islamkingdomfaceBook islamkingdomtwitter islamkingdominstagram islamkingdomyoutube


كَيْفَ هُنَا لِلتَّعَجُّبِ , كَمَا تَقُول : كَيْفَ يَسْبِقنِي فُلَان أَيْ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَسْبِقنِي . و | عَهْد | اِسْم يَكُون . وَفِي الْآيَة إِضْمَار , أَيْ كَيْفَ يَكُون لِلْمُشْرِكِينَ عَهْد مَعَ إِضْمَار الْغَدْر , كَمَا قَالَ :
وَخَبَّرْتُمَانِي إِنَّمَا الْمَوْت بِالْقُرَى .......... فَكَيْفَ وَهَاتَا هَضْبَة وَكَثِيب
التَّقْدِير : فَكَيْفَ مَاتَ , عَنْ الزَّجَّاج . وَقِيلَ : الْمَعْنَى كَيْفَ يَكُون لِلْمُشْرِكِينَ عَهْد عِنْد اللَّه يَأْمَنُونَ بِهِ عَذَابه غَدًا , وَكَيْفَ يَكُون لَهُمْ عِنْد رَسُوله عَهْد يَأْمَنُونَ بِهِ عَذَاب الدُّنْيَا . ثُمَّ اِسْتَثْنَى فَقَالَ : | إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْد الْمَسْجِد الْحَرَام | . قَالَ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق : هُمْ بَنُو بَكْر , أَيْ لَيْسَ الْعَهْد إِلَّا لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ لَمْ يَنْقُضُوا وَلَمْ يَنْكُثُوا .|فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ|أَيْ فَمَا أَقَامُوا عَلَى الْوَفَاء بِعَهْدِكُمْ فَأَقِيمُوا لَهُمْ عَلَى مِثْل ذَلِكَ . اِبْن زَيْد : فَلَمْ يَسْتَقِيمُوا فَضَرَبَ لَهُمْ أَجَلًا أَرْبَعَة أَشْهُر فَأَمَّا مَنْ لَا عَهْد لَهُ فَقَاتِلُوهُ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُ إِلَّا أَنْ يَتُوب .

أَعَادَ التَّعَجُّب مِنْ أَنْ يَكُون لَهُمْ عَهْد مَعَ خُبْث أَعْمَالهمْ , أَيْ كَيْفَ يَكُون لَهُمْ عَهْد وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّة . يُقَال : ظَهَرْت عَلَى فُلَان أَيْ غَلَبْته , وَظَهَرْت الْبَيْت عَلَوْته , وَمِنْهُ | فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ | [ الْكَهْف : 97 ] أَيْ يَعْلُوا عَلَيْهِ .|لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ|| يَرْقُبُوا | يُحَافِظُوا . وَالرَّقِيب الْحَافِظ . وَقَدْ تَقَدَّمَ .|إِلًّا|عَهْدًا , عَنْ مُجَاهِد وَابْن زَيْد . وَعَنْ مُجَاهِد أَيْضًا : هُوَ اِسْم مِنْ أَسْمَاء اللَّه عَزَّ وَجَلَّ . اِبْن عَبَّاس وَالضَّحَّاك : قَرَابَة . الْحَسَن : جِوَارًا . قَتَادَة : حِلْفًا , و | ذِمَّة | عَهْدًا . أَبُو عُبَيْدَة : يَمِينًا . وَعَنْهُ أَيْضًا : إِلَّا الْعَهْد , وَالذِّمَّة التَّذَمُّم . الْأَزْهَرِيّ : اِسْم اللَّه بِالْعِبْرَانِيَّةِ , وَأَصْله مِنْ الْأَلِيل وَهُوَ الْبَرِيق , يُقَال أَلَّ لَوْنه يَؤُلّ أَلًّا , أَيْ صَفَا وَلَمَعَ . وَقِيلَ : أَصْله مِنْ الْحِدَّة , وَمِنْهُ الْأَلَّة لِلْحَرْبَةِ , وَمِنْهُ أُذُن مُؤَلَّلَة أَيْ مُحَدَّدَة . وَمِنْهُ قَوْل طَرَفَة بْن الْعَبْد يَصِف أُذُنَيْ نَاقَته بِالْحِدَّةِ وَالِانْتِصَاب .
