islamkingdomfaceBook islamkingdomtwitter islamkingdominstagram islamkingdomyoutube


قَالَ اِبْن عَبَّاس : لَمَّا خَرَجَ نُوح مِنْ السَّفِينَة مَاتَ مَنْ مَعَهُ مِنْ الرِّجَال وَالنِّسَاء إِلَّا وَلَدَهُ وَنِسَاءَهُ ; فَذَلِكَ قَوْله : | وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمْ الْبَاقِينَ | . وَقَالَ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب : كَانَ وَلَد نُوح ثَلَاثَة وَالنَّاس كُلّهمْ مِنْ وَلَد نُوح : فَسَام أَبُو الْعَرَب وَفَارِس وَالرُّوم وَالْيَهُود وَالنَّصَارَى . وَحَام أَبُو السُّودَان مِنْ الْمَشْرِق إِلَى الْمَغْرِب : السِّنْد وَالْهِنْد وَالنُّوب وَالزِّنْج وَالْحَبَشَة وَالْقِبْط وَالْبَرْبَر وَغَيْرهمْ . وَيَافِث أَبُو الصَّقَالِبَة وَالتُّرْك واللان وَالْخُزْر وَيَأْجُوج وَمَأْجُوج وَمَا هُنَالِكَ . وَقَالَ قَوْم : كَانَ لِغَيْرِ وَلَد نُوح أَيْضًا نَسْل ; بِدَلِيلِ قَوْله : | ذُرِّيَّة مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوح | [ الْإِسْرَاء : 3 ] . وَقَوْله : | قِيلَ يَا نُوح اِهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَات عَلَيْك وَعَلَى أُمَم مِمَّنْ مَعَك وَأُمَم سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَاب أَلِيم | [ هُود : 48 ] فَعَلَى هَذَا مَعْنَى الْآيَة : | وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمْ الْبَاقِينَ | دُون ذُرِّيَّة مَنْ كَفَرَ أَنَّا أَغْرَقْنَا أُولَئِكَ .

أَيْ تَرَكْنَا عَلَيْهِ ثَنَاء حَسَنًا فِي كُلّ أُمَّة , فَإِنَّهُ مُحَبَّب إِلَى الْجَمِيع ; حَتَّى إِنَّ فِي الْمَجُوس مَنْ يَقُول إِنَّهُ أفريدون . رُوِيَ مَعْنَاهُ عَنْ مُجَاهِد وَغَيْره . وَزَعَمَ الْكِسَائِيّ أَنَّ فِيهِ تَقْدِيرَيْنِ : أَحَدهمَا | وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ | يُقَال : | سَلَام عَلَى نُوح | أَيْ تَرَكْنَا عَلَيْهِ هَذَا الثَّنَاء الْحَسَن . وَهَذَا مَذْهَب أَبِي الْعَبَّاس الْمُبَرِّد . أَيْ تَرَكْنَا عَلَيْهِ هَذِهِ الْكَلِمَة بَاقِيَة ; يَعْنِي يُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ تَسْلِيمًا وَيَدْعُونَ لَهُ ; وَهُوَ مِنْ الْكَلَام الْمَحْكِيّ ; كَقَوْلِهِ تَعَالَى : | سُورَة أَنْزَلْنَاهَا | . [ النُّور : 1 ] . وَالْقَوْل الْآخَر أَنْ يَكُون الْمَعْنَى وَأَبْقَيْنَا عَلَيْهِ .

أَيْ سَلَامَة لَهُ مِنْ أَنْ يُذْكَر بِسُوءٍ | فِي الْآخِرِينَ | . قَالَ الْكِسَائِيّ : وَفِي قِرَاءَة اِبْن مَسْعُود | سَلَامًا | مَنْصُوب بِـ | تَرَكْنَا | أَيْ تَرَكْنَا عَلَيْهِ ثَنَاء حَسَنًا سَلَامًا . وَقِيلَ : | فِي الْآخِرِينَ | أَيْ فِي أُمَّة مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَقِيلَ : فِي الْأَنْبِيَاء إِذْ لَمْ يُبْعَثْ بَعْده نَبِيّ إِلَّا أُمِرَ بِالِاقْتِدَاءِ بِهِ ; قَالَ اللَّه تَعَالَى : | شَرَعَ لَكُمْ مِنْ الدِّين مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا | [ الشُّورَى : 13 ] . وَقَالَ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب : وَبَلَغَنِي أَنَّهُ مَنْ قَالَ حِين يُمْسِي | سَلَام عَلَى نُوح فِي الْعَالَمِينَ | لَمْ تَلْدَغْهُ عَقْرَب . ذَكَرَهُ أَبُو عُمَر فِي التَّمْهِيد . وَفِي الْمُوَطَّأ عَنْ خَوْلَة بِنْت حَكِيم أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( مَنْ نَزَلَ مَنْزِلًا فَلْيَقُلْ أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّه التَّامَّات مِنْ شَرّ مَا خَلَقَ فَإِنَّهُ لَنْ يَضُرَّهُ شَيْء حَتَّى يَرْتَحِلَ ) . وَفِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَسْلَمَ قَالَ : مَا نِمْت هَذِهِ اللَّيْلَة ; فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مِنْ أَيِّ شَيْء ) فَقَالَ : لَدَغَتْنِي عَقْرَب ; فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَمَا إِنَّك لَوْ قُلْت حِين أَمْسَيْت أَعُوذ بِكَلِمَاتِ اللَّه التَّامَّات مِنْ شَرّ مَا خَلَقَ لَمْ تَضُرَّك ) .

أَيْ نُبْقِي عَلَيْهِمْ الثَّنَاء الْحَسَن . وَالْكَاف فِي مَوْضِع نَصْب ; أَيْ جَزَاءً كَذَلِكَ .

هَذَا بَيَان إِحْسَانه .

أَيْ مَنْ كَفَرَ . وَجَمْعُهُ أُخَرِ . وَالْأَصْل فِيهِ أَنْ يَكُون مَعَهُ | مِنْ | إِلَّا أَنَّهَا حُذِفَتْ ; لِأَنَّ الْمَعْنَى مَعْرُوف , وَلَا يَكُون آخِرًا إِلَّا وَقَبْله شَيْء مِنْ جِنْسه . | ثُمَّ | لَيْسَ لِلتَّرَاخِي هَاهُنَا بَلْ هُوَ لِتَعْدِيدِ النِّعَم ; كَقَوْلِهِ : | أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ . ثُمَّ كَانَ مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا | [ الْبَلَد : 16 - 17 ] أَيْ ثُمَّ أُخْبِرُكُمْ أَنِّي قَدْ أَغْرَقْت الْآخَرِينَ , وَهُمْ الَّذِينَ تَأَخَّرُوا عَنْ الْإِيمَان .

قَالَ اِبْن عَبَّاس : أَيْ مِنْ أَهْل دِينه . وَقَالَ مُجَاهِد : أَيْ عَلَى مِنْهَاجه وَسُنَّته . قَالَ الْأَصْمَعِيّ : الشِّيعَة الْأَعْوَان , وَهُوَ مَأْخُوذ مِنْ الشِّيَاع , وَهُوَ الْحَطَب الصِّغَار الَّذِي يُوقَد مَعَ الْكِبَار حَتَّى يُسْتَوْقَد . وَقَالَ الْكَلْبِيّ وَالْفَرَّاء : الْمَعْنَى وَإِنَّ مِنْ شِيعَة مُحَمَّد لَإِبْرَاهِيم . فَالْهَاء فِي | شِيعَته | عَلَى هَذَا لِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلَام . وَعَلَى الْأَوَّل لِنُوحٍ وَهُوَ أَظْهَرُ , لِأَنَّهُ هُوَ الْمَذْكُور أَوَّلًا , وَمَا كَانَ بَيْن نُوح وَإِبْرَاهِيم إِلَّا نَبِيَّانِ هُود وَصَالِح , وَكَانَ بَيْن نُوح وَإِبْرَاهِيم أَلْفَانِ وَسِتُّمِائَةٍ وَأَرْبَعُونَ سَنَةً ; حَكَاهُ الزَّمَخْشَرِيّ .

