islamkingdomfaceBook islamkingdomtwitter islamkingdominstagram islamkingdomyoutube


فِيهِ سَبْع عَشْرَة مَسْأَلَة : الْأُولَى : قَوْله تَعَالَى | وَإِذْ قَالَ رَبّك لِلْمَلَائِكَةِ | إِذْ وَإِذَا حَرْفَا تَوْقِيت , فَإِذْ لِلْمَاضِي , وَإِذَا لِلْمُسْتَقْبَلِ , وَقَدْ تُوضَع إِحْدَاهُمَا مَوْضِع الْأُخْرَى . وَقَالَ الْمُبَرِّد : إِذَا جَاءَ | إِذْ | مَعَ مُسْتَقْبَل كَانَ مَعْنَاهُ مَاضِيًا , نَحْو قَوْله : | وَإِذْ يَمْكُر بِك | [ الْأَنْفَال : 30 ] | وَإِذْ تَقُول لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّه عَلَيْهِ | [ الْأَحْزَاب : 37 ] مَعْنَاهُ مَكَرُوا , وَإِذْ قُلْت . وَإِذَا جَاءَ | إِذَا | مَعَ الْمَاضِي كَانَ مَعْنَاهُ مُسْتَقْبِلًا , كَقَوْلِهِ تَعَالَى : | فَإِذَا جَاءَتْ الطَّامَّة | [ النَّازِعَات : 34 ] | فَإِذَا جَاءَتْ الصَّاخَّة | [ عَبَسَ : 33 ] وَ | إِذَا جَاءَ نَصْر اللَّه | [ النَّصْر : 1 ] أَيْ يَجِيء . وَقَالَ مَعْمَر بْن الْمُثَنَّى أَبُو عُبَيْدَة : | إِذْ | زَائِدَة , وَالتَّقْدِير : وَقَالَ رَبّك , وَاسْتَشْهَدَ بِقَوْلِ الْأَسْوَد بْن يَعْفُر :
فَإِذْ وَذَلِكَ لَا مَهَاة لِذِكْرِهِ .......... وَالدَّهْر يُعْقِب صَالِحًا بِفَسَادِ
وَأَنْكَرَ هَذَا الْقَوْل الزَّجَّاج وَالنَّحَّاس وَجَمِيع الْمُفَسِّرِينَ . قَالَ النَّحَّاس : وَهَذَا خَطَأ ; لِأَنَّ | إِذْ | اِسْم وَهِيَ ظَرْف زَمَان لَيْسَ مِمَّا تُزَاد . وَقَالَ الزَّجَّاج : هَذَا اِجْتِرَام مِنْ أَبِي عُبَيْدَة , ذَكَرَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ خَلْق النَّاس وَغَيْرهمْ , فَالتَّقْدِير وَابْتَدَأَ خَلْقكُمْ إِذْ قَالَ , فَكَانَ هَذَا مِنْ الْمَحْذُوف الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الْكَلَام , كَمَا قَالَ :
فَإِنَّ الْمَنِيَّة مَنْ يَخْشَهَا .......... فَسَوْفَ تُصَادِفهُ أَيْنَمَا
يُرِيد أَيْنَمَا ذَهَبَ . وَيُحْتَمَل أَنْ تَكُون مُتَعَلِّقَة بِفِعْلٍ مُقَدَّر تَقْدِيره وَاذْكُرْ إِذْ قَالَ . وَقِيلَ : هُوَ مَرْدُود إِلَى قَوْله تَعَالَى : | اُعْبُدُوا رَبّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ | [ الْبَقَرَة : 21 ] فَالْمَعْنَى الَّذِي خَلَقَكُمْ إِذْ قَالَ رَبّك لِلْمَلَائِكَةِ . وَقَوْل اللَّه تَعَالَى وَخِطَابه لِلْمَلَائِكَةِ مُتَقَرِّر قَدِيم فِي الْأَزَل بِشَرْطِ وَجُودهمْ وَفَهْمهمْ . وَهَكَذَا الْبَاب كُلّه فِي أَوَامِر اللَّه تَعَالَى وَنَوَاهِيه وَمُخَاطَبَاته . وَهَذَا مَذْهَب الشَّيْخ أَبِي الْحَسَن الْأَشْعَرِيّ , وَهُوَ الَّذِي اِرْتَضَاهُ أَبُو الْمَعَالِي . وَقَدْ أَتَيْنَا عَلَيْهِ فِي كِتَاب الْأَسْنَى فِي شَرْح أَسْمَاء اللَّه الْحُسْنَى وَصِفَات اللَّه الْعُلَى . وَالرَّبّ : الْمَالِك وَالسَّيِّد وَالْمُصْلِح وَالْجَابِر , وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانه . الثَّانِيَة : قَوْله تَعَالَى | لِلْمَلَائِكَةِ | الْمَلَائِكَة وَاحِدهَا مَلَك . قَالَ اِبْن كَيْسَان وَغَيْره : وَزْن مَلَك فَعَل مِنْ الْمُلْك . وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة , هُوَ مَفْعَل مِنْ لَأَكَ إِذَا أُرْسِلَ . وَالْأَلُوكَة وَالْمَأْلَكَة وَالْمَأْلُكَة : الرِّسَالَة , قَالَ لَبِيد :
وَغُلَام أَرْسَلَتْهُ أُمّه .......... بِأَلُوكٍ فَبَذَلْنَا مَا سَأَلْ
وَقَالَ آخَر :
أَبْلِغْ النُّعْمَان عَنِّي مَأْلُكًا .......... إِنَّنِي قَدْ طَالَ حَبْسِي وَانْتِظَارِي
وَيُقَال : أَلِكْنِي أَيْ أَرْسِلْنِي , فَأَصْله عَلَى هَذَا مَأْلَك , الْهَمْزَة فَاء الْفِعْل فَإِنَّهُمْ قَلَبُوهَا إِلَى عَيْنه فَقَالُوا : مَلْأَك , ثُمَّ سَهَّلُوهُ فَقَالُوا مَلَك . وَقِيلَ أَصْله مَلْأَك مِنْ مَلَكَ يَمْلِك , نَحْو شَمْأَل مِنْ شَمَلَ , فَالْهَمْزَة زَائِدَة عَنْ اِبْن كَيْسَان أَيْضًا , وَقَدْ تَأْتِي فِي الشِّعْر عَلَى الْأَصْل , قَالَ الشَّاعِر :
فَلَسْت لِإِنْسِيٍّ وَلَكِنْ لِمَلْأَكٍ .......... تَنْزِل مِنْ جَوّ السَّمَاء يَصُوب
وَقَالَ النَّضْر بْن شُمَيْل . لَا اِشْتِقَاق لِلْمَلَكِ عِنْد الْعَرَب . وَالْهَاء فِي الْمَلَائِكَة تَأْكِيد لِتَأْنِيثِ الْجَمْع , وَمِثْله الصَّلَادِمَة . وَالصَّلَادِم : الْخَيْل الشِّدَاد , وَاحِدهَا صِلْدِم . وَقِيلَ : هِيَ لِلْمُبَالَغَةِ , كَعَلَّامَةٍ وَنَسَّابَة . وَقَالَ أَرْبَاب الْمَعَانِي : خَاطَبَ اللَّه الْمَلَائِكَة لَا لِلْمَشُورَةِ وَلَكِنْ لِاسْتِخْرَاجِ مَا فِيهِمْ مِنْ رُؤْيَة الْحَرَكَات وَالْعِبَادَة وَالتَّسْبِيح وَالتَّقْدِيس , ثُمَّ رَدَّهُمْ إِلَى قِيمَتهمْ , فَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ : | اُسْجُدُوا لِآدَم | [ الْبَقَرَة : 34 ] . الثَّالِثَة : قَوْله تَعَالَى : | إِنِّي جَاعِل فِي الْأَرْض خَلِيفَة | | جَاعِل | هُنَا بِمَعْنَى خَالِق , ذَكَرَهُ الطَّبَرِيّ عَنْ أَبِي رَوْق , وَيَقْضِي بِذَلِكَ تَعَدِّيهَا إِلَى مَفْعُول وَاحِد , وَقَدْ تَقَدَّمَ . وَالْأَرْض قِيلَ إِنَّهَا مَكَّة . رَوَى اِبْن سَابِط عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( دُحِيَتْ الْأَرْض مِنْ مَكَّة ) وَلِذَلِكَ سُمِّيَتْ أُمّ الْقُرَى , قَالَ : وَقَبْر نُوح وَهُود وَصَالِح وَشُعَيْب بَيْن زَمْزَم وَالرُّكْن وَالْمَقَام . وَ | خَلِيفَة | يَكُون بِمَعْنَى فَاعِل , أَيْ يَخْلُف مَنْ كَانَ قَبْله مِنْ الْمَلَائِكَة فِي الْأَرْض , أَوْ مَنْ كَانَ قَبْله مِنْ غَيْر الْمَلَائِكَة عَلَى مَا رُوِيَ . وَيَجُوز أَنْ يَكُون | خَلِيفَة | بِمَعْنَى مَفْعُول أَيْ مُخْلَف , كَمَا يُقَال : ذَبِيحَة بِمَعْنَى مَفْعُولَة . وَالْخَلَف ( بِالتَّحْرِيكِ ) مِنْ الصَّالِحِينَ , وَبِتَسْكِينِهَا مِنْ الطَّالِحِينَ , هَذَا هُوَ الْمَعْرُوف , وَسَيَأْتِي لَهُ مَزِيد بَيَان فِي | الْأَعْرَاف | إِنْ شَاءَ اللَّه . وَ | خَلِيفَة | بِالْفَاءِ قِرَاءَة الْجَمَاعَة , إِلَّا مَا رُوِيَ عَنْ زَيْد بْن عَلِيّ فَإِنَّهُ قَرَأَ | خَلِيقَة | بِالْقَافِ . وَالْمَعْنِيّ بِالْخَلِيفَةِ هُنَا - فِي قَوْل اِبْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس وَجَمِيع أَهْل التَّأْوِيل - آدَم عَلَيْهِ السَّلَام , وَهُوَ خَلِيفَة اللَّه فِي إِمْضَاء أَحْكَامه وَأَوَامِره ; لِأَنَّهُ أَوَّل رَسُول إِلَى الْأَرْض , كَمَا فِي حَدِيث أَبِي ذَرّ , قَالَ قُلْت : يَا رَسُول اللَّه أَنَبِيًّا كَانَ مُرْسَلًا ؟ قَالَ : ( نَعَمْ ) الْحَدِيث وَيُقَال : لِمَنْ كَانَ رَسُولًا وَلَمْ يَكُنْ فِي الْأَرْض أَحَد ؟ فَيُقَال : كَانَ رَسُولًا إِلَى وَلَده , وَكَانُوا أَرْبَعِينَ وَلَدًا فِي عِشْرِينَ بَطْنًا فِي كُلّ بَطْن ذَكَر وَأُنْثَى , وَتَوَالَدُوا حَتَّى كَثُرُوا , كَمَا قَالَ اللَّه تَعَالَى : | خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْس وَاحِدَة وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاء | [ النِّسَاء : 1 ] . وَأَنْزَلَ عَلَيْهِمْ تَحْرِيم الْمَيْتَة وَالدَّم وَلَحْم الْخِنْزِير . وَعَاشَ تِسْعمِائَةٍ وَثَلَاثِينَ سَنَة , هَكَذَا ذَكَرَ أَهْل التَّوْرَاة وَرُوِيَ عَنْ وَهْب بْن مُنَبِّه أَنَّهُ عَاشَ أَلْف سَنَة , وَاَللَّه أَعْلَم . الرَّابِعَة : هَذِهِ الْآيَة أَصْل فِي نَصْب إِمَام وَخَلِيفَة يُسْمَع لَهُ وَيُطَاع , لِتَجْتَمِع بِهِ الْكَلِمَة , وَتَنْفُذ بِهِ أَحْكَام الْخَلِيفَة . وَلَا خِلَاف فِي وُجُوب ذَلِكَ بَيْن الْأُمَّة وَلَا بَيْن الْأَئِمَّة إِلَّا مَا رُوِيَ عَنْ الْأَصَمّ حَيْثُ كَانَ عَنْ الشَّرِيعَة أَصَمّ , وَكَذَلِكَ كُلّ مَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ وَاتَّبَعَهُ عَلَى رَأْيه وَمَذْهَبه , قَالَ : إِنَّهَا غَيْر وَاجِبَة فِي الدِّين بَلْ يَسُوغ ذَلِكَ , وَأَنَّ الْأُمَّة مَتَى أَقَامُوا حُجَجهُمْ وَجِهَادهمْ , وَتَنَاصَفُوا فِيمَا بَيْنهمْ , وَبَذَلُوا الْحَقّ مِنْ أَنْفُسهمْ , وَقَسَمُوا الْغَنَائِم وَالْفَيْء وَالصَّدَقَات عَلَى أَهْلهَا , وَأَقَامُوا الْحُدُود عَلَى مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ , أَجْزَأَهُمْ ذَلِكَ , وَلَا يَجِب عَلَيْهِمْ أَنْ يُنَصِّبُوا إِمَامًا يَتَوَلَّى ذَلِكَ . وَدَلِيلنَا قَوْل اللَّه تَعَالَى : | إِنِّي جَاعِل فِي الْأَرْض خَلِيفَة | [ الْبَقَرَة : 30 ] , وَقَوْله تَعَالَى : | يَا دَاوُد إِنَّا جَعَلْنَاك خَلِيفَة فِي الْأَرْض | [ ص : 26 ] , وَقَالَ : | وَعَدَ اللَّه الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَات لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْض | [ النُّور : 55 ] أَيْ يَجْعَل مِنْهُمْ خُلَفَاء , إِلَى غَيْر ذَلِكَ مِنْ الْآي . وَأَجْمَعَتْ الصَّحَابَة عَلَى تَقْدِيم الصِّدِّيق بَعْد اِخْتِلَاف وَقَعَ بَيْن الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَار فِي سَقِيفَة بَنِي سَاعِدَة فِي التَّعْيِين , حَتَّى قَالَتْ الْأَنْصَار : مِنَّا أَمِير وَمِنْكُمْ أَمِير , فَدَفَعَهُمْ أَبُو بَكْر وَعُمَر وَالْمُهَاجِرُونَ عَنْ ذَلِكَ , وَقَالُوا لَهُمْ : إِنَّ الْعَرَب لَا تَدِين إِلَّا لِهَذَا الْحَيّ مِنْ قُرَيْش , وَرَوَوْا لَهُمْ الْخَبَر فِي ذَلِكَ , فَرَجَعُوا وَأَطَاعُوا لِقُرَيْشٍ . فَلَوْ كَانَ فَرْض الْإِمَام غَيْر وَاجِب لَا فِي قُرَيْش وَلَا فِي غَيْرهمْ لَمَا سَاغَتْ هَذِهِ الْمُنَاظَرَة وَالْمُحَاوَرَة عَلَيْهَا , وَلَقَالَ قَائِل : إِنَّهَا لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ لَا فِي قُرَيْش وَلَا فِي غَيْرهمْ , فَمَا لِتَنَازُعِكُمْ وَجْه وَلَا فَائِدَة فِي أَمْر لَيْسَ بِوَاجِبٍ ثُمَّ إِنَّ الصِّدِّيق رَضِيَ اللَّه عَنْهُ لَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاة عَهِدَ إِلَى عُمَر فِي الْإِمَامَة , وَلَمْ يَقُلْ لَهُ أَحَد هَذَا أَمْر غَيْر وَاجِب عَلَيْنَا وَلَا عَلَيْك , فَدَلَّ عَلَى وُجُوبهَا وَأَنَّهَا رُكْن مِنْ أَرْكَان الدِّين الَّذِي بِهِ قِوَام الْمُسْلِمِينَ , وَالْحَمْد لِلَّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ . وَقَالَتْ الرَّافِضَة : يَجِب نَصْبه عَقْلًا , وَإِنَّ السَّمْع إِنَّمَا وَرَدَ عَلَى جِهَة التَّأْكِيد لِقَضِيَّةِ الْعَقْل , فَأَمَّا مَعْرِفَة الْإِمَام فَإِنَّ ذَلِكَ مُدْرَك مِنْ جِهَة السَّمْع دُون الْعَقْل . وَهَذَا فَاسِد ; لِأَنَّ الْعَقْل لَا يُوجِب وَلَا يَحْظُر وَلَا يُقَبِّح وَلَا يُحَسِّن , وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ ثَبَتَ أَنَّهَا وَاجِبَة مِنْ جِهَة الشَّرْع لَا مِنْ جِهَة الْعَقْل , وَهَذَا وَاضِح . فَإِنْ قِيلَ وَهِيَ : الْخَامِسَة : إِذَا سَلِمَ أَنَّ طَرِيق وُجُوب الْإِمَامَة السَّمْع , فَخَبِّرُونَا هَلْ يَجِب مِنْ جِهَة السَّمْع بِالنَّصِّ عَلَى الْإِمَام مِنْ جِهَة الرَّسُول صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , أَمْ مِنْ جِهَة اِخْتِيَار أَهْل الْحَلّ وَالْعَقْد لَهُ , أَمْ بِكَمَالِ خِصَال الْأَئِمَّة فِيهِ , وَدُعَاؤُهُ مَعَ ذَلِكَ إِلَى نَفْسه كَافٍ فِيهِ ؟ . فَالْجَوَاب أَنْ يُقَال : اِخْتَلَفَ النَّاس فِي هَذَا الْبَاب , فَذَهَبَتْ الْإِمَامِيَّة وَغَيْرهَا إِلَى أَنَّ الطَّرِيق الَّذِي يُعْرَف بِهِ الْإِمَام هُوَ النَّصّ مِنْ الرَّسُول عَلَيْهِ السَّلَام وَلَا مَدْخَل لِلِاخْتِيَارِ فِيهِ . وَعِنْدنَا : النَّظَر طَرِيق إِلَى مَعْرِفَة الْإِمَام , وَإِجْمَاع أَهْل الِاجْتِهَاد طَرِيق أَيْضًا إِلَيْهِ , وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ قَالُوا لَا طَرِيق إِلَيْهِ إِلَّا النَّصّ بَنَوْهُ عَلَى أَصْلهمْ أَنَّ الْقِيَاس وَالرَّأْي وَالِاجْتِهَاد بَاطِل لَا يُعْرَف بِهِ شَيْء أَصْلًا , وَأَبْطَلُوا الْقِيَاس أَصْلًا وَفَرْعًا . ثُمَّ اِخْتَلَفُوا عَلَى ثَلَاث فِرَق : فِرْقَة تَدَّعِي النَّصّ عَلَى أَبِي بَكْر , وَفِرْقَة تَدَّعِي النَّصّ عَلَى الْعَبَّاس , وَفِرْقَة تَدَّعِي النَّصّ عَلَى عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ . وَالدَّلِيل عَلَى فَقْد النَّصّ وَعَدَمه عَلَى إِمَام بِعَيْنِهِ هُوَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَوْ فَرَضَ عَلَى الْأُمَّة طَاعَة إِمَام بِعَيْنِهِ بِحَيْثُ لَا يَجُوز الْعُدُول عَنْهُ إِلَى غَيْره لَعُلِمَ ذَلِكَ , لِاسْتِحَالَةِ تَكْلِيف الْأُمَّة بِأَسْرِهَا طَاعَة اللَّه فِي غَيْر مُعَيَّن , وَلَا سَبِيل لَهُمْ إِلَى الْعِلْم بِذَلِكَ التَّكْلِيف , وَإِذَا وَجَبَ الْعِلْم بِهِ لَمْ يَخْلُ ذَلِكَ الْعِلْم مِنْ أَنْ يَكُون طَرِيقه أَدِلَّة الْعُقُول أَوْ الْخَبَر , وَلَيْسَ فِي الْعَقْل مَا يَدُلّ عَلَى ثُبُوت الْإِمَامَة لِشَخْصٍ مُعَيَّن , وَكَذَلِكَ لَيْسَ فِي الْخَبَر مَا يُوجِب الْعِلْم بِثُبُوتِ إِمَام مُعَيَّن ; لِأَنَّ ذَلِكَ الْخَبَر إِمَّا أَنْ يَكُون تَوَاتُرًا أَوْجَبَ الْعِلْم ضَرُورَة أَوْ اِسْتِدْلَالًا , أَوْ يَكُون مِنْ أَخْبَار الْآحَاد , وَلَا يَجُوز أَنْ يَكُون طَرِيقه التَّوَاتُر الْمُوجِب لِلْعِلْمِ ضَرُورَة أَوْ دَلَالَة , إِذْ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَكَانَ كُلّ مُكَلَّف يَجِد مِنْ نَفْسه الْعِلْم بِوُجُوبِ الطَّاعَة لِذَلِكَ الْمُعَيَّن وَأَنَّ ذَلِكَ مِنْ دِين اللَّه عَلَيْهِ , كَمَا أَنَّ كُلّ مُكَلَّف عَلِمَ أَنَّ مِنْ دِين اللَّه الْوَاجِب عَلَيْهِ خَمْس صَلَوَات , وَصَوْم رَمَضَان , وَحَجّ الْبَيْت وَنَحْوهَا , وَلَا أَحَد يَعْلَم ذَلِكَ مِنْ نَفْسه ضَرُورَة , فَبَطَلَتْ هَذِهِ الدَّعْوَى , وَبَطَلَ أَنْ يَكُون مَعْلُومًا بِأَخْبَارِ الْآحَاد لِاسْتِحَالَةِ وُقُوع الْعِلْم بِهِ . وَأَيْضًا فَإِنَّهُ لَوْ وَجَبَ الْمَصِير إِلَى نَقْل النَّصّ عَلَى الْإِمَام بِأَيِّ وَجْه كَانَ , وَجَبَ إِثْبَات إِمَامَة أَبِي بَكْر وَالْعَبَّاس ; لِأَنَّ لِكُلِّ وَاحِد مِنْهُمَا قَوْمًا يَنْقُلُونَ النَّصّ صَرِيحًا فِي إِمَامَته , وَإِذَا بَطَلَ إِثْبَات الثَّلَاثَة بِالنَّصِّ فِي وَقْت وَاحِد - عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانه - كَذَلِكَ الْوَاحِد ; إِذْ لَيْسَ أَحَد الْفِرَق أَوْلَى بِالنَّصِّ مِنْ الْآخَر . وَإِذَا بَطَلَ ثُبُوت النَّصّ لِعَدَمِ الطَّرِيق الْمُوصِل إِلَيْهِ ثَبَتَ الِاخْتِيَار وَالِاجْتِهَاد . فَإِنْ تَعَسَّفَ مُتَعَسِّف وَادَّعَى التَّوَاتُر وَالْعِلْم الضَّرُورِيّ بِالنَّصِّ فَيَنْبَغِي أَنْ يُقَابَلُوا عَلَى الْفَوْر بِنَقِيضِ دَعْوَاهُمْ فِي النَّصّ عَلَى أَبِي بَكْر وَبِأَخْبَارٍ فِي ذَلِكَ كَثِيرَة تَقُوم أَيْضًا فِي جُمْلَتهَا مَقَام النَّصّ , ثُمَّ لَا شَكّ فِي تَصْمِيم مَنْ عَدَا الْإِمَامِيَّة عَلَى نَفْي النَّصّ , وَهُمْ الْخَلْق الْكَثِير وَالْجَمّ الْغَفِير . وَالْعِلْم الضَّرُورِيّ لَا يَجْتَمِع عَلَى نَفْيه مَنْ يَنْحَطّ عَنْ مِعْشَار أَعْدَاد مُخَالِفِي الْإِمَامِيَّة , وَلَوْ جَازَ رَدّ الضَّرُورِيّ فِي ذَلِكَ لَجَازَ أَنْ يُنْكِر طَائِفَة بَغْدَاد وَالصِّين الْأَقْصَى وَغَيْرهمَا . السَّادِسَة : فِي رَدّ الْأَحَادِيث الَّتِي اِحْتَجَّ بِهَا الْإِمَامِيَّة فِي النَّصّ عَلَى عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ , وَأَنَّ الْأُمَّة كَفَرَتْ بِهَذَا النَّصّ وَارْتَدَّتْ , وَخَالَفَتْ أَمْر الرَّسُول عِنَادًا , مِنْهَا قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام : ( مَنْ كُنْت مَوْلَاهُ فَعَلِيّ مَوْلَاهُ اللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالَاهُ وَعَادِ مَنْ عَادَاهُ ) . قَالُوا : وَالْمَوْلَى فِي اللُّغَة بِمَعْنَى أَوْلَى , فَلَمَّا قَالَ : ( فَعَلِيّ مَوْلَاهُ ) بِفَاءِ التَّعْقِيب عُلِمَ أَنَّ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ | مَوْلَى | أَنَّهُ أَحَقّ وَأَوْلَى . فَوَجَبَ أَنْ يَكُون أَرَادَ بِذَلِكَ الْإِمَامَة وَأَنَّهُ مُفْتَرِض الطَّاعَة , وَقَوْله عَلَيْهِ السَّلَام لِعَلِيٍّ : ( أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُون مِنْ مُوسَى إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيّ بَعْدِي ) . قَالُوا : وَمَنْزِلَة هَارُون مَعْرُوفَة , وَهُوَ أَنَّهُ كَانَ مُشَارِكًا لَهُ فِي النُّبُوَّة وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لِعَلِيٍّ , وَكَانَ أَخًا لَهُ وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لِعَلِيٍّ , وَكَانَ خَلِيفَة , فَعُلِمَ أَنَّ الْمُرَاد بِهِ الْخِلَافَة , إِلَى غَيْر ذَلِكَ مِمَّا اِحْتَجُّوا بِهِ عَلَى مَا يَأْتِي ذِكْره فِي هَذَا الْكِتَاب إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى . وَالْجَوَاب عَنْ الْحَدِيث الْأَوَّل : أَنَّهُ لَيْسَ بِمُتَوَاتِرٍ , وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي صِحَّته , وَقَدْ طَعَنَ فِيهِ أَبُو دَاوُد السِّجِسْتَانِيّ وَأَبُو حَاتِم الرَّازِيّ , وَاسْتَدَلَّا عَلَى بُطْلَانه بِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( مُزَيْنَة وَجُهَيْنَة وَغِفَار وَأَسْلَم مَوَالِي دُون النَّاس كُلّهمْ لَيْسَ لَهُمْ مَوْلًى دُون اللَّه وَرَسُوله ) . قَالُوا : فَلَوْ كَانَ قَدْ قَالَ : ( مَنْ كُنْت مَوْلَاهُ فَعَلِيّ مَوْلَاهُ ) لَكَانَ أَحَد الْخَبَرَيْنِ كَذِبًا . جَوَاب ثَانٍ : وَهُوَ أَنَّ الْخَبَر وَإِنْ كَانَ صَحِيحًا رَوَاهُ ثِقَة عَنْ ثِقَة فَلَيْسَ فِيهِ مَا يَدُلّ عَلَى إِمَامَته , وَإِنَّمَا يَدُلّ عَلَى فَضِيلَته , وَذَلِكَ أَنَّ الْمَوْلَى بِمَعْنَى الْوَلِيّ , فَيَكُون مَعْنَى الْخَبَر : مَنْ كُنْت وَلِيّه فَعَلِيّ وَلِيّه , قَالَ اللَّه تَعَالَى : | فَإِنَّ اللَّه هُوَ مَوْلَاهُ | [ التَّحْرِيم : 4 ] أَيْ وَلِيّه . وَكَانَ الْمَقْصُود مِنْ الْخَبَر أَنْ يَعْلَم النَّاس أَنَّ ظَاهِر عَلِيّ كَبَاطِنِهِ , وَذَلِكَ فَضِيلَة عَظِيمَة لِعَلِيٍّ . جَوَاب ثَالِث : وَهُوَ أَنَّ هَذَا الْخَبَر وَرَدَ عَلَى سَبَب , وَذَلِكَ أَنَّ أُسَامَة وَعَلِيًّا اِخْتَصَمَا , فَقَالَ عَلِيّ لِأُسَامَة : أَنْتَ مَوْلَايَ . فَقَالَ : لَسْت مَوْلَاك , بَلْ أَنَا مَوْلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَذُكِرَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالَ : ( مَنْ كُنْت مَوْلَاهُ فَعَلِيّ مَوْلَاهُ ) . جَوَاب رَابِع : وَهُوَ أَنَّ عَلِيًّا عَلَيْهِ السَّلَام لَمَّا قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قِصَّة الْإِفْك فِي عَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا : النِّسَاء سِوَاهَا كَثِير . شَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهَا , فَوَجَدَ أَهْل النِّفَاق مَجَالًا فَطَعَنُوا عَلَيْهِ وَأَظْهَرُوا الْبَرَاءَة مِنْهُ , فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذَا الْمَقَال رَدًّا لِقَوْلِهِمْ , وَتَكْذِيبًا لَهُمْ فِيمَا قَدِمُوا عَلَيْهِ مِنْ الْبَرَاءَة مِنْهُ وَالطَّعْن فِيهِ , وَلِهَذَا مَا رُوِيَ عَنْ جَمَاعَة مِنْ الصَّحَابَة أَنَّهُمْ قَالُوا : مَا كُنَّا نَعْرِف الْمُنَافِقِينَ عَلَى عَهْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا بِبُغْضِهِمْ لِعَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلَام . وَأَمَّا الْحَدِيث الثَّانِي فَلَا خِلَاف أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُرِدْ بِمَنْزِلَةِ هَارُون مِنْ مُوسَى الْخِلَافَة بَعْده , وَلَا خِلَاف أَنَّ هَارُون مَاتَ قَبْل مُوسَى عَلَيْهِمَا السَّلَام - عَلَى مَا يَأْتِي مِنْ بَيَان وَفَاتَيْهِمَا فِي سُورَة | الْمَائِدَة | - وَمَا كَانَ خَلِيفَة بَعْده وَإِنَّمَا كَانَ الْخَلِيفَة يُوشَع بْن نُون , فَلَوْ أَرَادَ بِقَوْلِهِ : ( أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُون مِنْ مُوسَى ) الْخِلَافَة لَقَالَ : أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ يُوشَع مِنْ مُوسَى , فَلَمَّا لَمْ يَقُلْ هَذَا دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ هَذَا , وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنِّي اِسْتَخْلَفْتُك عَلَى أَهْلِي فِي حَيَاتِي وَغَيْبُوبَتِي عَنْ أَهْلِي , كَمَا كَانَ هَارُون خَلِيفَة مُوسَى عَلَى قَوْمه لَمَّا خَرَجَ إِلَى مُنَاجَاة رَبّه . وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ هَذَا الْحَدِيث خَرَجَ عَلَى سَبَب , وَهُوَ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا خَرَجَ إِلَى غَزْوَة تَبُوك اِسْتَخْلَفَ عَلِيًّا عَلَيْهِ السَّلَام فِي الْمَدِينَة عَلَى أَهْله وَقَوْمه , فَأَرْجَفَ بِهِ أَهْل النِّفَاق وَقَالُوا : إِنَّمَا خَلَّفَهُ بُغْضًا وَقِلًى لَهُ , فَخَرَجَ عَلِيّ فَلَحِقَ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ لَهُ : إِنَّ الْمُنَافِقِينَ قَالُوا كَذَا وَكَذَا فَقَالَ : ( كَذَبُوا بَلْ خَلَّفْتُك كَمَا خَلَّفَ مُوسَى هَارُون ) . وَقَالَ : ( أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُون مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُون مِنْ مُوسَى ) . وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ أَرَادَ الِاسْتِخْلَاف عَلَى زَعْمهمْ فَقَدْ شَارَكَ عَلِيًّا فِي هَذِهِ الْفَضِيلَة غَيْره ; لِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اِسْتَخْلَفَ فِي كُلّ غَزَاة غَزَاهَا رَجُلًا مِنْ أَصْحَابه , مِنْهُمْ : اِبْن أُمّ مَكْتُوم , وَمُحَمَّد بْن مَسْلَمَة وَغَيْرهمَا مِنْ أَصْحَابه , عَلَى أَنَّ مَدَار هَذَا الْخَبَر عَلَى سَعْد بْن أَبِي وَقَّاص وَهُوَ خَبَر وَاحِد . وَرُوِيَ فِي مُقَابَلَته لِأَبِي بَكْر وَعُمَر مَا هُوَ أَوْلَى مِنْهُ . وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا أَنْفَذَ مُعَاذ بْن جَبَل إِلَى الْيَمَن قِيلَ لَهُ : أَلَا تُنْفِذ أَبَا بَكْر وَعُمَر ؟ فَقَالَ : ( إِنَّهُمَا لَا غِنَى بِي عَنْهُمَا إِنَّ مَنْزِلَتهمَا مِنِّي بِمَنْزِلَةِ السَّمْع وَالْبَصَر مِنْ الرَّأْس ) . وَقَالَ : ( هُمَا وَزِيرَايَ فِي أَهْل الْأَرْض ) . وَرُوِيَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَام أَنَّهُ قَالَ : ( أَبُو بَكْر وَعُمْر بِمَنْزِلَةِ هَارُون مِنْ مُوسَى ) . وَهَذَا الْخَبَر وَرَدَ اِبْتِدَاء , وَخَبَر عَلِيّ وَرَدَ عَلَى سَبَب , فَوَجَبَ أَنْ يَكُون أَبُو بَكْر أَوْلَى مِنْهُ بِالْإِمَامَةِ , وَاَللَّه أَعْلَم . السَّابِعَة : وَاخْتُلِفَ فِيمَا يَكُون بِهِ الْإِمَام إِمَامًا وَذَلِكَ فِي ثَلَاث طُرُق , أَحَدهَا : النَّصّ , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْخِلَاف فِيهِ , وَقَالَ بِهِ أَيْضًا الْحَنَابِلَة وَجَمَاعَة مِنْ أَصْحَاب الْحَدِيث وَالْحَسَن الْبَصْرِيّ وَبَكْر اِبْن أُخْت عَبْد الْوَاحِد وَأَصْحَابه وَطَائِفَة مِنْ الْخَوَارِج . وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَصَّ عَلَى أَبِي بَكْر بِالْإِشَارَةِ , وَأَبُو بَكْر عَلَى عُمَر . فَإِذَا نَصَّ الْمُسْتَخْلِف عَلَى وَاحِد مُعَيَّن كَمَا فَعَلَ الصِّدِّيق , أَوْ عَلَى جَمَاعَة كَمَا فَعَلَ عُمَر , وَهُوَ الطَّرِيق الثَّانِي , وَيَكُون التَّخْيِير إِلَيْهِمْ فِي تَعْيِين وَاحِد مِنْهُمْ كَمَا فَعَلَ الصَّحَابَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ فِي تَعْيِين عُثْمَان بْن عَفَّان رَضِيَ اللَّه عَنْهُ . الطَّرِيق الثَّالِث : إِجْمَاع أَهْل الْحَلّ وَالْعَقْد , وَذَلِكَ أَنَّ الْجَمَاعَة فِي مِصْر مِنْ أَمْصَار الْمُسْلِمِينَ إِذَا مَاتَ إِمَامهمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ إِمَام وَلَا اِسْتَخْلَفَ فَأَقَامَ أَهْل ذَلِكَ الْمِصْر الَّذِي هُوَ حَضْرَة الْإِمَام وَمَوْضِعه إِمَامًا لِأَنْفُسِهِمْ اِجْتَمَعُوا عَلَيْهِ وَرَضَوْهُ فَإِنَّ كُلّ مَنْ خَلْفَهُمْ وَأَمَامهمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فِي الْآفَاق يَلْزَمهُمْ الدُّخُول فِي طَاعَة ذَلِكَ الْإِمَام , إِذَا لَمْ يَكُنْ الْإِمَام مُعْلِنًا بِالْفِسْقِ وَالْفَسَاد ; لِأَنَّهَا دَعْوَة مُحِيطَة بِهِمْ تَجِب إِجَابَتهَا وَلَا يَسَع أَحَد التَّخَلُّف عَنْهَا لِمَا فِي إِقَامَة إِمَامَيْنِ مِنْ اِخْتِلَاف الْكَلِمَة وَفَسَاد ذَات الْبَيْن , قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( ثَلَاث لَا يَغِلّ عَلَيْهِنَّ قَلْب مُؤْمِن إِخْلَاص الْعَمَل لِلَّهِ وَلُزُوم الْجَمَاعَة وَمُنَاصَحَة وُلَاة الْأَمْر فَإِنَّ دَعْوَة الْمُسْلِمِينَ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطَة ) . الثَّامِنَة : فَإِنْ عَقَدَهَا وَاحِد مِنْ أَهْل الْحَلّ وَالْعَقْد فَذَلِكَ ثَابِت وَيَلْزَم الْغَيْر فِعْله , خِلَافًا لِبَعْضِ النَّاس حَيْثُ قَالَ : لَا تَنْعَقِد إِلَّا بِجَمَاعَةٍ مِنْ أَهْل الْحَلّ وَالْعَقْد , وَدَلِيلنَا أَنَّ عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ عَقَدَ الْبَيْعَة لِأَبِي بَكْر وَلَمْ يُنْكِر أَحَد مِنْ الصَّحَابَة ذَلِكَ , وَلِأَنَّهُ عَقَدَ فَوَجَبَ أَلَّا يُفْتَقَر إِلَى عَدَد يَعْقِدُونَهُ كَسَائِرِ الْعُقُود . قَالَ الْإِمَام أَبُو الْمَعَالِي : مَنْ اِنْعَقَدَتْ لَهُ الْإِمَامَة بِعَقْدٍ وَاحِد فَقَدْ لَزِمَتْ , وَلَا يَجُوز خَلْعه مِنْ غَيْر حَدَث وَتَغَيُّر أَمْر , قَالَ : وَهَذَا مُجْمَع عَلَيْهِ . التَّاسِعَة : فَإِنْ تَغَلَّبَ مَنْ لَهُ أَهْلِيَّة الْإِمَامَة وَأَخَذَهَا بِالْقَهْرِ وَالْغَلَبَة فَقَدْ قِيلَ إِنَّ ذَلِكَ يَكُون طَرِيقًا رَابِعًا , وَقَدْ سُئِلَ سَهْل بْن عَبْد اللَّه التُّسْتَرِيّ : مَا يَجِب عَلَيْنَا لِمَنْ غَلَبَ عَلَى بِلَادنَا وَهُوَ إِمَام ؟ قَالَ : تُجِيبهُ وَتُؤَدِّي إِلَيْهِ مَا يُطَالِبك مِنْ حَقّه , وَلَا تُنْكِر فِعَاله وَلَا تَفِرّ مِنْهُ وَإِذَا اِئْتَمَنَك عَلَى سِرّ مِنْ أَمْر الدِّين لَمْ تُفْشِهِ . وَقَالَ اِبْن خُوَيْز مَنْدَاد : وَلَوْ وَثَبَ عَلَى الْأَمْر مَنْ يَصْلُح لَهُ مِنْ غَيْر مَشُورَة وَلَا اِخْتِيَار وَبَايَعَ لَهُ النَّاس تَمَّتْ لَهُ الْبَيْعَة , وَاَللَّه أَعْلَم . الْعَاشِرَة : وَاخْتُلِفَ فِي الشَّهَادَة عَلَى عَقْد الْإِمَامَة , فَقَالَ بَعْض أَصْحَابنَا : إِنَّهُ لَا يُفْتَقَر إِلَى الشُّهُود ; لِأَنَّ الشَّهَادَة لَا تَثْبُت إِلَّا بِسَمْعٍ قَاطِع , وَلَيْسَ هَا هُنَا سَمْع قَاطِع يَدُلّ عَلَى إِثْبَات الشَّهَادَة . وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : يُفْتَقَر إِلَى شُهُود , فَمَنْ قَالَ بِهَذَا اِحْتَجَّ بِأَنْ قَالَ : لَوْ لَمْ تُعْقَد فِيهِ الشَّهَادَة أَدَّى إِلَى أَنْ يَدَّعِي كُلّ مُدَّعٍ أَنَّهُ عَقَدَ لَهُ سِرًّا , وَتُؤَدِّي إِلَى الْهَرَج وَالْفِتْنَة , فَوَجَبَ أَنْ تَكُون الشَّهَادَة مُعْتَبَرَة وَيَكْفِي فِيهَا شَاهِدَانِ , خِلَافًا لِلْجُبَّائِيّ حَيْثُ قَالَ بِاعْتِبَارِ أَرْبَعَة شُهُود وَعَاقِد وَمَعْقُود لَهُ ; لِأَنَّ عُمَر حَيْثُ جَعَلَهَا شُورَى فِي سِتَّة دَلَّ عَلَى ذَلِكَ . وَدَلِيلنَا أَنَّهُ لَا خِلَاف بَيْننَا وَبَيْنه أَنَّ شَهَادَة الِاثْنَيْنِ مُعْتَبَرَة , وَمَا زَادَ مُخْتَلَف فِيهِ وَلَمْ يَدُلّ عَلَيْهِ الدَّلِيل فَيَجِب أَلَّا يُعْتَبَر . الْحَادِيَة عَشْرَة : فِي شَرَائِط الْإِمَام , وَهِيَ أَحَد عَشَر : الْأَوَّل : أَنْ يَكُون مِنْ صَمِيم قُرَيْش , لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( الْأَئِمَّة مِنْ قُرَيْش ) . وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي هَذَا الثَّانِي : أَنْ يَكُون مِمَّنْ يَصْلُح أَنْ يَكُون قَاضِيًا مِنْ قُضَاة الْمُسْلِمِينَ مُجْتَهِدًا لَا يَحْتَاج إِلَى غَيْره فِي الِاسْتِفْتَاء فِي الْحَوَادِث , وَهَذَا مُتَّفَق عَلَيْهِ . الثَّالِث : أَنْ يَكُون ذَا خِبْرَة وَرَأْي حَصِيف بِأَمْرِ الْحَرْب وَتَدْبِير الْجُيُوش وَسَدّ الثُّغُور وَحِمَايَة الْبَيْضَة وَرَدْع الْأُمَّة وَالِانْتِقَام مِنْ الظَّالِم وَالْأَخْذ لِلْمَظْلُومِ . الرَّابِع : أَنْ يَكُون مِمَّنْ لَا تَلْحَقهُ رِقَّة فِي إِقَامَة الْحُدُود وَلَا فَزَع مِنْ ضَرْب الرِّقَاب وَلَا قَطْع الْأَبْشَار وَالدَّلِيل عَلَى هَذَا كُلّه إِجْمَاع الصَّحَابَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ , لِأَنَّهُ لَا خِلَاف بَيْنهمْ أَنَّهُ لَا بُدّ مِنْ أَنْ يَكُون ذَلِكَ كُلّه مُجْتَمِعًا فِيهِ , وَلِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يُوَلِّي الْقُضَاة وَالْحُكَّام , وَلَهُ أَنْ يُبَاشِر الْفَصْل وَالْحُكْم , وَيَتَفَحَّص أُمُور خُلَفَائِهِ وَقُضَاته , وَلَنْ يَصْلُح لِذَلِكَ كُلّه إِلَّا مَنْ كَانَ عَالِمًا بِذَلِكَ كُلّه قَيِّمًا بِهِ . وَاَللَّه أَعْلَم . الْخَامِس : أَنْ يَكُون حُرًّا , وَلَا خَفَاء بِاشْتِرَاطِ حُرِّيَّة الْإِمَام وَإِسْلَامه وَهُوَ السَّادِس . السَّابِع : أَنْ يَكُون ذَكَرًا , سَلِيم الْأَعْضَاء وَهُوَ الثَّامِن . وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْمَرْأَة لَا يَجُوز أَنْ تَكُون إِمَامًا وَإِنْ اِخْتَلَفُوا فِي جَوَاز كَوْنهَا قَاضِيَة فِيمَا تَجُوز شَهَادَتهَا فِيهِ . التَّاسِع وَالْعَاشِر : أَنْ يَكُون بَالِغًا عَاقِلًا , وَلَا خِلَاف فِي ذَلِكَ . الْحَادِي عَشَر : أَنْ يَكُون عَدْلًا ; لِأَنَّهُ لَا خِلَاف بَيْن الْأُمَّة أَنَّهُ لَا يَجُوز أَنْ تُعْقَد الْإِمَامَة لِفَاسِقٍ , وَيَجِب أَنْ يَكُون مِنْ أَفْضَلهمْ فِي الْعِلْم , لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَام : ( أَئِمَّتكُمْ شُفَعَاؤُكُمْ فَانْظُرُوا بِمَنْ تَسْتَشْفِعُونَ ) . وَفِي التَّنْزِيل فِي وَصْف طَالُوت : | إِنَّ اللَّه اِصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَة فِي الْعِلْم وَالْجِسْم | [ الْبَقَرَة : 247 ] فَبَدَأَ بِالْعِلْمِ ثُمَّ ذَكَرَ مَا يَدُلّ عَلَى الْقُوَّة وَسَلَامَة الْأَعْضَاء . وَقَوْله : | اِصْطَفَاهُ | مَعْنَاهُ اِخْتَارَهُ , وَهَذَا يَدُلّ عَلَى شَرْط النَّسَب . وَلَيْسَ مِنْ شَرْطه أَنْ يَكُون مَعْصُومًا مِنْ الزَّلَل وَالْخَطَأ , وَلَا عَالِمًا بِالْغَيْبِ , وَلَا أَفَرَس الْأُمَّة وَلَا أَشْجَعهمْ , وَلَا أَنْ يَكُون مِنْ بَنِي هَاشِم فَقَطْ دُون غَيْرهمْ مِنْ قُرَيْش , فَإِنَّ الْإِجْمَاع قَدْ اِنْعَقَدَ عَلَى إِمَامَة أَبِي بَكْر وَعُمَر وَعُثْمَان وَلَيْسُوا مِنْ بَنِي هَاشِم . الثَّانِيَة عَشْرَة : يَجُوز نَصْب الْمَفْضُول مَعَ وُجُود الْفَاضِل خَوْف الْفِتْنَة وَأَلَّا يَسْتَقِيم أَمْر الْأُمَّة , وَذَلِكَ أَنَّ الْإِمَام إِنَّمَا نُصِبَ لِدَفْعِ الْعَدُوّ وَحِمَايَة الْبَيْضَة وَسَدّ الْخَلَل وَاسْتِخْرَاج الْحُقُوق وَإِقَامَة الْحُدُود وَجِبَايَة الْأَمْوَال لِبَيْتِ الْمَال وَقِسْمَتهَا عَلَى أَهْلهَا . فَإِذَا خِيفَ بِإِقَامَةِ الْأَفْضَل الْهَرَج وَالْفَسَاد وَتَعْطِيل الْأُمُور الَّتِي لِأَجْلِهَا يُنَصَّب الْإِمَام كَانَ ذَلِكَ عُذْرًا ظَاهِرًا فِي الْعُدُول عَنْ الْفَاضِل إِلَى الْمَفْضُول , وَيَدُلّ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا عِلْم عُمَر وَسَائِر الْأُمَّة وَقْت الشُّورَى بِأَنَّ السِّتَّة فِيهِمْ فَاضِل وَمَفْضُول , وَقَدْ أَجَازَ الْعَقْد لِكُلِّ وَاحِد مِنْهُمْ إِذَا أَدَّى الْمَصْلَحَة إِلَى ذَلِكَ وَاجْتَمَعَتْ كَلِمَتهمْ عَلَيْهِ مِنْ غَيْر إِنْكَار أَحَد عَلَيْهِمْ , وَاَللَّه أَعْلَم . الثَّالِثَة عَشْرَة : الْإِمَام إِذَا نُصِّبَ ثُمَّ فَسَقَ بَعْد اِنْبِرَام الْعَقْد فَقَالَ الْجُمْهُور : إِنَّهُ تَنْفَسِخ إِمَامَته وَيُخْلَع بِالْفِسْقِ الظَّاهِر الْمَعْلُوم , لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ أَنَّ الْإِمَام إِنَّمَا يُقَام لِإِقَامَةِ الْحُدُود وَاسْتِيفَاء الْحُقُوق وَحِفْظ أَمْوَال الْأَيْتَام وَالْمَجَانِين وَالنَّظَر فِي أُمُورهمْ إِلَى غَيْر ذَلِكَ مِمَّا تَقَدَّمَ ذِكْره , وَمَا فِيهِ مِنْ الْفِسْق يُقْعِدهُ عَنْ الْقِيَام بِهَذِهِ الْأُمُور وَالنُّهُوض بِهَا . فَلَوْ جَوَّزْنَا أَنْ يَكُون فَاسِقًا أَدَّى إِلَى إِبْطَال مَا أُقِيمَ لِأَجْلِهِ , أَلَا تَرَى فِي الِابْتِدَاء إِنَّمَا لَمْ يَجُزْ أَنْ يُعْقَد لِلْفَاسِقِ لِأَجْلِ أَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى إِبْطَال مَا أُقِيمَ لَهُ , وَكَذَلِكَ هَذَا مِثْله . وَقَالَ آخَرُونَ : لَا يَنْخَلِع إِلَّا بِالْكُفْرِ أَوْ بِتَرْكِ إِقَامَة الصَّلَاة أَوْ التَّرْك إِلَى دُعَائِهَا أَوْ شَيْء مِنْ الشَّرِيعَة , لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَام فِي حَدِيث عُبَادَة : ( وَأَلَّا نُنَازِع الْأَمْر أَهْله قَالَ إِلَّا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدكُمْ مِنْ اللَّه فِيهِ بُرْهَان ) . وَفِي حَدِيث عَوْف بْن مَالِك : ( لَا مَا أَقَامُوا فِيكُمْ الصَّلَاة ) الْحَدِيث . أَخْرَجَهُمَا مُسْلِم . وَعَنْ أُمّ سَلَمَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( إِنَّهُ يُسْتَعْمَل عَلَيْكُمْ أُمَرَاء فَتَعْرِفُونَ وَتُنْكِرُونَ فَمَنْ كَرِهَ فَقَدْ بَرِئَ وَمَنْ أَنْكَرَ فَقَدْ سَلِمَ وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ - قَالُوا : يَا رَسُول اللَّه أَلَا نُقَاتِلهُمْ ؟ قَالَ : - لَا مَا صَلَّوْا ) . أَيْ مَنْ كَرِهَ بِقَلْبِهِ وَأَنْكَرَ بِقَلْبِهِ . أَخْرَجَهُ أَيْضًا مُسْلِم . الرَّابِعَة عَشْرَة : وَيَجِب عَلَيْهِ أَنْ يَخْلَع نَفْسه إِذَا وَجَدَ فِي نَفْسه نَقْصًا يُؤَثِّر فِي الْإِمَامَة . فَأَمَّا إِذَا لَمْ يَجِد نَقْصًا فَهَلْ لَهُ أَنْ يَعْزِل نَفْسه وَيَعْقِد لِغَيْرِهِ ؟ اِخْتَلَفَ النَّاس فِيهِ , فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : لَيْسَ لَهُ أَنْ يَفْعَل ذَلِكَ وَإِنْ فَعَلَ لَمْ تَنْخَلِع إِمَامَته . وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : لَهُ أَنْ يَفْعَل ذَلِكَ . وَالدَّلِيل عَلَى أَنَّ الْإِمَام إِذَا عَزَلَ نَفْسه اِنْعَزَلَ قَوْل أَبِي بَكْر الصِّدِّيق رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : أَقِيلُونِي أَقِيلُونِي . وَقَوْل الصَّحَابَة : لَا نُقِيلك وَلَا نَسْتَقِيلك , قَدَّمَك رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِدِينِنَا فَمَنْ ذَا يُؤَخِّرك رَضِيَك رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِدِينِنَا فَلَا نَرْضَاك فَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَفْعَل ذَلِكَ لَأَنْكَرَتْ الصَّحَابَة ذَلِكَ عَلَيْهِ وَلَقَالَتْ لَهُ : لَيْسَ لَك أَنْ تَقُول هَذَا , وَلَيْسَ لَك أَنْ تَفْعَلهُ . فَلَمَّا أَقَرَّتْهُ الصَّحَابَة عَلَى ذَلِكَ عُلِمَ أَنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَفْعَل ذَلِكَ , وَلِأَنَّ الْإِمَام نَاظِر لِلْغَيْبِ فَيَجِب أَنْ يَكُون حُكْمه حُكْم الْحَاكِم , وَالْوَكِيل إِذَا عَزَلَ نَفْسه . فَإِنَّ الْإِمَام هُوَ وَكِيل الْأُمَّة وَنَائِب عَنْهَا , وَلَمَّا اُتُّفِقَ عَلَى أَنَّ الْوَكِيل وَالْحَاكِم وَجَمِيع مَنْ نَابَ عَنْ غَيْره فِي شَيْء لَهُ أَنْ يَعْزِل نَفْسه , وَكَذَلِكَ الْإِمَام يَجِب أَنْ يَكُون مِثْله . وَاَللَّه أَعْلَم . الْخَامِسَة عَشْرَة : إِذَا اِنْعَقَدَتْ الْإِمَامَة بِاتِّفَاقِ أَهْل الْحَلّ وَالْعَقْد أَوْ بِوَاحِدٍ عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَجَبَ عَلَى النَّاس كَافَّة مُبَايَعَته عَلَى السَّمْع وَالطَّاعَة , وَإِقَامَة كِتَاب اللَّه وَسُنَّة رَسُول صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَمَنْ تَأَبَّى عَنْ الْبَيْعَة لِعُذْرٍ عُذِرَ , وَمَنْ تَأَبَّى لِغَيْرِ عُذْر جُبِرَ وَقُهِرَ , لِئَلَّا تَفْتَرِق كَلِمَة الْمُسْلِمِينَ . وَإِذَا بُويِعَ لِخَلِيفَتَيْنِ فَالْخَلِيفَة الْأَوَّل وَقُتِلَ الْآخَر , وَاخْتُلِفَ فِي قَتْله هَلْ هُوَ مَحْسُوس أَوْ مَعْنًى فَيَكُون عَزْله قَتْله وَمَوْته . وَالْأَوَّل أَظْهَر , قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِذَا بُويِعَ لِخَلِيفَتَيْنِ فَاقْتُلُوا الْآخَر مِنْهُمَا ) . رَوَاهُ أَبُو سَعِيد الْخُدْرِيّ أَخْرَجَهُ مُسْلِم . وَفِي حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَمْرو عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُول : ( وَمَنْ بَايَعَ إِمَامًا فَأَعْطَاهُ صَفْقَة يَده وَثَمَرَة قَلْبه فَلْيُطِعْهُ إِنْ اِسْتَطَاعَ فَإِنْ جَاءَ آخَر يُنَازِعهُ فَاضْرِبُوا عُنُق الْآخَر ) . رَوَاهُ مُسْلِم أَيْضًا , وَمِنْ حَدِيث عَرْفَجَة : ( فَاضْرِبُوهُ بِالسَّيْفِ كَائِنًا مَنْ كَانَ ) . وَهَذَا أَدَلّ دَلِيل عَلَى مَنْع إِقَامَة إِمَامَيْنِ , وَلِأَنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي إِلَى النِّفَاق وَالْمُخَالَفَة وَالشِّقَاق وَحُدُوث الْفِتَن وَزَوَال النِّعَم , لَكِنْ إِنْ تَبَاعَدَتْ الْأَقْطَار وَتَبَايَنَتْ كَالْأَنْدَلُسِ وَخُرَاسَان جَازَ ذَلِكَ , عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانه إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى . السَّادِسَة عَشْرَة : لَوْ خَرَجَ خَارِجِيّ عَلَى إِمَام مَعْرُوف الْعَدَالَة وَجَبَ عَلَى النَّاس جِهَاده , فَإِنْ كَانَ الْإِمَام فَاسِقًا وَالْخَارِجِيّ مُظْهِر لِلْعَدْلِ لَمْ يَنْبَغِ لِلنَّاسِ أَنْ يُسْرِعُوا إِلَى نُصْرَة الْخَارِجِيّ حَتَّى يَتَبَيَّن أَمْره فِيمَا يُظْهِر مِنْ الْعَدْل , أَوْ تَتَّفِق كَلِمَة الْجَمَاعَة عَلَى خَلْع الْأَوَّل , وَذَلِكَ أَنَّ كُلّ مَنْ طَلَبَ مِثْل هَذَا الْأَمْر أَظْهَرَ مِنْ نَفْسه الصَّلَاح حَتَّى إِذَا تَمَكَّنَ رَجَعَ إِلَى عَادَته مِنْ خِلَاف مَا أَظْهَرَ . السَّابِعَة عَشْرَة : فَأَمَّا إِقَامَة إِمَامَيْنِ أَوْ ثَلَاثَة فِي عَصْر وَاحِد وَبَلَد وَاحِد فَلَا يَجُوز إِجْمَاعًا لِمَا ذَكَرْنَا . قَالَ الْإِمَام أَبُو الْمَعَالِي : ذَهَبَ أَصْحَابنَا إِلَى مَنْع عَقْد الْإِمَامَة لِشَخْصَيْنِ فِي طَرَفَيْ الْعَالَم , ثُمَّ قَالُوا : لَوْ اِتَّفَقَ عَقْد الْإِمَامَة لِشَخْصَيْنِ نُزِّلَ ذَلِكَ مَنْزِلَة تَزْوِيج وَلِيَّيْنِ اِمْرَأَة وَاحِدَة مِنْ زَوْجَيْنِ مِنْ غَيْر أَنْ يَشْعُر أَحَدهمَا بِعَقْدِ الْآخَر . قَالَ : وَاَلَّذِي عِنْدِي فِيهِ أَنَّ عَقْد الْإِمَامَة لِشَخْصَيْنِ فِي صُقْع وَاحِد مُتَضَايِق الْخُطَط وَالْمَخَالِيف غَيْر جَائِز وَقَدْ حَصَلَ الْإِجْمَاع عَلَيْهِ . فَأَمَّا إِذَا بَعُدَ الْمَدَى وَتَخَلَّلَ بَيْن الْإِمَامَيْنِ شُسُوع النَّوَى فَلِلِاحْتِمَالِ فِي ذَلِكَ مَجَال وَهُوَ خَارِج عَنْ الْقَوَاطِع . وَكَانَ الْأُسْتَاذ أَبُو إِسْحَاق يُجَوِّز ذَلِكَ فِي إِقْلِيمَيْنِ مُتَبَاعِدَيْنِ غَايَة التَّبَاعُد لِئَلَّا تَتَعَطَّل حُقُوق النَّاس وَأَحْكَامهمْ . وَذَهَبَتْ الْكَرَامِيَّة إِلَى جَوَاز نَصْب إِمَامَيْنِ مِنْ غَيْر تَفْصِيل , وَيَلْزَمهُمْ إِجَازَة ذَلِكَ فِي بَلَد وَاحِد , وَصَارُوا إِلَى أَنَّ عَلِيًّا وَمُعَاوِيَة كَانَا إِمَامَيْنِ . قَالُوا : وَإِذَا كَانَا اِثْنَيْنِ فِي بَلَدَيْنِ أَوْ نَاحِيَتَيْنِ كَانَ كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا أَقْوَم بِمَا فِي يَدَيْهِ وَأَضْبَط لِمَا يَلِيه , وَلِأَنَّهُ لَمَّا جَازَ بَعْثَة نَبِيَّيْنِ فِي عَصْر وَاحِد وَلَمْ يُؤَدِّ ذَلِكَ إِلَى إِبْطَال النُّبُوَّة كَانَتْ الْإِمَامَة أَوْلَى , وَلَا تُؤَدِّي ذَلِكَ إِلَى إِبْطَال الْإِمَامَة . وَالْجَوَاب أَنَّ ذَلِكَ جَائِز لَوْلَا مَنْع الشَّرْع مِنْهُ , لِقَوْلِهِ : ( فَاقْتُلُوا الْآخَر مِنْهُمَا ) وَلِأَنَّ الْأُمَّة عَلَيْهِ . وَأَمَّا مُعَاوِيَة فَلَمْ يَدَّعِ الْإِمَامَة لِنَفْسِهِ وَإِنَّمَا اِدَّعَى وِلَايَة الشَّام بِتَوْلِيَةِ مَنْ قَبْله مِنْ الْأَئِمَّة . وَمِمَّا يَدُلّ عَلَى هَذَا إِجْمَاع الْأُمَّة فِي عَصْرهمَا عَلَى أَنَّ الْإِمَام أَحَدهمَا , وَلَا قَالَ أَحَدهمَا إِنِّي إِمَام وَمُخَالِفِي إِمَام . فَإِنْ قَالُوا : الْعَقْل لَا يُحِيل ذَلِكَ وَلَيْسَ فِي السَّمْع مَا يَمْنَع مِنْهُ . قُلْنَا : أَقْوَى السَّمْع الْإِجْمَاع , وَقَدْ وُجِدَ عَلَى الْمَنْع .|قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا|قَدْ عَلِمْنَا قَطْعًا أَنَّ الْمَلَائِكَة لَا تَعْلَم إِلَّا مَا أُعْلِمَتْ وَلَا تَسْبِق بِالْقَوْلِ , وَذَلِكَ عَامّ فِي جَمِيع الْمَلَائِكَة ; لِأَنَّ قَوْله : | لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ | خَرَجَ عَلَى جِهَة الْمَدْح لَهُمْ , فَكَيْف قَالُوا : | أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِد فِيهَا | ؟ فَقِيلَ : الْمَعْنَى أَنَّهُمْ لَمَّا سَمِعُوا لَفْظ خَلِيفَة فَهِمُوا أَنَّ فِي بَنِي آدَم مَنْ يُفْسِد ; إِذْ الْخَلِيفَة الْمَقْصُود مِنْهُ الْإِصْلَاح وَتَرْك الْفَسَاد , لَكِنْ عَمَّمُوا الْحُكْم عَلَى الْجَمِيع بِالْمَعْصِيَةِ , فَبَيَّنَ الرَّبّ تَعَالَى أَنَّ فِيهِمْ مَنْ يُفْسِد وَمَنْ لَا يُفْسِد فَقَالَ تَطْيِيبًا لِقُلُوبِهِمْ : | إِنِّي أَعْلَم | وَحَقَّقَ ذَلِكَ بِأَنْ عَلَّمَ آدَم الْأَسْمَاء , وَكَشَفَ لَهُمْ عَنْ مَكْنُون عِلْمه . وَقِيلَ : إِنَّ الْمَلَائِكَة قَدْ رَأَتْ وَعَلِمَتْ مَا كَانَ مِنْ إِفْسَاد الْجِنّ وَسَفْكهمْ الدِّمَاء . وَذَلِكَ لِأَنَّ الْأَرْض كَانَ فِيهَا الْجِنّ قَبْل خَلْق آدَم فَأَفْسَدُوا وَسَفَكُوا الدِّمَاء , فَبَعَثَ اللَّه إِلَيْهِمْ إِبْلِيس فِي جُنْد مِنْ الْمَلَائِكَة فَقَتَلَهُمْ وَأَلْحَقَهُمْ بِالْبِحَارِ وَرُءُوس الْجِبَال , فَمِنْ حِينَئِذٍ دَخَلَتْهُ الْعِزَّة . فَجَاءَ قَوْلهمْ : | أَتَجْعَلُ فِيهَا | عَلَى جِهَة الِاسْتِفْهَام الْمَحْض : هَلْ هَذَا الْخَلِيفَة عَلَى طَرِيقَة مَنْ تَقَدَّمَ مِنْ الْجِنّ أَمْ لَا ؟ قَالَ أَحْمَد بْن يَحْيَى ثَعْلَب . وَقَالَ اِبْن زَيْد وَغَيْره . إِنَّ اللَّه تَعَالَى أَعْلَمَهُمْ أَنَّ الْخَلِيفَة سَيَكُونُ مِنْ ذُرِّيَّته قَوْم يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْض وَيَسْفِكُونَ الدِّمَاء , فَقَالُوا لِذَلِكَ هَذِهِ الْمَقَالَة , إِمَّا عَلَى طَرِيق التَّعَجُّب مِنْ اِسْتِخْلَاف اللَّه مَنْ يَعْصِيه أَوْ مِنْ عِصْيَان اللَّه مَنْ يَسْتَخْلِفهُ فِي أَرْضه وَيُنْعِم عَلَيْهِ بِذَلِكَ , وَإِمَّا عَلَى طَرِيق الِاسْتِعْظَام وَالْإِكْبَار لِلْفَصْلَيْنِ جَمِيعًا : الِاسْتِخْلَاف وَالْعِصْيَان . وَقَالَ قَتَادَة : كَانَ اللَّه أَعْلَمَهُمْ أَنَّهُ إِذَا جَعَلَ فِي الْأَرْض خَلْقًا أَفْسَدُوا وَسَفَكُوا الدِّمَاء , فَسَأَلُوا حِين قَالَ تَعَالَى : | إِنِّي جَاعِل فِي الْأَرْض خَلِيفَة | أَهُوَ الَّذِي أَعْلَمَهُمْ أَمْ غَيْره . وَهَذَا قَوْل حَسَن , رَوَاهُ عَبْد الرَّزَّاق قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر عَنْ قَتَادَة فِي قَوْله | أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِد فِيهَا | قَالَ : كَانَ اللَّه أَعْلَمَهُمْ أَنَّهُ إِذَا كَانَ فِي الْأَرْض خَلْق أَفْسَدُوا فِيهَا وَسَفَكُوا الدِّمَاء , فَلِذَلِكَ قَالُوا : | أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِد فِيهَا | . وَفِي الْكَلَام حَذْف عَلَى مَذْهَبه , وَالْمَعْنَى إِنِّي جَاعِل فِي الْأَرْض خَلِيفَة يَفْعَل كَذَا وَيَفْعَل كَذَا , فَقَالُوا : أَتَجْعَلُ فِيهَا الَّذِي أَعْلَمْتنَاهُ أَمْ غَيْره ؟ وَالْقَوْل الْأَوَّل أَيْضًا حَسَن جِدًّا ; لِأَنَّ فِيهِ اِسْتِخْرَاج الْعِلْم وَاسْتِنْبَاطه مِنْ مُقْتَضَى الْأَلْفَاظ وَذَلِكَ لَا يَكُون إِلَّا مِنْ الْعُلَمَاء , وَمَا بَيْن الْقَوْلَيْنِ حَسَن , فَتَأَمَّلْهُ . وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ سُؤَالَهُ تَعَالَى لِلْمَلَائِكَةِ بِقَوْلِهِ : ( كَيْف تَرَكْتُمْ عِبَادِي ) - عَلَى مَا ثَبَتَ فِي صَحِيح مُسْلِم وَغَيْره - إِنَّمَا هُوَ عَلَى جِهَة التَّوْبِيخ لِمَنْ قَالَ : أَتَجْعَلُ فِيهَا , وَإِظْهَار لِمَا سَبَقَ فِي مَعْلُومه إِذْ قَالَ لَهُمْ : | إِنِّي أَعْلَم مَا لَا تَعْلَمُونَ | . قَوْله : | مَنْ يُفْسِد فِيهَا | | مَنْ | فِي مَوْضِع نَصْب عَلَى الْمَفْعُول بِتَجْعَل وَالْمَفْعُول الثَّانِي يَقُوم مَقَامه | فِيهَا | . | يُفْسِد | عَلَى اللَّفْظ , وَيَجُوز فِي غَيْر الْقُرْآن يُفْسِدُونَ عَلَى الْمَعْنَى . وَفِي التَّنْزِيل : | وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِع إِلَيْك | [ الْأَنْعَام : 25 ] عَلَى اللَّفْظ , | وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ | عَلَى الْمَعْنَى .|وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ|عَطْف عَلَيْهِ , وَيَجُوز فِيهِ الْوَجْهَانِ . وَرَوَى أُسَيْد عَنْ الْأَعْرَج أَنَّهُ قَرَأَ : | وَيَسْفِك الدِّمَاء | بِالنَّصْبِ , يَجْعَلهُ جَوَاب الِاسْتِفْهَام بِالْوَاو

| عَلَّمَ | عَرَّفَ . وَتَعْلِيمه هُنَا إِلْهَام عِلْمه ضَرُورَة . وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون بِوَاسِطَةِ مَلَك وَهُوَ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام عَلَى مَا يَأْتِي . وَقُرِئَ : | وَعُلِّمَ | غَيْر مُسَمَّى الْفَاعِل . وَالْأَوَّل أَظْهَر , عَلَى مَا يَأْتِي . قَالَ عُلَمَاء الصُّوفِيَّة : عَلِمَهَا بِتَعْلِيمِ الْحَقّ إِيَّاهُ وَحَفِظَهَا بِحِفْظِهِ عَلَيْهِ وَنَسِيَ مَا عُهِدَ إِلَيْهِ , لِأَنَّ وَكَلَهُ فِيهِ إِلَى نَفْسه فَقَالَ : | وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَم مِنْ قَبْل فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِد لَهُ عَزْمًا | . [ طَه : 115 ] . وَقَالَ اِبْن عَطَاء : لَوْ لَمْ يَكْشِف لِآدَم عِلْم تِلْكَ الْأَسْمَاء لَكَانَ أَعْجَز مِنْ الْمَلَائِكَة فِي الْإِخْبَار عَنْهَا . وَهَذَا وَاضِح . وَآدَم عَلَيْهِ السَّلَام يُكَنَّى أَبَا الْبَشَر . وَقِيلَ : أَبَا مُحَمَّد , كُنِّي بِمُحَمَّدٍ خَاتَم الْأَنْبِيَاء صَلَوَات اللَّه عَلَيْهِمْ , قَالَهُ السُّهَيْلِيّ . وَقِيلَ : كُنْيَته فِي الْجَنَّة أَبُو مُحَمَّد , وَفِي الْأَرْض أَبُو الْبَشَر . وَأَصْله بِهَمْزَتَيْنِ ; لِأَنَّهُ أَفْعَل إِلَّا أَنَّهُمْ لَيَّنُوا الثَّانِيَة , فَإِذَا اِحْتَجْت إِلَى تَحْرِيكهَا جَعَلْتهَا وَاوًا فَقُلْت : أَوَادِم فِي الْجَمْع لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهَا أَصْل فِي الْيَاء مَعْرُوف , فَجُعِلَتْ الْغَالِب عَلَيْهَا الْوَاو , عَنْ الْأَخْفَش . وَاخْتُلِفَ فِي اِشْتِقَاقه , فَقِيلَ : هُوَ مُشْتَقّ مِنْ أَدَمَة الْأَرْض وَأَدِيمهَا وَهُوَ وَجْههَا , فَسُمِّيَ بِمَا خُلِقَ مِنْهُ , قَالَ اِبْن عَبَّاس . وَقِيلَ : إِنَّهُ مُشْتَقّ مِنْ الْأُدْمَة وَهِيَ السُّمْرَة . وَاخْتَلَفُوا فِي الْأُدْمَة , فَزَعَمَ الضَّحَّاك أَنَّهَا السُّمْرَة , وَزَعَمَ النَّضْر أَنَّهَا الْبَيَاض , وَأَنَّ آدَم عَلَيْهِ السَّلَام كَانَ أَبْيَض , مَأْخُوذ مِنْ قَوْلهمْ : نَاقَة أَدْمَاء , إِذَا كَانَتْ بَيْضَاء . وَعَلَى هَذَا الِاشْتِقَاق جَمْعه أُدْم وَأَوَادِم , كَحُمْرٍ وَأَحَامِر , وَلَا يَنْصَرِف بِوَجْهٍ . وَعَلَى أَنَّهُ مُشْتَقّ مِنْ الْأُدْمَة جَمْعه آدَمُونَ , وَيَلْزَم قَائِلُو هَذِهِ الْمَقَالَة صَرْفه . قُلْت : الصَّحِيح أَنَّهُ مُشْتَقّ مِنْ أَدِيم الْأَرْض . قَالَ سَعِيد بْن جُبَيْر : إِنَّمَا سُمِّيَ آدَم لِأَنَّهُ خُلِقَ مِنْ أَدِيم الْأَرْض , وَإِنَّمَا سُمِّيَ إِنْسَانًا لِأَنَّهُ نَسِيَ , ذَكَرَهُ اِبْن سَعْد فِي الطَّبَقَات . وَرَوَى السُّدِّيّ عَنْ أَبِي مَالِك وَعَنْ أَبِي صَالِح عَنْ اِبْن عَبَّاس وَعَنْ مُرَّة الْهَمْدَانِيّ عَنْ اِبْن مَسْعُود فِي قِصَّة خَلْق آدَم عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ : فَبَعَثَ اللَّه جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام إِلَى الْأَرْض لِيَأْتِيَهُ بِطِينٍ مِنْهَا , فَقَالَتْ الْأَرْض : أَعُوذ بِاَللَّهِ مِنْك أَنْ تَنْقُص مِنِّي أَوْ تَشِيننِي , فَرَجَعَ وَلَمْ يَأْخُذ وَقَالَ : يَا رَبّ إِنَّهَا عَاذَتْ بِك فَأَعَذْتهَا . فَبَعَثَ مِيكَائِيل فَعَاذَتْ مِنْهُ فَأَعَاذَهَا , فَرَجَعَ فَقَالَ كَمَا قَالَ جِبْرِيل , فَبَعَثَ مَلَك الْمَوْت فَعَاذَتْ مِنْهُ فَقَالَ : وَأَنَا أَعُوذ بِاَللَّهِ أَنْ أَرْجِع وَلَمْ أُنَفِّذ أَمْره . فَأَخَذَ مِنْ وَجْه الْأَرْض وَخَلَطَ , وَلَمْ يَأْخُذ مِنْ مَكَان وَاحِد , وَأَخَذَ مِنْ تُرْبَة حَمْرَاء وَبَيْضَاء وَسَوْدَاء , فَلِذَلِكَ خَرَجَ بَنُو آدَم مُخْتَلِفِينَ - وَلِذَلِكَ سُمِّيَ آدَم لِأَنَّهُ أُخِذَ مِنْ أَدِيم الْأَرْض - فَصَعِدَ بِهِ , فَقَالَ اللَّه تَعَالَى لَهُ : ( أَمَا رَحِمْت الْأَرْض حِين تَضَرَّعَتْ إِلَيْك ) فَقَالَ : رَأَيْت أَمْرك أَوْجَب مِنْ قَوْلِهَا . فَقَالَ : ( أَنْتَ تَصْلُح لِقَبْضِ أَرْوَاح وَلَده ) فَبَلَّ التُّرَاب حَتَّى عَادَ طِينًا لَازِبًا , اللَّازِب : هُوَ الَّذِي يَلْتَصِق بَعْضه بِبَعْضٍ , ثُمَّ تُرِكَ حَتَّى أَنْتَنَ , فَذَلِكَ حَيْثُ يَقُول : | مِنْ حَمَإٍ مَسْنُون | [ الْحِجْر : 26 ] قَالَ : مُنْتِن . ثُمَّ قَالَ لِلْمَلَائِكَةِ : | إِنِّي خَالِق بَشَرًا مِنْ طِين . فَإِذَا سَوَّيْته وَنَفَخْت فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ | [ ص : 71 - 72 ] . فَخَلَقَهُ اللَّه بِيَدِهِ لِكَيْلَا يَتَكَبَّر إِبْلِيس عَنْهُ . يَقُول : أَتَتَكَبَّرُ عَمَّا خَلَقْت بِيَدَيَّ وَلَمْ أَتَكَبَّر أَنَا عَنْهُ فَخَلَقَهُ بَشَرًا فَكَانَ جَسَدًا مِنْ طِين أَرْبَعِينَ سَنَة مِنْ مِقْدَار يَوْم الْجُمُعَة , فَمَرَّتْ بِهِ الْمَلَائِكَة فَفَزِعُوا مِنْهُ لَمَّا رَأَوْهُ وَكَانَ أَشَدّهمْ مِنْهُ فَزَعًا إِبْلِيس فَكَانَ يَمُرّ بِهِ فَيَضْرِبهُ فَيُصَوِّت الْجَسَد كَمَا يُصَوِّت الْفَخَّار تَكُون لَهُ صَلْصَلَة , فَذَلِكَ حِين يَقُول : | مِنْ صَلْصَال كَالْفَخَّارِ | [ الرَّحْمَن : 14 ] . وَيَقُول لِأَمْرٍ مَا خُلِقْت . وَدَخَلَ مِنْ فَمه وَخَرَجَ مِنْ دُبُره , فَقَالَ إِبْلِيس لِلْمَلَائِكَةِ : لَا تَرْهَبُوا مِنْ هَذَا فَإِنَّهُ أَجْوَف وَلَئِنْ سُلِّطْت عَلَيْهِ لَأُهْلِكَنهُ . وَيُقَال : إِنَّهُ كَانَ إِذَا مَرَّ عَلَيْهِ مَعَ الْمَلَائِكَة يَقُول : أَرَأَيْتُمْ هَذَا الَّذِي لَمْ تَرَوْا مِنْ الْخَلَائِق يُشْبِههُ إِنْ فُضِّلَ عَلَيْكُمْ وَأُمِرْتُمْ بِطَاعَتِهِ مَا أَنْتُمْ فَاعِلُونَ قَالُوا : نُطِيع أَمْر رَبّنَا فَأَسَرَّ إِبْلِيس فِي نَفْسه لَئِنْ فُضِّلَ عَلَيَّ فَلَا أُطِيعهُ , وَلَئِنْ فُضِّلْت عَلَيْهِ لَأُهْلِكَنَّهُ , فَلَمَّا بَلَغَ الْحِين الَّذِي أُرِيدَ أَنْ يُنْفَخ فِيهِ الرُّوح قَالَ لِلْمَلَائِكَةِ : إِذَا نَفَخْت فِيهِ مِنْ رُوحِي فَاسْجُدُوا لَهُ , فَلَمَّا نُفِخَ فِيهِ الرُّوح فَدَخَلَ الرُّوح فِي رَأْسه عَطَسَ , فَقَالَتْ لَهُ الْمَلَائِكَة : قُلْ الْحَمْد لِلَّهِ , فَقَالَ : الْحَمْد لِلَّهِ , فَقَالَ اللَّه لَهُ : رَحِمك رَبّك , فَلَمَّا دَخَلَ الرُّوح فِي عَيْنَيْهِ نَظَرَ إِلَى ثِمَار الْجَنَّة , فَلَمَّا دَخَلَ فِي جَوْفه اِشْتَهَى الطَّعَام فَوَثَبَ قَبْل أَنْ يَبْلُغ الرُّوح رِجْلَيْهِ عَجْلَان إِلَى ثِمَار الْجَنَّة , فَذَلِكَ حِين يَقُول : | خُلِقَ الْإِنْسَان مِنْ عَجَل | [ الْأَنْبِيَاء : 37 ] | فَسَجَدَ الْمَلَائِكَة كُلّهمْ أَجْمَعُونَ , إِلَّا إِبْلِيس أَبَى أَنْ يَكُون مَعَ السَّاجِدِينَ | [ الْحِجْر : 30 - 31 ] وَذَكَرَ الْقِصَّة . وَرَوَى التِّرْمِذِيّ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ قَالَ سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : ( إِنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ خَلَقَ آدَم مِنْ قَبْضَة قَبَضَهَا مِنْ جَمِيع الْأَرْض فَجَاءَ بَنُو آدَم عَلَى قَدْر الْأَرْض فَجَاءَ مِنْهُمْ الْأَحْمَر وَالْأَبْيَض وَالْأَسْوَد وَبَيْن ذَلِكَ وَالسَّهْل وَالْحَزْن وَالْخَبِيث وَالطَّيِّب ) . قَالَ أَبُو عِيسَى : هَذَا حَدِيث حَسَن صَحِيح . أَدِيم : جَمْع أَدَم , قَالَ الشَّاعِر :
النَّاس أَخْيَاف وَشَتَّى فِي الشِّيَم .......... وَكُلّهمْ يَجْمَعهُمْ وَجْه الْأَدَم
