islamkingdomfaceBook islamkingdomtwitter islamkingdominstagram islamkingdomyoutube


كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَحْرِص عَلَى إِيمَان قَوْم وَقَدْ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنْ اللَّه الشَّقَاوَة فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة . قَالَ اِبْن عَبَّاس : يُرِيد أَبَا لَهَب وَوَلَده وَمَنْ تَخَلَّفَ مِنْ عَشِيرَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْإِيمَان . وَكَرَّرَ الِاسْتِفْهَام فِي قَوْله : | أَفَأَنْت | تَأْكِيدًا لِطُولِ الْكَلَام , وَكَذَا قَالَ سِيبَوَيْهِ فِي قَوْله تَعَالَى : | أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ | [ الْمُؤْمِنُونَ : 35 ] عَلَى مَا تَقَدَّمَ . وَالْمَعْنَى : | أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَة الْعَذَاب | أَفَأَنْت تُنْقِذُهُ . وَالْكَلَام شَرْط وَجَوَابه . وَجِيءَ بِالِاسْتِفْهَامِ ; لِيَدُلّ عَلَى التَّوْقِيف وَالتَّقْرِير . وَقَالَ الْفَرَّاء : الْمَعْنَى أَفَأَنْت تُنْقِذ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ كَلِمَة الْعَذَاب . وَالْمَعْنَى وَاحِد . وَقِيلَ : إِنَّ فِي الْكَلَام حَذْفًا وَالتَّقْدِير : أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَة الْعَذَاب يَنْجُو مِنْهُ , وَمَا بَعْده مُسْتَأْنَف . وَقَالَ : | أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ | وَقَالَ فِي مَوْضِع آخَر : | حَقَّتْ كَلِمَة الْعَذَاب | [ الزُّمَر : 71 ] لِأَنَّ الْفِعْل إِذَا تَقَدَّمَ وَوَقَعَ بَيْنه وَبَيْن الْمَوْصُوف بِهِ حَائِل جَازَ التَّذْكِير وَالتَّأْنِيث , عَلَى أَنَّ التَّأْنِيث هُنَا لَيْسَ بِحَقِيقِيٍّ بَلْ الْكَلِمَة فِي مَعْنَى الْكَلَام وَالْقَوْل ; أَيْ أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ قَوْل الْعَذَاب .

لَمَّا بَيَّنَ أَنَّ لِلْكُفَّارِ ظُلَلًا مِنْ النَّار مِنْ فَوْقهمْ وَمِنْ تَحْتهمْ بَيَّنَ أَنَّ لِلْمُتَّقِينَ غُرَفًا فَوْقهَا غُرَف ; لِأَنَّ الْجَنَّة دَرَجَات يَعْلُو بَعْضهَا بَعْضًا وَ | لَكِنْ | لَيْسَ لِلِاسْتِدْرَاكِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ نَفْي كَقَوْلِهِ : مَا رَأَيْت زَيْدًا لَكِنْ عَمْرًا ; بَلْ هُوَ لِتَرْكِ قِصَّة إِلَى قِصَّة مُخَالِفَة لِلْأُولَى كَقَوْلِك : جَاءَنِي زَيْد لَكِنْ عَمْرو لَمْ يَأْتِ .|مَبْنِيَّةٌ|قَالَ اِبْن عَبَّاس : مِنْ زَبَرْجَد وَيَاقُوت|تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ|أَيْ هِيَ جَامِعَة لِأَسْبَابِ النُّزْهَة .|وَعْدَ اللَّهِ|نَصْب عَلَى الْمَصْدَر ; لِأَنَّ مَعْنَى | لَهُمْ غُرَف | وَعَدَهُمْ اللَّه ذَلِكَ وَعْدًا . وَيَجُوز الرَّفْع بِمَعْنَى ذَلِكَ وَعْدُ اللَّه .|لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ|أَيْ مَا وَعَدَ الْفَرِيقَيْنِ .

