تعدد الزوجات

تعدد الزوجات

106

 

تعدد الزوجات

 

يشن البعض حربا شعواء على أحكام الإسلام، ويتابعه في ذلك بعض ذوي الأهواء والجهلة، وما فقهوا أن الذي شرَّع أحكام الإسلام هو الله عزوجل، العليم والخبير بمصالح العباد، فأحكامه وأفعاله كلها جل جلاله لا تخلو عن حكمة بالغة، وعلم واسع، وتنزه عن البغي والظلم، فأولى لهم- ثم أولى لهم- أن يلتزموا بما فيه خيري الدنيا والآخرة، وإلا فهل سيصلح الناس بمخالفة شرع الله عزوجل ؟!! وواقع الحال يغني عن المقال !! ومن ذلك التشويه المتعمد لأحكام الإسلام، قضية تعدد الزوجات، فقد نالت سهام الكثيرين، والإسلام من أبرز مزاياه التشريعية أنه تشريع واقعي يعالج الواقع، لا يطرح مشاكل الواقع، ويرفع شعارات جوفاء لا تسمن ولا تغني من جوع.

أولا: حكم تعدد الزوجات:

-إن من أحكام الله الثابتة القطعية التي دل عليها صريح القرآن وصحيح السنة المطهرة هو حل نكاح الرجل لأربع نسوة بشرط العدل بينهن، والقدرة على القيام بأعباء التعدد وما يترتب عليه، قال تعالى: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ {النساء: 3} ، وهذا الحكم مطلق غير مقيد بعدم الذرية ولا بمرض الزوجة الأولى ولا بغير ذلك، ولا يجوز لأحد أن يغير حكم الله، ولا أن يبدله، ولا أن يكرهه، ولا أن يبدي رأيه فيه، فمن فعل ذلك فليراجع أصل دينه، قال تعالى: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ}{المائدة: 50} .

-فلا يجوزسؤال أحد-كائنا من كان- عن رأيه في أصل التعدد؛ لأن الله قد حكم بإباحته، والله يحكم لا معقب لحكمه، ولا يجوز أن تقابل أحكام الله بالآراء والأهواء، بل على المسلم أن ينقاد لها ويسلم بها تسليما، قال سبحانه: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا } {النساء: 65} .

- مشاكل الواقع أصلها كلها من مخالفة  الشرع، فيجب رد الناس إلى الالتزام بحكم الشرع، لا رد حكم الشرع لسوء تطبيق البعض، فالزوج غير القادر على الزواج بأخرى من حيث القدرة البدنية أو المادية، ومن حيث إمكانية العدل بين زوجاته، فإذا أقدم غير القادرعلى الزواج من أخرى فهذا ظالم ،وظلمه قد يقع إما على زوجته الأولى أو الثانية أو لهما معا.

- تعدُّد الزوجات تشريع قديم أباحته كل الشرائع السابقة على الإسلام، يقول نيوفلد في كتابه "قوانين الزواج عند العبرانيين الأقدمين" :"إن التلمود والتوراة معاً قد أباحا تعدُّد الزوجات على الإطلاق، وإن كان بعض الربانيين ينصحون بالقصد من تعدُّد الزوجات".

ثم جاءت المسيحية ولم تتوسع في في الجوانب الاجتماعية، وإنما اكتفت بالتشريعات السابقة في هذا الشأن لأن السيد المسيح قال: " ما جئت لأنقض الناموس". فبقيت شريعةُ التوراةِ المبيحة للتعدُّد شريعةً للدين الجديد  .

- حكم التعدد هو الإباحة بشرط القدرة عليه والعدل بين الزوجات ، وقد تعتريه الأحكام الشرعية من الوجوب والندب والكراهة والتحريم، اعتباراً بحال الرجل، أما عند الإطلاق فهو مع تحقق شروطه مباح فقط، بل قد نص كثير من العلماء على أن الأفضل هو الاقتصار على زوجة واحدة، ولكن مع ذلك إذا كان الإنسان يرى من نفسه أن الواحدة لا تكفيه ولا تعفه، فله التعدد، حتى يحصل له الطمأنينة، وغض البصر، وراحة النفس.

- لا حرج على المرأة في أن تقبل الزواج من رجل متزوج إذا رضيت دينه وخلقه، وليس في زواجها خطر على كيان الأسرة، فالإسلام لم يبح لأحد أن يرغم المرأة على الزواج من رجل له زوجة أو أكثر، فهي التي تختار، سواء كانت بكراً أم ثيِّباً.