أَيْ مُخْلِص مِنْ الشِّرْك وَالشَّكّ . وَقَالَ عَوْف الْأَعْرَابِيّ : سَأَلْت مُحَمَّد بْن سِيرِينَ مَا الْقَلْب السَّلِيم ؟ فَقَالَ : النَّاصِح لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي خَلْقه . وَذَكَرَ الطَّبَرِيّ عَنْ غَالِب الْقَطَّان وَعَوْف وَغَيْرهمَا عَنْ مُحَمَّد بْن سِيرِينَ أَنَّهُ كَانَ يَقُول لِلْحَجَّاجِ : مِسْكِين أَبُو مُحَمَّد ! إِنْ عَذَّبَهُ اللَّه فَبِذَنْبِهِ , وَإِنْ غَفَرَ لَهُ فَهَنِيئًا لَهُ , وَإِنْ كَانَ قَلْبه سَلِيمًا فَقَدْ أَصَابَ الذُّنُوبَ مَنْ هُوَ خَيْر مِنْهُ . قَالَ عَوْف : فَقُلْت لِمُحَمَّدٍ مَا الْقَلْب السَّلِيم ؟ قَالَ : أَنْ يَعْلَم أَنَّ اللَّه حَقّ , وَأَنَّ السَّاعَة قَائِمَة , وَأَنَّ اللَّه يَبْعَث مَنْ فِي الْقُبُور . وَقَالَ هِشَام بْن عُرْوَة : كَانَ أَبِي يَقُول لَنَا : يَا بَنِيَّ لَا تَكُونُوا لَعَّانِينَ , أَلَمْ تَرَوْا إِلَى إِبْرَاهِيم لَمْ يَلْعَن شَيْئًا قَطُّ , فَقَالَ تَعَالَى : | إِذْ جَاءَ رَبّه بِقَلْبٍ سَلِيم | . وَيَحْتَمِل مَجِيئهُ إِلَى رَبّه وَجْهَيْنِ : أَحَدهمَا عِنْد دُعَائِهِ إِلَى تَوْحِيده وَطَاعَته ; الثَّانِي عِنْد إِلْقَائِهِ فِي النَّار .

| لِأَبِيهِ | وَهُوَ آزَر , وَقَدْ مَضَى الْكَلَام فِيهِ . | وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ | تَكُون | مَا | فِي مَوْضِع رَفْع بِالِابْتِدَاءِ وَ | ذَا | خَبَره . وَيَجُوز أَنْ تَكُون | مَا | وَ | ذَا | فِي مَوْضِع نَصْب بِـ | تَعْبُدُونَ | .

نَصْب عَلَى الْمَفْعُول بِهِ ; بِمَعْنَى أَتُرِيدُونَ إِفْكًا . قَالَ الْمُبَرِّد : وَالْإِفْك أَسْوَأ الْكَذِب , وَهُوَ الَّذِي لَا يَثْبُت وَيَضْطَرِب , وَمِنْهُ اِئْتَفَكَتْ بِهِمْ الْأَرْض .|آلِهَةً|بَدَل مِنْ إِفْك|دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ|أَيْ تَعْبُدُونَ . وَيَجُوز أَنْ يَكُون حَالًا بِمَعْنَى أَتُرِيدُونَ أَلِهَة مِنْ دُون اللَّه آفِكِينَ .

أَيْ مَا ظَنُّكُمْ بِهِ إِذَا لَقِيتُمُوهُ وَقَدْ عَبَدْتُمْ غَيْره ؟ فَهُوَ تَحْذِير , مِثْل قَوْله : | مَا غَرَّك بِرَبِّك الْكَرِيم | [ الِانْفِطَار : 6 ] . وَقِيلَ : أَيّ شَيْء أُوهِمْتُمُوهُ حَتَّى أَشْرَكْتُمْ بِهِ غَيْره .

قَالَ اِبْن زَيْد عَنْ أَبِيهِ : أَرْسَلَ إِلَيْهِ مَلِكُهُمْ إِنَّ غَدًا عِيدُنَا فَاخْرُجْ مَعَنَا , فَنَظَرَ إِلَى نَجْم طَالِع فَقَالَ : إِنَّ هَذَا يَطْلُع مَعَ سَقَمِي . وَكَانَ عِلْم النُّجُوم مُسْتَعْمَلًا عِنْدهمْ مَنْظُورًا فِيهِ , فَأَوْهَمَهُمْ هُوَ مِنْ تِلْكَ الْجِهَة , وَأَرَاهُمْ مِنْ مُعْتَقَدِهِمْ عُذْرًا لِنَفْسِهِ ; وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا أَهْل رِعَايَة وَفِلَاحَة , وَهَاتَانِ الْمَعِيشَتَانِ يُحْتَاج فِيهِمَا إِلَى نَظَرٍ فِي النُّجُوم . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : كَانَ عِلْم النُّجُوم مِنْ النُّبُوَّة , فَلَمَّا حَبَسَ اللَّه تَعَالَى الشَّمْس عَلَى يُوشَع بْن نُون أَبْطَلَ ذَلِكَ , فَكَانَ نَظَر إِبْرَاهِيم فِيهَا عِلْمًا نَبَوِيًّا . وَحَكَى جُوَيْبِر عَنْ الضَّحَّاك . كَانَ عِلْم النُّجُوم بَاقِيًا إِلَى زَمَن عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام , حَتَّى دَخَلُوا عَلَيْهِ فِي مَوْضِع لَا يُطَّلَع عَلَيْهِ مِنْهُ , فَقَالَتْ لَهُمْ مَرْيَم : مِنْ أَيْنَ عَلِمْتُمْ بِمَوْضِعِهِ ؟ قَالُوا : مِنْ النُّجُوم . فَدَعَا رَبّه عِنْد ذَلِكَ فَقَالَ : اللَّهُمَّ لَا تُفْهِمْهُمْ فِي عِلْمهَا , فَلَا يَعْلَم عِلْم النُّجُوم أَحَد ; فَصَارَ حُكْمهَا فِي الشَّرْع مَحْظُورًا , وَعِلْمهَا فِي النَّاس مَجْهُولًا . قَالَ الْكَلْبِيّ : وَكَانُوا فِي قَرْيَة بَيْن الْبَصْرَة وَالْكُوفَة يُقَال لَهُمْ هُرْمُز جِرْد , وَكَانُوا يَنْظُرُونَ فِي النُّجُوم . فَهَذَا قَوْل . وَقَالَ الْحَسَن : الْمَعْنَى أَنَّهُمْ لَمَّا كَلَّفُوهُ الْخُرُوج مَعَهُمْ تَفَكَّرَ فِيمَا يَعْمَل . فَالْمَعْنَى عَلَى هَذَا أَنَّهُ نَظَرَ فِيمَا نَجَمَ لَهُ مِنْ الرَّأْي ; أَيْ فِيمَا طَلَعَ لَهُ مِنْهُ , فَعَلِمَ أَنَّ كُلّ حَيّ يَسْقَم فَقَالَ . | إِنِّي سَقِيم | . الْخَلِيل وَالْمُبَرِّد : يُقَال لِلرَّجُلِ إِذَا فَكَّرَ فِي الشَّيْء يُدَبِّرُهُ : نَظَرَ فِي النُّجُوم . وَقِيلَ : كَانَتْ السَّاعَة الَّتِي دَعَوْهُ إِلَى الْخُرُوج مَعَهُمْ فِيهَا سَاعَة تَغْشَاهُ فِيهَا الْحُمَّى . وَقِيلَ : الْمَعْنَى فَنَظَرَ فِيمَا نَجَمَ مِنْ الْأَشْيَاء فَعَلِمَ أَنَّ لَهَا خَالِقًا . وَمُدَبِّرًا , وَأَنَّهُ يَتَغَيَّر كَتَغَيُّرِهَا . وَالنُّجُوم يَكُون جَمْع نَجْم وَيَكُون وَاحِدًا مَصْدَرًا .