مُؤَلَّلَتَانِ تَعْرِف الْعِتْق فِيهِمَا .......... كَسَامِعَتَيْ شَاة بِحَوْمَل مُفْرَد
فَإِذَا قِيلَ لِلْعَهْدِ وَالْجِوَار وَالْقَرَابَة | إِلّ | فَمَعْنَاهُ أَنَّ الْأُذُن تُصْرَف إِلَى تِلْكَ الْجِهَة , أَيْ تُحَدَّد لَهَا . وَالْعَهْد يُسَمَّى | إِلًّا | لِصَفَائِهِ وَظُهُوره . وَيُجْمَع فِي الْقِلَّة آلَالَ . وَفِي الْكَثْرَة إِلَال . وَقَالَ الْجَوْهَرِيّ وَغَيْره : الْإِلّ بِالْكَسْرِ هُوَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ , وَالْإِلّ أَيْضًا الْعَهْد وَالْقَرَابَة . قَالَ حَسَّان :
لَعَمْرك إِنَّ إِلَّك مِنْ قُرَيْش .......... كَإِلِّ السَّقْب مِنْ رَأَل النَّعَام
|وَلَا ذِمَّةً|أَيْ عَهْدًا . وَهِيَ كُلّ حُرْمَة يَلْزَمك إِذَا ضَيَّعْتهَا ذَنْب . قَالَ اِبْن عَبَّاس وَالضَّحَّاك وَابْن زَيْد : الذِّمَّة الْعَهْد . وَمَنْ جَعَلَ الْإِلّ الْعَهْد فَالتَّكْرِير لِاخْتِلَافِ اللَّفْظَيْنِ . وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة مَعْمَر : الذِّمَّة التَّذَمُّم . وَقَالَ أَبُو عُبَيْد : الذِّمَّة الْأَمَان فِي قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام : ( وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ ) . وَجَمْع ذِمَّة ذِمَم . وَبِئْر ذَمَّة - بِفَتْحِ الذَّال - قَلِيلَة الْمَاء , وَجَمْعهَا ذِمَام . قَالَ ذُو الرِّمَّة :
عَلَى حِمْيَرِيَّات كَأَنَّ عُيُونهَا .......... ذِمَام الرَّكَايَا أَنْكَزَتْهَا الْمَوَاتِح
أَنْكَزَتْهَا أَذْهَبَتْ مَاءَهَا . وَأَهْل الذِّمَّة أَهْل الْعَقْد .|يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ|أَيْ يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا يُرْضِي ظَاهِره .|وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ|أَيْ نَاقِضُونَ الْعَهْد . وَكُلّ كَافِر فَاسِق , وَلَكِنَّهُ أَرَادَ هَاهُنَا الْمُجَاهِرِينَ بِالْقَبَائِحِ وَنَقْض الْعَهْد .

يَعْنِي الْمُشْرِكِينَ فِي نَقْضِهِمْ الْعُهُود بِأَكْلَةٍ أَطْعَمَهُمْ إِيَّاهَا أَبُو سُفْيَان , قَالَهُ مُجَاهِد . وَقِيلَ : إِنَّهُمْ اِسْتَبْدَلُوا بِالْقُرْآنِ مَتَاع الدُّنْيَا .|فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ|أَيْ أَعْرَضُوا , مِنْ الصُّدُود أَوْ مَنَعُوا عَنْ سَبِيل اللَّه , مِنْ الصَّدّ .

قَالَ النَّحَّاس : لَيْسَ هَذَا تَكْرِيرًا , وَلَكِنَّ الْأَوَّل لِجَمِيعِ الْمُشْرِكِينَ وَالثَّانِي لِلْيَهُودِ خَاصَّة . وَالدَّلِيل عَلَى هَذَا | اِشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّه ثَمَنًا قَلِيلًا | يَعْنِي الْيَهُود , بَاعُوا حُجَج اللَّه عَزَّ وَجَلَّ وَبَيَانه بِطَلَبِ الرِّيَاسَة وَطَمَع فِي شَيْء .|وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ|أَيْ الْمُجَاوِزُونَ الْحَلَال إِلَى الْحَرَام بِنَقْضِ الْعَهْد .

