِصْر كُلّهَا تُرْوَى مِنْ سِتَّة عَشَرَ ذِرَاعًا بِمَا دَبَّرُوا وَقَدَّرُوا مِنْ قَنَاطِرهَا وَجُسُورهَا وَخُلْجَانهَا ; وَلِذَلِكَ سُمِّيَ النِّيل إِذَا غُلِقَ سِتَّة عَشَرَ ذِرَاعًا نِيل السُّلْطَان , وَيُخْلَع عَلَى اِبْن أَبِي الرَّدَّاد ; وَهَذِهِ الْحَال مُسْتَمِرَّة إِلَى الْآن . وَإِنَّمَا قِيلَ نِيل السُّلْطَان لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَجِب الْخَرَاج عَلَى النَّاس . وَكَانَتْ أَرْض مِصْر جَمِيعهَا تُرْوَى مِنْ إِصْبَع وَاحِدَة مِنْ سَبْعَة عَشَرَ ذِرَاعًا , وَكَانَتْ إِذَا غُلِقَ النِّيل سَبْعَة عَشَرَ ذِرَاعًا وَنُودِيَ عَلَيْهِ إِصْبَع وَاحِد مِنْ ثَمَانِيَة عَشَرَ ذِرَاعًا , اِزْدَادَ فِي خَرَاجهَا أَلْف أَلْف دِينَار . فَإِذَا خَرَجَ . عَنْ ذَلِكَ وَنُودِيَ عَلَيْهِ إِصْبَعًا وَاحِدًا مِنْ تِسْعَة عَشَرَ ذِرَاعًا نَقَصَ خَرَاجهَا أَلْف أَلْف دِينَار . وَسَبَب هَذَا مَا كَانَ يَنْصَرِف فِي الْمَصَالِح وَالْخُلْجَان وَالْجُسُور وَالِاهْتِمَام بِعِمَارَتِهَا . فَأَمَّا الْآن فَإِنَّ أَكْثَرهَا لَا يُرْوَى حَتَّى يُنَادَى إِصْبَع مِنْ تِسْعَة عَشَرَ ذِرَاعًا بِمِقْيَاسِ مِصْر . وَأَمَّا أَعْمَال الصَّعِيد الْأَعْلَى , فَإِنَّ بِهَا مَا لَا يَتَكَامَل رَيّه إِلَّا بَعْد دُخُول الْمَاء فِي الذِّرَاع الثَّانِي وَالْعِشْرِينَ بِالصَّعِيدِ الْأَعْلَى . قُلْت : أَمَّا أَرْض مِصْر فَلَا تُرْوَى جَمِيعهَا الْآن إِلَّا مِنْ عِشْرِينَ ذِرَاعًا وَأَصَابِع ; لِعُلُوِّ الْأَرْض وَعَدَم الِاهْتِمَام بِعِمَارَةِ جُسُورهَا , وَهُوَ مِنْ عَجَائِب الدُّنْيَا ; وَذَلِكَ أَنَّهُ يَزِيد إِذَا اِنْصَبَّتْ الْمِيَاه فِي جَمِيع الْأَرْض حَتَّى يَسِيح عَلَى جَمِيع أَرْض مِصْر , وَتَبْقَى الْبِلَاد كَالْأَعْلَامِ لَا يُوصَل إِلَيْهَا إِلَّا بِالْمَرَاكِبِ وَالْقِيَاسَات . وَرُوِيَ عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو بْن الْعَاص أَنَّهُ قَالَ : نِيل مِصْر سَيِّد الْأَنْهَار , سَخَّرَ اللَّه لَهُ كُلّ نَهَر بَيْن الْمَشْرِق وَالْمَغْرِب , وَذَلَّلَ اللَّه لَهُ الْأَنْهَار ; فَإِذَا أَرَادَ اللَّه أَنْ يُجْرِي نِيل مِصْر أَمَرَ كُلّ نَهَر أَنْ يَمُدّهُ , فَأَمَدَّتْهُ الْأَنْهَار بِمَائِهَا , وَفَجَّرَ اللَّه لَهُ عُيُونًا , فَإِذَا اِنْتَهَى إِلَى مَا أَرَادَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ , أَوْحَى اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى إِلَى كُلّ مَاء أَنْ يَرْجِع إِلَى عُنْصُره . وَقَالَ قَيْس بْن الْحَجَّاج : لَمَّا اُفْتُتِحَتْ مِصْر أَتَى أَهْلهَا إِلَى عَمْرو بْن الْعَاص حِين دَخَلَ بَئُونَة مِنْ أَشْهُر الْقِبْط فَقَالُوا لَهُ : أَيّهَا الْأَمِير إِنَّ لِنِيلِنَا هَذَا سَنَة لَا يَجْرِي إِلَّا بِهَا , فَقَالَ لَهُمْ : وَمَا ذَاكَ ؟ فَقَالُوا : إِذَا كَانَ لِاثْنَتَيْ عَشْرَة لَيْلَة تَخْلُو مِنْ هَذَا الشَّهْر عَمَدْنَا إِلَى جَارِيَة بِكْر بَيْن أَبَوَيْهَا ; أَرْضَيْنَا أَبَوَيْهَا , وَحَمَلْنَا عَلَيْهَا مِنْ الْحُلِيّ وَالثِّيَاب أَفْضَل مَا يَكُون , ثُمَّ أَلْقَيْنَاهَا فِي هَذَا النِّيل ; فَقَالَ لَهُمْ عَمْرو : هَذَا لَا يَكُون فِي الْإِسْلَام ; وَإِنَّ الْإِسْلَام لِيَهْدِم مَا قَبْله . فَأَقَامُوا أَبِيب وَمَسْرَى لَا يَجْرِي قَلِيل وَلَا كَثِير , وَهَمُّوا بِالْجَلَاءِ . فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ عَمْرو بْن الْعَاص كَتَبَ إِلَى عُمَر بْن الْخَطَّاب رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا , فَأَعْلَمَهُ بِالْقِصَّةِ , فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَر بْن الْخَطَّاب : إِنَّك قَدْ أَصَبْت بِاَلَّذِي فَعَلْت , وَأَنَّ الْإِسْلَام يَهْدِم مَا قَبْله وَلَا يَكُون هَذَا . وَبَعَثَ إِلَيْهِ بِبِطَاقَةٍ فِي دَاخِل كِتَابه . وَكَتَبَ إِلَى عَمْرو : إِنِّي قَدْ بَعَثْت إِلَيْك بِبِطَاقَةٍ دَاخِل كِتَابِي , فَأَلْقِهَا فِي النِّيل إِذَا أَتَاك كِتَابِي . فَلَمَّا قَدِمَ كِتَاب عُمَر إِلَى عَمْرو بْن الْعَاص أَخَذَ الْبِطَاقَة فَفَتَحَهَا فَإِذَا فِيهَا : مِنْ عَبْد اللَّه أَمِير الْمُؤْمِنِينَ عُمَر إِلَى نِيل مِصْر - أَمَّا بَعْد - فَإِنْ كُنْت إِنَّمَا تَجْرِي مِنْ قِبَلِكَ فَلَا تَجْرِ وَإِنْ كَانَ اللَّه الْوَاحِد الْقَهَّار هُوَ الَّذِي يُجْرِيك فَنَسْأَل اللَّه الْوَاحِد الْقَهَّار أَنْ يُجْرِيك . قَالَ : فَأَلْقَى الْبِطَاقَة فِي النِّيل قَبْل الصَّلِيب بِيَوْمٍ وَقَدْ تَهَيَّأَ أَهْل مِصْر لِلْجَلَاءِ وَالْخُرُوج مِنْهَا ; لِأَنَّهُ لَا تَقُوم مَصْلَحَتهمْ فِيهَا إِلَّا بِالنِّيلِ . فَلَمَّا أَلْقَى الْبِطَاقَة فِي النِّيل , أَصْبَحُوا يَوْم الصَّلِيب وَقَدْ أَجْرَاهُ اللَّه فِي لَيْلَة وَاحِدَة سِتَّة عَشَرَ ذِرَاعًا , وَقَطَعَ اللَّه تِلْكَ السِّيرَة عَنْ أَهْل مِصْر مِنْ تِلْكَ السَّنَة . قَالَ كَعْب الْأَحْبَار : أَرْبَعَة أَنْهَار مِنْ الْجَنَّة وَضَعَهَا اللَّه فِي الدُّنْيَا سَيْحَان وَجَيْحَان وَالنِّيل وَالْفُرَات , فَسَيْحَان نَهَر الْمَاء فِي الْجَنَّة , وَجَيْحَان نَهَر اللَّبَن فِي الْجَنَّة , وَالنِّيل نَهَر الْعَسَل فِي الْجَنَّة , وَالْفُرَات نَهَر الْخَمْر فِي الْجَنَّة . وَقَالَ اِبْن لَهِيعَة : الدِّجْلَة نَهَر اللَّبَن فِي الْجَنَّة .