قَالَ الضَّحَّاك : مَعْنَى | سَقِيم | سَأَسْقَمُ سَقَم الْمَوْت ; لِأَنَّ مَنْ كُتِبَ عَلَيْهِ الْمَوْت يَسْقَم فِي الْغَالِب ثُمَّ يَمُوت , وَهَذَا تَوْرِيَة وَتَعْرِيض ; كَمَا قَالَ لِلْمَلِكِ لَمَّا سَأَلَهُ عَنْ سَارَةَ هِيَ أُخْتِي ; يَعْنِي أُخُوَّة الدِّين . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس وَابْن جُبَيْر وَالضَّحَّاك أَيْضًا أَشَارَ لَهُمْ إِلَى مَرَض وَسَقَم يُعْدِي كَالطَّاعُونِ , وَكَانُوا يَهْرُبُونَ مِنْ الطَّاعُون , وَرَوَى التِّرْمِذِيّ الْحَكِيم قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ حَدَّثَنَا عَمْرو بْن حَمَّاد عَنْ أَسْبَاط عَنْ السُّدِّيّ عَنْ أَبِي مَالِك وَأَبِي صَالِح عَنْ اِبْن عَبَّاس , وَعَنْ سَمُرَة عَنْ الْهَمْدَانِيّ عَنْ اِبْن مَسْعُود قَالَ : قَالُوا لِإِبْرَاهِيم : إِنَّ لَنَا عِيدًا لَوْ خَرَجْت مَعَنَا لَأَعْجَبَك دِينُنَا . فَلَمَّا كَانَ يَوْم الْعِيد خَرَجُوا إِلَيْهِ وَخَرَجَ مَعَهُمْ , فَلَمَّا كَانَ بِبَعْضِ الطَّرِيق أَلْقَى بِنَفْسِهِ , وَقَالَ إِنِّي سَقِيم أَشْتَكِي رِجْلِي , فَوَطَئُوا رِجْله وَهُوَ صَرِيع , فَلَمَّا مَضَوْا نَادَى فِي آخِرهمْ | وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامكُمْ | [ الْأَنْبِيَاء : 57 ] . قَالَ أَبُو عَبْد اللَّه : وَهَذَا لَيْسَ بِمُعَارِضٍ لِمَا قَالَ اِبْن عَبَّاس وَابْن جُبَيْر ; لِأَنَّهُ يَحْتَمِل أَنْ يَكُون قَدْ اِجْتَمَعَ لَهُ أَمْرَانِ . قُلْت : وَفِي الصَّحِيح عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَمْ يَكْذِبْ إِبْرَاهِيمُ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَام إِلَّا ثَلَاثَ كَذَبَات ... ) الْحَدِيث . وَقَدْ مَضَى فِي سُورَة [ الْأَنْبِيَاء ] وَهُوَ يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ سَقِيمًا وَإِنَّمَا عَرَّضَ لَهُمْ . وَقَدْ قَالَ جَلَّ وَعَزَّ : | إِنَّك مَيِّت وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ | [ الزُّمَر : 30 ] . فَالْمَعْنَى إِنِّي سَقِيم فِيمَا أَسْتَقْبِلُ فَتَوَهَّمُوا هُمْ أَنَّهُ سَقِيم السَّاعَة . وَهَذَا مِنْ مَعَارِيض الْكَلَام عَلَى مَا ذَكَرْنَا , وَمِنْهُ الْمَثَل السَّائِر [ كَفَى بِالسَّلَامَةِ دَاءً ] وَقَوْل لَبِيد :
فَدَعَوْت رَبِّي بِالسَّلَامَةِ جَاهِدًا .......... لِيُصِحَّنِي فَإِذَا السَّلَامَةُ دَاءُ
وَقَدْ مَاتَ رَجُل فَجْأَة فَالْتَفَّ عَلَيْهِ النَّاس فَقَالُوا : مَاتَ وَهُوَ صَحِيح ! فَقَالَ أَعْرَابِيّ : أَصَحِيح مَنْ الْمَوْت فِي عُنُقِهِ ! فَإِبْرَاهِيم صَادِق , لَكِنْ لَمَّا كَانَ الْأَنْبِيَاء لِقُرْبِ مَحَلّهمْ وَاصْطِفَائِهِمْ عُدَّ هَذَا ذَنْبًا ; وَلِهَذَا قَالَ : | وَاَلَّذِي أَطْمَع أَنْ يَغْفِر لِي خَطِيئَتِي يَوْم الدِّين | [ الشُّعَرَاء : 82 ] وَقَدْ مَضَى هَذَا كُلّه مُبِينًا وَالْحَمْد لِلَّهِ . وَقِيلَ : أَرَادَ سَقِيم النَّفْس لِكُفْرِهِمْ .

| فَـ | لِذَلِكَ | تَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ | أَيْ فَارِّينَ مِنْهُ خَوْفًا مِنْ الْعَدْوَى .

قَالَ السُّدِّيّ : ذَهَبَ إِلَيْهِمْ . وَقَالَ أَبُو مَالِك : جَاءَ إِلَيْهِمْ . وَقَالَ قَتَادَة : مَالَ إِلَيْهِمْ . وَقَالَ الْكَلْبِيّ : أَقْبَلَ عَلَيْهِمْ . وَقِيلَ : عَدَلَ . وَالْمَعْنَى مُتَقَارِب . فَرَاغَ يَرُوغ رَوْغًا وَرَوَغَانًا إِذَا مَالَ . وَطَرِيق رَائِغ أَيْ مَائِل . وَقَالَ الشَّاعِر :
وَيُرِيك مِنْ طَرَفِ اللِّسَانِ حَلَاوَةً .......... وَيَرُوغُ عَنْك كَمَا يَرُوغُ الثَّعْلَبُ
|فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ|فَخَاطَبَهَا كَمَا يُخَاطِب مَنْ يَعْقِل ; لِأَنَّهُمْ أَنْزَلُوهَا بِتِلْكَ الْمَنْزِلَة . وَكَذَا قِيلَ : كَانَ بَيْن يَدَيْ الْأَصْنَام طَعَام تَرَكُوهُ لِيَأْكُلُوهُ إِذَا رَجَعُوا مِنْ الْعِيد , وَإِنَّمَا تَرَكُوهُ لِتُصِيبَهُ بَرَكَة أَصْنَامهمْ بِزَعْمِهِمْ . وَقِيلَ : تَرَكُوهُ لِلسَّدَنَةِ . وَقِيلَ : قَرَّبَ هُوَ إِلَيْهَا طَعَامًا عَلَى جِهَة الِاسْتِهْزَاء ; فَقَالَ : | أَلَا تَأْكُلُونَ مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ | .

فَخَاطَبَهَا كَمَا يُخَاطِب مَنْ يَعْقِل ; لِأَنَّهُمْ أَنْزَلُوهَا بِتِلْكَ الْمَنْزِلَة .