فَآدَم مُشْتَقّ مِنْ الْأَدِيم وَالْأَدَم لَا مِنْ الْأُدْمَة , وَاَللَّه أَعْلَم . وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون مِنْهُمَا جَمِيعًا . وَسَيَأْتِي لِهَذَا الْبَاب مَزِيد بَيَان فِي خَلْق آدَم فِي | الْأَنْعَام | وَغَيْرهَا إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى . وَ | آدَم | لَا يَنْصَرِف . قَالَ أَبُو جَعْفَر النَّحَّاس : | آدَم لَا يَنْصَرِف فِي الْمَعْرِفَة بِإِجْمَاعِ النَّحْوِيِّينَ , لِأَنَّهُ عَلَى أَفْعَل وَهُوَ مَعْرِفَة , وَلَا يَمْتَنِع شَيْء مِنْ الصَّرْف عِنْد الْبَصْرِيِّينَ إِلَّا لِعِلَّتَيْنِ . فَإِنْ نَكَّرْته وَلَمْ يَكُنْ نَعْتًا لَمْ يَصْرِفهُ الْخَلِيل وَسِيبَوَيْهِ , وَصَرَفَهُ الْأَخْفَش سَعِيد ; لِأَنَّهُ كَانَ نَعْتًا وَهُوَ عَلَى وَزْن الْفِعْل , فَإِذَا لَمْ يَكُنْ نَعْتًا صَرَفَهُ . قَالَ أَبُو إِسْحَاق الزَّجَّاج : الْقَوْل قَوْل سِيبَوَيْهِ , وَلَا يُفَرَّق بَيْن النَّعْت وَغَيْره لِأَنَّهُ هُوَ ذَاكَ بِعَيْنِهِ | . قَوْله تَعَالَى | الْأَسْمَاء كُلّهَا | | الْأَسْمَاء | هُنَا بِمَعْنَى الْعِبَارَات , فَإِنَّ الِاسْم قَدْ يُطْلَق وَيُرَاد بِهِ الْمُسَمَّى , كَقَوْلِك : زَيْد قَائِم , وَالْأَسَد شُجَاع . وَقَدْ يُرَاد بِهِ التَّسْمِيَة ذَاتهَا , كَقَوْلِك : أَسَد ثَلَاثَة أَحْرُف , فَفِي الْأَوَّل يُقَال : الِاسْم هُوَ الْمُسَمَّى بِمَعْنَى يُرَاد بِهِ الْمُسَمَّى , وَفِي الثَّانِي لَا يُرَاد الْمُسَمَّى , وَقَدْ يُجْرَى اِسْم فِي اللُّغَة مَجْرَى ذَات الْعِبَارَة , وَهُوَ الْأَكْثَر مِنْ اِسْتِعْمَالهَا , وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى : | وَعَلَّمَ آدَم الْأَسْمَاء كُلّهَا | [ الْبَقَرَة : 31 ] عَلَى أَشْهَر التَّأْوِيلَات , وَمِنْهُ قَوْل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَة وَتِسْعِينَ اِسْمًا ) . وَيَجْرِي مَجْرَى الذَّات , يُقَال : ذَات وَنَفْس وَعَيْن وَاسْم بِمَعْنًى , وَعَلَى هَذَا حَمَلَ أَكْثَر أَهْل الْعِلْم قَوْله تَعَالَى : | سَبِّحْ اِسْم رَبّك الْأَعْلَى | [ الْأَعْلَى : 1 ] | تَبَارَكَ اِسْم رَبّك | [ الرَّحْمَن : 78 ] | إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا | [ النَّجْم : 23 ] . وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي مَعْنَى الْأَسْمَاء الَّتِي عَلَّمَهَا لِآدَم عَلَيْهِ السَّلَام , فَقَالَ اِبْن عَبَّاس وَعِكْرِمَة وَقَتَادَة وَمُجَاهِد وَابْن جُبَيْر : عَلَّمَهُ أَسْمَاء جَمِيع الْأَشْيَاء كُلّهَا جَلِيلهَا وَحَقِيرهَا . وَرَوَى عَاصِم بْن كُلَيْب عَنْ سَعْد مَوْلَى الْحَسَن بْن عَلِيّ قَالَ : كُنْت جَالِسًا عِنْد اِبْن عَبَّاس فَذَكَرُوا اِسْم الْآنِيَة وَاسْم السَّوْط , قَالَ اِبْن عَبَّاس : | وَعَلَّمَ آدَم الْأَسْمَاء كُلّهَا | . قُلْت : وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْمَعْنَى مَرْفُوعًا عَلَى مَا يَأْتِي , وَهُوَ الَّذِي يَقْتَضِيه لَفْظ | كُلّهَا | إِذْ هُوَ اِسْم مَوْضُوع لِلْإِحَاطَةِ وَالْعُمُوم , وَفِي الْبُخَارِيّ مِنْ حَدِيث أَنَس عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( وَيَجْتَمِع الْمُؤْمِنُونَ يَوْم الْقِيَامَة فَيَقُولُونَ لَوْ اِسْتَشْفَعْنَا إِلَى رَبّنَا فَيَأْتُونَ آدَم فَيَقُولُونَ أَنْتَ أَبُو النَّاس خَلَقَك اللَّه بِيَدِهِ وَأَسْجَدَ لَك مَلَائِكَته وَعَلَّمَك أَسْمَاء كُلّ شَيْء ) الْحَدِيث . قَالَ اِبْن خُوَيْز مَنْدَاد : فِي هَذِهِ الْآيَة دَلِيل عَلَى أَنَّ اللُّغَة مَأْخُوذَة تَوْقِيفًا , وَأَنَّ اللَّه تَعَالَى عَلَّمَهَا آدَم عَلَيْهِ السَّلَام جُمْلَة وَتَفْصِيلًا . وَكَذَلِكَ قَالَ اِبْن عَبَّاس : عَلَّمَهُ أَسْمَاء كُلّ شَيْء حَتَّى الْجَفْنَة وَالْمِحْلَب . وَرَوَى شَيْبَان عَنْ قَتَادَة قَالَ : عُلِّمَ آدَم مِنْ الْأَسْمَاء أَسْمَاء خَلْقه مَا لَمْ يُعَلَّم الْمَلَائِكَة , وَسَمَّى كُلّ شَيْء بِاسْمِهِ وَأَنْحَى مَنْفَعَة كُلّ شَيْء إِلَى جِنْسه . قَالَ النَّحَّاس : وَهَذَا أَحْسَن مَا رُوِيَ فِي هَذَا . وَالْمَعْنَى عَلَّمَهُ أَسْمَاء الْأَجْنَاس وَعَرَّفَهُ مَنَافِعهَا , هَذَا كَذَا , وَهُوَ يَصْلُح لِكَذَا . وَقَالَ الطَّبَرِيّ : عَلَّمَهُ أَسْمَاء الْمَلَائِكَة وَذُرِّيَّته , وَاخْتَارَ هَذَا وَرَجَّحَهُ .|ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ|قَالَ اِبْن زَيْد : عَلَّمَهُ أَسْمَاء ذُرِّيَّته , كُلّهمْ . الرَّبِيع اِبْن خُثَيْم : أَسْمَاء الْمَلَائِكَة خَاصَّة . الْقُتَبِيّ : أَسْمَاء مَا خَلَقَ فِي الْأَرْض . وَقِيلَ : أَسْمَاء الْأَجْنَاس وَالْأَنْوَاع . قُلْت : الْقَوْل الْأَوَّل أَصَحّ , لِمَا ذَكَرْنَاهُ آنِفًا وَلِمَا نُبَيِّنهُ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى . وَاخْتَلَفَ الْمُتَأَوِّلُونَ أَيْضًا هَلْ عَرَضَ عَلَى الْمَلَائِكَة أَسْمَاء الْأَشْخَاص أَوْ الْأَسْمَاء دُون الْأَشْخَاص , فَقَالَ اِبْن مَسْعُود وَغَيْره : عَرَضَ الْأَشْخَاص لِقَوْلِهِ تَعَالَى : | عَرَضَهُمْ | وَقَوْله : | أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ | . وَتَقُول الْعَرَب : عَرَضْت الشَّيْء فَأَعْرَضَ , أَيْ أَظْهَرْته فَظَهَرَ . وَمِنْهُ : عَرَضْت الشَّيْء لِلْبَيْعِ . وَفِي الْحَدِيث ( إِنَّهُ عَرَضَهُمْ أَمْثَال الذَّرّ ) . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس وَغَيْره : عَرَضَ الْأَسْمَاء وَفِي حَرْف اِبْن مَسْعُود : | عَرَضَهُنَّ | , فَأَعَادَ عَلَى الْأَسْمَاء دُون الْأَشْخَاص ; لِأَنَّ الْهَاء وَالنُّون أَخَصّ بِالْمُؤَنَّثِ . وَفِي حَرْف أُبَيّ : | عَرَضَهَا | . مُجَاهِد : أَصْحَاب الْأَسْمَاء . فَمَنْ قَالَ فِي الْأَسْمَاء إِنَّهَا التَّسْمِيَات فَاسْتَقَامَ عَلَى قِرَاءَة أُبَيّ : | عَرَضَهَا | . وَتَقُول فِي قِرَاءَة مَنْ قَرَأَ | عَرَضَهُمْ | : إِنَّ لَفْظ الْأَسْمَاء يَدُلّ عَلَى أَشْخَاص , فَلِذَلِكَ سَاغَ أَنْ يُقَال لِلْأَسْمَاءِ : | عَرَضَهُمْ | . وَقَالَ فِي | هَؤُلَاءِ | الْمُرَاد بِالْإِشَارَةِ : إِلَى أَشْخَاص الْأَسْمَاء , لَكِنْ وَإِنْ كَانَتْ غَائِبَة فَقَدْ حَضَرَ مَا هُوَ مِنْهَا بِسَبَبٍ وَذَلِكَ أَسْمَاؤُهَا . قَالَ اِبْن عَطِيَّة : وَاَلَّذِي يَظْهَر أَنَّ اللَّه تَعَالَى عَلَّمَ آدَم الْأَسْمَاء وَعَرَضَهُنَّ عَلَيْهِ مَعَ تِلْكَ الْأَجْنَاس بِأَشْخَاصِهَا , ثُمَّ عَرَضَ تِلْكَ عَلَى الْمَلَائِكَة وَسَأَلَهُمْ عَنْ تَسْمِيَاتهَا الَّتِي قَدْ تَعَلَّمَهَا , ثُمَّ إِنَّ آدَم قَالَ لَهُمْ : هَذَا اِسْمه كَذَا , وَهَذَا اِسْمه كَذَا . وَقَالَ الْمَاوَرْدِيّ : وَكَانَ الْأَصَحّ تَوَجُّه الْعَرْض إِلَى الْمُسَمّينَ . ثُمَّ فِي زَمَن عَرْضهمْ قَوْلَانِ : أَحَدهمَا أَنَّهُ عَرَضَهُمْ بَعْد أَنْ خَلَقَهُمْ . الثَّانِي - أَنَّهُ صَوَّرَهُمْ لِقُلُوبِ الْمَلَائِكَة ثُمَّ عَرَضَهُمْ . وَاخْتُلِفَ فِي أَوَّل مَنْ تَكَلَّمَ بِاللِّسَانِ الْعَرَبِيّ , فَرُوِيَ عَنْ كَعْب الْأَحْبَار : أَنَّ أَوَّل مَنْ وَضَعَ الْكِتَاب الْعَرَبِيّ وَالسُّرْيَانِيّ وَالْكُتُب كُلّهَا بِالْأَلْسِنَةِ كُلّهَا آدَم عَلَيْهِ السَّلَام . وَقَالَهُ غَيْر كَعْب الْأَحْبَار . فَإِنْ قِيلَ : قَدْ رُوِيَ عَنْ كَعْب الْأَحْبَار مِنْ وَجْه حَسَن قَالَ : أَوَّل مَنْ تَكَلَّمَ بِالْعَرَبِيَّةِ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام وَهُوَ الَّذِي أَلْقَاهَا عَلَى لِسَان نُوح عَلَيْهِ السَّلَام وَأَلْقَاهَا نُوح عَلَى لِسَان اِبْنه سَام , وَرَوَاهُ ثَوْر اِبْن زَيْد عَنْ خَالِد بْن مَعْدَان عَنْ كَعْب وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : ( أَوَّل مَنْ فُتِقَ لِسَانه بِالْعَرَبِيَّةِ الْمُبَيِّنَة إِسْمَاعِيل وَهُوَ اِبْن عَشْر سِنِينَ ) . وَقَدْ رُوِيَ أَيْضًا : أَنَّ أَوَّل مَنْ تَكَلَّمَ بِالْعَرَبِيَّةِ يَعْرُب بْن قَحْطَان , وَقَدْ رُوِيَ غَيْر ذَلِكَ . قُلْنَا : الصَّحِيح أَنَّ أَوَّل مَنْ تَكَلَّمَ بِاللُّغَاتِ كُلّهَا مِنْ الْبَشَر آدَم عَلَيْهِ السَّلَام , وَالْقُرْآن يَشْهَد لَهُ قَالَ اللَّه تَعَالَى : | وَعَلَّمَ آدَم الْأَسْمَاء كُلّهَا | [ الْبَقَرَة : 31 ] وَاللُّغَات كُلّهَا أَسْمَاء فَهِيَ دَاخِلَة تَحْته وَبِهَذَا جَاءَتْ السُّنَّة , قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَعَلَّمَ آدَم الْأَسْمَاء كُلّهَا حَتَّى الْقَصْعَة وَالْقُصَيْعَة ) وَمَا ذَكَرُوهُ يَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِهِ أَوَّل مَنْ تَكَلَّمَ بِالْعَرَبِيَّةِ مِنْ وَلَد إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام إِسْمَاعِيل عَلَيْهِ السَّلَام . وَكَذَلِكَ إِنْ صَحَّ مَا سِوَاهُ فَإِنَّهُ يَكُون مَحْمُولًا عَلَى أَنَّ الْمَذْكُور أَوَّل مَنْ تَكَلَّمَ مِنْ قَبِيلَته بِالْعَرَبِيَّةِ بِدَلِيلِ مَا ذَكَرْنَا وَاَللَّه أَعْلَم . وَكَذَلِكَ جِبْرِيل أَوَّل مَنْ تَكَلَّمَ بِهَا مِنْ الْمَلَائِكَة وَأَلْقَاهَا عَلَى لِسَان نُوح بَعْد أَنْ عَلَّمَهَا اللَّه آدَم أَوْ جِبْرِيل , عَلَى مَا تَقَدَّمَ , وَاَللَّه أَعْلَم .|هَؤُلَاءِ|لَفْظ مَبْنِيّ عَلَى الْكَسْر . وَلُغَة تَمِيم وَبَعْض قَيْس وَأَسَد فِيهِ الْقَصْر , قَالَ الْأَعْشَى :
هُؤْلَا ثُمَّ هَؤُلَا كَلَّا أَعْطَيْ .......... ت نِعَالًا مَحْذُوَّة بِمِثَالِ
وَمِنْ الْعَرَب مَنْ يَقُول : هَولَاءِ , فَيَحْذِف الْأَلِف وَالْهَمْزَة .|إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ|شَرْط , وَالْجَوَاب مَحْذُوف تَقْدِيره : إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ أَنَّ بَنِي آدَم يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْض فَأَنْبِئُونِي , قَالَهُ الْمُبَرِّد . وَمَعْنَى | صَادِقِينَ | عَالِمِينَ , وَلِذَلِكَ لَمْ يَسُغْ لِلْمَلَائِكَةِ الِاجْتِهَاد وَقَالُوا : | سُبْحَانك | حَكَاهُ النَّقَّاش قَالَ : وَلَوْ لَمْ يَشْتَرِط عَلَيْهِمْ إِلَّا الصِّدْق فِي الْإِنْبَاء لَجَازَ لَهُمْ الِاجْتِهَاد كَمَا جَازَ لِلَّذِي أَمَاتَهُ اللَّه مِائَة عَام حِين قَالَ لَهُ : | كَمْ لَبِثْت | فَلَمْ يَشْتَرِط عَلَيْهِ الْإِصَابَة , فَقَالَ وَلَمْ يُصِبْ وَلَمْ يُعَنَّف , وَهَذَا بَيِّن لَا خَفَاء فِيهِ . وَحَكَى الطَّبَرِيّ وَأَبُو عُبَيْد : أَنَّ بَعْض الْمُفَسِّرِينَ قَالَ إِنَّ مَعْنَى | إِنْ كُنْتُمْ | : إِذْ كُنْتُمْ , وَقَالَا : هَذَا خَطَأ . وَ | أَنْبِئُونِي | مَعْنَاهُ أَخْبِرُونِي . وَالنَّبَأ : الْخَبَر , وَمِنْهُ النَّبِيء بِالْهَمْزِ , وَسَيَأْتِي بَيَانه إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى . قَالَ بَعْض الْعُلَمَاء : يَخْرُج مِنْ هَذَا الْأَمْر بِالْإِنْبَاءِ تَكْلِيف مَا لَا يُطَاق لِأَنَّهُ عَلِمَ أَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ . وَقَالَ الْمُحَقِّقُونَ مِنْ أَهْل التَّأْوِيل : لَيْسَ هَذَا عَلَى جِهَة التَّكْلِيف , وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى جِهَة التَّقْرِير وَالتَّوْقِيف . وَسَيَأْتِي الْقَوْل فِي تَكْلِيف مَا لَا يُطَاق - هَلْ وَقَعَ التَّكْلِيف بِهِ أَمْ لَا - فِي آخِر السُّورَة إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى .

فِيهِ ثَلَاث مَسَائِل : الْأُولَى : قَوْله تَعَالَى : | سُبْحَانك | أَيْ تَنْزِيهًا لَك عَنْ أَنْ يَعْلَم الْغَيْب أَحَد سِوَاك . وَهَذَا جَوَابهمْ عَنْ قَوْله : | أَنْبِئُونِي | فَأَجَابُوا أَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ إِلَّا مَا أَعْلَمَهُمْ بِهِ وَلَمْ يَتَعَاطَوْا مَا لَا عِلْم لَهُمْ بِهِ كَمَا يَفْعَلهُ الْجُهَّال مِنَّا . وَ | مَا | فِي | مَا عَلَّمْتنَا | بِمَعْنَى الَّذِي , أَيْ إِلَّا الَّذِي عَلَّمْتنَا , وَيَجُوز أَنْ تَكُون مَصْدَرِيَّة بِمَعْنَى إِلَّا تَعْلِيمك إِيَّانَا . الثَّانِيَة : الْوَاجِب عَلَى مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْم أَنْ يَقُول إِنْ لَمْ يَعْلَم : اللَّه أَعْلَم وَلَا أَدْرِي , اِقْتِدَاء بِالْمَلَائِكَةِ وَالْأَنْبِيَاء وَالْفُضَلَاء مِنْ الْعُلَمَاء , لَكِنْ قَدْ أَخْبَرَ الصَّادِق أَنَّ بِمَوْتِ الْعُلَمَاء يُقْبَض الْعِلْم , فَيَبْقَى نَاس جُهَّال يُسْتَفْتُونَ فَيُفْتُونَ بِرَأْيِهِمْ فَيَضِلُّونَ وَيُضِلُّونَ . وَأَمَّا مَا وَرَدَ مِنْ الْأَخْبَار عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابه وَالتَّابِعِينَ بَعْدهمْ فِي مَعْنَى الْآيَة فَرَوَى الْبُسْتِيّ فِي الْمُسْنَد الصَّحِيح لَهُ عَنْ اِبْن عُمَر أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَيّ الْبِقَاع شَرّ ؟ قَالَ : ( لَا أَدْرِي حَتَّى أَسْأَل جِبْرِيل ) فَسَأَلَ جِبْرِيل , فَقَالَ : لَا أَدْرِي حَتَّى أَسْأَل مِيكَائِيل , فَجَاءَ فَقَالَ : خَيْر الْبِقَاع الْمَسَاجِد , وَشَرّهَا الْأَسْوَاق . وَقَالَ الصِّدِّيق لِلْجَدَّةِ : اِرْجِعِي حَتَّى أَسْأَل النَّاس . وَكَانَ عَلِيّ يَقُول : وَا بَرْدهَا عَلَى الْكَبِد , ثَلَاث مَرَّات . قَالُوا وَمَا ذَلِكَ يَا أَمِير الْمُؤْمِنِينَ ؟ قَالَ : أَنْ يُسْأَل الرَّجُل عَمَّا لَا يَعْلَم فَيَقُول : اللَّه أَعْلَم . وَسَأَلَ اِبْنَ عُمَرَ رَجُلٌ عَنْ مَسْأَلَة فَقَالَ : لَا عِلْم لِي بِهَا , فَلَمَّا أَدْبَرَ الرَّجُل . قَالَ اِبْن عُمَر : نِعْمَ مَا قَالَ اِبْن عُمَر , سُئِلَ عَمَّا لَا يَعْلَم فَقَالَ لَا عِلْم لِي بِهِ ذَكَرَهُ الدَّارِمِيّ فِي مُسْنَده . وَفِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ أَبِي عُقَيْل يَحْيَى بْن الْمُتَوَكِّل صَاحِب بُهَيَّة قَالَ : كُنْت جَالِسًا عِنْد الْقَاسِم بْن عُبَيْد اللَّه وَيَحْيَى بْن سَعِيد , فَقَالَ يَحْيَى لِلْقَاسِمِ : يَا أَبَا مُحَمَّد إِنَّهُ قَبِيح عَلَى مِثْلك عَظِيم أَنْ يُسْأَل عَنْ شَيْء مِنْ أَمْر هَذَا الدِّين فَلَا يُوجَد عِنْدك مِنْهُ عِلْم وَلَا فَرَج , أَوْ عِلْم وَلَا مَخْرَج ؟ فَقَالَ لَهُ الْقَاسِم : وَعَمَّ ذَاكَ ؟ قَالَ : لِأَنَّك اِبْن إِمَامَيْ هُدًى : اِبْن أَبِي بَكْر وَعُمَر . قَالَ يَقُول لَهُ الْقَاسِم : أَقْبَح مِنْ ذَاكَ عِنْد مَنْ عَقَلَ عَنْ اللَّه أَنْ أَقُول بِغَيْرِ عِلْم أَوْ آخُذ عَنْ غَيْر ثِقَة . فَسَكَتَ فَمَا أَجَابَهُ . وَقَالَ مَالِك بْن أَنَس : سَمِعْت اِبْن هُرْمُز يَقُول : يَنْبَغِي لِلْعَالِمِ أَنْ يُورِث جُلَسَاءَهُ مِنْ بَعْده لَا أَدْرِي حَتَّى يَكُون أَصْلًا فِي أَيْدِيهمْ , فَإِذَا سُئِلَ أَحَدهمْ عَمَّا لَا يَدْرِي قَالَ : لَا أَدْرِي . وَذَكَرَ الْهَيْثَم بْن جَمِيل قَالَ : شَهِدْت مَالِك بْن أَنَس سُئِلَ عَنْ ثَمَان وَأَرْبَعِينَ مَسْأَلَة فَقَالَ فِي اِثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ مِنْهَا : لَا أَدْرِي . قُلْت : وَمِثْله كَثِير عَنْ الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَفُقَهَاء الْمُسْلِمِينَ . وَإِنَّمَا يُحْمَل عَلَى تَرْك ذَلِكَ الرِّيَاسَةُ وَعَدَم الْإِنْصَاف فِي الْعِلْم . قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ : مِنْ بَرَكَة الْعِلْم وَآدَابه الْإِنْصَاف فِيهِ , وَمَنْ لَمْ يُنْصِف لَمْ يَفْهَم وَلَمْ يَتَفَهَّم . رَوَى يُونُس بْن عَبْد الْأَعْلَى قَالَ : سَمِعْت اِبْن وَهْب يَقُول : سَمِعْت مَالِك بْن أَنَس يَقُول : مَا فِي زَمَاننَا شَيْء أَقَلّ مِنْ الْإِنْصَاف . قُلْت : هَذَا فِي زَمَن مَالِك فَكَيْف فِي زَمَاننَا الْيَوْم الَّذِي عَمَّ فِينَا الْفَسَاد وَكَثُرَ فِيهِ الطَّغَام وَطُلِبَ فِيهِ الْعِلْم لِلرِّيَاسَةِ لَا لِلدِّرَايَةِ , بَلْ لِلظُّهُورِ فِي الدُّنْيَا وَغَلَبَة الْأَقْرَان بِالْمِرَاءِ وَالْجِدَال الَّذِي يُقْسِي الْقَلْب وَيُورِث الضَّغَن , وَذَلِكَ مِمَّا يُحْمَل عَلَى عَدَم التَّقْوَى وَتَرْك الْخَوْف مِنْ اللَّه تَعَالَى . أَيْنَ هَذَا مِمَّا رُوِيَ عَنْ عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ وَقَدْ قَالَ : لَا تَزِيدُوا فِي مُهُور النِّسَاء عَلَى أَرْبَعِينَ أُوقِيَّة وَلَوْ كَانَتْ بِنْت ذِي الْعُصْبَة - يَعْنِي يَزِيد بْن الْحُصَيْن الْحَارِثِيّ - فَمَنْ زَادَ أَلْقَيْت زِيَادَته فِي بَيْت الْمَال , فَقَامَتْ اِمْرَأَة مِنْ صَوْب النِّسَاء طَوِيلَة فِيهَا فَطَس فَقَالَتْ : مَا ذَلِكَ لَك قَالَ : وَلِمَ ؟ قَالَتْ لِأَنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ يَقُول : | وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا | [ النِّسَاء : 20 ] فَقَالَ عُمَر : اِمْرَأَة أَصَابَتْ وَرَجُل أَخْطَأَ وَرَوَى وَكِيع عَنْ أَبِي مَعْشَر عَنْ مُحَمَّد بْن كَعْب الْقُرَظِيّ قَالَ : سَأَلَ رَجُل عَلِيًّا رَضِيَ اللَّه عَنْهُ عَنْ مَسْأَلَة فَقَالَ فِيهَا , فَقَالَ الرَّجُل : لَيْسَ كَذَلِكَ يَا أَمِير الْمُومِنِينَ , وَلَكِنْ كَذَا وَكَذَا , فَقَالَ عَلِيّ : أَصَبْتَ وَأَخْطَأْتُ , وَفَوْق كُلّ ذِي عِلْم عَلِيم . وَذَكَرَ أَبُو مُحَمَّد قَاسِم بْن أَصْبَغ قَالَ : لَمَّا رَحَلْت إِلَى الْمَشْرِق نَزَلْت الْقَيْرَوَان فَأَخَذْت عَلَى بَكْر بْن حَمَّاد حَدِيث مُسَدّد , ثُمَّ رَحَلْت إِلَى بَغْدَاد وَلَقِيت النَّاس , فَلَمَّا اِنْصَرَفْت عُدْت إِلَيْهِ لِتَمَامِ حَدِيث مُسَدّد , فَقَرَأْت عَلَيْهِ فِيهِ يَوْمًا حَدِيث النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَنَّهُ قَدِمَ عَلَيْهِ قَوْم مِنْ مُضَر مِنْ مُجْتَابِي النِّمَار ) فَقَالَ : إِنَّمَا هُوَ مُجْتَابِي الثِّمَار , فَقُلْت إِنَّمَا هُوَ مُجْتَابِي النِّمَار , هَكَذَا قَرَأْته عَلَى كُلّ مَنْ قَرَأْته عَلَيْهِ بِالْأَنْدَلُسِ وَالْعِرَاق , فَقَالَ لِي : بِدُخُولِك الْعِرَاق تُعَارِضنَا وَتَفْخَر عَلَيْنَا أَوْ نَحْو هَذَا . ثُمَّ قَالَ لِي : قُمْ بِنَا إِلَى ذَلِكَ الشَّيْخ - لِشَيْخٍ كَانَ فِي الْمَسْجِد - فَإِنَّ لَهُ بِمِثْلِ هَذَا عِلْمًا , فَقُمْنَا إِلَيْهِ فَسَأَلْنَاهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ : إِنَّمَا هُوَ مُجْتَابِي النِّمَار , كَمَا قُلْت . وَهُمْ قَوْم كَانُوا يَلْبَسُونَ الثِّيَاب مُشَقَّقَة , جُيُوبهمْ أَمَامهمْ . وَالنِّمَار جَمْع نَمِرَة . فَقَالَ بَكْر بْن حَمَّاد وَأَخَذَ بِأَنْفِهِ : رَغِمَ أَنْفِي لِلْحَقِّ , رَغِمَ أَنْفِي لِلْحَقِّ . وَانْصَرَفَ . وَقَالَ يَزِيد بْن الْوَلِيد بْن عَبْد الْمَلِك فَأَحْسَنَ :
إِذَا مَا تَحَدَّثْت فِي مَجْلِس .......... تَنَاهَى حَدِيثِي إِلَى مَا عَلِمْت

وَلَمْ أَعْدُ عِلْمِي إِلَى غَيْره .......... وَكَانَ إِذَا مَا تَنَاهَى سَكَتُّ
الثَّالِثَة : قَوْله تَعَالَى : | سُبْحَانك | | سُبْحَان | مَنْصُوب عَلَى الْمَصْدَر عِنْد الْخَلِيل وَسِيبَوَيْهِ , يُؤَدِّي عَنْ مَعْنَى نُسَبِّحك تَسْبِيحًا . وَقَالَ الْكِسَائِيّ : هُوَ مَنْصُوب عَلَى أَنَّهُ نِدَاء مُضَاف .|إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ|فَعِيل لِلْمُبَالَغَةِ وَالتَّكْبِير فِي الْمَعْلُومَات فِي خَلْق اللَّه تَعَالَى .|الْحَكِيمُ|مَعْنَاهُ الْحَاكِم , وَبَيْنهمَا مَزِيد الْمُبَالَغَة . وَقِيلَ مَعْنَاهُ الْمُحْكِم وَيَجِيء الْحَكِيم عَلَى هَذَا مِنْ صِفَات الْفِعْل , صُرِفَ عَنْ مَفْعَل إِلَى فَعِيل , كَمَا صُرِفَ عَنْ مَسْمَع إِلَى سَمِيع وَمُؤْلِم إِلَى أَلِيم , قَالَهُ اِبْن الْأَنْبَارِيّ . وَقَالَ قَوْم : | الْحَكِيم | الْمَانِع مِنْ الْفَسَاد , وَمِنْهُ سُمِّيَتْ حِكْمَة اللِّجَام ; لِأَنَّهَا تَمْنَع الْفَرَس مِنْ الْجَرْي وَالذَّهَاب فِي غَيْر قَصْد . قَالَ جَرِير :
أَبَنِي حَنِيفَة أَحْكِمُوا سُفَهَاءَكُمْ .......... إِنِّي أَخَاف عَلَيْكُمْ أَنْ أَغْضَبَا
أَيْ اِمْنَعُوهُمْ مِنْ الْفَسَاد . وَقَالَ زُهَيْر :
الْقَائِد الْخَيْل مَنْكُوبًا دَوَابِرهَا .......... قَدْ أُحْكِمَتْ حَكَمَات الْقِدّ وَالْأَبَقَا
القد : الْجِلْد . وَالْأَبَق : الْقُنَّب . وَالْعَرَب تَقُول : أَحْكَمَ الْيَتِيم عَنْ كَذَا وَكَذَا , يُرِيدُونَ مَنَعَهُ . وَالسُّورَة الْمُحْكَمَة : الْمَمْنُوعَة مِنْ التَّغْيِير وَكُلّ التَّبْدِيل , وَأَنْ يَلْحَق بِهَا مَا يَخْرُج عَنْهَا , وَيُزَاد عَلَيْهَا مَا لَيْسَ مِنْهَا , وَالْحِكْمَة مِنْ هَذَا ; لِأَنَّهَا تَمْنَع صَاحِبهَا مِنْ الْجَهْل . وَيُقَال : أَحْكَمَ الشَّيْء إِذَا أَتْقَنَهُ وَمَنَعَهُ مِنْ الْخُرُوج عَمَّا يُرِيد . فَهُوَ مُحْكَم وَحَكِيم عَلَى التَّكْثِير .

