islamkingdomfaceBook islamkingdomtwitter islamkingdominstagram islamkingdomyoutube islamkingdomnew

تفسير الطبرى
3519

2-البقرة

الم

ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { ذَلِكَ الْكِتَاب } </subtitle>قَالَ عَامَّة الْمُفَسِّرِينَ : تَأْوِيل قَوْل اللَّه تَعَالَى : { ذَلِكَ الْكِتَاب } هَذَا الْكِتَاب . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 201 - حَدَّثَنِي هَارُونَ بْن إدْرِيس الْأَصَمّ الْكُوفِيّ , قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْد الرَّحْمَن بْن مُحَمَّد الْمُحَارِبِيّ , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ , عَنْ مُجَاهِد : { ذَلِكَ الْكِتَاب } قَالَ : (هُوَ هَذَا الْكِتَاب . )202 - حَدَّثَنِي يَعْقُوب بْن إبْرَاهِيم , قَالَ : حَدَّثَنَا ابْن عُلَيَّة , قَالَ : أَخْبَرَنَا خَالِد الْحِذَاء , عَنْ عِكْرِمَة , قَالَ : ( { ذَلِكَ الْكِتَاب } هَذَا الْكِتَاب . )203 - حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن إسْحَاق الْأَهْوَازِيّ , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَد الزَّبِيرِي قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَكَم بْن ظُهَيْر , عَنْ السُّدِّيّ فِي قَوْله : ( { ذَلِكَ الْكِتَاب } قَالَ : هَذَا الْكِتَاب )204 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم بْن الْحَسَن , قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْن بْن دَاوُد , قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاج عَنْ ابْن جُرَيْجٍ قَوْله : ( { ذَلِكَ الْكِتَاب } هَذَا الْكِتَاب . قَالَ : قَالَ ابْن عَبَّاس : { ذَلِكَ الْكِتَاب } : هَذَا الْكِتَاب . )فَإِنْ قَالَ قَائِل : وَكَيْفَ يَجُوز أَنْ يَكُون | ذَلِكَ | بِمَعْنَى | هَذَا | ؟ و | هَذَا | لَا شَكَّ إشَارَة إلَى حَاضِر مُعَايَن , و | ذَلِكَ | إشَارَة إلَى غَائِب غَيْر حَاضِر وَلَا مُعَايَن ؟ قِيلَ : جَازَ ذَلِكَ لِأَنَّ كُلّ مَا تَقَضَّى وَقَرُبَ تَقَضِّيه مِنْ الْأَخْبَار فَهُوَ وَإِنْ صَارَ بِمَعْنًى غَيْر الْحَاضِر , فَكَالْحَاضِرِ عِنْد الْمُخَاطَب ; وَذَلِكَ كَالرَّجُلِ يُحَدِّث الرَّجُل الْحَدِيث , فَيَقُول السَّامِع : إنَّ ذَلِكَ وَاَللَّه لَكُمَا قُلْت , وَهَذَا وَاَللَّه كَمَا قُلْت , وَهُوَ وَاَللَّه كَمَا ذَكَرْت . فَيُخْبِر عَنْهُ مُرَّة بِمَعْنَى الْغَائِب إذْ كَانَ قَدْ تَقَضَّى وَمَضَى , وَمَرَّة بِمَعْنَى الْحَاضِر لِقُرْبِ جَوَابه مِنْ كَلَام مُخْبِره كَأَنَّهُ غَيْر مُنْقَضٍ , فَكَذَلِكَ ذَلِكَ فِي قَوْله : { ذَلِكَ الْكِتَاب } لِأَنَّهُ جَلَّ ذِكْره لَمَّا قَدِمَ قَبْل ذَلِكَ الْكِتَاب { الم } الَّتِي ذَكَرْنَا تَصْرِفهَا فِي وُجُوههَا مِنْ الْمَعَانِي عَلَى مَا وَصَفْنَا , قَالَ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا مُحَمَّد هَذَا الَّذِي ذَكَرْته وَبَيَّنْته لَك الْكِتَاب . وَلِذَلِكَ حَسَن وَضَعَ | ذَلِكَ | فِي مَكَان | هَذَا | , لِأَنَّهُ أُشِير بِهِ إلَى الْخَبَر عَمَّا تَضَمَّنَهُ قَوْله : { الم } مِنْ الْمَعَانِي بَعْد تَقَضِّي الْخَبَر عَنْهُ { الم } , فَصَارَ لِقُرْبِ الْخَبَر عَنْهُ مِنْ تَقَضِّيه كَالْحَاضِرِ الْمُشَار إلَيْهِ , فَأَخْبَرَ عَنْهُ بِذَلِكَ لِانْقِضَائِهِ وَمُصِير الْخَبَر عَنْهُ كَالْخَبَرِ عَنْ الْغَائِب . وَتَرْجَمَهُ الْمُفَسِّرُونَ أَنَّهُ بِمَعْنَى | هَذَا | لِقُرْبِ الْخَبَر عَنْهُ مِنْ انْقِضَائِهِ , فَكَانَ كَالْمُشَاهَدِ الْمُشَار إلَيْهِ بِهَذَا نَحْو الَّذِي وَصَفْنَا مِنْ الْكَلَام الْجَارِي بَيْن النَّاس فِي مُحَاوَرَاتهمْ , وَكَمَا قَالَ جَلَّ ذِكْره : { وَاذْكُرْ إسْمَاعِيل وَاَلْيَسَع وَذَا الْكِفْل وَكُلّ مِنْ الْأَخْيَار هَذَا ذِكْر } [38 48 : 49 ]فَهَذَا مَا فِي | ذَلِكَ | إذَا عَنَى بِهَا | هَذَا | . وَقَدْ يَحْتَمِل قَوْله جَلَّ ذِكْره : { ذَلِكَ الْكِتَاب } أَنْ يَكُون مَعْنِيًّا بِهِ السُّوَر الَّتِي نَزَلَتْ قَبْل سُورَة الْبَقَرَة بِمَكَّة وَالْمَدِينَة , فَكَأَنَّهُ قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا مُحَمَّد اُعْلُمْ أَنَّ مَا تَضَمَّنَتْهُ سُوَر الْكِتَاب الَّتِي قَدْ أَنَزَلْتهَا إلَيْك هُوَ الْكِتَاب الَّذِي لَا رَيْبَ فِيهِ . ثُمَّ تَرْجَمَهُ الْمُفَسِّرُونَ بِأَنَّ مَعْنَى | ذَلِكَ | : | هَذَا الْكِتَاب | , إذْ كَانَتْ تِلْكَ السُّوَر الَّتِي نَزَلَتْ قَبْل سُورَة الْبَقَرَة مِنْ حَمَلَة جَمِيع كِتَابنَا هَذَا الَّذِي أَنَزَلَهُ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ عَلَى نَبِيّنَا مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَكَانَ التَّأْوِيل الْأَوَّل أَوْلَى بِمَا قَالَهُ الْمُفَسِّرُونَ ; لِأَنَّ ذَلِكَ أَظْهَر مَعَانِي قَوْلهمْ الَّذِي قَالُوهُ فِي ذَلِكَ . وَقَدْ وَجْه مَعْنَى ذَلِكَ بَعْضهمْ إلَى نَظِير مَعْنَى بَيْت خُفَاف بْن نُدْبَة السُّلَمِيّ : <br>فَإِنْ تَكُ خَيْلِي قَدْ أُصِيب صَمِيمهَا .......... فَعَمْدًا عَلَى عَيْن تَيَمَّمْت مَالِكًا <br><br>أَقُول لَهُ وَالرُّمْح يَأْطُر مَتْنه .......... تَأْمُل خُفَافًا إنَّنِي أَنَا ذَلِكَا <br>كَأَنَّهُ أَرَادَ : تَأَمَّلْنِي أَنَا ذَلِكَ . فَرَأَى أَنَّ | ذَلِكَ الْكِتَاب | بِمَعْنَى | هَذَا | نَظِير مَا أَظْهَرَ خُفَاف مِنْ اسْمه عَلَى وَجْه الْخَبَر عَنْ الْغَائِب وَهُوَ مُخْبِر عَنْ نَفْسه , فَكَذَلِكَ أَظَهَرَ | ذَلِكَ | بِمَعْنَى الْخَبَر عَنْ الْغَائِب , وَالْمَعْنَى فِيهِ الْإِشَارَة إلَى الْحَاضِر الْمُشَاهَد وَالْقَوْل الْأَوَّل أَوْلَى بِتَأْوِيلِ الْكِتَاب لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْعِلَل . وَقَدْ قَالَ بَعْضهمْ : { ذَلِكَ الْكِتَاب } يَعْنِي بِهِ التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل , وَإِذًا وَجْه تَأْوِيل ذَلِكَ إلَى هَذَا الْوَجْه فَلَا مُؤْنَة فِيهِ عَلَى مُتَأَوِّله كَذَلِكَ لِأَنَّ | ذَلِكَ | يَكُون حِينَئِذٍ إخْبَارًا عَنْ غَائِب عَلَى صِحَّة .