خَصَّ الضَّرْب بِالْيَمِينِ لِأَنَّهَا أَقْوَى وَالضَّرْب بِهَا أَشَدّ ; قَالَ الضَّحَّاك وَالرَّبِيع بْن أَنَس . وَقِيلَ : الْمُرَاد بِالْيَمِينِ الْيَمِين الَّتِي حَلَفَهَا حِين قَالَ : | وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامكُمْ | [ الْأَنْبِيَاء : 57 ] . وَقَالَ الْفَرَّاء وَثَعْلَب : ضَرْبًا بِالْقُوَّةِ وَالْيَمِين الْقُوَّة . وَقِيلَ : بِالْعَدْلِ وَالْيَمِين هَاهُنَا الْعَدْل . وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى : | وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْض الْأَقَاوِيل . لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ | [ الْحَاقَّة : 44 - 45 ] أَيْ بِالْعَدْلِ , فَالْعَدْل لِلْيَمِينِ وَالْجَوْر لِلشِّمَالِ . أَلَا تَرَى أَنَّ الْعَدُوّ عَنْ الشِّمَال وَالْمَعَاصِي عَنْ الشِّمَال وَالطَّاعَة عَنْ الْيَمِين ; وَلِذَلِكَ قَالَ : | إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنْ الْيَمِين | [ الصَّافَّات : 28 ] أَيْ مِنْ قِبَلِ الطَّاعَة . فَالْيَمِين هُوَ مَوْضِع الْعَدْل مِنْ الْمُسْلِم , وَالشِّمَال مَوْضِع الْجَوْر . أَلَا تَرَى أَنَّهُ بَايَعَ اللَّه بِيَمِينِهِ يَوْم الْمِيثَاق , فَالْبَيْعَة بِالْيَمِينِ ; فَلِذَلِكَ يُعْطَى كِتَابه غَدًا بِيَمِينِهِ ; لِأَنَّهُ وَفَّى بِالْبَيْعَةِ , وَيُعْطَى النَّاكِث لِلْبَيْعَةِ الْهَارِب بِرَقَبَتِهِ مِنْ اللَّه بِشِمَالِهِ ; لِأَنَّ الْجَوْر هُنَاكَ . فَقَوْله : | فَرَاغ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ | أَيْ بِذَلِكَ الْعَدْل الَّذِي كَانَ بَايَعَ اللَّه عَلَيْهِ يَوْم الْمِيثَاق ثُمَّ وَفَّى لَهُ هَاهُنَا . فَجَعَلَ تِلْكَ الْأَوْثَان جُذَاذًا , أَيْ فُتَاتًا كَالْجَذِيذَةِ وَهِيَ السَّوِيق وَلَيْسَ مِنْ قَبِيل الْقُوَّة ; قَالَهُ التِّرْمِذِيّ الْحَكِيم

قَرَأَ حَمْزَة | يُزِفُّونَ | بِضَمِّ الْيَاء . الْبَاقُونَ بِفَتْحِهَا . أَيْ يُسْرِعُونَ ; قَالَهُ اِبْن زَيْد . قَتَادَة وَالسُّدِّيّ : يَمْشُونَ . وَقِيلَ : الْمَعْنَى يَمْشُونَ بِجَمْعِهِمْ عَلَى مَهَل آمَنِينَ أَنْ يُصِيب أَحَد آلِهَتَهُمْ بِسُوءٍ . وَقِيلَ : الْمَعْنَى يَتَسَلَّلُونَ تَسَلُّلًا بَيْن الْمَشْي وَالْعَدْو ; وَمِنْهُ زَفِيف النَّعَامَة . وَقَالَ الضَّحَّاك : يَسْعَوْنَ وَحَكَى يَحْيَى بْن سَلَّام : يُرْعِدُونَ غَضَبًا . وَقِيلَ : يَخْتَالُونَ وَهُوَ مَشْي الْخُيَلَاء ; قَالَهُ مُجَاهِد . وَمِنْهُ أُخِذَ زِفَاف الْعَرُوس إِلَى زَوْجهَا . وَقَالَ الْفَرَزْدَق :
وَجَاءَ قَرِيعُ الشَّوْلِ قَبْلِ إِفَالِهَا .......... يَزِفُّ وَجَاءَتْ خَلْفَهُ وَهِيَ زُفَّفُ
وَمَنْ قَرَأَ : | يُزِفُّونَ | فَمَعْنَاهُ يُزِفُّونَ غَيْرهمْ أَيْ يَحْمِلُونَهُمْ عَلَى التَّزْفِيف . وَعَلَى هَذَا فَالْمَفْعُول مَحْذُوف . قَالَ الْأَصْمَعِيّ : أَزَفَفْت الْإِبِل أَيْ حَمَلْتهَا عَلَى أَنْ تَزِفّ . وَقِيلَ : هُمَا لُغَتَانِ يُقَال : زَفَّ الْقَوْم وَأَزَفُّوا , وَزَفَفْت الْعَرُوس وَأَزْفَفْتُهَا وَاِزْدَفَفْتُهَا بِمَعْنًى , وَالْمُزَفَّة : الْمِحَفَّة الَّتِي تُزَفّ فِيهَا الْعَرُوس ; حَكَى ذَلِكَ عَنْ الْخَلِيل . النَّحَّاس : | وَيُزِفُّونَ | بِضَمِّ الْيَاء . زَعَمَ أَبُو حَاتِم أَنَّهُ لَا يَعْرِف هَذِهِ اللُّغَة , وَقَدْ عَرَفَهَا جَمَاعَة مِنْ الْعُلَمَاء مِنْهُمْ الْفَرَّاء وَشَبَّهَهَا بِقَوْلِهِمْ : أَطَرَدْت الرَّجُل أَيْ صَيَّرْته إِلَى ذَلِكَ . وَطَرَدَتْهُ نَحَّيْته ; وَأَنْشَدَ هُوَ وَغَيْره :
تَمَنَّى حُصَيْنٌ أَنْ يَسُود جِذَاعَةً .......... فَأَمْسَى حُصَيْنٌ قَدْ أُذِلَّ وَأُقْهِرَا
أَيْ صُيِّرَ إِلَى ذَلِكَ ; فَكَذَلِكَ | يُزِفُّونَ | يَصِيرُونَ إِلَى الزَّفِيف . قَالَ مُحَمَّد بْن يَزِيد : الزَّفِيف الْإِسْرَاع . وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق : الزَّفِيف أَوَّل عَدْو النَّعَام . وَقَالَ أَبُو حَاتِم : وَزَعَمَ الْكِسَائِيّ أَنَّ قَوْمًا قَرَءُوا | فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُونَ | خَفِيفَة ; مِنْ وَزَفَ يَزِفُ , مِثْل وَزَنَ يَزِن . قَالَ النَّحَّاس : فَهَذِهِ حِكَايَة أَبِي حَاتِم وَأَبُو حَاتِم لَمْ يَسْمَع مِنْ الْكِسَائِيّ شَيْئًا . وَرَوَى الْفَرَّاء وَهُوَ صَاحِب الْكِسَائِيّ عَنْ الْكِسَائِيّ أَنَّهُ لَا يُعْرَف | يَزِفُونَ | مُخَفَّفَة . قَالَ الْفَرَّاء : وَأَنَا لَا أَعْرِفُهَا . قَالَ أَبُو إِسْحَاق : وَقَدْ عَرَّفَهَا غَيْرهمَا أَنَّهُ يُقَال وَزَفَ يَزِف إِذَا أَسْرَعَ . قَالَ النَّحَّاس : وَلَا نَعْلَم أَحَدًا قَرَأَ | يَزِفُونَ | . قُلْت : هِيَ قِرَاءَة عَبْد اللَّه بْن يَزِيد فِيمَا ذَكَرَ الْمَهْدَوِيّ . الزَّمَخْشَرِيّ : وَ | يُزَفُّونَ | عَلَى الْبِنَاء لِلْمَفْعُولِ . | يُزْفُونَ | مِنْ زَفَاهُ إِذَا حَدَاهُ ; كَأَنَّ بَعْضهمْ يَزِفّ بَعْضًا لِتَسَارُعِهِمْ إِلَيْهِ . وَذَكَرَ الثَّعْلَبِيّ عَنْ الْحَسَن وَمُجَاهِد وَابْن السَّمَيْقَع : | يَرْفُونَ | بِالرَّاءِ مِنْ رَفِيف النَّعَام , وَهُوَ رَكْض بَيْن الْمَشْي وَالطَّيَرَان .