أَيْ إِنَّهُ لَا يُخْلِف الْمِيعَاد فِي إِحْيَاء الْخَلْق , وَالتَّمْيِيز بَيْن الْمُؤْمِن وَالْكَافِر , وَهُوَ قَادِر عَلَى ذَلِكَ كَمَا أَنَّهُ قَادِر عَلَى إِنْزَال الْمَاء مِنْ السَّمَاء . | أَنْزَلَ مِنْ السَّمَاء | أَيْ مِنْ السَّحَاب | مَاء | أَيْ الْمَطَر|فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ|أَيْ فَأَدْخَلَهُ فِي الْأَرْض وَأَسْكَنَهُ فِيهَا ; كَمَا قَالَ : | فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْض | [ الْمُؤْمِنُونَ : 18 ] . | يَنَابِيع | جَمْع يَنْبُوع وَهُوَ يَفْعُول مِنْ نَبَعَ يَنْبُعُ وَيَنْبَعُ وَيَنْبِعَ بِالرَّفْعِ وَالنَّصْب وَالْخَفْض . النَّحَّاس : وَحَكَى لَنَا اِبْن كَيْسَان فِي قَوْل الشَّاعِر :
يَنْبَاعُ مِنْ ذِفْرَى غَضُوبٍ جَسْرَةٍ
أَنَّ مَعْنَاهُ يَنْبُعُ فَأَشْبَعَ الْفَتْحَة فَصَارَتْ أَلِفًا , نُبُوعًا خَرَجَ . وَالْيَنْبُوع عَيْن الْمَاء وَالْجَمْع الْيَنَابِيع . وَقَدْ مَضَى فِي [ سُبْحَان ] .|ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ|ثُمَّ يُخْرِج بِهِ أَيْ بِذَلِكَ الْمَاء الْخَارِج مِنْ يَنَابِيع الْأَرْض | زَرْعًا | هُوَ لِلْجِنْسِ أَيْ زُرُوعًا شَتَّى لَهَا أَلْوَان مُخْتَلِفَة , حُمْرَة وَصُفْرَة وَزُرْقَة وَخُضْرَة وَنُورًا . قَالَ الشَّعْبِيّ وَالضَّحَّاك : كُلّ مَاء فِي الْأَرْض فَمِنْ السَّمَاء نَزَلَ , إِنَّمَا يَنْزِل مِنْ السَّمَاء إِلَى الصَّخْرَة , ثُمَّ تُقْسَم مِنْهَا الْعُيُون وَالرَّكَايَا .|ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا|| يَهِيج | أَيْ يَيْبَس . | فَتَرَاهُ | أَيْ بَعْد خُضْرَته | مُصْفَرًّا | قَالَ الْمُبَرِّد قَالَ الْأَصْمَعِيّ : يُقَال هَاجَتْ الْأَرْض تَهِيج إِذَا أَدْبَرَ نَبْتهَا وَوَلَّى . قَالَ : كَذَلِكَ هَاجَ النَّبْت . قَالَ : وَكَذَلِكَ قَالَ غَيْر الْأَصْمَعِيّ . وَقَالَ الْجَوْهَرِيّ : هَاجَ النَّبْت هِيَاجًا أَيْ يَبِسَ . وَأَرْض هَائِجَة يَبِسَ بَقْلهَا أَوْ اِصْفَرَّ , وَأَهَاجَتْ الرِّيح النَّبْت أَيْبَسَتْهُ , وَأَهْيَجْنَا الْأَرْض أَيْ وَجَدْنَاهَا هَائِجَة النَّبَات , وَهَاجَ هَائِجُهُ أَيْ ثَارَ غَضَبه , وَهَدَأَ هَائِجُهُ أَيْ سَكَنَتْ فَوْرَتُهُ .|ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا|أَيْ فُتَاتًا مُكَسَّرًا مِنْ تَحَطَّمَ الْعُود إِذَا تَفَتَّتَ مِنْ الْيُبْس . وَالْمَعْنَى أَنَّ مَنْ قَدَرَ عَلَى هَذَا قَدَرَ عَلَى الْإِعَادَة . وَقِيلَ : هُوَ مَثَل ضَرَبَهُ اللَّه لِلْقُرْآنِ وَلِصُدُورِ مَنْ فِي الْأَرْض , أَيْ أَنْزَلَ مِنْ السَّمَاء قُرْآنًا فَسَلَكَهُ فِي قُلُوب الْمُؤْمِنِينَ | ثُمَّ يُخْرِج بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ | أَيْ دِينًا مُخْتَلِفًا بَعْضه أَفْضَل مِنْ بَعْض , فَأَمَّا الْمُؤْمِن فَيَزْدَاد إِيمَانًا وَيَقِينًا , وَأَمَّا الَّذِي فِي قَلْبه مَرَض فَإِنَّهُ يَهِيج كَمَا يَهِيج الزَّرْع . وَقِيلَ : هُوَ مَثَل ضَرَبَهُ اللَّه لِلدُّنْيَا ; أَيْ كَمَا يَتَغَيَّر النَّبْت الْأَخْضَر فَيَصْفَرُّ كَذَلِكَ الدُّنْيَا بَعْد بَهْجَتهَا .|إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ|أَيْ أَصْحَاب الْعُقُول مِنْ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ اِنْتَفَعُوا بِعُقُولِهِمْ .

