islamkingdomfaceBook islamkingdomtwitter islamkingdominstagram islamkingdomyoutube


كَرَّرَ الْأَمْر عَلَى جِهَة التَّغْلِيظ وَتَأْكِيده , كَمَا تَقُول لِرَجُلٍ : قُمْ قُمْ . وَقِيلَ : كَرَّرَ الْأَمْر لَمَّا عَلَّقَ بِكُلِّ أَمْر مِنْهُمَا حُكْمًا غَيْر حُكْم الْآخَر فَعَلَّقَ بِالْأَوَّلِ الْعَدَاوَة وَبِالثَّانِي إِتْيَان الْهُدَى . وَقِيلَ : الْهُبُوط الْأَوَّل مِنْ الْجَنَّة إِلَى السَّمَاء وَالثَّانِي مِنْ السَّمَاء إِلَى الْأَرْض وَعَلَى هَذَا يَكُون فِيهِ دَلِيل عَلَى أَنَّ الْجَنَّة فِي السَّمَاء السَّابِعَة كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيث الْإِسْرَاء عَلَى مَا يَأْتِي|جَمِيعًا|نُصِبَ عَلَى الْحَال وَقَالَ وَهْب بْن مُنَبِّه لَمَّا هَبَطَ آدَم عَلَيْهِ السَّلَام إِلَى الْأَرْض قَالَ إِبْلِيس لِلسِّبَاعِ إِنَّ هَذَا عَدُوّ لَكُمْ فَأَهْلِكُوهُ فَاجْتَمَعُوا وَوَلَّوْا أَمْرهمْ إِلَى الْكَلْب وَقَالُوا أَنْتَ أَشْجَعنَا وَجَعَلُوهُ رَئِيسًا فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ آدَم عَلَيْهِ السَّلَام تَحَيَّرَ فِي ذَلِكَ فَجَاءَهُ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام وَقَالَ لَهُ اِمْسَحْ يَدك عَلَى رَأْس الْكَلْب فَفَعَلَ فَلَمَّا رَأَتْ السِّبَاع أَنَّ الْكَلْب أَلِفَ آدَم تَفَرَّقُوا وَاسْتَأْمَنَهُ الْكَلْب فَأَمَّنَهُ آدَم فَبَقِيَ مَعَهُ وَمَعَ أَوْلَاده وَقَالَ التِّرْمِذِيّ الْحَكِيم نَحْو هَذَا وَأَنَّ آدَم عَلَيْهِ السَّلَام لَمَّا أُهْبِطَ إِلَى الْأَرْض جَاءَ إِبْلِيس إِلَى السِّبَاع فَأَشْلَاهُمْ عَلَى آدَم لِيُؤْذُوهُ وَكَانَ أَشَدّهمْ عَلَيْهِ الْكَلْب فَأُمِيتَ فُؤَاده فَرُوِيَ فِي الْخَبَر أَنَّ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام أَمَرَهُ أَنْ يَضَع يَده عَلَى رَأْسه فَوَضَعَهَا فَاطْمَأَنَّ إِلَيْهِ وَأَلِفَهُ فَصَارَ مِمَّنْ يَحْرُسهُ وَيَحْرُس وَلَده وَيَأْلَفهُمْ وَبِمَوْتِ فُؤَاده يَفْزَع مِنْ الْآدَمِيِّينَ فَلَوْ رُمِيَ بِمَدَرٍ وَلَّى هَارِبًا ثُمَّ يَعُود آلِفًا لَهُمْ فَفِيهِ شُعْبَة مِنْ إِبْلِيس وَفِيهِ شُعْبَة مِنْ مَسْحَة آدَم عَلَيْهِ السَّلَام فَهُوَ بِشُعْبَةِ إِبْلِيس يَنْبَح وَيَهِرّ وَيَعْدُو عَلَى الْآدَمِيّ وَبِمَسْحَةِ آدَم مَاتَ فُؤَاده حَتَّى ذَلَّ وَانْقَادَ وَأَلِفَ بِهِ وَبِوَلَدِهِ يَحْرُسهُمْ وَلَهَثه عَلَى كُلّ أَحْوَاله مِنْ مَوْت فُؤَاده وَلِذَلِكَ شَبَّهَ اللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى الْعُلَمَاء السُّوء بِالْكَلْبِ عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانه فِي | الْأَعْرَاف | إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى وَنَزَلَتْ عَلَيْهِ تِلْكَ الْعَصَا الَّتِي جَعَلَهَا اللَّه آيَة لِمُوسَى فَكَانَ يَطْرُد بِهَا السِّبَاع عَنْ نَفْسه|فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى|اُخْتُلِفَ فِي مَعْنَى قَوْله | هُدًى | فَقِيلَ : كِتَاب اللَّه قَالَهُ السُّدِّيّ وَقِيلَ التَّوْفِيق لِلْهِدَايَةِ وَقَالَتْ فِرْقَة الْهُدَى الرُّسُل وَهِيَ إِلَى آدَم مِنْ الْمَلَائِكَة وَإِلَى بَنِيهِ مِنْ الْبَشَر كَمَا جَاءَ فِي حَدِيث أَبِي ذَرّ , وَخَرَّجَهُ الْآجُرِيّ وَفِي قَوْله | مِنِّي | إِشَارَة إِلَى أَنَّ أَفْعَال الْعِبَاد خَلْق لِلَّهِ تَعَالَى خِلَافًا لِلْقَدَرِيَّةِ وَغَيْرهمْ كَمَا تَقَدَّمَ وَقَرَأَ الْجَحْدَرِيّ | هُدَيّ | وَهُوَ لُغَة هُذَيْل يَقُولُونَ هُدَيّ وَعَصَيّ وَمَحْيَيّ وَأَنْشَدَ النَّحْوِيُّونَ لِأَبِي ذُؤَيْب يَرْثِي بَنِيهِ
سَبَقُوا هَوَيّ وَأَعْنَقُوا لِهَوَاهُمْ .......... فَتُخُرِّمُوا وَلِكُلِّ جَنْب مَصْرَع
قَالَ النَّحَّاس : وَعِلَّة هَذِهِ اللُّغَة عِنْد الْخَلِيل وَسِيبَوَيْهِ أَنَّ سَبِيل يَاء الْإِضَافَة أَنْ يُكْسَر مَا قَبْلهَا فَلَمَّا لَمْ يَجُزْ أَنْ تَتَحَرَّك الْأَلِف أُبْدِلَتْ يَاء وَأُدْغِمَتْ وَ | مَا | فِي قَوْله | إِمَّا | زَائِدَة عَلَى | إِنَّ | الَّتِي لِلشَّرْطِ وَجَوَاب الشَّرْط الْفَاء مَعَ الشَّرْط الثَّانِي فِي قَوْله | فَمَنْ تَبِعَ | وَ | مَنْ | فِي مَوْضِع رَفْع بِالِابْتِدَاءِ وَ | تَبِعَ | فِي مَوْضِع جَزْم بِالشَّرْطِ | فَلَا خَوْف | جَوَابه قَالَ سِيبَوَيْهِ الشَّرْط الثَّانِي وَجَوَابه هُمَا جَوَاب الْأَوَّل وَقَالَ الْكِسَائِيّ | فَلَا خَوْف عَلَيْهِمْ | جَوَاب الشَّرْطَيْنِ جَمِيعًا|فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ|الْخَوْف هُوَ الذُّعْر وَلَا يَكُون إِلَّا فِي الْمُسْتَقْبَل وَخَاوَفَنِي فُلَان فَخُفْته أَيْ كُنْت أَشَدّ خَوْفًا مِنْهُ وَالتَّخَوُّف التَّنَقُّص وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى | أَوْ يَأْخُذهُمْ عَلَى تَخَوُّف | [ النَّحْل : 47 ] وَقَرَأَ الزُّهْرِيّ وَالْحَسَن وَعِيسَى بْن عُمَر وَابْن أَبِي إِسْحَاق وَيَعْقُوب | فَلَا خَوْف | بِفَتْحِ الْفَاء عَلَى التَّبْرِئَة وَالِاخْتِيَار عِنْد النَّحْوِيِّينَ الرَّفْع وَالتَّنْوِين عَلَى الِابْتِدَاء لِأَنَّ الثَّانِي مَعْرِفَة لَا يَكُون فِيهِ إِلَّا الرَّفْع لِأَنَّ | لَا | لَا تَعْمَل فِي مَعْرِفَة فَاخْتَارُوا فِي الْأَوَّل الرَّفْع أَيْضًا لِيَكُونَ الْكَلَام مِنْ وَجْه وَاحِد , وَيَجُوز أَنْ تَكُون | لَا | فِي قَوْلك فَلَا خَوْف بِمَعْنَى لَيْسَ وَالْحُزْن وَالْحَزَن ضِدّ السُّرُور وَلَا يَكُون إِلَّا عَلَى مَاضٍ وَحَزِنَ الرَّجُل ( بِالْكَسْرِ ) فَهُوَ حَزِن وَحَزِين وَأَحْزَنَهُ غَيْره وَحَزَّنَهُ أَيْضًا مِثْل أَسْلَكَهُ وَسَلَّكَهُ وَمَحْزُون بُنِيَ عَلَيْهِ قَالَ الْيَزِيدِيّ حَزَّنَهُ لُغَة قُرَيْش وَأَحْزَنَهُ لُغَة تَمِيم وَقَدْ قُرِئَ بِهِمَا وَاِحْتَزَنَ وَتَحَزَّنَ بِمَعْنًى وَالْمَعْنَى فِي الْآيَة فَلَا خَوْف عَلَيْهِمْ فِيمَا بَيْن أَيْدِيهمْ مِنْ الْآخِرَة وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ عَلَى مَا فَاتَهُمْ مِنْ الدُّنْيَا وَقِيلَ لَيْسَ فِيهِ دَلِيل عَلَى نَفْي أَهْوَال يَوْم الْقِيَامَة وَخَوْفهَا عَلَى الْمُطِيعِينَ لِمَا وَصَفَهُ اللَّه تَعَالَى وَرَسُوله مِنْ شَدَائِد الْقِيَامَة إِلَّا أَنَّهُ يُخَفِّفهُ عَنْ الْمُطِيعِينَ وَإِذَا صَارُوا إِلَى رَحْمَته فَكَأَنَّهُمْ لَمْ يَخَافُوا وَاَللَّه أَعْلَم .

| وَاَلَّذِينَ كَفَرُوا | أَيْ أَشْرَكُوا , لِقَوْلِهِ : | وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَاب النَّار هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ | الصُّحْبَة : الِاقْتِرَان بِالشَّيْءِ فِي حَالَة مَا فِي زَمَان مَا فَإِنْ كَانَتْ الْمُلَازَمَة وَالْخُلْطَة فَهِيَ كَمَال الصُّحْبَة وَهَكَذَا هِيَ صُحْبَة أَهْل النَّار لَهَا , وَبِهَذَا الْقَوْل يَنْفَكّ الْخِلَاف فِي تَسْمِيَة الصَّحَابَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ إِذْ مَرَاتِبهمْ مُتَبَايِنَة عَلَى مَا نُبَيِّنهُ فِي | بَرَاءَة | إِنْ شَاءَ اللَّه وَبَاقِي أَلْفَاظ الْآيَة تَقَدَّمَ مَعْنَاهَا وَالْحَمْد لِلَّهِ .

نِدَاء مُضَاف عَلَامَة النَّصْب فِيهِ الْيَاء وَحُذِفَتْ مِنْهُ النُّون لِلْإِضَافَةِ . الْوَاحِد اِبْن وَالْأَصْل فِيهِ بَنِي وَقِيلَ بَنُو فَمَنْ قَالَ الْمَحْذُوف مِنْهُ وَاو اِحْتَجَّ بِقَوْلِهِمْ الْبُنُوَّة وَهَذَا لَا حُجَّة فِيهِ لِأَنَّهُمْ قَدْ قَالُوا الْفُتُوَّة وَأَصْله الْيَاء وَقَالَ الزَّجَّاج الْمَحْذُوف مِنْهُ عِنْدِي يَاء كَأَنَّهُ مِنْ بَنَيْت , الْأَخْفَش اِخْتَارَ أَنْ يَكُون الْمَحْذُوف مِنْهُ الْوَاو لِأَنَّ حَذْفهَا أَكْثَر لِثِقَلِهَا وَيُقَال اِبْن بَيِّن الْبُنُوَّة وَالتَّصْغِير بُنَيّ قَالَ الْفَرَّاء يُقَال يَا بُنَيِّ وَيَا بُنَيَّ لُغَتَانِ مِثْل يَا أَبَتِ وَيَا أَبَتَ وَقُرِئَ بِهِمَا وَهُوَ مُشْتَقّ مِنْ الْبِنَاء وَهُوَ وَضْع الشَّيْء عَلَى الشَّيْء وَالِابْن فَرْع لِلْأَبِ وَهُوَ مَوْضُوع عَلَيْهِ وَإِسْرَائِيل هُوَ يَعْقُوب بْن إِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيم عَلَيْهِمْ السَّلَام قَالَ أَبُو الْفَرَج الْجَوْزِيّ , وَلَيْسَ فِي الْأَنْبِيَاء مَنْ لَهُ اِسْمَانِ غَيْره إِلَّا نَبِيّنَا مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّ لَهُ أَسْمَاء كَثِيرَة ذَكَرَهُ فِي كِتَاب | فُهُوم الْآثَار | لَهُ قُلْت : وَقَدْ قِيلَ فِي الْمَسِيح إِنَّهُ اِسْم عَلَم لِعِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام غَيْر مُشْتَقّ وَقَدْ سَمَّاهُ اللَّه رُوحًا وَكَلِمَة , وَكَانُوا يُسَمُّونَهُ أَبِيل الْأَبِيلِينَ ذَكَرَهُ الْجَوْهَرِيّ فِي الصِّحَاح وَذَكَرَ الْبَيْهَقِيّ فِي | دَلَائِل النُّبُوَّة | عَنْ الْخَلِيل بْن أَحْمَد خَمْسَة مِنْ الْأَنْبِيَاء ذَوُو اِسْمَيْنِ مُحَمَّد وَأَحْمَد نَبِيّنَا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعِيسَى وَالْمَسِيح وَإِسْرَائِيل وَيَعْقُوب وَيُونُس وَذُو النُّون وَإِلْيَاس وَذُو الْكِفْل صَلَّى اللَّه عَلَيْهِمْ وَسَلَّمَ قُلْت : ذَكَرْنَا أَنَّ لِعِيسَى أَرْبَعَة أَسْمَاء وَأَمَّا نَبِيّنَا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَهُ أَسْمَاء كَثِيرَة بَيَانهَا فِي مَوَاضِعهَا وَإِسْرَائِيل اِسْم أَعْجَمِيّ وَلِذَلِكَ لَمْ يَنْصَرِف , وَهُوَ فِي مَوْضِع خَفْض بِالْإِضَافَةِ وَفِيهِ سَبْع لُغَات إِسْرَائِيل وَهِيَ لُغَة الْقُرْآن وَإِسْرَائِيل بِمَدَّةٍ مَهْمُوزَة مُخْتَلَسَة حَكَاهَا شَنَّبُوذ عَنْ وَرْش وَإِسْرَائِيل بِمَدَّةٍ بَعْد الْيَاء مِنْ غَيْر هَمْز وَهِيَ قِرَاءَة الْأَعْمَش وَعِيسَى بْن عُمَر وَقَرَأَ الْحَسَن وَالزُّهْرِيّ بِغَيْرِ هَمْز وَلَا مَدّ وَإِسْرَائِيل بِغَيْرِ يَاء بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَة وَإِسْرَاءَل بِهَمْزَةٍ مَفْتُوحَة وَتَمِيم يَقُولُونَ إِسْرَائِين بِالنُّونِ وَمَعْنَى إِسْرَائِيل عَبْد اللَّه قَالَ اِبْن عَبَّاس إِسْرَا بِالْعِبْرَانِيَّةِ هُوَ عَبْد وَإِيل هُوَ اللَّه وَقِيلَ إِسْرَا هُوَ صَفْوَة اللَّه وَإِيل هُوَ اللَّه وَقِيلَ إِسْرَا مِنْ الشَّدّ فَكَأَنَّ إِسْرَائِيل الَّذِي شَدَّهُ اللَّه وَأَتْقَنَ خَلْقه ذَكَرَهُ الْمَهْدَوِيّ وَقَالَ السُّهَيْلِيّ سُمِّيَ إِسْرَائِيل لِأَنَّهُ أَسْرَى ذَات لَيْلَة حِين هَاجَرَ إِلَى اللَّه تَعَالَى فَسُمِّيَ إِسْرَائِيل أَيْ أَسْرَى إِلَى اللَّه وَنَحْو هَذَا فَيَكُون بَعْض الِاسْم عِبْرَانِيَّا وَبَعْضه مُوَافِقًا لِلْعَرَبِ وَاَللَّه أَعْلَم|إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ|الذِّكْر اِسْم مُشْتَرَك , فَالذِّكْر بِالْقَلْبِ ضِدّ النِّسْيَان وَالذِّكْر بِاللِّسَانِ ضِدّ الْإِنْصَات وَذَكَرْت الشَّيْء بِلِسَانِي وَقَلْبِي ذِكْرًا وَاجْعَلْهُ مِنْك عَلَى ذُكْر ( بِضَمِّ الذَّال ) أَيْ لَا تَنْسَهُ قَالَ الْكِسَائِيّ مَا كَانَ بِالضَّمِيرِ فَهُوَ مَضْمُوم الذَّال وَمَا كَانَ بِاللِّسَانِ فَهُوَ مَكْسُور الذَّال وَقَالَ غَيْره هُمَا لُغَتَانِ يُقَال ذِكْر وَذُكْر , وَمَعْنَاهُمَا وَاحِد وَالذَّكَر ( بِفَتْحِ الذَّال ) خِلَاف الْأُنْثَى وَالذِّكْر أَيْضًا الشَّرَف وَمِنْهُ قَوْله | وَإِنَّهُ لَذِكْر لَك وَلِقَوْمِك | [ الزُّخْرُف 44 ] قَالَ اِبْن الْأَنْبَارِيّ وَالْمَعْنَى فِي الْآيَة اُذْكُرُوا شُكْر نِعْمَتِي فَحَذَفَ الشُّكْر اِكْتِفَاء بِذِكْرِ النِّعْمَة وَقِيلَ إِنَّهُ أَرَادَ الذِّكْر بِالْقَلْبِ وَهُوَ الْمَطْلُوب أَيْ لَا تَغْفُلُوا عَنْ نِعْمَتِي الَّتِي أَنْعَمْت عَلَيْكُمْ وَلَا تَنَاسَوْهَا وَهُوَ حَسَن وَالنِّعْمَة هُنَا اِسْم جِنْس فَهِيَ مُفْرَدَة بِمَعْنَى الْجَمْع قَالَ اللَّه تَعَالَى | وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَة اللَّه لَا تُحْصُوهَا | [ إِبْرَاهِيم : 34 ] أَيْ نِعَمه وَمِنْ نِعَمه عَلَيْهِمْ أَنْ أَنْجَاهُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْن وَجَعَلَ مِنْهُمْ أَنْبِيَاء وَأَنْزَلَ عَلَيْهِمْ الْكُتُب وَالْمَنّ وَالسَّلْوَى وَفَجَّرَ لَهُمْ فِي الْحَجَر الْمَاء إِلَى مَا اِسْتَوْدَعَهُمْ مِنْ التَّوْرَاة الَّتِي فِيهَا صِفَة مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَعْته وَرِسَالَته وَالنِّعَم عَلَى الْآبَاء نِعَم عَلَى الْأَبْنَاء لِأَنَّهُمْ يَشْرُفُونَ بِشَرَفِ آبَائِهِمْ تَنْبِيه : قَالَ أَرْبَاب الْمَعَانِي رَبَطَ سُبْحَانه وَتَعَالَى بَنِي إِسْرَائِيل بِذِكْرِ النِّعْمَة وَأَسْقَطَهُ عَنْ أُمَّة مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَدَعَاهُمْ إِلَى ذِكْره فَقَالَ | اُذْكُرُونِي أَذْكُركُمْ | [ الْبَقَرَة 152 ] لِيَكُونَ نَظَر الْأُمَم مِنْ النِّعْمَة إِلَى الْمُنْعِم وَنَظَر أُمَّة مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْمُنْعِم إِلَى النِّعْمَة .|عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ|أَمْر وَجَوَابه وَقَرَأَ الزُّهْرِيّ | أُوَفِّ | ( بِفَتْحِ الْوَاو وَشَدّ الْفَاء ) لِلتَّكْثِيرِ وَاخْتُلِفَ فِي هَذَا الْعَهْد مَا هُوَ فَقَالَ الْحَسَن عَهْده قَوْله | خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ | [ الْبَقَرَة : 63 ] وَقَوْله | وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّه مِيثَاق بَنِي إِسْرَائِيل وَبَعَثْنَا مِنْهُمْ اِثْنَيْ عَشَر نَقِيبًا | [ الْمَائِدَة : 12 ] وَقِيلَ هُوَ قَوْله | وَإِذْ أَخَذَ اللَّه مِيثَاق الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَاب لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ | [ آل عِمْرَان : 187 ] وَقَالَ الزَّجَّاج | أَوْفُوا بِعَهْدِي | الَّذِي عَهِدْت إِلَيْكُمْ فِي التَّوْرَاة مِنْ اِتِّبَاع مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ | أُوفِ بِعَهْدِكُمْ | بِمَا ضَمِنْت لَكُمْ عَلَى ذَلِكَ إِنْ أَوْفَيْتُمْ بِهِ فَلَكُمْ الْجَنَّة وَقِيلَ | أَوْفُوا بِعَهْدِي | فِي أَدَاء الْفَرَائِض عَلَى السُّنَّة وَالْإِخْلَاص | أُوفِ | بِقَبُولِهَا مِنْكُمْ وَمُجَارَاتكُمْ عَلَيْهَا وَقَالَ بَعْضهمْ | أَوْفُوا بِعَهْدِي | فِي الْعِبَادَات | أُوفِ بِعَهْدِكُمْ | أَيْ أُوصِلكُمْ إِلَى مَنَازِل الرِّعَايَات وَقِيلَ | أَوْفُوا بِعَهْدِي | فِي حِفْظ آدَاب الظَّوَاهِر | أُوفِ بِعَهْدِكُمْ | بِتَزْيِينِ سَرَائِركُمْ وَقِيلَ هُوَ عَامّ فِي جَمِيع أَوَامِره وَنَوَاهِيه وَوَصَايَاهُ فَيَدْخُل فِي ذَلِكَ ذِكْر مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي فِي التَّوْرَاة وَغَيْره هَذَا قَوْل الْجُمْهُور مِنْ الْعُلَمَاء وَهُوَ الصَّحِيح وَعَهْده سُبْحَانه وَتَعَالَى هُوَ أَنْ يُدْخِلهُمْ الْجَنَّة قُلْت : وَمَا طُلِبَ مِنْ هَؤُلَاءِ مِنْ الْوَفَاء بِالْعَهْدِ هُوَ مَطْلُوب مِنَّا قَالَ اللَّه تَعَالَى | أَوْفُوا بِالْعُقُودِ | [ الْمَائِدَة : 1 ] | أَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّه | [ النَّحْل : 91 ] , وَهُوَ كَثِير وَوَفَاؤُهُمْ بِعَهْدِ اللَّه أَمَارَة لِوَفَاءِ اللَّه تَعَالَى لَهُمْ لَا عِلَّة لَهُ بَلْ ذَلِكَ تَفَضُّل مِنْهُ عَلَيْهِمْ|بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ|أَيْ خَافُونِ وَالرُّهْب وَالرَّهَب وَالرَّهْبَة الْخَوْف وَيَتَضَمَّن الْأَمْر بِهِ مَعْنَى التَّهْدِيد وَسَقَطَتْ الْيَاء بَعْد النُّون لِأَنَّهَا رَأْس آيَة وَقَرَأَ اِبْن أَبِي إِسْحَاق | فَارْهَبُونِي | بِالْيَاءِ وَكَذَا | فَاتَّقُونِي | عَلَى الْأَصْل | وَإِيَّايَ | مَنْصُوب بِإِضْمَارِ فِعْل وَكَذَا الِاخْتِيَار فِي الْأَمْر وَالنَّهْي وَالِاسْتِفْهَام التَّقْدِير وَإِيَّايَ اِرْهَبُوا فَارْهَبُونِ وَيَجُوز فِي الْكَلَام وَأَنَا فَارْهَبُونِ عَلَى الِابْتِدَاء وَالْخَبَر وَكَوْن | فَارْهَبُونِ | الْخَبَر عَلَى تَقْدِير الْحَذْف الْمَعْنَى وَأَنَا رَبّكُمْ فَارْهَبُونِ .

