islamkingdomfaceBook islamkingdomtwitter islamkingdominstagram islamkingdomyoutube islamkingdomnew

المنتخب في تفسير القرآن الكريم
6304

8-الأنفال

يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ

أُخرج النبى من مكة مهاجرًا بسبب مكر المشركين وتدبيرهم أمر قتله، وليكون للمسلمين دولة، واستقر بالمدينة حيث النصرة، وكان لابد من الجهاد لدفع الاعتداء، لكيلا يُفْتَنَ أهل الإيمان، فكانت غزوة بدر الكبرى، وكان فيها النصر المبين والغنائم، وكان وراء الغنائم بعض الاختلاف والتساؤل فى توزيعها.<BR>يسألونك عن الغنائم: ما مآلها؟ ولمن تكون؟ وكيف تقسم؟ فقل لهم - أيها النبى -: إنها لله والرسول ابتداء، والرسول بأمر ربه يتولى تقسيمها، فاتركوا الاختلاف بشأنها، واجعلوا خوف الله وطاعته شعاركم، وأصْلحوا ما بينكم، فاجعلوا الصِّلاتِ بينكم محبة وعدلا، فإن هذه صفة أهل الإيمان.

إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ

إن المؤمنين حقًا وصدقًا يستشعرون دائمًا خوف الله وطاعته، فإذا ذُكر سبحانه فزعت قلوبهم، وامتلأت هيبة، ولذا كلما قرئت عليهم آيات من القرآن ازداد إيمانهم رسوخًا، وازدادوا إذعانًا وعلمًا، ولا يعتمدون إلا على الله الذى خلقهم ويحميهم وينميهم.

الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ

وأولئك المؤمنون الصادقون فى الإيمان، يؤدون الصلاة مستوفية الأركان، كاملة الخشوع والخضوع، ليكونوا على تذكر الله دائمًا، وينفقون مقادير من المال الذى رزقهم الله - سبحانه وتعالى - فى الجهاد والبر ومعاونة الضعفاء.

أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ

إن هؤلاء المتصفين بتلك الصفات، هم الذين يوصفون بالإيمان حقًا وصدقًا، ولهم جزاؤهم درجات عالية عند الله، وهو الذى يمنحهم رضاه، ويغفر لهم هفواتهم ويرزقهم رزقًا طيبًا فى الدنيا، ونعيمًا دائمًا فى الآخرة.

كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ

وإن النصر بيد الله، ومقاليد الأمور إليه، وإنَّ حال المؤمنين فى خلافهم حول الغنائم كحالهم عندما أمرك الله بالخروج لقتال المشركين ببدر، وهو حق ثابت، فإن فريقًا من أولئك المؤمنين كانوا كارهين للقتال مؤكدين كراهيتهم.

يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ

يناظرك أولئك الفريق، ويحاولون أن ينصروا قولهم فى الأمر الحق، وهو الخروج للجهاد، إذ كانوا مع إخوانهم الذين خرجوا لمصادرة أموال قريش الذاهبة إلى الشام، فلم يدركوها، فآثر هذا الفريق العودة من بعد ما تبين أنهم منصورون، لإعلام النبى لهم، ولذعر المشركين منهم، ولشدة كراهيتهم للقتال وعدم أمنهم من عواقبه، وكانوا فى ذهابهم إليه كالذى يساق إلى الموت، وهو ينظر أسبابه ويعاينها.

وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ

واذكروا - أيها المؤمنون - وعد الله تعالى لكم أن ينصركم على إحدى الطائفتين التى فيها الشوكة والقوة، وأنتم تودون أن تدركوا الطائفة الأخرى التى فيها المال والرجال، وهى قافلة أبى سفيان، فاخترتم المال ولا شوكة فيه، ولكن الله تعالى يريد أن يثبت الحق بإرادته وقدرته وكلماته المعلنة للإرادة والقدرة، ويستأصل الكفر من بلاد العرب بنصر المؤمنين (1).<BR>________<BR>(1) تتناول الآيات الكريمة ما يجيش فى النفوس أثناء القتال من تمنى ملاقاة قلة من العدو وكره ملاقاة العدد الكثير، والرغبة فى إصابة المال والغنائم دون ملاقاة المكاره، بينما يريد الله تعالى إعلاء الدين وإظهار الحق واستئصال الكافرين.

لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ

ليثبت الحق ويزيل الباطل، ولو كره ذلك الكافرون الذين أجرموا فى حق الله، وفى حق المؤمنين وفى حق أنفسهم.

إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ

اذكروا - أيها المؤمنون، وأنتم تتقاسمون الغنائم وتختلفون - الوقت الذى كنتم تتجهون فيه إلى الله تعالى، طالبين منه الغوث والمعونة، إذ كتب عليكم أنه لا خلاص من القتال، فأجاب الله دعاءكم، وأمدَّكم بملائكة كثيرة تبلغ الألف متتابعة، يجىء بعضها وراء بعض (1).<BR>________<BR>(1) لما علم مقاتلو المؤمنين أن لا محيص عن القتال أخذوا يستغيثون بالله تعالى طالبين النصر، فاستجاب الله تعالى لهم وأمدهم بألف من الملائكة متتابعين.<BR>أى بدأ الأمر بإرسال مقدمة تليها باقى القوات، وهو ما يعمل به حاليًا عند إرسال قوات التعزيز لجنود المقاتلين فى ميادين القتال.<BR>إذ تنص المبادئ الحديثة على إرسال الإمدادات أفواجًا متتابعة حتى يسهل توجيه كل فريق إلى مكانه فى المعركة دون تعطل أو ازدحام، وعندما تصل التعزيزات للقوات المقاتلة تبتهج النفوس وتعلو الروح المعنوية، وهو ما أراده الله سبحانه وتعالى بقوله: { وما جعله الله إلا بشرى ولتطمئن به قلوبكم } والنصر دائمًا من عند الله.

وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ

وما جعل الله تعالى ذلك الإمداد بالملائكة إلا بشارة لكم بالنصر، لتطمئنوا وتقدموا، والله يعينكم، والنصر لا يجىء إلا بمعونة الله القوى الغالب، الذى يضع الأمور فى مواضعها بمقتضى علمه الذى لا يغيب عنه شىء.

إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ

اذكروا - أيها المؤمنون - وقت أن خفتم من قلة الماء، ومن الأعداء، فوهبكم الله الأمن، وأصابكم النعاس فنمتم آمنين، وأنزل الماء من السماء لتتطهروا به، ولتذهبوا وساوس الشيطان عنكم، وثبت قلوبكم واثقة بعون الرحمن ولتتماسك به الأرض فتثبت الأقدام (1).<BR>________<BR>(1) تتناول الآية الأولى فضل الله تعالى على المقاتلين المؤمنين من الحصول على الأمن فى راحة النوم، ونزول المطر للطهارة والاغتسال وتلبد الرمل نتيجة وجود الماء فَثبْتُ عليه الأقدام، ومن المعروف أن الرمال الناعمة تسبب تعبًا للمقاتلين، وتعتبر عائقًا يحول دون خفة الحركة التى هى من مبادئ الحرب الرئيسية.<BR>وتتناول الآية الثانية خطاب الله تعالى للملائكة بتثبيت المؤمنين وإلقاء الرعب فى قلوب الكافرين، والمعروف أن الرعب إذا استولى على الجنود فى الميدان أصابهم الفشل، وفى الآية الكريمة إشارة إلى مكان الإصابة المهلكة، وهى فى أعلى الرقبة وقطع الأطراف حتى يسقط السلاح من اليد.

إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آَمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ

اذكروا - أيها المؤمنون - أن الله أوحى للملائكة أن تودع فى نفوسكم أنى معكم بالتأييد والنصر، قائلاً لهم: قووا قلوب الذين آمنوا وأذعَنوا للحق وجاهدوا فى سبيل الله، وسأجعل الرعب يستولى على قلوب المشركين، فيفزعون هم دونكم، فاضربوا - أيها المؤمنون - رءوسهم التى فوق أعناقهم، وقطعوا أصابعهم التى يحملون بها السيوف.

ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ

كان ذلك النصر والتأييد لكم، والرعب والفزع لهم، لأنهم تحدوا الله ورسوله، فكانوا فى جانب والله ورسوله فى جانب آخر، ومن يحاد الله ورسوله فإنه ينزل به العذاب الأليم لأن عقاب الله شديد.

ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ

ذلكم - أيها المؤمنون - هو القتال فذوقوه مع اليقين بالنصر والتأييد، وأن للجاحدين بآياته عقابًا آخر يوم القيامة، هو - عذاب النار -.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ

أيها الذين صدقوا بالحق وأذعنوا له، إذا التقيتم بالذين كفروا فى الميدان، وهم زاحفون عليكم بكثرتهم، فلا تفروا منهم وتجعلوا ظهوركم أمام سيوفهم.

وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ

ومن لا يلاقهم وجهًا لوجه فارًا منهم، فإن الله يغضب عليه، ومصيره إلى النار، وهى أسوأ مصير لكم، ومن لا يلاقهم بوجهه كيدًا ومهارة حربية، أو يترك طائفة لينحاز إلى طائفة أخرى من المؤمنين، لتكون قوة للقاء فإنه لا إثم عليه.

فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ

إذا كنتم - أيها المؤمنون - قد انتصرتم عليهم، وقتلتم من قتلتم منهم، فإنكم لم تقتلوهم بقوتكم، ولكن الله تعالى هو الذى نصركم وقتلهم بتأييده لكم وإلقاء الرعب فى قلوبهم، وما رميت - أيها الرسول - إذ كنت ترمى التراب والحصا فى وجهوههم إفزاعًا لهم، ولكن الله تعالى هو الذى رمى فأفزعهم الرمى، وكان ذلك لينعم الله على المؤمنين نعمًا حسنة، منها الابتلاء بالشدة، ليظهر إخلاصهم، وأن الله عليم بأمورهم، سميع لأقوالهم، وكذلك هو عليم بأمور أعدائهم وأقوالهم.

ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ

ذلك هو النصر العظيم، مع أن الله تعالى مُضْعِفٌ لكل تدابير الكافرين.

إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ

إن كنتم - أيها المشركون - تتعلقون بأستار الكعبة، طالبين الفصل بينكم وبين المؤمنين، فقد جاءكم الأمر الفاصل، وليس نصرًا لكم، بل هو نصر للمؤمنين، وإن تعودوا إلى الاعتداء نعد عليكم بالهزيمة، ولن تغنى عنكم جماعتكم المؤتلفة على الإثم شيئًا، ولو كان العدد عندكم كثيرًا، فإن الله مع الذين صدقوا بالحق وأذعنوا له.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ

يا أيها الذين صدَّقتم بالحق وأذعنتم له، قد علمتم أن النصر كان بتأييد الله وطاعة رسوله، فاستمروا على طاعتكم لله وللرسول، ولا تعرضوا عن دعوة الرسول إلى الحق وأنتم تسمعون وتعون ما يقول.

وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ

ولا تكونوا كالمنافقين الذين قالوا: سمعنا الحق ووعيناه، لكنهم لا يذعنون له ولا يؤمنون به، فكانوا كغير السامعين.

إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ

إن أولئك المشركين والمنافقين معهم، هم كشر الدواب التى أصيبت بالصمم فلا تسمع، وبالبكم فلا تتكلم، فهم صمُّوا عن الحق، فلم يسمعوه ولم ينطقوا به ولم يعقلوه.

وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ

ولو علم الله - بعلمه الأزلى - أن فيهم - وهم بهذه الحال - ما يكون خيرًا لأنفسهم وللناس وللحق، لأسمعهم سماع هداية يوصل الحق إلى عقولهم، ولو سمعوه وفهموه لانصرفوا عن الاهتداء، وحال الإعراض الآن لا تفارقهم لغلبة الهوى.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ

يا أيها الذين صدَّقوا بالحق وأذعنوا له، أجيبوا الله فى اتجاه قلبى إلى ما يأمركم به، وأجيبوا الرسول فى تبليغه ما يأمر به الله إذا دعاكم إلى أوامر الله بالأحكام التى فيها حياة أجسامكم وأرواحكم وعقولكم وقلوبكم، واعلموا علم اليقين أن الله تعالى قائم على قلوبكم، يوجهها كما يشاء فيحول بينكم وبين قلوبكم إذا أقبل عليها الهوى، فهو منقذكم منه إن اتجهتم إلى الطريق المستقيم، وإنكم جميعًا ستجمعون يوم القيامة فيكون الجزاء.

وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ

واجعلوا وقاية بينكم وبين الذنب العظيم الذى يفسد جماعتكم، كالامتناع عن الجهاد، وكالشقاق، وكالامتناع عن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، فإن ذلك الذنب لا يصيب الذين ظلموا - وحدهم - بل يصيب الجميع واعلموا علمًا جازمًا أن عقاب الله شديد فى الدنيا والآخرة.

وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآَوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ

وتذكروا - أيها المؤمنون فى حال قوتكم - وقت أن كنتم عددًا قليلاً، وضعفاء يستغل أعداؤكم ضعفكم، وقد استولى عليكم الخوف من أن يتخطفكم أعداؤكم، فهاجرتم بأمر الله وجعل من يثرب مأوى لكم، وكان لكم النصر بتأييده وتوفيقه، ورزقكم الغنائم الطيبة رجاء أن تشكروا هذه النعم، فتسيروا فى طريق الجهاد لإعلاء كلمة الحق.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ

يا أيها الذين صدَّقوا بالحق وأذعنوا له، لا يصح أن تكون منكم خيانة لله ورسوله بموالاة أعداء الحق، أو بالخيانة فى الغنائم، أو بالقعود عن الجهاد، ولا تخونوا فى الأمانات التى تكون بينكم، وأنتم تعلمون أوامر الله ونواهيه.

وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ

واعلموا - أيها المؤمنون الصادقون - أن فتنة نفوسكم تجىء من فرط محبتكم لأولادكم، فلا تُغلِّبوا محبة المال والولد على محبة الله تعالى، فإن ذلك يفسد أموركم.<BR>واعلموا أن ثواب الله عظيم يجزيكم عن المال والولد.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ

يا أيها الذين صدَّقوا بالحق وأذعنوا له، إن تخضعوا لأوامر الله فى السر والعلن، يجعل الله تعالى فى أنفسكم قدرة تفرقون بها بين الحق والباطل، ويهبكم نصرًا ليفصل بينكم وبين أعدائكم، ويستر سيئاتكم فتذهب ويغفرها لكم، وهو - سبحانه - صاحب الفضل الكبير دائمًا.

وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ

واذكر - أيها النبى - نعمة الله عليك، إذ يمكر المشركون للإيقاع بك: إما بأن يحبسوك، وإما بأن يقتلوك، وإما بأن يخرجوك.<BR>إنهم يدبرون لك التدبير السيئ، والله تعالى يدبر لك الخروج من شرهم، وتدبير الله هو الخير وهو الأقوى والغالب.

وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ

واذكر - أيها النبى - معاندة المشركين عندما كنت تقرأ عليهم آيات القرآن الكريم، وهى آياتنا، فيذهب بهم فرط الجهل والغرور إلى أن يقولوا: لو أردنا أن نقول مثل هذا القرآن لقلنا، فما هو إلا ما سطره الأولون من قصص.

وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ

واذكر - أيها النبى - كيف ذهبوا فى محادَّتك ومحادَّة الله أن قالوا معاندين موجهين النداء لله ربهم: إن كان ما تجىء به هو الأمر الثابت، فاجعل السماء تمطر حجارة، أو أنزل عذابًا شديدًا أليما.

وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ

وما كان من حكمة الله تعالى أن يعذبهم فى الدنيا بعذاب شديد وأنت فيهم تدعو إلى الحق راجيًا إجابتهم، وما كان من شأن الله أن يعذب العصاة وهم يستغفرونه ويقلعون عما هم فيه.

وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ

وإن حالهم القائمة الآن تسوغ تعذيبهم، لأنهم يمنعون الناس من المسجد الذى حرم الله القتال حوله، ولكن يؤخرهم الله لما قدَّره فى علمه من إيمان الكثيرين منهم، وإنهم فى حالهم هذه ليسوا نصراء ذلك المسجد المكرم، لأنهم دنَّسوه بالوثنية، وإنما نصراؤه الحقيقيون هم المؤمنون الطائعون لله، ولكن أكثر المشركين لا يعلمون الدين، ولا مقام ذلك البيت الكريم.

وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ

وما كان دعاؤهم وتضرعهم عند هذا البيت العظيم إلا صفيرًا وصفقًا بالأيدى، وإذا كانت تلك حالكم فتلقوا الموت وذوقوه فى ميدان القتال، لينزاح الشرك عن البيت، وذلك القتل فيكم بسبب كفركم.

إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ

إن هؤلاء الذين جحدوا بالآيات وأشركوا بالله، ينفقون أموالهم ليمنعوا الناس عن الإيمان بالحق، وهم سينفقونها، ثم تكون الأموال بسبب ضياعها عليهم من غير جدوى موجبةً للندم والألم، وسيغلبون فى ميدان القتال فى الدنيا، ثم يجمعون إلى جهنم فى الآخرة إن استمروا على كفرهم.

لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ

وإن الهزيمة فى الدنيا، والعذاب بالنار فى الآخرة، ليفصل الله خبيث النفس والفعل والقول عن الطيب فى نفسه وقلبه وقوله وفعله، وليجعل الخبيث بعضه فوق بعض، فيجمعه ويضم أجزاءه ويجعله فى النار يوم القيامة، وأولئك المشركون المفسدون هم الخاسرون - وحدهم - فى الدنيا والآخرة.

قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ

وإن باب الرجاء مفتوح مع هذا الترهيب، فقل - يا نبى الرحمة - لهؤلاء الجاحدين: إنهم إن ينتهوا عن العناد والإشراك فإن الله يغفر لهم ما سبق من أعمالهم.<BR>وإن استمروا على ضلالهم وعادوا إلى قتالكم فقد تقررت الطريقة الحقة فى الأولين، وهى نصر الحق على الباطل إن التزم أهل الحق الطاعة وسبيل النصر.

وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ

واستمروا - أيها المؤمنون - فى قتال المشركين حتى يمتنعوا عن إفسادهم لعقائد المؤمنين بالاضطهاد والأذى، فإن انتهوا عن الكفر وإيذاء المؤمنين، وخلص الدين لله، فإن الله تعالى عليم بأعمالهم ومجازيهم عليها (1).<BR>________<BR>(1) يراجع التعليق العلمى على آيات القتال من سورة البقرة ص 190-194.

وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ

وإن استمروا على إعراضهم وإيذائهم للمؤمنين، فاعلموا - أيها المؤمنون - أنكم فى ولاية الله، وهى أحب ولاية وأقواها، وهو ناصركم، ونصرته أقوى نصرة وأعظمها.

وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آَمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى

واعلموا - أيها المسلمون - أن ما ظفرتم به من مال الكفار فحكمه: أن يقسم خمسة أخماس، خُمس منها لله وللرسول ولقرابة النبى واليتامى: وهم أطفال المسلمين الذين مات آباؤهم وهم فقراء، والمساكين، وهم ذوو الحاجة من المسلمين، وابن السبيل: وهو المنقطع فى سفره المباح.<BR>والمخصص من خُمس الغنيمة لله وللرسول يرصد للمصالح العامة التى يقررها الرسول فى حياته، والإمام بعد وفاته، وباقى الخُمس يصرف للمذكورين.<BR>أما الأخماس الأربعة الباقية من الغنيمة - وسكتت عنها الآية - فهى للمقاتلين، فاعلموا ذلك، واعملوا به إن كنتم آمنتم بالله حقًا، وآمنتم بما أنزل على عبدنا محمد من آيات التثبيت والمدد، يوم الفرقان الذى فرَّقنا فيه بين الكفر والإيمان، وهو اليوم الذى التقى فيه جمعكم وجمع الكافرين ببدر، والله عظيم القدرة على كل شىء، وقد نصر المؤمنين مع قلتهم، وخذل الكافرين مع كثرتهم.

إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا

واذكروا حين كنتم فى الوادى بأقرب الجانبين من المدينة، وهم بأبعد الجانبين، وركْب التجارة الذى تطلبونه أقرب إليكم مما يلى البحر، ولو تواعدتم أنتم على التلاقى للقتال لما اتفقتم عليه، ولكن الله دبر تلاقيكم على غير موعد ولا رغبة منهم.<BR>لينفذ أمرًا كان ثابتًا فى علمه أنه واقع لا محالة، وهو القتال المؤدى إلى نصركم وهزيمتهم، لتنقطع الشبهات، فيهلك الهالكون عن حُجة بينة بالمشاهدة: وهى هزيمة الكثرة الكافرة، ويحيا المؤمنون عن حُجة بينة: وهى نصر الله للقلة المؤمنة.<BR>إن الله لسميع عليم لا يخفى عليه شىء من أقوال الفريقين ولا نياتهم.

إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ

واذكر - أيها الرسول - حين تفضل الله عليك، فصور لك فى منامك جيش الأعداء فى قلة ليطمئنكم على أنكم ستغلبونهم، فتثبتوا أمام جمعهم ولو ترككم ترونهم كثيرًا دون أن يثبتكم بهذه الرؤيا لهبتموهم، ولترددتم فى قتالهم، ولعجزتم، وكان التنازع فى الإقدام وعدمه، ولكن الله سلم من ذلك ونجَّى من عواقبه، إنه عليم بما فى القلوب التى فى الصدور.

وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ

واذكر - أيها الرسول - حينما كان الله يريكم أعداءكم عند التلاقى قلة فى أعينكم، كما يظهركم الله فى أعين أعدائكم قلة، ولما فى أنفسهم من الغرور بالكثرة، ليقدم كل منكم على قتال الآخر، فيتم تنفيذ أمر علمه الله، وكان لابد أن يتم، وإلى الله ترجع أمور العالم كله، فلا ينفذ إلا ما قضاه وهيأ أسبابه.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ

يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم جماعة مقاتلة من أعدائكم فاثبتوا ولا تفروا، واذكروا الله متمثلين قدرته وحسن وعده بنصر المؤمنين، مكثرين فى ذلك الذكر مع الثبات والصبر، فإنكم إن فعلتم ذلك كان رجاؤكم للفلاح محققًا (1).<BR>_______<BR>(1) فى الآيات الكريمة تنبيه لضرورة الثبات فى وجه العدو، وأن العبد ينبغى ألا يشغله شىء عن ذكر الله، وأن يلتجئ إلى الله عند الشدائد، وفى ذلك أيضًا تنبيه إلى أهمية التدين والإيمان فى رفع الروح المعنوية والثبات.<BR>وفى الآيات إيضاح لأهمية الطاعة وتنفيذ ما أمر الله ورسوله به حتى لا يدب الفشل نتيجة الفرقة، كما ينبغى عدم التفاخر والتباهى بالعظمة والانصراف إلى التظاهر بالشجاعة والسماحة والرياء.

وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ

وأطيعوا الله ورسوله فيما أمرتم به أو نهيتم عنه، ودعوا التنازع والاختلاف، فإنهما مدعاة إلى ضياع القوة وإلى العجز، واصبروا على ما تلقون من مكاره الحرب، فإن الله مع الصابرين بالعون والتأييد والتثبيت وحسن الجزاء.

وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ

ولا تكونوا كأولئك الذين خرجوا من ديارهم، مغرورين بما لهم من قوة ونعمة، مفاخرين ومتظاهرين بهما أمام الناس، يريدون الثناء عليهم بالشجاعة والغلبة، وهم بذلك يصدون عن سبيل الله والإسلام، والله محيط بأعمالهم علمًا وقدرة، وسوف يجازيهم عليها فى الدنيا والآخرة.

وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ

واذكروا - أيها المسلمون - حينما حَسَّن الشيطان لهؤلاء المشركين أعمالهم بوسوسته قائلا لهم: إنه لا يستطيع أحد من الناس أن يغلبهم، ويؤكد لهم أنه مجير لهم، فلما تقابل الفريقان فى الحرب بطل كيده ووسوسته ورجع مدبرًا، وتبرأ منهم، وخاف أن يهلكه الله، والله شديد العقاب على الذنوب.

إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ

واذكر - أيها الرسول - حينما يقول المنافقون من الكفار وضعفاء الإيمان عند رؤيتكم فى إقدامكم وثباتكم: غرَّ هؤلاء المسلمين دينهم، وإن مَنْ وكل إلى الله أمره مؤمنًا به معتمدًا عليه، فإن الله يكفيه ما أهمه، وينصره على أعدائه، لأن الله قوى السلطان حكيم فى تدبيره.

وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ

ولو ترى - أيها الرسول - ذلك الهول الخطير، الذى ينزل بهؤلاء الكفار حين تتوفاهم الملائكة فينزعون أرواحهم، وهم يضربونهم من أمام ومن خلف، ويقولون لهم: ذوقوا عذاب النار بسبب أفعالكم السيئة.

ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ

وإنَّ الله ليس ظالمًا لعبيده فى تعذيبهم على ما ارتكبوه، بل ذلك هو العدل، لأنه لا يستوى المسىء والمحسن، فعقابه على ما اقترفوا من أعمال سيئة.

