islamkingdomfaceBook islamkingdomtwitter islamkingdominstagram islamkingdomyoutube


الْمَعْنَى مَا الْمَانِع لَكُمْ مِنْ أَكْل مَا سَمَّيْتُمْ عَلَيْهِ رَبّكُمْ وَإِنْ قَتَلْتُمُوهُ بِأَيْدِيكُمْ .|وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ|أَيْ بَيَّنَ لَكُمْ الْحَلَال مِنْ الْحَرَام , وَأُزِيلَ عَنْكُمْ اللَّبْس وَالشَّكّ . ف | مَا | اِسْتِفْهَام يَتَضَمَّن التَّقْرِير . وَتَقْدِير الْكَلَام : وَأَيّ شَيْء لَكُمْ فِي أَلَّا تَأْكُلُوا . ف | أَنَّ | فِي مَوْضِع خَفْض بِتَقْدِيرِ حَرْف الْجَرّ . وَيَصِحّ أَنْ تَكُون فِي مَوْضِع نَصْب عَلَى أَلَّا يُقَدَّر حَرْف جَرّ , وَيَكُون النَّاصِب مَعْنَى الْفِعْل الَّذِي فِي قَوْله | مَا لَكُمْ | تَقْدِيره أَيْ مَا يَمْنَعكُمْ . ثُمَّ اِسْتَثْنَى فَقَالَ إِلَّا مَا اُضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ | .|إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ|يُرِيد مِنْ جَمِيع مَا حَرَّمَ كَالْمَيْتَةِ وَغَيْرهَا كَمَا تَقَدَّمَ فِي | الْبَقَرَة | . وَهُوَ اِسْتِثْنَاء مُنْقَطِع . وَقَرَأَ نَافِع وَيَعْقُوب | وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ | بِفَتْحِ الْفِعْلَيْنِ . وَقَرَأَ أَبُو عَمْرو وَابْن عَامِر وَابْن كَثِير بِالضَّمِّ فِيهِمَا , وَالْكُوفِيُّونَ | فَصَّلَ | بِالْفَتْحِ | حُرِّمَ | بِالضَّمِّ . وَقَرَأَ عَطِيَّة الْعَوْفِيّ | فَصَلَ | بِالتَّخْفِيفِ . وَمَعْنَاهُ أَبَانَ وَظَهَرَ ; كَمَا قُرِئَ | الر كِتَاب أُحْكِمَتْ آيَاته ثُمَّ فُصِّلَتْ | [ هُود : 1 ] أَيْ اِسْتَبَانَتْ . وَاخْتَارَ أَبُو عُبَيْدَة قِرَاءَة أَهْل الْمَدِينَة . وَقِيلَ : | فَصَّلَ | أَيْ بَيَّنَ , وَهُوَ مَا ذَكَرَهُ فِي سُورَة | الْمَائِدَة | مِنْ قَوْله : | حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَة وَالدَّم وَلَحْم الْخِنْزِير | [ الْمَائِدَة : 3 ] الْآيَة . قُلْت : هَذَا فِيهِ نَظَر ; فَإِنَّ | الْأَنْعَام | مَكِّيَّة وَالْمَائِدَة مَدَنِيَّة فَكَيْفَ يُحِيل بِالْبَيَانِ عَلَى مَا لَمْ يُنَزِّل بَعْد , إِلَّا أَنْ يَكُون فَصَّلَ بِمَعْنَى يُفَصِّل . وَاَللَّه أَعْلَم .|وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ|وَقَرَأَ الْكُوفِيُّونَ | يُضِلُّونَ | مِنْ أَضَلَّ . يَعْنِي الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ قَالُوا : مَا ذَبَحَ اللَّه بِسِكِّينِهِ خَيْر مِمَّا ذَبَحْتُمْ بِسَكَاكِينِكُمْ | بِغَيْرِ عِلْم | أَيْ بِغَيْرِ عِلْم يَعْلَمُونَهُ فِي أَمْر الذَّبْح ; إِذْ الْحِكْمَة فِيهِ إِخْرَاج مَا حَرَّمَهُ اللَّه عَلَيْنَا مِنْ الدَّم بِخِلَافِ مَا مَاتَ حَتْف أَنْفه ; وَلِذَلِكَ شَرَعَ الذَّكَاة فِي مَحَلّ مَخْصُوص لِيَكُونَ الذَّبْح فِيهِ سَبَبًا لِجَذْبِ كُلّ دَم فِي الْحَيَوَان بِخِلَافِ غَيْره مِنْ الْأَعْضَاء . وَاَللَّه أَعْلَم .