فِيهِ حَذْف ; أَيْ قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا , فَقَالَ مُحْتَجًّا : | أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ | أَيْ أَتَعْبُدُونَ أَصْنَامًا أَنْتُمْ تَنْحِتُونَهَا بِأَيْدِيكُمْ تَنْجُرُونَهَا . وَالنَّحْت النَّجْر وَالْبَرْي نَحَتَهُ يَنْحِتُهُ بِالْكَسْرِ نَحْتًا أَيْ بَرَاهُ . وَالنُّحَاتَة الْبُرَايَة وَالْمِنْحَت مَا يُنْحَت بِهِ .

| مَا | فِي مَوْضِع نَصْب أَيْ وَخَلَقَ مَا تَعْمَلُونَهُ مِنْ الْأَصْنَام , يَعْنِي الْخَشَب وَالْحِجَارَة وَغَيْرهمَا ; كَقَوْلِهِ : | بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ | [ الْأَنْبِيَاء : 56 ] وَقِيلَ : إِنَّ | مَا | اِسْتِفْهَام وَمَعْنَاهُ التَّحْقِير لِعَمَلِهِمْ . وَقِيلَ : هِيَ نَفْي , وَالْمَعْنَى وَمَا تَعْمَلُونَ ذَلِكَ لَكِنَّ اللَّه خَالِقه . وَالْأَحْسَن أَنْ تَكُون | مَا | مَعَ الْفِعْل مَصْدَرًا , وَالتَّقْدِير وَاَللَّه خَلَقَكُمْ وَعَمَلَكُمْ وَهَذَا مَذْهَب أَهْل السُّنَّة : أَنَّ الْأَفْعَال خَلْق لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَاكْتِسَاب لِلْعِبَادِ . وَفِي هَذَا إِبْطَال مَذَاهِب الْقَدَرِيَّة وَالْجَبْرِيَّة . وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( إِنَّ اللَّه خَالِق كُلّ صَانِع وَصَنْعَته ) ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيّ . وَخَرَّجَهُ الْبَيْهَقِيّ مِنْ حَدِيث حُذَيْفَة قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ صَنَعَ كُلّ صَانِع وَصَنْعَته فَهُوَ الْخَالِق وَهُوَ الصَّانِع سُبْحَانه ) وَقَدْ بَيَّنَّاهُمَا فِي الْكِتَاب الْأَسْنَى فِي شَرْح أَسْمَاء اللَّه الْحُسْنَى .

أَيْ تَشَاوَرُوا فِي أَمْره لَمَّا غَلَبَهُمْ بِالْحُجَّةِ حَسْبَ مَا تَقَدَّمَ فِي [ الْأَنْبِيَاء ] بَيَانه فَـ | قَالُوا اِبْنُوا لَهُ بُنْيَانًا | تَمْلَئُونَهُ حَطَبًا فَتُضْرِمُونَهُ , ثُمَّ أَلْقُوهُ فِيهِ وَهُوَ الْجَحِيم . قَالَ اِبْن عَبَّاس : بَنَوْا حَائِطًا مِنْ حِجَارَة طُولُهُ فِي السَّمَاء ثَلَاثُونَ ذِرَاعًا , وَمَلَئُوهُ نَارًا وَطَرَحُوهُ فِيهَا . وَقَالَ عَبْد اللَّهِ بْن عَمْرو بْن الْعَاص : فَلَمَّا صَارَ فِي الْبُنْيَان قَالَ : حَسْبِيَ اللَّه وَنِعْمَ الْوَكِيل . وَالْأَلِف وَاللَّام فِي | الْجَحِيم | تَدُلّ عَلَى الْكِنَايَة ; أَيْ فِي جَحِيمه ; أَيْ فِي جَحِيم ذَلِكَ الْبُنْيَان . وَذَكَرَ الطَّبَرِيّ : أَنَّ قَائِل ذَلِكَ اِسْمه الهيزن رَجُل مِنْ أَعْرَاب فَارِس وَهُمْ التَّرْك , وَهُوَ الَّذِي جَاءَ فِيهِ الْحَدِيث : ( بَيْنَمَا رَجُل يَمْشِي فِي حُلَّة لَهُ يَتَبَخْتَر فِيهَا فَخُسِفَ بِهِ فَهُوَ يَتَجَلْجَل فِي الْأَرْض إِلَى يَوْم الْقِيَامَة ) وَاَللَّه أَعْلَم .

أَيْ بِإِبْرَاهِيم . وَالْكَيْد الْمَكْر ; أَيْ اِحْتَالُوا لِإِهْلَاكِهِ .|فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ|الْمَقْهُورِينَ الْمَغْلُوبِينَ إِذْ نَفَذَتْ حُجَّتُهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يُمْكِنْهُمْ دَفْعُهَا , وَلَمْ يَنْفُذْ فِيهِ مَكْرُهُمْ وَلَا كَيْدُهُمْ .

هَذِهِ الْآيَة أَصْل فِي الْهِجْرَة وَالْعُزْلَة . وَأَوَّل مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام , وَذَلِكَ حِين خَلَّصَهُ اللَّه مِنْ النَّار | قَالَ إِنِّي ذَاهِب إِلَى رَبِّي | أَيْ مُهَاجِر مِنْ بَلَد قَوْمِي وَمَوْلِدِي إِلَى حَيْثُ أَتَمَكَّنُ مِنْ عِبَادَة رَبِّي فَإِنَّهُ | سَيَهْدِينِ | فِيمَا نَوَيْت إِلَى الصَّوَاب . قَالَ مُقَاتِل : هُوَ أَوَّل مَنْ هَاجَرَ مِنْ الْخَلْق مَعَ لُوط وَسَارَة , إِلَى الْأَرْض الْمُقَدَّسَة وَهِيَ أَرْض الشَّام . وَقِيلَ : ذَاهِب بِعَمَلِي وَعِبَادَتِي , وَقَلْبِي وَنِيَّتِي . فَعَلَى هَذَا ذَهَابه بِالْعَمَلِ لَا بِالْبَدَنِ . وَقَدْ مَضَى بَيَان هَذَا فِي [ الْكَهْف ] مُسْتَوْفًى . وَعَلَى الْأَوَّل بِالْمُهَاجَرَةِ إِلَى الشَّام وَبَيْت الْمَقْدِس . وَقِيلَ : خَرَجَ إِلَى حَرَّان فَأَقَامَ بِهَا مُدَّة . ثُمَّ قِيلَ : قَالَ ذَلِكَ لِمَنْ فَارَقَهُ مِنْ قَوْمه ; فَيَكُون ذَلِكَ تَوْبِيخًا لَهُمْ . وَقِيلَ : قَالَهُ لِمَنْ هَاجَرَ مَعَهُ مِنْ أَهْله ; فَيَكُون ذَلِكَ مِنْهُ تَرْغِيبًا . وَقِيلَ : قَالَ هَذَا قَبْل إِلْقَائِهِ فِي النَّار . وَفِيهِ عَلَى هَذَا الْقَوْل تَأْوِيلَانِ : أَحَدهمَا : إِنِّي ذَاهِب إِلَى مَا قَضَاهُ عَلَيَّ رَبِّي . الثَّانِي : إِنِّي مَيِّت ; كَمَا يُقَال لِمَنْ مَاتَ : قَدْ ذَهَبَ إِلَى اللَّه تَعَالَى ; لِأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَام تَصَوَّرَ أَنَّهُ يَمُوت بِإِلْقَائِهِ فِي النَّار , عَلَى الْمَعْهُود مِنْ حَالهَا فِي تَلَف مَا يُلْقَى فِيهَا , إِلَى أَنْ قِيلَ لَهَا : | كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا | فَحِينَئِذٍ سَلِمَ إِبْرَاهِيم مِنْهَا . وَفِي قَوْله : | سَيَهْدِينِ | عَلَى هَذَا الْقَوْل تَأْوِيلَانِ : أَحَدهمَا | سَيَهْدِينِ | إِلَى الْخَلَاص مِنْهَا . الثَّانِي : إِلَى الْجَنَّة . وَقَالَ سُلَيْمَان اِبْن صُرَد وَهُوَ مِمَّنْ أَدْرَكَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَمَّا أَرَادُوا إِلْقَاء إِبْرَاهِيم فِي النَّار جَعَلُوا يَجْمَعُونَ لَهُ الْحَطَب ; فَجَعَلَتْ الْمَرْأَة الْعَجُوز تَحْمِل عَلَى ظَهْرِهَا وَتَقُول : أَذْهَبُ بِهِ إِلَى هَذَا الَّذِي يَذْكُر آلِهَتَنَا ; فَلَمَّا ذُهِبَ بِهِ لِيُطْرَح فِي النَّار | قَالَ إِنِّي ذَاهِب إِلَى رَبِّي | . فَلَمَّا طُرِحَ فِي النَّار قَالَ : ( حَسْبِيَ اللَّه وَنِعْمَ الْوَكِيل ) فَقَالَ اللَّه تَعَالَى : | يَا نَار كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا | [ الْأَنْبِيَاء : 69 ] فَقَالَ أَبُو لُوط وَكَانَ اِبْن عَمِّهِ : إِنَّ النَّار لَمْ تُحْرِقْهُ مِنْ أَجْل قَرَابَتِهِ مِنِّي . فَأَرْسَلَ اللَّه عُنُقًا مِنْ النَّار فَأَحْرَقَهُ .