شَرَحَ فَتَحَ وَوَسَّعَ . قَالَ اِبْن عَبَّاس : وَسَّعَ صَدْره لِلْإِسْلَامِ حَتَّى ثَبَتَ فِيهِ . وَقَالَ السُّدِّيّ : وَسَّعَ صَدْره بِالْإِسْلَامِ لِلْفَرَحِ بِهِ وَالطُّمَأْنِينَة إِلَيْهِ ; فَعَلَى هَذَا لَا يَجُوز أَنْ يَكُون هَذَا الشَّرْح إِلَّا بَعْد الْإِسْلَام ; وَعَلَى الْوَجْه الْأَوَّل يَجُوز أَنْ يَكُون الشَّرْح قَبْل الْإِسْلَام . وَالْمُرَاد بِمَنْ شَرَحَ اللَّه صَدْره هَاهُنَا فِيمَا ذَكَرَ الْمُفَسِّرُونَ عَلِيّ وَحَمْزَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا . وَحَكَى النَّقَّاش أَنَّهُ عُمَر بْن الْخَطَّاب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ . وَقَالَ مُقَاتِل : عَمَّار بْن يَاسِر . وَعَنْهُ أَيْضًا وَالْكَلْبِيّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَالْآيَة عَامَّة فِيمَنْ شَرَحَ اللَّه صَدْرَهُ بِخَلْقِ الْإِيمَان فِيهِ . وَرَوَى مَرَّة عَنْ اِبْن مَسْعُود قَالَ : قُلْنَا يَا رَسُول اللَّه قَوْله تَعَالَى : | أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّه صَدْره لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُور مِنْ رَبّه | كَيْف اِنْشَرَحَ صَدْره ؟ قَالَ : ( إِذَا دَخَلَ النُّور الْقَلْب اِنْشَرَحَ وَانْفَتَحَ ) قُلْنَا : يَا رَسُول اللَّه وَمَا عَلَامَة ذَلِكَ ؟ . قَالَ : ( الْإِنَابَة إِلَى دَار الْخُلُود وَالتَّجَافِي عَنْ دَار الْغُرُور وَالِاسْتِعْدَاد لِلْمَوْتِ قَبْل نُزُوله ) وَخَرَّجَهُ التِّرْمِذِيّ الْحَكِيم فِي نَوَادِر الْأُصُول مِنْ حَدِيث اِبْن عُمَر : أَنَّ رَجُلًا قَالَ يَا رَسُول اللَّه أَيّ الْمُؤْمِنِينَ أَكْيَس ؟ قَالَ : ( أَكْثَرهمْ لِلْمَوْتِ ذِكْرًا وَأَحْسَنُهُمْ لَهُ اِسْتِعْدَادًا وَإِذَا دَخَلَ النُّور فِي الْقَلْب اِنْفَسَحَ وَاسْتَوْسَعَ ) قَالُوا : فَمَا آيَة ذَلِكَ يَا نَبِيّ اللَّه ؟ قَالَ : ( الْإِنَابَة إِلَى دَار الْخُلُود وَالتَّجَافِي عَنْ دَار الْغُرُور وَالِاسْتِعْدَاد لِلْمَوْتِ قَبْل نُزُول الْمَوْت ) فَذَكَرَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خِصَالًا ثَلَاثَة , وَلَا شَكَّ أَنَّ مَنْ كَانَتْ فِيهِ هَذِهِ الْخِصَال فَهُوَ الْكَامِل الْإِيمَان , فَإِنَّ الْإِنَابَة إِنَّمَا هِيَ أَعْمَال الْبِرّ ; لِأَنَّ دَار الْخُلُود إِنَّمَا وُضِعَتْ جَزَاء لِأَعْمَالِ الْبِرّ , أَلَا تَرَى كَيْف ذَكَرَهُ اللَّه فِي مَوَاضِع فِي تَنْزِيله ثُمَّ قَالَ بِعَقِبِ ذَلِكَ : | جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ | [ الْوَاقِعَة : 24 ] فَالْجَنَّة جَزَاء الْأَعْمَال ; فَإِذَا اِنْكَمَشَ الْعَبْد فِي أَعْمَال الْبِرّ فَهُوَ إِنَابَته إِلَى دَار الْخُلُود , وَإِذَا خَمَدَ حِرْصه عَنْ الدُّنْيَا , وَلَهَا عَنْ طَلَبِهَا , وَأَقْبَلَ عَلَى مَا يُغْنِيهِ مِنْهَا فَاكْتَفَى بِهِ وَقَنَعَ , فَقَدْ تَجَافَى عَنْ دَار الْغُرُور . وَإِذَا أَحْكَمَ أُمُوره بِالتَّقْوَى فَكَانَ نَاظِرًا فِي كُلّ أَمْر , وَاقِفًا مُتَأَدِّبًا مُتَثَبِّتًا حَذِرًا يَتَوَرَّع عَمَّا يَرِيبُهُ إِلَى مَا لَا يَرِيبهُ , فَقَدْ اِسْتَعَدَّ لِلْمَوْتِ . فَهَذِهِ عَلَامَتهمْ فِي الظَّاهِر . وَإِنَّمَا صَارَ هَكَذَا لِرُؤْيَةِ الْمَوْت , وَرُؤْيَة صَرْف الْآخِرَة عَنْ الدُّنْيَا , وَرُؤْيَة الدُّنْيَا أَنَّهَا دَار الْغُرُور , وَإِنَّمَا صَارَتْ لَهُ هَذِهِ الرُّؤْيَة بِالنُّورِ الَّذِي وَلَجَ الْقَلْب .|فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ|أَيْ عَلَى هُدًى مِنْ رَبّه .|فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ|قِيلَ : الْمُرَاد أَبُو لَهَب وَوَلَده ; وَمَعْنَى : | مِنْ ذِكْر اللَّه | أَنَّ قُلُوبهمْ تَزْدَاد قَسْوَة مِنْ سَمَاع ذِكْره . وَقِيلَ : إِنَّ | مِنْ | بِمَعْنَى عَنْ , وَالْمَعْنَى قَسَتْ عَنْ قَبُول ذِكْر اللَّه . وَهَذَا اِخْتِيَار الطَّبَرِيّ . وَعَنْ أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيّ أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( قَالَ اللَّه تَعَالَى اُطْلُبُوا الْحَوَائِج مِنْ السُّمَحَاء فَإِنِّي جَعَلْت فِيهِمْ رَحْمَتِي وَلَا تَطْلُبُوهَا مِنْ الْقَاسِيَة قُلُوبهمْ فَإِنِّي جَعَلْت فِيهِمْ سَخَطِي ) . وَقَالَ مَالِك بْن دِينَار : مَا ضُرِبَ عَبْد بِعُقُوبَةٍ أَعْظَم مِنْ قَسْوَة قَلْب , وَمَا غَضِبَ اللَّه عَلَى قَوْم إِلَّا نَزَعَ الرَّحْمَة مِنْ قُلُوبهمْ . قَالَ الْمُبَرِّد : يُقَال قَسَا الْقَلْب إِذَا صَلُبَ , وَكَذَلِكَ عَتَا وَعَسَا مُقَارِبَة لَهَا . وَقَلْب قَاسٍ أَيْ صُلْب لَا يَرِقُّ وَلَا يَلِينُ .

يَعْنِي الْقُرْآن لَمَّا قَالَ : | فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ | [ الزُّمَر : 18 ] بَيَّنَ أَنَّ أَحْسَنَ مَا يُسْمَع مَا أَنْزَلَهُ اللَّه وَهُوَ الْقُرْآن . قَالَ سَعْد بْن أَبِي وَقَّاص قَالَ أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَوْ حَدَّثْتنَا فَأَنْزَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : | اللَّه نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيث | فَقَالُوا : لَوْ قَصَصْت عَلَيْنَا فَنَزَلَ : | نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْك أَحْسَنَ الْقَصَص | [ يُوسُف : 3 ] فَقَالُوا : لَوْ ذَكَّرْتنَا فَنَزَلَ : | أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَع قُلُوبهمْ لِذِكْرِ اللَّه | [ الْحَدِيد : 16 ] الْآيَة . وَعَنْ اِبْن مَسْعُود رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَنَّ أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَلُّوا مَلَّة فَقَالُوا لَهُ : حَدِّثْنَا فَنَزَلَتْ . وَالْحَدِيث مَا يُحَدِّث بِهِ الْمُحَدِّث . وَسُمِّيَ الْقُرْآن حَدِيثًا ; لِأَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُحَدِّث بِهِ أَصْحَابه وَقَوْمه , وَهُوَ كَقَوْلِهِ : | فَبِأَيِّ حَدِيث بَعْده يُؤْمِنُونَ | [ الْمُرْسَلَات : 50 ] وَقَوْله : | أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيث تَعْجَبُونَ | [ النَّجْم : 59 ] وَقَوْله : | إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيث أَسَفًا | [ الْكَهْف : 6 ] وَقَوْله : | وَمَنْ أَصْدَقُ مِنْ اللَّه حَدِيثًا | [ النِّسَاء : 87 ] وَقَوْله : | فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّب بِهَذَا الْحَدِيث | [ الْقَلَم : 44 ] قَالَ الْقُشَيْرِيّ : وَتَوَهَّمَ قَوْم أَنَّ الْحَدِيث مِنْ الْحُدُوث ; فَلْيَدُلَّ عَلَى أَنَّ كَلَامه مُحْدَث وَهُوَ وَهْم ; لِأَنَّهُ لَا يُرِيد لَفْظ الْحَدِيث عَلَى مَا فِي قَوْله : | مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْر مِنْ رَبّهمْ مُحْدَث | وَقَدْ قَالُوا : إِنَّ الْحُدُوث يَرْجِع إِلَى التِّلَاوَة لَا إِلَى الْمَتْلُوّ , وَهُوَ كَالذِّكْرِ مَعَ الْمَذْكُور إِذَا ذَكَرْنَا أَسْمَاء الرَّبّ تَعَالَى .