قُلْت : الَّذِي فِي الصَّحِيح مِنْ هَذَا حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( سَيْحَان وَجَيْحَان وَالنِّيل وَالْفُرَات كُلّ مِنْ أَنْهَار الْجَنَّة ) لَفْظ مُسْلِم وَفِي حَدِيث الْإِسْرَاء مِنْ حَدِيث أَنَس بْن مَالِك عَنْ مَالِك بْن صَعْصَعَة رَجُل مِنْ قَوْمه قَالَ : ( وَحَدَّثَ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ رَأَى أَرْبَعَة أَنْهَار يَخْرُج مِنْ أَصْلهَا نَهَرَانِ ظَاهِرَانِ وَنَهَرَانِ بَاطِنَانِ فَقُلْت يَا جِبْرِيل مَا هَذِهِ الْأَنْهَار قَالَ أَمَّا النَّهَرَانِ الْبَاطِنَانِ فَنَهَرَانِ فِي الْجَنَّة وَأَمَّا الظَّاهِرَانِ فَالنِّيل وَالْفُرَات ) لَفْظ مُسْلِم . وَقَالَ الْبُخَارِيّ مِنْ طَرِيق شَرِيك عَنْ أَنَس ( فَإِذَا هُوَ فِي السَّمَاء الدُّنْيَا بِنَهَرَيْنِ يَطْرُدَانِ فَقَالَ مَا هَذَانِ النَّهَرَانِ يَا جِبْرِيل قَالَ هَذَا النِّيل وَالْفُرَات عُنْصُرهمَا ثُمَّ مَضَى فِي السَّمَاء فَإِذَا هُوَ بِنَهَرٍ آخَر عَلَيْهِ قَصْر مِنْ اللُّؤْلُؤ وَالزَّبَرْجَد فَضَرَبَ بِيَدِهِ فَإِذَا هُوَ مِسْك أَذْفَر فَقَالَ مَا هَذَا يَا جِبْرِيل فَقَالَ هَذَا هُوَ الْكَوْثَر الَّذِي خَبَّأَ لَك رَبّك . ) وَذَكَرَ الْحَدِيث . وَالْجُمْهُور عَلَى أَنَّ الْمُرَاد بِالْعُيُونِ عُيُون الْمَاء . وَقَالَ سَعِيد بْن جُبَيْر : الْمُرَاد عُيُون الذَّهَب . وَفِي الدُّخَان | كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّات وَعُيُون . وَزُرُوع | [ الدُّخَان : 25 - 26 ] . قِيلَ : إِنَّهُمْ كَانُوا يَزْرَعُونَ مَا بَيْن الْجَبَلَيْنِ مِنْ أَوَّل مِصْر إِلَى آخِرهَا .

قَالَ اِبْن عُمَر وَابْن عَبَّاس وَمُجَاهِد : الْمَقَام الْكَرِيم الْمَنَابِر ; وَكَانَتْ أَلْف مِنْبَر لِأَلْفِ جَبَّار يُعَظِّمُونَ عَلَيْهَا فِرْعَوْن وَمُلْكه . وَقِيلَ : مَجَالِس الرُّؤَسَاء وَالْأُمَرَاء ; حَكَاهُ اِبْن عِيسَى وَهُوَ قَرِيب مِنْ الْأَوَّل . وَقَالَ سَعِيد بْن جُبَيْر : الْمَسَاكِن الْحِسَان . وَقَالَ اِبْن لَهِيعَة : سَمِعْت أَنَّ الْمَقَام الْكَرِيم الْفَيُّوم . وَقِيلَ : كَانَ يُوسُف عَلَيْهِ السَّلَام قَدْ كَتَبَ عَلَى مَجْلِس مِنْ مَجَالِسه ( لَا إِلَه إِلَّا اللَّه إِبْرَاهِيم خَلِيل اللَّه ) فَسَمَّاهَا اللَّه كَرِيمَة بِهَذَا . وَقِيلَ : مَرَابِط الْخَيْل لِتَفَرُّدِ الزُّعَمَاء بِارْتِبَاطِهَا عِدَّة وَزِينَة ; فَصَارَ مَقَامهَا أَكْرَم مَنْزِل بِهَذَا ; ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيّ . وَالْأَظْهَر أَنَّهَا الْمَسَاكِن الْحِسَان كَانَتْ تُكْرَم عَلَيْهِمْ . وَالْمَقَام فِي اللُّغَة يَكُون الْمَوْضِع وَيَكُون مَصْدَرًا . قَالَ النَّحَّاس : الْمَقَام فِي اللُّغَة الْمَوْضِع ; مِنْ قَوْلك قَامَ يَقُوم , وَكَذَا الْمَقَامَات وَاحِدهَا مَقَامَة ; كَمَا قَالَ :
وَفِيهِمْ مَقَامَات حِسَان وُجُوههمْ .......... وَأَنْدِيَة يَنْتَابهَا الْقَوْل وَالْفِعْل
وَالْمَقَام أَيْضًا الْمَصْدَر مِنْ قَامَ يَقُوم . وَالْمُقَام ( بِالضَّمِّ ) الْمَوْضِع مِنْ أَقَامَ . وَالْمَصْدَر أَيْضًا مِنْ أَقَامَ يُقِيم .