أَيْ عَنْ الشِّرْك وَالْتَزَمُوا أَحْكَام الْإِسْلَام .|فَإِخْوَانُكُمْ|أَيْ فَهُمْ إِخْوَانكُمْ|فِي الدِّينِ|قَالَ اِبْن عَبَّاس : حَرَّمَتْ هَذِهِ دِمَاءَ أَهْل الْقِبْلَة . وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْمَعْنَى . وَقَالَ اِبْن زَيْد : اِفْتَرَضَ اللَّه الصَّلَاة وَالزَّكَاة وَأَبَى أَنْ يُفَرِّق بَيْنهمَا وَأَبَى أَنْ يَقْبَل الصَّلَاة إِلَّا بِالزَّكَاةِ . وَقَالَ اِبْن مَسْعُود : أُمِرْتُمْ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاة فَمَنْ لَمْ يُزَكِّ فَلَا صَلَاة لَهُ . وَفِي حَدِيث أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( مَنْ فَرَّقَ بَيْن ثَلَاث فَرَّقَ اللَّه بَيْنه وَبَيْن رَحْمَته يَوْم الْقِيَامَة مَنْ قَالَ أُطِيع اللَّه وَلَا أُطِيع الرَّسُول وَاَللَّه تَعَالَى يَقُول | أَطِيعُوا اللَّه وَأَطِيعُوا الرَّسُول | [ النِّسَاء : 59 ] وَمَنْ قَالَ أُقِيم الصَّلَاة وَلَا أُوتِي الزَّكَاة وَاَللَّه تَعَالَى يَقُول : | وَأَقِيمُوا الصَّلَاة وَآتُوا الزَّكَاة | [ الْبَقَرَة : 43 ] وَمَنْ فَرَّقَ بَيْن شُكْر اللَّه وَشُكْر وَالِدَيْهِ وَاَللَّه عَزَّ وَجَلَّ يَقُول : | أَنْ اُشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْك | [ لُقْمَان : 14 ] ) .|وَنُفَصِّلُ الْآيَاتِ|أَيْ نُبَيِّنهَا .|لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ|خَصَّهُمْ لِأَنَّهُمْ هُمْ الْمُنْتَفِعُونَ بِهَا . وَاَللَّه أَعْلَم .

النَّكْث النَّقْض , وَأَصْله فِي كُلّ مَا فُتِلَ ثُمَّ حُلَّ . فَهِيَ فِي الْأَيْمَان وَالْعُهُود مُسْتَعَارَة . قَالَ :
وَإِنْ حَلَفْت لَا يَنْقُض النَّأْي عَهْدهَا .......... فَلَيْسَ لِمَخْضُوبِ الْبَنَان يَمِينُ
أَيْ عَهْد .|وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ|أَيْ بِالِاسْتِنْقَاض وَالْحَرْب وَغَيْر ذَلِكَ مِمَّا يَفْعَلهُ الْمُشْرِك . يُقَال : طَعَنَهُ بِالرُّمْحِ وَطَعَنَ بِالْقَوْلِ السَّيِّئ فِيهِ يَطْعُن , بِضَمِّ الْعَيْن فِيهِمَا . وَقِيلَ : يَطْعُن بِالرُّمْحِ - بِالضَّمِّ - وَيَطْعَن بِالْقَوْلِ - بِالْفَتْحِ - . وَهِيَ هُنَا اِسْتِعَارَة , وَمِنْهُ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِين أَمَّرَ أُسَامَة : ( إِنْ تَطْعَنُوا فِي إِمَارَته فَقَدْ طَعَنْتُمْ فِي إِمَارَة أَبِيهِ مِنْ قَبْل وَأَيْم اللَّه إِنْ كَانَ لَخَلِيقًا لِلْإِمَارَةِ ) . خَرَّجَهُ الصَّحِيح .