وإن كان زواج الرجل على امرأته يثير غيرتها، لكن إذا كانت تلك المرأة ملتزمة بالشرع فإن ذلك لا يهدد كيان الأسرة، ولا يعد زواجه عليها من الخيانة أو الظلم لها ما دام مراعياً للعدل ومعاشراً لها بالمعروف، ولا يستطيع أحدٌ إرغامَها على البقاء - إن شاءت عاشت،وإن شاءت الأخرى فهذا كامل حقها.

- لا يجب على الزوج إعلام زوجته بأنه سيقوم بالتعدد ولا استئذانها، ولكن ينبغي له ذلك من باب الإكرام وتطييب الخاطر، كما لا يجب على المرأة قبول سكنى ضرتها معها في مسكنها الخاص بها.

 ثانيا: حِكَمة تعدد الزوجات:

1- أن الإسلام حرم الزنا، وشدد في تحريمه؛ لما فيه من المفاسد العظيمة التي تفوق الحصر والعد، والإسلام حين حرم الزنا وشدد في تحريمه فتح بابا مشروعا يجد فيه الإنسان الراحة، والسكن والطمأنينة، ألا وهو الزواج، حيث شرع الزواج، وأباح التعدد فيه. ولا ريب أن منع التعدد ظلم للرجل وللمرأة؛ فمنعه قد يدفع إلى الزنا؛ لأن عدد النساء يفوق عدد الرجال في كل زمان ومكان، ويتجلى ذلك في أيام الحروب؛ فقصر الزواج على واحدة يؤدي إلى بقاء عدد كبير من النساء دون زواج، وذلك يسبب لهن الحرج، والضيق، والتشتت، وربما أدى بهن إلى بيع العرض، وانتشار الزنا، وضياع النسل.

2- أن الزواج ليس متعة جسدية فحسب: بل فيه الراحة، والسكن، وفيه-أيضا-نعمة الولد، والولد في الإسلام ليس كغيره في النظم الأرضية؛ إذ لوالديه أعظم الحق عليه؛ فإذا رزقت المرأة أولادا، وقامت على تربيتهم كانوا قرة عين لها؛ فأيهما أحسن للمرأة: أن تنعم في ظل رجل يحميها، ويحوطها، ويرعاها، وترزق بسببه الأولاد الذين إذا أحسنت تربيتهم وصلحوا كانوا قرة عين لها؟ أو أن تعيش وحيدة طريدة ترتمي هنا وهناك؟.

3- أن نظرة الإسلام عادلة متوازنة: فالإسلام ينظر إلى النساء جميعهن بعدل، والنظرة العادلة تقول بأنه لا بد من النظر إلى جميع النساء بعين العدل.

إذا كان الأمر كذلك؛ فما ذنب العوانس اللاتي لا أزواج لهن؟ ولماذا لا ينظر بعين العطف والشفقة إلى من مات زوجها وهي في مقتبل عمرها؟ ولماذا لا ينظر إلى النساء الكثيرات اللواتي قعدن بدون زواج؟.

أيهما أفضل للمرأة: أن تنعم في ظل زوج معه زوجة أخرى، فتطمئن نفسها، ويهدأ بالها، وتجد من يرعاها، وترزق بسببه الأولاد، أو أن تقعد بلا زواج البتة؟.

وأيهما أفضل للمجتمعات: أن يعدد بعض الرجال فيسلم المجتمع من تبعات العنوسة؟ أو ألا يعدد أحد، فتصطلي المجتمعات بنيران الفساد؟.

وأيهما أفضل: أن يكون للرجل زوجتان أو ثلاث أو أربع؟ أو أن يكون له زوجة واحدة وعشر عشيقات، أو أكثر أو أقل؟.

4- أن التعدد ليس واجبا: فكثير من الأزواج المسلمين لا يعددون؛ فطالما أن المرأة تكفيه، أو أنه غير قادر على العدل فلا حاجة له في التعدد.

5- أن طبيعة المرأة تختلف عن طبيعة الرجل: وذلك من حيث استعدادها للمعاشرة؛ فهي غير مستعدة للمعاشرة في كل وقت، ففي الدورة الشهرية مانع قد يصل إلى عشرة أيام، أو أسبوعين كل شهر. وفي النفاس مانع-أيضا-والغالب فيه أنه أربعون يوما، والمعاشرة في هاتين الفترتين محظورة شرعا، لما فيها من الأضرار التي لا تخفى. وفي حال الحمل قد يضعف استعداد المرأة في معاشرة الزوج، وهكذا. أما الرجل فاستعداده واحد طيلة الشهر والعام؛ فبعض الرجال إذا منع من التعدد قد يؤول به الأمر إلى سلوك غير مشروع.