|لَا رَيْبَ فِيهِ|الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { لَا رَيْبَ فِيهِ } </subtitle>وَتَأْوِيل قَوْله : { لَا رَيْبَ فِيهِ } | لَا شَكَّ فِيهِ | , كَمَا : 205 - حَدَّثَنِي هَارُونَ بْن إدْرِيس الْأَصَمّ , قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْد الرَّحْمَن الْمُحَارِبِيّ عَنْ ابْن جُرَيْجٍ , عَنْ مُجَاهِد ( { لَا رَيْبَ فِيهِ } , قَالَ : لَا شَكَّ فِيهِ . )206 - حَدَّثَنِي سَلَّامُ بْن سَالِم الْخُزَاعِيّ , قَالَ : حَدَّثَنَا خَلَف بْن يَاسِين الْكُوفِيّ , عَنْ عَبْد الْعَزِيز بْن أَبِي رَوَّادٍ عَنْ عَطَاء : ( { لَا رَيْبَ فِيهِ } قَالَ : لَا شَكَّ فِيهِ . )207 - حَدَّثَنِي أَحْمَد بْن إسْحَاق الْأَهْوَازِيّ , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَد الزَّبِيرِي , قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَكَم بْن ظُهَيْر , عَنْ السُّدِّيّ , قَالَ : ( { لَا رَيْبَ فِيهِ } لَا شَكَّ فِيهِ . )208 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْن هَارُونَ الْهَمْدَانِيّ , قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرو بْن حَمَّاد , قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ فِي خَبَر ذِكْره عَنْ أَبِي مَالِك , وَعَنْ أَبِي صَالِح , عَنْ ابْن عَبَّاس , وَعَنْ مُرَّة الْهَمْدَانِيّ , عَنْ ابْن مَسْعُود , وَعَنْ نَاس مِنْ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( { لَا رَيْبَ فِيهِ } : لَا شَكَّ فِيهِ . )209 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن حُمَيْدٍ , قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَة بْن الْفَضْل عَنْ مُحَمَّد بْن إسْحَاق , عَنْ مُحَمَّد بْن أَبِي مُحَمَّد مَوْلَى زَيْد بْن ثَابِت , عَنْ عِكْرِمَة , أَوْ عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ ابْن عَبَّاس : ( { لَا رَيْبَ فِيهِ } قَالَ : لَا شَكَّ فِيهِ . )* حَدَّثَنَا الْقَاسِم بْن الْحَسَن قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاج عَنْ ابْن جُرَيْجٍ , قَالَ : قَالَ ابْن عَبَّاس : ( { لَا رَيْبَ فِيهِ } يَقُول لَا شَكَّ فِيهِ . )210 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر عَنْ قَتَادَةَ : ( { لَا رَيْبَ فِيهِ } يَقُول : لَا شَكَّ فِيهِ . )211 - وَحَدَّثَنَا عَنْ عَمَّار بْن الْحَسَن , قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ عَنْ الرَّبِيع بْن أَنَس قَوْله : ( { لَا رَيْبَ فِيهِ } يَقُول : لَا شَكَّ فِيهِ . )وَهُوَ مَصْدَر مِنْ قَوْلك : رَابَنِي الشَّيْء يَرِيبنِي رَيْبًا . وَمِنْ ذَلِكَ قَوْل سَاعِدَة بْن جُؤَيَّةَ الْهُذَلِيّ . <br>فَقَالُوا تَرَكْنَا الْحَيّ قَدْ حَصِرُوا بِهِ .......... فَلَا رَيْبَ أَنْ قَدْ كَانَ ثَمَّ لَحِيم <br>وَيُرْوَى : | حُصِرُوا | , و | حَصِرُوا | , وَالْفَتْح أَكْثَر , وَالْكَسْر جَائِز . يَعْنِي بِقَوْلِهِ : | حُصِرُوا بِهِ | أَطَافُوا بِهِ , وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ , { لَا رَيْبَ فِيهِ } لَا شَكَّ فِيهِ , وَبِقَوْلِهِ : | أَنْ قَدْ كَانَ ثُمَّ لَحِيم | يَعْنِي قَتِيلًا , يُقَال , قَدْ لُحِمَ إذَا قُتِلَ . وَالْهَاء الَّتِي فِي وَفِيهِ . عَائِده عَلَى الْكِتَاب , كَأَنَّهُ قَالَ : لَا شَكَّ فِي ذَلِكَ الْكِتَاب أَنَّهُ مِنْ عِنْد اللَّه هُدًى لِلْمُتَّقِينَ|هُدًى|الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { هُدًى } . </subtitle>212 - حَدَّثَنِي أَحْمَد بْن حَازِم الْغِفَارِيّ , قَالَ , حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْم , قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَان , عَنْ بَيَان , عَنْ الشَّعْبِيّ . ( { هُدًى } قَالَ , هُدًى مِنْ الضَّلَالَة . )213 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْن هَارُونَ , قَالَ , حَدَّثَنَا عَمْرو بْن حَمَّاد , قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاط بْن نَصْر , عَنْ إسْمَاعِيل السُّدِّيّ , فِي خَيْر ذِكْره . عَنْ أَبِي مَالِك , وَعَنْ أَبِي صَالِح , عَنْ ابْن عَبَّاس , وَعَنْ مُرَّة الْهَمْدَانِيّ , عَنْ ابْن مَسْعُود , وَعَنْ نَاس مِنْ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( { هُدًى لِلْمُتَّقِينَ } يَقُول : نُور لِلْمُتَّقِينَ . )وَالْهُدَى فِي هَذَا الْمَوْضِع مَصْدَر مِنْ قَوْلك هَدَيْت فُلَانًا الطَّرِيق - إذَا أَرَشَدْته إلَيْهِ . وَدَلَّلْته عَلَيْهِ , وَبَيَّنْته لَهُ - أُهْدِيه هُدًى وَهِدَايَةً . فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِل : أَوْ مَا كِتَاب اللَّه نُورًا إلَّا لِلْمُتَّقِينَ وَلَا رَشَادًا إلَّا لِلْمُؤْمِنِينَ ؟ قِيلَ . ذَلِكَ كَمَا وَصَفَهُ رَبّنَا عَزَّ وَجَلَّ , وَلَوْ كَانَ نُورًا لِغَيْرِ الْمُتَّقِينَ , وَرَشَادًا لِغَيْرِ الْمُؤْمِنِينَ لَمْ يَخْصُصْ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ الْمُتَّقِينَ بِأَنَّهُ لَهُمْ هُدًى , بَلْ كَانَ يَعُمّ بِهِ جَمِيع الْمُنْذِرِينَ ; وَلَكِنَّهُ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ , وَشِفَاء لِمَا فِي صُدُور الْمُؤْمِنِينَ , وَوَقِرَ فِي آذَانِ الْمُكَذِّبِينَ , وَعَمَى لِأَبْصَارِ الْجَاحِدِينَ . وَحُجَّة لِلَّهِ بَالِغَة عَلَى الْكَافِرِينَ ; فَالْمُؤْمِن بِهِ مُهْتَدٍ , وَالْكَافِر بِهِ مَحْجُوج . وَقَوْله : { هُدًى } يَحْتَمِل أَوْجُهًا مِنْ الْمَعَانِي ; أَحَدهَا : أَنْ يَكُون نَصَبًا لِمَعْنَى الْقَطْع مِنْ الْكِتَاب لِأَنَّهُ نَكَرَة وَالْكِتَاب مَعْرِفَة , فَيَكُون التَّأْوِيل حِينَئِذٍ : الم ذَلِكَ الْكِتَاب هَادِيًا لِلْمُتَّقِينَ . و | ذَلِكَ | مَرْفُوع ب | الم | , و | الم | بِهِ , و | الْكِتَاب | نَعْت ل | ذَلِكَ | . وَقَدْ يَحْتَمِل أَنْ يَكُون نَصْبًا عَلَى الْقَطْع مَنْ رَاجَعَ ذِكْرَ الْكِتَاب الَّذِي فِي | فِيهِ | , فَيَكُون مَعْنَى ذَلِكَ حِينَئِذٍ : الم الَّذِي لَا رَيْب فِيهِ هَادِيًا . وَقَدْ يَحْتَمِل أَنْ يَكُون أَيْضًا نَصْبًا عَلَى هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ , أَعْنِي عَلَى وَجْه الْقَطْع مِنْ الْهَاء الَّتِي فِي | فِيهِ | , وَمِنْ الْكِتَاب عَلَى أَنَّ | الم | كَلَام تَامّ , كَمَا قَالَ ابْن عَبَّاس إنَّ مَعْنَاهُ : أَنَا اللَّه أَعْلَم . ثُمَّ يَكُون | ذَلِكَ الْكِتَاب | خَبَرًا مُسْتَأْنَفًا , وَيَرْفَع حِينَئِذٍ الْكِتَاب ب | ذَلِكَ | و | ذَلِكَ | بِالْكِتَابِ , وَيَكُون | هُدًى | قَطْعًا مِنْ الْكِتَاب , وَعَلَى أَنْ يُرْفَع | ذَلِكَ | بِالْهَاءِ الْعَائِدَة عَلَيْهِ الَّتِي فِي | فِيهِ | , وَالْكِتَاب نَعْت لَهُ , وَالْهُدَى قَطْع مِنْ الْهَاء الَّتِي فِي | فِيهِ | . وَإِنْ جُعِلَ الْهُدَى فِي مَوْضِع رَفْع لَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُون | ذَلِكَ الْكِتَاب | إلَّا خَبَرًا مُسْتَأْنَفًا و | الم | كَلَامًا تَامًّا مُكْتَفِيًا بِنَفْسِهِ إلَّا مِنْ وَجْه وَاحِد ; وَهُوَ أَنْ يُرْفَع حِينَئِذٍ | هُدًى | بِمَعْنَى الْمَدْح كَمَا قَالَ اللَّه جَلَّ وَعَزَّ : { الم تِلْكَ آيَات الْكِتَاب الْحَكِيم هُدًى وَرَحْمَة لِلْمُحْسِنِينَ } [31 1 : 3 ]فِي قِرَاءَة مَنْ قَرَأَ | رَحْمَة | بِالرَّفْعِ عَلَى الْمَدْح لِلْآيَاتِ . وَالرَّفْع فِي | هُدًى | حِينَئِذٍ يَجُوز مِنْ ثَلَاثَة أَوَجْه , أَحَدهَا : مَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّهُ مَدْح مُسْتَأْنَف . وَالْآخَر : عَلَى أَنْ يَجْعَل الرَّافِع | ذَلِكَ | , وَالْكِتَاب نَعْت ل | ذَلِكَ | . وَالثَّالِث : أَنْ يَجْعَل تَابِعًا لِمَوْضِعِ | لَا رَيْب فِيهِ | , وَيَكُون | ذَلِكَ الْكِتَاب | مَرْفُوعًا بِالْعَائِدِ فِي | فِيهِ | , فَيَكُون كَمَا قَالَ تَعَالَى ذِكْره : { وَهَذَا كِتَاب أَنَزَلْنَاهُ مُبَارَك } . [6 92 ]وَقَدْ زَعَمَ بَعْض الْمُتَقَدِّمِينَ فِي الْعِلْم بِالْعَرَبِيَّةِ مِنْ الْكُوفِيِّينَ أَنَّ | الم | رَافِع | ذَلِكَ الْكِتَاب | بِمَعْنَى : هَذِهِ الْحُرُوف مِنْ حُرُوف الْمُعْجَم , ذَلِكَ الْكِتَاب الَّذِي وَعُدْتُك أَنْ أُوحِيه إلَيْك . ثُمَّ نَقَضَ ذَلِكَ مِنْ قَوْله فَأَسْرَعَ نَقْضه , وَهَدَمَ مَا بَنَى فَأَسْرَعَ هَدْمه , فَزَعَمَ أَنَّ الرَّفْع فِي | هُدًى | مِنْ وَجْهَيْنِ وَالنَّصْب مِنْ وَجْهَيْنِ , وَأَنَّ أَحَد وَجْهَيْ الرَّفْع أَنْ يَكُون | الْكِتَاب | نَعْتًا ل | ذَلِكَ | , و | الْهُدَى | فِي مَوْضِع رَفْع خَبَر ل | ذَلِكَ | كَأَنَّك قُلْت : ذَلِكَ لَا شَكَّ فِيهِ . قَالَ : وَإِنْ جَعَلْت | لَا رَيْب فِيهِ | خَبَره رَفَعْت أَيْضًا | هُدًى | بِجَعْلِهِ تَابِعًا لِمَوْضِعِ | لَا رَيْب فِيهِ | كَمَا قَالَ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { وَهَذَا كِتَاب أَنَزَلْنَاهُ مُبَارَك } كَأَنَّهُ قَالَ : وَهَذَا كِتَاب هُدًى مِنْ صِفَته كَذَا وَكَذَا . قَالَ : وَأَمَّا أَحَد وَجْهَيْ النَّصْب , فَأَنْ تَجْعَل | الْكِتَاب | خَبَرًا ل | ذَلِكَ | وَتَنْصِب | هُدًى | عَلَى الْقَطْع ; لِأَنَّ | هُدًى | نَكَرَة اتَّصَلَتْ بِمُعْرِفَةٍ وَقَدْ تَمَّ خَبَرهَا فَتَنْصِبهَا , لِأَنَّ النَّكَرَة لَا تَكُون دَلِيلًا عَلَى مَعْرِفَةٍ , وَإِنْ شِئْت نَصَبْت | هُدًى | عَلَى الْقَطْع مِنْ الْهَاء الَّتِي فِي | فِيهِ | كَأَنَّك قُلْت : لَا شَكَّ فِيهِ هَادِيًا . قَالَ أَبُو جَعْفَر : فَتَرْك الْأَصْل الَّذِي أَصْله فِي | الم | وَأَنَّهَا مَرْفُوعَة ب | ذَلِكَ الْكِتَاب | وَنَبَذَهُ وَرَاء ظَهْره . وَاللَّازِم لَهُ عَلَى الْأَصْل الَّذِي كَانَ أَصْله أَنْ لَا يُجِيز الرَّفْع فِي | هُدًى | بِحَالِ إلَّا مِنْ وَجْه وَاحِد , وَذَلِكَ مِنْ قَبْل الِاسْتِئْنَاف إذْ كَانَ مَدْحًا . فَأَمَّا عَلَى وَجْه الْخَبَر لِذَلِكَ , أَوْ عَلَى وَجْه الْإِتْبَاع لِمَوْضِعِ | لَا رَيْب فِيهِ | , فَكَانَ اللَّازِم لَهُ عَلَى قَوْله أَنْ يَكُون خَطَأ , وَذَلِكَ أَنَّ | الم | إذَا رَفَعْت | ذَلِكَ الْكِتَاب | فَلَا شَكَّ أَنَّ | هُدًى | غَيْر جَائِز حِينَئِذٍ أَنْ يَكُون خَبَرًا | ذَلِكَ | بِمَعْنَى الرَّافِع لَهُ , أَوْ تَابِعًا لِمَوْضِعِ لَا رَيْب فِيهِ , لِأَنَّ مَوْضِعه حِينَئِذٍ نُصِبَ لِتَمَامِ الْخَبَر قَبْله وَانْقِطَاعه بِمُخَالَفَتِهِ إيَّاهُ عَنْهُ .