|كِتَابًا مُتَشَابِهًا|| كِتَابًا | نَصْب عَلَى الْبَدَل مِنْ | أَحْسَن الْحَدِيث | وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون حَالًا مِنْهُ . | مُتَشَابِهًا | يُشْبِه بَعْضه بَعْضًا فِي الْحُسْن وَالْحِكْمَة وَيُصَدِّق بَعْضه بَعْضًا , لَيْسَ فِيهِ تَنَاقُض وَلَا اِخْتِلَاف . وَقَالَ قَتَادَة : يُشْبِه بَعْضه بَعْضًا فِي الْآي وَالْحُرُوف . وَقِيلَ : يُشْبِه كُتُب اللَّه الْمُنَزَّلَة عَلَى أَنْبِيَائِهِ ; لِمَا يَتَضَمَّنُهُ مِنْ أَمْر وَنَهْي وَتَرْغِيب وَتَرْهِيب وَإِنْ كَانَ أَعَمَّ وَأَعْجَزَ .|مَثَانِيَ|تُثَنَّى فِيهِ الْقَصَص وَالْمَوَاعِظ وَالْأَحْكَام وَثَنَّى لِلتِّلَاوَةِ فَلَا يُمَلُّ .|تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ|تَضْطَرِب وَتَتَحَرَّك بِالْخَوْفِ مِمَّا فِيهِ مِنْ الْوَعِيد . وَقَالَ زَيْد بْن أَسْلَمَ : ذَرَأَ أُبَيّ بْن كَعْب عِنْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعَهُ أَصْحَابه فَرَقُّوا فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( اِغْتَنِمُوا الدُّعَاء عِنْد الرِّقَّة فَإِنَّهَا رَحْمَة ) . وَعَنْ الْعَبَّاس أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( إِذَا اِقْشَعَرَّ جِلْد الْمُؤْمِن مِنْ مَخَافَة اللَّه تَحَاتَّتْ عَنْهُ خَطَايَاهُ كَمَا يَتَحَاتُّ عَنْ الشَّجَرَة الْبَالِيَة وَرَقهَا ) . وَعَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( مَا اِقْشَعَرَّ جِلْد عَبْد مِنْ خَشْيَة اللَّه إِلَّا حَرَّمَهُ اللَّه عَلَى النَّار ) . وَعَنْ شَهْر بْن حَوْشَب عَنْ أُمّ الدَّرْدَاء قَالَتْ : إِنَّمَا الْوَجَل فِي قَلْب الرَّجُل كَاحْتِرَاقِ السَّعَفَة , أَمَا تَجِد إِلَّا قُشَعْرِيرَة ؟ قُلْت : بَلَى ; قَالَتْ : فَادْعُ اللَّه فَإِنَّ الدُّعَاء عِنْد ذَلِكَ مُسْتَجَاب . وَعَنْ ثَابِت الْبُنَانِيّ قَالَ : قَالَ فُلَان : إِنِّي لَأَعْلَم مَتَى يُسْتَجَاب لِي . قَالُوا : وَمِنْ أَيْنَ تَعْلَم ذَلِكَ ؟ قَالَ : إِذَا اِقْشَعَرَّ جِلْدِي , وَوَجِلَ قَلْبِي , وَفَاضَتْ عَيْنَايَ , فَذَلِكَ حِين يُسْتَجَاب لِي . يُقَال : اِقْشَعَرَّ جِلْد الرَّجُل اقْشِعْرَارًا فَهُوَ مُقْشَعِرّ وَالْجَمْع قَشَاعِر فَتُحْذَف الْمِيم , لِأَنَّهَا زَائِدَة ; يُقَال أَخَذَتْهُ قُشَعْرِيرَة . قَالَ اِمْرُؤُ الْقَيْس :
فَبِتّ أُكَابِدُ لَيْلَ التَّمَا .......... مِ وَالْقَلْبُ مِنْ خَشْيَةٍ مُقْشَعِرٌّ
وَقِيلَ : إِنَّ الْقُرْآن لَمَّا كَانَ فِي غَايَة الْجَزَالَة وَالْبَلَاغَة , فَكَانُوا إِذَا رَأَوْا عَجْزهمْ عَنْ مُعَارَضَته , اِقْشَعَرَّتْ الْجُلُود مِنْهُ إِعْظَامًا لَهُ , وَتَعَجُّبًا مِنْ حُسْن تَرْصِيعه وَتَهَيُّبًا لِمَا فِيهِ ; وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : | لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآن عَلَى جَبَل لَرَأَيْته خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَة اللَّه | [ الْحَشْر : 21 ] فَالتَّصَدُّع قَرِيب مِنْ الِاقْشِعْرَار , وَالْخُشُوع قَرِيب مِنْ قَوْله : | ثُمَّ تَلِينُ جُلُودهمْ وَقُلُوبهمْ إِلَى ذِكْر اللَّه ||ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ|أَيْ عِنْد آيَة الرَّحْمَة . وَقِيلَ : إِلَى الْعَمَل بِكِتَابِ اللَّه وَالتَّصْدِيق بِهِ . وَقِيلَ : | إِلَى ذِكْر اللَّه | يَعْنِي الْإِسْلَام . وَمَعْنَى لِين الْقَلْب رِقَّته وَطُمَأْنِينَته وَسُكُونه . وَعَنْ أَسْمَاء بِنْت أَبِي بَكْر الصِّدِّيق رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا قَالَتْ : كَانَ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , إِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمْ الْقُرْآن كَمَا نَعَتَهُمْ اللَّه تَدْمَعُ أَعْيُنُهُمْ وَتَقْشَعِرّ جُلُودهمْ . قِيلَ لَهَا : فَإِنَّ أُنَاسًا الْيَوْم إِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمْ الْقُرْآن خَرَّ أَحَدهمْ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ . فَقَالَتْ : أَعُوذ بِاَللَّهِ مِنْ الشَّيْطَان الرَّجِيم . وَقَالَ سَعِيد بْن عَبْد الرَّحْمَن الْجُمَحِيّ : مَرَّ اِبْن عُمَر بِرَجُلٍ مِنْ أَهْل الْقُرْآن سَاقِط فَقَالَ : مَا بَال هَذَا ؟ قَالُوا : إِنَّهُ إِذَا قُرِئَ عَلَيْهِ الْقُرْآن وَسَمِعَ ذِكْر اللَّه سَقَطَ . فَقَالَ اِبْن عُمَر : إِنَّا لَنَخْشَى اللَّه وَمَا نَسْقُط . ثُمَّ قَالَ : إِنَّ الشَّيْطَان يَدْخُل فِي جَوْف أَحَدِهِمْ ; مَا كَانَ هَذَا صَنِيع أَصْحَاب مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَقَالَ عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز : ذُكِرَ عِنْد اِبْن سِيرِينَ الَّذِينَ يُصْرَعُونَ إِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمْ الْقُرْآن , فَقَالَ : بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ أَنْ يَقْعُد أَحَدهمْ عَلَى ظَهْر بَيْت بَاسِطًا رِجْلَيْهِ , ثُمَّ يُقْرَأ عَلَيْهِ الْقُرْآن مِنْ أَوَّله إِلَى آخِره فَإِنْ رَمَى بِنَفْسِهِ فَهُوَ صَادِق . وَقَالَ أَبُو عِمْرَان الْجَوْنِيّ : وَعَظَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام بَنِي إِسْرَائِيل ذَات يَوْم فَشَقَّ رَجُل قَمِيصه , فَأَوْحَى اللَّه إِلَى مُوسَى : قُلْ لِصَاحِبِ الْقَمِيص لَا يَشُقّ قَمِيصه فَإِنِّي لَا أُحِبُّ الْمُبَذِّرِينَ ; يَشْرَح لِي عَنْ قَلْبه .|ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ|أَيْ الْقُرْآن هُدَى اللَّه . وَقِيلَ : أَيْ الَّذِي وَهَبَهُ اللَّه لِهَؤُلَاءِ مِنْ خَشْيَة عِقَابه وَرَجَاء ثَوَابه هُدَى اللَّه .|وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ|أَيْ مَنْ خَذَلَهُ فَلَا مُرْشِد لَهُ . وَهُوَ يَرُدّ عَلَى الْقَدَرِيَّة وَغَيْرهمْ . وَقَدْ مَضَى مَعْنَى هَذَا كُلّه مُسْتَوْفًى فِي غَيْر مَوْضِع وَالْحَمْد لِلَّهِ . وَوَقَفَ اِبْن كَثِير وَابْن مُحَيْصِن عَلَى قَوْله : | هَادٍ | فِي الْمَوْضِعَيْنِ بِالْيَاءِ , الْبَاقُونَ بِغَيْرِ يَاء .

قَالَ عَطَاء وَابْن زَيْد : يُرْمَى بِهِ مَكْتُوفًا فِي النَّار فَأَوَّل شَيْء تَمَسُّ مِنْهُ النَّار وَجْهَهُ . وَقَالَ مُجَاهِد : يُجَرُّ عَلَى وَجْهه فِي النَّار . وَقَالَ مُقَاتِل : هُوَ أَنَّ الْكَافِر يُرْمَى بِهِ فِي النَّار مَغْلُولَةً يَدَاهُ إِلَى عُنُقه , وَفِي عُنُقه صَخْرَة عَظِيمَة كَالْجَبَلِ الْعَظِيم مِنْ الْكِبْرِيت , فَتَشْتَعِل النَّار فِي الْحَجَر وَهُوَ مُعَلَّق فِي عُنُقه , فَحَرُّهَا وَوَهَجُهَا عَلَى وَجْهه ; لَا يُطِيق دَفْعهَا عَنْ وَجْهه مِنْ أَجْل الْأَغْلَال . وَالْخَبَر مَحْذُوف . قَالَ الْأَخْفَش : أَيْ | أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوء الْعَذَاب | أَفْضَل أَمْ مَنْ سُعِدَ , مِثْل : | أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّار خَيْر أَمَّنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْم الْقِيَامَة | [ فُصِّلَتْ : 40 ] .|وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ|أَيْ وَتَقُول الْخَزَنَة لِلْكَافِرِينَ|ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ|أَيْ جَزَاء كَسْبِكُمْ مِنْ الْمَعَاصِي . وَمِثْله | هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ | [ التَّوْبَة : 35 ] .