كَدَأْبِ آَلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ

إنَّ عادة هؤلاء المشركين وشأنهم فى الكفر، كشأن الفراعنة وسائر العتاة من قبلهم.<BR>جحودًا منهم بآيات الله، فعذبهم الله على ذنوبهم، وهو غير ظالم لهم إنَّ الله قوى فى تنفيذ حكمه، شديد المجازاة لمن يستحق عقابه.

ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ

وهذا عدل فى الجزاء، بسبب أن الله لا يُغير نعمة أنعم بها على قوم، كنعمة الأمن والرخاء والعافية، حتى يُغَيِّروا هم ما بأنفسهم من الأحوال والأسباب، وإنَّ الله سميع لما يقولون عليم بما يفعلون.

كَدَأْبِ آَلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آَلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ

وكما أن دأب هؤلاء فى الإنكار لآيات اللَّه ونعمه كدأب آل فرعون والذين من قبلهم فإن دأبهم وشأنهم فى الاستمرار على التكذيب برسله ودلائل نبوتهم، كدأب آل فرعون والذين من قبلهم فالشبه بينهم فى الكفر بالآيات، وجحود رسالة الرسل وتكذيبهم، وفى الاستمرار على ذلك.<BR>فكلاَّ أخذ اللَّه بذنبه أولئك بالصواعق والرياح ونحوها، وآل فرعون بالغرق، وكلهم كانوا ظالمين لأنفسهم، واستحقوا ما نزل بهم من العقاب.

إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ

إن شَر ما يدب على وجه الأرض عند اللَّه فى حكمه وعدله، هم الكفار المصرون على كفرهم.

الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ

الذين عقدت معهم العهود والمواثيق، ولا يزالون ينقضونها مرة بعد مرة، وهم اليهود لا يردعهم عن ذلك تعظيم لله، ولا خوف من نقمته وعذابه (1).<BR>_________<BR>(1) فى الآية الكريمة وما بعدها تحذير من الذين يعاهدون ثم ينقضون العهد، هؤلاء يجب التنكيل بهم وبمن وراءهم، وفيها بيان لأهمية تدمير مؤخرة العدو وهو أسلوب من أساليب القتال الحديثة، لأن إيقاع الاضطراب فى مؤخرة العدو كفيل بإرباكه ودفعه إلى توزيع جنوده لحماية مؤخرته وفى هذا تفكيك لقوته.<BR>يضاف إلى ذلك أن فى المناطق الخلفية من ميادين القتال توجد المنشآت الإدارية التى تعتمد عليها القوات فى الإعاشة، ووقوع الاضطراب فى هذه الأنحاء يؤدى إلى عدم انتظام إعانة القوات، وبالتالى إلى إيقاع الهزيمة بالعدو.

فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ

فإن تدرك - أيها الرسول - هؤلاء الناقضين لعهدهم، وتصادفهم فى الحرب ظافرًا بهم، فنكل بهم تنكيلا يسوؤهم ويخيف مَنْ وراءهم، فتفرق جموعهم منْ خلفهم.<BR>فذلك التنكيل أرجى لتذكيرهم بنقض العهود، ولدفع غيرهم عن الوقوع فى مثل ما وقع فيه هؤلاء.

وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ

وإن تتوقع من قوم خيانة بأمارات تنبئ بنقضهم لما بينك وبينهم من العهد، فاقطع عليهم طريق الخيانة لك، بأن تعلن فسخك لعهدهم، حتى يكونوا على علم بأمرك، وحتى لا يستطيعوا خيانتك، إن اللَّه لا يحب الخائنين ولا يرضى أن توصفوا بوصفهم.

وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ

ولا يظن الذين كفروا أنهم سبقوا ونجوا من عاقبة خيانتهم وغدرهم.<BR>إنهم لا يعجزون اللَّه عن الإحاطة بهم، بل هو القادر - وحده - وسيجزيهم بقوته وعدله.

وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآَخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُ

وأعدوا – يا معشر المسلمين - لمواجهة أعدائكم ما استطعتم من قوة حربية شاملة لجميع عتاد القتال، من المرابطين فى الثغور وأطراف البلاد بخيلهم، لتخيفوا بهذا الإعداد والرباط عدو اللَّه وعدوكم من الكفار المتربصين بكم الدوائر، وتخيفوا آخرين لا تعلمونهم الآن واللَّه يعلمهم.<BR>لأنه لا يخفى عليه شىء.<BR>وكل ما أنفقتم من شىء فى سبيل إعداد القوة قاصدين به وجه اللَّه، فإن اللَّه يجزيكم عليه جزاء وافيا، دون أن ينقصهم مثقال ذرة مما تستحقون من فضل ربكم (1).<BR>________<BR>(1) فى الآية الكريمة حث صريح وأمر على الاستعداد لملاقاة العدو، فالحرب قديماً وحديثاً، أمر خطير جلل تتوقف عليه مصائر الأمم، لذلك فهى جديرة بالتحضير والتجهيزات والإعداد فى مختلف نواحى العدد والقوة والعتاد، ودخول الحرب دون تجهيز وإعداد يسبب الفشل، ونحن نرى الدول الآن تستعد فى وقت السلم للحرب، وتبنى سياستها واستراتيجيتها، وتعبئ جميع مواردها للحصول على النصر فى الحرب.<BR>والحرب الآن شاملة يشترك فيها الشعب والجيش، وهى بذلك أولى بإعداد كل منهما إعدادا شاملاً يضمن النصر.

وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ

وإن ماَل الأعداء عن جانب الحرب إلى جانب السلم، فاجنح لها - أيها الرسول - فليست الحرب غرضاً مقصودا لذاته عندك إنما أنت قاصد بها الدفاع لعدوانهم، وتحديهم لدعوتك.<BR>فاقبل السلم منهم، وتوكل على اللَّه، ولا تخف كيدهم ومكرهم إنه سبحانه هو السميع لما يتشاورون به، العليم بما يدبرون ويأتمرون، فلا يخفى عليه شىء (1).<BR>________<BR>(1) مبدأ عظيم من مبادئ الإسلام دين السلام ونحن الآن نسمع كل دول العالم تنادى بالسلام ولذا أُنشئت هيئة الأمم المتحدة.

وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ

وإن أرادوا من تظاهرهم بالجنوح إلى السلم خدعة ومكرا بك، فإن اللَّه يكفيك أمرهم من كل وجه، وقد سبق له أن أيدك بنصره، حين هيأ لك من الأسباب الظاهرة والخفية ما ثبت به قلوب المؤمنين من المهاجرين والأنصار.

وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ

وجمع بينهم على المحبة بعد التفرق والتعادى، فأصبحوا ملتقين حولك، باذلين أرواحهم وأموالهم فى سبيل دعوتك، وإنك لو أنفقت جميع ما فى الأرض من الأموال والمنافع - فى سبيل هذا التأليف - لما أمكنك أن تصل إليه، لأن القلوب بيد اللَّه، ولكن اللَّه ألفَّ بينهم، بهدايتهم إلى الإيمان والمحبة والإخاء، وإنه تعالى قوى غالب، يدبر أمر العباد على مقتضى ما ينفعهم.

يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ

يأيها النبى كفاك وكفى أتباعك المؤمنين أن اللَّه لكم ناصراً ومؤيدا.

يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِئَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ

يأيها النبى حث المؤمنين على القتال لإعلاء كلمة اللَّه ورغبهم فيما وراءه من خير الدنيا والآخرة، لتقوى بذلك نفوسهم، وإنه إن يوجد منكم عشرون معتصمون بالإيمان والصبر والطاعة، يغلبوا مائتين من الذين كفروا، ذلك بأنهم قوم لا يدركون حقائق الأمور، فليس لهم إيمان ولا صبر ولا مطمع فى ثواب.

الْآَنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ

وإذا كان واجبكم - أيها المؤمنون - أن تصبروا على ملاقاة أعدائكم فى حال قوتكم، ولو كانوا أمثالكم، فقد رخَص اللَّه لكم فى غير حال القوة أن تصبروا أمام مثليكم فقط من الأعداء لعلمه أن فيكم ضعفا يقتضى التيسير عليكم والترخيص لكم، بعد أن تثبت هيبة الإسلام فى نفوس الكفار، فإن يكن منكم مائة مجاهد صابر يغلبوا مائتين من الكفار، وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإرادة اللَّه ومعونته، واللَّه مع الصابرين بنصره وتأييده (1).<BR>________<BR>(1) فى الآيات الكريمة بيان لأهمية العقيدة الراسخة والإيمان فى الحرب فليس المهم العدو وإنما القوة قوة الروح المقاتلة وإيمان القلب، وهو أمر واضح فى جميع الحروب على مر الزمان.<BR>وكم من فئة قليلة قوية الإيمان بقضيتها غلبت فئة كبيرة واهية لا تؤمن بقضيتها الخاسرة، وفى الآيات أيضًا بيان لوضع القائد فى المعركة فمن واجباته تنظيم ودفع جنوده وتحريضهم على القتال ويدخل فى ذلك أن يكون أسوة لهم وأن يوضح لهم أساليب النصر وهذا وذاك من واجب كل قائد فى كل زمان.

مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ

لا يسوغ لأحد من الأنبياء أن يكون له أسرى يحتجزهم، أو يأخذ منهم الفداء، أو يمن عليهم بالعفو عنهم حتى يتغلب ويظهر على أعدائه، ويثقلهم بالجراح، فلا يستطيعون قتالا فى الأرض، ولكنكم – يا جماعة المسلمين - سارعتم فى غزوة بدر إلى اتخاذ الأسرى قبل التمكن فى الأرض، تريدون منافع الدنيا واللَّه يريد لكم الآخرة بإعلاء كلمة الحق، وعدم الالتفاف إلى ما يشغلكم عن الدنيا، واللَّه قوى قادر غالب، يدبر الأمور لكم على وجه المنفعة.

لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ

لولا حكم سابق من اللَّه بالعفو عن المجتهد المخطئ لأصابكم فيما أخذتم عذاب كبير بسبب ما تعجلتم به.

فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ

فكلوا مما غنمتم من الفداء حلالاً لكم غير خبيث الكسب، واتقوا اللَّه فى كل أموركم، إن اللَّه عظيم الغفران والرحمة لمن شاء من عباده إذا أناب إلى ربه.

يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ

يأيها النبى، قل للذين وقعوا فى أيديكم من الأسرى: إن يكن فى قلوبكم خير يعلمه اللَّه، يخلف لكم خيرا مما أخذه المؤمنون منكم، ويغفر لكم ما كان من الشرك والسيئات، واللَّه كثير المغفرة والرحمة لمن تاب من كفره ومن ذنبه.

وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ

وإن يُريدوا خيانتك بما يُظهر بعضهم من الميل إلى الإسلام مع انطواء صدروهم على قصد مخادعتك، فلا تبتئس، فسيمكنك اللَّه منهم، كما خانوا اللَّه من قبل باتخاذ الأنداد والشركاء والكفر بنعمته، فأمكن منهم إذ نصرك عليهم فى بدر، مع التفاوت بين قوتك فى القلة، وقوتهم فى الكثرة، واللَّه قوى غالب متصرف بحكمته، فأمكن من نصره عباده المؤمنين.

إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَ

إن الذين صدَقوا بالحق وأذعنوا لحكمه، وهاجروا من مكة، وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم، والذين آووهم فى غربتهم، ونصروا رسول اللَّه يقاتلون من قاتله، ويعادون من عاداه، بعضهم نصراء بعض فى تأييد الحق وإعلاء كلمة اللَّه على الحق.<BR>والذين لم يهاجروا، لا يثبت لهم شىء من ولاية المؤمنين ونصرتهم، إذ لا سبيل إلى ولايتهم حتى يهاجروا، وإن طلبوا منكم النصر على من اضطهدوهم فى الدين، فانصروهم.<BR>فإن طلبوا النصر على قوم معاهدين لكم لم ينقضوا الميثاق معكم، فلا تجيبوهم، واللَّه بما تعملون بصير لا يخفى عليه شىء، فقفوا عند حدوده لئلا تقعوا فى عذابه.

وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ

والذين كفروا بعضهم أولياء بعض فهم متناصرون على الباطل، متعاونون فى عداوتكم، فلا توالوهم، فإن خالفتم وواليتموهم، تقع الفتنة فى صفوفكم والفساد الكبير فى الأرض.

وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ

والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا فى سبيل اللَّه، والذين آووهم ونصروا الحق وكلمة اللَّه، هم صادقوا الإيمان، واللَّه تعالى يغفر لهم، ولهم رزق كبير فى الدنيا والآخرة.

وَالَّذِينَ آَمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ

والذين آمنوا بعد الأولين وهاجروا أخيراً وجاهدوا مع السابقين، فأولئك منكم يا جماعة المهاجرين والأنصار، لهم من الولاية والحقوق ما لبعضكم على بعض.<BR>وذوو الأرحام من المؤمنين لهم - فضلا عن ولاية الإيمان - ولاية القرابة، فبعضهم أولى ببعض فى المودة والمال والنصرة والتأييد، وقد بين ذلك فى كتابه وهو العليم بكل شىء.


1-الفاتحة 2-البقرة 3-آل-عمران 4-النساء 5-المائدة 6-الأنعام 7-الأعراف 8-الأنفال 9-التوبة 10-يونس 11-هود 12-يوسف 13-الرعد 14-إبراهيم 15-الحجر 16-النحل 17-الإسراء 18-الكهف 19-مريم 20-طه 21-الأنبياء 22-الحج 23-المؤمنون 24-النور 25-الفرقان 26-الشعراء 27-النمل 28-القصص 29-العنكبوت 30-الروم 31-لقمان 32-السجدة 33-الأحزاب 34-سبأ 35-فاطر 36-يس 37-الصافات 38-ص 39-الزمر 40-غافر 41-فصلت 42-الشورى 43-الزخرف 44-الدخان 45-الجاثية 46-الأحقاف 47-محمد 48-الفتح 49-الحجرات 50-ق 51-الذاريات 52-الطور 53-النجم 54-القمر 55-الرحمن 56-الواقعة 57-الحديد 58-المجادلة 59-الحشر 60-الممتحنة 61-الصف 62-الجمعة 63-المنافقون 64-التغابن 65-الطلاق 66-التحريم 67-الملك 68-القلم 69-الحاقة 70-المعارج 71-نوح 72-الجن 73-المزمل 74-المدثر 75-القيامة 76-الإنسان 77-المرسلات 78-النبأ 79-النازعات 80-عبس 81-التكوير 82-الانفطار 83-المطففين 84-الانشقاق 85-البروج 86-الطارق 87-الأعلى 88-الغاشية 89-الفجر 90-البلد 91-الشمس 92-الليل 93-الضحى 94-الشرح 95-التين 96-العلق 97-القدر 98-البينة 99-الزلزلة 100-العاديات 101-القارعة 102-التكاثر 103-العصر 104-الهمزة 105-الفيل 106-قريش 107-الماعون 108-الكوثر 109-الكافرون 110-النصر 111-المسد 112-الإخلاص 113-الفلق 114-الناس