|لِلْمُتَّقِينَ|الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { لِلْمُتَّقِينَ } . </subtitle>214 - حَدَّثَنَا سُفْيَان بْن وَكِيع , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ سُفْيَان , عَنْ رَجُل , عَنْ الْحَسَن قَوْله : ( { لِلْمُتَّقِينَ } قَالَ : اتَّقُوا مَا حُرِّمَ عَلَيْهِمْ وَأَدُّوا مَا اُفْتُرِضَ عَلَيْهِمْ . )215 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن حُمَيْدٍ , قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَة بْن الْفَضْل , عَنْ مُحَمَّد بْن إسْحَاق , عَنْ مُحَمَّد بْن أَبِي مُحَمَّد مَوْلَى زَيْد بْن ثَابِت عَنْ عِكْرِمَة , أَوْ عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ ابْن عَبَّاس : ( { لِلْمُتَّقِينَ } أَيْ الَّذِينَ يَحْذَرُونَ مِنْ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ عُقُوبَته فِي تَرْك مَا يَعْرِفُونَ مِنْ الْهُدَى , وَيَرْجُونَ رَحْمَته بِالتَّصْدِيقِ بِمَا جَاءَ بِهِ . )216 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْن هَارُونَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرو بْن حَمَّاد , قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ فِي خَبَر ذَكَرَهُ عَنْ أَبِي مَالِك , وَعَنْ أَبِي صَالِح , عَنْ ابْن عَبَّاس , وَعَنْ مُرَّة الْهَمْدَانِيّ , عَنْ ابْن مَسْعُود , وَعَنْ نَاس مِنْ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( { هُدًى لِلْمُتَّقِينَ } قَالَ : هُمْ الْمُؤْمِنُونَ . )217 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْر بْن عَيَّاش , قَالَ : (سَأَلَنِي الْأَعْمَش عَنْ الْمُتَّقِينَ , قَالَ : فَأَجَبْته , فَقَالَ لِي : سُئِلَ عَنْهَا الْكَلْبِيّ ! فَسَأَلْته فَقَالَ : الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِر الْإِثْم . قَالَ : فَرَجَعْت إلَى الْأَعْمَش , فَقَالَ : نَرَى أَنَّهُ كَذَلِكَ وَلَمْ يُنْكِرهُ . )218 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى بْن إبْرَاهِيم الطَّبَرِيّ , قَالَ : حَدَّثَنَا إسْحَاق بْن الْحَجَّاج عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن عَبْد اللَّه , قَالَ : حَدَّثَنَا عُمَر أَبُو حَفْص , عَنْ سَعِيد بْن أَبِي عَرُوبَة , عَنْ قَتَادَةَ . ( { هُدًى لِلْمُتَّقِينَ } هُمْ مِنْ نَعْتهمْ وَوَصْفهمْ فَأَثْبَتَ صِفَتهمْ فَقَالَ : { الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاة وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ } )219 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ , قَالَ : حَدَّثَنَا عُثَان بْن سَعِيد , قَالَ حَدَّثَنَا بِشْر بْن عَمَّار , عَنْ أَبِي رَوْق عَنْ الضَّحَّاك عَنْ ابْن عَبَّاس : ( { لِلْمُتَّقِينَ } قَالَ : الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَتَّقُونَ الشِّرْك وَيَعْمَلُونَ بِطَاعَتِي . )وَأَوْلَى التَّأْوِيلَات بِقَوْلِ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { هُدًى لِلْمُتَّقِينَ } تَأْوِيل مِنْ وَصْف الْقَوْم بِأَنَّهُمْ الَّذِينَ اتَّقُوا اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي رُكُوب مَا نَهَاهُمْ عَنْ رُكُوبه , فَتَجَنَّبُوا مَعَاصِيه وَاتَّقُوهُ فِيمَا أَمَرَهُمْ بِهِ مِنْ فَرَائِضه فَأَطَاعُوهُ بِأَدَائِهَا . وَذَلِكَ أَنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ إنَّمَا وَصَفَهُمْ بِالتَّقْوَى فَلَمْ يَحْصُر تَقْوَاهُمْ إيَّاهُ عَلَى بَعْضهَا مِنْ أَهْل مِنْهُمْ دُون بَعْض . فَلَيْسَ لِأَحَدٍ مِنْ النَّاس أَنْ يَحْصُر مَعْنَى ذَلِكَ عَلَى وَصْفهمْ بِشَيْءٍ مِنْ تَقْوَى اللَّه عَزَّ وَجَلَّ دُون شَيْء إلَّا بِحَجَّةٍ يَجِب التَّسْلِيم لَهَا , لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ صِفَّة الْقَوْم لَوْ كَانَ مَحْصُورًا عَلَى خَاصٍّ مِنْ مَعَانِي التَّقْوَى دُون الْعَالِم مِنْهَا لَمْ يَدَع اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ بَيَان ذَلِكَ لِعِبَادِهِ , أَمَّا فِي كِتَابه , وَإِمَّا عَلَى لِسَان رَسُوله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; إذْ لَمْ يَكُنْ فِي الْعَقْل دَلِيل عَلَى اسْتِحَالَة وَصْفهمْ بِعُمُومِ التَّقْوَى . فَقَدْ تَبَيَّنَ إذًا بِذَلِكَ فَسَاد قَوْل مَنْ زَعَمَ أَنَّ تَأْوِيل ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ : الَّذِينَ اتَّقَوْا الشِّرْك وَبَرَءُوا مِنْ النِّفَاق ; لِأَنَّهُ قَدْ يَكُون كَذَلِكَ وَهُوَ فَاسِق غَيْر مُسْتَحَقّ أَنْ يَكُون مِنْ الْمُتَّقِينَ . إلَّا أَنْ يَكُون عِنْد قَائِل هَذَا الْقَوْل مَعْنَى النِّفَاق رُكُوب الْفَوَاحِش الَّتِي حَرَّمَهَا اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ وَتَضْيِيع فَرَائِضه الَّتِي فَرَضَهَا عَلَيْهِ , فَإِنَّ جَمَاعَة مِنْ أَهْل الْعِلْم قَدْ كَانَتْ تُسَمِّي مِنْ كَانَ يَقَع ذَلِكَ مُنَافِقًا , فَيَكُون - وَإِنْ كَانَ مُخَالِفًا فِي تَسْمِيَته مَنْ كَانَ كَذَلِكَ بِهَذَا الِاسْم - مُصِيبًا تَأْوِيل قَوْل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ لِلْمُتَّقِينَ .

الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى . { الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ } </subtitle>220 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن حُمَيْدٍ الرَّازِيُّ , قَالَ حَدَّثَنَا سَلَمَة بْن الْفَضْل , عَنْ مُحَمَّد بْن إسْحَاق , عَنْ مُحَمَّد بْن أَبِي مُحَمَّد مَوْلَى زَيْد بْن ثَابِت , عَنْ عِكْرِمَة , أَوْ عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْ ابْن عَبَّاس : { الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ } قَالَ : يُصَدِّقُونَ . حَدَّثَنِي يَحْيَى بْن عُثْمَان بْن صَالِح السَّهْمِيّ , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو صَالِح , قَالَ : حَدَّثَنِي مُعَاوِيَة بْن صَالِح عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ ابْن عَبَّاس : { يُؤْمِنُونَ } يُصَدِّقُونَ . 221 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى بْن إبْرَاهِيم , قَالَ : حَدَّثَنَا إسْحَاق بْن الْحَجَّاج , قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع : ( { يُؤْمِنُونَ } يَخْشَوْنَ . )222 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى الصَّنْعَانِيّ , قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن ثَوْر عَنْ مَعْمَر , قَالَ : (قَالَ الزُّهْرِيّ : الْإِيمَان : الْعَمَل . )223 - وَحَدَّثَنَا عَنْ عَمَّار بْن الْحَسَن , قَالَ : حَدَّثَنَا ابْن أَبِي جَعْفَر عَنْ أَبِيهِ عَنْ الْعَلَاء بْن الْمُسَيِّب بْن رَافِع , عَنْ أَبِي إسْحَاق , عَنْ أَبِي الْأَحْوَص عَنْ عَبْد اللَّه , قَالَ : (الْإِيمَان : التَّصْدِيق . )وَمَعْنَى الْإِيمَان عِنْد الْعَرَب : التَّصْدِيق , فَيَدَّعِي الْمُصَدِّق بِالشَّيْءِ قَوْلًا مُؤْمِنًا بِهِ , وَيَدَّعِي الْمُصَدِّق قَوْله بِفِعْلِهِ مُؤْمِنًا . وَمِنْ ذَلِكَ قَوْل اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ } [12 17 ]يَعْنِي : وَمَا أَنْتَ بِمُصَدِّقٍ لَنَا فِي قَوْلنَا . وَقَدْ تَدْخُل الْخَشْيَة لِلَّهِ فِي مَعْنَى الْإِيمَان الَّذِي هُوَ تَصْدِيق الْقَوْل بِالْعَمَلِ . وَالْإِيمَان كَلِمَة جَامِعَة لِلْإِقْرَارِ بِاَللَّهِ وَكُتُبه وَرُسُله , وَتَصْدِيق الْإِقْرَار بِالْفِعْلِ . وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , فَاَلَّذِي هُوَ أَوْلَى بِتَأْوِيلِ الْآيَة وَأَشْبَهَ بِصِفَّةِ الْقَوْم : أَنْ يَكُونُوا مَوْصُوفِينَ بِالتَّصْدِيقِ بِالْغَيْبِ , قَوْلًا , وَاعْتِقَادًا , وَعَمَلًا , إذْ كَانَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لَمْ يَحْصُرهُمْ مِنْ مَعْنَى الْإِيمَان عَلَى مَعْنًى دُون مَعْنًى , بَلْ أَجْمَلَ وَصْفَهُمْ بِهِ مِنْ غَيْر خُصُوص شَيْء مِنْ مَعَانِيه أَخَرَجَهُ مِنْ صِفَتهمْ بِخَبَرٍ وَلَا عَقْل .|بِالْغَيْبِ|الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { بِالْغَيْبِ } </subtitle>224 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن حُمَيْدٍ الرَّازِيُّ , قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَة بْن الْفَضْل , عَنْ مُحَمَّد بْن إسْحَاق , عَنْ مُحَمَّد بْن أَبِي مُحَمَّد , مَوْلَى زَيْد بْن ثَابِت , عَنْ عِكْرِمَة , أَوْ عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ ابْن عَبَّاس : { بِالْغَيْبِ } قَالَ : بِمَا جَاءَ بِهِ , يَعْنِي مِنْ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ . 225 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْن هَارُونَ , قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرو بْن حَمَّاد , قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاط عَنْ السُّدِّيّ فِي خَبَر ذَكَرَهُ عَنْ أَبِي مَالِك , وَعَنْ أَبِي صَالِح , عَنْ ابْن عَبَّاس , وَعَنْ مُرَّة الْهَمْدَانِيّ , عَنْ ابْن مَسْعُود , وَعَنْ نَاس مِنْ أَصْحَاب النَّبِيّ : ( { بِالْغَيْبِ } أَمَّا الْغَيْب : فَمَا غَابَ عَنْ الْعِبَاد مِنْ أَمْر الْجَنَّة وَأَمْر النَّار , وَمَا ذَكَرَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي الْقُرْآن . لَمْ يَكُنْ تَصْدِيقهمْ بِذَلِكَ - يَعْنِي الْمُؤْمِنِينَ مِنْ الْعَرَب - مِنْ قِبَل أَصْلِ كِتَاب أَوْ عِلْم كَانَ عِنْدهمْ . )226 - حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن إسْحَاق الْأَهْوَازِيّ , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَد الزُّبَيْرِيّ , قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَان عَنْ عَاصِم , عَنْ زِرّ , قَالَ : (الْغَيْب : الْقُرْآن . )227 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ الْعَقَدِيّ , قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيد بْن زُرَيْع , عَنْ سَعِيد بْن أَبِي عَرُوبَة , عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْله : ( { الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ } قَالَ : آمَنُوا بِالْجَنَّةِ وَالنَّار وَالْبَعْث بَعْد الْمَوْت وَبِيَوْمِ الْقِيَامَة , وَكُلّ هَذَا غَيْب . )228 - حَدَّثَنَا عَنْ عَمَّار بْن الْحَسَن , قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع بْن أَنَس ( { الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ } آمَنُوا بِاَللَّهِ وَمَلَائِكَته وَرُسُله وَالْيَوْم الْآخِر وَجَنَّته وَنَاره وَلِقَائِهِ , وَآمَنُوا بِالْحَيَاةِ بَعْد الْمَوْت , فَهَذَا كُلّه غَيْب . )وَأَصْل الْغَيْب : كُلّ مَا غَابَ عَنْك مِنْ شَيْء , وَهُوَ مِنْ قَوْلك : غَابَ فُلَان يَغِيب غَيْبًا . وَقَدْ اخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي أَعْيَانِ الْقَوْم الَّذِينَ أَنَزَلَ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ مِنْ أَوَّل هَذِهِ السُّورَة فِيهِمْ , وَفِي نَعْتهمْ وَصِفَتهمْ الَّتِي وَصَفَهُمْ بِهَا مِنْ إيمَانهمْ بِالْغَيْبِ , وَسَائِر الْمَعَانِي