النَّعْمَة ( بِالْفَتْحِ ) : التَّنْعِيم , يُقَال : نَعَّمَهُ اللَّه وَنَاعَمَهُ فَتَنَعَّمَ . وَامْرَأَة مُنَعَّمَة وَمُنَاعَمَة , بِمَعْنًى . وَالنِّعْمَة ( بِالْكَسْرِ ) : الْيَد وَالصَّنِيعَة وَالْمِنَّة وَمَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْك . وَكَذَلِكَ النُّعْمَى . فَإِنْ فَتَحْت النُّون مَدَدْت وَقُلْت : النَّعْمَاء . وَالنَّعِيم مِثْله . وَفُلَان وَاسِع النَّعْمَة , أَيْ وَاسِع الْمَال ; جَمِيعه عَنْ الْجَوْهَرِيّ . وَقَالَ اِبْن عُمَر : الْمُرَاد بِالنَّعْمَةِ نِيل مِصْر . اِبْن لَهِيعَة : الْفَيُّوم . اِبْن زِيَاد : أَرْض مِصْر لِكَثْرَةِ خَيْرهَا . وَقِيلَ : مَا كَانُوا فِيهِ مِنْ السَّعَة وَالدَّعَة . وَقَدْ يُقَال : نِعْمَة وَنَعْمَة ( بِفَتْحِ النُّون وَكَسْرهَا ) , حَكَاهُ الْمَاوَرْدِيّ . قَالَ : وَفِي الْفَرْق بَيْنهمَا وَجْهَانِ : أَحَدهمَا : أَنَّهَا بِكَسْرِ النُّون فِي الْمُلْك , وَبِفَتْحِهَا فِي الْبَدَن وَالدِّين , قَالَهُ النَّضْر بْن شُمَيْل . الثَّانِي : أَنَّهَا بِالْكَسْرِ مِنْ الْمِنَّة وَهُوَ الْإِفْضَال وَالْعَطِيَّة ; وَبِالْفَتْحِ مِنْ التَّنْعِيم وَهُوَ سَعَة الْعَيْش وَالرَّاحَة ; قَالَهُ اِبْن زِيَاد .

قُلْت : هَذَا الْفَرْق هُوَ الَّذِي وَقَعَ فِي الصِّحَاح وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ . وَقَرَأَ أَبُو رَجَاء وَالْحَسَن وَأَبُو الْأَشْهَب وَالْأَعْرَج وَأَبُو جَعْفَر وَشَيْبَة | فَكِهِينَ | بِغَيْرِ أَلِف , وَمَعْنَاهُ أَشِرِينَ بَطِرِينَ . قَالَ الْجَوْهَرِيّ : فَكِهَ الرَّجُل ( بِالْكَسْرِ ) فَهُوَ فَكِه إِذَا كَانَ طَيِّب النَّفْس مَزَّاحًا . وَالْفَكِه أَيْضًا الْأَشِر الْبَطِر . وَقُرِئَ | وَنَعْمَة كَانُوا فِيهَا فَكِهِينَ | أَيْ أَشِرِينَ بَطِرِينَ . و | فَاكِهِينَ | أَيْ نَاعِمِينَ . الْقُشَيْرِيّ : | فَاكِهِينَ | لَاهِينَ مَازِحِينَ , يُقَال : إِنَّهُ لَفَاكِه أَيْ مِزَاج . وَفِيهِ فُكَاهَة أَيْ مَزْح . الثَّعْلَبِيّ : وَهُمَا لُغَتَانِ كَالْحَاذِرِ وَالْحَذِر , وَالْفَارِه وَالْفَرِه . وَقِيلَ : إِنَّ الْفَاكِه هُوَ الْمُسْتَمْتِع بِأَنْوَاعِ اللَّذَّة كَمَا يَتَمَتَّع الْآكِل بِأَنْوَاعِ الْفَاكِهَة . وَالْفَاكِهَة : فَضَل عَنْ الْقُوت الَّذِي لَا بُدّ مِنْهُ .