اِسْتَدَلَّ بَعْض الْعُلَمَاء بِهَذِهِ الْآيَة عَلَى وُجُوب قَتْل كُلّ مَنْ طَعَنَ فِي الدِّين , إِذْ هُوَ كَافِر . وَالطَّعْن أَنْ يَنْسُب إِلَيْهِ مَا لَا يَلِيق بِهِ , أَوْ يَعْتَرِض بِالِاسْتِخْفَافِ عَلَى مَا هُوَ مِنْ الدِّين , لِمَا ثَبَتَ مِنْ الدَّلِيل الْقَطْعِيّ عَلَى صِحَّة أُصُوله وَاسْتِقَامَة فُرُوعه . وَقَالَ اِبْن الْمُنْذِر : أَجْمَع عَامَّة أَهْل الْعِلْم عَلَى أَنَّ مَنْ سَبَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ الْقَتْل . وَمِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ مَالِك وَاللَّيْث وَأَحْمَد وَإِسْحَاق , وَهُوَ مَذْهَب الشَّافِعِيّ . وَقَدْ حُكِيَ عَنْ النُّعْمَان أَنَّهُ قَالَ : لَا يُقْتَل مَنْ سَبَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَهْل الذِّمَّة , عَلَى مَا يَأْتِي . وَرُوِيَ أَنَّ رَجُلًا قَالَ فِي مَجْلِس عَلِيّ : مَا قُتِلَ كَعْب بْن الْأَشْرَف إِلَّا غَدْرًا , فَأَمَرَ عَلِيّ بِضَرْبِ عُنُقه . وَقَالَهُ آخَر فِي مَجْلِس مُعَاوِيَة فَقَامَ مُحَمَّد بْن مَسْلَمَة فَقَالَ : أَيُقَالُ هَذَا فِي مَجْلِسك وَتَسْكُت ! وَاَللَّه لَا أُسَاكِنك تَحْت سَقْف أَبَدًا , وَلَئِنْ خَلَوْت بِهِ لَأَقْتُلَنَّهُ . قَالَ عُلَمَاؤُنَا : هَذَا يُقْتَل وَلَا يُسْتَتَاب إِنْ نَسَبَ الْغَدْر لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَهُوَ الَّذِي فَهِمَهُ عَلِيّ وَمُحَمَّد بْن مَسْلَمَة رِضْوَان اللَّه عَلَيْهِمَا مِنْ قَائِل ذَلِكَ , لِأَنَّ ذَلِكَ زَنْدَقَة . فَأَمَّا إِنْ نَسَبَهُ لِلْمُبَاشِرِينَ لِقَتْلِهِ بِحَيْثُ يَقُول : إِنَّهُمْ أَمَّنُوهُ ثُمَّ غَدَرُوهُ لَكَانَتْ هَذِهِ النِّسْبَة كَذِبًا مَحْضًا , فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي كَلَامهمْ مَعَهُ مَا يَدُلّ عَلَى أَنَّهُمْ أَمَّنُوهُ وَلَا صَرَّحُوا لَهُ بِذَلِكَ , وَلَوْ فَعَلُوا ذَلِكَ لَمَا كَانَ أَمَانًا , لِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا وَجَّهَهُمْ لِقَتْلِهِ لَا لِتَأْمِينِهِ , وَأَذِنَ لِمُحَمَّدِ بْن مَسْلَمَة فِي أَنْ يَقُول . وَعَلَى هَذَا فَيَكُون فِي قَتْل مَنْ نَسَبَ ذَلِكَ لَهُمْ نَظَر وَتَرَدُّد . وَسَبَبه هَلْ يَلْزَم مِنْ نِسْبَة الْغَدْر لَهُمْ نِسْبَته لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , لِأَنَّهُ قَدْ صَوَّبَ فِعْلهمْ وَرَضِيَ بِهِ فَيَلْزَم مِنْهُ أَنَّهُ قَدْ رَضِيَ بِالْغَدْرِ وَمَنْ صَرَّحَ بِذَلِكَ قُتِلَ , أَوْ لَا يَلْزَم مِنْ نِسْبَة الْغَدْر لَهُمْ نِسْبَته لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَا يُقْتَل . وَإِذَا قُلْنَا لَا يُقْتَل , فَلَا بُدّ مِنْ تَنْكِيل ذَلِكَ الْقَائِل وَعُقُوبَته بِالسَّجْنِ , وَالضَّرْب الشَّدِيد وَالْإِهَانَة الْعَظِيمَة .