قَوْله تَعَالَى : | أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ | أَمَرَهُ اللَّه أَنْ يُعْلِمهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ بَعْد أَنْ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَة لِيَعْلَمُوا أَنَّهُ أَعْلَم بِمَا سَأَلَهُمْ عَنْهُ تَنْبِيهًا عَلَى فَضْله وَعُلُوّ شَأْنه , فَكَانَ أَفْضَل مِنْهُمْ بِأَنْ قَدَّمَهُ عَلَيْهِمْ وَأَسْجَدَهُمْ لَهُ وَجَعَلَهُمْ تَلَامِذَته وَأَمَرَهُمْ بِأَنْ يَتَعَلَّمُوا مِنْهُ . فَحَصَلَتْ لَهُ رُتْبَة الْجَلَال وَالْعَظَمَة بِأَنْ جَعَلَهُ مَسْجُودًا لَهُ , مُخْتَصًّا بِالْعِلْمِ . فِي هَذِهِ الْآيَة دَلِيل عَلَى فَضْل الْعِلْم وَأَهْله , وَفِي الْحَدِيث : ( وَإِنَّ الْمَلَائِكَة لَتَضَع أَجْنِحَتهَا رِضًا لِطَالِبِ الْعِلْم ) أَيْ تَخْضَع وَتَتَوَاضَع وَإِنَّمَا تَفْعَل ذَلِكَ لِأَهْلِ الْعِلْم خَاصَّة مِنْ بَيْن سَائِر عِيَال اللَّه ; لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى أَلْزَمَهَا ذَلِكَ فِي آدَم عَلَيْهِ السَّلَام فَتَأَدَّبَتْ بِذَلِكَ الْأَدَب . فَكُلَّمَا ظَهَرَ لَهَا عِلْم فِي بَشَر خَضَعَتْ لَهُ وَتَوَاضَعَتْ وَتَذَلَّلَتْ إِعْظَامًا لِلْعِلْمِ وَأَهْله , وَرِضًا مِنْهُمْ بِالطَّلَبِ لَهُ وَالشُّغْل بِهِ . هَذَا فِي الطُّلَّاب مِنْهُمْ فَكَيْف بِالْأَحْبَارِ فِيهِمْ وَالرَّبَّانِيِّينَ مِنْهُمْ جَعَلَنَا اللَّه مِنْهُمْ وَفِيهِمْ , إِنَّهُ ذُو فَضْل عَظِيم . اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء مِنْ هَذَا الْبَاب , أَيّمَا أَفْضَل الْمَلَائِكَة أَوْ بَنُو آدَم عَلَى قَوْلَيْنِ : فَذَهَبَ قَوْم إِلَى أَنَّ الرُّسُل مِنْ الْبَشَر أَفْضَل مِنْ الرُّسُل مِنْ الْمَلَائِكَة , وَالْأَوْلِيَاء مِنْ الْبَشَر أَفْضَل مِنْ الْأَوْلِيَاء مِنْ الْمَلَائِكَة . وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى أَنَّ الْمَلَأ الْأَعْلَى أَفْضَل . اِحْتَجَّ مَنْ فَضَّلَ الْمَلَائِكَة بِأَنَّهُمْ | عِبَاد مُكْرَمُونَ . لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ | [ الْأَنْبِيَاء : 26 - 27 ] | لَا يَعْصُونَ اللَّه مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ | [ التَّحْرِيم : 6 ] . وَقَوْله : | لَنْ يَسْتَنْكِف الْمَسِيح أَنْ يَكُون عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَة الْمُقَرَّبُونَ | [ النِّسَاء : 172 ] وَقَوْله : | قُلْ لَا أَقُول لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِن اللَّه وَلَا أَعْلَم الْغَيْب وَلَا أَقُول لَكُمْ إِنِّي مَلَك | [ الْأَنْعَام : 50 ] . وَفِي الْبُخَارِيّ : ( يَقُول اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : | مَنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَأ ذَكَرْته فِي مَلَأ خَيْر مِنْهُمْ ) . وَهَذَا نَصّ . اِحْتَجَّ مَنْ فَضَّلَ بَنِي آدَم بِقَوْلِهِ تَعَالَى : | إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات أُولَئِكَ هُمْ خَيْر الْبَرِيَّة | [ الْبَيِّنَة : 7 ] بِالْهَمْزِ , مِنْ بَرَأَ اللَّه الْخَلْق . وَقَوْله عَلَيْهِ السَّلَام : ( وَإِنَّ الْمَلَائِكَة لَتَضَع أَجْنِحَتهَا رِضًا لِطَالِبِ الْعِلْم ) الْحَدِيث . أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد , وَبِمَا جَاءَ فِي أَحَادِيث مِنْ أَنَّ اللَّه تَعَالَى يُبَاهِي بِأَهْلِ عَرَفَات الْمَلَائِكَة , وَلَا يُبَاهِي إِلَّا بِالْأَفْضَلِ , وَاَللَّه أَعْلَم . وَقَالَ بَعْض الْعُلَمَاء . وَلَا طَرِيق إِلَى الْقَطْع بِأَنَّ الْأَنْبِيَاء أَفْضَل مِنْ الْمَلَائِكَة , وَلَا الْقَطْع بِأَنَّ الْمَلَائِكَة خَيْر مِنْهُمْ , لِأَنَّ طَرِيق ذَلِكَ خَبَر اللَّه تَعَالَى وَخَبَر رَسُوله أَوْ إِجْمَاع الْأُمَّة , وَلَيْسَ هَاهُنَا شَيْء مِنْ ذَلِكَ خِلَافًا لِلْقَدَرِيَّةِ وَالْقَاضِي أَبِي بَكْر رَحِمَهُ اللَّه حَيْثُ قَالُوا : الْمَلَائِكَة أَفْضَل . قَالَ : وَأَمَّا مَنْ قَالَ مِنْ أَصْحَابنَا وَالشِّيعَة : إِنَّ الْأَنْبِيَاء أَفْضَل لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى أَمَرَ الْمَلَائِكَة بِالسُّجُودِ لِآدَم , فَيُقَال لَهُمْ : الْمَسْجُود لَهُ لَا يَكُون أَفْضَل مِنْ السَّاجِد , أَلَا تَرَى أَنَّ الْكَعْبَة مَسْجُود لَهَا وَالْأَنْبِيَاء وَالْخَلْق يَسْجُدُونَ نَحْوهَا , ثُمَّ إِنَّ الْأَنْبِيَاء خَيْر مِنْ الْكَعْبَة بِاتِّفَاقِ الْأُمَّة . وَلَا خِلَاف أَنَّ السُّجُود لَا يَكُون إِلَّا لِلَّهِ تَعَالَى ; لِأَنَّ السُّجُود عِبَادَة , وَالْعِبَادَة لَا تَكُون إِلَّا لِلَّهِ , فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَكَوْن السُّجُود إِلَى جِهَة لَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ الْجِهَة خَيْر مِنْ السَّاجِد الْعَابِد , وَهَذَا وَاضِح . وَسَيَأْتِي لَهُ مَزِيد بَيَان فِي الْآيَة بَعْد هَذَا .|بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ|دَلِيل عَلَى أَنَّ أَحَدًا لَا يَعْلَم مِنْ الْغَيْب إِلَّا مَا أَعْلَمَهُ اللَّه كَالْأَنْبِيَاءِ أَوْ مِنْ مَنْ أَعْلَمَهُ اللَّه تَعَالَى فَالْمُنَجِّمُونَ وَالْكُهَّان وَغَيْرهمْ كَذَبَة . وَسَيَأْتِي بَيَان هَذَا فِي | الْأَنْعَام | إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى عِنْد قَوْله تَعَالَى : | وَعِنْده مَفَاتِح الْغَيْب لَا يَعْلَمهَا إِلَّا هُوَ ||وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا|أَيْ مِنْ قَوْلهمْ : | أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِد فِيهَا | حَكَاهُ مَكِّيّ وَالْمَاوَرْدِيّ . وَقَالَ الزَّهْرَاوِيّ : مَا أَبْدَوْهُ هُوَ بِدَارهمْ بِالسُّجُودِ لِآدَم .|تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ|قَالَ اِبْن عَبَّاس وَابْن مَسْعُود وَسَعِيد بْن جُبَيْر : الْمُرَاد مَا كَتَمَهُ إِبْلِيس فِي نَفْسه مِنْ الْكِبْر وَالْمَعْصِيَة . قَالَ اِبْن عَطِيَّة : وَجَاءَ | تَكْتُمُونَ | لِلْجَمَاعَةِ , وَالْكَاتِم وَاحِد فِي هَذَا الْقَوْل عَلَى تَجَوُّز الْعَرَب وَاتِّسَاعهَا , كَمَا يُقَال لِقَوْمٍ قَدْ جَنَى سَفِيه مِنْهُمْ : أَنْتُمْ فَعَلْتُمْ كَذَا . أَيْ مِنْكُمْ فَاعِله , وَهَذَا مَعَ قَصْد تَعْنِيف , وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى : | إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَك مِنْ وَرَاء الْحُجُرَات أَكْثَرهمْ لَا يَعْقِلُونَ | [ الْحُجُرَات : 4 ] وَإِنَّمَا نَادَاهُ مِنْهُمْ عُيَيْنَة , وَقِيلَ الْأَقْرَع . وَقَالَتْ طَائِفَة : الْإِبْدَاء وَالْمَكْتُوم ذَلِكَ عَلَى مَعْنَى الْعُمُوم فِي مَعْرِفَة أَسْرَارهمْ وَظَوَاهِرهمْ أَجْمَع . وَقَالَ مَهْدِيّ بْن مَيْمُون : كُنَّا عِنْد الْحَسَن فَسَأَلَهُ الْحَسَن بْن دِينَار مَا الَّذِي كَتَمَتْ الْمَلَائِكَة ؟ قَالَ : إِنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ لَمَّا خَلَقَ آدَم رَأَتْ الْمَلَائِكَة خَلْقًا عَجَبًا , وَكَأَنَّهُمْ دَخَلَهُمْ مِنْ ذَلِكَ شَيْء , قَالَ : ثُمَّ أَقْبَلَ بَعْضهمْ عَلَى بَعْض وَأَسَرُّوا ذَلِكَ بَيْنهمْ , فَقَالُوا : وَمَا يُهِمّكُمْ مِنْ هَذَا الْمَخْلُوق إِنَّ اللَّه لَمْ يَخْلُق خَلْقًا إِلَّا كُنَّا أَكْرَم عَلَيْهِ مِنْهُ . وَ | مَا | فِي قَوْله : | مَا تُبْدُونَ | يَجُوز أَنْ يَنْتَصِب بِـ | أَعْلَم | عَلَى أَنَّهُ فِعْل , وَيَجُوز أَنْ يَكُون بِمَعْنَى عَالِم وَتُنْصَب بِهِ | مَا | فَيَكُون مِثْل حَوَاجّ بَيْت اللَّه , وَقَدْ تَقَدَّمَ .

أَيْ وَاذْكُرْ . وَأَمَّا قَوْل أَبِي عُبَيْدَة : إِنَّ | إِذْ | زَائِدَة فَلَيْسَ بِجَائِزٍ ; لِأَنَّ إِذْ ظَرْف . وَقَالَ : | قُلْنَا | وَلَمْ يَقُلْ قُلْت لِأَنَّ الْجَبَّار الْعَظِيم يُخْبِر عَنْ نَفْسه بِفِعْلِ الْجَمَاعَة تَفْخِيمًا وَإِشَادَة بِذِكْرِهِ . وَالْمَلَائِكَة جَمْع مَلَك , وَرُوِيَ عَنْ أَبِي جَعْفَر بْن الْقَعْقَاع أَنَّهُ ضَمَّ تَاء التَّأْنِيث مِنْ الْمَلَائِكَة إِتْبَاعًا لِضَمِّ الْجِيم فِي | اُسْجُدُوا | . وَنَظِيره | الْحَمْد لِلَّهِ | .|اسْجُدُوا لِآدَمَ|السُّجُود مَعْنَاهُ فِي كَلَام الْعَرَب التَّذَلُّل وَالْخُضُوع , قَالَ الشَّاعِر :
بِجَمْعٍ تَضِلّ الْبُلْق فِي حَجَرَاته .......... تَرَى الْأُكْم فِيهَا سُجَّدًا لِلْحَوَافِرِ
الْأُكْم : الْجِبَال الصِّغَار . جَعَلَهَا سُجَّدًا لِلْحَوَافِرِ لِقَهْرِ الْحَوَافِر إِيَّاهَا وَأَنَّهَا لَا تَمْتَنِع عَلَيْهَا . وَعَيْن سَاجِدَة , أَيْ فَاتِرَة عَنْ النَّظَر , وَغَايَته وَضْع الْوَجْه بِالْأَرْضِ . قَالَ اِبْن فَارِس : سَجَدَ إِذَا تَطَامَنَ , وَكُلّ مَا سَجَدَ فَقَدْ ذَلَّ . وَالْإِسْجَاد : إِدَامَة النَّظَر . قَالَ أَبُو عَمْرو : وَأَسْجَدَ إِذَا طَأْطَأَ رَأْسه , قَالَ :
فُضُول أَزِمَّتهَا أَسَجَدَتْ .......... سُجُود النَّصَارَى لِأَحْبَارِهَا
قَالَ أَبُو عُبَيْدَة : وَأَنْشَدَنِي أَعْرَابِيّ مِنْ بَنِي أَسَد :
وَقُلْنَ لَهُ أَسْجِدْ لِلَيْلَى فَأَسْجَدَا
يَعْنِي الْبَعِير إِذَا طَأْطَأَ رَأْسه . وَدَرَاهِم الْإِسْجَاد : دَرَاهِم كَانَتْ عَلَيْهَا صُوَر كَانُوا يَسْجُدُونَ لَهَا , قَالَ :
وَافَى بِهَا كَدَرَاهِم الْإِسْجَاد
اِسْتَدَلَّ مَنْ فَضَّلَ آدَم وَبَنِيهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى لِلْمَلَائِكَةِ : | اُسْجُدُوا لِآدَم | . قَالُو : وَذَلِكَ يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ أَفْضَل مِنْهُمْ . وَالْجَوَاب أَنَّ مَعْنَى | اُسْجُدُوا لِآدَم | اُسْجُدُوا لِي مُسْتَقْبِلِينَ وَجْه آدَم . وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : | أَقِمْ الصَّلَاة لِدُلُوكِ الشَّمْس | [ الْإِسْرَاء : 78 ] أَيْ عِنْد دُلُوك الشَّمْس وَكَقَوْلِهِ : | وَنَفَخْت فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ | [ ص : 72 ] أَيْ فَقَعُوا لِي عِنْد إِتْمَام خَلْقه وَمُوَاجَهَتكُمْ إِيَّاهُ سَاجِدِينَ . وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْمَسْجُود لَهُ لَا يَكُون أَفْضَل مِنْ السَّاجِد بِدَلِيلِ الْقِبْلَة . فَإِنْ قِيلَ : فَإِذَا لَمْ يَكُنْ أَفْضَل مِنْهُمْ فَمَا الْحِكْمَة فِي الْأَمْر بِالسُّجُودِ لَهُ ؟ قِيلَ لَهُ : إِنَّ الْمَلَائِكَة لَمَّا اِسْتَعْظَمُوا بِتَسْبِيحِهِمْ وَتَقْدِيسهمْ أَمَرَهُمْ بِالسُّجُودِ لِغَيْرِهِ لِيُرِيَهُمْ اِسْتِغْنَاءَهُ عَنْهُمْ وَعَنْ عِبَادَتهمْ . وَقَالَ بَعْضهمْ : عَيَّرُوا آدَم وَاسْتَصْغَرُوهُ وَلَمْ يَعْرِفُوا خَصَائِص الصُّنْع بِهِ فَأُمِرُوا بِالسُّجُودِ لَهُ تَكْرِيمًا . وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون اللَّه تَعَالَى أَمَرَهُمْ بِالسُّجُودِ لَهُ مُعَاقَبَة لَهُمْ عَلَى قَوْلهمْ : | أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِد فِيهَا | لَمَّا قَالَ لَهُمْ : | إِنِّي جَاعِل فِي الْأَرْض خَلِيفَة | [ الْبَقَرَة : 30 ] وَكَانَ عَلِمَ مِنْهُمْ أَنَّهُ إِنْ خَاطَبَهُمْ أَنَّهُمْ قَائِلُونَ هَذَا , فَقَالَ لَهُمْ : | إِنِّي خَالِق بَشَرًا مِنْ طِين | [ ص : 71 ] وَجَاعِله خَلِيفَة , فَإِذَا نَفَخْت فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ . وَالْمَعْنَى : لِيَكُونَ ذَلِكَ عُقُوبَة لَكُمْ فِي ذَلِكَ الْوَقْت عَلَى مَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ لِي الْآن . فَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ اِسْتَدَلَّ اِبْن عَبَّاس عَلَى فَضْل الْبَشَر بِأَنَّ اللَّه تَعَالَى أَقْسَمَ بِحَيَاةِ رَسُوله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : | لَعَمْرك إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتهمْ يَعْمَهُونَ | [ الْحِجْر : 72 ] . وَأَمَّنَهُ مِنْ الْعَذَاب بِقَوْلِهِ : | لِيَغْفِر لَك اللَّه مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبك وَمَا تَأَخَّرَ | [ الْفَتْح : 2 ] . وَقَالَ لِلْمَلَائِكَةِ : | وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَه مِنْ دُونه فَذَلِكَ نَجْزِيه جَهَنَّم | [ الْأَنْبِيَاء : 29 ] . قِيلَ لَهُ : إِنَّمَا لَمْ يُقْسِم بِحَيَاةِ الْمَلَائِكَة كَمَا لَمْ يُقْسِم بِحَيَاةِ نَفْسه سُبْحَانه , فَلَمْ يَقُلْ : لَعَمْرِي . وَأَقْسَمَ بِالسَّمَاءِ وَالْأَرْض , وَلَمْ يَدُلّ عَلَى أَنَّهُمَا أَرْفَع قَدْرًا مِنْ الْعَرْش وَالْجِنَان السَّبْع . وَأَقْسَمَ بِالتِّينِ وَالزَّيْتُون . وَأَمَّا قَوْله سُبْحَانه : | وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَه مِنْ دُونه | [ الْأَنْبِيَاء : 29 ] فَهُوَ نَظِير قَوْله لِنَبِيِّهِ عَلَيْهِ السَّلَام : | لَئِنْ أَشْرَكْت لَيَحْبَطَن عَمَلك وَلَتَكُونَن مِنْ الْخَاسِرِينَ | [ الزُّمَر : 65 ] فَلَيْسَ فِيهِ إِذًا دَلَالَة , وَاَللَّه أَعْلَم . وَاخْتَلَفَ النَّاس فِي كَيْفِيَّة سُجُود الْمَلَائِكَة لِآدَم بَعْد اِتِّفَاقهمْ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ سُجُود عِبَادَة , فَقَالَ الْجُمْهُور : كَانَ هَذَا أَمْرًا لِلْمَلَائِكَةِ بِوَضْعِ الْجِبَاه عَلَى الْأَرْض , كَالسُّجُودِ الْمُعْتَاد فِي الصَّلَاة ; لِأَنَّهُ الظَّاهِر مِنْ السُّجُود فِي الْعُرْف وَالشَّرْع , وَعَلَى هَذَا قِيلَ : كَانَ ذَلِكَ السُّجُود تَكْرِيمًا لِآدَم وَإِظْهَارًا لِفَضْلِهِ , وَطَاعَة لِلَّهِ تَعَالَى , وَكَانَ آدَم كَالْقِبْلَةِ لَنَا . وَمَعْنَى | لِآدَم | : إِلَى آدَم , كَمَا يُقَال صَلَّى لِلْقِبْلَةِ , أَيْ إِلَى الْقِبْلَة . وَقَالَ قَوْم : لَمْ يَكُنْ هَذَا السُّجُود الْمُعْتَاد الْيَوْم الَّذِي هُوَ وَضْع الْجَبْهَة عَلَى الْأَرْض وَلَكِنَّهُ مُبْقًى عَلَى أَصْل اللُّغَة , فَهُوَ مِنْ التَّذَلُّل وَالِانْقِيَاد , أَيْ اِخْضَعُوا لِآدَم وَأَقِرُّوا لَهُ بِالْفَضْلِ .|فَسَجَدُوا|أَيْ اِمْتَثَلُوا مَا أُمِرُوا بِهِ . وَاخْتُلِفَ أَيْضًا هَلْ كَانَ ذَلِكَ السُّجُود خَاصًّا بِآدَم عَلَيْهِ السَّلَام فَلَا يَجُوز السُّجُود لِغَيْرِهِ مِنْ جَمِيع الْعَالَم إِلَّا لِلَّهِ تَعَالَى , أَمْ كَانَ جَائِزًا بَعْده إِلَى زَمَان يَعْقُوب عَلَيْهِ السَّلَام , لِقَوْلِهِ تَعَالَى : | وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْش وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا | [ يُوسُف : 100 ] فَكَانَ آخِر مَا أُبِيحَ مِنْ السُّجُود لِلْمَخْلُوقِينَ ؟ وَاَلَّذِي عَلَيْهِ الْأَكْثَر أَنَّهُ كَانَ مُبَاحًا إِلَى عَصْر رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَأَنَّ أَصْحَابه قَالُوا لَهُ حِين سَجَدَتْ لَهُ الشَّجَرَة وَالْجَمَل : نَحْنُ أَوْلَى بِالسُّجُودِ لَك مِنْ الشَّجَرَة وَالْجَمَل الشَّارِد , فَقَالَ لَهُمْ : ( لَا يَنْبَغِي أَنْ يُسْجَد لِأَحَدٍ إِلَّا لِلَّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ ) . رَوَى اِبْن مَاجَهْ فِي سُنَنه وَالْبُسْتِيّ فِي صَحِيحه عَنْ أَبِي وَاقِد قَالَ : لَمَّا قَدِمَ مُعَاذ بْن جَبَل مِنْ الشَّام سَجَدَ لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَا هَذَا ) فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه , قَدِمْت الشَّام فَرَأَيْتهمْ يَسْجُدُونَ لِبَطَارِقَتِهِمْ وَأَسَاقِفَتهمْ , فَأَرَدْت أَنْ أَفْعَل ذَلِكَ بِك , قَالَ : ( فَلَا تَفْعَل فَإِنِّي لَوْ أَمَرْت شَيْئًا أَنْ يَسْجُد لِشَيْءٍ لَأَمَرْت الْمَرْأَة أَنْ تَسْجُد لِزَوْجِهَا لَا تُؤَدِّي الْمَرْأَة حَقّ رَبّهَا حَتَّى تُؤَدِّي حَقّ زَوْجهَا حَتَّى لَوْ سَأَلَهَا نَفْسهَا وَهِيَ عَلَى قَتَب لَمْ تَمْنَعْهُ ) . لَفْظ الْبُسْتِيّ . وَمَعْنَى الْقَتَب أَنَّ الْعَرَب يَعِزّ عِنْدهمْ وُجُود كُرْسِيّ لِلْوِلَادَةِ فَيَحْمِلُونَ نِسَاءَهُمْ عَلَى الْقَتَب عِنْد الْوِلَادَة . وَفِي بَعْض طُرُق مُعَاذ : وَنَهَى عَنْ السُّجُود لِلْبَشَرِ وَأَمَرَ بِالْمُصَافَحَةِ . قُلْت : وَهَذَا السُّجُود الْمَنْهِيّ عَنْهُ قَدْ اِتَّخَذَهُ جُهَّال الْمُتَصَوِّفَة عَادَة فِي سَمَاعهمْ وَعِنْد دُخُولهمْ عَلَى مَشَايِخهمْ وَاسْتِغْفَارهمْ , فَيُرَى الْوَاحِد مِنْهُمْ إِذَا أَخَذَهُ الْحَال بِزَعْمِهِ يَسْجُد لِلْأَقْدَامِ لِجَهْلِهِ سَوَاء أَكَانَ لِلْقِبْلَةِ أَمْ غَيْرهَا جَهَالَة مِنْهُ , ضَلَّ سَعْيهمْ وَخَابَ عَمَلهمْ .|إِلَّا إِبْلِيسَ|نَصْب عَلَى الِاسْتِثْنَاء الْمُتَّصِل ; لِأَنَّهُ كَانَ مِنْ الْمَلَائِكَة عَلَى قَوْل الْجُمْهُور : اِبْن عَبَّاس وَابْن مَسْعُود وَابْن جُرَيْج وَابْن الْمُسَيِّب وَقَتَادَة وَغَيْرهمْ , وَهُوَ اِخْتِيَار الشَّيْخ أَبِي الْحَسَن , وَرَجَّحَهُ الطَّبَرِيّ , وَهُوَ ظَاهِر الْآيَة . قَالَ اِبْن عَبَّاس : وَكَانَ اِسْمه عَزَازِيل وَكَانَ مِنْ أَشْرَاف الْمَلَائِكَة وَكَانَ مِنْ الْأَجْنِحَة الْأَرْبَعَة ثُمَّ أُبْلِسَ بَعْد . رَوَى سِمَاك بْن حَرْب عَنْ عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : كَانَ إِبْلِيس مِنْ الْمَلَائِكَة فَلَمَّا عَصَى اللَّه غَضِبَ عَلَيْهِ فَلَعَنَهُ فَصَارَ شَيْطَانًا . وَحَكَى الْمَاوَرْدِيّ عَنْ قَتَادَة : أَنَّهُ كَانَ مِنْ أَفْضَل صِنْف مِنْ الْمَلَائِكَة يُقَال لَهُمْ الْجِنَّة . وَقَالَ سَعِيد بْن جُبَيْر : إِنَّ الْجِنّ سِبْط مِنْ الْمَلَائِكَة خُلِقُوا مِنْ نَار وَإِبْلِيس مِنْهُمْ , وَخُلِقَ سَائِر الْمَلَائِكَة مِنْ نُور . وَقَالَ اِبْن زَيْد وَالْحَسَن وَقَتَادَة أَيْضًا : إِبْلِيس أَبُو الْجِنّ كَمَا أَنَّ آدَم أَبُو الْبَشَر وَلَمْ يَكُنْ مَلَكًا , وَرُوِيَ نَحْوه عَنْ اِبْن عَبَّاس وَقَالَ : اِسْمه الْحَارِث . وَقَالَ شَهْر بْن حَوْشَب وَبَعْض الْأُصُولِيِّينَ : كَانَ مِنْ الْجِنّ الَّذِينَ كَانُوا فِي الْأَرْض وَقَاتَلَتْهُمْ الْمَلَائِكَة فَسَبَوْهُ صَغِيرًا وَتَعَبَّدَ مَعَ الْمَلَائِكَة وَخُوطِبَ , وَحَكَاهُ الطَّبَرِيّ عَنْ اِبْن مَسْعُود . وَالِاسْتِثْنَاء عَلَى هَذَا مُنْقَطِع , مِثْل قَوْله تَعَالَى : | مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْم إِلَّا اِتِّبَاع الظَّنّ | [ النِّسَاء : 175 ] وَقَوْله : | إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ | [ الْمَائِدَة : 3 ] فِي أَحَد الْقَوْلَيْنِ , وَقَالَ الشَّاعِر :
لَيْسَ عَلَيْك عَطَش وَلَا جُوع .......... إِلَّا الرُّقَاد وَالرُّقَاد مَمْنُوع
وَاحْتَجَّ بَعْض أَصْحَاب هَذَا الْقَوْل بِأَنَّ اللَّه جَلَّ وَعَزَّ وَصَفَ الْمَلَائِكَة فَقَالَ : | لَا يَعْصُونَ اللَّه مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ | [ التَّحْرِيم : 6 ] , وَقَوْله تَعَالَى : | إِلَّا إِبْلِيس كَانَ مِنْ الْجِنّ | [ الْكَهْف : 50 ] وَالْجِنّ غَيْر الْمَلَائِكَة . أَجَابَ أَهْل الْمَقَالَة الْأُولَى بِأَنَّهُ لَا يَمْتَنِع أَنْ يَخْرُج إِبْلِيس مِنْ جُمْلَة الْمَلَائِكَة لِمَا سَبَقَ فِي عِلْم اللَّه بِشَقَائِهِ عَدْلًا مِنْهُ , لَا يُسْأَل عَمَّا يَفْعَل , وَلَيْسَ فِي خَلْقه مِنْ نَار وَلَا فِي تَرْكِيب الشَّهْوَة حِين غَضِبَ عَلَيْهِ مَا يَدْفَع أَنَّهُ مِنْ الْمَلَائِكَة . وَقَوْل مَنْ قَالَ : إِنَّهُ كَانَ مِنْ جِنّ الْأَرْض فَسُبِيَ , فَقَدْ رُوِيَ فِي مُقَابَلَته أَنَّ إِبْلِيس هُوَ الَّذِي قَاتَلَ الْجِنّ فِي الْأَرْض مَعَ جُنْد مِنْ الْمَلَائِكَة , حَكَاهُ الْمَهْدَوِيّ وَغَيْره . وَحَكَى الثَّعْلَبِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس : أَنَّ إِبْلِيس كَانَ مِنْ حَيّ مِنْ أَحْيَاء الْمَلَائِكَة يُقَال لَهُمْ الْجِنّ خُلِقُوا مِنْ نَار السَّمُوم , وَخُلِقَتْ الْمَلَائِكَة مِنْ نُور , وَكَانَ اِسْمه بِالسُّرْيَانِيَّةِ عَزَازِيل , وَبِالْعَرَبِيَّةِ الْحَارِث , وَكَانَ مِنْ خُزَّانِ الْجَنَّة وَكَانَ رَئِيس مَلَائِكَة السَّمَاء الدُّنْيَا وَكَانَ لَهُ سُلْطَانهَا وَسُلْطَان الْأَرْض , وَكَانَ مِنْ أَشَدّ الْمَلَائِكَة اِجْتِهَادًا وَأَكْثَرهمْ عِلْمًا , وَكَانَ يَسُوس مَا بَيْن السَّمَاء وَالْأَرْض , فَرَأَى لِنَفْسِهِ بِذَلِكَ شَرَفًا وَعَظَمَة , فَذَلِكَ الَّذِي دَعَاهُ إِلَى الْكُفْر فَعَصَى اللَّه فَمَسَخَهُ شَيْطَانًا رَجِيمًا . فَإِذَا كَانَتْ خَطِيئَة الرَّجُل فِي كِبْر فَلَا تَرْجُهُ , وَإِنْ كَانَتْ خَطِيئَته فِي مَعْصِيَة فَارْجُهُ , وَكَانَتْ خَطِيئَة آدَم عَلَيْهِ السَّلَام مَعْصِيَة , وَخَطِيئَة إِبْلِيس كِبْرًا . وَالْمَلَائِكَة قَدْ تُسَمَّى جِنًّا لِاسْتِتَارِهَا , وَفِي التَّنْزِيل : | وَجَعَلُوا بَيْنه وَبَيْن الْجِنَّة نَسَبًا | [ الصَّافَّات : 158 ] , وَقَالَ الشَّاعِر فِي ذِكْر سُلَيْمَان عَلَيْهِ السَّلَام :
وَسَخَّرَ مِنْ جِنّ الْمَلَائِك تِسْعَة .......... قِيَامًا لَدَيْهِ يَعْمَلُونَ بِلَا أَجْر
وَأَيْضًا لَمَّا كَانَ مِنْ خُزَّانِ الْجَنَّة نُسِبَ إِلَيْهَا فَاشْتُقَّ اِسْمه مِنْ اِسْمهَا , وَاَللَّه أَعْلَم . وَإِبْلِيس وَزْنه إِفْعِيل , مُشْتَقّ مِنْ الْإِبْلَاس وَهُوَ الْيَأْس مِنْ رَحْمَة اللَّه تَعَالَى . وَلَمْ يَنْصَرِف ; لِأَنَّهُ مَعْرِفَة وَلَا نَظِير لَهُ فِي الْأَسْمَاء فَشُبِّهَ بِالْأَعْجَمِيَّةِ , قَالَ أَبُو عُبَيْدَة وَغَيْره . وَقِيلَ : هُوَ أَعْجَمِيّ لَا اِشْتِقَاق لَهُ فَلَمْ يَنْصَرِف لِلْعُجْمَةِ وَالتَّعْرِيف , قَالَهُ الزَّجَّاج وَغَيْره .|أَبَى|مَعْنَاهُ اِمْتَنَعَ مِنْ فِعْل مَا أُمِرَ بِهِ , وَمِنْهُ الْحَدِيث الصَّحِيح عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِذَا قَرَأَ اِبْن آدَم السَّجْدَة فَسَجَدَ اِعْتَزَلَ الشَّيْطَان يَبْكِي يَقُول يَا وَيْله - وَفِي رَاوِيَة : يَا وَيْلِي - أُمِرَ اِبْن آدَم بِالسُّجُودِ فَسَجَدَ فَلَهُ الْجَنَّة وَأُمِرْت بِالسُّجُودِ فَأَبَيْت فَلِي النَّار ) . خَرَّجَهُ مُسْلِم . يُقَال : أَبَى يَأْبَى إِبَاء , وَهُوَ حَرْف نَادِر جَاءَ عَلَى فَعَلَ يَفْعَل لَيْسَ فِيهِ حَرْف مِنْ حُرُوف الْحَلْق , وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ الْأَلِف مُضَارِعَة لِحُرُوفِ الْحَلْق . قَالَ الزَّجَّاج : سَمِعْت إِسْمَاعِيل بْن إِسْحَاق الْقَاضِي يَقُول : الْقَوْل عِنْدِي أَنَّ الْأَلِف مُضَارِعَة لِحُرُوفِ الْحَلْق . قَالَ النَّحَّاس : وَلَا أَعْلَم أَنَّ أَبَا إِسْحَاق رَوَى عَنْ إِسْمَاعِيل نَحْوًا غَيْر هَذَا الْحَرْف .|وَاسْتَكْبَرَ|الِاسْتِكْبَار : الِاسْتِعْظَام , فَكَأَنَّهُ كَرِهَ السُّجُود فِي حَقّه وَاسْتَعْظَمَهُ فِي حَقّ آدَم , فَكَانَ تَرْك السُّجُود لِآدَم تَسْفِيهًا لِأَمْرِ اللَّه وَحِكْمَته . وَعَنْ هَذَا الْكِبْر عَبَّرَ عَلَيْهِ السَّلَام بِقَوْلِهِ : ( لَا يَدْخُل الْجَنَّة مَنْ كَانَ فِي قَلْبه مِثْقَال حَبَّة مِنْ خَرْدَل مِنْ كِبْر ) . فِي رِوَايَة فَقَالَ رَجُل : إِنَّ الرَّجُل يُحِبّ أَنْ يَكُون ثَوْبه حَسَنًا وَنَعْله حَسَنَة . قَالَ : ( إِنَّ اللَّه جَمِيل يُحِبّ الْجَمَال الْكِبْر بَطَر الْحَقّ وَغَمْط النَّاس ) . أَخْرَجَهُ مُسْلِم . وَمَعْنَى بَطَر الْحَقّ : تَسْفِيهه وَإِبْطَاله . وَغَمْط النَّاس : الِاحْتِقَار لَهُمْ وَالِازْدِرَاء بِهِمْ . وَيُرْوَى : | وَغَمَص | بِالصَّادِ الْمُهْمَلَة , وَالْمَعْنَى وَاحِد , يُقَال : غَمَصه يَغْمِصهُ غَمْصًا وَاغْتَمَصَهُ , أَيْ اِسْتَصْغَرَهُ وَلَمْ يَرَهُ شَيْئًا وَغَمَصَ فُلَان النِّعْمَة إِذَا لَمْ يَشْكُرهَا . وَغَمَصْت عَلَيْهِ قَوْلًا قَالَهُ , أَيْ عِبْته عَلَيْهِ . وَقَدْ صَرَّحَ اللَّعِين بِهَذَا الْمَعْنَى فَقَالَ : | أَنَا خَيْر مِنْهُ خَلَقْتنِي مِنْ نَار وَخَلَقْته مِنْ طِين | [ ص : 76 ] . | أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْت طِينًا | [ الْإِسْرَاء : 61 ] . | لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُد لِبَشَرٍ خَلَقْته مِنْ صَلْصَال مِنْ حَمَإٍ مَسْنُون | [ الْحِجْر : 33 ] فَكَفَّرَهُ اللَّه بِذَلِكَ . فَكُلّ مَنْ سَفَّهَ شَيْئًا مِنْ أَوَامِر اللَّه تَعَالَى أَوْ أَمْر رَسُوله عَلَيْهِ السَّلَام كَانَ حُكْمه حُكْمه , وَهَذَا مَا لَا خِلَاف فِيهِ . وَرَوَى اِبْن الْقَاسِم عَنْ مَالِك أَنَّهُ قَالَ : بَلَغَنِي أَنَّ أَوَّل مَعْصِيَة كَانَتْ الْحَسَد وَالْكِبْر , حَسَدَ إِبْلِيس آدَم , وَشَحَّ آدَم فِي أَكْله مِنْ الشَّجَرَة . وَقَالَ قَتَادَة : حَسَدَ إِبْلِيس آدَم , عَلَى مَا أَعْطَاهُ اللَّه مِنْ الْكَرَامَة فَقَالَ : أَنَا نَارِيّ وَهَذَا طِينِيّ . وَكَانَ بَدْء الذُّنُوب الْكِبْر , ثُمَّ الْحِرْص حَتَّى أَكَلَ آدَم مِنْ الشَّجَرَة , ثُمَّ الْحَسَد إِذْ حَسَدَ اِبْن آدَم أَخَاهُ .|وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ|قِيلَ : كَانَ هُنَا بِمَعْنَى صَارَ , وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى : | فَكَانَ مِنْ الْمُغْرَقِينَ | . وَقَالَ الشَّاعِر :
بِتَيْهَاء قَفْر وَالْمَطِيّ كَأَنَّهَا .......... قَطَا الْحَزْن قَدْ كَانَتْ فِرَاخًا بُيُوضهَا
أَيْ صَارَتْ . وَقَالَ اِبْن فَوْرك . | كَانَ | هُنَا بِمَعْنَى صَارَ خَطَأ تَرُدّهُ الْأُصُول . وَقَالَ جُمْهُور الْمُتَأَوِّلِينَ : الْمَعْنَى أَيْ كَانَ فِي عِلْم اللَّه تَعَالَى أَنَّهُ سَيَكْفُرُ ; لِأَنَّ الْكَافِر حَقِيقَة وَالْمُؤْمِن حَقِيقَة هُوَ الَّذِي قَدْ عَلِمَ اللَّه مِنْهُ الْمُوَافَاة . قُلْت : وَهَذَا صَحِيح , لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صَحِيح الْبُخَارِيّ : ( وَإِنَّمَا الْأَعْمَال بِالْخَوَاتِيمِ ) . وَقِيلَ : إِنَّ إِبْلِيس عَبَدَ اللَّه تَعَالَى ثَمَانِينَ أَلْف سَنَة , وَأُعْطِيَ الرِّيَاسَة وَالْخِزَانَة فِي الْجَنَّة عَلَى الِاسْتِدْرَاج , كَمَا أُعْطِيَ الْمُنَافِقُونَ شَهَادَة أَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه عَلَى أَطْرَاف أَلْسِنَتهمْ , وَكَمَا أُعْطِيَ بَلْعَام الِاسْم الْأَعْظَم عَلَى طَرَف لِسَانه , فَكَانَ فِي رِيَاسَته , وَالْكِبْر فِي نَفْسه مُتَمَكِّن . قَالَ اِبْن عَبَّاس : كَانَ يَرَى لِنَفْسِهِ أَنَّ لَهُ فَضِيلَة عَلَى الْمَلَائِكَة بِمَا عِنْده , فَلِذَلِكَ قَالَ : أَنَا خَيْر مِنْهُ , وَلِذَلِكَ قَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : | مَا مَنَعَك أَنْ تَسْجُد لِمَا خَلَقْت بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْت أَمْ كُنْت مِنْ الْعَالِينَ | [ ص : 75 ] أَيْ اِسْتَكْبَرْت وَلَا كِبْر لَك , وَلَمْ أَتَكَبَّر أَنَا حِين خَلَقْته بِيَدَيَّ وَالْكِبْر لِي فَلِذَلِكَ قَالَ : | وَكَانَ مِنْ الْكَافِرِينَ | . [ ص : 74 ] . وَكَانَ أَصْل خِلْقَتِهِ مِنْ نَار الْعِزَّة , وَلِذَلِكَ حَلَفَ بِالْعِزَّةِ فَقَالَ : | فَبِعِزَّتِك لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ | [ ص : 82 ] فَالْعِزَّة أَوْرَثَتْهُ الْكِبْر حَتَّى رَأَى الْفَضْل لَهُ عَلَى آدَم عَلَيْهِ السَّلَام . وَعَنْ أَبِي صَالِح قَالَ : خُلِقَتْ الْمَلَائِكَة مِنْ نُور الْعِزَّة وَخُلِقَ إِبْلِيس مِنْ نَار الْعِزَّة . قَالَ عُلَمَاؤُنَا - رَحْمَة اللَّه عَلَيْهِمْ - : وَمَنْ أَظْهَرَ اللَّه تَعَالَى عَلَى يَدَيْهِ مِمَّنْ لَيْسَ بِنَبِيٍّ كَرَامَات وَخَوَارِق لِلْعَادَاتِ فَلَيْسَ ذَلِكَ دَالًّا عَلَى وِلَايَته , خِلَافًا لِبَعْضِ الصُّوفِيَّة وَالرَّافِضَة حَيْثُ قَالُوا : إِنَّ ذَلِكَ يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ وَلِيّ , إِذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ وَلِيًّا مَا أَظْهَرَ اللَّه عَلَى يَدَيْهِ مَا أَظْهَرَ . وَدَلِيلنَا أَنَّ الْعِلْم بِأَنَّ الْوَاحِد مِنَّا وَلِيّ لِلَّهِ تَعَالَى لَا يَصِحّ إِلَّا بَعْد الْعِلْم بِأَنَّهُ يَمُوت مُؤْمِنًا , وَإِذَا لَمْ يُعْلَم أَنَّهُ يَمُوت مُؤْمِنًا لَمْ يُمْكِنَّا أَنْ نَقْطَع عَلَى أَنَّهُ وَلِيّ لِلَّهِ تَعَالَى , لِأَنَّ الْوَلِيّ لِلَّهِ تَعَالَى مَنْ عَلِمَ اللَّه تَعَالَى أَنَّهُ لَا يُوَافِي إِلَّا بِالْإِيمَانِ . وَلَمَّا اِتَّفَقْنَا عَلَى أَنَّنَا لَا يُمْكِننَا أَنْ نَقْطَع عَلَى أَنَّ ذَلِكَ الرَّجُل يُوَافِي بِالْإِيمَانِ , وَلَا الرَّجُل نَفْسه يَقْطَع عَلَى أَنَّهُ يُوَافِي بِالْإِيمَانِ , عُلِمَ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ يَدُلّ عَلَى وِلَايَته لِلَّهِ . قَالُوا : وَلَا نَمْنَع أَنْ يُطْلِع اللَّه بَعْض أَوْلِيَائِهِ عَلَى حُسْن عَاقِبَته وَخَاتِمَة عَمَله وَغَيْره مَعَهُ , قَالَهُ الشَّيْخ أَبُو الْحَسَن الْأَشْعَرِيّ وَغَيْره . وَذَهَبَ الطَّبَرِيّ إِلَى أَنَّ اللَّه تَعَالَى أَرَادَ بِقِصَّةِ إِبْلِيس تَقْرِيع أَشْبَاهه مِنْ بَنِي آدَم , وَهُمْ الْيَهُود الَّذِينَ كَفَرُوا بِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلَام مَعَ عِلْمهمْ بِنُبُوَّتِهِ , وَمَعَ قِدَم نِعَم اللَّه عَلَيْهِمْ وَعَلَى أَسْلَافِهِمْ . وَاخْتُلِفَ هَلْ كَانَ قَبْل إِبْلِيس كَافِر أَوْ لَا ؟ فَقِيلَ : لَا , وَإِنَّ إِبْلِيس أَوَّل مَنْ كَفَرَ . وَقِيلَ : كَانَ قَبْله قَوْم كُفَّار وَهُمْ الْجِنّ وَهُمْ الَّذِينَ كَانُوا فِي الْأَرْض . وَاخْتُلِفَ أَيْضًا هَلْ كَفَرَ إِبْلِيس جَهْلًا أَوْ عِنَادًا عَلَى قَوْلَيْنِ بَيْن أَهْل السُّنَّة , وَلَا خِلَاف أَنَّهُ كَانَ عَالِمًا بِاَللَّهِ تَعَالَى قَبْل كُفْره . فَمَنْ قَالَ إِنَّهُ كَفَرَ جَهْلًا قَالَ : إِنَّهُ سُلِبَ الْعِلْم عِنْد كُفْره . وَمَنْ قَالَ كَفَرَ عِنَادًا قَالَ : كَفَرَ وَمَعَهُ عِلْمه . قَالَ اِبْن عَطِيَّة : وَالْكُفْر عِنَادًا مَعَ بَقَاء الْعِلْم مُسْتَبْعَد , إِلَّا أَنَّهُ عِنْدِي جَائِز لَا يَسْتَحِيل مَعَ خَذْل اللَّه لِمَنْ يَشَاء .