لِلْعُلَمَاءِ فِيهِ أَقْوَال كَثِيرَة وَحَاصِلهَا رَاجِع إِلَى أَنَّ الظَّاهِر مَا كَانَ عَمَلًا بِالْبَدَنِ مِمَّا نَهَى اللَّه عَنْهُ , وَبَاطِنه مَا عَقَدَ بِالْقَلْبِ مِنْ مُخَالَفَة أَمْر اللَّه فِيمَا أَمَرَ وَنَهَى ; وَهَذِهِ الْمَرْتَبَة لَا يَبْلُغهَا إِلَّا مَنْ اِتَّقَى وَأَحْسَن ; كَمَا قَالَ : | ثُمَّ اِتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اِتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا | [ الْمَائِدَة : 93 ] . وَهِيَ الْمَرْتَبَة الثَّالِثَة حَسْب مَا تَقَدَّمَ بَيَانه فِي | الْمَائِدَة | .

وَقِيلَ : هُوَ مَا كَانَ عَلَيْهِ الْجَاهِلِيَّة مِنْ الزِّنَا الظَّاهِر وَاِتِّخَاذ الْحَلَائِل فِي الْبَاطِن . وَمَا قَدَّمْنَا جَامِع لِكُلِّ إِثْم وَمُوجِب لِكُلِّ أَمْر .

رَوَى أَبُو دَاوُد قَالَ : جَاءَتْ الْيَهُود إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا : نَأْكُل مِمَّا قَتَلْنَا وَلَا نَأْكُل مِمَّا قَتَلَ اللَّه ؟ فَأَنْزَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : | وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَر اِسْم اللَّه عَلَيْهِ | إِلَى آخِر الْآيَة . وَرَوَى النَّسَائِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى : | وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَر اِسْم اللَّه عَلَيْهِ | قَالَ : خَاصَمَهُمْ الْمُشْرِكُونَ فَقَالُوا : مَا ذَبَحَ اللَّه فَلَا تَأْكُلُوهُ وَمَا ذَبَحْتُمْ أَنْتُمْ أَكَلْتُمُوهُ ; فَقَالَ اللَّه سُبْحَانه لَهُمْ : لَا تَأْكُلُوا ; فَإِنَّكُمْ لَمْ تَذْكُرُوا اِسْم اللَّه عَلَيْهَا . وَتَنْشَأ هُنَا مَسْأَلَة أُصُولِيَّة , وَهِيَ :

وَذَلِكَ أَنَّ اللَّفْظ الْوَارِد عَلَى سَبَب هَلْ يُقْصَر عَلَيْهِ أَمْ لَا ; فَقَالَ عُلَمَاؤُنَا : لَا إِشْكَال فِي صِحَّة دَعْوَى الْعُمُوم فِيمَا يَذْكُرهُ الشَّارِع اِبْتِدَاء مِنْ صِيَغ أَلْفَاظ الْعُمُوم . أَمَّا مَا ذَكَرَهُ جَوَابًا لِسُؤَالٍ فَفِيهِ تَفْصِيل , عَلَى مَا هُوَ مَعْرُوف فِي أُصُول الْفِقْه ; إِلَّا أَنَّهُ إِنْ أَتَى بِلَفْظٍ مُسْتَقِلّ دُون السُّؤَال لَحِقَ بِالْأَوَّلِ فِي صِحَّة الْقَصْد إِلَى التَّعْمِيم . فَقَوْله : | لَا تَأْكُلُوا | ظَاهِر فِي تَنَاوُل الْمَيْتَة , وَيَدْخُل فِيهِ مَا ذُكِرَ عَلَيْهِ غَيْر اِسْم اللَّه بِعُمُومِ أَنَّهُ لَمْ يُذْكَر عَلَيْهِ اِسْم اللَّه , وَبِزِيَادَةِ ذِكْر غَيْر اِسْم اللَّه سُبْحَانه عَلَيْهِ الَّذِي يَقْتَضِي تَحْرِيمه نَصًّا بِقَوْلِهِ : | وَمَا أُهِلّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّه | [ الْبَقَرَة : 173 ] . وَهَلْ يَدْخُل فِيهِ مَا تَرَكَ الْمُسْلِم التَّسْمِيَة عَمْدًا عَلَيْهِ مِنْ الذَّبْح , وَعِنْد إِرْسَال الصَّيْد . اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي ذَلِكَ عَلَى أَقْوَال خَمْسَة , وَهِيَ