6- قد تكون الزوجة عقيما لا تلد: فيحرم الزوج من نعمة الولد، فبدلا من تطليقها يبقي عليها ويتزوج بأخرى ولود.

7 - قد تمرض الزوجة مرضا مزمنا: كالشلل وغيره، فلا تستطيع القيام على خدمة الزوج؛ فبدلا من تطليقها يبقي عليها، ويتزوج بأخرى.

8- قد يكون سلوك الزوجة سيئا: فقد تكون شرسة، سيئة الخلق لا ترعى حق زوجها؛ فبدلا من تطليقها يبقي الزوج عليها، ويتزوج بأخرى؛ وفاء للزوجة، وحفظا لحق أهلها، وحرصا على مصلحة الأولاد من الضياع إن كان له أولاد منها.

9- أن قدرة الرجل على الإنجاب أوسع بكثير من قدرة المرأة: فالرجل يستطيع الإنجاب إلى ما بعد الستين، بل ربما تعدى المائة وهو في نشاطه وقدرته على الإنجاب.

أما المرأة فالغالب أنها تقف عن الإنجاب في حدود الأربعين، أو تزيد عليها قليلا؛ فمنع التعدد حرمان للأمة من النسل.

10- أن في الزواج من ثانية راحة للأولى: فالزوجة الأولى ترتاح قليلا أو كثيرا من أعباء الزوجية؛ إذ يوجد من يعينها ويأخذ عنها نصيبا من أعباء الزوج؛ ولهذا، فإن بعض العاقلات إذا كبرت في السن وعجزت عن القيام بحق الزوج أشارت عليه بالتعدد.

11- التماس الأجر: فقد يتزوج الإنسان بامرأة مسكينة لا عائل لها، ولا راع، فيتزوجها بنية إعفافها، ورعايتها، فينال الأجر من الله بذلك.

12- أن الذي أباح التعدد هو الله-عز وجل-: فهو أعلم بمصالح عباده، وأرحم بهم من أنفسهم.

ثالثا: شبهات وردود حول تعدد الزوجات

- القول بأن التعدد كان في بداية الإسلام، فمن المعلوم أن الأحكام الشرعية لا تتغير بتغير الزمان، إلا أن ينسخ الحكم بحكم جديد، والمقرر في علم الأصول أن النسخ لا يصار إليه إلا بدليل، فأين هذا الدليل؟

-القول بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يتزوج على أم المؤمنين خديجة طيلة حياتها فهو حق، لكن ليس فيه دليل على منع التعدد أو تقييده، فنحن نقول إن التعدد مباح، فهل يفيد تركه صلى الله عليه وسلم لشيء مباح في وقت، منع هذا الشيء أو تقييده ؟

-أما رفضه صلى الله عليه وسلم زواج علي رضي الله عنه على فاطمة، فليس فيه منع التعدد أو تقييده، وقد أجاب العلماء عن ذلك بأجوبة، منها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قد اشترط على علي ألا يتزوج على فاطمة، ومنها أن تلك خصوصية للنبي صلى الله عليه وسلم أو لفاطمة.
قال ابن حجر في فتح الباري: والذي يظهر لي أنه لا يبعد أن يعد في خصائص النبي صلى الله عليه وسلم أن لا يتزوج على بناته ويحتمل أن يكون ذلك خاصا بفاطمة عليها السلام.

- قوله تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا} [النساء: 3] ليس معناه منع التعدد، وإنما المقصود أنه  يباح له التعدد إذا أمن على نفسه الجور والظلم، ووثق بالقيام بحقوقهن، فإن خاف شيئا من هذا فليقتصر على واحدة، والآية تتحدث عن المنع من تزوج اليتيمة عند خوف حصول عدم العدل في معاملتها، قال الإمام ابن كثير في تفسيره: إذا كانت تحت أحدكم يتيمة وخاف أن لا يعطيها مهر مثلها فليعدل إلى ما سواها من النساء، فإنهن كثير، ولم يضيق عليه. فيفهم من هذا إباحة التزوج بها عند اليقين بالعدل في معاملتها.

