islamkingdomfaceBook islamkingdomtwitter islamkingdominstagram islamkingdomyoutube islamkingdomnew

المنتخب في تفسير القرآن الكريم
6307

13-الرعد

المر تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ

ألف.<BR>لام.<BR>ميم.<BR>راء.<BR>هذه حروف صوتية تبدأ بها بعض سور القرآن، وهى تشير إلى أنه معجز مع أنه مكون من الحروف التى تتكون منها كلمات العرب، وهذه الحروف الصوتية كانت تجذب العرب، لسماع القرآن.<BR>ذلك أن المشركين تواصوا فيما بينهم ألا يسمعوا هذا القرآن، فكان المؤمنون إذا ابتدأوا بهذه الحروف الصوتية استرعى ذلك أسماع المشركين فيسمعون.<BR>إن تلك الآيات العظيمة هى هذا القرآن، الكتاب العظيم الشأن الذى نزل عليك - أيها النبى - بالحق والصدق من الله الذى خلقك واصطفاك، ولكن أكثر المشركين الذين كفروا بما جاء به من الحق ليس من شأنهم أن يذعنوا للحق، بل هم يعاندون فيه.

اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ

وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ

وهو سبحانه الذى بسط لكم الأرض، وجعلها ذلولاً تسيرون فيها شرقًا وغربًا، وجعل فى هذه الأرض جبالا ثابتة وأنهارًا تجرى فيها المياه العذبة، وجعل من ماء هذه الأنهار الثمرات المختلفة التى تتوالد، والأصناف المتقابلة، منها الحلو والحامض، ومنها الأبيض والأسود، وأنه سبحانه يستر النهار بالليل، وأن فى هذا الكون وعجائبه لعلامات بينة تثبت قدرة الله ووحدانيته لمن يتفكر ويتدبر.

وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ

وإن الأرض ذاتها فيها عجائب، فيها قطع من الأرض يجاور بعضها بعضا، وهى مختلفة التربة مع ذلك، بعضها قاحل، وبعضها خصب، وإن اتحدت التربة، ففيها حدائق مملوءة بكروم العنب، وفيها زرع يحصد، ونخيل مثمر، وهى مجتمعة ومتفرقة، ومع أنها تسقى بماء واحد يختلف طعمها، وإن فى هذه العجائب لدلائل واضحة على قدرة الله لمن له عقل يفكر به ( 1).<BR>_________<BR>(1) تشير الآية الكريمة إلى علوم الأراضى والبيئة وأثرها على صفات النبات، فمن المعروف علميًا أن التربة الزراعية تتكون من حبيبات معدنية مختلفة المصدر والحجم والترتيب، ومن الماء ومصدره المطر، ومن الهواء، ومن المادة العضوية التى يرجع وجودها إلى بقايا النبات والأحياء الأخرى التى توجد على سطح التربة أو فى داخلها، وفضلا عن ذلك فتوجد ملايين الكائنات الحية الدقيقة لا ترى بالعين المجردة لصغر حجمها، وتختلف أعدادها من عشرات الملايين إلى مئاتها فى كل جرام من التربة السطحية الزراعية.<BR>إن النظرة الشاملة لصفات التربة الطبيعية والكيمائية والحيوية إن دلت على شىء فإنما تدل على قدرة الخالق، وروعة الخلق.<BR>فالأرض كما يقول الزارعون بحق تختلف من شبر إلى شبر.<BR>ومعروف للعلماء أن أى نقص فى أحد المواد الأساسية للتغذية يتبعه تغيير مميز تظهر أعراضه على النبات، ولذلك يعمد الزارعون إلى تعويض النقص بالتسميد الملائم، وعوامل البيئة أكثر من أن تحصى ولها أثر ملحوظ على الثمر والإثمار سواء كان النبات متحد الأصل أم مختلفه فسبحان مَنْ بيده ملكوت كل شىء وهو على كل شىء قدير.

وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ

وإن أمر المشركين مع هذه الدلائل لعجب، فإن كنت يا محمد تعجب، فالعجب هو قولهم: أبعد الموت وبعد أن نصير ترابًا نكون أحياء من جديد؟ وهذا شأن الذين يكفرون بخالقهم، عقولهم قيدت بالضلال، ومآلهم النار التى يخلدون فيها، فهم جاحدون، مع أن مَنْ يقدر على الإنشاء يقدر على الإعادة.

وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ

ويذهب بهم فرط ضلالهم أن يطلبوا إنزال العذاب عاجلا بدل أن يطلبوا الهداية التى تنقذهم، ويتوهمون أن الله لا ينزل بهم العقوبة فى الدنيا إن أراد، وقد مضت عقوبات أمثالهم على ذلك، فيمن أهلكهم الله قبلهم، وشأن الله أن يغفر الظلم لمن يتوب ويعود إلى الحق، وينزل العقاب الشديد بمن يستمر على ضلاله.

وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آَيَةٌ مِنْ رَبِّهِ إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ

ويقول هؤلاء الجاحدون غير معتدين بالمعجزة الكبرى، وهى القرآن: هلا أنزل عليه ربه علامة على نبوته من الحس كتحريك الجبال، فيبين الله لنبيه الحق فى القضية؟ ويقول له سبحانه: إنما أنت - أيها النبى - منذر لهم بسوء العاقبة، إن استمروا على ضلالهم، ولكل قوم رسول يهديهم إلى الحق، ومعجزة تبين رسالته، وليس لهم أن يختاروا، إنما عليهم أن يجيبوا التحدى وأن يأتوا بمثله.

اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ

الذى أعطى الرسول تلك المعجزة الكبرى هو الذى يعلم كل شىء، ويعلم النفوس الإنسانية من وجودها نطفة فى الرحم إلى موتها، فيعلم ما تحمل كل أنثى من أجنة ليس فقط من ذكورة أو من أنوثة، وإنما يعلم حال الجنين ومستقبله فى حياته الدنيا شقى أم سعيد، مؤمن أم كافر، غنى أم فقير، ومقدار أجله فى الدنيا وكل ما يتصل بشئونه فى الحياة.

عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ

هو الذى يعلم ما يغيب عن حسنا، ويعلم ما نشاهده علمًا، أعظم مما نشاهد ونرى، وهو سبحانه العظيم الشأن الذى يعلم كل ما فى الوجود.

سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ

يعلم كل أحوالكم فى حياتكم، وكل أقوالكم وأعمالكم، فيعلم ما تسرون، وما تعلنون من أفعال وأقوال، ويعلم استخفاءكم بالليل وبروزكم بالنهار، والكل فى علمه سواء.

لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِ

وأن الله سبحانه هو الذى يحفظكم، فكل واحد من الناس له ملائكة تحفظه بأمر الله وتتناوب على حفظه من أمامه ومن خلفه، وأن الله سبحانه لا يغير حال قوم من شدة إلى رخاء، ومن قوة إلى ضعف، حتى يغيروا ما بأنفسهم بما يتناسب مع الحال التى يصيرون إليها، وإذا أراد الله أن ينزل بقوم ما يسوؤهم فليس لهم ناصر يحميهم من أمره، ولا من يتولى أمورهم فيدفع عنهم ما ينزل بهم.

هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ

وإن قدرة الله تعالى فى الكون بارزة آثارها ظاهرة، فهو الذى يريكم البرق فترهبون منظره، أو تخافون أن ينزل عليكم المطر من غير حاجة إليه فيفسد الزرع، أو تطمعون من وراء البرق فى مطر غزير تحتاجون إليه ليصلح الزرع.<BR>وهو الذى يكوِّن السحب المملوءة بالأمطار.

وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ

وإن الرعد خاضع لله سبحانه وتعالى خضوعًا مطلقًا، حتى أن صوته الذى تسمعون كأنه تسبيح له سبحانه بالحمد على تكوينه، دلالة على خضوعه، وكذلك الأرواح الطاهرة التى لا ترونها تسبِّح حامدة له، وهو الذى يُنْزِل الصواعق المحرقة فيصيب بها من يريد أن تنزل عليه، ومع هذه الدلائل الظاهرة الدالة على قدرته سبحانه يجادلون فى شأن الله سبحانه، وهو شديد القوة والتدبير فى رد كيد الأعداء.

لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ

وأن الذين يدعونهم فى خوفهم وأمنهم من الأصنام - دون أن يدعوا الله وحده - لا يجيبون لهم نداء ولا دعاء، وحالهم معهم كحال مَنْ يبْسط كفه ويضعها ليحمل بهذه اليد المبسوطة الماء ليبلغ فمه فيرتوى، وليس من شأن الكف المبسوطة أن توصل الماء إلى الفم، وإذا كانت تلك حالهم فما دعاؤهم الأصنام إلا ضياع وخسارة.

وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ

والله سبحانه يخضع لإرادته وعظمته كل من فى السموات والأرض من أكْوان وأناس وجن وملائكة طائعين، أو كارهين لما ينزل بهم، حتى ظلالهم من طول وقصر حسب أوقات النهار فى الظهيرة وفى الأصيل خاضعة لأمر الله ونهيه.

قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا

أمر الله نبيه أن يجادل المشركين هاديًا مبينًا، فقال له: قل لهم - أيها النبى -: مَنْ الذى خلق السموات والأرض، وهو الحافظ لهما، والمسير لما فيهما؟ ثم بين لهم الجواب الصحيح الذى لا يحارون فيه، فقل لهم: هو الله المعبود بحق دون سواه، فكان حقا عليكم أن تعبدوه - وحده -.<BR>ثم قل لهم: أفترون الأدلة المثبتة لإنشائه- وحده - كل شىء.<BR>وتتخذون مع ذلك أوثانًا تعتبرونها آلهة من غير أن تقروا بوحدانيته، وهذه الأوثان لا تملك لذاتها نفعًا ولا ضرًا، فكيف تسوونها بالخالق المدبر، إنكم تسوون بين الخالق لكل شىء ومن لا يملك شيئًا! فكنتم كمن يسوى بين المتضادين، فهل يستوى من يبصر ومن لا يبصر؟ وهل تستوى الظلمة المتكاثفة الحالكة والنور المبين؟ أيسوغون تلك التسوية؟ أم ذهب بهم فرط ضلالهم إلى زعم أن أوثانهم شركاء له فى الخلق والتدبير، فتشابه عليهم أمر الخلق، كما ضلوا العبادة، قل لهم، أيها النبى: الله - وحده - هو الخالق لكل ما فى الوجود، وهو المتفرد بالخلق والعبادة، الغالب على كل شىء.

أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزّ

وأن نعمه تعالى مرئية لكم، وأصنامكم لا تأثير لها فى هذه النعم، فهو الذى أنزل عليكم الأمطار من السحاب، فتسيل بها الأنهار والوديان كل بالمقدار الذى قدره الله تعالى لإنبات الزرع، وإثمار الشجر.<BR>والأنهار فى جريانها تحمل ما لا نفع فيه ويعلو على سطحها، فيكون فيها ما فيه نفع فيبقى، وما لا نفع فيه يذهب.<BR>ومثل ذلك الحق والباطل، فالأول يبقى والثانى يذهب، ومن المعادن التى يصهرونها بالنار ما يتخذون منها حلية كالذهب والفضة، ومنافع ينتفعون بها كالحديد والنحاس، ومنها ما لا نفع فيه يعلو السطح، وأن ما لا نفع فيه يرمى وينبذ، وما فيه النفع يبقى، كذلك الأمر فى العقائد: ما هو ضلال يذهب، وما هو صدق يبقى.<BR>وبمثل هذا يبين الله سبحانه الحقائق، ويمثل بعضها ببعض لتكون كلها واضحة بينة (1).<BR>________<BR>(1) بيَّن الله هنا تشبيهين بالحق هما الماء الصافى والمعدن الصافى ينتفع بهما، ويبين شبيهين للباطل هما زبد الماء وزبد المعادن المذابة لا نفع منها، فقال: " أنزل من السحاب مطرًا فسالت مياه أودية بمقدارها فى الصغر والكبر فحمل الماء السائل زبدًا عاليًا على وجه الماء يسمى غثاء، ومن بعض المعادن التى يوقد الناس عليها فى النار كالذهب والفضة والنحاس والرصاص طالبين عمل حلية أو متاع ينتفع به كالأوانى وغيرها زبد مثل زبد الماء فى كونه عاليًا فوق سوائل المعادن يسمى خبيثًا كهذا المذكور من الماء وزبده والمعدن وزبده بين الله للناس الحق والباطل فالحق كالماء الصافى والمعدن الصافى، والباطل كالزبد الصافى والذى لا ينتفع به.<BR>فأما الزبد الناشئ عن السيل والمعادن فيذهب مرميا به، وأما ما ينفع الناس من الماء والمعادن فيبقى فى الأرض للنفع، كهذين المثالين فى الجلاء والوضوح يبين الله الأمثال للناس دائمًا فيبصرهم بالخير والشر.<BR>ولما بين الله سبحانه وتعالى شأن كل من الحق والباطل شرع يبين حال أهل كل منهما، فقال: للذين أجابوا ربهم بالطاعة المثوبة فى الآخرة وفى الجنة ونعيمها، والذين لم يجيبوا لو ملكوا أموال الدنيا وملكوا معها مثلها لبذلوه ليدفعوا عن أنفسهم عذاب الله ولكنه لا يقبل منهم إذا فرض وملك.

لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ

وإن الناس فى تلقيهم للهدى قسمان: قسم أجاب دعوة الله الخالق المدبر، فلهم العاقبة الحسنى فى الدنيا والآخرة، وقسم لم يُجب دعوة الذى أنشأه، وهؤلاء لهم العاقبة فى الآخرة، ولو ثبت لهم ملك كل ما فى الأرض جميعًا ومثله معه، ما استطاعوا أن يدفعوا عن أنفسهم العاقبة السيئة، ولكن أنى يكون لهم ذلك الملك؟ ولذلك كان لهم حساب يسوؤهم وينتهون به إلى جهنم وبئس القرار والمستقر.

أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ

إن المهتدين والضالين لا يستوون، فهل يكون الذى يعلم أن ما نزل عليك من الله الذى ربَّاك وكوَّنك واصطفاك لأداء رسالته، هو الحق الذى لا شك فيه.<BR>.<BR>هل يكون كمن ضل عن الحق، حتى صار كالأعمى الذى لا يبصر؟ إنه لا يدرك الحق وما يتذكر عظمة الله إلا أصحاب العقول التى تفكر.

الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ

أولئك الذين يدركون الحق، هم الذين يوفون بعهد الله تعالى عليهم بمقتضى الفطرة والتكوين وبمقتضى توثيق عقودهم وعهودهم، ولا يقطعون المواثيق التى عقدوها باسم الله بينهم وبين العباد، ولا بالميثاق الأكبر الذى عقده بالفطرة والتكوين، وجعلهم يدركون الحق ويؤمنون، إلا أن يضلوا فى يقينهم.

وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ

وأولئك المؤمنون من دأبهم المحبة والطاعة، إنهم يعقدون المودة مع الناس ويخصون ذوى أرحامهم، ويؤيدون ولاتهم فى الحق، وهم يعرفون حق الله فيخشونه، ويخافون الحساب الذى يسوؤهم يوم القيامة فيتوقّون الذنوب ما استطاعوا.

وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ

وهم يصبرون على الأذى يطلبون رضا الله بتحمله فى سبيل إعلاء الحق، ويؤدون الصلاة على وجهها تطهيرًا لأرواحهم وتذكرًا لربهم، وينفقون من المال الذى أعطاهم الله فى السر والعلن من غير رياء، ويدفعون السيئات بالحسنات يقومون بها، وهم بهذه الصفات لهم العاقبة الحسنة، بالإقامة يوم القيامة بأحسن دار وهى الجنة.

جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آَبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ

تلك العاقبة الطيبة إقامة مستمرة فى الجنات والنعيم، يكونون فيها هم وآباؤهم الذين صلحت عقائدهم وأعمالهم، ومعهم أزواجهم وذرياتهم والملائكة تحييهم وتجىءَ إليهم من كل ناحية.

سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ

وتقول لهم: السلام الدائم لكم بسبب صبركم على الأذى وصبركم فى مكافحة أهوائكم، وما أحسن هذه العاقبة التى صرتم إليها، وهى الإقامة فى دار النعيم.

وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ

وأن أوصاف المؤمنين الطيبة تقابلها أوصاف المشركين الذميمة.<BR>.<BR>فالمشركون ينقضون عهد الله الذى أخذه عليهم بمقتضى الفطرة ووثقه، فيخالفون فطرتهم وعقولهم بعبادتهم حجارة لا تنفع ولا تضر، وينكثون فى عهودهم مع العباد، ثم يقطعون مودتهم مع الناس وصلتهم بالله، فلا يطيعون أوامره ولا يفردونه بالعبادة ويفسدون فى الأرض بالاعتداء فيها، وعدم إصلاحها والانتفاع بها، والله سبحانه لا يحب العبث والإفساد.

اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ

وإذا كان أولئك المشركون يرون أنهم قد أُوتوا مالاً وفيرًا، والمؤمنون فقراء ضعفاء، فليعلموا أن الله تعالى يعطى الرزق الوفير لمن يشاء إذا أخذ فى الأسباب، ويضيِّقه على من يشاء، فهو يعطيه للمؤمن وغير المؤمن، فلا تظنوا أن كثرة المال فى أيديهم دليل على أنهم على الحق، ولكنهم يفرحون بما أوتوا من مال، مع أن الله تعالى يعطى الدنيا لمن يحب ومن لا يحب، وما الحياة الدنيا إلا متع عارضة ضئيلة فانية.

وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آَيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ

وأن أولئك المشركين تذهب بهم اللجاجة فيقولون: هلا أُنزل على النبى من الله معجزة أخرى؟ فقل - أيها النبى -: إن السبب فى عدم إيمانكم ليس نقص المعجزة، إنما هو الضلال، والله سبحانه وتعالى يضل من يريد ضلاله مادام يسير فى طريق الضلال، ويهدى إلى الحق من يرجع إلى الله دائمًا.

الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ

وأن هؤلاء الذين يرجعون إلى الله، ويقبلون على الحق، هم الذين آمنوا وهم الذين تسكن قلوبهم عند ذكر الله تعالى بالقرآن وغيره، وإن القلوب لا تسكن وتطمئن إلا بتذكر عظمة الله وقدرته وطلب رضاه بطاعته.

الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآَبٍ

وإن الذين أذعنوا للحق، وقاموا بالأعمال الصالحة، لهم العاقبة الطيبة والمآل الحسن.

كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ

كما أرسلنا إلى الماضين من الأمم رسلا بينوا لهم الحق، فضل من ضل واهتدى من اهتدى، وآتيناهم معجزات تدل على رسالتهم، أرسلناك فى أمة العرب وغيرهم، وقد مضت من قبلهم أمم، وكانت معجزتك القرآن لتقرأه لهم قراءة توضح معانيه وجلاله، وهم جاحدون برحمة الله عليهم بإنزال القرآن، فقل لهم - أيها النبى -: الله هو الذى خلقنى ويحمينى ويرحمنى، لا إله يُعبد - بحق - غيره، أعتمد عليه - وحده - وإليه مرجعى ومرجعكم.

وَلَوْ أَنَّ قُرْآَنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا أَفَلَمْ يَيْئَسِ الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَ

إنهم يطلبون معجزة غير القرآن مع عظم تأثيره لو طلبوا الحق وأذعنوا له، فلو ثبت أن كتابًا يُقرأ فتتحرك به الجبال من أماكنها، أو تتصدع به الأرض، أو تخاطب به الموتى، لكان ذلك هو القرآن، ولكنهم معاندون، ولله - وحده - الأمر كله فى المعجزات وجزاء الجاحدين، وله فى ذلك القدرة الكاملة، وإذا كانوا فى هذه الحال من العناد، أفلا ييأس الذين أذعنوا للحق من أن يؤمن هؤلاء الجاحدين، وإن جحودهم بإرادة الله، ولو أراد أن يهتدى الناس جميعًا لاهتدوا، وأن قدرة الله ظاهرة بين أيديهم، فلا يزالون تصيبهم بسبب أعمالهم القوارع الشديدة التى تهلكهم، أو تنزل قريبًا منهم، حتى يكون الموعد الذى وعد الله به، والله تعالى لا يخلف موعده.

وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ

وإذا كان أولئك الجاحدون قد استهزأوا بما تدعو إليه وبالقرآن، فقد سخروا بالرسل الذين أرسلوا قبلك - أيها النبى - فلا تحزن لأنى أمهل الذين جحدوا ثم آخذهم فيكون العقاب الشديد الذى لا يقدر وصفه ولا تُعرف حاله.

أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ و

إن المشركين ضلوا فى جحودهم، فجعلوا لله شركاء فى العبادة، فهل من هو حافظ مراقب لكل نفس مُحْصٍ عليها ما تكسب من خير أو شر، تماثله هذه الأوثان؟ قل لهم - أيها النبى -: صفوهم بأوصافهم الحقيقية، أهم أحياء؟ أهم يدفعون الضر عن أنفسهم؟ فإن كانت حجارة لا تنفع ولا تضر، فهل تخدعون أنفسكم بأن يخبروا الله بما تتوهمون أنه لا يعلمه فى هذه الأرض، أم تضعونهم فى موضع العبادة بألفاظ تتلوى بها ألسنتكم، بل الحقيقة أنه زين لهم تدبيرهم وتمويههم الباطل، وبسبب ذلك صرفوا عن طريق الحق وتاهوا، ومن يكن ضلالهم مثلهم، فلن يهديه أحد، لأنه صرف نفسه عن سبيل الهداية.

لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ

لهم العذاب فى الدنيا بالهزيمة والأسر والقتل، إن سار المؤمنون فى سبيل الحق، ولعذاب الآخرة النازل بهم لا محالة أشد وأدْوم، وما لهم أحد يقيهم من عذاب الله القاهر فوق كل شىء.

مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ

وإذا كان لهؤلاء هذا العذاب، فللمؤمنين الجنة ونعيمها، وقد وعدوا بها.<BR>وحال هذه الجنة التى وعد بها أولئك الذين استقاموا على الحق، وجعلوا بينهم وبين الباطل وقاية من الإيمان أنها تجرى من تحت أشجارها المياه العذبة ثمراتها دائمة لا تنقطع، وظلها دائم.<BR>وهذه عاقبة الذين اتقوا الشر.<BR>أما الجاحدون فعاقبتهم دخول النار.

وَالَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآَبِ

والذين أعطوا علم الكتب المنزلة من شأنهم أن يفرحوا بالكتاب الذى أنزل عليك: لأنه امتداد للرسالة الإلهية، ومن يتخذون التدين تحزبًا: ينكرون بعض ما أنزل إليك عداوة وعصبية، فقل - أيها النبى -: إنى ما أمرت إلا بأن أعبد الله لا أشرك فى عبادته شيئًا، وإلى عبادته - وحده - أدعو، وإليه - وحده - مرجعى.

وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَمَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ

ومِثْل الإنزال للكتب السماوية، أنزلنا إليك القرآن حاكمًا للناس فيما بينهم، وحاكمًا على الكتب السابقة بالصدق.<BR>وقد أنزلناه بلغة عربية، فهو عربى، ولا تساير المشركين أو أهل الكتاب بعد الذى جاءك من الوحى والعلم، ولئن سايرتهم فما لك ناصر ينصرك من الله، أو يقيك منه.<BR>والخطاب للنبى، وهو أولى بالمؤمنين، والتحذير لهم حقيقى، وللنبى لبيان أنه مع اصطفائه وعلو منزلته قابل للتحذير.

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآَيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ

وإذا كان المشركون يثيرون العجب من أن لك أزواجًا وذرية، ويطلبون معجزة غير القرآن، فقد أرسلنا من قبلك رسلا لهم أزواج وأولاد، فالرسول من البشر له أوصاف البشر، ولكنه خير كله، وليس لنبى أن يأتى بمعجزة كما يحب أو يحب قومه، بل الذى يأتى بالمعجزة هو الله، وهو الذى يأذن له بها.<BR>لكل جيل من الأجيال أمر كتبه الله لهم يصلح به أمرهم، فلكل جيل معجزته التى تناسبه.

يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ

يمحو الله ما يشاء من شرائع ومعجزات، ويحل محلها ما يشاء ويثبته وعنده أصل الشرائع الثابت الذى لا يتغير، وهو الوحدانية وأمهات الفضائل، وغير ذلك.

وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ

ولئن أريناك بعض الذى نعدهم من ثواب أو عقاب، أو توفَّيناك قبل ذلك، لرأيت هول ما ينزل بالمشركين، ولرأيت نعيم المؤمنين، وليس عليك هذا، إنما الذى عليك أن تبلغ الرسالة والحساب علينا وحدنا.

أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ

وإن أمارات العذاب والهزيمة قائمة، ألم ينظروا إلى أنّا نأتى الأرض التى قد استولوا عليها، يأخذها منهم المؤمنون جزءا بعد جزء؟ وبذلك ننقص عليهم الأرض من حولهم، والله - وحده - هو الذى يحكم بالنصر أو الهزيمة، والثواب أو العقاب، ولا راد لحكمه، وحسابه سريع فى وقته، فلا يحتاج الفصل إلى وقت طويل، لأن عنده علم كل شىء، فالبينات قائمة (1 ).<BR>_________<BR>(1) تتضمن هذه الآية حقائق وصلت إليها البحوث العلمية الأخيرة إذ ثبت أن سرعة دوران الأرض حول محورها وقوة طردها المركزى يؤديان إلى تفلطح فى القطبين وهو نقص فى طرفى الأرض، وكذلك عرف أن سرعة انطلاق جزئيات الغازات المغلفة للكرة الأرضية إذا ما جاوزت قوة جاذبية الأرض لها، فإنها تنطلق إلى خارج الكرة الأرضية.<BR>وهذا يحدث بصفة مستمرة فتكون الأرض فى نقص مستمر لأطرافها، لا أرض أعداء المؤمنين، وهذا احتمال فى التفسير تقبله الآية الكريمة.

وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ

وقد دبَّر الذين من قبلهم التَّدبير السيئ لرسلهم، ولله سبحانه تدبير الأمر كله فى حاضر الكافرين وقابلهم، وسيكون الجزاء على ما يصنعون، وهو يعلم ما تعمله كل نفس.<BR>وإذا كانوا يجهلون أن العاقبة الحسنة للمؤمنين، فسيعلمون يوم القيامة - بالرؤية - لمن تكون العاقبة الحسنة بالإقامة فى دار النعيم.

وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ

والغاية من المراء الذى يقوم به الذين جحدوا ولم يذعنوا للحق أن يقولوا لك - أيها النبى - لست مرسلا من عند الله، فقل لهم: حسبى أن الله هو الذى يحكم بينى وبينكم، والذى يعلم حقيقة القرآن، وما يدل عليه من إعجاز باهر تُدركه العقول السليمة.


1-الفاتحة 2-البقرة 3-آل-عمران 4-النساء 5-المائدة 6-الأنعام 7-الأعراف 8-الأنفال 9-التوبة 10-يونس 11-هود 12-يوسف 13-الرعد 14-إبراهيم 15-الحجر 16-النحل 17-الإسراء 18-الكهف 19-مريم 20-طه 21-الأنبياء 22-الحج 23-المؤمنون 24-النور 25-الفرقان 26-الشعراء 27-النمل 28-القصص 29-العنكبوت 30-الروم 31-لقمان 32-السجدة 33-الأحزاب 34-سبأ 35-فاطر 36-يس 37-الصافات 38-ص 39-الزمر 40-غافر 41-فصلت 42-الشورى 43-الزخرف 44-الدخان 45-الجاثية 46-الأحقاف 47-محمد 48-الفتح 49-الحجرات 50-ق 51-الذاريات 52-الطور 53-النجم 54-القمر 55-الرحمن 56-الواقعة 57-الحديد 58-المجادلة 59-الحشر 60-الممتحنة 61-الصف 62-الجمعة 63-المنافقون 64-التغابن 65-الطلاق 66-التحريم 67-الملك 68-القلم 69-الحاقة 70-المعارج 71-نوح 72-الجن 73-المزمل 74-المدثر 75-القيامة 76-الإنسان 77-المرسلات 78-النبأ 79-النازعات 80-عبس 81-التكوير 82-الانفطار 83-المطففين 84-الانشقاق 85-البروج 86-الطارق 87-الأعلى 88-الغاشية 89-الفجر 90-البلد 91-الشمس 92-الليل 93-الضحى 94-الشرح 95-التين 96-العلق 97-القدر 98-البينة 99-الزلزلة 100-العاديات 101-القارعة 102-التكاثر 103-العصر 104-الهمزة 105-الفيل 106-قريش 107-الماعون 108-الكوثر 109-الكافرون 110-النصر 111-المسد 112-الإخلاص 113-الفلق 114-الناس