أَيْ صَدِّقُوا , يَعْنِي بِالْقُرْآنِ .|مُصَدِّقًا|حَال مِنْ الضَّمِير فِي | أَنْزَلْت | , التَّقْدِير بِمَا أَنْزَلْته مُصَدِّقًا , وَالْعَامِل فِيهِ أَنْزَلْت . وَيَجُوز أَنْ يَكُون حَالًا مِنْ مَا وَالْعَامِل فِيهِ آمِنُوا التَّقْدِير آمِنُوا بِالْقُرْآنِ مُصَدِّقًا وَيَجُوز أَنْ تَكُون مَصْدَرِيَّة التَّقْدِير آمِنُوا بِإِنْزَال .|لِمَا مَعَكُمْ|يَعْنِي مِنْ التَّوْرَاة .|وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ|الضَّمِير فِي | بِهِ | قِيلَ هُوَ عَائِد عَلَى مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , قَالَهُ أَبُو الْعَالِيَة . وَقَالَ اِبْن جُرَيْج : هُوَ عَائِد عَلَى الْقُرْآن , إِذْ تَضَمَّنَهُ قَوْله | بِمَا أَنْزَلْت | . وَقِيلَ : عَلَى التَّوْرَاة , إِذْ تَضَمَّنَهَا قَوْله : | لِمَا مَعَكُمْ | فَإِنْ قِيلَ كَيْف قَالَ | كَافِر | وَلَمْ يَقُلْ كَافِرِينَ قِيلَ التَّقْدِير وَلَا تَكُونُوا أَوَّل فَرِيق كَافِر بِهِ وَزَعَمَ الْأَخْفَش وَالْفَرَّاء أَنَّهُ مَحْمُول عَلَى مَعْنَى الْفِعْل لِأَنَّ الْمَعْنَى أَوَّل مَنْ كَفَرَ بِهِ وَحَكَى سِيبَوَيْهِ هُوَ أَظْرَف الْفِتْيَان وَأَجْمَله وَكَانَ ظَاهِر الْكَلَام هُوَ أَظْرَف فَتًى وَأَجْمَله وَقَالَ | أَوَّل كَافِر بِهِ | وَقَدْ كَانَ قَدْ كَفَرَ قَبْلهمْ كُفَّار قُرَيْش فَإِنَّمَا مَعْنَاهُ مِنْ أَهْل الْكِتَاب إِذْ هُمْ مَنْظُور إِلَيْهِمْ فِي مِثْل هَذَا لِأَنَّهُمْ حُجَّة مَظْنُون بِهِمْ عِلْم وَ | أَوَّل | عِنْد سِيبَوَيْهِ نَصْب عَلَى خَبَر كَانَ وَهُوَ مِمَّا لَمْ يَنْطِق مِنْهُ بِفِعْلٍ وَهُوَ عَلَى أَفْعَل عَيْنه وَفَاؤُهُ وَاو وَإِنَّمَا لَمْ يَنْطِق مِنْهُ بِفِعْلٍ لِئَلَّا يَعْتَلّ مِنْ جِهَتَيْنِ الْعَيْن وَالْفَاء , وَهَذَا مَذْهَب الْبَصْرِيِّينَ , وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ : هُوَ مِنْ وَأَلَ إِذَا نَجَا فَأَصْله أَوْأَل ثُمَّ خُفِّفَتْ الْهَمْزَة وَأُبْدِلَتْ وَاوًا وَأُدْغِمَتْ فَقِيلَ أَوَّل كَمَا تُخَفَّف هَمْزَة خَطِيئَة قَالَ الْجَوْهَرِيّ وَالْجَمْع الْأَوَائِل وَالْأَوَالِي أَيْضًا عَلَى الْقَلْب وَقَالَ قَوْم : أَصْله وَوَّل عَلَى فَوْعَل فَقُلِبَتْ الْوَاو الْأُولَى هَمْزَة وَإِنَّمَا لَمْ يُجْمَع عَلَى أَوَاوِل لِاسْتِثْقَالِهِمْ اِجْتِمَاع الْوَاوَيْنِ بَيْنهمَا أَلِف الْجَمْع وَقِيلَ هُوَ أَفْعَل مِنْ آلَ يَئُول فَأَصْله أَأْوَل قُلِبَ فَجَاءَ أَعْفَل مَقْلُوبًا مِنْ أَفْعَل فَسُهِّلَ وَأُبْدِلَ وَأُدْغِمَ مَسْأَلَة : لَا حُجَّة فِي هَذِهِ الْآيَة لِمَنْ يَمْنَع الْقَوْل بِدَلِيلِ الْخِطَاب , وَهُمْ الْكُوفِيُّونَ وَمَنْ وَافَقَهُمْ ; لِأَنَّ الْمَقْصُود مِنْ الْكَلَام النَّهْي عَنْ الْكُفْر أَوَّلًا وَآخِرًا , وَخُصَّ الْأَوَّل بِالذِّكْرِ لِأَنَّ التَّقَدُّم فِيهِ أَغْلَظ , فَكَانَ حُكْم الْمَذْكُور وَالْمَسْكُوت عَنْهُ وَاحِدًا , وَهَذَا وَاضِح .|وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا|فِيهِ أَرْبَع مَسَائِل : الْأُولَى : قَوْله تَعَالَى : | وَلَا تَشْتَرُوا | مَعْطُوف عَلَى قَوْله | وَلَا تَكُونُوا | نَهَاهُمْ عَنْ أَنْ يَكُونُوا أَوَّل مَنْ كَفَرَ وَأَلَّا يَأْخُذُوا عَلَى آيَات اللَّه ثَمَنًا أَيْ عَلَى تَغْيِير صِفَة مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رُشًى وَكَانَ الْأَحْبَار يَفْعَلُونَ ذَلِكَ فَنُهُوا عَنْهُ قَالَهُ قَوْم مِنْ أَهْل التَّأْوِيل مِنْهُمْ الْحَسَن وَغَيْره وَقِيلَ كَانَتْ لَهُمْ مَآكِل يَأْكُلُونَهَا عَلَى الْعِلْم كَالرَّاتِبِ فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ وَقِيلَ إِنَّ الْأَحْبَار كَانُوا يُعَلِّمُونَ دِينهمْ بِالْأُجْرَةِ فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ وَفِي كُتُبهمْ يَا بْن آدَم عَلِّمْ مَجَّانًا كَمَا عُلِّمْت مَجَّانًا أَيْ بَاطِلًا بِغَيْرِ أُجْرَة قَالَهُ أَبُو الْعَالِيَة وَقِيلَ الْمَعْنَى وَلَا تَشْتَرُوا بِأَوَامِرِي وَنَوَاهِيّ وَآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا يَعْنِي الدُّنْيَا وَمُدَّتهَا وَالْعَيْش الَّذِي هُوَ نَزْر لَا خَطَر لَهُ فَسُمِّيَ مَا اِعْتَاضُوه عَنْ ذَلِكَ ثَمَنًا لِأَنَّهُمْ جَعَلُوهُ عِوَضًا فَانْطَلَقَ عَلَيْهِ اِسْم الثَّمَن وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ثَمَنًا , وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْمَعْنَى وَقَالَ الشَّاعِر :
إِنْ كُنْت حَاوَلْت ذَنْبًا أَوْ ظَفِرْت بِهِ .......... فَمَا أَصَبْت بِتَرْكِ الْحَجّ مِنْ ثَمَن
قُلْت : وَهَذِهِ الْآيَة وَإِنْ كَانَتْ خَاصَّة بِبَنِي إِسْرَائِيل فَهِيَ تَتَنَاوَل مَنْ فَعَلَ فِعْلهمْ فَمَنْ أَخَذَ رِشْوَة عَلَى تَغَيُّر حَقّ أَوْ إِبْطَاله أَوْ اِمْتَنَعَ مِنْ تَعْلِيم مَا وَجَبَ عَلَيْهِ أَوْ أَدَاء مَا عَلِمَهُ وَقَدْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ حَتَّى يَأْخُذ عَلَيْهِ أَجْرًا فَقَدْ دَخَلَ فِي مُقْتَضَى الْآيَة وَاَللَّه أَعْلَم وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( مَنْ تَعَلَّمَ عِلْمًا مِمَّا يُبْتَغَى بِهِ وَجْه اللَّه عَزَّ وَجَلَّ لَا يَتَعَلَّمهُ إِلَّا لِيُصِيبَ بِهِ عَرَضًا مِنْ الدُّنْيَا لَمْ يَجِد عَرْف الْجَنَّة يَوْم الْقِيَامَة ) يَعْنِي رِيحهَا . الثَّانِيَة : وَقَدْ اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي أَخْذ الْأُجْرَة عَلَى تَعْلِيم الْقُرْآن وَالْعِلْم - لِهَذِهِ الْآيَة وَمَا كَانَ فِي مَعْنَاهَا فَمَنَعَ ذَلِكَ الزُّهْرِيّ وَأَصْحَاب الرَّأْي وَقَالُوا : لَا يَجُوز أَخْذ الْأُجْرَة عَلَى تَعْلِيم الْقُرْآن لِأَنَّ تَعْلِيمه وَاجِب مِنْ الْوَاجِبَات الَّتِي يُحْتَاج فِيهَا إِلَى نِيَّة التَّقَرُّب وَالْإِخْلَاص فَلَا يُؤْخَذ عَلَيْهَا أُجْرَة كَالصَّلَاةِ وَالصِّيَام , وَقَدْ قَالَ تَعَالَى | وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا | [ الْبَقَرَة : 41 ] . وَرَوَى اِبْن عَبَّاس أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ( مُعَلِّمُو صِبْيَانكُمْ شِرَاركُمْ أَقَلّهمْ رَحْمَة بِالْيَتِيمِ وَأَغْلَظَهُمْ عَلَى الْمِسْكِين ) . وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَة قَالَ : قُلْت يَا رَسُول اللَّه مَا تَقُول فِي الْمُعَلِّمِينَ قَالَ ( دِرْهَمهمْ حَرَام وَثَوْبهمْ سُحْت وَكَلَامهمْ رِيَاء ) وَرَوَى عُبَادَة بْن الصَّامِت قَالَ : عَلَّمْت نَاسًا مِنْ أَهْل الصُّفَّة الْقُرْآن وَالْكِتَابَة , فَأَهْدَى إِلَيَّ رَجُل مِنْهُمْ قَوْسًا فَقُلْت : لَيْسَتْ بِمَالٍ وَأَرْمِي عَنْهَا فِي سَبِيل اللَّه فَسَأَلْت عَنْهَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : ( إِنْ سَرَّك أَنْ تُطَوَّق بِهَا طَوْقًا مِنْ نَار فَاقْبَلْهَا ) . وَأَجَازَ أَخْذ الْأُجْرَة عَلَى تَعْلِيم الْقُرْآن مَالِك وَالشَّافِعِيّ وَأَحْمَد وَأَبُو ثَوْر وَأَكْثَر الْعُلَمَاء لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَام فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس حَدِيث الرُّقْيَة ( إِنَّ أَحَقَّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَاب اللَّه ) أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ وَهُوَ نَصّ يَرْفَع الْخِلَاف فَيَنْبَغِي أَنْ يُعَوَّل عَلَيْهِ وَأَمَّا مَا اِحْتَجَّ بِهِ الْمُخَالِف مِنْ الْقِيَاس عَلَى الصَّلَاة وَالصِّيَام فَفَاسِد لِأَنَّهُ فِي مُقَابَلَة النَّصّ ثُمَّ إِنَّ بَيْنهمَا فُرْقَانًا وَهُوَ أَنَّ الصَّلَاة وَالصَّوْم عِبَادَات مُخْتَصَّة بِالْفَاعِلِ وَتَعْلِيم الْقُرْآن عِبَادَة مُتَعَدِّيَة لِغَيْرِ الْمُعَلِّم فَتَجُوز الْأُجْرَة عَلَى مُحَاوَلَته النَّقْل كَتَعْلِيمِ كِتَابَة الْقُرْآن قَالَ اِبْن الْمُنْذِر وَأَبُو حَنِيفَة يُكْرَه تَعْلِيم الْقُرْآن بِأُجْرَةٍ وَيَجُوز أَنْ يَسْتَأْجِر الرَّجُل يَكْتُب لَهُ لَوْحًا أَوْ شِعْرًا أَوْ غِنَاء مَعْلُومًا بِأَجْرٍ مَعْلُوم فَيَجُوز الْإِجَارَة فِيمَا هُوَ مَعْصِيَة وَيُبْطِلهَا فِيمَا هُوَ طَاعَة وَأَمَّا الْجَوَاب عَنْ الْآيَة - فَالْمُرَاد بِهَا بَنُو إِسْرَائِيل , وَشَرْع مَنْ قَبْلنَا هَلْ هُوَ شَرْع لَنَا , فِيهِ خِلَاف , وَهُوَ لَا يَقُول بِهِ . جَوَاب ثَانٍ وَهُوَ أَنْ تَكُون الْآيَة فِيمَنْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ التَّعْلِيم فَأَبَى حَتَّى يَأْخُذ عَلَيْهِ أَجْرًا فَأَمَّا إِذَا لَمْ يَتَعَيَّن فَيَجُوز لَهُ أَخْذ الْأُجْرَة بِدَلِيلِ السُّنَّة فِي ذَلِكَ وَقَدْ يَتَعَيَّن عَلَيْهِ إِلَّا أَنَّهُ لَيْسَ عِنْده مَا يُنْفِقهُ عَلَى نَفْسه وَلَا عَلَى عِيَاله فَلَا يَجِب عَلَيْهِ التَّعْلِيم وَلَهُ أَنْ يُقْبِل عَلَى صَنْعَته وَحِرْفَته وَيَجِب عَلَى الْإِمَام أَنْ يُعَيِّن لِإِقَامَةِ الدِّين إِعَانَته , وَإِلَّا فَعَلَى الْمُسْلِمِينَ لِأَنَّ الصِّدِّيق رَضِيَ اللَّه عَنْهُ لَمَّا وُلِّيَ الْخِلَافَة وَعُيِّنَ لَهَا لَمْ يَكُنْ عِنْده مَا يُقِيم بِهِ أَهْله فَأَخَذَ ثِيَابًا وَخَرَجَ إِلَى السُّوق فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ وَمِنْ أَيْنَ أُنْفِق عَلَى عِيَالِي فَرَدُّوهُ وَفَرَضُوا لَهُ كِفَايَته , وَأَمَّا الْأَحَادِيث فَلَيْسَ شَيْء مِنْهَا يَقُوم عَلَى سَاق وَلَا يَصِحّ مِنْهَا شَيْء عِنْد أَهْل الْعِلْم بِالنَّقْلِ أَمَّا حَدِيث اِبْن عَبَّاس فَرَوَاهُ سَعِيد بْن طَرِيف عَنْ عِكْرِمَة عَنْهُ وَسَعِيد مَتْرُوك وَأَمَّا حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فَرَوَاهُ عَلِيّ بْن عَاصِم عَنْ حَمَّاد بْن مَسْلَمَة عَنْ أَبِي جُرْهُمْ عَنْهُ وَأَبُو جُرْهُمْ مَجْهُول لَا يُعْرَف وَلَمْ يَرْوِ حَمَّاد بْن سَلَمَة عَنْ أَحَد يُقَال لَهُ أَبُو جُرْهُمْ , وَإِنَّمَا رَوَاهُ عَنْ أَبِي الْمُهَزِّم وَهُوَ مَتْرُوك الْحَدِيث أَيْضًا وَهُوَ حَدِيث لَا أَصْل لَهُ وَأَمَّا حَدِيث عُبَادَة بْن الصَّامِت فَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيث الْمُغِيرَة بْن زِيَاد الْمَوْصِلِيّ عَنْ عُبَادَة بْن نُسَيّ عَنْ الْأَسْوَد بْن ثَعْلَبَة عَنْهُ وَالْمُغِيرَة مَعْرُوف عِنْد أَهْل الْعِلْم وَلَكِنَّهُ لَهُ مَنَاكِير هَذَا مِنْهَا قَالَهُ أَبُو عُمَر ثُمَّ قَالَ وَأَمَّا حَدِيث الْقَوْس فَمَعْرُوف عِنْد أَهْل الْعِلْم لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ عُبَادَة مِنْ وَجْهَيْنِ وَرُوِيَ عَنْ أُبَيّ بْن كَعْب مِنْ حَدِيث مُوسَى بْن عَلِيّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ اِبْن مَسْعُود وَهُوَ مُنْقَطِع وَلَيْسَ فِي الْبَاب حَدِيث يَجِب الْعَمَل بِهِ مِنْ جِهَة النَّقْل , وَحَدِيث عُبَادَة وَأُبَيّ يَحْتَمِل التَّأْوِيل ; لِأَنَّهُ جَائِز أَنْ يَكُون عَلَّمَهُ لِلَّهِ ثُمَّ أَخَذَ عَلَيْهِ أَجْرًا , وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ ( خَيْر النَّاس وَخَيْر مَنْ يَمْشِي عَلَى وَجْه الْأَرْض الْمُعَلِّمُونَ كُلَّمَا خَلُقَ الدِّين جَدَّدُوهُ أَعْطُوهُمْ وَلَا تَسْتَأْجِرُوهُمْ فَتُحْرِجُوهُمْ فَإِنَّ الْمُعَلِّم إِذَا قَالَ لِلصَّبِيِّ قُلْ بِسْمِ اللَّه الرَّحْمَن الرَّحِيم فَقَالَ الصَّبِيّ بِسْمِ اللَّه الرَّحْمَن الرَّحِيم كَتَبَ اللَّه بَرَاءَة لِلصَّبِيِّ وَبَرَاءَة لِلْمُعَلِّمِ وَبَرَاءَة لِأَبَوَيْهِ مِنْ النَّار ) الثَّالِثَة : وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي حُكْم الْمُصَلِّي بِأُجْرَةٍ فَرَوَى أَشْهَب عَنْ مَالِك أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الصَّلَاة خَلْف مَنْ اُسْتُؤْجِرَ فِي رَمَضَان يَقُوم لِلنَّاسِ فَقَالَ أَرْجُو أَلَّا يَكُون بِهِ بَأْس , وَهُوَ أَشَدّ كَرَاهَة لَهُ فِي الْفَرِيضَة وَقَالَ الشَّافِعِيّ وَأَصْحَابه وَأَبُو ثَوْر لَا بَأْس بِذَلِكَ وَلَا بِالصَّلَاةِ خَلْفه وَقَالَ الْأَوْزَاعِيّ لَا صَلَاة لَهُ وَكَرِهَهُ أَبُو حَنِيفَة وَأَصْحَابه عَلَى مَا تَقَدَّمَ قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَة مُعَلَّقَة مِنْ الَّتِي قَبْلهَا وَأَصْلهمَا وَاحِد قُلْت : وَيَأْتِي لِهَذَا أَصْل آخَر مِنْ الْكِتَاب فِي | بَرَاءَة | إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى وَكَرِهَ اِبْن الْقَاسِم أَخْذ الْأُجْرَة عَلَى تَعْلِيم الشِّعْر وَالنَّحْو وَقَالَ اِبْن حَبِيب لَا بَأْس بِالْإِجَارَةِ عَلَى تَعْلِيم الشِّعْر وَالرَّسَائِل وَأَيَّام الْعَرَب وَيُكْرَه مِنْ الشِّعْر مَا فِيهِ الْخَمْر وَالْخَنَا وَالْهِجَاء قَالَ أَبُو الْحَسَن اللَّخْمِيّ وَيَلْزَم عَلَى قَوْله أَنْ يُجِيز الْإِجَارَة عَلَى كُتُبه وَيُجِيز بَيْع كُتُبه , وَأَمَّا الْغِنَاء وَالنَّوْح فَمَمْنُوع عَلَى كُلّ حَال الرَّابِعَة : رَوَى الدَّارِمِيّ أَبُو مُحَمَّد فِي مُسْنَده أَخْبَرَنَا يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عُمَر بْن الْكُمَيْت قَالَ حَدَّثَنَا عَلِيّ بْن وَهْب الْهَمْدَانِيّ قَالَ أَخْبَرَنَا الضَّحَّاك بْن مُوسَى قَالَ مَرَّ سُلَيْمَان بْن عَبْد الْمَلِك بِالْمَدِينَةِ وَهُوَ يُرِيد مَكَّة فَأَقَامَ بِهَا أَيَّامًا فَقَالَ هَلْ بِالْمَدِينَةِ أَحَد أَدْرَكَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالُوا لَهُ أَبُو حَازِم فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ قَالَ لَهُ يَا أَبَا حَازِم مَا هَذَا الْجَفَاء ؟ قَالَ أَبُو حَازِم يَا أَمِير الْمُؤْمِنِينَ وَأَيّ جَفَاء رَأَيْت مِنِّي ؟ قَالَ أَتَانِي وُجُوه أَهْل الْمَدِينَة , وَلَمْ تَأْتِنِي قَالَ يَا أَمِير الْمُؤْمِنِينَ أُعِيذك بِاَللَّهِ أَنْ تَقُول مَا لَمْ يَكُنْ مَا عَرَفْتنِي قَبْل هَذَا الْيَوْم وَلَا أَنَا رَأَيْتُك قَالَ فَالْتَفَتَ إِلَى مُحَمَّد بْن شِهَاب الزُّهْرِيّ فَقَالَ أَصَابَ الشَّيْخ وَأَخْطَأْت قَالَ سُلَيْمَان يَا أَبَا حَازِم مَا لَنَا نَكْرَه الْمَوْت قَالَ لِأَنَّكُمْ أَخْرَبْتُمْ الْآخِرَة وَعَمَّرْتُمْ الدُّنْيَا فَكَرِهْتُمْ أَنْ تَنْتَقِلُوا مِنْ الْعُمْرَانِ إِلَى الْخَرَاب قَالَ أَصَبْت يَا أَبَا حَازِم فَكَيْف الْقُدُوم غَدًا عَلَى اللَّه تَعَالَى قَالَ أَمَّا الْمُحْسِن فَكَالْغَائِبِ يَقْدَم عَلَى أَهْله وَأَمَّا الْمُسِيء فَكَالْآبِقِ يَقْدَم عَلَى مَوْلَاهُ فَبَكَى سُلَيْمَان وَقَالَ لَيْتَ شِعْرِي مَا لَنَا عِنْد اللَّه ؟ قَالَ اِعْرِضْ عَمَلَكَ عَلَى كِتَاب اللَّه قَالَ وَأَيّ مَكَان أَجِدهُ قَالَ | إِنَّ الْأَبْرَار لَفِي نَعِيم وَإِنَّ الْفُجَّار لَفِي جَحِيم | [ الِانْفِطَار : 13 - 14 ] قَالَ سُلَيْمَان فَأَيْنَ رَحْمَة اللَّه يَا أَبَا حَازِم قَالَ أَبُو حَازِم رَحْمَة اللَّه قَرِيب مِنْ الْمُحْسِنِينَ قَالَ لَهُ سُلَيْمَان يَا أَبَا حَازِم فَأَيّ عِبَاد اللَّه أَكْرَم ؟ قَالَ أُولُو الْمُرُوءَة وَالنُّهَى قَالَ لَهُ سُلَيْمَان فَأَيّ الْأَعْمَال أَفْضَل قَالَ أَبُو حَازِم أَدَاء الْفَرَائِض مَعَ اِجْتِنَاب الْمَحَارِم قَالَ سُلَيْمَان فَأَيّ الدُّعَاء أَسْمَع ؟ قَالَ دُعَاء الْمُحْسِن إِلَيْهِ لِلْمُحْسِنِ فَقَالَ أَيّ الصَّدَقَة أَفْضَل ؟ قَالَ لِلسَّائِلِ الْبَائِس وَجُهْد الْمُقِلّ لَيْسَ فِيهَا مَنّ وَلَا أَذًى قَالَ فَأَيّ الْقَوْل أَعْدَل قَالَ : قَوْل الْحَقّ عِنْد مَنْ تَخَافهُ أَوْ تَرْجُوهُ قَالَ : فَأَيّ الْمُؤْمِنِينَ أَكْيَس ؟ قَالَ رَجُل عَمِلَ بِطَاعَةِ اللَّه وَدَلَّ النَّاس عَلَيْهَا قَالَ فَأَيّ الْمُؤْمِنِينَ أَحْمَق قَالَ رَجُل اِنْحَطَّ فِي هَوَى أَخِيهِ وَهُوَ ظَالِم فَبَاعَ آخِرَته بِدُنْيَا غَيْره قَالَ لَهُ سُلَيْمَان أَصَبْت فَمَا تَقُول فِيمَا نَحْنُ فِيهِ قَالَ يَا أَمِير الْمُؤْمِنِينَ أَوَتُعْفِينِي قَالَ لَهُ سُلَيْمَان لَا وَلَكِنْ نَصِيحَة تُلْقِيهَا إِلَيَّ قَالَ يَا أَمِير الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ آبَاءَك قَهَرُوا النَّاس بِالسَّيْفِ وَأَخَذُوا هَذَا الْمُلْك عَنْوَة عَلَى غَيْر مَشُورَة مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَلَا رِضَاهُمْ حَتَّى قَتَلُوا مِنْهُمْ مَقْتَلَة عَظِيمَة فَقَدْ اِرْتَحَلُوا عَنْهَا فَلَوْ شَعَرْت مَا قَالُوهُ وَمَا قِيلَ لَهُمْ فَقَالَ لَهُ رَجُل مِنْ جُلَسَائِهِ بِئْسَ مَا قُلْت يَا أَبَا حَازِم قَالَ أَبُو حَازِم كَذَبْت إِنَّ اللَّه أَخَذَ مِيثَاق الْعُلَمَاء لَيُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا يَكْتُمُونَهُ قَالَ لَهُ سُلَيْمَان فَكَيْف لَنَا أَنْ نُصْلِح ؟ قَالَ تَدْعُونَ الصَّلَف وَتُمْسِكُونَ بِالْمُرُوءَةِ وَتَقْسِمُونَ بِالسَّوِيَّةِ قَالَ لَهُ سُلَيْمَان فَكَيْف لَنَا بِالْمَأْخَذِ بِهِ ؟ قَالَ أَبُو حَازِم تَأْخُذهُ مِنْ حِلّه وَتَضَعهُ فِي أَهْله قَالَ لَهُ سُلَيْمَان هَلْ لَك يَا أَبَا حَازِم أَنْ تَصْحَبنَا فَتُصِيب مِنَّا وَنُصِيب مِنْك قَالَ أَعُوذ بِاَللَّهِ قَالَ لَهُ سُلَيْمَان وَلِمَ ذَاكَ ؟ قَالَ أَخْشَى أَنْ أَرْكَن إِلَيْكُمْ شَيْئًا قَلِيلًا فَيُذِيقنِي اللَّه ضِعْف الْحَيَاة وَضِعْف الْمَمَات قَالَ لَهُ سُلَيْمَان اِرْفَعْ إِلَيْنَا حَوَائِجك قَالَ تُنْجِينِي مِنْ النَّار وَتُدْخِلنِي الْجَنَّة قَالَ لَهُ سُلَيْمَان لَيْسَ ذَاكَ إِلَيَّ قَالَ أَبُو حَازِم فَمَا لِي إِلَيْك حَاجَة غَيْرهَا قَالَ فَادْعُ لِي قَالَ أَبُو حَازِم اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ سُلَيْمَان وَلِيّك فَيَسِّرْهُ لِخَيْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَإِنْ كَانَ عَدُوّك فَخُذْ بِنَاصِيَتِهِ إِلَى مَا تُحِبّ وَتَرْضَى قَالَ لَهُ سُلَيْمَان قَطُّ قَالَ أَبُو حَازِم قَدْ أَوْجَزْت وَأَكْثَرْت إِنْ كُنْت مِنْ أَهْله وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مِنْ أَهْله فَمَا يَنْبَغِي أَنْ أَرْمِي عَنْ قَوْس لَيْسَ لَهَا وَتَر قَالَ لَهُ سُلَيْمَان أَوْصِنِي قَالَ سَأُوصِيك وَأُوجِز : عَظِّمْ رَبّك وَنَزِّهْهُ أَنْ يَرَاك حَيْثُ نَهَاك أَوْ يَفْقِدك حَيْثُ أَمَرَك فَلَمَّا خَرَجَ مِنْ عِنْده بَعَثَ إِلَيْهِ بِمِائَةِ دِينَار وَكَتَبَ إِلَيْهِ أَنْ أَنْفِقْهَا وَلَك عِنْدِي مِثْلهَا كَثِير قَالَ فَرَدَّهَا عَلَيْهِ وَكَتَبَ إِلَيْهِ يَا أَمِير الْمُؤْمِنِينَ أُعِيذك بِاَللَّهِ أَنْ يَكُون سُؤَالك إِيَّايَ هَزْلًا أَوْ رَدِّي عَلَيْك بَذْلًا وَمَا أَرْضَاهَا لَك فَكَيْف أَرْضَاهَا لِنَفْسِي إِنَّ مُوسَى بْن عِمْرَان لَمَّا وَرَدَ مَاء مَدْيَن وَجَدَ عَلَيْهِ رِعَاء يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونهمْ جَارِيَتَيْنِ تَذُودَانِ فَسَأَلَهُمَا فَقَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِر الرِّعَاء وَأَبُونَا شَيْخ كَبِير فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلّ فَقَالَ رَبّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْت إِلَيَّ مِنْ خَيْر فَقِير وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ جَائِعًا خَائِفًا لَا يَأْمَن فَسَأَلَ رَبّه وَلَمْ يَسْأَل النَّاس فَلَمْ يَفْطِن الرِّعَاء وَفَطِنَتْ الْجَارِيَتَانِ فَلَمَّا رَجَعَتَا إِلَى أَبِيهِمَا أَخْبَرَتَاهُ بِالْقِصَّةِ وَبِقَوْلِهِ فَقَالَ أَبُوهُمَا وَهُوَ شُعَيْب عَلَيْهِ السَّلَام هَذَا رَجُل جَائِع فَقَالَ لِإِحْدَاهُمَا اِذْهَبِي فَادْعِيهِ فَلَمَّا أَتَتْهُ عَظَّمَتْهُ وَغَطَّتْ وَجْههَا وَقَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوك لِيَجْزِيَك أَجْر مَا سَقَيْت لَنَا فَشَقَّ عَلَى مُوسَى حِين ذَكَرَتْ | أَجْر مَا سَقَيْت لَنَا | وَلَمْ يَجِد بُدًّا مِنْ أَنْ يَتْبَعهَا لِأَنَّهُ كَانَ بَيْن الْجِبَال جَائِعًا مُسْتَوْحِشًا فَلَمَّا تَبِعَهَا هَبَّتْ الرِّيح فَجَعَلَتْ تُصَفِّق ثِيَابهَا عَلَى ظَهْرهَا فَتَصِف لَهُ عَجِيزَتهَا وَكَانَتْ ذَات عَجُز وَجَعَلَ مُوسَى يُعْرِض مَرَّة وَيَغُضّ أُخْرَى فَلَمَّا عِيلَ صَبْره نَادَاهَا يَا أَمَة اللَّه كُونِي خَلْفِي وَأَرِينِي السَّمْت بِقَوْلِك فَلَمَّا دَخَلَ عَلَى شُعَيْب إِذْ هُوَ بِالْعَشَاءِ مُهَيَّأ فَقَالَ لَهُ شُعَيْب اِجْلِسْ يَا شَابّ فَتَعَشَّ فَقَالَ لَهُ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام أَعُوذ بِاَللَّهِ فَقَالَ لَهُ شُعَيْب لِمَ ؟ أَمَا أَنْتَ جَائِع ؟ قَالَ بَلَى وَلَكِنِّي أَخَاف أَنْ يَكُون هَذَا عِوَضًا لِمَا سَقَيْت لَهُمَا وَأَنَا مِنْ أَهْل بَيْت لَا نَبِيع شَيْئًا مِنْ دِيننَا بِمِلْءِ الْأَرْض ذَهَبًا فَقَالَ لَهُ شُعَيْب لَا يَا شَابّ وَلَكِنَّهَا عَادَتِي وَعَادَة آبَائِي نَقْرِي الضَّيْف وَنُطْعِم الطَّعَام فَجَلَسَ مُوسَى فَأَكَلَ فَإِنْ كَانَتْ هَذِهِ الْمِائَة دِينَار عِوَضًا لِمَا حَدَّثْت فَالْمَيْتَة وَالدَّم وَلَحْم الْخِنْزِير فِي حَال الِاضْطِرَار أَحَلّ مِنْ هَذِهِ وَإِنْ كَانَ لِحَقٍّ فِي بَيْت الْمَال فَلِي فِيهَا نُظَرَاء فَإِنْ سَاوَيْت بَيْننَا وَإِلَّا فَلَيْسَ لِي فِيهَا حَاجَة قُلْت : هَكَذَا يَكُون الِاقْتِدَاء بِالْكِتَابِ وَالْأَنْبِيَاء اُنْظُرُوا إِلَى هَذَا الْإِمَام الْفَاضِل وَالْحَبْر الْعَالِم كَيْف لَمْ يَأْخُذ عَلَى عَمَله عِوَضًا وَلَا عَلَى وَصِيَّته بَدَلًا وَلَا عَلَى نَصِيحَته فَصَدًا بَلْ بَيَّنَ الْحَقّ وَصَدَعَ وَلَمْ يَلْحَقهُ فِي ذَلِكَ خَوْف وَلَا فَزَع قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( لَا يَمْنَعَن أَحَدكُمْ هَيْبَة أَحَد أَنْ يَقُول بِالْحَقِّ حَيْثُ كَانَ ) وَفِي التَّنْزِيل | يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيل اللَّه وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَة لَائِم | [ الْمَائِدَة 54 ]|وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ|قَدْ تَقَدَّمَ مَعْنَى التَّقْوَى وَقُرِئَ | فَاتَّقُونِي | بِالْيَاءِ وَقَدْ تَقَدَّمَ وَقَالَ سَهْل بْن عَبْد اللَّه قَوْله | وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ | قَالَ مَوْضِع عِلْمِي السَّابِق فِيكُمْ | وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ | قَالَ مَوْضِع الْمَكْر وَالِاسْتِدْرَاج لِقَوْلِ اللَّه تَعَالَى | سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ | [ الْأَعْرَاف : 182 ] | فَلَا يَأْمَن مَكْر اللَّه إِلَّا الْقَوْم الْخَاسِرُونَ | [ الْأَعْرَاف : 99 ] فَمَا اِسْتَثْنَى نَبِيًّا وَلَا صِدِّيقًا