لَا خِلَاف أَنَّ اللَّه تَعَالَى أَخْرَجَ إِبْلِيس عِنْد كُفْره وَأَبْعَدَهُ عَنْ الْجَنَّة , وَبَعْد إِخْرَاجه قَالَ لِآدَم : اُسْكُنْ , أَيْ لَازِم الْإِقَامَة وَاِتَّخِذْهَا مَسْكَنًا , وَهُوَ مَحَلّ السُّكُون . وَسَكَنَ إِلَيْهِ يَسْكُن سُكُونًا . وَالسَّكَن : النَّار , قَالَ الشَّاعِر :
قَدْ قُوِّمَتْ بِسَكَنٍ وَأَدْهَان
وَالسَّكَن : كُلّ مَا سُكِنَ إِلَيْهِ . وَالسِّكِّين مَعْرُوف سُمِّيَ بِهِ لِأَنَّهُ يُسَكِّن حَرَكَة الْمَذْبُوح , وَمِنْهُ الْمِسْكِين لِقِلَّةِ تَصَرُّفه وَحَرَكَته . وَسُكَّان السَّفِينَة عَرَبِيّ ; لِأَنَّهُ يَسْكُنهَا عَنْ الِاضْطِرَاب . | اُسْكُنْ | تَنْبِيه عَلَى الْخُرُوج ; لِأَنَّ السُّكْنَى لَا تَكُون مِلْكًا , وَلِهَذَا قَالَ بَعْض الْعَارِفِينَ : السُّكْنَى تَكُون إِلَى مُدَّة ثُمَّ تَنْقَطِع , فَدُخُولهمَا فِي الْجَنَّة كَانَ دُخُول سُكْنَى لَا دُخُول إِقَامَة . قُلْت : وَإِذَا كَانَ هَذَا فَيَكُون فِيهِ دَلَالَة عَلَى مَا يَقُولهُ الْجُمْهُور مِنْ الْعُلَمَاء : إِنَّ مَنْ أَسْكَنَ رَجُلًا مَسْكَنًا لَهُ أَنَّهُ لَا يَمْلِكهُ بِالسُّكْنَى , وَأَنَّ لَهُ أَنْ يُخْرِجهُ إِذَا اِنْقَضَتْ مُدَّة الْإِسْكَان . وَكَانَ الشَّعْبِيّ يَقُول : إِذَا قَالَ الرَّجُل دَارِي لَك سُكْنَى حَتَّى تَمُوت فَهِيَ لَهُ حَيَاته وَمَوْته , وَإِذَا قَالَ : دَارِي هَذِهِ اُسْكُنْهَا حَتَّى تَمُوت فَإِنَّهَا تَرْجِع إِلَى صَاحِبهَا إِذَا مَاتَ . وَنَحْو مِنْ السُّكْنَى الْعُمْرَى , إِلَّا أَنَّ الْخِلَاف فِي الْعُمْرَى أَقْوَى مِنْهُ فِي السُّكْنَى . وَسَيَأْتِي الْكَلَام فِي الْعُمْرَى فِي | هُود | إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى . قَالَ الْحَرْبِيّ : سَمِعْت اِبْن الْإِعْرَابِيّ يَقُول : لَمْ يَخْتَلِف الْعَرَب فِي أَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاء عَلَى مِلْك أَرْبَابهَا وَمَنَافِعهَا لِمَنْ جُعِلَتْ لَهُ الْعُمْرَى وَالرُّقْبَى وَالْإِفْقَار وَالْإِخْبَال وَالْمِنْحَة وَالْعَرِيَّة وَالسُّكْنَى وَالْإِطْرَاق . وَهَذَا حُجَّة مَالِك وَأَصْحَابه فِي أَنَّهُ لَا يُمْلَك شَيْء مِنْ الْعَطَايَا إِلَّا الْمَنَافِع دُون الرِّقَاب , وَهُوَ قَوْل اللَّيْث بْن سَعْد وَالْقَاسِم بْن مُحَمَّد , وَيَزِيد بْن قُسَيْط . وَالْعُمْرَى : هُوَ إِسْكَانك الرَّجُل فِي دَار لَك مُدَّة عُمُرك أَوْ عُمُره . وَمِثْله الرُّقْبَى : وَهُوَ أَنْ يَقُول : إِنْ مُتّ قَبْلِي رَجَعَتْ إِلَيَّ وَإِنْ مُتّ قَبْلك فَهِيَ لَك , وَهِيَ مِنْ الْمُرَاقَبَة . وَالْمُرَاقَبَة : أَنْ يَرْقُب كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا مَوْت صَاحِبه , وَلِذَلِكَ اِخْتَلَفُوا فِي إِجَازَتهَا وَمَنْعهَا , فَأَجَازَهَا أَبُو يُوسُف وَالشَّافِعِيّ , وَكَأَنَّهَا وَصِيَّة عِنْدهمْ . وَمَنَعَهَا مَالِك وَالْكُوفِيُّونَ ; لِأَنَّ كُلّ وَاحِد مِنْهُمْ يَقْصِد إِلَى عِوَض لَا يَدْرِي هَلْ يَحْصُل لَهُ , وَيَتَمَنَّى كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا مَوْت صَاحِبه . وَفِي الْبَاب حَدِيثَانِ أَيْضًا بِالْإِجَازَةِ وَالْمَنْع ذَكَرَهُمَا اِبْن مَاجَهْ فِي سُنَنه , الْأَوَّل رَوَاهُ جَابِر بْن عَبْد اللَّه قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( الْعُمْرَى جَائِزَة لِمَنْ أُعْمِرَهَا وَالرُّقْبَى جَائِزَة لِمَنْ أُرْقِبَهَا ) فَفِي هَذَا الْحَدِيث التَّسْوِيَة بَيْن الْعُمْرَى وَالرُّقْبَى فِي الْحُكْم . الثَّانِي رَوَاهُ اِبْن عُمَر قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا رُقْبَى فَمَنْ أُرْقِبَ شَيْئًا فَهُوَ لَهُ حَيَاته وَمَمَاته ) . قَالَ : وَالرُّقْبَى أَنْ يَقُول هُوَ لِلْآخَرِ : مِنِّي وَمِنْك مَوْتًا . فَقَوْله : ( لَا رُقْبَى ) نَهْي يَدُلّ عَلَى الْمَنْع , وَقَوْله : ( مَنْ أُرْقِبَ شَيْئًا فَهُوَ لَهُ ) يَدُلّ عَلَى الْجَوَاز , وَأَخْرَجَهُمَا أَيْضًا النَّسَائِيّ . وَذُكِرَ عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : الْعُمْرَى وَالرُّقْبَى سَوَاء . وَقَالَ اِبْن الْمُنْذِر : ثَبَتَ أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( الْعُمْرَى جَائِزَة لِمَنْ أُعْمِرَهَا وَالرُّقْبَى جَائِزَة لِمَنْ أُرْقِبَهَا ) . فَقَدْ صَحَّحَ الْحَدِيث اِبْن الْمُنْذِر , وَهُوَ حُجَّة لِمَنْ قَالَ بِأَنَّ الْعُمْرَى وَالرُّقْبَى سَوَاء . وَرُوِيَ عَنْ عَلِيّ وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيّ وَأَحْمَد , وَأَنَّهَا لَا تَرْجِع إِلَى الْأَوَّل أَبَدًا , وَبِهِ قَالَ إِسْحَاق . وَقَالَ طَاوُس : مَنْ أُرْقِبَ شَيْئًا فَهُوَ سَبِيل الْمِيرَاث . وَالْإِفْقَار مَأْخُوذ مِنْ فَقَار الظَّهْر . أَفْقَرْتُك نَاقَتِي : أَعَرْتُك فَقَارهَا لِتَرْكَبهَا . وَأَفْقَرَك الصَّيْد إِذَا أَمْكَنَك مِنْ فَقَاره حَتَّى تَرْمِيه . وَمِثْله الْإِخْبَال , يُقَال : أَخْبَلْت فُلَانًا إِذَا أَعَرْته نَاقَة يَرْكَبهَا أَوْ فَرَسًا يَغْزُو عَلَيْهِ , قَالَ زُهَيْر :
هُنَالِكَ إِنْ يُسْتَخْبَلُوا الْمَال يُخْبِلُوا .......... وَإِنْ يُسْأَلُوا يُعْطُوا وَإِنْ يَيْسِرُوا يَغْلُوا
وَالْمِنْحَة : الْعَطِيَّة . وَالْمِنْحَة : مِنْحَة اللَّبَن . وَالْمَنِيحَة : النَّاقَة أَوْ الشَّاة يُعْطِيهَا الرَّجُل آخَر يَحْتَلِبهَا ثُمَّ يَرُدّهَا , قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( الْعَارِيَّة مُؤَدَّاة وَالْمِنْحَة مَرْدُودَة وَالدَّيْن مَقْضِيّ وَالزَّعِيم غَارِم ) . رَوَاهُ أَبُو أُمَامَة , أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَغَيْرهمَا , وَهُوَ صَحِيح . وَالْإِطْرَاق : إِعَارَة الْفَحْل , اِسْتَطْرَقَ فُلَان فُلَانًا فَحْله : إِذَا طَلَبَهُ لِيَضْرِب فِي إِبِله , فَأَطْرَقَهُ إِيَّاهُ , وَيُقَال : أَطْرِقْنِي فَحْلك أَيْ أَعِرْنِي فَحْلك لِيَضْرِب فِي إِبِلِي . وَطَرَقَ الْفَحْل النَّاقَة يَطْرُق طُرُوقًا أَيْ قَعَا عَلَيْهَا . وَطَرُوقَة الْفَحْل : أُنْثَاهُ , يُقَال : نَاقَة طَرُوقَة الْفَحْل لِلَّتِي بَلَغَتْ أَنْ يَضْرِبهَا الْفَحْل .|اسْكُنْ أَنْتَ|| أَنْتَ | تَأْكِيد لِلْمُضْمَرِ الَّذِي فِي الْفِعْل , وَمِثْله | فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبّك | . وَلَا يَجُوز اُسْكُنْ وَزَوْجك , وَلَا اِذْهَبْ وَرَبّك , إِلَّا فِي ضَرُورَة الشِّعْر , كَمَا قَالَ :
قُلْت إِذْ أَقْبَلَتْ وَزُهْر تَهَادَى .......... كَنِعَاجِ الْمَلَا تَعَسَّفْنَ رَمْلَا
ف | زُهْر | مَعْطُوف عَلَى الْمُضْمَر فِي | أَقْبَلَتْ | وَلَمْ يُؤَكِّد ذَلِكَ الْمُضْمَر . وَيَجُوز فِي غَيْر الْقُرْآن عَلَى بُعْد : قُمْ وَزَيْد . قَوْله تَعَالَى : | وَزَوْجك | لُغَة الْقُرْآن | زَوْج | بِغَيْرِ هَاء , وَقَدْ جَاءَ فِي صَحِيح مُسْلِم : | زَوْجَة | حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن مَسْلَمَة بْن قَعْنَب قَالَ حَدَّثَنَا حَمَّاد بْن سَلَمَة عَنْ ثَابِت الْبُنَانِيّ عَنْ أَنَس أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مَعَ إِحْدَى نِسَائِهِ فَمَرَّ بِهِ رَجُل فَدَعَاهُ فَجَاءَ فَقَالَ : ( يَا فُلَان هَذِهِ زَوْجَتِي فُلَانَة ) : فَقَالَ يَا رَسُول اللَّه , مَنْ كُنْت أَظُنّ بِهِ فَلَمْ أَكُنْ أَظُنّ بِك , فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ الشَّيْطَان يَجْرِي مِنْ الْإِنْسَان مَجْرَى الدَّم ) . وَزَوْج آدَم عَلَيْهِ السَّلَام هِيَ حَوَّاء عَلَيْهَا السَّلَام , وَهُوَ أَوَّل مَنْ سَمَّاهَا بِذَلِكَ حِين خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعه مِنْ غَيْر أَنْ يُحِسّ آدَم عَلَيْهِ السَّلَام بِذَلِكَ , وَلَوْ أَلِمَ بِذَلِكَ لَمْ يَعْطِف رَجُل عَلَى اِمْرَأَته , فَلَمَّا اِنْتَبَهَ قِيلَ لَهُ : مَنْ هَذِهِ ؟ قَالَ : اِمْرَأَة قِيلَ : وَمَا اِسْمهَا ؟ قَالَ : حَوَّاء , قِيلَ : وَلِمَ سُمِّيَتْ اِمْرَأَة ؟ قَالَ : لِأَنَّهَا مِنْ الْمَرْء أُخِذَتْ , قِيلَ : وَلِمَ سُمِّيَتْ حَوَّاء ؟ قَالَ : لِأَنَّهَا خُلِقَتْ مِنْ حَيّ . رُوِيَ أَنَّ الْمَلَائِكَة سَأَلَتْهُ عَنْ ذَلِكَ لِتُجَرِّب عِلْمه , وَأَنَّهُمْ قَالُوا لَهُ : أَتُحِبُّهَا يَا آدَم ؟ قَالَ : نَعَمْ , قَالُوا لِحَوَّاء : أَتُحِبِّينَهُ يَا حَوَّاء ؟ قَالَتْ : لَا , وَفِي قَلْبهَا أَضْعَاف مَا فِي قَلْبه مِنْ حُبّه . قَالُوا : فَلَوْ صَدَقَتْ امْرَأَة فِي حُبّهَا لِزَوْجِهَا لَصَدَقَتْ حَوَّاء . وَقَالَ اِبْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس : لَمَّا أُسْكِنَ آدَم الْجَنَّة مَشَى فِيهَا مُسْتَوْحِشًا , فَلَمَّا نَامَ خُلِقَتْ حَوَّاء مِنْ ضِلَعه الْقُصْرَى مِنْ شِقّه الْأَيْسَر لِيَسْكُن إِلَيْهَا وَيَأْنَس بِهَا , فَلَمَّا اِنْتَبَهَ رَآهَا فَقَالَ : مَنْ أَنْتَ ؟ قَالَتْ : اِمْرَأَة خُلِقْت مِنْ ضِلَعك لِتَسْكُن إِلَيَّ , وَهُوَ مَعْنَى قَوْله تَعَالَى : | هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْس وَاحِدَة وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجهَا لِيَسْكُن إِلَيْهَا | [ الْأَعْرَاف : 189 ] . قَالَ الْعُلَمَاء : وَلِهَذَا كَانَتْ الْمَرْأَة عَوْجَاء , لِأَنَّهَا خُلِقَتْ مِنْ أَعْوَج وَهُوَ الضِّلَع . وَفِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ الْمَرْأَة خُلِقَتْ مِنْ ضِلْع - فِي رِوَايَة : وَإِنَّ أَعْوَج شَيْء فِي الضِّلَع أَعْلَاهُ - لَنْ تَسْتَقِيم لَك عَلَى طَرِيقَة وَاحِدَة فَإِنْ اِسْتَمْتَعْت بِهَا اِسْتَمْتَعْت بِهَا وَبِهَا عِوَج وَإِنْ ذَهَبْت تُقَيِّمهَا كَسَرْتهَا وَكَسْرهَا طَلَاقهَا ) . وَقَالَ الشَّاعِر :
هِيَ الضِّلَع الْعَوْجَاء لَيْسَتْ تُقِيمهَا .......... أَلَا إِنَّ تَقْوِيم الضُّلُوع اِنْكِسَارهَا

أَتَجْمَعُ ضَعْفًا وَاقْتِدَارًا عَلَى الْفَتَى .......... أَلَيْسَ عَجِيبًا ضَعْفهَا وَاقْتِدَارهَا
وَمِنْ هَذَا الْبَاب اِسْتَدَلَّ الْعُلَمَاء عَلَى مِيرَاث الْخُنْثَى الْمُشْكِل إِذَا تَسَاوَتْ فِيهِ عَلَامَات النِّسَاء وَالرِّجَال فِي اللِّحْيَة وَالثَّدْي وَالْمَبَال بِنَقْصِ الْأَعْضَاء . فَإِنْ نَقَصَتْ أَضْلَاعه عَنْ أَضْلَاع الْمَرْأَة أُعْطِيَ نَصِيب رَجُل - رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ - لِخَلْقِ حَوَّاء مِنْ أَحَد أَضْلَاعه , وَسَيَأْتِي فِي الْمَوَارِيث بَيَان هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى .|وَزَوْجُكَ|الْجَنَّة : الْبُسْتَان , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْل فِيهَا . وَلَا اِلْتِفَات لِمَا ذَهَبَتْ إِلَيْهِ الْمُعْتَزِلَة وَالْقَدَرِيَّة مِنْ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي جَنَّة الْخُلْد وَإِنَّمَا كَانَ فِي جَنَّة بِأَرْضِ عَدْن . وَاسْتَدَلُّوا عَلَى بِدْعَتهمْ بِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ جَنَّة الْخُلْد لَمَا وَصَلَ إِلَيْهِ إِبْلِيس , فَإِنَّ اللَّه يَقُول : | لَا لَغْو فِيهَا وَلَا تَأْثِيم | [ الطُّور : 23 ] وَقَالَ | لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا | [ النَّبَأ : 35 ] وَقَالَ : | لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا . إِلَّا قِيلَا سَلَامًا | [ الْوَاقِعَة : 25 - 26 ] . وَأَنَّهُ لَا يَخْرُج مِنْهَا أَهْلهَا لِقَوْلِهِ : | وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ | [ الْحِجْر : 48 ] . وَأَيْضًا فَإِنَّ جَنَّة الْخُلْد هِيَ دَار الْقُدْس , قُدِّسَتْ عَنْ الْخَطَايَا وَالْمَعَاصِي تَطْهِيرًا لَهَا . وَقَدْ لَغَا فِيهَا إِبْلِيس وَكَذَبَ , وَأُخْرِجَ مِنْهَا آدَم وَحَوَّاء بِمَعْصِيَتِهِمَا . قَالُوا : وَكَيْف يَجُوز عَلَى آدَم مَعَ مَكَانه مِنْ اللَّه وَكَمَال عَقْله أَنْ يَطْلُب شَجَرَة الْخُلْد وَهُوَ فِي دَار الْخُلْد وَالْمُلْك الَّذِي لَا يَبْلَى ؟ فَالْجَوَاب : أَنَّ اللَّه تَعَالَى عَرَّفَ الْجَنَّة بِالْأَلِفِ وَاللَّام , وَمَنْ قَالَ : أَسْأَل اللَّه الْجَنَّة , لَمْ يُفْهَم مِنْهُ فِي تَعَارُف الْخَلْق إِلَّا طَلَب جَنَّة الْخُلْد . وَلَا يَسْتَحِيل فِي الْعَقْل دُخُول إِبْلِيس الْجَنَّة لِتَغْرِيرِ آدَم , وَقَدْ لَقِيَ مُوسَى آدَم عَلَيْهِمَا السَّلَام فَقَالَ لَهُ مُوسَى : أَنْتَ أَشْقَيْت ذُرِّيَّتك وَأَخْرَجْتهمْ مِنْ الْجَنَّة , فَأَدْخَلَ الْأَلِف وَاللَّام لِيَدُلّ عَلَى أَنَّهَا جَنَّة الْخُلْد الْمَعْرُوفَة , فَلَمْ يُنْكِر ذَلِكَ آدَم , وَلَوْ كَانَتْ غَيْرهَا لَرَدَّ عَلَى مُوسَى , فَلَمَّا سَكَتَ آدَم عَلَى مَا قَرَّرَهُ مُوسَى صَحَّ أَنَّ الدَّار الَّتِي أَخْرَجَهُمْ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ مِنْهَا بِخِلَافِ الدَّار الَّتِي أُخْرِجُوا إِلَيْهَا . وَأَمَّا مَا اِحْتَجُّوا بِهِ مِنْ الْآي فَذَلِكَ إِنَّمَا جَعَلَهُ اللَّه فِيهَا بَعْد دُخُول أَهْلهَا فِيهَا يَوْم الْقِيَامَة , وَلَا يَمْتَنِع أَنْ تَكُون دَار الْخُلْد لِمَنْ أَرَادَ اللَّه تَخْلِيده فِيهَا وَقَدْ يَخْرُج مِنْهَا مَنْ قُضِيَ عَلَيْهِ بِالْفَنَاءِ . وَقَدْ أَجْمَع أَهْل التَّأْوِيل عَلَى أَنَّ الْمَلَائِكَة يَدْخُلُونَ الْجَنَّة عَلَى أَهْل الْجَنَّة وَيَخْرُجُونَ مِنْهَا , وَقَدْ كَانَ مَفَاتِيحهَا بِيَدِ إِبْلِيس ثُمَّ اُنْتُزِعَتْ مِنْهُ بَعْد الْمَعْصِيَة , وَقَدْ دَخَلَهَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَة الْإِسْرَاء ثُمَّ خَرَجَ مِنْهَا وَأَخْبَرَ بِمَا فِيهَا وَأَنَّهَا هِيَ جَنَّة الْخُلْد حَقًّا . وَأَمَّا قَوْلهمْ : إِنَّ الْجَنَّة دَار الْقُدْس وَقَدْ طَهَّرَهَا اللَّه تَعَالَى مِنْ الْخَطَايَا فَجَهْل مِنْهُمْ , وَذَلِكَ أَنَّ اللَّه تَعَالَى أَمَرَ بَنِي إِسْرَائِيل أَنْ يَدْخُلُوا الْأَرْض الْمُقَدَّسَة وَهِيَ الشَّام , وَأَجْمَعَ أَهْل الشَّرَائِع عَلَى أَنَّ اللَّه تَعَالَى قَدَّسَهَا وَقَدْ شُوهِدَ فِيهَا الْمَعَاصِي وَالْكُفْر وَالْكَذِب وَلَمْ يَكُنْ تَقْدِيسهَا مِمَّا يَمْنَع فِيهَا الْمَعَاصِي , وَكَذَلِكَ دَار الْقُدْس . قَالَ أَبُو الْحَسَن بْن بَطَّال : وَقَدْ حَكَى بَعْض الْمَشَايِخ أَنَّ أَهْل السُّنَّة مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ جَنَّة الْخُلْد هِيَ الَّتِي أُهْبِطَ مِنْهَا آدَم عَلَيْهِ السَّلَام , فَلَا مَعْنَى لِقَوْلِ مَنْ خَالَفَهُمْ . وَقَوْلهمْ : كَيْف يَجُوز عَلَى آدَم فِي كَمَالِ عَقْله أَنْ يَطْلُب شَجَرَة الْخُلْد وَهُوَ فِي دَار الْخُلْد , فَيُعْكَس عَلَيْهِمْ وَيُقَال : كَيْف يَجُوز عَلَى آدَم وَهُوَ فِي كَمَالِ عَقْله أَنْ يَطْلُب شَجَرَة الْخُلْد فِي دَار الْفَنَاء هَذَا مَا لَا يَجُوز عَلَى مَنْ لَهُ أَدْنَى مَسْكَة مِنْ عَقْل , فَكَيْف بِآدَم الَّذِي هُوَ أَرْجَح الْخَلْق عَقْلًا , عَلَى مَا قَالَ أَبُو أُمَامَة عَلَى مَا يَأْتِي .|الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ|قِرَاءَة الْجُمْهُور | رَغَدًا | بِفَتْحِ الْغَيْن . وَقَرَأَ النَّخَعِيّ وَابْن وَثَّاب بِسُكُونِهَا . وَالرَّغَد : الْعَيْش الدَّار الْهَنِيّ الَّذِي لَا عَنَاء فِيهِ , قَالَ امْرؤُ الْقَيْس :
بَيْنَمَا الْمَرْء تَرَاهُ نَاعِمًا .......... يَأْمَن الْأَحْدَاث فِي عَيْش رَغَد
وَيُقَال : رَغُدَ عَيْشهمْ وَرَغِدَ ( بِضَمِّ الْغَيْن وَكَسْرهَا ) . وَأَرْغَدَ الْقَوْم : أَخْصَبُوا وَصَارُوا فِي رَغَد مِنْ الْعَيْش . وَهُوَ مَنْصُوب عَلَى الصِّفَة لِمَصْدَرٍ مَحْذُوف , وَحَيْثُ وَحَيْثَ وَحَيْثِ , وَحَوْثُ وَحَوْثِ وَحَاث , كُلّهَا لُغَات , ذَكَرَهَا النَّحَّاس وَغَيْره . قَوْله تَعَالَى | وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا | حُذِفَتْ النُّون مِنْ | كُلَا | لِأَنَّهُ أَمْر , وَحُذِفَتْ الْهَمْزَة لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَال , وَحَذْفهَا شَاذّ . قَالَ سِيبَوَيْهِ : مِنْ الْعَرَب مَنْ يَقُول أُؤْكُلْ , فَيُتِمّ . يُقَال مِنْهُ : أَكَلْت الطَّعَام أَكْلًا وَمَأْكَلًا . وَالْأَكْلَة ( بِالْفَتْحِ ) : الْمَرَّة الْوَاحِدَة حَتَّى تُشْبِع . وَالْأُكْلَة ( بِالضَّمِّ ) : اللُّقْمَة , تَقُول : أَكَلْت أَكْلَة وَاحِدَة , أَيْ لُقْمَة , وَهِيَ الْقُرْصَة أَيْضًا . وَهَذَا الشَّيْء أُكْلَة لَك , أَيْ طُعْمَة لَك . وَالْأَكْل أَيْضًا مَا أُكِلَ . وَيُقَال : فُلَان ذُو أُكُل إِذَا كَانَ ذَا حَظّ مِنْ الدُّنْيَا وَرِزْق وَاسِع . | رَغَدًا | نَعْت لِمَصْدَرٍ مَحْذُوف , أَيْ أَكْلًا رَغَدًا . قَالَ اِبْن كَيْسَان : وَيَجُوز أَنْ يَكُون مَصْدَرًا فِي مَوْضِع الْحَال . وَقَالَ مُجَاهِد : | رَغَدًا | أَيْ لَا حِسَاب عَلَيْهِمْ . وَالرَّغَد فِي اللُّغَة . الْكَثِير الَّذِي لَا يَعْنِيك , وَيُقَال : أَرْغَدَ الْقَوْم , إِذَا وَقَعُوا فِي خِصْب وَسَعَة . وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْمَعْنَى . | حَيْثُ | مَبْنِيَّة عَلَى الضَّمّ ; لِأَنَّهَا خَالَفَتْ أَخَوَاتهَا الظُّرُوف فِي أَنَّهَا لَا تُضَاف , فَأَشْبَهَتْ قَبْل وَبَعْد إِذَا أُفْرِدَتَا فَضُمَّتْ . قَالَ الْكِسَائِيّ : لُغَة قَيْس وَكِنَانَة الضَّمّ , وَلُغَة تَمِيم الْفَتْح . قَالَ الْكِسَائِيّ : وَبَنُو أَسَد يَخْفِضُونَهَا فِي مَوْضِع الْخَفْض , وَيَنْصِبُونَهَا فِي مَوْضِع النَّصْب , قَالَ اللَّه تَعَالَى : | سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ | [ الْأَعْرَاف : 182 ] وَتُضَمّ وَتُفْتَح .|شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ|الْهَاء مِنْ | هَذِهِ | بَدَل مِنْ يَاء الْأَصْل ; لِأَنَّ الْأَصْل هَذِي . قَالَ النَّحَّاس : وَلَا أَعْلَم فِي الْعَرَبِيَّة هَاء تَأْنِيث مَكْسُورًا مَا قَبْلهَا إِلَّا هَاء | هَذِهِ | وَمِنْ الْعَرَب مَنْ يَقُول : هَاتَا هِنْد , وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُول : هَاتِي هِنْد . وَحَكَى سِيبَوَيْهِ : هَذِهْ هِنْد , بِإِسْكَانِ الْهَاء . وَحَكَى الْكِسَائِيّ عَنْ الْعَرَب : وَلَا تَقْرَبَا هَذِي الشَّجَرَة . وَعَنْ شِبْل اِبْن عَبَّاد قَالَ : كَانَ اِبْن كَثِير وَابْن مُحَيْصِن لَا يُثْبِتَانِ الْهَاء فِي | هَذِهِ | فِي جَمِيع الْقُرْآن . وَقِرَاءَة الْجَمَاعَة | رَغَدًا | بِفَتْحِ الْغَيْن . وَرُوِيَ عَنْ اِبْن وَثَّاب وَالنَّخَعِيّ أَنَّهُمَا سَكَّنَا الْغَيْن . وَحَكَى سَلَمَة عَنْ الْفَرَّاء قَالَ يُقَال : هَذِهِ فَعَلْت وَهَذِي فَعَلْت , بِإِثْبَاتِ يَاء بَعْد الذَّال . وَهَذِ فَعَلْت , بِكَسْرِ الذَّال مِنْ غَيْر إِلْحَاق يَاء وَلَا هَاء . وَهَاتَا فَعَلْت . قَالَ هِشَام وَيُقَال : تَا فَعَلْت . وَأَنْشَدَ :