أَيْ كَذَّبَ قَبْلهمْ أَقْوَام كَانُوا أَشَدّ مِنْ هَؤُلَاءِ بَطْشًا وَأَكْثَر أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَأَوْسَعَ عَيْشًا , فَأَهْلَكْتهمْ كَثَمُودَ وَعَادٍ .|فَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ|أَيْ مِنْ حَيْثُ ظَنُّوا أَنَّهُمْ فِي أَمَان

قَالَ الْمُبَرِّد : يُقَال لِكُلِّ مَا نَالَ الْجَارِحَة مِنْ شَيْء قَدْ ذَاقَتْهُ , أَيْ وَصَلَ إِلَيْهَا كَمَا تَصِل الْحَلَاوَة وَالْمَرَارَة إِلَى الذَّائِق لَهُمَا . قَالَ : وَالْخِزْي مِنْ الْمَكْرُوه وَالْخَزَايَة مِنْ الِاسْتِحْيَاء|وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ|أَيْ مِمَّا أَصَابَهُمْ فِي الدُّنْيَا لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ذَلِكَ .

أَيْ مِنْ كُلّ مَثَل يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ ; مِثْل قَوْله تَعَالَى : | مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَاب مِنْ شَيْء | [ الْأَنْعَام : 38 ] وَقِيلَ : أَيْ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ إِهْلَاك الْأُمَم السَّالِفَة مَثَل لِهَؤُلَاءِ .|لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ|يَتَّعِظُونَ .

نَصْب عَلَى الْحَال . قَالَ الْأَخْفَشُ : لِأَنَّ قَوْله جَلَّ وَعَزَّ : | فِي هَذَا الْقُرْآن | مَعْرِفَة . وَقَالَ عَلِيّ بْن سُلَيْمَان : | عَرَبِيًّا | نَصْب عَلَى الْحَال وَ | قُرْآنًا | تَوْطِئَة لِلْحَالِ كَمَا تَقُول مَرَرْت بِزَيْدٍ رَجُلًا صَالِحًا فَقَوْلُك صَالِحًا هُوَ الْمَنْصُوب عَلَى الْحَال . وَقَالَ الزَّجَّاج : | عَرَبِيًّا | مَنْصُوب عَلَى الْحَال وَ | قُرْآنًا | تَوْكِيد .|غَيْرَ ذِي عِوَجٍ|النَّحَّاس : أَحْسَنُ مَا قِيلَ فِيهِ قَوْل الضَّحَّاك , قَالَ : غَيْر مُخْتَلِف . وَهُوَ قَوْل اِبْن عَبَّاس , ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيّ . وَعَنْ اِبْن عَبَّاس أَيْضًا غَيْر مَخْلُوق , ذَكَرَهُ الْمَهْدَوِيّ وَقَالَهُ السُّدِّيّ فِيمَا ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيّ . وَقَالَ عُثْمَان بْن عَفَّان : غَيْر مُتَضَادّ . وَقَالَ مُجَاهِد : غَيْر ذِي لَبْس . وَقَالَ بَكْر بْن عَبْد اللَّه الْمُزَنِيّ : غَيْر ذِي لَحْن . وَقِيلَ : غَيْر ذِي شَكٍّ . قَالَ السُّدِّيّ فِيمَا ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيّ . قَالَ :
وَقَدْ أَتَاك يَقِينٌ غَيْرُ ذِي عِوَجٍ .......... مِنْ الْإِلَهِ وَقَوْلٌ غَيْرُ مَكْذُوبِ
|لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ|الْكُفْر وَالْكَذِب .