الْقَوْل الْأَوَّل : إِنْ تَرَكَهَا سَهْوًا أَكَلَا جَمِيعًا , وَهُوَ قَوْل إِسْحَاق وَرِوَايَة عَنْ أَحْمَد بْن حَنْبَل . فَإِنْ تَرَكَهَا عَمْدًا لَمْ يُؤْكَلَا ; وَقَالَهُ فِي الْكِتَاب مَالِك وَابْن الْقَاسِم , وَهُوَ قَوْل أَبِي حَنِيفَة وَأَصْحَابه وَالثَّوْرِيّ وَالْحَسَن بْن حَيّ وَعِيسَى وَأَصْبَغ , وَقَالَهُ سَعِيد بْن جُبَيْر وَعَطَاء , وَاخْتَارَهُ النَّحَّاس وَقَالَ : هَذَا أَحْسَن , لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى فَاسِقًا إِذَا كَانَ نَاسِيًا . الثَّانِي : إِنْ تَرَكَهَا عَامِدًا أَوْ نَاسِيًا يَأْكُلهُمَا . وَهُوَ قَوْل الشَّافِعِيّ وَالْحَسَن , وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ اِبْن عَبَّاس وَأَبِي هُرَيْرَة وَعَطَاء وَسَعِيد بْن الْمُسَيِّب وَجَابِر بْن زَيْد وَعِكْرِمَة وَأَبِي عِيَاض وَأَبِي رَافِع وَطَاوُس وَإِبْرَاهِيم النَّخَعِيّ وَعَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي لَيْلَى وَقَتَادَة . وَحَكَى الزَّهْرَاوِيّ عَنْ مَالِك بْن أَنَس أَنَّهُ قَالَ : تُؤْكَل الذَّبِيحَة الَّتِي تَرَكَتْ التَّسْمِيَة عَلَيْهَا عَمْدًا أَوْ نِسْيَانًا . وَرُوِيَ عَنْ رَبِيعَة أَيْضًا . قَالَ عَبْد الْوَهَّاب : التَّسْمِيَة سُنَّة ; فَإِذَا تَرَكَهَا الذَّابِح نَاسِيًا أُكِلَتْ الذَّبِيحَة فِي قَوْل مَالِك وَأَصْحَابه . الثَّالِث : إِنْ تَرَكَهَا عَامِدًا أَوْ سَاهِيًا حَرُمَ أَكْلهَا ; قَالَ مُحَمَّد بْن سِيرِينَ وَعَبْد اللَّه بْن عَيَّاش بْن أَبِي رَبِيعَة وَعَبْد اللَّه بْن عُمَر وَنَافِع وَعَبْد اللَّه بْن زَيْد الْخَطْمِيّ وَالشَّعْبِيّ ; وَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْر وَدَاوُد بْن عَلِيّ وَأَحْمَد فِي رِوَايَة . الرَّابِع : إِنْ تَرَكَهَا عَامِدًا كَرِهَ أَكْلهَا ; قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَن وَالشَّيْخ أَبُو بَكْر مِنْ عُلَمَائِنَا . الْخَامِس : قَالَ أَشْهَب : تُؤْكَل ذَبِيحَة تَارِك التَّسْمِيَة عَمْدًا إِلَّا أَنْ يَكُون مُسْتَخِفًّا , وَقَالَ نَحْوه الطَّبَرِيّ . أَدِلَّة قَالَ اللَّه تَعَالَى : | فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اِسْم اللَّه عَلَيْهِ | [ الْأَنْعَام : 118 ] وَقَالَ : | وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَر اِسْم اللَّه عَلَيْهِ | فَبَيَّنَ الْحَالَيْنِ وَأَوْضَحَ الْحُكْمَيْنِ . فَقَوْله : | لَا تَأْكُلُوا | نَهْي عَلَى التَّحْرِيم لَا يَجُوز حَمْله عَلَى الْكَرَاهَة ; لِتَنَاوُلِهِ فِي بَعْض مُقْتَضَيَاته الْحَرَام الْمَحْض , وَلَا يَجُوز أَنْ يَتَبَعَّض , أَيْ يُرَاد بِهِ التَّحْرِيم وَالْكَرَاهَة مَعًا ; وَهَذَا مِنْ نَفِيس الْأُصُول . وَأَمَّا النَّاسِي فَلَا خِطَاب تَوَجَّهَ إِلَيْهِ إِذْ يَسْتَحِيل خِطَابه ; فَالشَّرْط لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَيْهِ . وَأَمَّا التَّارِك لِلتَّسْمِيَةِ عَمْدًا فَلَا يَخْلُو مِنْ ثَلَاثَة أَحْوَال : إِمَّا أَنْ يَتْرُكهَا إِذَا أَضْجَعَ الذَّبِيحَة وَيَقُول : قَلْبِي مَمْلُوء مِنْ أَسْمَاء اللَّه تَعَالَى وَتَوْحِيده فَلَا أَفْتَقِر إِلَى ذِكْر بِلِسَانِي ; فَذَلِكَ يُجْزِئهُ لِأَنَّهُ ذَكَرَ اللَّه جَلَّ جَلَاله وَعَظَّمَهُ . أَوْ يَقُول : إِنَّ هَذَا لَيْسَ بِمَوْضِعِ تَسْمِيَة صَرِيحَة , إِذْ لَيْسَتْ بِقُرْبَةٍ ; فَهَذَا أَيْضًا يُجْزِئُهُ . أَوْ يَقُول : لَا أُسَمِّي , وَأَيّ قَدْر لِلتَّسْمِيَةِ ; فَهَذَا مُتَهَاوِن فَاسِق لَا تُؤْكَل ذَبِيحَته . قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : وَأَعْجَب لِرَأْسِ الْمُحَقِّقِينَ أَمَام الْحَرَمَيْنِ حَيْثُ قَالَ : ذَكَرَ اللَّه تَعَالَى إِنَّمَا شَرَعَ فِي الْقُرْب , وَالذَّبْح لَيْسَ بِقُرْبَةٍ . وَهَذَا يُعَارِض الْقُرْآن وَالسُّنَّة ; قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الصَّحِيح : ( مَا أَنْهَرَ الدَّم وَذُكِرَ اِسْم اللَّه عَلَيْهِ فَكُلْ ) . فَإِنْ قِيلَ : الْمُرَاد بِذِكْرِ اِسْم اللَّه بِالْقَلْبِ ; لِأَنَّ الذِّكْر يُضَادّ النِّسْيَان وَمَحِلّ النِّسْيَان الْقَلْب فَمَحِلّ الذِّكْر الْقَلْب , وَقَدْ رَوَى الْبَرَاء بْن عَازِب : اِسْم اللَّه عَلَى قَلْب كُلّ مُؤْمِن سَمَّى أَوْ لَمْ يُسَمِّ . قُلْنَا : الذِّكْر بِاللِّسَانِ وَبِالْقَلْبِ , وَاَلَّذِي كَانَتْ الْعَرَب تَفْعَلهُ تَسْمِيَة الْأَصْنَام وَالنَّصْب بِاللِّسَانِ , فَنَسَخَ اللَّه ذَلِكَ بِذِكْرِهِ فِي الْأَلْسِنَة , وَاشْتُهِرَ ذَلِكَ فِي الشَّرِيعَة حَتَّى قِيلَ لِمَالِكٍ : هَلْ يُسَمِّي اللَّه تَعَالَى إِذَا تَوَضَّأَ فَقَالَ : أَيُرِيدُ أَنْ يَذْبَح . وَأَمَّا الْحَدِيث الَّذِي تَعَلَّقُوا بِهِ مِنْ قَوْله : ( اِسْم اللَّه عَلَى قَلْب كُلّ مُؤْمِن ) فَحَدِيث ضَعِيف . وَقَدْ اِسْتَدَلَّ جَمَاعَة مِنْ أَهْل الْعِلْم عَلَى أَنَّ التَّسْمِيَة عَلَى الذَّبِيحَة لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ ; لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَام لِأُنَاسٍ سَأَلُوهُ , قَالُوا : يَا رَسُول اللَّه , إِنَّ قَوْمًا يَأْتُونَنَا بِاللَّحْمِ لَا نَدْرِي أَذَكَرُوا اِسْم اللَّه عَلَيْهِ أَمْ لَا ؟ فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : | سَمُّوا اللَّه عَلَيْهِ وَكُلُوا | . أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيّ عَنْ عَائِشَة وَمَالِك مُرْسَلًا عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ , لَمْ يَخْتَلِف عَلَيْهِ فِي إِرْسَاله . وَتَأَوَّلَهُ بِأَنْ قَالَ فِي آخِره : وَذَلِكَ فِي أَوَّل الْإِسْلَام . يُرِيد قَبْل أَنْ يَنْزِل عَلَيْهِ | وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَر اِسْم اللَّه عَلَيْهِ | . قَالَ أَبُو عُمَر : وَهَذَا ضَعِيف , وَفِي الْحَدِيث نَفْسه مَا يَرُدّهُ , وَذَلِكَ أَنَّهُ أَمَرَهُمْ فِيهِ بِتَسْمِيَةِ اللَّه عَلَى الْأَكْل ; فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْآيَة قَدْ كَانَتْ نَزَلَتْ عَلَيْهِ . وَمِمَّا يَدُلّ عَلَى صِحَّة مَا قُلْنَاهُ أَنَّ هَذَا الْحَدِيث كَانَ بِالْمَدِينَةِ , وَلَا يَخْتَلِف الْعُلَمَاء أَنَّ قَوْله تَعَالَى : | وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَر اِسْم اللَّه عَلَيْهِ | نَزَلَ فِي سُورَة | الْأَنْعَام | بِمَكَّة .|وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ|أَيْ لَمَعْصِيَة عَنْ اِبْن عَبَّاس . وَالْفِسْق : الْخُرُوج . وَقَدْ تَقَدَّمَ .|وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ|أَيْ يُوَسْوِسُونَ فَيُلْقُونَ فِي قُلُوبهمْ الْجِدَال بِالْبَاطِلِ . رَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي قَوْله : | وَإِنَّ الشَّيَاطِين لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ | يَقُولُونَ : مَا ذَبَحَ اللَّه فَلَا تَأْكُلُوهُ , وَمَا ذَبَحْتُمْ أَنْتُمْ فَكُلُوهُ , فَأَنْزَلَ اللَّه | وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَر اِسْم اللَّه عَلَيْهِ | قَالَ عِكْرِمَة : عَنَى بِالشَّيَاطِينِ فِي هَذِهِ الْآيَة مَرَدَة الْإِنْس مِنْ مَجُوس فَارِس . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس وَعَبْد اللَّه بْن كَثِير : بَلْ الشَّيَاطِين الْجِنّ , وَكَفَرَة الْجِنّ أَوْلِيَاء قُرَيْش . وَرُوِيَ عَنْ عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر أَنَّهُ قِيلَ لَهُ : إِنَّ الْمُخْتَار يَقُول : يُوحَى إِلَيَّ فَقَالَ : صَدَقَ , إِنَّ الشَّيَاطِين لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ . وَقَوْله : | لِيُجَادِلُوكُمْ | . يُرِيد قَوْلهمْ : مَا قَتَلَ اللَّه لَمْ تَأْكُلُوهُ وَمَا قَتَلْتُمُوهُ أَكَلْتُمُوهُ . وَالْمُجَادَلَة : دَفَعَ الْقَوْل عَلَى طَرِيق الْحُجَّة بِالْقُوَّةِ ; مَأْخُوذ مِنْ الْأَجْدَل , طَائِر قَوِيّ . وَقِيلَ : هُوَ مَأْخُوذ مِنْ الْجَدَالَة , وَهِيَ الْأَرْض ; فَكَأَنَّهُ يَغْلِبهُ بِالْحُجَّةِ وَيَقْهَرهُ حَتَّى يَصِير كَالْمَجْدُولِ بِالْأَرْضِ . وَقِيلَ : هُوَ مَأْخُوذ مِنْ الْجَدَل , وَهُوَ شِدَّة الْقَتْل ; فَكَأَنَّ كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا يَفْتِل حُجَّة صَاحِبه حَتَّى يَقْطَعهَا , وَتَكُون حَقًّا فِي نُصْرَة الْحَقّ وَبَاطِلًا فِي نُصْرَة الْبَاطِل .|وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ|أَيْ فِي تَحْلِيل الْمَيْتَة|إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ|فَدَلَّتْ الْآيَة عَلَى أَنَّ مَنْ اِسْتَحَلَّ شَيْئًا مِمَّا حَرَّمَ اللَّه تَعَالَى صَارَ بِهِ مُشْرِكًا . وَقَدْ حَرَّمَ اللَّه سُبْحَانه الْمَيْتَة نَصًّا ; فَإِذَا قَبِلَ تَحْلِيلهَا مِنْ غَيْره فَقَدْ أَشْرَكَ . قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : إِنَّمَا يَكُون الْمُؤْمِن بِطَاعَةِ الْمُشْرِك مُشْرِكًا إِذَا أَطَاعَهُ فِي الِاعْتِقَاد ; فَأَمَّا إِذَا أَطَاعَهُ فِي الْفِعْل وَعَقْده سَلِيم مُسْتَمِرّ عَلَى التَّوْحِيد وَالتَّصْدِيق فَهُوَ عَاصٍ ; فَافْهَمُوهُ . وَقَدْ مَضَى فِي | الْمَائِدَة | .

قَرَأَ الْجُمْهُور بِفَتْحِ الْوَاو , دَخَلَتْ عَلَيْهَا هَمْزَة الِاسْتِفْهَام . وَرَوَى الْمُسَيَّبِيّ عَنْ نَافِع بْن أَبِي نُعَيْم | أَوَمَنْ كَانَ | بِإِسْكَانِ الْوَاو . قَالَ النَّحَّاس : يَجُوز أَنْ يَكُون مَحْمُولًا عَلَى الْمَعْنَى , أَيْ اُنْظُرُوا وَتَدَبَّرُوا أَغَيْر اللَّه أَبْتَغِي حَكَمًا . | أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ | قِيلَ : مَعْنَاهُ كَانَ مَيْتًا حِين كَانَ نُطْفَة فَأَحْيَيْنَاهُ بِنَفْخِ الرُّوح فِيهِ ; حَكَاهُ اِبْن بَحْر . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : أَوَمَنْ كَانَ كَافِرًا فَهَدَيْنَاهُ . نَزَلَتْ فِي حَمْزَة بْن عَبْد الْمُطَّلِب وَأَبِي جَهْل . وَقَالَ زَيْد بْن أَسْلَم وَالسُّدِّيّ : | فَأَحْيَيْنَاهُ | عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ . | كَمَنْ مَثَله فِي الظُّلُمَات | أَبُو جَهْل لَعَنَهُ اللَّه . وَالصَّحِيح أَنَّهَا عَامَّة فِي كُلّ مُؤْمِن وَكَافِر . وَقِيلَ : كَانَ مَيْتًا بِالْجَهْلِ فَأَحْيَيْنَاهُ بِالْعِلْمِ . وَأَنْشَدَ بَعْض أَهْل الْعِلْم مَا يَدُلّ عَلَى صِحَّة هَذَا التَّأْوِيل لِبَعْضِ شُعَرَاء الْبَصْرَة :
وَفِي الْجَهْل قَبْل الْمَوْت مَوْت لِأَهْلِهِ .......... فَأَجْسَامهمْ قَبْل الْقُبُور قُبُور