لَمَّا عَرَّفَهُ اللَّه أَنَّهُ مُخَلِّصُهُ دَعَا اللَّه لِيُعَضِّدَهُ بِوَلَدٍ يَأْنَس بِهِ فِي غُرْبَته . وَقَدْ مَضَى فِي [ آل عِمْرَان ] الْقَوْل فِي هَذَا . وَفِي الْكَلَام حَذْف ; أَيْ هَبْ لِي وَلَدًا صَالِحًا مِنْ الصَّالِحِينَ , وَحَذْف مِثْل هَذَا كَثِير .

أَيْ إِنَّهُ يَكُون حَلِيمًا فِي كِبَرِهِ فَكَأَنَّهُ بُشِّرَ بِبَقَاءِ ذَلِكَ الْوَلَد ; لِأَنَّ الصَّغِير لَا يُوصَف بِذَلِكَ , فَكَانَتْ الْبُشْرَى عَلَى أَلْسِنَة الْمَلَائِكَة كَمَا تَقَدَّمَ فِي [ هُود ] . وَيَأْتِي أَيْضًا فِي [ الذَّارِيَات ] .

أَيْ فَوَهَبْنَا لَهُ الْغُلَام ; فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ الْمَبْلَغ الَّذِي يَسْعَى مَعَ أَبِيهِ فِي أُمُور دُنْيَاهُ مُعِينًا لَهُ عَلَى أَعْمَاله | قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَام أَنِّي أَذْبَحك | . وَقَالَ مُجَاهِد : | فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْي | أَيْ شَبَّ وَأَدْرَكَ سَعْيُهُ سَعْيَ إِبْرَاهِيم . وَقَالَ الْفَرَّاء : كَانَ يَوْمئِذٍ اِبْن ثَلَاث عَشْرَة سَنَة . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : هُوَ الِاحْتِلَام . قَتَادَة : مَشَى مَعَ أَبِيهِ . الْحَسَن وَمُقَاتِل : هُوَ سَعْي الْعَقْل الَّذِي تَقُوم بِهِ الْحُجَّة . اِبْن زَيْد : هُوَ السَّعْي فِي الْعِبَادَة . اِبْن عَبَّاس : صَامَ وَصَلَّى , أَلَمْ تَسْمَعْ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ يَقُول : | وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا | [ الْإِسْرَاء : 19 ] .|قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي|اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي الْمَأْمُور بِذَبْحِهِ . فَقَالَ أَكْثَرهمْ : الذَّبِيح إِسْحَاق . وَمِمَّنْ قَالَ بِذَلِكَ الْعَبَّاس بْن عَبْد الْمُطَّلِب وَابْنه عَبْد اللَّه وَهُوَ الصَّحِيح عَنْهُ . رَوَى الثَّوْرِيّ وَابْن جُرَيْج يَرْفَعَانِهِ إِلَى اِبْن عَبَّاس قَالَ : الذَّبِيح إِسْحَاق . وَهُوَ الصَّحِيح عَنْ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود أَنَّ رَجُلًا قَالَ لَهُ : يَا بْن الْأَشْيَاخ الْكِرَام . فَقَالَ عَبْد اللَّه : ذَلِكَ يُوسُف بْن يَعْقُوب بْن إِسْحَاق ذَبِيح اللَّه اِبْن إِبْرَاهِيم خَلِيل اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَقَدْ رَوَى حَمَّاد بْن زَيْد يَرْفَعهُ إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( إِنَّ الْكَرِيم اِبْن الْكَرِيم اِبْن الْكَرِيم اِبْن الْكَرِيم يُوسُف بْن يَعْقُوب بْن إِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيم صَلَّى اللَّه عَلَيْهِمْ وَسَلَّمَ ) . وَرَوَى أَبُو الزُّبَيْر عَنْ جَابِر قَالَ : الذَّبِيح إِسْحَاق . وَذَلِكَ مَرْوِيّ أَيْضًا عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ . وَعَنْ عَبْد اللَّه بْن عُمَر : أَنَّ الذَّبِيح إِسْحَاق . وَهُوَ قَوْل عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ . فَهَؤُلَاءِ سَبْعَة مِنْ الصَّحَابَة . وَقَالَ بِهِ مِنْ التَّابِعِينَ وَغَيْرهمْ عَلْقَمَة وَالشَّعْبِيّ وَمُجَاهِد وَسَعِيد بْن جُبَيْر وَكَعْب الْأَحْبَار وَقَتَادَة وَمَسْرُوق وَعِكْرِمَة وَالْقَاسِم بْن أَبِي بَزَّة وَعَطَاء وَمُقَاتِل وَعَبْد الرَّحْمَن بْن سَابِط وَالزُّهْرِيّ وَالسُّدِّيّ وَعَبْد اللَّه بْن أَبِي الْهُذَيْل وَمَالِك بْن أَنَس , كُلّهمْ قَالُوا : الذَّبِيح إِسْحَاق . وَعَلَيْهِ أَهْل الْكِتَابَيْنِ الْيَهُود وَالنَّصَارَى , وَاخْتَارَهُ غَيْر وَاحِد مِنْهُمْ النَّحَّاس وَالطَّبَرِيّ وَغَيْرهمَا . قَالَ سَعِيد بْن جُبَيْر : أُرِيَ إِبْرَاهِيم ذَبْح إِسْحَاق فِي الْمَنَام , فَسَارَ بِهِ مَسِيرَةَ شَهْر فِي غَدَاة وَاحِدَة , حَتَّى أَتَى بِهِ الْمَنْحَرَ مِنْ مِنًى ; فَلَمَّا صَرَفَ اللَّه عَنْهُ الذَّبْح وَأَمَرَهُ أَنْ يَذْبَح الْكَبْش فَذَبَحَهُ , وَسَارَ بِهِ مَسِيرَة شَهْر فِي رَوْحَة وَاحِدَة طُوِيَتْ لَهُ الْأَوْدِيَة وَالْجِبَال . وَهَذَا الْقَوْل أَقْوَى فِي النَّقْل عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَنْ الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ . وَقَالَ آخَرُونَ : هُوَ إِسْمَاعِيل . وَمِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ أَبُو هُرَيْرَة وَأَبُو الطُّفَيْل عَامِر بْن وَاثِلَة . وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ اِبْن عُمَر وَابْن عَبَّاس أَيْضًا , وَمِنْ التَّابِعِينَ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب وَالشَّعْبِيّ وَيُوسُف بْن مِهْرَان وَمُجَاهِد وَالرَّبِيع بْن أَنَس وَمُحَمَّد بْن كَعْب الْقُرَظِيّ وَالْكَلْبِيّ وَعَلْقَمَة . وَسُئِلَ أَبُو سَعِيد الضَّرِير عَنْ الذَّبِيح فَأَنْشَدَ :
إِنَّ الذَّبِيحَ هُدِيت إِسْمَاعِيلُ .......... نَطَقَ الْكِتَابُ بِذَاكَ وَالتَّنْزِيلُ

شَرَفٌ بِهِ خَصَّ الْإِلَهُ نَبِيَّنَا .......... وَأَتَى بِهِ التَّفْسِيرُ وَالتَّأْوِيلُ