قَالَ الْكِسَائِيّ : نُصِبَ | رَجُلًا | لِأَنَّهُ تَرْجَمَة لِلْمَثَلِ وَتَفْسِير لَهُ , وَإِنْ شِئْت نَصَبْته بِنَزْعِ الْخَافِض , مَجَازُهُ : ضَرَبَ اللَّه مَثَلًا بِرَجُلٍ | فِيهِ شُرَكَاء مُتَشَاكِسُونَ | قَالَ الْفَرَّاء : أَيْ مُخْتَلِفُونَ . وَقَالَ الْمُبَرِّد : أَيْ مُتَعَاسِرُونَ مِنْ شَكِسَ يَشْكُسُ شُكْسًا بِوَزْنِ قُفْلٍ فَهُوَ شَكِسٌ مِثْل عَسُرَ يَعْسُرُ عُسْرًا فَهُوَ عَسِرٌ , يُقَال : رَجُل شَكِسٌ وَشَرِسٌ وَضَرِسٌ وَضَبِسٌ . وَيُقَال : رَجُل ضَبِسٌ وَضَبِيسٌ أَيْ شَرِسٌ عَسِرٌ شَكِسٌ ; قَالَهُ الْجَوْهَرِيّ . الزَّمَخْشَرِيّ : وَالتَّشَاكُس وَالتَّشَاخُسُ الِاخْتِلَاف . يُقَال : تَشَاكَسَتْ أَحْوَاله وَتَشَاخَسَتْ أَسْنَانُهُ . وَيُقَال : شَاكَسَنِي فُلَان أَيْ مَاكَسَنِي وَشَاحَّنِي فِي حَقِّي . قَالَ الْجَوْهَرِيّ : رَجُل شَكْسٌ بِالتَّسْكِينِ أَيْ صَعْب الْخُلُق . قَالَ الرَّاجِز :
شَكْسٌ عَبُوسٌ عَنْبَسٌ عَذَوَّرُ
وَقَوْم شُكْسٌ مِثَال رَجُل صَدْق وَقَوْم صُدْقٌ . وَقَدْ شَكِسَ بِالْكَسْرِ شَكَاسَة . وَحَكَى الْفَرَّاء : رَجُل شَكْسٌ . وَهُوَ الْقِيَاس , وَهَذَا مِثْل مَنْ عَبَدَ آلِهَة كَثِيرَة .|وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ|أَيْ خَالِصًا لِسَيِّدٍ وَاحِد , وَهُوَ مِثْل مَنْ يَعْبُد اللَّه وَحْده .|هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا|هَذَا الَّذِي يَخْدُم جَمَاعَة شُرَكَاء أَخْلَاقهمْ مُخْتَلِفَة , وَنِيَّاتهمْ مُتَبَايِنَة , لَا يَلْقَاهُ رَجُل إِلَّا جَرَّهُ وَاسْتَخْدَمَهُ ; فَهُوَ يَلْقَى مِنْهُمْ الْعَنَاء وَالنَّصَب وَالتَّعَب الْعَظِيم , وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ كُلّه لَا يُرْضِي وَاحِدًا مِنْهُمْ بِخِدْمَتِهِ لِكَثْرَةِ الْحُقُوق فِي رَقَبَته , وَاَلَّذِي يَخْدُم وَاحِدًا لَا يُنَازِعهُ فِيهِ أَحَد , إِذَا أَطَاعَهُ وَحْده عَرَفَ ذَلِكَ لَهُ , وَإِنْ أَخْطَأَ صَفَحَ عَنْ خَطَئِهِ , فَأَيّهمَا أَقَلُّ تَعَبًا أَوْ عَلَى هُدًى مُسْتَقِيم . وَقَرَأَ أَهْل الْكُوفَة وَأَهْل الْمَدِينَة : | وَرَجُلًا سَالِمًا | وَقَرَأَ اِبْن عَبَّاس وَمُجَاهِد وَالْحَسَن وَعَاصِم الْجَحْدَرِيّ وَأَبُو عَمْرو وَابْن كَثِير وَيَعْقُوب : | وَرَجُلًا سَالِمًا | وَاخْتَارَهُ أَبُو عُبَيْد لِصِحَّةِ التَّفْسِير فِيهِ . قَالَ : لِأَنَّ السَّالِم الْخَالِص ضِدّ الْمُشْتَرَك , وَالسَّلَم ضِدّ الْحَرْب وَلَا مَوْضِع لِلْحَرْبِ هُنَا . النَّحَّاس : وَهَذَا الِاحْتِجَاج لَا يَلْزَم ; لِأَنَّ الْحَرْف إِذَا كَانَ لَهُ مَعْنَيَانِ لَمْ يُحْمَل إِلَّا عَلَى أَوْلَاهُمَا , فَهَذَا وَإِنْ كَانَ السَّلَم ضِدّ الْحَرْب فَلَهُ مَوْضِع آخَر ; كَمَا يُقَال لَك فِي هَذَا الْمَنْزِل شُرَكَاء فَصَارَ سَلَمًا لَك . وَيَلْزَمهُ أَيْضًا فِي سَالِم مَا أَلْزَمَ غَيْره ; لِأَنَّهُ يُقَال شَيْء سَالِم أَيْ لَا عَاهَةَ بِهِ . وَالْقِرَاءَتَانِ حَسَنَتَانِ قَرَأَ بِهِمَا الْأَئِمَّة . وَاخْتَارَ أَبُو حَاتِم قِرَاءَة أَهْل الْمَدِينَة | سَلَمًا | قَالَ وَهَذَا الَّذِي لَا تَنَازُع فِيهِ . وَقَرَأَ سَعِيد بْن جُبَيْر وَعِكْرِمَة وَأَبُو الْعَالِيَة وَنَصْر | سِلْمًا | بِكَسْرِ السِّين وَسُكُون اللَّام . وَسَلَمًا وَسِلْمًا مَصْدَرَانِ ; وَالتَّقْدِير : وَرَجُلًا ذَا سِلْم فَحُذِفَ الْمُضَاف وَ | مَثَلًا | صِفَة عَلَى التَّمْيِيز , وَالْمَعْنَى هَلْ تَسْتَوِي صِفَاتهمَا وَحَالَاهُمَا . وَإِنَّمَا اِقْتُصِرَ فِي التَّمْيِيز عَلَى الْوَاحِد لِبَيَانِ الْجِنْس .|الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ|أَيْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقّ فَيَتَّبِعُونَهُ .