وَإِنْ اِمْرَأً لَمْ يَحْيَى بِالْعِلْمِ مَيِّت .......... فَلَيْسَ لَهُ حَتَّى النُّشُور نُشُور
وَالنُّور عِبَارَة عَنْ الْهُدَى وَالْإِيمَان . وَقَالَ الْحَسَن : الْقُرْآن . وَقِيلَ : الْحِكْمَة . وَقِيلَ : هُوَ النُّور الْمَذْكُور فِي قَوْله : | يَسْعَى نُورهمْ بَيْن أَيْدِيهمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ | [ الْحَدِيد : 12 ] , وَقَوْله : | اُنْظُرُونَا نَقْتَبِس مِنْ نُوركُمْ | [ الْحَدِيد : 13 ] .|يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ|أَيْ بِالنُّورِ|كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا|أَيْ كَمَنْ هُوَ فَمَثَل زَائِدَة . تَقُول : أَنَا أَكْرَم مِثْلك ; أَيْ أَكْرَمك . وَمِثْله | فَجَزَاء مِثْل مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَم | [ الْمَائِدَة : 95 ] , | لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء | [ الشُّورَى : 11 ] . وَقِيلَ : الْمَعْنَى كَمَنْ مَثَله مَثَل مَنْ هُوَ فِي الظُّلُمَات . وَالْمَثَل وَالْمِثْل وَاحِد .|كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ|أَيْ زَيَّنَ لَهُمْ الشَّيْطَان عِبَادَة الْأَصْنَام وَأَوْهَمَهُمْ أَنَّهُمْ أَفْضَل مِنْ الْمُسْلِمِينَ .

الْمَعْنَى : وَكَمَا زَيَّنَّا لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ كَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلّ قَرْيَة . | مُجْرِمِيهَا | مَفْعُول أَوَّل لِجَعَلَ | أَكَابِر | مَفْعُول ثَان عَلَى التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير . وَجَعَلَ بِمَعْنَى صَيَّرَ . وَالْأَكَابِر جَمْع الْأَكْبَر . قَالَ مُجَاهِد : يُرِيد الْعُظَمَاء . وَقِيلَ : الرُّؤَسَاء وَالْعُظَمَاء . وَخَصَّهُمْ بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُمْ أَقْدَر عَلَى الْفَسَاد . وَالْمَكْر الْحِيلَة فِي مُخَالَفَة الِاسْتِقَامَة , وَأَصْله الْفَتْل ; فَالْمَاكِر يَفْتِل عَنْ الِاسْتِقَامَة أَيْ يَصْرِف عَنْهَا . قَالَ مُجَاهِد : كَانُوا يَجْلِسُونَ عَلَى كُلّ عَقَبَة أَرْبَعَة يَنْفِرُونَ النَّاس عَنْ اِتِّبَاع النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; كَمَا فَعَلَ مَنْ قَبْلهمْ مِنْ الْأُمَم السَّالِفَة بِأَنْبِيَائِهِمْ .|وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ|أَيْ وَبَال مَكْرهمْ رَاجِع إِلَيْهِمْ . وَهُوَ مِنْ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ الْجَزَاء عَلَى مَكْر الْمَاكِرِينَ بِالْعَذَابِ الْأَلِيم .|وَمَا يَشْعُرُونَ|فِي الْحَال ; لِفَرْطِ جَهْلهمْ أَنَّ وَبَال مَكْرهمْ عَائِد إِلَيْهِمْ .