إِنْ كُنْت أُمَّتَهُ فَلَا تُنْكِرْ لَهُ .......... شَرَفًا بِهِ قَدْ خَصَّهُ التَّفْضِيلُ
وَعَنْ الْأَصْمَعِيّ قَالَ : سَأَلْت أَبَا عَمْرو بْن الْعَلَاء عَنْ الذَّبِيح , فَقَالَ : يَا أَصْمَعِيُّ أَيْنَ عَزَبَ عَنْك عَقْلُك ! وَمَتَى كَانَ إِسْحَاق بِمَكَّةَ ؟ وَإِنَّمَا كَانَ إِسْمَاعِيل بِمَكَّة , وَهُوَ الَّذِي بَنَى الْبَيْت مَعَ أَبِيهِ وَالْمَنْحَر بِمَكَّة . وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَنَّ الذَّبِيح إِسْمَاعِيل ) وَالْأَوَّل أَكْثَر عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَنْ أَصْحَابه وَعَنْ التَّابِعِينَ . وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ قَدْ أَخْبَرَ عَنْ إِبْرَاهِيم حِين فَارَقَ قَوْمه , فَهَاجَرَ إِلَى الشَّام مَعَ اِمْرَأَته سَارَة وَابْن أَخِيهِ لُوط فَقَالَ : | إِنِّي ذَاهِب إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ | أَنَّهُ دَعَا فَقَالَ : | رَبّ هَبْ لِي مِنْ الصَّالِحِينَ | فَقَالَ تَعَالَى : | فَلَمَّا اِعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُون اللَّه وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاق وَيَعْقُوب | [ مَرْيَم : 49 ] ; وَلِأَنَّ اللَّه قَالَ : | وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيم | فَذَكَرَ أَنَّ الْفِدَاء فِي الْغُلَام الْحَلِيم الَّذِي بُشِّرَ بِهِ إِبْرَاهِيم وَإِنَّمَا بُشِّرَ بِإِسْحَاق ; لِأَنَّهُ قَالَ : | وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاق | , وَقَالَ هُنَا : | بِغُلَامٍ حَلِيمٍ | وَذَلِكَ قَبْل أَنْ يَتَزَوَّج هَاجَرَ وَقَبْل أَنْ يُولَد لَهُ إِسْمَاعِيل , وَلَيْسَ فِي الْقُرْآن أَنَّهُ بُشِّرَ بِوَلَدٍ إِلَّا إِسْحَاق . اِحْتَجَّ مَنْ قَالَ إِنَّهُ إِسْمَاعِيل : بِأَنَّ اللَّه تَعَالَى وَصَفَهُ بِالصَّبْرِ دُون إِسْحَاق فِي قَوْله تَعَالَى : | وَإِسْمَاعِيل وَإِدْرِيس وَذَا الْكِفْل كُلّ مِنْ الصَّابِرِينَ | [ الْأَنْبِيَاء : 85 ] وَهُوَ صَبْره عَلَى الذَّبْح , وَوَصَفَهُ بِصِدْقِ الْوَعْد فِي قَوْله : | إِنَّهُ كَانَ صَادِق الْوَعْد | [ مَرْيَم : 54 ] ; لِأَنَّهُ وَعَدَ أَبَاهُ مِنْ نَفْسه الصَّبْر عَلَى الذَّبْح فَوَفَّى بِهِ ; وَلِأَنَّ اللَّه تَعَالَى قَالَ : | وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا | فَكَيْف يَأْمُرهُ بِذَبْحِهِ وَقَدْ وَعَدَهُ أَنْ يَكُون نَبِيًّا , وَأَيْضًا فَإِنَّ اللَّه تَعَالَى قَالَ : | فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاق وَمِنْ وَرَاء إِسْحَاق يَعْقُوب | [ هُود : 71 ] فَكَيْف يُؤْمَر بِذَبْحِ إِسْحَاق قَبْل إِنْجَاز الْوَعْد فِي يَعْقُوب . وَأَيْضًا وَرَدَ فِي الْأَخْبَار تَعْلِيق قَرْن الْكَبْش فِي الْكَعْبَة , فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الذَّبِيح إِسْمَاعِيل , وَلَوْ كَانَ إِسْحَاق لَكَانَ الذَّبْح يَقَع بِبَيْتِ الْمَقْدِس . وَهَذَا الِاسْتِدْلَال كُلّه لَيْسَ بِقَاطِعٍ ; أَمَّا قَوْلهمْ : كَيْف يَأْمُرهُ بِذَبْحِهِ وَقَدْ وَعَدَهُ بِأَنَّهُ يَكُون نَبِيًّا , فَإِنَّهُ يَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمَعْنَى : وَبَشَّرْنَاهُ بِنُبُوَّتِهِ بَعْد أَنْ كَانَ مِنْ أَمْره مَا كَانَ ; قَالَهُ اِبْن عَبَّاس وَسَيَأْتِي . وَلَعَلَّهُ أُمِرَ بِذَبْحِ إِسْحَاق بَعْد أَنْ وُلِدَ لِإِسْحَاق يَعْقُوب . وَيُقَال : لَمْ يَرِدْ فِي الْقُرْآن أَنَّ يَعْقُوب يُولَد مِنْ إِسْحَاق . وَأَمَّا قَوْلهمْ : وَلَوْ كَانَ الذَّبِيح إِسْحَاق لَكَانَ الذَّبْح يَقَع بِبَيْتِ الْمَقْدِس , فَالْجَوَاب عَنْهُ مَا قَالَهُ سَعِيد بْن جُبَيْر عَلَى مَا تَقَدَّمَ . وَقَالَ الزَّجَّاج : اللَّه أَعْلَم أَيّهمَا الذَّبِيح . وَهَذَا مَذْهَب ثَالِث . قَالَ مُقَاتِل : رَأَى ذَلِكَ إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام ثَلَاث لَيَالٍ مُتَتَابِعَات . وَقَالَ مُحَمَّد بْن كَعْب : كَانَتْ الرُّسُل يَأْتِيهِمْ الْوَحْي مِنْ اللَّه تَعَالَى أَيْقَاظًا وَرُقُودًا ; فَإِنَّ الْأَنْبِيَاء لَا تَنَام قُلُوبهمْ . وَهَذَا ثَابِت فِي الْخَبَر الْمَرْفُوع , قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّا مُعَاشِر الْأَنْبِيَاء تَنَام أَعْيُننَا وَلَا تَنَام قُلُوبنَا ) . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : رُؤْيَا الْأَنْبِيَاء وَحْي ; وَاسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الْآيَة . وَقَالَ السُّدِّيّ : لَمَّا بُشِّرَ إِبْرَاهِيم بِإِسْحَاق قَبْل أَنْ يُولَد لَهُ قَالَ هُوَ إِذًا لِلَّهِ ذَبِيح . فَقِيلَ لَهُ فِي مَنَامه : قَدْ نَذَرْت نَذْرًا فَفِ بِنَذْرِك . وَيُقَال : إِنَّ إِبْرَاهِيم رَأَى فِي لَيْلَة التَّرْوِيَة كَأَنَّ قَائِلًا يَقُول : إِنَّ اللَّه يَأْمُرُك بِذَبْحِ اِبْنك ; فَلَمَّا أَصْبَحَ رَوَّى فِي نَفْسه أَيْ فَكَّرَ أَهَذَا الْحُلْم مِنْ اللَّه أَمْ مِنْ الشَّيْطَان ؟ فَسُمِّيَ يَوْم التَّرْوِيَة . فَلَمَّا كَانَتْ اللَّيْلَة الثَّانِيَة رَأَى ذَلِكَ أَيْضًا وَقِيلَ لَهُ الْوَعْد , فَلَمَّا أَصْبَحَ عَرَفَ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ اللَّه فَسُمِّيَ يَوْم عَرَفَة . ثُمَّ رَأَى مِثْله فِي اللَّيْلَة الثَّالِثَة فَهَمَّ بِنَحْرِهِ فَسُمِّيَ يَوْم النَّحْر . وَرُوِيَ أَنَّهُ لَمَّا ذَبَحَهُ قَالَ جِبْرِيل : اللَّه أَكْبَر اللَّه أَكْبَر . فَقَالَ الذَّبِيح : لَا إِلَه إِلَّا اللَّه وَاَللَّه أَكْبَر . فَقَالَ إِبْرَاهِيم : اللَّه أَكْبَر وَالْحَمْد لِلَّهِ ; فَبَقِيَ سُنَّة . وَقَدْ اِخْتَلَفَ النَّاس فِي وُقُوع هَذَا الْأَمْر فَقَالَ أَهْل السُّنَّة : إِنَّ نَفْس الذَّبْح لَمْ يَقَع , وَإِنَّمَا وَقَعَ الْأَمْر بِالذَّبْحِ قَبْل أَنْ يَقَع الذَّبْح , وَلَوْ وَقَعَ لَمْ يُتَصَوَّر رَفْعُهُ , فَكَانَ هَذَا مِنْ بَاب النَّسْخ قَبْل الْفِعْل ; لِأَنَّهُ لَوْ حَصَلَ الْفَرَاغ مِنْ اِمْتِثَال الْأَمْر بِالذَّبْحِ مَا تَحَقَّقَ الْفِدَاء . وَقَوْله تَعَالَى : | قَدْ صَدَّقْت الرُّؤْيَا | : أَيْ حَقَّقْت مَا نَبَّهْنَاك عَلَيْهِ , وَفَعَلْت مَا أَمْكَنَك ثُمَّ اِمْتَنَعْت لَمَّا مَنَعْنَاك . هَذَا أَصَحّ مَا قِيلَ بِهِ فِي هَذَا الْبَاب . وَقَالَتْ طَائِفَة : لَيْسَ هَذَا مِمَّا يُنْسَخ بِوَجْهٍ ; لِأَنَّ مَعْنَى ذَبَحْت الشَّيْء قَطَعْته . وَاسْتُدِلَّ عَلَى هَذَا بِقَوْلِ مُجَاهِد : قَالَ إِسْحَاق لِإِبْرَاهِيم لَا تَنْظُرْ إِلَيَّ فَتَرْحَمَنِي , وَلَكِنْ اِجْعَلْ وَجْهِي إِلَى الْأَرْض ; فَأَخَذَ إِبْرَاهِيم السِّكِّين فَأَمَرَّهَا عَلَى حَلْقَهُ فَانْقَلَبَتْ . فَقَالَ لَهُ مَا لَك ؟ قَالَ : اِنْقَلَبَتْ السِّكِّين . قَالَ اِطْعَنِّي بِهَا طَعْنًا . وَقَالَ بَعْضهمْ : كَانَ كُلَّمَا قَطَعَ جُزْءًا اِلْتَأَمَ . وَقَالَتْ طَائِفَة : وَجَدَ حَلْقَهُ نُحَاسًا أَوْ مُغَشًّى بِنُحَاسٍ , وَكَانَ كُلَّمَا أَرَادَ قَطْعًا وَجَدَ مَنْعًا . وَهَذَا كُلّه جَائِز فِي الْقُدْرَة الْإِلَهِيَّة . لَكِنَّهُ يَفْتَقِر إِلَى نَقْل صَحِيح , فَإِنَّهُ أَمْر لَا يُدْرَك بِالنَّظَرِ وَإِنَّمَا طَرِيقُهُ الْخَبَر . وَلَوْ كَانَ قَدْ جَرَى ذَلِكَ لَبَيَّنَهُ اللَّه تَعَالَى تَعْظِيمًا لِرُتْبَةِ إِسْمَاعِيل وَإِبْرَاهِيم صَلَوَات اللَّه عَلَيْهِمَا , وَكَانَ أَوْلَى بِالْبَيَانِ مِنْ الْفِدَاء . وَقَالَ بَعْضهمْ : إِنَّ إِبْرَاهِيم مَا أُمِرَ بِالذَّبْحِ الْحَقِيقِيّ الَّذِي هُوَ فَرْي الْأَوْدَاج وَإِنْهَار الدَّم , وَإِنَّمَا رَأَى أَنَّهُ أَضْجَعَهُ لِلذَّبْحِ فَتَوَهَّمَ أَنَّهُ أُمِرَ بِالذَّبْحِ الْحَقِيقِيّ , فَلَمَّا أَتَى بِمَا أُمِرَ بِهِ مِنْ الْإِضْجَاع قِيلَ لَهُ : | قَدْ صَدَّقْت الرُّؤْيَا | وَهَذَا كُلّه خَارِج عَنْ الْمَفْهُوم . وَلَا يُظَنّ بِالْخَلِيلِ وَالذَّبِيح أَنْ يَفْهَمَا مِنْ هَذَا الْأَمْر مَا لَيْسَ لَهُ حَقِيقَة حَتَّى يَكُون مِنْهُمَا التَّوَهُّم . وَأَيْضًا لَوْ صَحَّتْ هَذِهِ الْأَشْيَاء لَمَا اُحْتِيجَ إِلَى الْفِدَاء .|أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا|قَرَأَ أَهْل الْكُوفَة غَيْر عَاصِم | مَاذَا تُرِي | بِضَمِّ التَّاء وَكَسْر الرَّاء مِنْ أَرَى يُرِي . قَالَ الْفَرَّاء : أَيْ فَانْظُرْ مَاذَا تُرِي مِنْ صَبْرك وَجَزَعك . قَالَ الزَّجَّاج : لَمْ يَقُلْ هَذَا أَحَد غَيْره , وَإِنَّمَا قَالَ الْعُلَمَاء مَاذَا تُشِير ; أَيْ مَا تُرِيك نَفْسك مِنْ الرَّأْي . وَأَنْكَرَ أَبُو عُبَيْد | تُرِي | وَقَالَ : إِنَّمَا يَكُون هَذَا مِنْ رُؤْيَة الْعَيْن خَاصَّة . وَكَذَلِكَ قَالَ أَبُو حَاتِم . النَّحَّاس : وَهَذَا غَلَط , وَهَذَا يَكُون مِنْ رُؤْيَة الْعَيْن وَغَيْرهَا وَهُوَ مَشْهُور , يُقَال : أَرَيْت فُلَانًا الصَّوَابَ , وَأَرَيْته رُشْدَهُ , وَهَذَا لَيْسَ مِنْ رُؤْيَة الْعَيْن . الْبَاقُونَ | تَرَى | مُضَارِع رَأَيْت . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ الضَّحَّاك وَالْأَعْمَش | تُرَى | غَيْر مُسَمَّى الْفَاعِل . وَلَمْ يَقُلْ لَهُ ذَلِكَ عَلَى وَجْه الْمُؤَامَرَة فِي أَمْر اللَّه , وَإِنَّمَا شَاوَرَهُ لِيَعْلَم صَبْره لِأَمْرِ اللَّه ; أَوْ لِتَقَرَّ عَيْنه إِذَا رَأَى مِنْ اِبْنه طَاعَة فِي أَمْر اللَّه .|تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ|أَيْ مَا تُؤْمَرُ بِهِ فَحُذِفَ الْجَارّ كَمَا حُذِفَ مِنْ قَوْله :
أَمَرْتُك الْخَيْرَ فَافْعَلْ مَا أُمِرْت بِهِ
فَوَصَلَ الْفِعْل إِلَى الضَّمِير فَصَارَ تُؤْمَرُهُ ثُمَّ حُذِفَتْ الْهَاء ; كَقَوْلِ : | وَسَلَام عَلَى عِبَاده الَّذِينَ اِصْطَفَى | [ النَّمْل : 59 ] أَيْ اِصْطَفَاهُمْ عَلَى مَا تَقَدَّمَ . وَ | مَا | بِمَعْنَى الَّذِي . وَقَدْ مَضَى الْكَلَام فِي | يَا أَبَتِ | [ يُوسُف : 4 ] وَكَذَلِكَ فِي | يَا بُنَيَّ | [ يُوسُف : 5 ] فِي | يُوسُف | وَغَيْرهَا .|مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ|قَالَ بَعْض أَهْل الْإِشَارَة : لَمَّا اِسْتَثْنَى وَفَّقَهُ اللَّه لِلصَّبْرِ .