اللَّبْس : الْخَلْط لَبِسْت عَلَيْهِ الْأَمْر أَلْبِسهُ , إِذَا مَزَجْت بَيْنه بِمُشْكِلِهِ وَحَقّه بِبَاطِلِهِ قَالَ اللَّه تَعَالَى | وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ | [ الْأَنْعَام : 9 ] وَفِي الْأَمْر لُبْسَة أَيْ لَيْسَ بِوَاضِحٍ وَمِنْ هَذَا الْمَعْنَى قَوْل عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ لِلْحَارِثِ بْن حَوْط يَا حَارِث ( إِنَّهُ مَلْبُوس عَلَيْك , إِنَّ الْحَقّ لَا يُعْرَف بِالرِّجَالِ , اِعْرِفْ الْحَقّ تَعْرِف أَهْله . ) وَقَالَتْ الْخَنْسَاء :
تَرَى الْجَلِيس يَقُول الْحَقّ تَحْسِبهُ .......... رُشْدًا وَهَيْهَاتَ فَانْظُرْ مَا بِهِ اِلْتَبَسَا

صَدِّقْ مَقَالَته وَاحْذَرْ عَدَاوَته .......... وَالْبَسْ عَلَيْهِ أُمُورًا مِثْل مَا لَبَسَا
وَقَالَ الْعَجَّاج :
لَمَّا لَبَسْنَ الْحَقّ بِالتَّجَنِّي .......... غَنِينَ وَاسْتَبْدَلْنَ زَيْدًا مِنِّي
رَوَى سَعِيد عَنْ قَتَادَة فِي قَوْله : | وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقّ بِالْبَاطِلِ | [ الْبَقَرَة : 42 ] , يَقُول : لَا تَلْبِسُوا الْيَهُودِيَّة وَالنَّصْرَانِيَّة بِالْإِسْلَامِ وَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّ دِين اللَّه - الَّذِي لَا يَقْبَل غَيْره وَلَا يُجْزِئ إِلَّا بِهِ - الْإِسْلَام وَأَنَّ الْيَهُودِيَّة وَالنَّصْرَانِيَّة بِدْعَة وَلَيْسَتْ مِنْ اللَّه . وَالظَّاهِر مِنْ قَوْل عَنْتَرَة :
وَكَتِيبَة لَبَّسْتهَا بِكَتِيبَةٍ
أَنَّهُ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى , وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون مِنْ اللِّبَاس . وَقَدْ قِيلَ هَذَا فِي مَعْنَى الْآيَة , أَيْ لَا تُغَطُّوا وَمِنْهُ لَبِسَ الثَّوْب يُقَال لَبِسْت الثَّوْب أَلْبِسهُ وَلِبَاس الرَّجُل زَوْجَته وَزَوْجهَا لِبَاسهَا قَالَ الْجَعْدِيّ
إِذَا مَا الضَّجِيع ثَنَى جِيدهَا .......... تَثَنَّتْ عَلَيْهِ فَكَانَتْ لِبَاسَا
وَقَالَ الْأَخْطَل :
وَقَدْ لَبِسْت لِهَذَا الْأَمْر أَعْصُره .......... حَتَّى تَجَلَّلَ رَأْسِي الشَّيْب فَاشْتَعَلَا
وَاللَّبُوس : كُلّ مَا يُلْبَس مِنْ ثِيَاب وَدِرْع قَالَ اللَّه تَعَالَى | وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَة لَبُوس لَكُمْ | [ الْأَنْبِيَاء : 80 ] وَلَابَسْت فُلَانًا حَتَّى عَرَفْت بَاطِنه وَفِي فُلَان مَلْبَس أَيْ مُسْتَمْتَع قَالَ
أَلَا إِنَّ بَعْد الْعُدْم لِلْمَرْءِ قِنْوَة .......... وَبَعْد الْمَشِيب طُول عُمَر وَمَلْبَسَا
وَلِبْس الْكَعْبَة وَالْهَوْدَج : مَا عَلَيْهِمَا مِنْ لِبَاس ( بِكَسْرِ اللَّام ) قَوْله تَعَالَى | بِالْبَاطِلِ | الْبَاطِل فِي كَلَام الْعَرَب خِلَاف الْحَقّ وَمَعْنَاهُ الزَّائِل قَالَ لَبِيد
أَلَا كُلّ شَيْء مَا خَلَا اللَّه بَاطِل
وَبَطَلَ الشَّيْء يَبْطُل بُطْلًا وَبُطُولًا وَبُطْلَانًا ذَهَبَ ضَيَاعًا وَخَسَرًا وَأَبْطَلَهُ غَيْره وَيُقَال ذَهَبَ دَمه بَطَلًا أَيْ هَدَرًا وَالْبَاطِل الشَّيْطَان وَالْبَطَل الشُّجَاع سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ يُبْطِل شَجَاعَة صَاحِبه قَالَ النَّابِغَة
لَهُمْ لِوَاء بِأَيْدِي مَاجِد بَطَل .......... لَا يَقْطَع الْخِرَق إِلَّا طَرَفه سَامِي
وَالْمَرْأَة بَطَلَة وَقَدْ بَطُلَ الرَّجُل ( أَيْ بِالضَّمِّ ) يَبْطُل بُطُولَة وَبَطَالَة أَيْ صَارَ شُجَاعًا وَبَطَلَ الْأَجِير ( بِالْفَتْحِ ) بَطَالَة أَيْ تَعَطَّلَ فَهُوَ بَطَّال وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي الْمُرَاد بِقَوْلِهِ | الْحَقّ بِالْبَاطِلِ | فَرُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس وَغَيْره لَا تَخْلِطُوا مَا عِنْدكُمْ مِنْ الْحَقّ فِي الْكِتَاب بِالْبَاطِلِ وَهُوَ التَّغْيِير وَالتَّبْدِيل , وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَة قَالَتْ الْيَهُود مُحَمَّد مَبْعُوث وَلَكِنْ إِلَى غَيْرنَا فَإِقْرَارهمْ بِبَعْثِهِ حَقّ وَجَحْدهمْ أَنَّهُ بُعِثَ إِلَيْهِمْ بَاطِل , وَقَالَ اِبْن زَيْد : الْمُرَاد بِالْحَقِّ التَّوْرَاة وَالْبَاطِل مَا بَدَّلُوا فِيهَا مِنْ ذِكْر مُحَمَّد عَلَيْهِ السَّلَام وَغَيْره وَقَالَ مُجَاهِد لَا تَخْلِطُوا الْيَهُودِيَّة وَالنَّصْرَانِيَّة بِالْإِسْلَامِ , وَقَالَهُ قَتَادَة , وَقَدْ تَقَدَّمَ قُلْت : وَقَوْل اِبْن عَبَّاس أَصْوَب لِأَنَّهُ عَامّ فَيَدْخُل فِيهِ جَمِيع الْأَقْوَال وَاَللَّه الْمُسْتَعَان|وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ|يَجُوز أَنْ يَكُون مَعْطُوفًا عَلَى | تَلْبِسُوا | فَيَكُون مَجْزُومًا وَيَجُوز أَنْ يَكُون مَنْصُوبًا بِإِضْمَارِ أَنْ , التَّقْدِير لَا يَكُنْ مِنْكُمْ لَبْس الْحَقّ وَكِتْمَانه أَيْ وَأَنْ تَكْتُمُوهُ قَالَ اِبْن عَبَّاس : ( يَعْنِي كِتْمَانهمْ أَمْر النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُمْ يَعْرِفُونَهُ . ) وَقَالَ مُحَمَّد بْن سِيرِينَ نَزَلَ عِصَابَة مِنْ وَلَد هَارُون يَثْرِب لَمَّا أَصَابَ بَنِي إِسْرَائِيل مَا أَصَابَهُمْ مِنْ ظُهُور الْعَدُوّ عَلَيْهِمْ وَالذِّلَّة وَتِلْك الْعِصَابَة هُمْ حَمَلَة التَّوْرَاة يَوْمئِذٍ فَأَقَامُوا بِـ يَثْرِب يَرْجُونَ أَنْ يَخْرُج مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْن ظَهْرَانِيهِمْ وَهُمْ مُؤْمِنُونَ مُصَدِّقُونَ بِنُبُوَّتِهِ فَمَضَى أُولَئِكَ الْآبَاء وَهُمْ مُؤْمِنُونَ وَخَلَفَ الْأَبْنَاء وَأَبْنَاء الْأَبْنَاء فَأَدْرَكُوا مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَفَرُوا بِهِ وَهُمْ يَعْرِفُونَهُ وَهُوَ مَعْنَى قَوْله تَعَالَى | فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ | [ الْبَقَرَة : 89 ]|وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ|جُمْلَة فِي مَوْضِع الْحَال أَيْ إِنَّ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ السَّلَام حَقّ فَكُفْرهمْ كَانَ كُفْر عِنَاد وَلَمْ يَشْهَد تَعَالَى لَهُمْ بِعِلْمٍ وَإِنَّمَا نَهَاهُمْ عَنْ كِتْمَان مَا عَلِمُوا وَدَلَّ هَذَا عَلَى تَغْلِيظ الذَّنْب عَلَى مَنْ وَاقَعَهُ عَلَى عِلْم وَأَنَّهُ أَعْصَى مِنْ الْجَاهِل , وَسَيَأْتِي بَيَان هَذَا عِنْد قَوْله تَعَالَى | أَتَأْمُرُونَ النَّاس بِالْبِرِّ | [ الْبَقَرَة : 44 ] الْآيَة