قَوْله تَعَالَى : | وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَة قَالُوا لَنْ نُؤْمِن | بَيَّنَ شَيْئًا آخَر مِنْ جَهْلهمْ , وَهُوَ أَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ نُؤْمِن حَتَّى نَكُون أَنْبِيَاء , فَنُؤْتَى مِثْل مَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى مِنْ الْآيَات ; وَنَظِيره | بَلْ يُرِيد كُلّ اِمْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَة | [ الْمُدَّثِّر : 52 ] . وَالْكِنَايَة فِي | جَاءَتْهُمْ | تَرْجِع إِلَى الْأَكَابِر الَّذِينَ جَرَى ذِكْرهمْ . قَالَ الْوَلِيد بْن الْمُغِيرَة : لَوْ كَانَتْ النُّبُوَّة حَقًّا لَكُنْت أَوْلَى بِهَا مِنْك ; لِأَنِّي أَكْبَر مِنْك سِنًّا , وَأَكْثَر مِنْك مَالًا . وَقَالَ أَبُو جَهْل : وَاَللَّه لَا نَرْضَى بِهِ وَلَا نَتَّبِعهُ أَبَدًا , إِلَّا أَنْ يَأْتِينَا وَحْي كَمَا يَأْتِيه ; فَنَزَلَتْ الْآيَة . وَقِيلَ : لَمْ يَطْلُبُوا النُّبُوَّة وَلَكِنْ قَالُوا لَا نُصَدِّقك حَتَّى يَأْتِينَا جِبْرِيل وَالْمَلَائِكَة يُخْبِرُونَنَا بِصِدْقِك . وَالْأَوَّل أَصَحّ ; لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى قَالَ : | اللَّه أَعْلَم حَيْثُ يَجْعَل رِسَالَته | [ الْأَنْعَام : 124 ] أَيْ بِمَنْ هُوَ مَأْمُون عَلَيْهَا وَمَوْضِع لَهَا . و | حَيْثُ | لَيْسَ ظَرْفًا هُنَا , بَلْ هُوَ اِسْم نَصْب نُصِبَ الْمَفْعُول بِهِ عَلَى الِاتِّسَاع ; أَيْ اللَّه أَعْلَم أَهْل الرِّسَالَة . وَكَانَ الْأَصْل اللَّه أَعْلَم بِمَوَاضِع رِسَالَته , ثُمَّ حُذِفَ الْحَرْف , وَلَا يَجُوز أَنْ يَعْمَل | أَعْلَم | فِي | حَيْثُ | وَيَكُون ظَرْفًا , لِأَنَّ الْمَعْنَى يَكُون عَلَى ذَلِكَ اللَّه أَعْلَم فِي هَذَا الْمَوْضِع , وَذَلِكَ لَا يَجُوز أَنْ يُوصَف بِهِ الْبَارِي تَعَالَى , وَإِنَّمَا مَوْضِعهَا نَصْب بِفِعْلٍ مُضْمَر دَلَّ عَلَيْهِ | أَعْلَم | . وَهِيَ اِسْم كَمَا ذَكَرْنَا . وَالصَّغَار : الضَّيْم وَالذُّلّ وَالْهَوَان , وَكَذَلِكَ الصُّغْر ( بِالضَّمِّ ) . وَالْمَصْدَر الصَّغَر ( بِالتَّحْرِيكِ ) . وَأَصْله مِنْ الصِّغَر دُون الْكِبَر ; فَكَأَنَّ الذُّلّ يُصَغَّر إِلَى الْمَرْء نَفْسه , وَقِيلَ : أَصْله مِنْ الصَّغَر وَهُوَ الرِّضَا بِالذُّلِّ ; يُقَال مِنْهُ : صَغَرَ يَصْغُر بِفَتْحِ الْغَيْن فِي الْمَاضِي وَضَمّهَا فِي الْمُسْتَقْبَل . وَصَغِرَ بِالْكَسْرِ يَصْغَر بِالْفَتْحِ لُغَتَانِ , صَغَرًا وَصَغَارًا , وَاسْم الْفَاعِل صَاغِر وَصَغِير . وَالصَّاغِر : الرَّاضِي بِالضَّيْمِ . وَالْمَصْغُورَاء الصِّغَار . وَأَرْض مُصَغَّرَة : نَبْتهَا لَمْ يَطُلْ ; عَنْ اِبْن السِّكِّيت . | عِنْد اللَّه | أَيْ مِنْ عِنْد اللَّه , فَحُذِفَ . وَقِيلَ : فِيهِ تَقْدِيم وَتَأْخِير , أَيْ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا عِنْد اللَّه صَغَار . الْفَرَّاء : سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَار مِنْ اللَّه . وَقِيلَ : الْمَعْنَى سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَار ثَابِت عِنْد اللَّه . قَالَ النَّحَّاس : وَهَذَا أَحْسَن الْأَقْوَال ; لِأَنَّ | عِنْد | فِي مَوْضِعهَا .