فَأَمَّا الذِّمِّيّ إِذَا طَعَنَ فِي الدِّين اِنْتَقَضَ عَهْده فِي الْمَشْهُور مِنْ مَذْهَب مَالِك , لِقَوْلِهِ : | وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانهمْ | الْآيَة . فَأَمَرَ بِقَتْلِهِمْ وَقِتَالهمْ . وَهُوَ مَذْهَب الشَّافِعِيّ رَحِمَهُ اللَّه . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة فِي هَذَا : إِنَّهُ يُسْتَتَاب , وَإِنَّ مُجَرَّد الطَّعْن لَا يُنْقَض بِهِ الْعَهْد إِلَّا مَعَ وُجُود النَّكْث , لِأَنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ إِنَّمَا أَمَرَ بِقَتْلِهِمْ بِشَرْطَيْنِ : أَحَدهمَا نَقْضهمْ الْعَهْد , وَالثَّانِي طَعْنهمْ فِي الدِّين .

قُلْنَا : إِنْ عَمِلُوا بِمَا يُخَالِف الْعَهْد اِنْتَقَضَ عَهْدهمْ , وَذِكْر الْأَمْرَيْنِ لَا يَقْتَضِي تَوَقُّف قِتَاله عَلَى وُجُودهمَا , فَإِنَّ النَّكْث يُبِيح لَهُمْ ذَلِكَ بِانْفِرَادِهِ عَقْلًا وَشَرْعًا . وَتَقْدِير الْآيَة عِنْدنَا : فَإِنْ نَكَثُوا عَهْدهمْ حَلَّ قِتَالهمْ , وَإِنْ لَمْ يَنْكُثُوا بَلْ طَعَنُوا فِي الدِّين مَعَ الْوَفَاء بِالْعَهْدِ حَلَّ قِتَالهمْ . وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ عُمَر رُفِعَ إِلَيْهِ ذِمِّيّ نَخَسَ دَابَّة عَلَيْهَا اِمْرَأَة مُسْلِمَة فَرَمَحَتْ فَأَسْقَطَتْهَا فَانْكَشَفَتْ بَعْض عَوْرَتهَا , فَأَمَرَ بِصَلْبِهِ فِي الْمَوْضِع .

إِذَا حَارَبَ الذِّمِّيّ نُقِضَ عَهْده وَكَانَ مَاله وَوَلَده فَيْئًا مَعَهُ . وَقَالَ مُحَمَّد بْن مَسْلَمَة : لَا يُؤَاخَذ وَلَده بِهِ , لِأَنَّهُ نَقَضَ وَحْده . وَقَالَ : أَمَّا مَاله فَيُؤْخَذ . وَهَذَا تَعَارُض لَا يُشْبِه مَنْصِب مُحَمَّد بْن مَسْلَمَة , لِأَنَّ عَهْده هُوَ الَّذِي حَمَى مَاله وَوَلَده , فَإِذَا ذَهَبَ عَنْهُ مَاله ذَهَبَ عَنْهُ وَلَده . وَقَالَ أَشْهَب : إِذَا نَقَضَ الذِّمِّيّ الْعَهْد فَهُوَ عَلَى عَهْده وَلَا يَعُود فِي الرِّقّ أَبَدًا . وَهَذَا مِنْ الْعَجَب , وَكَأَنَّهُ رَأَى الْعَهْد مَعْنًى مَحْسُوسًا . وَإِنَّمَا الْعَهْد حُكْم اِقْتَضَاهُ النَّظَر , وَالْتَزَمَهُ الْمُسْلِمُونَ لَهُ , فَإِذَا نَقَضَهُ اِنْتَقَضَ كَسَائِرِ الْعُقُود .