-يؤكد ها ما ورد في الصحيحين أن عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا} [النساء: 3] إِلَى {وَرُبَاعَ} [النساء: 3]، فَقَالَتْ: «يَا ابْنَ أُخْتِي هِيَ اليَتِيمَةُ تَكُونُ فِي حَجْرِ وَلِيِّهَا تُشَارِكُهُ فِي مَالِهِ، فَيُعْجِبُهُ مَالُهَا وَجَمَالُهَا، فَيُرِيدُ وَلِيُّهَا أَنْ يَتَزَوَّجَهَا، بِغَيْرِ أَنْ يُقْسِطَ فِي صَدَاقِهَا، فَيُعْطِيهَا مِثْلَ مَا يُعْطِيهَا غَيْرُهُ، فَنُهُوا أَنْ يُنْكِحُوهُنَّ  إِلَّا أَنْ يُقْسِطُوا لَهُنَّ، وَيَبْلُغُوا بِهِنَّ أَعْلَى سُنَّتِهِنَّ مِنَ الصَّدَاقِ، وَأُمِرُوا أَنْ يَنْكِحُوا مَا طَابَ لَهُمْ مِنَ النِّسَاءِ سِوَاهُنَّ» قَالَ عُرْوَةُ: قَالَتْ عَائِشَةُ: ثُمَّ إِنَّ النَّاسَ اسْتَفْتَوْا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: " {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ} [النساء: 127] إِلَى قَوْلِهِ {وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ} [النساء: 127] " وَالَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ أَنَّهُ يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الكِتَابِ الآيَةُ الأُولَى، الَّتِي قَالَ فِيهَا: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي اليَتَامَى، فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} [النساء: 3]، قَالَتْ عَائِشَةُ: وَقَوْلُ اللَّهِ فِي الآيَةِ الأُخْرَى: {وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ} [النساء: 127] يَعْنِي هِيَ رَغْبَةُ أَحَدِكُمْ لِيَتِيمَتِهِ الَّتِي تَكُونُ فِي حَجْرِهِ، حِينَ تَكُونُ قَلِيلَةَ المَالِ وَالجَمَالِ، فَنُهُوا أَنْ يَنْكِحُوا مَا رَغِبُوا فِي مَالِهَا وَجَمَالِهَا مِنْ يَتَامَى النِّسَاءِ إِلَّا بِالقِسْطِ، مِنْ أَجْلِ رَغْبَتِهِمْ عَنْهُنَّ.

فهذا الحديث الصحيح مبين لسبب نزول الآية، وأن المأمور بنكاحهن هنَّ النساء غير اليتيمات، وذلك أن بعض الأولياء يرغب في نكاح اليتيمة التي في حجره طمعا في مالها وجمالها مع ضنِّه بما يعطى لمثيلاتها من الصداق، فنهوا عن نكاحهن إلاّ أن يقسطوا ويعدلوا في إعطائهن حقوقهن كاملة، فإن خافوا أن لا يعدلوا في ذلك، فعليهم أن ينكحوا ما أحل الله تعالى لهم من النساء اللاتي ينافحن ويكافحن عن حقوقهن بأنفسهن، أو بواسطة أوليائهن.

فهذا سبب نزول الآية، وهذا معناها الصحيح الموافق لنسقها اللغوي، وتدل عليه آيات أخرى منها: قوله تعالى: {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ } [النساء: 127] [النساء: 127]

وجواز التعدد - لمن هو قادر عليه - له أدلة كثيرة، منها ترغيبه صلى الله عليه وسلم في الزواج، وتكثير الذرية، ومنها إقراره صلى الله عليه وسلم لمن هو متزوج من أصحابه بأكثر من واحدة على ذلك، وإنما ألغى من ذلك ما زاد على الحد الذي حده الله تعالى، وهو أن لا يزيد الرجل على أربع من الحرائر في عصمته، كما في الموطأ والسنن أن غيلان بن مسلمة الثقفي أسلم وله عشر نسوة في الجاهلية، فأسلمن معه، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يتخير أربعا منهن.

- أما قوله تعالى: {وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا } [النساء: 129]، فليس معناه منع التعدد، بل يخبر تعالى أن الأزواج لا يستطيعون العدل التام بين النساء، وذلك لأن العدل يستلزم وجود المحبة على السواء، والميل في القلب إليهن على السواء، ثم العمل بمقتضى ذلك.

وهذا متعذر غير ممكن، فلذلك عفا الله عما لا يستطاع، ونهى عما هو ممكن، فالنفقة والكسوة والقسم ونحوها عليكم أن تعدلوا بينهن فيها، بخلاف الحب والوطء ونحو ذلك، فإن الزوجة إذا ترك زوجها ما يجب لها، صارت كالمعلقة التي لا زوج لها فتستريح وتستعد للتزوج، ولا ذات زوج يقوم بحقوقها؛ ولذا قال تعالى: {فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ} أي: لا تميلوا ميلا كثيرا بحيث لا تؤدون حقوقهن الواجبة، بل افعلوا ما هو باستطاعتكم من العدل.

 





كلمات دليلية:


أول من يدخل الجنة من أغنياء الصحابة هو <b> عبد الرحمن بن عوف <b/>.