أَمْر مَعْنَاهُ الْوُجُوب وَلَا خِلَاف فِيهِ , وَإِقَامَة الصَّلَاة أَدَاؤُهَا بِأَرْكَانِهَا وَسُنَنهَا وَهَيْئَاتهَا فِي أَوْقَاتهَا , عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانه . يُقَال : قَامَ الشَّيْء أَيْ دَامَ وَثَبَتَ , وَلَيْسَ مِنْ الْقِيَام عَلَى الرَّجُل , وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ قَوْلِكَ : قَامَ الْحَقّ أَيْ ظَهَرَ وَثَبَتَ , قَالَ الشَّاعِر :
وَقَامَتْ الْحَرْب بِنَا عَلَى سَاق
وَقَالَ آخَر :
وَإِذَا يُقَال أَتَيْتُمْ لَمْ يَبْرَحُوا .......... حَتَّى تُقِيم الْخَيْل سُوق طِعَان
|وَآتُوا الزَّكَاةَ|أَمْر أَيْضًا يَقْتَضِي الْوُجُوب وَالْإِيتَاء الْإِعْطَاء آتَيْته أَعْطَيْته قَالَ اللَّه تَعَالَى | لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْله لَنَصَّدَّقَنَّ | [ التَّوْبَة : 75 ] وَأَتَيْته بِالْقَصْرِ مِنْ غَيْر مَدّ جِئْته فَإِذَا كَانَ الْمَجِيء بِمَعْنَى الِاسْتِقْبَال مُدَّ وَمِنْهُ الْحَدِيث ( وَلَآتِيَن رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَأُخْبِرَنهُ ) وَسَيَأْتِي الزَّكَاة مَأْخُوذَة مِنْ زَكَا الشَّيْء إِذَا نَمَا وَزَادَ يُقَال زَكَا الزَّرْع وَالْمَال يَزْكُو إِذَا كَثُرَ وَزَادَ وَرَجُل زَكِيّ أَيْ زَائِد الْخَيْر وَسُمِّيَ الْإِخْرَاج مِنْ الْمَال زَكَاة وَهُوَ نَقْص مِنْهُ مِنْ حَيْثُ يَنْمُو بِالْبَرَكَةِ أَوْ بِالْأَجْرِ الَّذِي يُثَاب بِهِ الْمُزَكِّي وَيُقَال زَرْع زَاكٍ بَيِّن الزَّكَاء وَزَكَأَتْ النَّاقَة بِوَلَدِهَا تَزْكَأ بِهِ إِذَا رَمَتْ بِهِ مِنْ بَيْن رِجْلَيْهَا وَزَكَا الْفَرْد إِذَا صَارَ زَوْجًا بِزِيَادَةِ الزَّائِد عَلَيْهِ حَتَّى صَارَ شَفْعًا قَالَ الشَّاعِر
كَانُوا خَسًا أَوْ زَكًا مِنْ دُون أَرْبَعَة .......... لَمْ يَخْلَقُوا وَجُدُود النَّاس تَعْتَلِج
جَمْع جَدّ وَهُوَ الْحَظّ وَالْبَخْت تَعْتَلِج أَيْ تَرْتَفِع اِعْتَلَجَتْ الْأَرْض طَالَ نَبَاتهَا فَخَسَا الْفَرْد وَزَكَا الزَّوْج وَقِيلَ : أَصْلهَا الثَّنَاء الْجَمِيل وَمِنْهُ زَكَّى الْقَاضِي الشَّاهِد فَكَأَنَّ مَنْ يُخْرِج الزَّكَاة يَحْصُل لِنَفْسِهِ الثَّنَاء الْجَمِيل وَقِيلَ الزَّكَاة مَأْخُوذَة مِنْ التَّطْهِير كَمَا يُقَال زَكَا فُلَان أَيْ طَهُرَ مِنْ دَنَس الْجُرْحَة وَالْإِغْفَال فَكَأَنَّ الْخَارِج مِنْ الْمَال يُطَهِّرهُ مِنْ تَبِعَة الْحَقّ الَّذِي جَعَلَ اللَّه فِيهِ لِلْمَسَاكِين أَلَا تَرَى أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَمَّى مَا يَخْرُج مِنْ الزَّكَاة أَوْسَاخ النَّاس , وَقَدْ قَالَ تَعَالَى | خُذْ مِنْ أَمْوَالهمْ صَدَقَهُ تُطَهِّرهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا | [ التَّوْبَة : 103 ] وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَاد بِالزَّكَاةِ هُنَا فَقِيلَ الزَّكَاة الْمَفْرُوضَة لِمُقَارَنَتِهَا بِالصَّلَاةِ , وَقِيلَ صَدَقَة الْفِطْر قَالَهُ مَالِك فِي سَمَاع اِبْن الْقَاسِم قُلْت : فَعَلَى الْأَوَّل وَهُوَ قَوْل أَكْثَر الْعُلَمَاء - فَالزَّكَاة فِي الْكِتَاب مُجْمَلَة بَيَّنَهَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَوَى الْأَئِمَّة عَنْ أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيّ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ( لَيْسَ فِي حَبّ وَلَا تَمْر صَدَقَة حَتَّى تَبْلُغ خَمْسَة أَوْسُق وَلَا فِيمَا دُون خَمْس ذَوْد صَدَقَة وَلَا فِيمَا دُون خَمْس أَوَاقٍ صَدَقَة ) وَقَالَ الْبُخَارِيّ ( خَمْس أَوَاقٍ مِنْ الْوَرِق ) وَرَوَى الْبُخَارِيّ عَنْ اِبْن عُمَر عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ( فِيمَا سَقَتْ السَّمَاء وَالْعُيُون أَوْ كَانَ عَثَرِيًّا الْعُشْر وَمَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ نِصْف الْعَشْر ) وَسَيَأْتِي بَيَان هَذَا الْبَاب فِي | الْأَنْعَام | إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى وَيَأْتِي فِي | بَرَاءَة | زَكَاة الْعَيْن وَالْمَاشِيَة وَبَيَان الْمَال الَّذِي لَا يُؤْخَذ مِنْهُ زَكَاة عِنْد قَوْله تَعَالَى | خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَة | [ التَّوْبَة : 103 ] وَأَمَّا زَكَاة الْفِطْر فَلَيْسَ لَهَا فِي الْكِتَاب نَصٌّ عَلَيْهَا إِلَّا مَا تَأَوَّلَهُ مَالِك هُنَا , وَقَوْله تَعَالَى | قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اِسْم رَبّه فَصَلَّى | [ الْأَعْلَى : 15 ] وَالْمُفَسِّرُونَ يَذْكُرُونَ الْكَلَام عَلَيْهَا فِي سُورَة | الْأَعْلَى | , وَرَأَيْت الْكَلَام عَلَيْهَا فِي هَذِهِ السُّورَة عِنْد كَلَامنَا عَلَى آيِ الصِّيَام لِأَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَضَ زَكَاة الْفِطْر فِي رَمَضَان الْحَدِيث وَسَيَأْتِي فَأَضَافَهَا إِلَى رَمَضَان|وَارْكَعُوا|الرُّكُوع فِي اللُّغَة الِانْحِنَاء بِالشَّخْصِ وَكُلّ مُنْحَنٍ رَاكِع قَالَ لَبِيد
أُخَبِّر أَخْبَار الْقُرُون الَّتِي مَضَتْ .......... أَدِبّ كَأَنِّي كُلَّمَا قُمْت رَاكِع
وَقَالَ اِبْن دُرَيْد : الرَّكْعَة الْهُوَّة فِي الْأَرْض لُغَة يَمَانِيَّة وَقِيلَ الِانْحِنَاء يَعُمّ الرُّكُوع وَالسُّجُود وَيُسْتَعَار أَيْضًا فِي الِانْحِطَاط فِي الْمَنْزِلَة قَالَ
وَلَا تُعَاد الضَّعِيف عَلَّك أَنْ .......... تَرْكَع يَوْمًا وَالدَّهْر قَدْ رَفَعَهْ
وَاخْتَلَفَ النَّاس فِي تَخْصِيص الرُّكُوع بِالذِّكْرِ فَقَالَ قَوْم جُعِلَ الرُّكُوع لِمَا كَانَ مِنْ أَرْكَان الصَّلَاة عِبَارَة عَنْ الصَّلَاة قُلْت : وَهَذَا لَيْسَ مُخْتَصًّا بِالرُّكُوعِ وَحْده فَقَدْ جَعَلَ الشَّرْع الْقِرَاءَة عِبَارَة عَنْ الصَّلَاة وَالسُّجُود عِبَارَة عَنْ الرَّكْعَة بِكَمَالِهَا فَقَالَ | وَقُرْآن الْفَجْر | أَيْ صَلَاة الْفَجْر وَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( مَنْ أَدْرَكَ سَجْدَة مِنْ الصَّلَاة فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاة ) وَأَهْل الْحِجَاز يُطْلِقُونَ عَلَى الرَّكْعَة سَجْدَة وَقِيلَ إِنَّمَا خَصَّ الرُّكُوع بِالذِّكْرِ لِأَنَّ بَنِي إِسْرَائِيل لَمْ يَكُنْ فِي صَلَاتهمْ رُكُوع وَقِيلَ : لِأَنَّهُ كَانَ أُثْقِلَ عَلَى الْقَوْم فِي الْجَاهِلِيَّة حَتَّى لَقَدْ قَالَ بَعْض مَنْ أَسْلَمَ أَظُنّهُ عِمْرَان بْن حُصَيْن لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَلَّا أَخِرّ إِلَّا قَائِمًا فَمِنْ تَأْوِيله عَلَى أَلَّا أَرْكَع فَلَمَّا تَمَكَّنَ الْإِسْلَام مِنْ قَلْبه اِطْمَأَنَّتْ بِذَلِكَ نَفْسه وَامْتَثَلَ مَا أُمِرَ بِهِ مِنْ الرُّكُوع الرُّكُوع الشَّرْعِيّ هُوَ أَنْ يَحْنِي الرَّجُل صُلْبه وَيَمُدّ ظَهْره وَعُنُقه وَيَفْتَح أَصَابِع يَدَيْهِ وَيَقْبِض عَلَى رُكْبَتَيْهِ ثُمَّ يَطْمَئِنّ رَاكِعًا يَقُول سُبْحَان رَبِّي الْعَظِيم ثَلَاثًا وَذَلِكَ أَدْنَاهُ ( رَوَى مُسْلِم عَنْ عَائِشَة قَالَتْ : ( كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَفْتِح الصَّلَاة بِالتَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَة بِالْحَمْدِ لِلَّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ وَكَانَ إِذَا رَكَعَ لَمْ يُشَخِّص رَأْسه وَلَمْ يُصَوِّبهُ وَلَكِنْ بَيْن ذَلِكَ ) وَرَوَى الْبُخَارِيّ عَنْ أَبِي حُمَيْد السَّاعِدِيّ قَالَ : رَأَيْت رَسُول اللَّه ( صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) إِذَا كَبَّرَ جَعَلَ يَدَيْهِ حَذْو مَنْكِبَيْهِ وَإِذَا رَكَعَ أَمْكَنَ يَدَيْهِ مِنْ رُكْبَتَيْهِ ثُمَّ هَصَرَ ظَهْره الْحَدِيث . الرُّكُوع فَرْض , قُرْآنًا وَسُنَّة , وَكَذَلِكَ السُّجُود لِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي آخِر الْحَجّ | اِرْكَعُوا وَاسْجُدُوا | [ الْحَجّ : 77 ] . وَزَادَتْ السُّنَّة الطُّمَأْنِينَة فِيهِمَا وَالْفَصْل بَيْنهمَا وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْل فِي ذَلِكَ وَبَيَّنَّا صِفَة الرُّكُوع آنِفًا وَأَمَّا السُّجُود فَقَدْ جَاءَ مُبَيَّنًا مِنْ حَدِيث أَبِي حُمَيْد السَّاعِدِيّ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ ( إِذَا سَجَدَ مَكَّنَ جَبْهَته وَأَنْفه مِنْ الْأَرْض وَنَحَّى يَدَيْهِ عَنْ جَنْبَيْهِ وَوَضَعَ كَفَّيْهِ حَذْو مَنْكِبَيْهِ . ) خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ : حَدِيث حَسَن صَحِيح . وَرَوَى مُسْلِم عَنْ أَنَس قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( اِعْتَدِلُوا فِي السُّجُود وَلَا يَبْسُط أَحَدكُمْ ذِرَاعَيْهِ اِنْبِسَاط الْكَلْب ) . وَعَنْ الْبَرَاء قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( إِذَا سَجَدْت فَضَعْ كَفَّيْك وَارْفَعْ مَرْفِقَيْك ) . وَعَنْ مَيْمُونَة زَوْج النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ : كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا سَجَدَ خَوَّى بِيَدَيْهِ - يَعْنِي جَنَّحَ حَتَّى يُرَى وَضَح إِبْطَيْهِ مِنْ وَرَائِهِ - وَإِذَا قَعَدَ اِطْمَأَنَّ عَلَى فَخِذه الْيُسْرَى . وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِيمَنْ وَضَعَ جَبْهَته فِي السُّجُود دُون أَنْفه أَوْ أَنْفه دُون جَبْهَته , فَقَالَ مَالِك : يَسْجُد عَلَى جَبْهَته وَأَنْفه , وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيّ وَأَحْمَد , وَهُوَ قَوْل النَّخَعِيّ . قَالَ أَحْمَد : لَا يُجْزِئهُ السُّجُود عَلَى أَحَدهمَا دُون الْآخَر , وَبِهِ قَالَ أَبُو خَيْثَمَة وَابْن أَبِي شَيْبَة . قَالَ إِسْحَاق : إِنْ سَجَدَ عَلَى أَحَدهمَا دُون الْآخَر فَصَلَاته فَاسِدَة . وَقَالَ الْأَوْزَاعِيّ وَسَعِيد بْن عَبْد الْعَزِيز , وَرُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس وَسَعِيد بْن جُبَيْر وَعِكْرِمَة وَعَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي لَيْلَى كُلّهمْ أَمَرَ بِالسُّجُودِ عَلَى الْأَنْف . وَقَالَتْ طَائِفَة : يُجْزِئ أَنْ يَسْجُد عَلَى جَبْهَته دُون أَنْفه , هَذَا قَوْل عَطَاء وَطَاوُس وَعِكْرِمَة وَابْن سِيرِينَ وَالْحَسَن الْبَصْرِيّ , وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيّ وَأَبُو ثَوْر وَيَعْقُوب وَمُحَمَّد . قَالَ اِبْن الْمُنْذِر : وَقَالَ قَائِل : إِنْ وَضَعَ جَبْهَته وَلَمْ يَضَع أَنْفه أَوْ وَضَعَ أَنْفه وَلَمْ يَضَع جَبْهَته فَقَدْ أَسَاءَ وَصَلَاته تَامَّة , هَذَا قَوْل النُّعْمَان . قَالَ اِبْن الْمُنْذِر : وَلَا أَعْلَم أَحَدًا سَبَقَهُ إِلَى هَذَا الْقَوْل وَلَا تَابَعَهُ عَلَيْهِ . قُلْت : الصَّحِيح فِي السُّجُود وَضْع الْجَبْهَة وَالْأَنْف , لِحَدِيثِ أَبِي حُمَيْد , وَقَدْ تَقَدَّمَ . وَرَوَى الْبُخَارِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أُمِرْت أَنْ أَسْجُد عَلَى سَبْعَة أَعْظُم عَلَى الْجَبْهَة - وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى أَنْفه - وَالْيَدَيْنِ وَالرُّكْبَتَيْنِ وَأَطْرَاف الْقَدَمَيْنِ وَلَا نَكْفِت الثِّيَاب وَالشَّعْر ) . وَهَذَا كُلّه بَيَان لِمُجْمَلِ الصَّلَاة فَتَعَيَّنَ الْقَوْل بِهِ وَاَللَّه أَعْلَم وَرُوِيَ عَنْ مَالِك أَنَّهُ يُجْزِيه أَنْ يَسْجُد عَلَى جَبْهَته دُون أَنْفه , كَقَوْلِ عَطَاء وَالشَّافِعِيّ وَالْمُخْتَار عِنْدنَا قَوْله الْأَوَّل وَلَا يُجْزِئ عِنْد مَالِك إِذَا لَمْ يَسْجُد عَلَى جَبْهَته . وَيُكْرَه السُّجُود عَلَى كَوْر الْعِمَامَة , وَإِنْ كَانَ طَاقَة أَوْ طَاقَتَيْنِ مِثْل الثِّيَاب الَّتِي تَسْتُر الرُّكَب وَالْقَدَمَيْنِ فَلَا بَأْس , وَالْأَفْضَل مُبَاشَرَة الْأَرْض أَوْ مَا يُسْجَد عَلَيْهِ فَإِنْ كَانَ هُنَاكَ مَا يُؤْذِيه أَزَالَهُ قَبْل دُخُوله فِي الصَّلَاة , فَإِنْ لَمْ يَفْعَل فَلْيَمْسَحْهُ مَسْحَة وَاحِدَة . وَرَوَى مُسْلِم عَنْ مُعَيْقِيب أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي الرَّجُل يُسَوِّي التُّرَاب حَيْثُ يَسْجُد قَالَ ( إِنْ كُنْت فَاعِلًا فَوَاحِدَة ) وَرُوِيَ عَنْ أَنَس بْن مَالِك قَالَ : ( كُنَّا نُصَلِّي مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي شِدَّة الْحَرّ فَإِذَا لَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدنَا أَنْ يُمَكِّن جَبْهَته مِنْ الْأَرْض بَسَطَ ثَوْبه فَسَجَدَ عَلَيْهِ . ) لِمَا قَالَ تَعَالَى : | اِرْكَعُوا وَاسْجُدُوا | [ الْحَجّ : 77 ] قَالَ بَعْض عُلَمَائِنَا وَغَيْرهمْ يَكْفِي مِنْهَا مَا يُسَمَّى رُكُوعًا وَسُجُودًا , وَكَذَلِكَ مِنْ الْقِيَام وَلَمْ يَشْتَرِطُوا الطُّمَأْنِينَة فِي ذَلِكَ فَأَخَذُوا بِأَقَلّ الِاسْم فِي ذَلِكَ وَكَأَنَّهُمْ لَمْ يَسْمَعُوا الْأَحَادِيث الثَّابِتَة فِي إِلْغَاء الصَّلَاة قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : وَلَا يَجْزِي رُكُوع وَلَا سُجُود وَلَا وُقُوف بَعْد الرُّكُوع وَلَا جُلُوس بَيْن السَّجْدَتَيْنِ حَتَّى يَعْتَدِل رَاكِعًا وَوَاقِفًا وَسَاجِدًا وَجَالِسًا . وَهُوَ الصَّحِيح فِي الْأَثَر وَعَلَيْهِ جُمْهُور الْعُلَمَاء وَأَهْل النَّظَر وَهِيَ رِوَايَة اِبْن وَهْب وَأَبِي مُصْعَب عَنْ مَالِك . وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْر بْن الْعَرَبِيّ : وَقَدْ تَكَاثَرَتْ الرِّوَايَة عَنْ اِبْن الْقَاسِم وَغَيْره بِوُجُوبِ الْفَصْل وَسُقُوط الطُّمَأْنِينَة وَهُوَ وَهْم عَظِيم لِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَلَهَا وَأَمَرَ بِهَا وَعَلَّمَهَا . فَإِنْ كَانَ لِابْنِ الْقَاسِم عُذْر أَنْ كَانَ لَمْ يَطَّلِع عَلَيْهَا فَمَا لَكُمْ أَنْتُمْ وَقَدْ اِنْتَهَى الْعِلْم إِلَيْكُمْ وَقَامَتْ الْحُجَّة بِهِ عَلَيْكُمْ رَوَى النَّسَائِيّ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَعَلِيّ بْن عَبْد الْعَزِيز عَنْ رِفَاعَة بْن رَافِع قَالَ : كُنْت جَالِسًا عِنْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ جَاءَهُ رَجُل فَدَخَلَ الْمَسْجِد فَصَلَّى , فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاة جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَى الْقَوْم فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( اِرْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّك لَمْ تُصَلِّ ) وَجَعَلَ يُصَلِّي وَجَعَلْنَا نَرْمُق صَلَاته لَا نَدْرِي مَا يَعِيب مِنْهَا فَلَمَّا جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَى الْقَوْم فَقَالَ لَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( وَعَلَيْك اِرْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّك لَمْ تُصَلِّ ) قَالَ هَمَّام فَلَا نَدْرِي أَمَرَهُ بِذَلِكَ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا فَقَالَ لَهُ الرَّجُل مَا أَلَوْت فَلَا أَدْرِي مَا عِبْت عَلَيَّ مِنْ صَلَاتِي ؟ فَقَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( إِنَّهُ لَا تَتِمّ صَلَاة أَحَدكُمْ حَتَّى يُسْبِغ الْوُضُوء كَمَا أَمَرَهُ اللَّه فَيَغْسِل وَجْهه وَيَدَيْهِ إِلَى الْمَرْفِقَيْنِ وَيَمْسَح بِرَأْسِهِ وَرِجْلَيْهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ثُمَّ يُكَبِّر اللَّه تَعَالَى وَيُثْنِي عَلَيْهِ ثُمَّ يَقْرَأ أُمّ الْقُرْآن وَمَا أُذِنَ لَهُ فِيهِ وَتَيَسَّرَ ثُمَّ يُكَبِّر فَيَرْكَع فَيَضَع كَفَّيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ حَتَّى تَطْمَئِنّ مَفَاصِله وَيَسْتَرْخِي ثُمَّ يَقُول سَمِعَ اللَّه لِمَنْ حَمِدَهُ وَيَسْتَوِي قَائِمًا حَتَّى يُقِيم صُلْبه وَيَأْخُذ كُلّ عَظْم مَأْخُوذه ثُمَّ يُكَبِّر فَيَسْجُد فَيُمَكِّن وَجْهه قَالَ هَمَّام وَرُبَّمَا قَالَ جَبْهَته مِنْ الْأَرْض حَتَّى تَطْمَئِنّ مَفَاصِله وَيَسْتَرْخِي ثُمَّ يُكَبِّر فَيَسْتَوِي قَاعِدًا عَلَى مَقْعَده وَيُقِيم صُلْبه فَوَصَفَ الصَّلَاة هَكَذَا أَرْبَع رَكَعَات حَتَّى فَرَغَ ثُمَّ قَالَ لَا تَتِمّ صَلَاة أَحَدكُمْ حَتَّى يَفْعَل ذَلِكَ ) وَمِثْله حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة خَرَّجَهُ مُسْلِم وَقَدْ تَقَدَّمَ قُلْت : فَهَذَا بَيَان الصَّلَاة الْمُجْمَلَة فِي الْكِتَاب بِتَعْلِيمِ النَّبِيّ عَلَيْهِ السَّلَام وَتَبْلِيغه إِيَّاهَا جَمِيع الْأَنَام فَمَنْ لَمْ يَقِف عِنْد هَذَا الْبَيَان وَأَخَلَّ بِمَا فَرَضَ عَلَيْهِ الرَّحْمَن وَلَمْ يَمْتَثِل مَا بَلَغَهُ عَنْ نَبِيّه عَلَيْهِ السَّلَام كَانَ مِنْ جُمْلَة مِنْ دَخَلَ فِي قَوْله تَعَالَى | فَخَلَفَ مِنْ بَعْدهمْ خَلْف أَضَاعُوا الصَّلَاة وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَات | [ مَرْيَم : 59 ] عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانه هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى رَوَى الْبُخَارِيّ عَنْ زَيْد بْن وَهْب قَالَ رَأَى حُذَيْفَة رَجُلًا لَا يُتِمّ الرُّكُوع وَلَا السُّجُود فَقَالَ ( مَا صَلَّيْت وَلَوْ مُتّ لَمُتّ عَلَى غَيْر الْفِطْرَة الَّتِي فَطَرَ اللَّه عَلَيْهَا مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ )|مَعَ الرَّاكِعِينَ|| مَعَ | تَقْتَضِي الْمَعِيَّة وَالْجَمْعِيَّة وَلِهَذَا قَالَ جَمَاعَة مِنْ أَهْل التَّأْوِيل بِالْقُرْآنِ إِنَّ الْأَمْر بِالصَّلَاةِ أَوَّلًا لَمْ يَقْتَضِ شُهُود الْجَمَاعَة فَأَمَرَهُمْ بِقَوْلِهِ | مَعَ | شُهُود الْجَمَاعَة وَقَدْ اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي شُهُود الْجَمَاعَة عَلَى قَوْلَيْنِ فَاَلَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُور أَنَّ ذَلِكَ مِنْ السُّنَن الْمُؤَكَّدَة وَيَجِب عَلَى مَنْ أَدْمَنَ التَّخَلُّف عَنْهَا مِنْ غَيْر عُذْر الْعُقُوبَة وَقَدْ أَوْجَبَهَا بَعْض أَهْل الْعِلْم فَرْضًا عَلَى الْكِفَايَة قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ وَهَذَا قَوْل صَحِيح لِإِجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوز أَنْ يُجْتَمَع عَلَى تَعْطِيل الْمَسَاجِد كُلّهَا مِنْ الْجَمَاعَات فَإِذَا قَامَتْ الْجَمَاعَة فِي الْمَسْجِد فَصَلَاة الْمُنْفَرِد فِي بَيْته جَائِزَة لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَام ( صَلَاة الْجَمَاعَة أَفْضَل مِنْ صَلَاة الْفَرْد بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَة ) أَخْرَجَهُ مُسْلِم مِنْ حَدِيث اِبْن عُمَر وَرُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( صَلَاة الْجَمَاعَة أَفْضَل مِنْ صَلَاة أَحَدكُمْ وَحْده بِخَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا ) . وَقَالَ دَاوُد الصَّلَاة فِي الْجَمَاعَة فَرْض عَلَى كُلّ أَحَد فِي خَاصَّته كَالْجُمُعَةِ وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَام : ( لَا صَلَاة لِجَارِ الْمَسْجِد إِلَّا فِي الْمَسْجِد ) خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُد وَصَحَّحَهُ أَبُو مُحَمَّد عَبْد الْحَقّ , وَهُوَ قَوْل عَطَاء بْن أَبِي رَبَاح وَأَحْمَد بْن حَنْبَل وَأَبِي ثَوْر وَغَيْرهمْ . وَقَالَ الشَّافِعِيّ : لَا أُرَخِّص لِمَنْ قَدَرَ عَلَى الْجَمَاعَة فِي تَرْك إِتْيَانهَا إِلَّا مِنْ عُذْر حَكَاهُ اِبْن الْمُنْذِر وَرَوَى مُسْلِم عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ أَعْمَى فَقَالَ يَا رَسُول اللَّه إِنَّهُ لَيْسَ لِي قَائِد يَقُودنِي إِلَى الْمَسْجِد فَسَأَلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُرَخِّص لَهُ فَيُصَلِّي فِي بَيْته فَرَخَّصَ لَهُ فَلَمَّا وَلَّى دَعَاهُ فَقَالَ ( هَلْ تَسْمَع النِّدَاء بِالصَّلَاةِ ) قَالَ نَعَمْ قَالَ ( فَأَجِبْ ) وَقَالَ أَبُو دَاوُد فِي هَذَا الْحَدِيث ( لَا أَجِد لَك رُخْصَة ) . خَرَّجَهُ مِنْ حَدِيث اِبْن أُمّ مَكْتُوم وَذَكَرَ أَنَّهُ كَانَ هُوَ السَّائِل وَرُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( مَنْ سَمِعَ النِّدَاء فَلَمْ يَمْنَعهُ مِنْ إِتْيَانه عُذْر قَالُوا وَمَا الْعُذْر قَالَ خَوْف أَوْ مَرَض لَمْ تُقْبَل مِنْهُ الصَّلَاة الَّتِي صَلَّى ) قَالَ أَبُو مُحَمَّد عَبْد الْحَقّ : هَذَا يَرْوِيه مَغْرَاء الْعَبْدِيّ وَالصَّحِيح مَوْقُوف عَلَى اِبْن عَبَّاس ( مَنْ سَمِعَ النِّدَاء فَلَمْ يَأْتِ فَلَا صَلَاة لَهُ ) عَلَى أَنَّ قَاسِم بْن أَصْبَغ ذَكَرَهُ فِي كِتَابه فَقَالَ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل بْن إِسْحَاق الْقَاضِي قَالَ حَدَّثَنَا سُلَيْمَان بْن حَرْب حَدَّثَنَا شُعْبَة عَنْ حَبِيب بْن أَبِي ثَابِت عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ( مَنْ سَمِعَ النِّدَاء فَلَمْ يُجِبْ فَلَا صَلَاة لَهُ إِلَّا مِنْ عُذْر ) وَحَسْبك بِهَذَا الْإِسْنَاد صِحَّة وَمَغْرَاء الْعَبْدِيّ رَوَى عَنْهُ أَبُو إِسْحَاق وَقَالَ اِبْن مَسْعُود وَلَقَدْ رَأَيْتنَا وَمَا يَتَخَلَّف عَنْهَا إِلَّا مُنَافِق مَعْلُوم النِّفَاق وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام ( بَيْننَا وَبَيْن الْمُنَافِقِينَ شُهُود الْعَتَمَة وَالصُّبْح لَا يَسْتَطِيعُونَهُمَا ) قَالَ اِبْن الْمُنْذِر وَلَقَدْ رُوِّينَا عَنْ غَيْر وَاحِد مِنْ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُمْ قَالُوا ( مَنْ سَمِعَ النِّدَاء فَلَمْ يُجِبْ مِنْ غَيْر عُذْر فَلَا صَلَاة لَهُ ) مِنْهُمْ اِبْن مَسْعُود وَأَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ وَرَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( لَقَدْ هَمَمْت أَنْ آمُر فِتْيَتِي فَيَجْمَعُوا حُزَمًا مِنْ حَطَب ثُمَّ آتِي قَوْمًا يُصَلُّونَ فِي بُيُوتهمْ لَيْسَتْ لَهُمْ عِلَّة فَأُحْرِقهَا عَلَيْهِمْ ) هَذَا مَا اِحْتَجَّ بِهِ مَنْ أَوْجَبَ الصَّلَاة فِي الْجَمَاعَة فَرْضًا وَهِيَ ظَاهِرَة فِي الْوُجُوب وَحَمَلَهَا الْجُمْهُور عَلَى تَأْكِيد أَمْر شُهُود الصَّلَوَات فِي الْجَمَاعَة بِدَلِيلِ حَدِيث اِبْن عُمَر وَأَبِي هُرَيْرَة وَحَمَلُوا قَوْل الصَّحَابَة وَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيث مِنْ أَنَّهُ ( لَا صَلَاة لَهُ ) عَلَى الْكَمَال وَالْفَضْل وَكَذَلِكَ قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام لِابْنِ أُمّ مَكْتُوم ( فَأَجِبْ ) عَلَى النَّدْب وَقَوْله عَلَيْهِ السَّلَام ( لَقَدْ هَمَمْت ) لَا يَدُلّ عَلَى الْوُجُوب الْحَتْم لِأَنَّهُ هَمَّ وَلَمْ يَفْعَل وَإِنَّمَا مَخْرَجه مَخْرَج التَّهْدِيد وَالْوَعِيد لِلْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ كَانُوا يَتَخَلَّفُونَ عَنْ الْجَمَاعَة وَالْجُمُعَة يُبَيِّن هَذَا الْمَعْنَى مَا رَوَاهُ مُسْلِم عَنْ عَبْد اللَّه قَالَ ( مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَلْقَى اللَّه غَدًا مُسْلِمًا فَلْيُحَافِظْ عَلَى هَؤُلَاءِ الصَّلَوَات حَيْثُ يُنَادَى بِهِنَّ , فَإِنَّ اللَّه شَرَعَ لِنَبِيِّكُمْ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُنَن الْهُدَى , وَإِنَّهُنَّ مِنْ سُنَن الْهُدَى , وَلَوْ أَنَّكُمْ صَلَّيْتُمْ فِي بُيُوتكُمْ كَمَا يُصَلِّي هَذَا الْمُتَخَلِّف فِي بَيْته لَتَرَكْتُمْ سُنَّة نَبِيّكُمْ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَلَوْ تَرَكْتُمْ سُنَّة نَبِيّكُمْ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَضَلَلْتُمْ , وَمَا مِنْ رَجُل يَتَطَهَّر فَيُحْسِن الطُّهُور ثُمَّ يَعْمِد إِلَى مَسْجِد مِنْ هَذِهِ الْمَسَاجِد إِلَّا كَتَبَ اللَّه لَهُ بِكُلِّ خُطْوَة يَخْطُوهَا حَسَنَة وَيَرْفَعهُ بِهَا دَرَجَة وَيَحُطّ عَنْهُ بِهَا سَيِّئَة وَلَقَدْ رَأَيْتنَا وَمَا يَتَخَلَّف عَنْهَا إِلَّا مُنَافِق مَعْلُوم النِّفَاق وَلَقَدْ كَانَ الرَّجُل يُؤْتَى بِهِ يُهَادَى بَيْن الرَّجُلَيْنِ حَتَّى يُقَام فِي الصَّفّ ) . فَبَيَّنَ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ فِي حَدِيثه أَنَّ الِاجْتِمَاع سُنَّة مِنْ سُنَن الْهُدَى وَتَرْكه ضَلَال , وَلِهَذَا قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْفَضْل عِيَاض : اُخْتُلِفَ فِي التَّمَالُؤ عَلَى تَرْك ظَاهِر السُّنَن , هَلْ يُقَاتَل عَلَيْهَا أَوْ لَا , وَالصَّحِيح قِتَالهمْ ; لِأَنَّ فِي التَّمَالُؤ عَلَيْهَا إِمَاتَتهَا قُلْت : فَعَلَى هَذَا إِذَا أُقِيمَتْ السُّنَّة وَظَهَرَتْ جَازَتْ صَلَاة الْمُنْفَرِد وَصَحَّتْ رَوَى مُسْلِم عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( صَلَاة الرَّجُل فِي جَمَاعَة تَزِيد عَلَى صَلَاته فِي بَيْته وَصَلَاته فِي سُوقه بِضْعًا وَعِشْرِينَ دَرَجَة وَذَلِكَ أَنَّ أَحَدهمْ إِذَا تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوء ثُمَّ أَتَى الْمَسْجِد لَا يُنْهِزهُ إِلَّا الصَّلَاة لَا يُرِيد إِلَّا الصَّلَاة فَلَمْ يَخْطُ خُطْوَة إِلَّا رُفِعَ لَهُ بِهَا دَرَجَة وَحُطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَة حَتَّى يَدْخُل الْمَسْجِد فَإِذَا دَخَلَ الْمَسْجِد كَانَ فِي الصَّلَاة مَا كَانَتْ الصَّلَاة هِيَ تَحْبِسهُ وَالْمَلَائِكَة يُصَلُّونَ عَلَى أَحَدكُمْ مَا دَامَ فِي مَجْلِسه الَّذِي صَلَّى فِيهِ يَقُولُونَ اللَّهُمَّ اِرْحَمْهُ اللَّهُمَّ اِغْفِرْ لَهُ اللَّهُمَّ تُبْ عَلَيْهِ مَا لَمْ يُؤْذِ فِيهِ مَا لَمْ يُحْدِث فِيهِ ) . قِيلَ لِأَبِي هُرَيْرَة : مَا يُحْدِث ؟ قَالَ : يَفْسُو أَوْ يَضْرِط . وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي هَذَا الْفَضْل الْمُضَاف لِلْجَمَاعَةِ هَلْ لِأَجْلِ الْجَمَاعَة فَقَطْ حَيْثُ كَانَتْ أَوْ إِنَّمَا يَكُون ذَلِكَ الْفَضْل لِلْجَمَاعَةِ الَّتِي تَكُون فِي الْمَسْجِد لِمَا يُلَازِم ذَلِكَ مِنْ أَفْعَال تَخْتَصّ بِالْمَسَاجِدِ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيث قَوْلَانِ وَالْأَوَّل أَظْهَر لِأَنَّ الْجَمَاعَة هُوَ الْوَصْف الَّذِي عُلِّقَ عَلَيْهِ الْحُكْم وَاَللَّه أَعْلَم وَمَا كَانَ مِنْ إِكْثَار الْخُطَى إِلَى الْمَسَاجِد وَقَصْد الْإِتْيَان إِلَيْهَا وَالْمُكْث فِيهَا فَذَلِكَ زِيَادَة ثَوَاب خَارِج عَنْ فَضْل الْجَمَاعَة وَاَللَّه أَعْلَم وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا هَلْ تَفْضُل جَمَاعَةٌ جَمَاعَةً بِالْكَثْرَةِ وَفَضِيلَة الْإِمَام فَقَالَ مَالِك لَا وَقَالَ اِبْن حَبِيب نَعَمْ ; لِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ( صَلَاة الرَّجُل مَعَ الرَّجُل أَزْكَى مِنْ صَلَاته وَحْده وَصَلَاته مَعَ الرَّجُلَيْنِ أَزْكَى مِنْ صَلَاته مَعَ الرَّجُل وَمَا كَثُرَ فَهُوَ أَحَبّ إِلَى اللَّه ) رَوَاهُ أُبَيّ بْن كَعْب وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَفِي إِسْنَاده لِين وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فِيمَنْ صَلَّى فِي جَمَاعَة هَلْ يُعِيد صَلَاته تِلْكَ فِي جَمَاعَة أُخْرَى فَقَالَ مَالِك وَأَبُو حَنِيفَة وَالشَّافِعِيّ وَأَصْحَابهمْ إِنَّمَا يُعِيد الصَّلَاة فِي جَمَاعَة مَعَ الْإِمَام مَنْ صَلَّى وَحْده فِي بَيْته وَأَهْله أَوْ فِي غَيْر بَيْته وَأَمَّا مَنْ صَلَّى فِي جَمَاعَة وَإِنْ قُلْت فَإِنَّهُ لَا يُعِيد فِي جَمَاعَة أَكْثَر مِنْهَا وَلَا أَقَلّ وَقَالَ أَحْمَد بْن حَنْبَل وَإِسْحَاق بْن رَاهَوَيْهِ وَدَاوُد بْن عَلِيّ جَائِز لِمَنْ صَلَّى فِي جَمَاعَة وَوَجَدَ أُخْرَى فِي تِلْكَ الصَّلَاة أَنْ يُعِيدهَا مَعَهُمْ إِنْ شَاءَ لِأَنَّهَا نَافِلَة وَسُنَّة وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ حُذَيْفَة بْن الْيَمَان وَأَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ وَأَنَس بْن مَالِك وَصِلَة بْن زُفَر وَالشَّعْبِيّ وَالنَّخَعِيّ وَبِهِ قَالَ حَمَّاد بْن زَيْد وَسُلَيْمَان بْن حَرْب اِحْتَجَّ مَالِك بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( لَا تُصَلَّى صَلَاة فِي يَوْم مَرَّتَيْنِ ) وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُول لَا تُصَلُّوا رَوَاهُ سُلَيْمَان بْن يَسَار عَنْ اِبْن عُمَر وَاتَّفَقَ أَحْمَد وَإِسْحَاق عَلَى أَنَّ مَعْنَى هَذَا الْحَدِيث أَنْ يُصَلِّي الْإِنْسَان الْفَرِيضَة ثُمَّ يَقُوم فَيُصَلِّيهَا ثَانِيَة يَنْوِي بِهَا الْفَرْض مَرَّة أُخْرَى فَأَمَّا إِذَا صَلَّاهَا مَعَ الْإِمَام عَلَى أَنَّهَا سُنَّة أَوْ تَطَوُّع فَلَيْسَ بِإِعَادَةِ الصَّلَاة وَقَدْ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلَّذِينَ أَمَرَهُمْ بِإِعَادَةِ الصَّلَاة فِي جَمَاعَة ( إِنَّهَا لَكُمْ نَافِلَة ) مِنْ حَدِيث أَبِي ذَرّ وَغَيْره رَوَى مُسْلِم عَنْ أَبِي مَسْعُود عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( يَؤُمّ الْقَوْم أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّه فَإِنْ كَانُوا فِي الْقِرَاءَة سَوَاء فَأَعْلَمهُمْ بِالسُّنَّةِ فَإِنْ كَانُوا فِي السُّنَّة سَوَاء فَأَقْدَمهمْ هِجْرَة فَإِنْ كَانُوا فِي الْهِجْرَة سَوَاء فَأَقْدَمهمْ سِلْمًا وَلَا يَؤُمَّن الرَّجُل الرَّجُل فِي سُلْطَانه وَلَا يَقْعُد فِي بَيْته عَلَى تَكْرِمَته إِلَّا بِإِذْنِهِ ) وَفِي رِوَايَة ( سِنًّا ) مَكَان ( سِلْمًا ) وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَقَالَ قَالَ شُعْبَة فَقُلْت لِإِسْمَاعِيل مَا تَكْرِمَته قَالَ فِرَاشه وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث أَبِي مَسْعُود حَدِيث حَسَن صَحِيح وَالْعَمَل عَلَيْهِ عِنْد أَهْل الْعِلْم قَالُوا : أَحَقّ النَّاس بِالْإِمَامَةِ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّه وَأَعْلَمهُمْ بِالسُّنَّةِ وَقَالُوا صَاحِب الْمَنْزِل أَحَقّ بِالْإِمَامَةِ وَقَالَ بَعْضهمْ إِذَا أَذِنَ صَاحِب الْمَنْزِل لِغَيْرِهِ فَلَا بَأْس أَنْ يُصَلِّي بِهِ وَكَرِهَهُ بَعْضهمْ , وَقَالُوا السُّنَّة أَنْ يُصَلِّي صَاحِب الْبَيْت قَالَ اِبْن الْمُنْذِر رُوِّينَا عَنْ الْأَشْعَث بْن قَيْس أَنَّهُ قَدَّمَ غُلَامًا وَقَالَ إِنَّمَا أُقَدِّم الْقُرْآن وَمِمَّنْ قَالَ يَؤُمّ الْقَوْم أَقْرَؤُهُمْ اِبْن سِيرِينَ وَالثَّوْرِيّ وَإِسْحَاق وَأَصْحَاب الرَّأْي قَالَ اِبْن الْمُنْذِر بِهَذَا نَقُول لِأَنَّهُ مُوَافِق لِلسُّنَّةِ وَقَالَ مَالِك يَتَقَدَّم الْقَوْم أَعْلَمهُمْ إِذَا كَانَتْ حَاله حَسَنَة وَإِنَّ لِلسِّنِّ حَقًّا , وَقَالَ الْأَوْزَاعِيّ يَؤُمّهُمْ أَفْقَههمْ وَكَذَلِكَ قَالَ الشَّافِعِيّ وَأَبُو ثَوْر إِذَا كَانَ يَقْرَأ الْقُرْآن وَذَلِكَ لِأَنَّ الْفَقِيه أَعْرَف بِمَا يَنُوبهُ مِنْ الْحَوَادِث فِي الصَّلَاة وَتَأَوَّلُوا الْحَدِيث بِأَنَّ الْأَقْرَأ مِنْ الصَّحَابَة كَانَ الْأَفْقَه لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَتَفَقَّهُونَ فِي الْقُرْآن , وَقَدْ كَانَ مِنْ عُرْفهمْ الْغَالِب تَسْمِيَتهمْ الْفُقَهَاء بِالْقُرَّاءِ وَاسْتَدَلُّوا بِتَقْدِيمِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَرَضه الَّذِي مَاتَ فِيهِ أَبَا بَكْر لِفَضْلِهِ وَعِلْمه وَقَالَ إِسْحَاق إِنَّمَا قَدَّمَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيَدُلّ عَلَى أَنَّهُ خَلِيفَته بَعْده ذَكَرَهُ أَبُو عُمَر فِي التَّمْهِيد وَرَوَى أَبُو بَكْر الْبَزَّار بِإِسْنَادٍ حَسَن عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( إِذَا سَافَرْتُمْ فَلْيَؤُمَّكُمْ أَقْرَؤُكُمْ وَإِنْ كَانَ أَصْغَركُمْ وَإِذَا أَمَّكُمْ فَهُوَ أَمِيركُمْ ) قَالَ لَا نَعْلَمهُ يُرْوَى عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا مِنْ رِوَايَة أَبِي هُرَيْرَة بِهَذَا الْإِسْنَاد قُلْت : إِمَامَة الصَّغِير جَائِزَة إِذَا كَانَ قَارِئًا ثَبَتَ فِي صَحِيح الْبُخَارِيّ عَنْ عُمَر بْن سَلَمَة قَالَ كُنَّا بِمَاء مَمَرّ النَّاس وَكَانَ يَمُرّ بِنَا الرُّكْبَان فَنَسْأَلهُمْ مَا لِلنَّاسِ ؟ مَا هَذَا الرَّجُل ؟ فَيَقُولُونَ يَزْعُم أَنَّ اللَّه أَرْسَلَهُ أَوْحَى إِلَيْهِ كَذَا أَوْحَى إِلَيْهِ كَذَا فَكُنْت أَحْفَظ ذَلِكَ الْكَلَام فَكَأَنَّمَا يَقَرّ فِي صَدْرِي وَكَانَتْ الْعَرَب تَلُوم بِإِسْلَامِهَا فَيَقُولُونَ اُتْرُكُوهُ وَقَوْمه فَإِنَّهُ إِنْ ظَهَرَ عَلَيْهِمْ فَهُوَ نَبِيّ صَادِق فَلَمَّا كَانَتْ وَقْعَة الْفَتْح بَادَرَ كُلّ قَوْم بِإِسْلَامِهِمْ وَبَدَرَ أَبِي قَوْمِي بِإِسْلَامِهِمْ فَلَمَّا قَدِمَ قَالَ جِئْتُكُمْ وَاَللَّه مِنْ عِنْد نَبِيّ اللَّه حَقًّا , قَالَ : ( صَلُّوا صَلَاة كَذَا فِي حِين كَذَا فَإِذَا حَضَرَتْ الصَّلَاة فَلْيُؤَذِّنْ أَحَدكُمْ وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْثَركُمْ قُرْآنًا ) . فَنَظَرُوا فَلَمْ يَكُنْ أَحَد أَكْثَر مِنِّي قُرْآنًا لِمَا كُنْت أَتَلَقَّى مِنْ الرُّكْبَان فَقَدَّمُونِي بَيْن أَيْدِيهمْ وَأَنَا اِبْن سِتّ أَوْ سَبْع سِنِينَ وَكَانَتْ عَلَيَّ بُرْدَة إِذَا سَجَدْت تَقَلَّصَتْ عَنِّي فَقَالَتْ اِمْرَأَة مِنْ الْحَيّ أَلَا تُغَطُّونَ عَنَّا اِسْت قَارِئِكُمْ فَاشْتَرَوْا فَقَطَعُوا لِي قَمِيصًا فَمَا فَرِحْت بِشَيْءٍ فَرَحِي بِذَلِكَ الْقَمِيص وَمِمَّنْ أَجَازَ إِمَامَة الصَّبِيّ غَيْر الْبَالِغ الْحَسَن الْبَصْرِيّ وَإِسْحَاق بْن رَاهَوَيْهِ وَاخْتَارَهُ اِبْن الْمُنْذِر إِذَا عَقَلَ الصَّلَاة وَقَامَ بِهَا لِدُخُولِهِ فِي جُمْلَة قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( يَؤُمّ الْقَوْم أَقْرَؤُهُمْ ) وَلَمْ يَسْتَثْنِ وَلِحَدِيثِ عَمْرو بْن سَلَمَة وَقَالَ الشَّافِعِيّ فِي أَحَد قَوْلَيْهِ يَؤُمّ فِي سَائِر الصَّلَوَات وَلَا يَؤُمّ فِي الْجُمُعَة وَقَدْ كَانَ قَبْل يَقُول وَمَنْ أَجْزَأَتْ إِمَامَته فِي الْمَكْتُوبَة أَجْزَأَتْ إِمَامَته فِي الْأَعْيَاد غَيْر أَنِّي أَكْرَه فِيهَا إِمَامَة غَيْر الْوَالِي وَقَالَ الْأَوْزَاعِيّ : لَا يَؤُمّ الْغُلَام فِي الصَّلَاة الْمَكْتُوبَة حَتَّى يَحْتَلِم إِلَّا أَنْ يَكُون قَوْم لَيْسَ مَعَهُمْ مِنْ الْقُرْآن شَيْء فَإِنَّهُ يَؤُمّهُمْ الْغُلَام الْمُرَاهِق وَقَالَ الزُّهْرِيّ إِنْ اُضْطُرُّوا إِلَيْهِ أَمَّهُمْ وَمَنَعَ ذَلِكَ جُمْلَة مَالِك وَالثَّوْرِيّ وَأَصْحَاب الرَّأْي الِائْتِمَام بِكُلِّ إِمَام بَالِغ مُسْلِم حُرّ عَلَى اِسْتِقَامَة جَائِز مِنْ غَيْر خِلَاف إِذَا كَانَ يَعْلَم حُدُود الصَّلَاة وَلَمْ يَكُنْ يَلْحَن فِي أُمّ الْقُرْآن لَحْنًا يُخِلّ بِالْمَعْنَى مِثْل أَنْ يَكْسِر الْكَاف مِنْ | إِيَّاكَ نَعْبُد | [ الْفَاتِحَة : 5 ] وَيَضُمّ التَّاء فِي | أَنْعَمْت | وَمِنْهُمْ مَنْ رَاعَى تَفْرِيق الطَّاء مِنْ الضَّاد وَإِنْ لَمْ يُفَرِّق بَيْنهمَا لَا تَصِحّ إِمَامَته لِأَنَّ مَعْنَاهُمَا يَخْتَلِف وَمِنْهُمْ مَنْ رَخَّصَ فِي ذَلِكَ كُلّه إِذَا كَانَ جَاهِلًا بِالْقِرَاءَةِ وَأَمَّ مِثْله وَلَا يَجُوز الِائْتِمَام بِامْرَأَةٍ وَلَا خُنْثَى مُشْكِل وَلَا كَافِر وَلَا مَجْنُون وَلَا أُمِّيّ وَلَا يَكُون وَاحِد مِنْ هَؤُلَاءِ إِمَامًا بِحَالٍ مِنْ الْأَحْوَال عِنْد أَكْثَر الْعُلَمَاء عَلَى مَا يَأْتِي ذِكْره إِلَّا الْأُمِّيّ لِمِثْلِهِ قَالَ عُلَمَاؤُنَا : لَا تَصِحّ إِمَامَة الْأُمِّيّ الَّذِي لَا يُحْسِن الْقِرَاءَة مَعَ حُضُور الْقَارِئ لَهُ وَلَا لِغَيْرِهِ وَكَذَلِكَ قَالَ الشَّافِعِيّ فَإِنْ أَمَّ أُمِّيًّا مِثْله صَحَّتْ صَلَاتهمْ عِنْدنَا وَعِنْد الشَّافِعِيّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة إِذَا صَلَّى الْأُمِّيّ بِقَوْمٍ يَقْرَءُونَ وَبِقَوْمٍ أُمِّيِّينَ فَصَلَاتهمْ كُلّهمْ فَاسِدَة وَخَالَفَهُ أَبُو يُوسُف فَقَالَ صَلَاة الْإِمَام وَمَنْ لَا يَقْرَأ تَامَّة وَقَالَتْ فِرْقَة صَلَاتهمْ كُلّهمْ جَائِزَة لِأَنَّ كُلًّا مُؤَدٍّ فَرْضه وَذَلِكَ مِثْل الْمُتَيَمِّم يُصَلِّي بِالْمُتَطَهِّرِينَ بِالْمَاءِ وَالْمُصَلِّي قَاعِدًا يُصَلِّي بِقَوْمٍ قِيَام صَلَاتهمْ مُجْزِئَة فِي قَوْل مَنْ خَالَفَنَا لِأَنَّ كُلًّا مُؤَدٍّ فَرْض نَفْسه قُلْت : وَقَدْ يُحْتَجّ لِهَذَا الْقَوْل بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَام ( أَلَّا يَنْظُر الْمُصَلِّي إِذَا صَلَّى كَيْف يُصَلِّي فَإِنَّمَا يُصَلِّي لِنَفْسِهِ ) أَخْرَجَهُ مُسْلِم وَإِنَّ صَلَاة الْمَأْمُوم لَيْسَتْ مُرْتَبِطَة بِصَلَاةِ الْإِمَام وَاَللَّه أَعْلَم وَكَانَ عَطَاء بْن أَبِي رَبَاح يَقُول إِذَا كَانَتْ اِمْرَأَته تَقْرَأ كَبَّرَ هُوَ وَتَقْرَأ هِيَ فَإِذَا فَرَغَتْ مِنْ الْقِرَاءَة كَبَّرَ وَرَكَعَ وَسَجَدَ وَهِيَ خَلْفه تُصَلِّي وَرُوِيَ هَذَا الْمَعْنَى عَنْ قَتَادَة وَلَا بَأْس بِإِمَامَةِ الْأَعْمَى وَالْأَعْرَج وَالْأَشَلّ وَالْأَقْطَع وَالْخَصِيّ وَالْعَبْد إِذَا كَانَ كُلّ وَاحِد مِنْهُمْ عَالِمًا بِالصَّلَاةِ وَقَالَ اِبْن وَهْب لَا أَرَى أَنْ يَؤُمّ الْأَقْطَع وَالْأَشَلّ لِأَنَّهُ مُنْتَقِص عَنْ دَرَجَة الْكَمَال وَكَرِهْت إِمَامَته لِأَجْلِ النَّقْص وَخَالَفَهُ جُمْهُور أَصْحَابه وَهُوَ الصَّحِيح لِأَنَّهُ عُضْو لَا يَمْنَع فَقْده فَرْضًا مِنْ فُرُوض الصَّلَاة فَجَازَتْ الْإِمَامَة الرَّاتِبَة مَعَ فَقْده كَالْعَيْنِ وَقَدْ رَوَى أَنَس ( أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِسْتَخْلَفَ اِبْن أُمّ مَكْتُوم يَؤُمّ النَّاس وَهُوَ أَعْمَى , ) وَكَذَا الْأَعْرَج وَالْأَقْطَع وَالْأَشَلّ وَالْخَصِيّ قِيَاسًا وَنَظَرًا وَاَللَّه أَعْلَم وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَنَس بْن مَالِك أَنَّهُ قَالَ فِي الْأَعْمَى : ( وَمَا حَاجَتهمْ إِلَيْهِ وَكَانَ اِبْن عَبَّاس وَعِتْبَان بْن مَالِك يَؤُمَّانِ وَكِلَاهُمَا أَعْمَى , ) وَعَلَيْهِ عَامَّة الْعُلَمَاء وَاخْتَلَفُوا فِي إِمَامَة وَلَد الزِّنَى فَقَالَ مَالِك أَكْرَه أَنْ يَكُون إِمَامًا رَاتِبًا وَكَرِهَ ذَلِكَ عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز وَكَانَ عَطَاء بْن أَبِي رَبَاح يَقُول لَهُ أَنْ يَؤُمّ إِذَا كَانَ مَرْضِيًّا , وَهُوَ قَوْل الْحَسَن الْبَصْرِيّ وَالزُّهْرِيّ وَالنَّخَعِيّ وَسُفْيَان الثَّوْرِيّ وَالْأَوْزَاعِيّ وَأَحْمَد وَإِسْحَاق وَتُجْزِئ الصَّلَاة خَلْفه عِنْد أَصْحَاب الرَّأْي وَغَيْره أَحَبّ إِلَيْهِمْ وَقَالَ الشَّافِعِيّ : أَكْرَه أَنْ يُنَصَّب إِمَامًا رَاتِبًا مَنْ لَا يُعْرَف أَبُوهُ وَمَنْ صَلَّى خَلْفه أَجْزَأَهُ وَقَالَ عِيسَى بْن دِينَار لَا أَقُول بِقَوْلِ مَالِك فِي إِمَامَة وَلَد الزِّنَى وَلَيْسَ عَلَيْهِ مِنْ ذَنْب أَبَوَيْهِ شَيْء وَنَحْوه قَالَ اِبْن عَبْد الْحَكَم إِذَا كَانَ فِي نَفْسه أَهْلًا لِلْإِمَامَةِ قَالَ اِبْن الْمُنْذِر يَؤُمّ لِدُخُولِهِ فِي جُمْلَة قَوْل رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( يَؤُمّ الْقَوْم أَقْرَؤُهُمْ ) وَقَالَ أَبُو عُمَر لَيْسَ فِي شَيْء مِنْ الْآثَار الْوَارِدَة فِي شَرْط الْإِمَامَة مَا يَدُلّ عَلَى مُرَاعَاة نَسَب وَإِنَّمَا فِيهَا الدَّلَالَة عَلَى الْفِقْه وَالْقِرَاءَة وَالصَّلَاح فِي الدِّين وَأَمَّا الْعَبْد فَرَوَى الْبُخَارِيّ عَنْ اِبْن عُمَر قَالَ : ( لَمَّا قَدِمَ الْمُهَاجِرُونَ الْأَوَّلُونَ الْعَصَبَة مَوْضِع بِقُبَاء قَبْل مَقْدِم النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَؤُمّهُمْ سَالِم مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَة وَكَانَ أَكْثَرهمْ قُرْآنًا . ) وَعَنْهُ قَالَ : ( كَانَ سَالِم مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَة يَؤُمّ الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ وَأَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَسْجِد قُبَاء فِيهِمْ أَبُو بَكْر وَعُمْر وَزَيْد وَعَامِر بْن رَبِيعَة وَكَانَتْ عَائِشَة يَؤُمّهَا عَبْدهَا ذَكْوَان مِنْ الْمُصْحَف . ) قَالَ اِبْن الْمُنْذِر وَأَمَّ أَبُو سَعِيد مَوْلَى أَبِي أُسَيْد , وَهُوَ عَبْد نَفَرًا مِنْ أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهُمْ حُذَيْفَة وَأَبُو مَسْعُود وَرَخَّصَ فِي إِمَامَة الْعَبْد النَّخَعِيّ وَالشَّعْبِيّ وَالْحَسَن الْبَصْرِيّ وَالْحَكَم وَالثَّوْرِيّ وَالشَّافِعِيّ وَأَحْمَد وَإِسْحَاق وَأَصْحَاب الرَّأْي وَكَرِهَ ذَلِكَ أَبُو مِجْلَز وَقَالَ مَالِك لَا يَؤُمّهُمْ إِلَّا أَنْ يَكُون الْعَبْد قَارِئًا وَمَنْ مَعَهُ مِنْ الْأَحْرَار لَا يَقْرَءُونَ إِلَّا أَنْ يَكُون فِي عِيد أَوْ جُمُعَة فَإِنَّ الْعَبْد لَا يَؤُمّهُمْ فِيهَا وَيُجْزِئ عِنْد الْأَوْزَاعِيّ إِنْ صَلَّوْا وَرَاءَهُ قَالَ اِبْن الْمُنْذِر الْعَبْد دَاخِل فِي جُمْلَة قَوْل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَؤُمّ الْقَوْم أَقْرَؤُهُمْ وَأَمَّا الْمَرْأَة فَرَوَى الْبُخَارِيّ عَنْ أَبِي بَكْرَة قَالَ : لَمَّا بَلَغَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ أَهْل فَارِس قَدْ مَلَّكُوا بِنْت كِسْرَى قَالَ ( لَنْ يُفْلِح قَوْم وَلَّوْا أَمْرهمْ اِمْرَأَة ) وَذَكَرَ أَبُو دَاوُد عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن خَلَّاد عَنْ أُمّ وَرَقَة بِنْت عَبْد اللَّه قَالَ : ( وَكَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَزُورهَا فِي بَيْتهَا قَالَ وَجَعَلَ لَهَا مُؤَذِّنًا يُؤَذِّن لَهَا وَأَمَرَهَا أَنْ تَؤُمّ أَهْل دَارهَا ) قَالَ عَبْد الرَّحْمَن ( فَأَنَا رَأَيْت مُؤَذِّنهَا شَيْخًا كَبِيرًا ) قَالَ اِبْن الْمُنْذِر وَالشَّافِعِيّ يُوجِب الْإِعَادَة عَلَى مَنْ صَلَّى مِنْ الرِّجَال خَلْف الْمَرْأَة وَقَالَ أَبُو ثَوْر لَا إِعَادَة عَلَيْهِمْ وَهَذَا قِيَاس قَوْل الْمُزَنِيّ قُلْت : وَقَالَ عُلَمَاؤُنَا لَا تَصِحّ إِمَامَتهَا لِلرِّجَالِ وَلَا لِلنِّسَاءِ وَرَوَى اِبْن أَيْمَن جَوَاز إِمَامَتهَا لِلنِّسَاءِ . وَأَمَّا الْخُنْثَى الْمُشْكِل فَقَالَ الشَّافِعِيّ : لَا يَؤُمّ الرِّجَال وَيَؤُمّ النِّسَاء . وَقَالَ مَالِك : لَا يَكُون إِمَامًا بِحَالٍ , وَهُوَ قَوْل أَكْثَر الْفُقَهَاء . الْكَافِر الْمُخَالِف لِلشَّرْعِ كَالْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيّ يَؤُمّ الْمُسْلِمِينَ وَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ بِكُفْرِهِ . وَكَانَ الشَّافِعِيّ وَأَحْمَد يَقُولَانِ لَا يُجْزِئهُمْ وَيُعِيدُونَ وَقَالَهُ مَالِك وَأَصْحَابه لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْل الْقُرْبَة . وَقَالَ الْأَوْزَاعِيّ : يُعَاقِب . وَقَالَ أَبُو ثَوْر وَالْمُزَنِيّ لَا إِعَادَة عَلَى مَنْ صَلَّى خَلْفه وَلَا يَكُون بِصَلَاتِهِ مُسْلِمًا عِنْد الشَّافِعِيّ وَأَبِي ثَوْر . وَقَالَ أَحْمَد : يُجْبَر عَلَى الْإِسْلَام وَأَمَّا أَهْل الْبِدَع مِنْ أَهْل الْأَهْوَاء كَالْمُعْتَزِلَةِ وَالْجَهْمِيَّة وَغَيْرهمَا فَذَكَرَ الْبُخَارِيّ عَنْ الْحَسَن صَلِّ وَعَلَيْهِ بِدْعَته وَقَالَ أَحْمَد لَا يُصَلَّى خَلْف أَحَد مِنْ أَهْل الْأَهْوَاء إِذَا كَانَ دَاعِيَة إِلَى هَوَاهُ وَقَالَ مَالِك وَيُصَلَّى خَلْف أَئِمَّة الْجَوْر وَلَا يُصَلَّى خَلْف أَهْل الْبِدَع مِنْ الْقَدَرِيَّة وَغَيْرهمْ وَقَالَ اِبْن الْمُنْذِر كُلّ مَنْ أَخْرَجَتْهُ بِدْعَته إِلَى الْكُفْر لَمْ تَجُزْ الصَّلَاة خَلْفه وَمَنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَالصَّلَاة خَلْفه جَائِزَة وَلَا يَجُوز تَقْدِيم مَنْ هَذِهِ صِفَته وَأَمَّا الْفَاسِق بِجَوَارِحِهِ كَالزَّانِي وَشَارِب الْخَمْر وَنَحْو ذَلِكَ فَاخْتَلَفَ الْمَذْهَب فِيهِ فَقَالَ اِبْن حَبِيب مَنْ صَلَّى وَرَاء مَنْ شَرِبَ الْخَمْر فَإِنَّهُ يُعِيد أَبَدًا إِلَّا أَنْ يَكُون الْوَالِي الَّذِي تُؤَدَّى إِلَيْهِ الطَّاعَة فَلَا إِعَادَة عَلَى مَنْ صَلَّى خَلْفه إِلَّا أَنْ يَكُون حِينَئِذٍ سَكْرَان قَالَ مَنْ لَقِيت مِنْ أَصْحَاب مَالِك , وَرُوِيَ مِنْ حَدِيث جَابِر بْن عَبْد اللَّه أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ عَلَى الْمِنْبَر ( لَا تَؤُمَّن اِمْرَأَة رَجُلًا وَلَا يَؤُمَّن أَعْرَابِيّ