أَكْثَر الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّ مَنْ سَبَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَهْل الذِّمَّة أَوْ عَرَّضَ أَوْ اِسْتَخَفَّ بِقَدْرِهِ أَوْ وَصَفَهُ بِغَيْرِ الْوَجْه الَّذِي كَفَرَ بِهِ فَإِنَّهُ يُقْتَل , فَإِنَّا لَمْ نُعْطِهِ الذِّمَّة أَوْ الْعَهْد عَلَى هَذَا . إِلَّا أَبَا حَنِيفَة وَالثَّوْرِيّ وَأَتْبَاعهمَا مِنْ أَهْل الْكُوفَة فَإِنَّهُمْ قَالُوا : لَا يُقْتَل , مَا هُوَ عَلَيْهِ مِنْ الشِّرْك أَعْظَم , وَلَكِنْ يُؤَدَّب وَيُعَزَّر . وَالْحُجَّة عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى : | وَإِنْ نَكَثُوا | الْآيَة . وَاسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بَعْضهمْ بِأَمْرِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَتْلِ كَعْب بْن الْأَشْرَف وَكَانَ مُعَاهِدًا . وَتَغَيَّظَ أَبُو بَكْر عَلَى رَجُل مِنْ أَصْحَابه فَقَالَ أَبُو بَرْزَة : أَلَا أَضْرِب عُنُقه ! فَقَالَ : مَا كَانَتْ لِأَحَدٍ بَعْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس : أَنَّ رَجُلًا أَعْمَى كَانَتْ لَهُ أُمّ وَلَد , لَهُ مِنْهَا اِبْنَانِ مِثْل اللُّؤْلُؤَتَيْنِ , فَكَانَتْ تَشْتُم النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَقَع فِيهِ , فَيَنْهَاهَا فَلَمْ تَنْتَهِ , وَيَزْجُرهَا فَلَمْ تَنْزَجِر , فَلَمَّا كَانَ ذَات لَيْلَة ذَكَرَتْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَا صَبَرَ سَيِّدهَا أَنْ قَامَ إِلَى مِعْوَل فَوَضَعَهُ فِي بَطْنهَا , ثُمَّ اِتَّكَأَ عَلَيْهَا حَتَّى أَنْفَذَهُ . فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَلَا اِشْهَدُوا إِنَّ دَمهَا هَدَر ) . وَفِي رِوَايَة عَنْ اِبْن عَبَّاس : فَقَتَلَهَا , فَلَمَّا أَصْبَحَ قِيلَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَامَ الْأَعْمَى فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه , أَنَا صَاحِبهَا , كَانَتْ تَشْتُمك وَتَقَع فِيك فَأَنْهَاهَا فَلَا تَنْتَهِي , وَأَزْجُرهَا فَلَا تَنْزَجِر , وَلِي مِنْهَا اِبْنَانِ مِثْل اللُّؤْلُؤَتَيْنِ , وَكَانَتْ بِي رَفِيقَة فَلَمَّا كَانَ الْبَارِحَة جَعَلَتْ تَشْتُمك وَتَقَع فِيك فَقَتَلْتهَا , فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَلَا اِشْهَدُوا إِنَّ دَمهَا هَدَر ) .