خَلِيلَيَّ لَوْلَا سَاكِن الدَّار لَمْ أَقُمْ .......... بِتَا الدَّار إِلَّا عَابِر اِبْن سَبِيل
قَالَ اِبْن الْأَنْبَارِيّ : وَتَا بِإِسْقَاطِ هَا بِمَنْزِلَةِ ذِي بِإِسْقَاطِ هَا مِنْ هَذِي , وَبِمَنْزِلَةِ ذِهِ بِإِسْقَاطِ هَا مِنْ هَذِهِ . وَقَدْ قَالَ الْفَرَّاء : مَنْ قَالَ هَذِ قَامَتْ لَا يَسْقُط هَا ; لِأَنَّ الِاسْم لَا يَكُون عَلَى ذَال وَاحِدَة . قَوْله تَعَالَى : | وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَة | أَيْ لَا تَقْرَبَاهَا بِأَكْلٍ ; لِأَنَّ الْإِبَاحَة فِيهِ وَقَعَتْ . قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : سَمِعْت الشَّاشِيّ فِي مَجْلِس النَّضْر [ بْن شُمَيْل ] يَقُول : إِذَا قِيلَ لَا تَقْرَب ( بِفَتْحِ الرَّاء ) كَانَ مَعْنَاهُ لَا تَلَبَّسْ بِالْفِعْلِ , وَإِذَا كَانَ ( بِضَمِّ الرَّاء ) فَإِنَّ مَعْنَاهُ لَا تَدْنُ مِنْهُ . وَفِي الصِّحَاح : قَرُبَ الشَّيْء يَقْرَب قُرْبًا أَيْ دَنَا . وَقَرِبْته ( بِالْكَسْرِ ) أَقْرَبه قُرْبَانًا أَيْ دَنَوْت مِنْهُ . وَقَرَبْت أَقْرَب قِرَابَة - مِثْل كَتَبْت أَكْتُب كِتَابَة - إِذَا سِرْت إِلَى الْمَاء وَبَيْنك وَبَيْنه لَيْلَة , وَالِاسْم الْقَرَب . قَالَ الْأَصْمَعِيّ : قُلْت لِأَعْرَابِيٍّ : مَا الْقَرَب ؟ فَقَالَ : سَيْر اللَّيْل لِوَرْدِ الْغَد . وَقَالَ اِبْن عَطِيَّة : قَالَ بَعْض الْحُذَّاق : إِنَّ اللَّه تَعَالَى لَمَّا أَرَادَ النَّهْي عَنْ أَكْل الشَّجَرَة نَهَى عَنْهُ بِلَفْظٍ يَقْتَضِي الْأَكْل وَمَا يَدْعُو إِلَيْهِ الْعَرَب وَهُوَ الْقُرْب . قَالَ اِبْن عَطِيَّة : وَهَذَا مِثَال بَيِّن فِي سَدّ الذَّرَائِع . وَقَالَ بَعْض أَرْبَاب الْمَعَانِي قَوْله : | وَلَا تَقْرَبَا | إِشْعَار بِالْوُقُوعِ فِي الْخَطِيئَة وَالْخُرُوج مِنْ الْجَنَّة , وَأَنَّ سُكْنَاهُ فِيهَا لَا يَدُوم , لِأَنَّ الْمُخَلَّد لَا يَحْظُر عَلَيْهِ شَيْء وَلَا يُؤْمَر وَلَا يُنْهَى . وَالدَّلِيل عَلَى هَذَا قَوْله تَعَالَى | إِنِّي جَاعِل فِي الْأَرْض خَلِيفَة | [ الْبَقَرَة : 30 ] فَدَلَّ عَلَى خُرُوجه مِنْهَا . قَوْله تَعَالَى : | هَذِهِ الشَّجَرَة | الِاسْم الْمُبْهَم يُنْعَت بِمَا فِيهِ الْأَلِف وَاللَّام لَا غَيْر , كَقَوْلِك : مَرَرْت بِهَذَا الرَّجُل وَبِهَذِهِ الْمَرْأَة وَهَذِهِ الشَّجَرَة . وَقَرَأَ اِبْن مُحَيْصِن : | هَذِي الشَّجَرَة | بِالْيَاءِ وَهُوَ الْأَصْل , لِأَنَّ الْهَاء فِي هَذِهِ بَدَل مِنْ يَاء وَلِذَلِكَ اِنْكَسَرَ مَا قَبْلهَا , وَلَيْسَ فِي الْكَلَام هَاء تَأْنِيث قَبْلهَا كَسْرَة سِوَاهَا , وَذَلِكَ لِأَنَّ أَصْلهَا الْيَاء . وَالشَّجَرَة وَالشِّجَرَة وَالشَّيَرَة , ثَلَاث لُغَات وَقُرِئَ | الشِّجَرَة | بِكَسْرِ الشِّين . وَالشَّجَرَة وَالشِّجَرَة : مَا كَانَ عَلَى سَاقَ مِنْ نَبَات الْأَرْض . وَأَرْض شَجِيرَة وَشَجْرَاء أَيْ كَثِيرَة الْأَشْجَار , وَوَادٍ شَجِير , وَلَا يُقَال : وَادٍ أَشْجَر . وَوَاحِد الشَّجْرَاء شَجَرَة , وَلَمْ يَأْتِ مِنْ الْجَمْع عَلَى هَذَا الْمِثَال إِلَّا أَحْرُف يَسِيرَة : شَجَرَة وَشَجْرَاء , وَقَصَبَة وَقَصْبَاء , وَطَرْفَة وَطَرْفَاء , وَحَلْفَة وَحَلْفَاء . وَكَانَ الْأَصْمَعِيّ يَقُول فِي وَاحِد الْحَلْفَاء : حَلِفَة , بِكَسْرِ اللَّام مُخَالَفَة لِأَخَوَاتِهَا . وَقَالَ سِيبَوَيْهِ : الشَّجْرَاء وَاحِد وَجَمْع , وَكَذَلِكَ الْقَصْبَاء وَالطَّرْفَاء وَالْحَلْفَاء . وَالْمَشْجَرَة : مَوْضِع الْأَشْجَار . وَأَرْض مَشْجَرَة , وَهَذِهِ الْأَرْض أَشْجَر مِنْ هَذِهِ أَيْ أَكْثَر شَجَرًا , قَالَهُ الْجَوْهَرِيّ . وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي تَعْيِين هَذِهِ الشَّجَرَة الَّتِي نُهِيَ عَنْهَا فَأَكَلَ مِنْهَا , فَقَالَ اِبْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس وَسَعِيد بْن جُبَيْر وَجَعْدَة بْن هُبَيْرَة : هِيَ الْكَرْم , وَلِذَلِكَ حُرِّمَتْ عَلَيْنَا الْخَمْر . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس أَيْضًا وَأَبُو مَالِك وَقَتَادَة : هِيَ السُّنْبُلَة , وَالْحَبَّة مِنْهَا كَكُلَى الْبَقَر , أَحْلَى مِنْ الْعَسَل وَأَلْيَن مِنْ الزُّبْد , قَالَهُ وَهْب بْن مُنَبِّه . وَلَمَّا تَابَ اللَّه عَلَى آدَم جَعَلَهَا غِذَاء لِبَنِيهِ . وَقَالَ اِبْن جُرَيْج عَنْ بَعْض الصَّحَابَة : هِيَ شَجَرَة التِّين , وَكَذَا رَوَى سَعِيد عَنْ قَتَادَة , وَلِذَلِكَ تُعَبِّر فِي الرُّؤْيَا بِالنَّدَامَةِ لِآكِلِهَا مِنْ أَجْل نَدَم آدَم عَلَيْهِ السَّلَام عَلَى أَكْلهَا , ذَكَرَهُ السُّهَيْلِيّ . قَالَ اِبْن عَطِيَّة : وَلَيْسَ فِي شَيْء مِنْ هَذَا التَّعْيِين مَا يُعَضِّدهُ خَبَر , وَإِنَّمَا الصَّوَاب أَنْ يُعْتَقَد أَنَّ اللَّه تَعَالَى نَهَى آدَم عَنْ شَجَرَة فَخَالَفَ هُوَ إِلَيْهَا وَعَصَى فِي الْأَكْل مِنْهَا . وَقَالَ الْقُشَيْرِيّ أَبُو نَصْر : وَكَانَ الْإِمَام وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّه يَقُول : يُعْلَم عَلَى الْجُمْلَة أَنَّهَا كَانَتْ شَجَرَة الْمِحْنَة . وَاخْتَلَفُوا كَيْف أَكَلَ مِنْهَا مَعَ الْوَعِيد الْمُقْتَرِن بِالْقُرْبِ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى : | فَتَكُونَا مِنْ الظَّالِمِينَ | , فَقَالَ قَوْم أَكَلَا مِنْ غَيْر الَّتِي أُشِيرَ إِلَيْهَا فَلَمْ يَتَأَوَّلَا النَّهْي وَاقِعًا عَلَى جَمِيع جِنْسهَا , كَأَنَّ إِبْلِيس غَرَّهُ بِالْأَخْذِ بِالظَّاهِرِ . قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : وَهِيَ أَوَّل مَعْصِيَة عُصِيَ اللَّه بِهَا عَلَى هَذَا الْقَوْل . قَالَ : | وَفِيهِ دَلِيل عَلَى أَنَّ مَنْ حَلَفَ أَلَّا يَأْكُل مِنْ هَذَا الْخُبْز فَأَكَلَ مِنْ جِنْسه حَنِثَ . وَتَحْقِيق الْمَذَاهِب فِيهِ أَنَّ أَكْثَر الْعُلَمَاء قَالُوا : لَا حِنْث فِيهِ . وَقَالَ مَالِك وَأَصْحَابه : إِنْ اِقْتَضَى بِسَاط الْيَمِين تَعْيِين الْمُشَار إِلَيْهِ لَمْ يَحْنَث بِأَكْلِ جِنْسه , وَإِنْ اِقْتَضَى بِسَاط الْيَمِين أَوْ سَبَبهَا أَوْ نِيَّتهَا الْجِنْس حُمِلَ عَلَيْهِ وَحَنِثَ بِأَكْلِ غَيْره , وَعَلَيْهِ حُمِلَتْ قِصَّة آدَم عَلَيْهِ السَّلَام فَإِنَّهُ نُهِيَ عَنْ شَجَرَة عُيِّنَتْ لَهُ وَأُرِيدَ بِهَا جِنْسهَا , فَحُمِلَ الْقَوْل عَلَى اللَّفْظ دُون الْمَعْنَى . وَقَدْ اِخْتَلَفَ عُلَمَاؤُنَا فِي فَرْع مِنْ هَذَا , وَهُوَ أَنَّهُ إِذَا حَلَفَ أَلَّا يَأْكُل هَذِهِ الْحِنْطَة فَأَكَلَ خُبْزًا مِنْهَا عَلَى قَوْلَيْنِ , قَالَ فِي الْكِتَاب : يَحْنَث ; لِأَنَّهَا هَكَذَا تُؤْكَل . وَقَالَ اِبْن الْمَوَّاز : لَا شَيْء عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَأْكُل حِنْطَة وَإِنَّمَا أَكَلَ خُبْزًا فَرَاعَى الِاسْم وَالصِّفَة . وَلَوْ قَالَ فِي يَمِينه : لَا آكُل مِنْ هَذِهِ الْحِنْطَة لَحَنِثَ بِأَكْلِ الْخُبْز الْمَعْمُول مِنْهَا وَفِيمَا اِشْتَرَى بِثَمَنِهَا مِنْ طَعَام وَفِيمَا أَنْبَتَتْ خِلَاف . وَقَالَ آخَرُونَ : تَأَوَّلَا النَّهْي عَلَى النَّدْب . قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : وَهَذَا وَإِنْ كَانَ مَسْأَلَة مِنْ أُصُول الْفِقْه فَقَدْ سَقَطَ ذَلِكَ هَاهُنَا , لِقَوْلِهِ : | فَتَكُونَا مِنْ الظَّالِمِينَ | [ الْبَقَرَة : 35 ] فَقَرَنَ النَّهْي بِالْوَعِيدِ , وَكَذَلِكَ قَوْله سُبْحَانه : | فَلَا يُخْرِجَنكُمَا مِنْ الْجَنَّة فَتَشْقَى | [ طَه : 117 ] . وَقَالَ اِبْن الْمُسَيِّب : إِنَّمَا أَكَلَ آدَم بَعْد أَنْ سَقَتْهُ حَوَّاء الْخَمْر فَسَكِرَ وَكَانَ فِي غَيْر عَقْله . وَكَذَلِكَ قَالَ يَزِيد بْن قُسَيْط , وَكَانَا يَحْلِفَانِ بِاَللَّهِ أَنَّهُ مَا أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَة وَهُوَ يَعْقِل . قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : وَهَذَا فَاسِد نَقْلًا وَعَقْلًا , أَمَّا النَّقْل فَلَمْ يَصِحّ بِحَالٍ , وَقَدْ وَصَفَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ خَمْر الْجَنَّة فَقَالَ : | لَا فِيهَا غَوْل | . وَأَمَّا الْعَقْل فَلِأَنَّ الْأَنْبِيَاء بَعْد النُّبُوَّة مَعْصُومُونَ عَمَّا يُؤَدِّي إِلَى الْإِخْلَال بِالْفَرَائِضِ وَاقْتِحَام الْجَرَائِم . قُلْت : قَدْ اِسْتَنْبَطَ بَعْض الْعُلَمَاء نُبُوَّة آدَم عَلَيْهِ السَّلَام قَبْل إِسْكَانه الْجَنَّة مِنْ قَوْله تَعَالَى : | فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ | [ الْبَقَرَة : 33 ] فَأَمَرَهُ اللَّه تَعَالَى أَنْ يُنْبِئ الْمَلَائِكَة بِمَا لَيْسَ عِنْدهمْ مِنْ عِلْم اللَّه جَلَّ وَعَزَّ . وَقِيلَ : أَكَلَهَا نَاسِيًا , وَمِنْ الْمُمْكِن أَنَّهُمَا نَسِيَا الْوَعِيد . قُلْت : وَهُوَ الصَّحِيح لِإِخْبَارِ اللَّه تَعَالَى فِي كِتَابه بِذَلِكَ حَتْمًا وَجَزْمًا فَقَالَ : | وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَم مِنْ قَبْل فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِد لَهُ عَزْمًا | [ طَه : 115 ] . وَلَكِنْ لَمَّا كَانَ الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِمْ السَّلَام يَلْزَمهُمْ مِنْ التَّحَفُّظ وَالتَّيَقُّظ لِكَثْرَةِ مَعَارِفهمْ وَعُلُوّ مَنَازِلهمْ مَا لَا يَلْزَم غَيْرهمْ كَانَ تَشَاغُله عَنْ تَذَكُّر النَّهْي تَضْيِيعًا صَارَ بِهِ عَاصِيًا , أَيْ مُخَالِفًا . قَالَ أَبُو أُمَامَة : لَوْ أَنَّ أَحْلَام بَنِي آدَم مُنْذُ خَلَقَ اللَّه الْخَلْق إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وُضِعَتْ فِي كِفَّة مِيزَان وَوُضِعَ حِلْم آدَم فِي كِفَّة أُخْرَى لَرَجَحَهُمْ , وَقَدْ قَالَ اللَّه تَعَالَى : | وَلَمْ نَجِد لَهُ عَزْمًا | . قُلْت : قَوْل أَبِي أُمَامَة هَذَا عُمُوم فِي جَمِيع بَنِي آدَم . وَقَدْ يُحْتَمَل أَنْ يُخَصّ مِنْ ذَلِكَ نَبِيّنَا مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَإِنَّهُ كَانَ أَوْفَر النَّاس حِلْمًا وَعَقْلًا . وَقَدْ يُحْتَمَل أَنْ يَكُون الْمَعْنَى لَوْ أَنَّ أَحْلَام بَنِي آدَم مِنْ غَيْر الْأَنْبِيَاء . وَاَللَّه أَعْلَم . قُلْت : وَالْقَوْل الْأَوَّل أَيْضًا حَسَن , فَظَنَّا أَنَّ الْمُرَاد الْعَيْن وَكَانَ الْمُرَاد الْجِنْس , كَقَوْلِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِين أَخَذَ ذَهَبًا وَحَرِيرًا فَقَالَ : ( هَذَانِ حَرَامَانِ عَلَى ذُكُور أُمَّتِي ) . وَقَالَ فِي خَبَر آخَر : ( هَذَانِ مُهْلِكَانِ أُمَّتِي ) . وَإِنَّمَا أَرَادَ الْجِنْس لَا الْعَيْن . يُقَال : إِنَّ أَوَّل مَنْ أَكَلَ مِنْ الشَّجَرَة حَوَّاء بِإِغْوَاءِ إِبْلِيس إِيَّاهَا - عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانه - وَإِنَّ أَوَّل كَلَامه كَانَ مَعَهَا لِأَنَّهَا وَسْوَاس الْمِخَدَّة , وَهِيَ أَوَّل فِتْنَة دَخَلَتْ عَلَى الرِّجَال مِنْ النِّسَاء , فَقَالَ : مَا مُنِعْتُمَا هَذِهِ الشَّجَرَة إِلَّا أَنَّهَا شَجَرَة الْخُلْد , لِأَنَّهُ عَلِمَ مِنْهُمَا أَنَّهُمَا كَانَا يُحِبَّانِ الْخُلْد , فَأَتَاهُمَا مِنْ حَيْثُ أَحَبَّا - | حُبّك الشَّيْء يُعْمِي وَيُصِمّ | - فَلَمَّا قَالَتْ حَوَّاء لِآدَم أَنْكَرَ عَلَيْهَا وَذَكَرَ الْعَهْد , فَأَلَحَّ عَلَى حَوَّاء وَأَلَحَّتْ حَوَّاء عَلَى آدَم , إِلَى أَنْ قَالَتْ : أَنَا آكُل قَبْلك حَتَّى إِنْ أَصَابَنِي شَيْء سَلِمْت أَنْتَ , فَأَكَلَتْ فَلَمْ يَضُرّهَا , فَأَتَتْ آدَم فَقَالَتْ : كُلّ فَإِنِّي قَدْ أَكَلْت فَلَمْ يَضُرّنِي , فَأَكَلَ فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتهمَا وَحَصَلَا فِي حُكْم الذَّنْب , لِقَوْلِ اللَّه تَعَالَى : | وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَة | فَجَمَعَهُمَا فِي النَّهْي , فَلِذَلِكَ لَمْ تَنْزِل بِهَا الْعُقُوبَة حَتَّى وُجِدَ الْمَنْهِيّ عَنْهُ مِنْهُمَا جَمِيعًا , وَخَفِيَتْ عَلَى آدَم هَذِهِ الْمَسْأَلَة , وَلِهَذَا قَالَ بَعْض الْعُلَمَاء : إِنَّ مَنْ قَالَ لِزَوْجَتَيْهِ أَوْ أَمَتَيْهِ : إِنْ دَخَلْتُمَا الدَّار فَأَنْتُمَا طَالِقَتَانِ أَوْ حُرَّتَانِ , إِنَّ الطَّلَاق وَالْعِتْق لَا يَقَع بِدُخُولِ إِحْدَاهُمَا . وَقَدْ اِخْتَلَفَ عُلَمَاؤُنَا فِي ذَلِكَ عَلَى ثَلَاثَة أَقْوَال , قَالَ اِبْن الْقَاسِم : لَا تَطْلُقَانِ وَلَا تَعْتِقَانِ إِلَّا بِاجْتِمَاعِهِمَا فِي الدُّخُول , حَمْلًا عَلَى هَذَا الْأَصْل وَأَخْذًا بِمُقْتَضَى مُطْلَق اللَّفْظ . وَقَالَهُ سَحْنُون . وَقَالَ اِبْن الْقَاسِم مَرَّة أُخْرَى : تَطْلُقَانِ جَمِيعًا وَتَعْتِقَانِ جَمِيعًا بِوُجُودِ الدُّخُول مِنْ إِحْدَاهُمَا ; لِأَنَّ بَعْض الْحِنْث حِنْث , كَمَا لَوْ حَلَفَ أَلَّا يَأْكُل هَذَيْنِ الرَّغِيفَيْنِ فَإِنَّهُ يَحْنَث بِأَكْلِ أَحَدهمَا بَلْ بِأَكْلِ لُقْمَة مِنْهُمَا . وَقَالَ أَشْهَب : تَعْتِق وَتَطْلُق الَّتِي دَخَلَتْ وَحْدهَا ; لِأَنَّ دُخُول كُلّ وَاحِدَة مِنْهُمَا شَرْط فِي طَلَاقهَا أَوْ عِتْقهَا . قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : وَهَذَا بَعِيد ; لِأَنَّ بَعْض الشَّرْط لَا يَكُون شَرْطًا إِجْمَاعًا . قُلْت : الصَّحِيح الْأَوَّل , وَإِنَّ النَّهْي إِذَا كَانَ مُعَلَّقًا عَلَى فِعْلَيْنِ لَا تَتَحَقَّق الْمُخَالَفَة إِلَّا بِهِمَا ; لِأَنَّك إِذَا قُلْت : لَا تَدْخُلَا الدَّار , فَدَخَلَ أَحَدهمَا مَا وَجَدْت الْمُخَالَفَة مِنْهُمَا ; لِأَنَّ قَوْل اللَّه تَعَالَى | وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَة | [ الْبَقَرَة : 35 ] نَهْي لَهُمَا | فَتَكُونَا مِنْ الظَّالِمِينَ | [ الْبَقَرَة : 35 ] جَوَابه , فَلَا يَكُونَا مِنْ الظَّالِمِينَ حَتَّى يَفْعَلَا , فَلَمَّا أَكَلَتْ لَمْ يُصِبْهَا شَيْء ; لِأَنَّ الْمَنْهِيّ عَنْهُ مَا وُجِدَ كَامِلًا . وَخَفِيَ هَذَا الْمَعْنَى عَلَى آدَم فَطَمِعَ وَنَسِيَ هَذَا الْحُكْم , وَهُوَ مَعْنَى قَوْله تَعَالَى : | وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَم مِنْ قَبْل فَنَسِيَ | [ طَه : 115 ] وَقِيلَ : نَسِيَ قَوْله : | إِنَّ هَذَا عَدُوّ لَك وَلِزَوْجِك فَلَا يُخْرِجَنكُمَا مِنْ الْجَنَّة فَتَشْقَى | [ طَه : 117 ] . وَاَللَّه أَعْلَم . وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي هَذَا الْبَاب هَلْ وَقَعَ مِنْ الْأَنْبِيَاء - صَلَوَات اللَّه عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ - صَغَائِر مِنْ الذُّنُوب يُؤَاخَذُونَ بِهَا وَيُعَاتَبُونَ عَلَيْهَا أَمْ لَا - بَعْد اِتِّفَاقهمْ عَلَى أَنَّهُمْ مَعْصُومُونَ مِنْ الْكَبَائِر وَمِنْ كُلّ رَذِيلَة فِيهَا شَيْن وَنَقْص إِجْمَاعًا عِنْد الْقَاضِي أَبِي بَكْر , وَعِنْد الْأُسْتَاذ أَبِي إِسْحَاق أَنَّ ذَلِكَ مُقْتَضَى دَلِيل الْمُعْجِزَة , وَعِنْد الْمُعْتَزِلَة أَنَّ ذَلِكَ مُقْتَضَى دَلِيل الْعَقْل عَلَى أُصُولهمْ - , فَقَالَ الطَّبَرِيّ وَغَيْره مِنْ الْفُقَهَاء وَالْمُتَكَلِّمِينَ وَالْمُحَدِّثِينَ : تَقَع الصَّغَائِر مِنْهُمْ . خِلَافًا لِلرَّافِضَةِ حَيْثُ قَالُوا : إِنَّهُمْ مَعْصُومُونَ مِنْ جَمِيع ذَلِكَ , وَاحْتَجُّوا بِمَا وَقَعَ مِنْ ذَلِكَ فِي التَّنْزِيل وَثَبَتَ مِنْ تَنَصُّلهمْ مِنْ ذَلِكَ فِي الْحَدِيث , وَهَذَا ظَاهِر لَا خَفَاء فِيهِ . وَقَالَ جُمْهُور مِنْ الْفُقَهَاء مِنْ أَصْحَاب مَالِك وَأَبِي حَنِيفَة وَالشَّافِعِيّ : إِنَّهُمْ مَعْصُومُونَ مِنْ الصَّغَائِر كُلّهَا كَعِصْمَتِهِمْ مِنْ الْكَبَائِر أَجْمَعهَا , لِأَنَّا أُمِرْنَا بِاتِّبَاعِهِمْ فِي أَفْعَالهمْ وَآثَارهمْ وَسِيَرهمْ أَمْرًا مُطْلَقًا مِنْ غَيْر اِلْتِزَام قَرِينَة , فَلَوْ جَوَّزْنَا عَلَيْهِمْ الصَّغَائِر لَمْ يُمْكِن الِاقْتِدَاء بِهِمْ , إِذْ لَيْسَ كُلّ فِعْل مِنْ أَفْعَالهمْ يَتَمَيَّز مَقْصِده مِنْ الْقُرْبَة وَالْإِبَاحَة أَوْ الْحَظْر أَوْ الْمَعْصِيَة , وَلَا يَصِحّ أَنْ يُؤْمَر الْمَرْء بِامْتِثَالِ أَمْر لَعَلَّهُ مَعْصِيَة , لَا سِيَّمَا عَلَى مَنْ يَرَى تَقْدِيم الْفِعْل عَلَى الْقَوْل إِذَا تَعَارَضَا مِنْ الْأُصُولِيِّينَ . قَالَ الْأُسْتَاذ أَبُو إِسْحَاق الْإِسْفِرَايِنِيّ : وَاخْتَلَفُوا فِي الصَّغَائِر , وَاَلَّذِي عَلَيْهِ الْأَكْثَر أَنَّ ذَلِكَ غَيْر جَائِز عَلَيْهِمْ , وَصَارَ بَعْضهمْ إِلَى تَجْوِيزهَا , وَلَا أَصْل لِهَذِهِ الْمَقَالَة . وَقَالَ بَعْض الْمُتَأَخِّرِينَ مِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى الْقَوْل الْأَوَّل : الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُقَال إِنَّ اللَّه تَعَالَى قَدْ أَخْبَرَ بِوُقُوعِ ذُنُوب مِنْ بَعْضهمْ وَنَسَبَهَا إِلَيْهِمْ