هَذَا اِسْتِفْهَام التَّوْبِيخ , وَالْمُرَاد فِي قَوْل أَهْل التَّأْوِيل عُلَمَاء الْيَهُود . قَالَ اِبْن عَبَّاس ( كَانَ يَهُود الْمَدِينَة يَقُول الرَّجُل مِنْهُمْ لِصِهْرِهِ وَلِذِي قَرَابَته وَلِمَنْ بَيْنه وَبَيْنه رَضَاع مِنْ الْمُسْلِمِينَ اُثْبُتْ عَلَى الَّذِي أَنْتَ عَلَيْهِ , وَمَا يَأْمُرك بِهِ هَذَا الرَّجُل يُرِيدُونَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّ أَمْره حَقّ فَكَانُوا يَأْمُرُونَ النَّاس بِذَلِكَ , وَلَا يَفْعَلُونَهُ ) وَعَنْ اِبْن عَبَّاس أَيْضًا ( كَانَ الْأَحْبَار يَأْمُرُونَ مُقَلِّدِيهِمْ وَأَتْبَاعهمْ بِاتِّبَاعِ التَّوْرَاة , وَكَانُوا يُخَالِفُونَهَا فِي جَحْدِهِمْ صِفَة مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) وَقَالَ اِبْن جُرَيْج كَانَ الْأَحْبَار يَحُضُّونَ عَلَى طَاعَة اللَّه , وَكَانُوا هُمْ يُوَاقِعُونَ الْمَعَاصِي , وَقَالَتْ فِرْقَة كَانُوا يَحُضُّونَ عَلَى الصَّدَقَة وَيَبْخَلُونَ , وَالْمَعْنَى مُتَقَارِب , وَقَالَ بَعْض أَهْل الْإِشَارَات الْمَعْنَى أَتُطَالِبُونَ النَّاس بِحَقَائِق الْمَعَانِي وَأَنْتُمْ تُخَالِفُونَ عَنْ ظَوَاهِر رُسُومهَا فِي شِدَّة عَذَاب مَنْ هَذِهِ صِفَته رَوَى حَمَّاد بْن سَلَمَة عَنْ عَلِيّ بْن زَيْد عَنْ أَنَس قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( لَيْلَة أُسْرِيَ بِي مَرَرْت عَلَى نَاس تُقْرَض شِفَاههمْ بِمَقَارِيض مِنْ نَار فَقُلْت يَا جِبْرِيل مَنْ هَؤُلَاءِ ؟ قَالَ هَؤُلَاءِ الْخُطَبَاء مِنْ أَهْل الدُّنْيَا يَأْمُرُونَ النَّاس بِالْبِرِّ وَيَنْسَوْنَ أَنْفُسهمْ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَاب أَفَلَا يَعْقِلُونَ ) وَرَوَى أَبُو أُمَامَة قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( إِنَّ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ النَّاس بِالْبِرِّ وَيَنْسَوْنَ أَنْفُسهمْ يَجُرُّونَ قَصَبهمْ فِي نَار جَهَنَّم فَيُقَال لَهُمْ مَنْ أَنْتُمْ ؟ فَيَقُولُونَ نَحْنُ الَّذِينَ كُنَّا نَأْمُر النَّاس بِالْخَيْرِ وَنَنْسَى أَنْفُسنَا ) قُلْت : وَهَذَا الْحَدِيث وَإِنْ كَانَ فِيهِ لِين ; لِأَنَّ فِي سَنَده الْخَصِيب بْن جَحْدَر كَانَ الْإِمَام أَحْمَد يَسْتَضْعِفهُ وَكَذَلِكَ اِبْن مَعِين يَرْوِيه عَنْ أَبِي غَالِب عَنْ أَبِي أُمَامَة صُدَيّ بْن عَجْلَان الْبَاهِلِيّ وَأَبُو غَالِب هُوَ فِيمَا حَكَى يَحْيَى بْن مَعِين حَزَوَّر الْقُرَشِيّ مَوْلَى خَالِد بْن عَبْد اللَّه بْن أُسَيْد وَقِيلَ مَوْلَى بَاهِلَة وَقِيلَ مَوْلَى عَبْد الرَّحْمَن الْحَضْرَمِيّ كَانَ يَخْتَلِف إِلَى الشَّام فِي تِجَارَته قَالَ يَحْيَى بْن مَعِين : هُوَ صَالِح الْحَدِيث فَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِم فِي صَحِيحه بِمَعْنَاهُ عَنْ أُسَامَة بْن زَيْد قَالَ سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول ( يُؤْتَى بِالرَّجُلِ يَوْم الْقِيَامَة فَيُلْقَى فِي النَّار فَتَنْدَلِق أَقْتَاب بَطْنه فَيَدُور بِهَا كَمَا يَدُور الْحِمَار بِالرَّحَى فَيَجْتَمِع إِلَيْهِ أَهْل النَّار فَيَقُولُونَ يَا فُلَان مَا لَك أَلَمْ تَكُنْ تَأْمُر بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَى عَنْ الْمُنْكَر فَيَقُول بَلَى قَدْ كُنْت آمُر بِالْمَعْرُوفِ , وَلَا آتِيه وَأَنْهَى عَنْ الْمُنْكَر وَآتِيه ) الْقُصْب ( بِضَمِّ الْقَاف ) الْمِعَى وَجَمْعه أَقْصَاب وَالْأَقْتَاب الْأَمْعَاء وَاحِدهَا قَتَب وَمَعْنَى | فَتَنْدَلِق | : فَتَخْرُج بِسُرْعَةٍ . وَرُوِّينَا | فَتَنْفَلِق | .|قُلْت : فَقَدْ دَلَّ الْحَدِيث الصَّحِيح وَأَلْفَاظ الْآيَة عَلَى أَنَّ عُقُوبَة مَنْ كَانَ عَالِمًا بِالْمَعْرُوفِ وَبِالْمُنْكَرِ وَبِوُجُوبِ الْقِيَام بِوَظِيفَةِ كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا أَشَدّ مِمَّنْ لَمْ يَعْلَمهُ وَإِنَّمَا ذَلِكَ لِأَنَّهُ كَالْمُسْتَهِينِ بِحُرُمَاتِ اللَّه تَعَالَى وَمُسْتَخِفّ بِأَحْكَامِهِ وَهُوَ مِمَّنْ لَا يَنْتَفِع بِعِلْمِهِ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( أَشَدّ النَّاس عَذَابًا يَوْم الْقِيَامَة عَالِم لَمْ يَنْفَعهُ اللَّه بِعِلْمِهِ أَخْرَجَهُ اِبْن مَاجَهْ فِي سُنَنه . اِعْلَمْ وَفَّقَك اللَّه تَعَالَى أَنَّ التَّوْبِيخ فِي الْآيَة بِسَبَبِ تَرْك فِعْل الْبِرّ لَا بِسَبَبِ الْأَمْر بِالْبِرِّ وَلِهَذَا ذَمَّ اللَّه تَعَالَى فِي كِتَابه قَوْمًا كَانُوا يَأْمُرُونَ بِأَعْمَالِ الْبِرّ وَلَا يَعْمَلُونَ بِهَا وَبَّخَهُمْ بِهِ تَوْبِيخًا يُتْلَى عَلَى طُول الدَّهْر إِلَى يَوْم الْقِيَامَة فَقَالَ | أَتَأْمُرُونَ النَّاس بِالْبِرِّ | الْآيَة وَقَالَ مَنْصُور الْفَقِيه فَأَحْسَن
إِنَّ قَوْمًا يَأْمُرُونَا .......... بِاَلَّذِي لَا يَفْعَلُونَا

لِمَجَانِين وَإِنْ هُمْ .......... لَمْ يَكُونُوا يَصْرَعُونَا
وَقَالَ أَبُو الْعَتَاهِيَة :
وَصَفْت التُّقَى حَتَّى كَأَنَّك ذُو تُقَى .......... وَرِيح الْخَطَايَا مِنْ ثِيَابك تَسْطَع
وَقَالَ أَبُو الْأَسْوَد الدُّوَلِيّ :
لَا تَنْهَ عَنْ خُلُق وَتَأْتِي مِثْله .......... عَار عَلَيْك إِذَا فَعَلْت عَظِيم

وَابْدَأْ بِنَفْسِك فَانْهَهَا عَنْ غَيّهَا .......... فَإِنْ اِنْتَهَتْ عَنْهُ فَأَنْتَ حَكِيم

فَهُنَاكَ يُقْبَل إِنْ وَعَظْت وَيُقْتَدَى .......... بِالْقَوْلِ مِنْك وَيَنْفَع التَّعْلِيم
وَقَالَ أَبُو عَمْرو بْن مَطَر : حَضَرْت مَجْلِس أَبِي عُثْمَان الْحِيرِيّ الزَّاهِد فَخَرَجَ وَقَعَدَ عَلَى مَوْضِعه الَّذِي كَانَ يَقْعُد عَلَيْهِ لِلتَّذْكِيرِ , فَسَكَتَ حَتَّى طَالَ سُكُوته , فَنَادَاهُ رَجُل كَانَ يُعْرَف بِأَبِي الْعَبَّاس : تَرَى أَنْ تَقُول فِي سُكُوتك شَيْئًا ؟ فَأَنْشَأَ يَقُول :
وَغَيْر تَقِي يَأْمُر النَّاس بِالتُّقَى .......... طَبِيب يُدَاوِي وَالطَّبِيب مَرِيض
قَالَ : فَارْتَفَعَتْ الْأَصْوَات بِالْبُكَاءِ وَالضَّجِيج . قَالَ إِبْرَاهِيم النَّخَعِيّ : إِنِّي لَأَكْرَه الْقَصَص لِثَلَاثِ آيَات , قَوْله تَعَالَى : | أَتَأْمُرُونَ النَّاس بِالْبِرِّ | [ الْبَقَرَة : 44 ] الْآيَة , وَقَوْله : | لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ | [ الصَّفّ : 2 ] , وَقَوْله : | وَمَا أُرِيد أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ | [ هُود : 88 ] . وَقَالَ سَلَم بْن عَمْرو :
مَا أَقْبَح التَّزْهِيد مِنْ وَاعِظ .......... يُزَهِّد النَّاس وَلَا يَزْهَد

لَوْ كَانَ فِي تَزْهِيده صَادِقًا .......... أَضْحَى وَأَمْسَى بَيْته الْمَسْجِد

إِنْ رَفَضَ الدُّنْيَا فَمَا بَاله .......... يَسْتَمْنِح النَّاس وَيَسْتَرْفِد

وَالرِّزْق مَقْسُوم عَلَى مَنْ تَرَى .......... يَنَالهُ الْأَبْيَض وَالْأَسْوَد
وَقَالَ الْحَسَن لِمُطَّرِفِ بْن عَبْد اللَّه : عِظْ أَصْحَابَكَ , فَقَالَ إِنِّي أَخَاف أَنْ أَقُول مَا لَا أَفْعَل , قَالَ : يَرْحَمك اللَّه , وَأَيّنَا يَفْعَل مَا يَقُول وَيَوَدّ الشَّيْطَان أَنَّهُ قَدْ ظَفِرَ بِهَذَا , فَلَمْ يَأْمُر أَحَد بِمَعْرُوفٍ وَلَمْ يَنْهَ عَنْ مُنْكَر . وَقَالَ مَالِك عَنْ رَبِيعَة بْن أَبِي عَبْد الرَّحْمَن سَمِعْت سَعِيد بْن جُبَيْر يَقُول : لَوْ كَانَ الْمَرْء لَا يَأْمُر بِالْمَعْرُوفِ وَلَا يَنْهَى عَنْ الْمُنْكَر حَتَّى لَا يَكُون فِيهِ شَيْء , مَا أَمَرَ أَحَد بِمَعْرُوفٍ , وَلَا نَهَى عَنْ مُنْكَر . قَالَ مَالِك : وَصَدَقَ , مَنْ ذَا الَّذِي لَيْسَ فِيهِ شَيْء . | بِالْبِرِّ | الْبِرّ هُنَا الطَّاعَة وَالْعَمَل الصَّالِح . وَالْبِرّ : الصِّدْق . وَالْبِرّ : وَلَد الثَّعْلَب . وَالْبِرّ : سُوق الْغَنَم , وَمِنْهُ قَوْلهمْ : | لَا يَعْرِف هِرًّا مِنْ بِرّ | أَيْ لَا يَعْرِف دُعَاء الْغَنَم مِنْ سُوقهَا . فَهُوَ مُشْتَرَك , وَقَالَ الشَّاعِر :
لَا هُمّ رَبّ إِنَّ بِكْرًا دُونَكَا .......... يَبَرّك النَّاس وَيَفْجُرُونَكَا
أَرَادَ بِقَوْلِهِ | يَبَرّك النَّاس | : أَيْ يُطِيعُونَك . وَيُقَال : إِنَّ الْبِرّ الْفُؤَاد فِي قَوْله :
أَكُون مَكَان الْبِرّ مِنْهُ وَدُونه .......... وَاجْعَلْ مَا لِي دُونه وَأُوَامِره
وَالْبُرّ ( بِضَمِّ الْبَاء ) مَعْرُوف , وَ ( بِفَتْحِهَا ) الْإِجْلَال وَالتَّعْظِيم , وَمِنْهُ وَلَد بِرّ وَبَارّ , أَيْ يُعَظِّم وَالِدَيْهِ وَيُكْرِمهُمَا .|وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ|أَيْ تَتْرُكُونَ . وَالنِّسْيَان ( بِكَسْرِ النُّون ) يَكُون بِمَعْنَى التَّرْك , وَهُوَ الْمُرَاد هُنَا , وَفِي قَوْله تَعَالَى : | نَسُوا اللَّه فَنَسِيَهُمْ | [ التَّوْبَة : 67 ] , وَقَوْله : | فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ | [ الْأَنْعَام : 44 ] , وَقَوْله : | وَلَا تَنْسَوْا الْفَضْل بَيْنكُمْ | [ الْبَقَرَة : 237 ] . وَيَكُون خِلَاف الذِّكْر وَالْحِفْظ , وَمِنْهُ الْحَدِيث : ( نَسِيَ آدَم فَنَسِيَتْ ذُرِّيَّته ) . وَسَيَأْتِي . يُقَال : رَجُل نِسْيَان ( بِفَتْحِ النُّون ) : كَثِير النِّسْيَان لِلشَّيْءِ . وَقَدْ نَسِيت الشَّيْء نِسْيَانًا , وَلَا تَقُلْ نَسَيَانًا ( بِالتَّحْرِيكِ ) ; لِأَنَّ النِّسْيَان إِنَّمَا هُوَ تَثْنِيَة نَسَا الْعِرْق . وَأَنْفُس : جَمَعَ نَفْس , جَمْع قِلَّة . وَالنَّفْس : الرُّوح , يُقَال : خَرَجَتْ نَفْسه , قَالَ أَبُو خِرَاش :
نَجَا سَالِم وَالنَّفْس مِنْهُ بِشَدْقِهِ .......... وَلَمْ يَنْجُ إِلَّا جَفْن سَيْف وَمِئْزَرًا
أَيْ بِجَفْنِ سَيْف وَمِئْزَر . وَمِنْ الدَّلِيل عَلَى أَنَّ النَّفْس الرُّوح قَوْله تَعَالَى : | اللَّه يَتَوَفَّى الْأَنْفُس حِينَ مَوْتِهَا | [ الزُّمَر : 42 ] يُرِيدُ الْأَرْوَاح فِي قَوْل جَمَاعَة مِنْ أَهْل التَّأْوِيل عَلَى مَا يَأْتِي , وَذَلِكَ بَيِّن فِي قَوْل بِلَال لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيث اِبْن شِهَاب أَخَذَ بِنَفْسِي يَا رَسُول اللَّه الَّذِي أَخَذَ بِنَفْسِك , وَقَوْله عَلَيْهِ السَّلَام فِي حَدِيث زَيْد بْن أَسْلَم ( إِنَّ اللَّه قَبَضَ أَرْوَاحَنَا وَلَوْ شَاءَ لَرَدَّهَا إِلَيْنَا فِي حِين غَيْر هَذَا ) رَوَاهُمَا مَالِك , وَهُوَ أَوْلَى مَا يُقَال بِهِ , وَالنَّفْس أَيْضًا الدَّم يُقَال سَالَتْ نَفْسه قَالَ الشَّاعِر
تَسِيل عَلَى حَدّ السُّيُوف نُفُوسنَا .......... وَلَيْسَتْ عَلَى غَيْر الظُّبَات تَسِيل
وَقَالَ إِبْرَاهِيم النَّخَعِيّ مَا لَيْسَ لَهُ نَفْس سَائِلَة فَإِنَّهُ لَا يَنْجُس الْمَاء إِذَا مَاتَ فِيهِ وَالنَّفْس أَيْضًا الْجَسَد قَالَ الشَّاعِر
نُبِّئْت أَنَّ بَنِي سُحَيْم أَدْخَلُوا .......... أَبْيَاتهمْ تَامُور نَفْس الْمُنْذِر
وَالتَّامُور أَيْضًا : الدَّم .|وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ|تَوْبِيخ عَظِيم لِمَنْ فَهِمَ . | وَتَتْلُونَ | : تَقْرَءُونَ | الْكِتَاب | التَّوْرَاة وَكَذَا مَنْ فَعَلَ فِعْلهمْ كَانَ مِثْلهمْ وَأَصْل التِّلَاوَة الِاتِّبَاع ; وَلِذَلِكَ اُسْتُعْمِلَ فِي الْقِرَاءَة ; لِأَنَّهُ يُتْبَع بَعْض الْكَلَام بِبَعْضٍ فِي حُرُوفه حَتَّى يَأْتِي عَلَى نَسَقِهِ يُقَال تَلَوْته إِذَا تَبِعْته تُلُوًّا وَتَلَوْت الْقُرْآن تِلَاوَة وَتَلَوْت الرَّجُل تُلُوًّا إِذَا خَذَلْته وَالتَّلِيَّة وَالتُّلَاوَة ( بِضَمِّ التَّاء ) الْبَقِيَّة يُقَال تَلِيَتْ لِي مِنْ حَقِّي تُلَاوَة وَتَلِيَة أَيْ بَقِيَتْ وَأَتْلَيْت أَبْقَيْت وَتَتَلَّيْت حَقِّي إِذَا تَتَبَّعْته حَتَّى تَسْتَوْفِيه قَالَ أَبُو زَيْد تَلَّى الرَّجُل إِذَا كَانَ بِآخِرِ رَمَق|أَفَلَا تَعْقِلُونَ|أَيْ أَفَلَا تَمْنَعُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ مُوَاقَعَة هَذِهِ الْحَال الْمُرْدِيَة لَكُمْ وَالْعَقْل الْمَنْع وَمِنْهُ عِقَال الْبَعِير ; لِأَنَّهُ يَمْنَع عَنْ الْحَرَكَة , وَمِنْهُ الْعَقْل لِلدِّيَةِ لِأَنَّهُ يَمْنَع وَلِيّ الْمَقْتُول عَنْ قَتْل الْجَانِي , وَمِنْهُ اِعْتِقَال الْبَطْن وَاللِّسَان , وَمِنْهُ يُقَال لِلْحِصْنِ مَعْقِل , وَالْعَقْل نَقِيض الْجَهْل , وَالْعَقْل ثَوْب أَحْمَر تَتَّخِذهُ نِسَاء الْعَرَب تُغَشِّي بِهِ الْهَوَادِج قَالَ عَلْقَمَة
عَقْلًا وَرَقْمًا تَكَاد الطَّيْر تَخْطَفهُ .......... كَأَنَّهُ مِنْ دَم الْأَجْوَاف مَدْمُوم
الْمَدْمُوم ( بِالدَّالِ الْمُهْمَلَة ) الْأَحْمَر وَهُوَ الْمُرَاد هُنَا وَالْمَدْمُوم الْمُمْتَلِئ شَحْمًا مِنْ الْبَعِير وَغَيْره وَيُقَال هُمَا ضَرْبَانِ مِنْ الْبُرُود قَالَ اِبْن فَارِس وَالْعَقْل مِنْ شِيَات الثِّيَاب مَا كَانَ نَقْشه طُولًا وَمَا كَانَ نَقْشه مُسْتَدِيرًا فَهُوَ الرَّقْم , وَقَالَ الزَّجَّاج : الْعَاقِل مَنْ عَمِلَ بِمَا أَوْجَبَ اللَّه عَلَيْهِ فَمَنْ لَمْ يَعْمَل فَهُوَ جَاهِل اِتَّفَقَ أَهْل الْحَقّ عَلَى أَنَّ الْعَقْل كَائِن مَوْجُود لَيْسَ بِقَدِيمٍ وَلَا مَعْدُوم ; لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مَعْدُومًا لَمَا اِخْتَصَّ بِالْأَنْصَافِ بِهِ بَعْض الذَّوَات دُون بَعْض وَإِذَا ثَبَتَ وُجُوده فَيَسْتَحِيل الْقَوْل بِقِدَمِهِ ; إِذْ الدَّلِيل قَدْ قَامَ عَلَى أَنْ لَا قَدِيم إِلَّا اللَّه تَعَالَى عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانه فِي هَذِهِ السُّورَة وَغَيْرهَا إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى , وَقَدْ صَارَتْ الْفَلَاسِفَة إِلَى أَنَّ الْعَقْل قَدِيم ثُمَّ مِنْهُمْ مَنْ صَارَ إِلَى أَنَّهُ جَوْهَر لَطِيف فِي الْبَدَن يَنْبَثّ شُعَاعه مِنْهُ بِمَنْزِلَةِ السِّرَاج فِي الْبَيْت يَفْصِل بِهِ بَيْن حَقَائِق الْمَعْلُومَات وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ إِنَّهُ جَوْهَر بَسِيط أَيْ غَيْر مُرَكَّب ثُمَّ اِخْتَلَفُوا فِي مَحَلّه فَقَالَتْ طَائِفَة مِنْهُمْ مَحَلّه الدِّمَاغ ; لِأَنَّ الدِّمَاغ مَحَلّ الْحِسّ وَقَالَتْ طَائِفَة أُخْرَى مَحَلّه الْقَلْب لِأَنَّ الْقَلْب مَعْدِن الْحَيَاة وَمَادَّة الْحَوَاسّ , وَهَذَا الْقَوْل فِي الْعَقْل بِأَنَّهُ جَوْهَر فَاسِد مِنْ حَيْثُ إِنَّ الْجَوَاهِر مُتَمَاثِلَة فَلَوْ كَانَ جَوْهَر عَقْلًا لَكَانَ كُلّ جَوْهَر عَقْلًا وَقِيلَ إِنَّ الْعَقْل هُوَ الْمُدْرِك لِلْأَشْيَاءِ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ مِنْ حَقَائِق الْمَعَانِي , وَهَذَا الْقَوْل وَإِنْ كَانَ أَقْرَب مِمَّا قَبْله فَيَبْعُد عَنْ الصَّوَاب مِنْ جِهَة أَنَّ الْإِدْرَاك مِنْ صِفَات الْحَيّ وَالْعَقْل عَرَض يَسْتَحِيل ذَلِكَ مِنْهُ كَمَا يَسْتَحِيل أَنْ يَكُون مُلْتَذًّا وَمُشْتَهِيًا , وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو الْحَسَن الْأَشْعَرِيّ وَالْأُسْتَاذ أَبُو إِسْحَاق الْإِسْفِرَايِينِيّ وَغَيْرهمَا مِنْ الْمُحَقِّقِينَ الْعَقْل هُوَ الْعِلْم بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يُقَال عَقَلْت وَمَا عَلِمْت أَوْ عَلِمْت وَمَا عَقَلْت وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْر : الْعَقْل عُلُوم ضَرُورِيَّة بِوُجُوبِ الْوَاجِبَات وَجَوَاز الْجَائِزَات وَاسْتِحَالَة الْمُسْتَحِيلَات وَهُوَ اِخْتِيَار أَبِي الْمَعَالِي فِي الْإِرْشَاد وَاخْتَارَ فِي الْبُرْهَان أَنَّهُ صِفَة يَتَأَتَّى بِهَا دَرْك الْعُلُوم وَاعْتَرَضَ عَلَى مَذْهَب الْقَاضِي وَاسْتَدَلَّ عَلَى فَسَاد مَذْهَبه وَحُكِيَ فِي الْبُرْهَان عَنْ الْمُحَاسِبِيّ أَنَّهُ قَالَ : الْعَقْل غَرِيزَة وَحَكَى الْأُسْتَاذ أَبُو بَكْر عَنْ الشَّافِعِيّ وَأَبِي عَبْد اللَّه بْن مُجَاهِد أَنَّهُمَا قَالَا الْعَقْل آلَة التَّمْيِيز وَحَكَى عَنْ أَبِي الْعَبَّاس الْقَلَانِسِيّ أَنَّهُ قَالَ الْعَقْل قُوَّة التَّمْيِيز وَحُكِيَ عَنْ الْمُحَاسِبِيّ أَنَّهُ قَالَ الْعَقْل أَنْوَار وَبَصَائِر ثُمَّ رَتَّبَ هَذِهِ الْأَقْوَال وَحَمَلَهَا عَلَى مَحَامِل فَقَالَ وَالْأَوْلَى أَلَّا يَصِحّ هَذَا النَّقْل عَنْ الشَّافِعِيّ وَلَا عَنْ اِبْن مُجَاهِد فَإِنَّ الْآلَة إِنَّمَا تُسْتَعْمَل فِي الْآلَة الْمُثْبَتَة وَاسْتِعْمَالهَا فِي الْأَعْرَاض مَجَاز وَكَذَلِكَ قَوْل مَنْ قَالَ إِنَّهُ قُوَّة فَإِنَّهُ لَا يُعْقَل مِنْ الْقُوَّة إِلَّا الْقُدْرَة وَالْقَلَانِسِيّ أَطْلَقَ مَا أَطْلَقَهُ تَوَسُّعًا فِي الْعِبَارَات وَكَذَلِكَ الْمُحَاسِبِيّ وَالْعَقْل لَيْسَ بِصُورَةٍ وَلَا نُور وَلَكِنْ تُسْتَفَاد بِهِ الْأَنْوَار وَالْبَصَائِر وَسَيَأْتِي فِي هَذِهِ السُّورَة بَيَان فَائِدَته فِي آيَة التَّوْحِيد إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى

الصَّبْر الْحَبْس فِي اللُّغَة وَقُتِلَ فُلَان صَبْرًا أَيْ أُمْسِكَ وَحُبِسَ حَتَّى أُتْلِفَ وَصَبَرْت نَفْسِي عَلَى الشَّيْء حَبَسْتهَا وَالْمَصْبُورَة الَّتِي نُهِيَ عَنْهَا فِي الْحَدِيث هِيَ الْمَحْبُوسَة عَلَى الْمَوْت وَهِيَ الْمُجَثَّمَة وَقَالَ عَنْتَرَة
فَصَبَرْت عَارِفَة لِذَلِكَ حُرَّة .......... تَرْسُو إِذَا نَفْس الْجَبَان تَطَلَّع
أَمَرَ تَعَالَى بِالصَّبْرِ عَلَى الطَّاعَة وَعَنْ الْمُخَالَفَة فِي كِتَابه فَقَالَ | وَاصْبِرُوا | يُقَال فُلَان صَابِر عَنْ الْمَعَاصِي وَإِذَا صَبَرَ عَنْ الْمَعَاصِي فَقَدْ صَبَرَ عَلَى الطَّاعَة هَذَا أَصَحّ مَا قِيلَ قَالَ النَّحَّاس وَلَا يُقَال لِمَنْ صَبَرَ عَلَى الْمُصِيبَة صَابِر إِنَّمَا يُقَال صَابِر عَلَى كَذَا فَإِذَا قُلْت صَابِر مُطْلَقًا فَهُوَ عَلَى مَا ذَكَرْنَا قَالَ اللَّه تَعَالَى | إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرهمْ بِغَيْرِ حِسَاب | [ الزُّمَر : 10 ] | وَالصَّلَاة | خَصَّ الصَّلَاة بِالذِّكْرِ مِنْ بَيْن سَائِر الْعِبَادَات تَنْوِيهًا بِذِكْرِهَا , وَكَانَ عَلَيْهِ السَّلَام إِذَا حَزَبَهُ أَمْر فَزَعَ إِلَى الصَّلَاة وَمِنْهُ مَا رُوِيَ أَنَّ عَبْد اللَّه بْن عَبَّاس نُعِيَ لَهُ أَخُوهُ قُثَم وَقِيلَ بِنْت لَهُ وَهُوَ فِي سَفَر فَاسْتَرْجَعَ وَقَالَ ( عَوْرَة سَتَرَهَا اللَّه , وَمَئُونَة كَفَاهَا اللَّه , وَأَجْر سَاقَهُ اللَّه . ثُمَّ تَنَحَّى عَنْ الطَّرِيق وَصَلَّى ثُمَّ اِنْصَرَفَ إِلَى رَاحِلَته وَهُوَ يَقْرَأ : | وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاة | ) فَالصَّلَاة عَلَى هَذَا التَّأْوِيل هِيَ الشَّرْعِيَّة وَقَالَ قَوْم : هِيَ الدُّعَاء عَلَى عُرْفهَا فِي اللُّغَة فَتَكُون الْآيَة عَلَى هَذَا التَّأْوِيل مُشْبِهَة لِقَوْلِهِ تَعَالَى | إِذَا لَقِيتُمْ فِئَة فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّه | [ الْأَنْفَال 45 ] لِأَنَّ الثَّبَات هُوَ الصَّبْر وَالذِّكْر هُوَ الدُّعَاء وَقَوْل ثَالِث قَالَ مُجَاهِد : الصَّبْر فِي هَذِهِ الْآيَة الصَّوْم , وَمِنْهُ قِيلَ لِرَمَضَان شَهْر الصَّبْر فَجَاءَ الصَّوْم وَالصَّلَاة عَلَى هَذَا الْقَوْل فِي الْآيَة مُتَنَاسِبًا فِي أَنَّ الصِّيَام يَمْنَع مِنْ الشَّهَوَات وَيُزَهِّد فِي الدُّنْيَا وَالصَّلَاة تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاء وَالْمُنْكَر وَتُخْشِع وَيُقْرَأ فِيهَا الْقُرْآن الَّذِي يَذْكُر الْآخِرَة , وَاَللَّه أَعْلَم . الصَّبْر عَلَى الْأَذَى وَالطَّاعَات مِنْ بَاب جِهَاد النَّفْس وَقَمْعهَا عَنْ شَهَوَاتهَا وَمَنْعهَا مِنْ تَطَاوُلهَا , وَهُوَ مِنْ أَخْلَاق الْأَنْبِيَاء وَالصَّالِحِينَ قَالَ يَحْيَى بْن الْيَمَان الصَّبْر أَلَّا تَتَمَنَّى حَالَة سِوَى مَا رَزَقَك اللَّه وَالرِّضَا بِمَا قَضَى اللَّه مِنْ أَمْر دُنْيَاك وَآخِرَتك وَقَالَ الشَّعْبِيّ قَالَ عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ الصَّبْر مِنْ الْإِيمَان بِمَنْزِلَةِ الرَّأْس مِنْ الْجَسَد قَالَ الطَّبَرِيّ وَصَدَقَ عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ وَذَلِكَ أَنَّ الْإِيمَان مَعْرِفَة بِالْقَلْبِ وَإِقْرَار بِاللِّسَانِ وَعَمَل بِالْجَوَارِحِ فَمَنْ لَمْ يَصْبِر عَلَى الْعَمَل بِجَوَارِحِهِ لَمْ يَسْتَحِقّ الْإِيمَان بِالْإِطْلَاقِ فَالصَّبْر عَلَى الْعَمَل بِالشَّرَائِعِ نَظِير الرَّأْس مِنْ الْجَسَد لِلْإِنْسَانِ الَّذِي لَا تَمَام لَهُ إِلَّا بِهِ . وَصَفَ اللَّه تَعَالَى جَزَاء الْأَعْمَال وَجَعَلَ لَهَا نِهَايَة وَحَدًّا فَقَالَ | مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْر أَمْثَالهَا | [ الْأَنْعَام 160 ] وَجَعَلَ جَزَاء الصَّدَقَة فِي سَبِيل اللَّه فَوْق هَذَا فَقَالَ | مَثَل الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالهمْ فِي سَبِيل اللَّه كَمَثَلِ حَبَّة | [ الْبَقَرَة : 261 ] الْآيَة وَجَعَلَ أَجْر الصَّابِرِينَ بِغَيْرِ حِسَاب وَمَدَحَ أَهْله فَقَالَ | إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرهمْ بِغَيْرِ حِسَاب | [ الزُّمَر : 10 ] وَقَالَ | وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْم الْأُمُور | [ الشُّورَى : 43 ] وَقَدْ قِيلَ إِنَّ الْمُرَاد بِالصَّابِرِينَ فِي قَوْله | إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ | [ الزُّمَر : 10 ] أَيْ الصَّائِمُونَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي صَحِيح السُّنَّة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصِّيَام لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ ) فَلَمْ يَذْكُر ثَوَابًا مُقَدَّرًا كَمَا لَمْ يَذْكُرهُ فِي الصَّبْر وَاَللَّه اِعْلَمْ مِنْ فَضْل الصَّبْر وَصَفَ اللَّه تَعَالَى نَفْسه بِهِ كَمَا فِي حَدِيث أَبِي مُوسَى عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ( لَيْسَ أَحَد أَوْ لَيْسَ شَيْء أَصْبَر عَلَى أَذًى سَمِعَهُ مِنْ اللَّه تَعَالَى إِنَّهُمْ لَيَدْعُونَ لَهُ وَلَدًا , وَإِنَّهُ لَيُعَافِيهِمْ وَيَرْزُقهُمْ ) أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ قَالَ عُلَمَاؤُنَا وَصْف اللَّه تَعَالَى بِالصَّبْرِ إِنَّمَا هُوَ بِمَعْنَى الْحِلْم وَمَعْنَى وَصْفه تَعَالَى بِالْحِلْمِ هُوَ تَأْخِير الْعُقُوبَة عَنْ الْمُسْتَحِقِّينَ لَهَا وَوَصْفه تَعَالَى بِالصَّبْرِ لَمْ يَرِد فِي التَّنْزِيل وَإِنَّمَا وَرَدَ فِي حَدِيث أَبِي مُوسَى وَتَأَوَّلَهُ أَهْل السُّنَّة عَلَى تَأْوِيل الْحِلْم قَالَهُ اِبْن فَوْرك وَغَيْره وَجَاءَ فِي أَسْمَائِهِ | الصَّبُور | لِلْمُبَالَغَةِ فِي الْحِلْم عَمَّنْ عَصَاهُ|وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ|اِخْتَلَفَ الْمُتَأَوِّلُونَ فِي عَوْد الضَّمِير مِنْ قَوْله : | وَإِنَّهَا | , فَقِيلَ : عَلَى الصَّلَاة وَحْدهَا خَاصَّة لِأَنَّهَا تَكْبُر عَلَى النُّفُوس مَا لَا يُكْبِر الصَّوْم وَالصَّبْر هُنَا الصَّوْم فَالصَّلَاة فِيهَا سِجْن النُّفُوس , وَالصَّوْم إِنَّمَا فِيهِ مَنْع الشَّهْوَة فَلَيْسَ مَنْ مَنَعَ شَهْوَة وَاحِدَة أَوْ شَهْوَتَيْنِ كَمَنْ مَنَعَ جَمِيع الشَّهَوَات فَالصَّائِم إِنَّمَا مَنَعَ شَهْوَة النِّسَاء وَالطَّعَام وَالشَّرَاب ثُمَّ يَنْبَسِط فِي سَائِر الشَّهَوَات مِنْ الْكَلَام وَالْمَشْي وَالنَّظَر إِلَى غَيْر ذَلِكَ مِنْ مُلَاقَاة الْخَلْق فَيَتَسَلَّى بِتِلْكَ الْأَشْيَاء عَمَّا مُنِعَ وَالْمُصَلِّي يَمْتَنِع مِنْ جَمِيع ذَلِكَ فَجَوَارِحه كُلّهَا مُقَيَّدَة بِالصَّلَاةِ عَنْ جَمِيع الشَّهَوَات , وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَانَتْ الصَّلَاة أَصْعَب عَلَى النَّفْس وَمُكَابَدَتهَا أَشَدّ فَلِذَلِكَ قَالَ | وَإِنَّهَا لَكَبِيرَة | وَقِيلَ عَلَيْهِمَا وَلَكِنَّهُ كَنَّى عَنْ الْأَغْلَب , وَهُوَ الصَّلَاة كَقَوْلِهِ | وَاَلَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَب وَالْفِضَّة وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيل اللَّه | [ التَّوْبَة : 34 ] وَقَوْله | وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَة أَوْ لَهْوًا اِنْفَضُّوا إِلَيْهَا | [ الْجُمُعَة : 11 ] فَرَدَّ الْكِنَايَة إِلَى الْفِضَّة لِأَنَّهَا الْأَغْلَب وَالْأَعَمّ , وَإِلَى التِّجَارَة لِأَنَّهَا الْأَفْضَل وَالْأَهَمّ , وَقِيلَ : إِنَّ الصَّبْر لَمَّا كَانَ دَاخِلًا فِي الصَّلَاة أَعَادَ عَلَيْهَا كَمَا قَالَ | وَاَللَّه وَرَسُوله أَحَقّ أَنْ يُرْضُوهُ | [ التَّوْبَة : 62 ] وَلَمْ يَقُلْ يُرْضُوهُمَا لِأَنَّ رِضَا الرَّسُول دَاخِل فِي رِضَا اللَّه جَلَّ وَعَزَّ , وَمِنْهُ قَوْل الشَّاعِر
إِنَّ شَرْح الشَّبَاب وَالشَّعْر الْأَسْ .......... ودَ مَا لَمْ يُعَاصَ كَانَ جُنُونًا
وَلَمْ يَقُلْ يُعَاصَيَا رَدّ إِلَى الشَّبَاب لِأَنَّ الشَّعْر دَاخِل فِيهِ , وَقِيلَ : رَدّ الْكِنَايَة إِلَى كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا لَكِنْ حُذِفَ اِخْتِصَارًا قَالَ اللَّه تَعَالَى | وَجَعَلْنَا اِبْن مَرْيَم وَأُمَّهُ آيَةً | [ الْمُؤْمِنُونَ : 50 ] وَلَمْ يَقُلْ آيَتَيْنِ , وَمِنْهُ قَوْل الشَّاعِر
فَمَنْ يَكُ أَمْسَى بِالْمَدِينَةِ رَحْله .......... فَإِنِّي وَقَيَّار بِهَا لَغَرِيب
وَقَالَ آخَر :
لِكُلِّ هَمّ مِنْ الْهُمُوم سَعَهْ .......... وَالصُّبْح وَالْمُسْيُ لَا فَلَاح مَعَهْ
أَرَادَ : لَغَرِيبَانِ , لَا فَلَاح مَعَهُمَا وَقِيلَ عَلَى الْعِبَادَة الَّتِي يَتَضَمَّنهَا بِالْمَعْنَى ذِكْر الصَّبْر وَالصَّلَاة , وَقِيلَ عَلَى الْمَصْدَر , وَهِيَ الِاسْتِعَانَة الَّتِي يَقْتَضِيهَا قَوْلُهُ | وَاسْتَعِينُوا | وَقِيلَ : عَلَى إِجَابَة مُحَمَّد عَلَيْهِ السَّلَام ; لِأَنَّ الصَّبْر وَالصَّلَاة مِمَّا كَانَ يَدْعُونَ إِلَيْهِ , وَقِيلَ عَلَى الْكَعْبَة لِأَنَّ الْأَمْر بِالصَّلَاةِ إِنَّمَا هُوَ إِلَيْهَا | وَكَبِيرَة | مَعْنَاهُ ثَقِيلَة شَاقَّة خَبَر | إِنَّ | وَيَجُوز فِي غَيْر الْقُرْآن وَإِنَّهُ لَكَبِيرَة | إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ | فَإِنَّهَا خَفِيفَة عَلَيْهِمْ قَالَ أَرْبَاب الْمَعَانِي إِلَّا عَلَى مَنْ أُيِّدَ فِي الْأَزَل بِخَصَائِص الِاجْتِبَاء وَالْهُدَى|إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ|الْخَاشِعُونَ جَمْع خَاشِع , وَهُوَ الْمُتَوَاضِع , وَالْخُشُوع هَيْئَة فِي النَّفْس يَظْهَر مِنْهَا فِي الْجَوَارِح سُكُون وَتَوَاضُع وَقَالَ قَتَادَة الْخُشُوع فِي الْقَلْب وَهُوَ الْخَوْف وَغَضّ الْبَصَر فِي الصَّلَاة قَالَ الزَّجَّاج : الْخَاشِع الَّذِي يُرَى أَثَر الذُّلّ وَالْخُشُوع عَلَيْهِ كَخُشُوعِ الدَّار بَعْد الْإِقْوَاء هَذَا هُوَ الْأَصْل قَالَ النَّابِغَة
رَمَاد كَكُحْلِ الْعَيْن لَأْيًا أُبَيِّنهُ .......... وَنُؤْي كَجِذْمِ الْحَوْض أَثْلَم خَاشِع
وَمَكَان خَاشِع : لَا يُهْتَدَى لَهُ . وَخَشَعَتْ الْأَصْوَات أَيْ سَكَنَتْ وَخَشَعَتْ خَرَاشِيّ صَدْره إِذَا أَلْقَى بُصَاقًا لَزِجًا وَخَشَعَ بِبَصَرِهِ إِذَا غَضَّهُ وَالْخُشْعَة قِطْعَة مِنْ الْأَرْض رَخْوَة , وَفِي الْحَدِيث ( كَانَتْ خُشْعَة عَلَى الْمَاء ثُمَّ دُحِيَتْ بَعْد ) وَبَلْدَة خَاشِعَة مُغْبَرَّة لَا مَنْزِل بِهَا قَالَ سُفْيَان الثَّوْرِيّ سَأَلْت الْأَعْمَش عَنْ الْخُشُوع فَقَالَ يَا ثَوْرِيّ أَنْتَ تُرِيد أَنْ تَكُون إِمَامًا لِلنَّاسِ وَلَا تَعْرِف الْخُشُوع سَأَلْت إِبْرَاهِيم النَّخَعِيّ عَنْ الْخُشُوع فَقَالَ أُعَيْمِش تُرِيد أَنْ تَكُون إِمَامًا لِلنَّاسِ وَلَا تَعْرِف الْخُشُوع لَيْسَ الْخُشُوع بِأَكْلِ الْخَشِن وَلُبْس الْخَشِن وَتَطَأْطُؤ الرَّأْس لَكِنْ الْخُشُوع أَنْ تَرَى الشَّرِيف وَالدَّنِيء فِي الْحَقّ سَوَاء وَتَخْشَع لِلَّهِ فِي كُلّ فَرْض اُفْتُرِضَ عَلَيْك وَنَظَرَ عُمَر بْن الْخَطَّاب إِلَى شَابّ قَدْ نَكَّسَ رَأْسه فَقَالَ يَا هَذَا اِرْفَعْ رَأَسَك ( فَإِنَّ الْخُشُوع لَا يَزِيد عَلَى مَا فِي الْقَلْب . ) وَقَالَ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب : ( الْخُشُوع فِي الْقَلْب , وَأَنْ تُلِينَ كَفَّيْك لِلْمَرْءِ الْمُسْلِم , وَأَلَّا تَلْتَفِت فِي صَلَاتِكَ . ) وَسَيَأْتِي هَذَا الْمَعْنَى مُجَوَّدًا عِنْد قَوْله تَعَالَى | قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتهمْ خَاشِعُونَ | [ الْمُؤْمِنُونَ : 1 - 2 ] فَمَنْ أَظْهَر لِلنَّاسِ خُشُوعًا فَوْق مَا فِي قَلْبه فَإِنَّمَا أَظْهَرَ نِفَاقًا عَلَى نِفَاق قَالَ سَهْل بْن عَبْد اللَّه لَا يَكُون خَاشِعًا حَتَّى تَخْشَع كُلّ شَعْرَة عَلَى جَسَده لِقَوْلِ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى | تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ | [ الزُّمَر : 23 ] قُلْت : هَذَا هُوَ الْخُشُوع الْمَحْمُود لِأَنَّ الْخَوْف إِذَا سَكَنَ الْقَلْب أَوْجَبَ خُشُوع الظَّاهِر فَلَا يَمْلِك صَاحِبه دَفْعه فَتَرَاهُ مُطْرِقًا مُتَأَدِّبًا مُتَذَلِّلًا وَقَدْ كَانَ السَّلَف يَجْتَهِدُونَ فِي سَتْر مَا يَظْهَر مِنْ ذَلِكَ وَأَمَّا الْمَذْمُوم فَتَكَلُّفه وَالتَّبَاكِي وَمُطَأْطَأَة الرَّأْس كَمَا يَفْعَلهُ الْجُهَّال لِيُرَوْا بِعَيْنِ الْبِرّ وَالْإِجْلَال وَذَلِكَ خَدْع مِنْ الشَّيْطَان وَتَسْوِيل مِنْ نَفْس الْإِنْسَان , رَوَى الْحَسَن أَنَّ رَجُلًا تَنَفَّسَ عِنْد عُمَر بْن الْخَطَّاب كَأَنَّهُ يَتَحَازَن فَلَكَزَهُ عُمَر أَوْ قَالَ لَكَمَهُ وَكَانَ عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ إِذَا تَكَلَّمَ أَسْمَعَ وَإِذَا مَشَى أَسْرَعَ وَإِذَا ضَرَبَ أَوْجَعَ وَكَانَ نَاسِكًا صِدْقًا وَخَاشِعًا حَقًّا وَرَوَى اِبْن أَبِي نَجِيح عَنْ مُجَاهِد قَالَ الْخَاشِعُونَ هُمْ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا .

| الَّذِينَ | فِي مَوْضِع خَفْض عَلَى النَّعْت لِلْخَاشِعِينَ , وَيَجُوز الرَّفْع عَلَى الْقَطْع . وَالظَّنّ هُنَا فِي قَوْل الْجُمْهُور بِمَعْنَى الْيَقِين وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى | إِنِّي ظَنَنْت أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَه | [ الْحَاقَّة : 20 ] وَقَوْله : | فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا | [ الْكَهْف : 53 ] . قَالَ دُرَيْد بْن الصِّمَّة
فَقُلْت لَهُمْ ظُنُّوا بِأَلْفَيْ مُدَجَّج .......... سُرَاتُهُمْ فِي الْفَارِسِيّ الْمُسَرَّد
وَقَالَ أَبُو دَاوُد
رُبَّ هَمٍّ فَرَّجْتَهُ بِغَرِيم .......... وَغُيُوب كَشَفْتهَا بِظُنُون
وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ الظَّنّ فِي الْآيَة يَصِحّ أَنْ يَكُون عَلَى بَابه وَيُضْمَر فِي الْكَلَام بِذُنُوبِهِمْ فَكَأَنَّهُمْ يَتَوَقَّعُونَ لِقَاءَهُ مُذْنِبِينَ ذَكَرَ الْمَهْدَوِيّ وَالْمَاوَرْدِيّ قَالَ اِبْن عَطِيَّة , وَهَذَا تَعَسُّف وَزَعَمَ الْفَرَّاء أَنَّ الظَّنّ قَدْ يَقَع بِمَعْنَى الْكَذِب وَلَا يَعْرِف ذَلِكَ الْبَصْرِيُّونَ وَأَصْل الظَّنّ وَقَاعِدَته الشَّكّ مَعَ مَيْل إِلَى أَحَد مُعْتَقَدَيْهِ وَقَدْ يُوقَع مَوْقِع الْيَقِين كَمَا فِي هَذِهِ الْآيَة وَغَيْرهَا لَكُنَّهُ لَا يُوقَع فِيمَا قَدْ خَرَجَ إِلَى الْحِسّ لَا تَقُول الْعَرَب فِي رَجُل مَرْئِيّ حَاضِر أَظُنّ هَذَا إِنْسَانًا وَإِنَّمَا تَجِد الِاسْتِعْمَال فِيمَا لَمْ يَخْرُج إِلَى الْحِسّ بَعْد كَهَذِهِ الْآيَة وَالشِّعْر وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى | فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا | وَقَدْ يَجِيء الْيَقِين بِمَعْنَى الظَّنّ , وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانه أَوَّل السُّورَة , وَتَقُول سُؤْت بِهِ ظَنًّا وَأَسَأْت بِهِ الظَّنّ يُدْخِلُونَ الْأَلِف إِذَا جَاءُوا بِالْأَلِفِ وَاللَّام|أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ|جَزَاء رَبِّهِمْ . وَقِيلَ : جَاءَ عَلَى الْمُفَاعَلَة , وَهُوَ مِنْ وَاحِد , مِثْل عَافَاهُ اللَّه|وَأَنَّهُمْ|بِفَتْحِ الْهَمْزَة عَطْف عَلَى الْأَوَّل , وَيَجُوز | وَإِنَّهُمْ | بِكَسْرِهَا عَلَى الْقَطْع .|إِلَيْهِ|أَيْ إِلَى رَبّهمْ وَقِيلَ إِلَى جَزَائِهِ .|رَاجِعُونَ|إِقْرَار بِالْبَعْثِ وَالْجَزَاء وَالْعَرْض عَلَى الْمَلِك الْأَعْلَى

نِدَاء مُضَاف عَلَامَة النَّصْب فِيهِ الْيَاء , وَحُذِفَتْ مِنْهُ النُّون لِلْإِضَافَةِ . الْوَاحِد اِبْن وَالْأَصْل فِيهِ بَنِي وَقِيلَ بَنُو فَمَنْ قَالَ الْمَحْذُوف مِنْهُ وَاو اِحْتَجَّ بِقَوْلِهِمْ الْبُنُوَّة وَهَذَا لَا حُجَّة فِيهِ لِأَنَّهُمْ قَدْ قَالُوا الْفُتُوَّة وَأَصْله الْيَاء , وَقَالَ الزَّجَّاج الْمَحْذُوف مِنْهُ عِنْدِي يَاء كَأَنَّهُ مِنْ بَنَيْت الْأَخْفَش اِخْتَارَ أَنْ يَكُون الْمَحْذُوف مِنْهُ الْوَاو لِأَنَّ حَذْفَهَا أَكْثَر لِثِقَلِهَا , وَيُقَال اِبْن بَيِّن الْبُنُوَّة وَالتَّصْغِير بُنَيّ قَالَ الْفَرَّاء : يُقَال يَا بُنَيِّ وَيَا بُنَيَّ لُغَتَانِ مِثْل يَا أَبَتِ وَيَا أَبَتَ , وَقُرِئَ بِهِمَا وَهُوَ مُشْتَقّ مِنْ الْبِنَاء , وَهُوَ وَضْع الشَّيْء عَلَى الشَّيْء , وَالِابْن فَرْع لِلْأَبِ , وَهُوَ مَوْضُوع عَلَيْهِ , وَإِسْرَائِيل هُوَ يَعْقُوب بْن إِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيم عَلَيْهِمْ السَّلَام قَالَ أَبُو الْفَرَج الْجَوْزِيّ : وَلَيْسَ فِي الْأَنْبِيَاء مَنْ لَهُ اِسْمَانِ غَيْره إِلَّا نَبِيّنَا مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّ لَهُ أَسْمَاء كَثِيرَة ذَكَرَهُ فِي كِتَاب | فُهُوم الْآثَار | لَهُ . قُلْت : وَقَدْ قِيلَ فِي الْمَسِيح إِنَّهُ اِسْم عَلَم لِعِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام غَيْر مُشْتَقّ وَقَدْ سَمَّاهُ اللَّه رُوحًا وَكَلِمَة , وَكَانُوا يُسَمُّونَهُ أَبِيل الْأَبِيلِينَ ذَكَرَهُ الْجَوْهَرِيّ فِي الصِّحَاح وَذَكَرَ الْبَيْهَقِيّ فِي | دَلَائِل النُّبُوَّة | عَنْ الْخَلِيل بْن أَحْمَد خَمْسَة مِنْ الْأَنْبِيَاء ذَوُو اِسْمَيْنِ مُحَمَّد وَأَحْمَد نَبِيّنَا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعِيسَى وَالْمَسِيح وَإِسْرَائِيل وَيَعْقُوب وَيُونُس وَذُو النُّون وَإِلْيَاس وَذُو الْكِفْل صَلَّى اللَّه عَلَيْهِمْ وَسَلَّمَ قُلْت : ذَكَرْنَا أَنَّ لِعِيسَى أَرْبَعَة أَسْمَاء وَأَمَّا نَبِيّنَا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَهُ أَسْمَاء كَثِيرَة بَيَانهَا فِي مَوَاضِعهَا وَإِسْرَائِيل اِسْم أَعْجَمِيّ وَلِذَلِكَ لَمْ يَنْصَرِف وَهُوَ فِي مَوْضِع خَفْض بِالْإِضَافَةِ وَفِيهِ سَبْع لُغَات إِسْرَائِيل وَهِيَ لُغَة الْقُرْآن وَإِسْرَائِيل بِمَدَّةٍ مَهْمُوزَة مُخْتَلَسَة حَكَاهَا شَنَّبُوذ عَنْ وَرْش وَإِسْرَائِيل بِمَدَّةٍ بَعْد الْيَاء مِنْ غَيْر هَمْز وَهِيَ قِرَاءَة الْأَعْمَش وَعِيسَى بْن عُمَر وَقَرَأَ الْحَسَن وَالزُّهْرِيّ بِغَيْرِ هَمْز وَلَا مَدّ وَإِسْرَائِل بِغَيْرِ يَاء بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَة وَإِسْرَاءَل بِهَمْزَةٍ مَفْتُوحَة وَتَمِيم يَقُولُونَ إِسْرَائِين بِالنُّونِ وَمَعْنَى إِسْرَائِيل عَبْد اللَّه قَالَ اِبْن عَبَّاس ( إِسْرَا بِالْعِبْرَانِيَّةِ هُوَ عَبْد وَإِيل هُوَ اللَّه . ) وَقِيلَ إِسْرَا هُوَ صَفْوَة اللَّه وَإِيل هُوَ اللَّه وَقِيلَ إِسْرَا مِنْ الشَّدّ فَكَأَنَّ إِسْرَائِيل الَّذِي شَدَّهُ اللَّه وَأَتْقَنَ خَلْقه ذَكَرَهُ الْمَهْدَوِيّ , وَقَالَ السُّهَيْلِيُّ : سُمِّيَ إِسْرَائِيل ; لِأَنَّهُ أَسْرَى ذَات لَيْلَة حِين هَاجَرَ إِلَى اللَّه تَعَالَى فَسُمِّيَ إِسْرَائِيل أَيْ أَسْرَى إِلَى اللَّه وَنَحْو هَذَا فَيَكُون بَعْض الِاسْم عِبْرَانِيَّا وَبَعْضه مُوَافِقًا لِلْعَرَبِ وَاَللَّه أَعْلَم .|إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ|الذِّكْر اِسْم مُشْتَرَك , فَالذِّكْر بِالْقَلْبِ ضِدّ النِّسْيَان وَالذِّكْر بِاللِّسَانِ ضِدّ الْإِنْصَات وَذَكَرْت الشَّيْء بِلِسَانِي وَقَلْبِي ذِكْرًا وَاجْعَلْهُ مِنْك عَلَى ذُكْر ( بِضَمِّ الذَّال ) أَيْ لَا تَنْسَهُ قَالَ الْكِسَائِيّ مَا كَانَ بِالضَّمِيرِ فَهُوَ مَضْمُوم الذَّال وَمَا كَانَ بِاللِّسَانِ فَهُوَ مَكْسُور الذَّال وَقَالَ غَيْره هُمَا لُغَتَانِ يُقَال ذِكْر وَذُكْر , وَمَعْنَاهُمَا وَاحِد وَالذَّكَر ( بِفَتْحِ الذَّال ) خِلَاف الْأُنْثَى وَالذِّكْر أَيْضًا الشَّرَف وَمِنْهُ قَوْله | وَإِنَّهُ لَذِكْر لَك وَلِقَوْمِك | [ الزُّخْرُف 44 ] قَالَ اِبْن الْأَنْبَارِيّ وَالْمَعْنَى فِي الْآيَة اُذْكُرُوا شُكْر نِعْمَتِي فَحَذَفَ الشُّكْر اِكْتِفَاء بِذِكْرِ النِّعْمَة وَقِيلَ إِنَّهُ أَرَادَ الذِّكْر بِالْقَلْبِ وَهُوَ الْمَطْلُوب أَيْ لَا تَغْفُلُوا عَنْ نِعْمَتِي الَّتِي أَنْعَمْت عَلَيْكُمْ وَلَا تَنَاسَوْهَا وَهُوَ حَسَن وَالنِّعْمَة هُنَا اِسْم جِنْس فَهِيَ مُفْرَدَة بِمَعْنَى الْجَمْع قَالَ اللَّه تَعَالَى | وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَة اللَّه لَا تُحْصُوهَا | [ إِبْرَاهِيم : 34 ] أَيْ نِعَمه وَمِنْ نِعَمه عَلَيْهِمْ أَنْ أَنْجَاهُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْن وَجَعَلَ مِنْهُمْ أَنْبِيَاء وَأَنْزَلَ عَلَيْهِمْ الْكُتُب وَالْمَنّ وَالسَّلْوَى وَفَجَّرَ لَهُمْ فِي الْحَجَر الْمَاء إِلَى مَا اِسْتَوْدَعَهُمْ مِنْ التَّوْرَاة الَّتِي فِيهَا صِفَة مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَعْته وَرِسَالَته , وَالنِّعَم عَلَى الْآبَاء نِعَم عَلَى الْأَبْنَاء لِأَنَّهُمْ يَشْرُفُونَ بِشَرَفِ آبَائِهِمْ تَنْبِيه : قَالَ أَرْبَاب الْمَعَانِي رَبَطَ سُبْحَانه وَتَعَالَى بَنِي إِسْرَائِيل بِذِكْرِ النِّعْمَة وَأَسْقَطَهُ عَنْ أُمَّة مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَدَعَاهُمْ إِلَى ذِكْره فَقَالَ | اُذْكُرُونِي أَذْكُركُمْ | [ الْبَقَرَة : 152 ] لِيَكُونَ نَظَر الْأُمَم مِنْ النِّعْمَة إِلَى الْمُنْعِم وَنَظَر أُمَّة مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْمُنْعِم إِلَى النِّعْمَة|عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى|يُرِيد عَلَى عَالَمَيْ زَمَانهمْ , وَأَهْل كُلّ زَمَان عَالَم . وَقِيلَ : عَلَى كُلّ الْعَالَمِينَ بِمَا جَعَلَ فِيهِمْ مِنْ الْأَنْبِيَاء وَهَذَا خَاصَّة لَهُمْ وَلَيْسَتْ لِغَيْرِهِمْ

أَمْر مَعْنَاهُ الْوَعِيد وَقَدْ مَضَى الْكَلَام فِي التَّقْوَى | يَوْمًا | يُرِيد عَذَابه وَهَوْله وَهُوَ يَوْم الْقِيَامَة وَانْتَصَبَ عَلَى الْمَفْعُول بِـ | اِتَّقُوا | وَيَجُوز فِي غَيْر الْقُرْآن يَوْم لَا تَجْزِي عَلَى الْإِضَافَة وَفِي الْكَلَام حَذْف بَيْن النَّحْوِيِّينَ فِيهِ اِخْتِلَاف قَالَ الْبَصْرِيُّونَ التَّقْدِير يَوْمًا لَا تَجْزِي فِيهِ نَفْس عَنْ نَفْس شَيْئًا ثُمَّ حَذَفَ فِيهِ كَمَا قَالَ
وَيَوْمًا شَهِدْنَاهُ سَلِيمًا وَعَامِرًا
أَيْ شَهِدْنَا فِيهِ وَقَالَ الْكِسَائِيّ : هَذَا خَطَأ لَا يَجُوز حَذْف | فِيهِ | وَلَكِنَّ التَّقْدِير وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِيه نَفْس ثُمَّ حَذَفَ الْهَاء , وَإِنَّمَا يَجُوز حَذْف الْهَاء ; لِأَنَّ الظُّرُوف عِنْده لَا يَجُوز حَذْفهَا قَالَ : لَا يَجُوز أَنْ تَقُول هَذَا رَجُلًا قَصَدْت وَلَا رَأَيْت رَجُلًا أَرْغَب وَأَنْتَ تُرِيد قَصَدْت إِلَيْهِ وَأَرْغَب فِيهِ قَالَ : وَلَوْ جَازَ ذَلِكَ لَجَازَ الَّذِي تَكَلَّمْت زَيْد بِمَعْنَى تَكَلَّمْت فِيهِ زَيْد , وَقَالَ الْفَرَّاء : يَجُوز أَنْ تُحْذَف الْهَاء وَفِيهِ وَحَكَى الْمَهْدَوِيّ أَنَّ الْوَجْهَيْنِ جَائِزَانِ عِنْد سِيبَوَيْهِ وَالْأَخْفَش وَالزَّجَّاج وَمَعْنَى | لَا تَجْزِي نَفْس عَنْ نَفْس شَيْئًا | أَيْ لَا تُؤَاخَذ نَفْس بِذَنْبِ أُخْرَى وَلَا تَدْفَع عَنْهَا شَيْئًا تَقُول جَزَى عَنِّي هَذَا الْأَمْر يَجْزِي كَمَا تَقُول قَضَى عَنِّي وَاجْتَزَأْت بِالشَّيْءِ اِجْتِزَاء إِذَا اِكْتَفَيْت بِهِ قَالَ الشَّاعِر
فَإِنَّ الْغَدْر فِي الْأَقْوَام عَارٍ .......... وَإِنَّ الْحُرّ يُجْزَأ بِالْكُرَاعِ
أَيْ يَكْتَفِي بِهَا وَفِي حَدِيث عُمَر ( إِذَا أَجْرَيْت الْمَاء عَلَى الْمَاء جَزَى عَنْك ) يُرِيد إِذَا صَبَبْت الْمَاء عَلَى الْبَوْل فِي الْأَرْض فَجَرَى عَلَيْهِ طَهُرَ الْمَكَان , وَلَا حَاجَة بِك إِلَى غَسْل ذَلِكَ الْمَوْضِع وَتَنْشِيف الْمَاء بِخِرْقَةٍ أَوْ غَيْرهَا كَمَا يَفْعَل كَثِير مِنْ النَّاس وَفِي صَحِيح الْحَدِيث عَنْ أَبِي بُرْدَة بْن نِيَار فِي الْأُضْحِيَّة ( لَنْ تَجْزِي عَنْ أَحَد بَعْدك ) أَيْ لَنْ تُغْنِي فَمَعْنَى لَا تَجْزِي لَا تَقْضِي وَلَا تُغْنِي وَلَا تَكْفِي إِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا شَيْء فَإِنْ كَانَ فَإِنَّهَا تَجْزِي وَتَقْضِي وَتُغْنِي بِغَيْرِ اِخْتِيَارهَا مِنْ حَسَنَاتهَا مَا عَلَيْهَا مِنْ الْحُقُوق كَمَا فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ( مَنْ كَانَتْ عِنْده مَظْلِمَة لِأَخِيهِ مِنْ عِرْضه أَوْ شَيْء فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ الْيَوْم قَبْل أَلَّا يَكُون دِينَار وَلَا دِرْهَم إِنْ كَانَ لَهُ عَمَل صَالِح أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلِمَته وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَسَنَات أُخِذَ مِنْ سَيِّئَات صَاحِبه فَحُمِلَ عَلَيْهِ ) خَرَّجَهُ الْبُخَارِيّ وَمِثْله حَدِيثه الْآخَر فِي الْمُفْلِس وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي التَّذْكِرَة خَرَّجَهُ مُسْلِم وَقُرِئَ | تُجْزِئ | بِضَمِّ التَّاء وَالْهَمْز وَيُقَال جَزَى وَأَجْزَى بِمَعْنًى وَاحِد وَقَدْ فَرَّقَ بَيْنهمَا قَوْم فَقَالُوا جَزَى بِمَعْنَى قَضَى وَكَافَأَ وَأَجْزَى بِمَعْنَى أَغْنَى وَكَفَى أَجْزَأَنِي الشَّيْء يُجْزِئنِي أَيْ كَفَانِي قَالَ الشَّاعِر
وَأَجْزَأْت أَمْر الْعَالَمِينَ وَلَمْ يَكُنْ .......... لِيُجْزِئ إِلَّا كَامِل وَابْن كَامِل
|وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ|الشَّفَاعَة مَأْخُوذَة مِنْ الشَّفْع وَهُمَا الِاثْنَانِ تَقُول كَانَ وِتْرًا فَشَفَعْته شَفْعًا وَالشُّفْعَة مِنْهُ لِأَنَّك تَضُمّ مِلْك شَرِيكك إِلَى مِلْكك وَالشَّفِيع صَاحِب الشُّفْعَة وَصَاحِب الشَّفَاعَة وَنَاقَة شَافِع إِذَا اِجْتَمَعَ لَهَا حَمْل وَوَلَد يَتْبَعهَا تَقُول مِنْهُ شَفَعَتْ النَّاقَة شَفْعًا وَنَاقَة شَفُوع , وَهِيَ الَّتِي تَجْمَع بَيْن مِحْلَبَيْنِ فِي حَلَبَة وَاحِدَة وَاسْتَشْفَعْته إِلَى فُلَان سَأَلْته أَنْ يَشْفَع لِي إِلَيْهِ وَتَشَفَّعْت إِلَيْهِ فِي فُلَان فَشَفَّعَنِي فِيهِ فَالشَّفَاعَة إِذًا : ضَمّ غَيْرِكَ إِلَى جَاهِكَ وَوَسِيلَتك فَهِيَ عَلَى التَّحْقِيق إِظْهَار لِمَنْزِلَةِ الشَّفِيع عِنْد الْمُشَفَّع وَإِيصَال مَنْفَعَته لِلْمَشْفُوعِ مَذْهَب أَهْل الْحَقّ أَنَّ الشَّفَاعَة حَقّ , وَأَنْكَرَهَا الْمُعْتَزِلَة وَخَلَّدُوا الْمُؤْمِنِينَ مِنْ الْمُذْنِبِينَ الَّذِينَ دَخَلُوا النَّار فِي الْعَذَاب وَالْأَخْبَار مُتَظَاهِرَة بِأَنَّ مَنْ كَانَ مِنْ الْعُصَاة الْمُذْنِبِينَ الْمُوَحِّدِينَ مِنْ أُمَم النَّبِيِّينَ هُمْ الَّذِينَ تَنَالهُمْ شَفَاعَة الشَّافِعِينَ مِنْ الْمَلَائِكَة وَالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَقَدْ تَمَسَّكَ الْقَاضِي عَلَيْهِمْ فِي الرَّدّ بِشَيْئَيْنِ أَحَدهمَا الْأَخْبَار الْكَثِيرَة الَّتِي تَوَاتَرَتْ فِي الْمَعْنَى وَالثَّانِي الْإِجْمَاع مِنْ السَّلَف عَلَى تَلَقِّي هَذِهِ الْأَخْبَار بِالْقَبُولِ وَلَمْ يَبْدُ مِنْ أَحَد مِنْهُمْ فِي عَصْر مِنْ الْأَعْصَار نَكِير فَظُهُور رِوَايَتهَا وَإِطْبَاقهمْ عَلَى صِحَّتهَا وَقَبُولهمْ لَهَا دَلِيل قَاطِع عَلَى صِحَّة عَقِيدَة أَهْل الْحَقّ وَفَسَاد دِين الْمُعْتَزِلَة فَإِنْ قَالُوا قَدْ وَرَدَتْ نُصُوص مِنْ الْكِتَاب بِمَا يُوجِب رَدّ هَذِهِ الْأَخْبَار مِثْل قَوْله | مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيم وَلَا شَفِيع يُطَاع | [ غَافِر : 18 ] قَالُوا وَأَصْحَاب الْكَبَائِر ظَالِمُونَ وَقَالَ | مَنْ يَعْمَل سُوءًا يُجْزَ بِهِ | [ النِّسَاء : 123 ] | وَلَا يُقْبَل مِنْهَا شَفَاعَة | [ الْبَقَرَة : 48 ] قُلْنَا لَيْسَتْ هَذِهِ الْآيَات عَامَّة فِي كُلّ ظَالِم وَالْعُمُوم لَا صِيغَة لَهُ فَلَا تَعُمّ هَذِهِ الْآيَات كُلّ مَنْ يَعْمَل سُوءًا وَكُلّ نَفْس وَإِنَّمَا الْمُرَاد بِهَا الْكَافِرُونَ دُون الْمُؤْمِنِينَ بِدَلِيلِ الْأَخْبَار الْوَارِدَة فِي ذَلِكَ وَأَيْضًا فَإِنَّ اللَّه تَعَالَى أَثْبَتَ شَفَاعَة لِأَقْوَامٍ وَنَفَاهَا عَنْ أَقْوَام فَقَالَ فِي صِفَة الْكَافِرِينَ | فَمَا تَنْفَعهُمْ شَفَاعَة الشَّافِعِينَ | [ الْمُدَّثِّر : 48 ] وَقَالَ | وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنْ اِرْتَضَى | [ الْأَنْبِيَاء : 28 ] وَقَالَ | وَلَا تَنْفَع الشَّفَاعَة عِنْده إِل