وَاخْتَلَفُوا إِذَا سَبَّهُ ثُمَّ أَسْلَمَ تَقِيَّة مِنْ الْقَتْل , فَقِيلَ يُسْقِطُ إِسْلَامُهُ قَتْلَهُ , وَهُوَ الْمَشْهُور مِنْ الْمَذْهَب , لِأَنَّ الْإِسْلَام يَجُبّ مَا قَبْله . بِخِلَافِ الْمُسْلِم إِذَا سَبَّهُ ثُمَّ تَابَ قَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : | قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَر لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ | [ الْأَنْفَال : 38 ] . وَقِيلَ : لَا يُسْقِطُ الْإِسْلَامُ قَتْلَهُ , قَالَهُ فِي الْعُتْبِيَّة لِأَنَّهُ حَقّ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَبَ لِانْتِهَاكِهِ حُرْمَته وَقَصْده إِلْحَاق النَّقِيصَة وَالْمَعَرَّة بِهِ , فَلَمْ يَكُنْ رُجُوعه إِلَى الْإِسْلَام بِاَلَّذِي يُسْقِطهُ , وَلَا يَكُون أَحْسَن حَالًا مِنْ الْمُسْلِم .|فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ|| أَئِمَّة | جَمْع إِمَام , وَالْمُرَاد صَنَادِيد قُرَيْش - فِي قَوْل بَعْض الْعُلَمَاء - كَأَبِي جَهْل وَعُتْبَة وَشَيْبَة وَأُمَيَّة بْن خَلَف . وَهَذَا بَعِيد , فَإِنَّ الْآيَة فِي سُورَة | بَرَاءَة | وَحِين نَزَلَتْ وَقُرِئَتْ عَلَى النَّاس كَانَ اللَّه قَدْ اِسْتَأْصَلَ شَأْفَة قُرَيْش فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا مُسْلِم أَوْ مُسَالِم , فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد | فَقَاتِلُوا أَئِمَّة الْكُفْر | . أَيْ مَنْ أَقْدَم عَلَى نَكْث الْعَهْد وَالطَّعْن فِي الدِّين يَكُون أَصْلًا وَرَأْسًا فِي الْكُفْر , فَهُوَ مِنْ أَئِمَّة الْكُفْر عَلَى هَذَا . وَيَحْتَمِل أَنْ يُعْنَى بِهِ الْمُتَقَدِّمُونَ وَالرُّؤَسَاء مِنْهُمْ , وَأَنَّ قِتَالهمْ قِتَال لِأَتْبَاعِهِمْ وَأَنَّهُمْ لَا حُرْمَة لَهُمْ . وَالْأَصْل أَأْمِمَة كَمِثَالٍ وَأَمْثِلَة , ثُمَّ أُدْغِمَتْ الْمِيم فِي الْمِيم وَقُلِبَتْ الْحَرَكَة عَلَى الْهَمْزَة فَاجْتَمَعَتْ هَمْزَتَانِ , فَأُبْدِلَتْ مِنْ الثَّانِيَة يَاء . وَزَعَمَ الْأَخْفَش أَنَّك تَقُول : هَذَا أَيَمّ مِنْ هَذَا , بِالْيَاءِ . وَقَالَ الْمَازِنِيّ : أَوَمّ مِنْ هَذَا , بِالْوَاوِ . وَقَرَأَ حَمْزَة | أَئِمَّة | . وَأَكْثَر النَّحْوِيِّينَ يَذْهَب إِلَى أَنَّ هَذَا لَحْن , لِأَنَّهُ جَمَعَ بَيْن هَمْزَتَيْنِ فِي كَلِمَة وَاحِدَة .|إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ|أَيْ لَا عُهُود لَهُمْ , أَيْ لَيْسَتْ عُهُودهمْ صَادِقَة يُوفُونَ بِهَا . وَقَرَأَ اِبْن عَامِر | لَا إِيمَان لَهُمْ | بِكَسْرِ الْهَمْزَة مِنْ الْإِيمَان , أَيْ لَا إِسْلَام لَهُمْ . وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون مَصْدَر آمَنْته إِيمَانًا , مِنْ الْأَمْن الَّذِي ضِدّه الْخَوْف , أَيْ لَا يُؤْمِنُونَ , مِنْ أَمَّنْته إِيمَانًا أَيْ أَجَرْته , فَلِهَذَا قَالَ : | فَقَاتِلُوا أَئِمَّة الْكُفْر | . | لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ | أَيْ عَنْ الشِّرْك . قَالَ الْكَلْبِيّ : كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَادَعَ أَهْل مَكَّة سَنَة وَهُوَ بِالْحُدَيْبِيَةِ فَحَبَسُوهُ عَنْ الْبَيْت , ثُمَّ صَالَحُوهُ عَلَى أَنْ يَرْجِع فَمَكَثُوا مَا شَاءَ اللَّه , ثُمَّ قَاتَلَ حُلَفَاء رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ خُزَاعَة حُلَفَاء بَنِي أُمَيَّة مِنْ كِنَانَة , فَأَمَدَّتْ بَنُو أُمَيَّة حُلَفَاءَهُمْ بِالسِّلَاحِ وَالطَّعَام , فَاسْتَعَانَتْ خُزَاعَة بِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة وَأُمِرَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُعِين حُلَفَاءَهُ كَمَا سَبَقَ . وَفِي الْبُخَارِيّ عَنْ زَيْد بْن وَهْب قَالَ : كُنَّا عِنْد حُذَيْفَة فَقَالَ مَا بَقِيَ مِنْ أَصْحَاب هَذِهِ الْآيَة - يَعْنِي | فَقَاتِلُوا أَئِمَّة الْكُفْر إِنَّهُمْ لَا أَيْمَان لَهُمْ | - إِلَّا ثَلَاثَة , وَلَا بَقِيَ مِنْ الْمُنَافِقِينَ إِلَّا أَرْبَعَة . فَقَالَ أَعْرَابِيّ : إِنَّكُمْ أَصْحَاب مُحَمَّد تُخْبِرُونَ أَخْبَارًا لَا نَدْرِي مَا هِيَ ! تَزْعُمُونَ أَلَّا مُنَافِق إِلَّا أَرْبَعَة , فَمَا بَال هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَبْقُرُونَ بُيُوتنَا وَيَسْرِقُونَ أَعَلَاقنَا قَالَ : أُولَئِكَ الْفُسَّاق أَجَل لَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ إِلَّا أَرْبَعَة , أَحَدهمْ شَيْخ كَبِير لَوْ شَرِبَ الْمَاء الْبَارِد لَمَا وَجَدَ بَرْده .|لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ|أَيْ عَنْ كُفْرهمْ وَبَاطِلهمْ وَأَذِيَّتهمْ لِلْمُسْلِمِينَ . وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنْ يَكُون الْغَرَض مِنْ قِتَالهمْ دَفْع ضَرَرهمْ لِيَنْتَهُوا عَنْ مُقَاتَلَتنَا وَيَدْخُلُوا فِي دِيننَا .

تَوْبِيخ وَفِيهِ مَعْنَى التَّحْضِيض نَزَلَتْ فِي كُفَّار مَكَّة كَمَا ذَكَرْنَا آنِفًا .|وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ|أَيْ كَانَ مِنْهُمْ سَبَب الْخُرُوج , فَأُضِيفَ الْإِخْرَاج إِلَيْهِمْ . وَقِيلَ : أَخْرَجُوا الرَّسُول عَلَيْهِ السَّلَام مِنْ الْمَدِينَة لِقِتَالِ أَهْل مَكَّة لِلنَّكْثِ الَّذِي كَانَ مِنْهُمْ : عَنْ الْحَسَن .|وَهُمْ بَدَءُوكُمْ|بِالْقِتَالِ .|أَوَّلَ مَرَّةٍ|أَيْ نَقَضُوا الْعَهْد وَأَعَانُوا بَنِي بَكْر عَلَى خُزَاعَة . وَقِيلَ : بَدَءُوكُمْ بِالْقِتَالِ يَوْم بَدْر ; لِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ لِلْعِيرِ وَلَمَّا أَحْرَزُوا عِيرهمْ كَانَ يُمْكِنهُمْ الِانْصِرَاف , فَأَبَوْا إِلَّا الْوُصُول إِلَى بَدْر وَشُرْب الْخَمْر بِهَا ; كَمَا تَقَدَّمَ .|أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ|أَيْ تَخَافُوا عِقَابه فِي تَرْك قِتَالهمْ مِنْ أَنْ تَخَافُوا أَنْ يَنَالكُمْ فِي قِتَالهمْ مَكْرُوه . وَقِيلَ : إِخْرَاجهمْ الرَّسُول مَنْعهمْ إِيَّاهُ مِنْ الْحَجّ وَالْعُمْرَة وَالطَّوَاف , وَهُوَ اِبْتِدَاؤُهُمْ . وَاَللَّه أَعْلَم .