الَّتِي حَوَتْهَا الْآيَتَانِ مِنْ صِفَاتهمْ غَيْره . فَقَالَ بَعْضهمْ : هُمْ مُؤْمِنُو الْعَرَب خَاصَّة , دُون غَيْرهمْ مِنْ مُؤْمِنِي أَهْل الْكِتَاب . وَاسْتَدَلُّوا عَلَى صِحَّة قَوْلهمْ ذَلِكَ وَحَقِيقَة تَأْوِيلهمْ بِالْآيَةِ الَّتِي تَتْلُو هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ , وَهُوَ قَوْل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { وَاَلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إلَيْك وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلك } قَالُوا : فَلَمْ يَكُنْ لِلْعَرَبِ كِتَاب قَبْل الْكِتَاب الَّذِي أَنَزَلَهُ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ عَلَى مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَدِين بِتَصْدِيقِهِ وَالْإِقْرَار وَالْعَمَل بِهِ , وَإِنَّمَا كَانَ الْكِتَاب لِأَهْلِ الْكِتَابَيْنِ غَيْرهَا . قَالُوا : فَلَمَّا قَصَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ نَبَأ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أَنَزَلَ إلَى مُحَمَّد وَمَا أَنَزَلَ مِنْ قَبْله بَعْد اقْتِصَاصه نَبَأ الْمُؤْمِنِينَ بِالْغَيْبِ , عَلِمْنَا أَنَّ كُلّ صِنْف مِنْهُمْ غَيْر الصِّنْف الْآخَر , وَأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ بِالْغَيْبِ نَوْع غَيْر النَّوْع الْمُصَدِّق بِالْكِتَابَيْنِ اللَّذَيْنِ أَحَدهمَا مُنَزَّل عَلَى مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَالْآخَر مِنْهُمَا عَلَى مَنْ قَبْله مِنْ رُسُل اللَّه تَعَالَى ذِكْره . قَالُوا : وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ صَحَّ مَا قُلْنَا مِنْ أَنَّ تَأْوِيل قَوْل اللَّه تَعَالَى : { الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ } إنَّمَا هُمْ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا غَابَ عَنْهُمْ مِنْ الْجَنَّة وَالنَّار وَالثَّوَاب وَالْعِقَاب وَالْبَعْث , وَالتَّصْدِيق بِاَللَّهِ وَمَلَائِكَته وَكُتُبه وَرُسُله وَجَمِيع مَا كَانَتْ الْعَرَب لَا تَدِين بِهِ فِي جَاهِلِيَّتهَا , بِمَا أَوَجَبَ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَلَى عِبَاده الدَّيْنُونَة بِهِ دُون غَيْرهمْ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 229 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْن هَارُونَ , قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرو بْن حَمَّاد , قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاط عَنْ السُّدِّيّ فِي خَبَر ذَكَرَهُ عَنْ أَبِي مَالِك , وَعَنْ أَبِي صَالِح , عَنْ ابْن عَبَّاس ; وَعَنْ مُرَّة الْهَمْدَانِيّ , عَنْ ابْن مَسْعُود , وَعَنْ نَاس مِنْ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَّا : { الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ } فَهُمْ الْمُؤْمِنُونَ مِنْ الْعَرَب , { وَيُقِيمُونَ الصَّلَاة وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ } أَمَّا الْغَيْب : فَمَا غَابَ عَنْ الْعِبَاد مِنْ أَمْر الْجَنَّة وَالنَّار , وَمَا ذَكَرَ اللَّه فِي الْقُرْآن . لَمْ يَكُنْ تَصْدِيقهمْ بِذَلِكَ مِنْ قِبَل أَصْلِ كِتَاب أَوْ عِلْم كَانَ عِنْدهمْ . { وَاَلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إلَيْك وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلك وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ } هَؤُلَاءِ الْمُؤْمِنُونَ مِنْ أَهْل الْكِتَاب . وَقَالَ بَعْضهمْ : بَلْ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَات الْأَرْبَع فِي مُؤْمِنِي أَهْل الْكِتَاب خَاصَّة , لِإِيمَانِهِمْ بِالْقُرْآنِ عِنْد إخْبَار اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ إيَّاهُمْ فِيهِ عَنْ الْغُيُوب الَّتِي كَانُوا يَخْفُونَهَا بَيْنهمْ وَيُسِرُّونَهَا , فَعَلِمُوا عِنْد إظْهَار اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلَى ذَلِكَ مِنْهُمْ فِي تَنْزِيله أَنَّهُ مِنْ عِنْد اللَّه جَلَّ وَعَزَّ , فَآمَنُوا بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَدَّقُوا بِالْقُرْآنِ وَمَا فِيهِ مِنْ الْإِخْبَار عَنْ الْغُيُوب الَّتِي لَا عِلْم لَهُمْ بِهَا لَمَا اسْتَقَرَّ عِنْدهمْ بِالْحُجَّةِ الَّتِي احْتَجَّ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى بِهَا عَلَيْهِمْ فِي كِتَابه , مِنْ الْإِخْبَار فِيهِ عَمَّا كَانُوا يَكْتُمُونَهُ مِنْ ضَمَائِرهمْ ; أَنَّ جَمِيع ذَلِكَ مِنْ عِنْد اللَّه . وَقَالَ بَعْضهمْ : بَلْ الْآيَات الْأَرْبَع مِنْ أَوَّل هَذِهِ السُّورَة أُنْزِلَتْ عَلَى مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِوَصْفِ جَمِيع الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ ذَلِكَ صِفَتهمْ مِنْ الْعَرَب وَالْعَجَم وَأَهْل الْكِتَابَيْنِ [ و ] سِوَاهُمْ , وَإِنَّمَا هَذِهِ صِفَة صِنْف مِنْ النَّاس , وَالْمُؤْمِن بِمَا أَنَزَلَ اللَّه عَلَى مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا أَنَزَلَ مِنْ قَبْله هُوَ الْمُؤْمِن بِالْغَيْبِ . قَالُوا : وَإِنَّمَا وَصَفَهُمْ اللَّه بِالْإِيمَانِ بِمَا أَنَزَلَ إلَى مُحَمَّد وَبِمَا أَنَزَلَ إلَى مَنْ قَبْله بَعْد تَقَضِّي وَصْفه إيَّاهُمْ بِالْإِيمَانِ بِالْغَيْبِ ; لِأَنَّ وَصْفه إيَّاهُمْ بِمَا وَصَفَهُمْ بِهِ مِنْ الْإِيمَان بِالْغَيْبِ كَانَ مَعْنِيًّا بِهِ أَنَّهُمْ يُؤْمِنُونَ بِالْجَنَّةِ وَالنَّار وَالْبَعْث , وَسَائِر الْأُمُور الَّتِي كَلَّفَهُمْ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِالْإِيمَانِ بِهَا مِمَّا لَمْ يَرَوْهُ وَلَمْ يَأْتِ بَعْد مِمَّا هُوَ آتٍ , دُون الْإِخْبَار عَنْهُمْ أَنَّهُمْ يُؤْمِنُونَ بِمَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَنْ قَبْله مِنْ الرُّسُل وَالْكُتُب . قَالُوا : فَلَمَّا كَانَ مَعْنَى قَوْله { وَاَلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إلَيْك وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلك } غَيْر مَوْجُود فِي قَوْله : { الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ } كَانَتْ الْحَاجَة مِنْ الْعِبَاد إلَى مَعْرِفَة صِفَتهمْ بِذَلِكَ لِيُعَرِّفهُمْ نَظِير حَاجَتهمْ إلَى مَعْرِفَتهمْ بِالصِّفَّةِ الَّتِي وُصِفُوا بِهَا مِنْ إيمَانهمْ بِالْغَيْبِ لِيَعْلَمُوا مَا يُرْضِي اللَّه مِنْ أَفْعَال عِبَاده , وَيُحِبّهُ مِنْ صِفَاتهمْ , فَيَكُونُوا بِهِ إنْ وَفَّقَهُمْ لَهُ رَبّهمْ [ مُؤْمِنِينَ ] ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 230 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو بْن الْعَبَّاس الْبَاهِلِيّ , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِم الضَّحَّاك بْن مَخْلَدٍ , قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى بْن مَيْمُون الْمَكِّيّ , قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : (أَرْبَع آيَات مِنْ سُورَة الْبَقَرَة فِي نَعْت الْمُؤْمِنِينَ وَآيَتَانِ فِي نَعْت الْكَافِرِينَ وَثَلَاث عَشْرَة فِي الْمُنَافِقِينَ . )* حَدَّثَنَا سُفْيَان بْن وَكِيع , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ سُفْيَان , عَنْ رَجُل , عَنْ مُجَاهِد بِمِثْلِهِ . * وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى بْن إبْرَاهِيم , قَالَ حَدَّثَنَا مُوسَى بْن مَسْعُود , قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْل , عَنْ أَنَّ أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد مِثْله . 231 - وَحَدَّثَتْ عَنْ عَمَّار بْن الْحَسَن , قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ عَنْ الرَّبِيع بْن أَنَس , قَالَ : (أَرْبَع آيَات مِنْ فَاتِحَة هَذِهِ السُّورَة - يَعْنِي سُورَة الْبَقَرَة - فِي الَّذِينَ آمَنُوا , وَآيَتَانِ فِي قَادَة الْأَحْزَاب . )وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ عِنْدِي بِالصَّوَابِ وَأَشْبَهَهُمَا بِتَأْوِيلِ الْكِتَاب , الْقَوْل الْأَوَّل , وَهُوَ : أَنَّ الَّذِينَ وَصَفَهُمْ اللَّه تَعَالَى ذِكْره بِالْإِيمَانِ بِالْغَيْبِ , وَمَا وَصَفَهُمْ بِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ فِي الْآيَتَيْنِ الْأُولَتَيْنِ غَيْر الَّذِينَ وَصَفَهُمْ بِالْإِيمَانِ بِاَلَّذِي أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّد وَاَلَّذِي أُنْزِلَ إلَى مَنْ قَبْله مِنْ الرُّسُل ; لِمَا ذَكَرْت مِنْ الْعِلَل قَبْل لِمَنْ قَالَ ذَلِكَ , وَمِمَّا يَدُلّ أَيْضًا مَعَ ذَلِكَ عَلَى صِحَّة هَذَا الْقَوْل أَنَّهُ جِنْس - بَعْد وَصْف الْمُؤْمِنِينَ بِالصِّفَتَيْنِ اللَّتَيْنِ وَصَفَ , وَبَعْد تَصْنِيفه إلَى كُلّ صِنْف مِنْهُمَا عَلَى مَا صَنَّفَ الْكُفَّار - جِنْسَيْنِ , فَجَعَلَ أَحَدهمَا مَطْبُوعًا عَلَى قَلْبه مَخْتُومًا عَلَيْهِ مَأْيُوسًا مِنْ إيمَانه , وَالْآخَر مُنَافِقًا يُرَائِي بِإِظْهَارِ الْإِيمَان فِي الظَّاهِر , وَيَسْتَسِرّ النِّفَاق فِي الْبَاطِن , فَصَيَّرَ الْكُفَّار جِنْسَيْنِ كَمَا صَيَّرَ الْمُؤْمِنِينَ فِي أَوَّل السُّورَة جِنْسَيْنِ . ثُمَّ عَرَّفَ عِبَاده نَعْت كُلّ صِنْف مِنْهُمْ وَصِفَتهمْ وَمَا أَعَدَّ لِكُلِّ فَرِيق مِنْهُمْ مِنْ ثَوَاب أَوْ عِقَاب , وَذَمَّ أَهْل الذَّمّ مِنْهُمْ وَشَكَرَ سَعْي أَهْل الطَّاعَة مِنْهُمْ .|وَيُقِيمُونَ|الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَيُقِيمُونَ } </subtitle>إقَامَتهَا : أَدَاؤُهَا بِحُدُودِهَا وَفُرُوضهَا وَالْوَاجِب فِيهَا عَلَى مَا فُرِضَتْ عَلَيْهِ , كَمَا يُقَال : أَقَامَ الْقَوْم سُوقهمْ , إذَا لَمْ يُعَطِّلُوهَا مِنْ الْبَيْع وَالشِّرَاء فِيهَا , وَكَمَا قَالَ الشَّاعِر : <br>أَقَمْنَا لِأَهْلِ الْعِرَاقَيْنِ سُوق .......... الضْ وضِرَاب فَخَامُوا وَوَلَّوْا جَمِيعًا <br>232 - وَكَمَا حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن حُمَيْدٍ , قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَة بْن الْفَضْل , عَنْ مُحَمَّد بْن إسْحَاق , عَنْ مُحَمَّد بْن أَبِي مُحَمَّد مَوْلَى زَيْد بْن ثَابِت , عَنْ عِكْرِمَة , أَوْ عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ ابْن عَبَّاس : ( { وَيُقِيمُونَ الصَّلَاة } قَالَ : الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاة بِفُرُوضِهَا )233 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ , قَالَ : حَدَّثَنَا عُثْمَان بْن سَعِيد عَنْ بِشْر بْن عَمَّار , عَنْ أَبِي رَوْق , عَنْ الضَّحَّاك , عَنْ ابْن عَبَّاس : ( { وَيُقِيمُونَ الصَّلَاة } قَالَ : إقَامَة الصَّلَاة : تَمَام الرُّكُوع وَالسُّجُود وَالتِّلَاوَة وَالْخُشُوع وَالْإِقْبَال عَلَيْهَا فِيهَا .)|الصَّلَاةَ|الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { الصَّلَاة } </subtitle>234 - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْن أَبِي طَالِب , قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيد , قَالَ : حَدَّثَنَا جُوَيْبِر عَنْ الضَّحَّاك فِي قَوْله : ( { الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاة } يَعْنِي الصَّلَاة الْمَفْرُوضَة . )وَأَمَّا الصَّلَاة فِي كَلَام الْعَرَب فَإِنَّهَا الدُّعَاء كَمَا قَالَ الْأَعْشَى : <br>لَهَا حَارِس لَا يَبْرَح الدَّهْر بَيْتهَا وَإِنْ .......... ذُبِحَتْ صَلَّى عَلَيْهَا وَزَمْزَمَا <br>يَعْنِي بِذَلِكَ : دَعَا لَهَا , وَكَقَوْلِ الْآخَر أَيْضًا <br>وَقَابَلَهَا الرِّيح فِي دَنِّهَا .......... وَصَلَّى عَلَى دَنِّهَا وَارْتَسَمَ <br>وَأَرَى أَنَّ الصَّلَاة الْمَفْرُوضَة سُمِّيَتْ صَلَاة ; لِأَنَّ الْمُصَلِّي مُتَعَرِّض لِاسْتِنْجَاحِ طِلْبَته مِنْ ثَوَاب اللَّه بِعَمَلِهِ مَعَ مَا يَسْأَل رَبّه فِيهَا مِنْ حَاجَاته تُعَرِّض الدَّاعِي بِدُعَائِهِ رَبّه اسْتِنْجَاح حَاجَاته وَسُؤْله .|وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ|الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ } </subtitle>اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي تَأْوِيل ذَلِكَ , فَقَالَ بَعْضهمْ بِمَا : 235 - حَدَّثَنَا بِهِ ابْن حُمَيْدٍ , قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَة , عَنْ مُحَمَّد بْن إسْحَاق , عَنْ مُحَمَّد بْن أَبِي مُحَمَّد مَوْلَى زَيْد بْن ثَابِت , عَنْ عِكْرِمَة , أَوْ عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ ابْن عَبَّاس : ( { وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ } قَالَ : يُؤْتَوْنَ الزَّكَاة احْتِسَابًا بِهَا . )236 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , عَنْ مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ ابْن عَبَّاس : ( { وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ } قَالَ : زَكَاة أَمْوَالهمْ . )237 - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْن أَبِي طَالِب , قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيد , قَالَ : أَخْبَرَنَا جُوَيْبِر عَنْ الضَّحَّاك : ( { وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ } قَالَ : كَانَتْ النَّفَقَات قُرُبَات يَتَقَرَّبُونَ بِهَا إلَى اللَّه عَلَى قَدْر مَيْسُورهمْ وَجَهْدهمْ , حَتَّى نَزَلَتْ فَرَائِض الصَّدَقَات سَبْع آيَات فِي سُورَة بَرَاءَة , مِمَّا يَذْكُر فِيهِنَّ الصَّدَقَات , هُنَّ الْمُثْبِتَات النَّاسِخَات . )وَقَالَ بَعْضهمْ بِمَا : 238 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْن هَارُونَ , قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرو بْن حَمَّاد , قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاط عَنْ السُّدِّيّ فِي خَبَر ذَكَرَهُ عَنْ أَبِي مَالِك , وَعَنْ أَبِي صَالِح , عَنْ ابْن عَبَّاس , وَعَنْ مُرَّة الْهَمْدَانِيّ , عَنْ ابْن مَسْعُود , وَعَنْ نَاس مِنْ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( { وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ } هِيَ نَفَقَة الرَّجُل عَلَى أَهْله , وَهَذَا قَبْل أَنْ تَنْزِل الزَّكَاة . )وَأَوْلَى التَّأْوِيلَات بِالْآيَةِ وَأَحَقّهَا بِصِفَةِ الْقَوْم أَنْ يَكُونُوا كَانُوا لِجَمِيعِ اللَّازِم لَهُمْ فِي أَمْوَالهمْ , مُؤَدِّينَ زَكَاة كَانَ ذَلِكَ أَوْ نَفَقَة مَنْ لَزِمَتْهُ نَفَقَته مِنْ أَهْل وَعِيَال وَغَيْرهمْ , مِمَّنْ تَجِب عَلَيْهِمْ نَفَقَته بِالْقَرَابَةِ وَالْمِلْك وَغَيْر ذَلِكَ ; لِأَنَّ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَمَّ وَصْفهمْ , إذْ وَصَفَهُمْ بِالْإِنْفَاقِ مِمَّا رَزَقَهُمْ , فَمَدْحهمْ بِذَلِكَ مِنْ صِفَتهمْ , فَكَانَ مَعْلُومًا أَنَّهُ إذْ لَمْ يَخْصُصْ مَدْحهمْ وَوَصَفَهُمْ بِنَوْعٍ مِنْ النَّفَقَات الْمَحْمُود عَلَيْهَا صَاحِبهَا دُون نَوْع بِخَبَرٍ وَلَا غَيْره أَنَّهُمْ مَوْصُوفُونَ بِجَمِيعِ مَعَانِي النَّفَقَات الْمَحْمُود عَلَيْهَا صَاحِبهَا مِنْ طِيب مَا رَزَقَهُمْ رَبّهمْ مِنْ أَمْوَالهمْ وَأَمْلَاكِهِمْ , وَذَلِكَ الْحَلَال مِنْهُ الَّذِي لَمْ يُشْبِه حَرَام .

وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَاَلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إلَيْك وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلك } </subtitle>قَدْ مَضَى الْبَيَان عَنْ الْمَنْعُوتِينَ بِهَذَا النَّعْت , وَأَيّ أَجْنَاس النَّاس هُمْ . غَيْر أَنَّا نَذْكُر مَا رُوِيَ فِي ذَلِكَ عَمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ فِي تَأْوِيله قَوْل : 239 - فَحَدَّثَنَا ابْن حُمَيْدٍ , قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَة , عَنْ مُحَمَّد بْن إسْحَاق , عَنْ مُحَمَّد بْن أَبِي مُحَمَّد مَوْلَى زَيْد بْن ثَابِت , عَنْ عِكْرِمَة , أَوْ عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ ابْن عَبَّاس : ( { وَاَلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إلَيْك وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلك } أَيْ يُصَدِّقُونَك بِمَا جِئْت بِهِ مِنْ اللَّه جَلَّ وَعَزَّ , وَمَا جَاءَ بِهِ مِنْ قَبْلك مِنْ الْمُرْسَلِينَ , لَا يُفَرِّقُونَ بَيْنهمْ وَلَا يَجْحَدُونَ مَا جَاءُوهُمْ بِهِ مِنْ عِنْد رَبّهمْ . )240 - حَدَّثَنَا مُوسَى بْن هَارُونَ , قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرو بْن حَمَّاد , قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاط عَنْ السُّدِّيّ فِي خَبَر ذَكَرَهُ عَنْ أَبِي مَالِك , وَعَنْ أَبِي صَالِح عَنْ ابْن عَبَّاس , وَعَنْ مُرَّة الْهَمْدَانِيّ , عَنْ ابْن مَسْعُود , وَعَنْ نَاس مِنْ أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( { وَاَلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إلَيْك وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلك وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ } هَؤُلَاءِ الْمُؤْمِنُونَ مِنْ أَهْل الْكِتَاب .)|وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ|الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ } </subtitle>قَالَ أَبُو جَعْفَر : أَمَّا الْآخِرَة , فَإِنَّهَا صِفَة لِلدَّارِ , كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { وَإِنَّ الدَّار الْآخِرَة لَهِيَ الْحَيَوَان لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ } [29 64 ]وَإِنَّمَا وُصِفَتْ بِذَلِكَ لِمَصِيرِهَا آخِرَة لِأُولَى كَانَتْ قَبْلهَا كَمَا تَقُول لِلرَّجُلِ : أَنْعَمْت عَلَيْك مَرَّة بَعْد أُخْرَى فَلَمْ تَشْكُر لِي الْأُولَى وَلَا الْآخِرَة . وَإِنَّمَا صَارَتْ الْآخِرَة آخِرَة لِلْأُولَى , لِتَقَدُّمِ الْأُولَى أَمَامهَا , فَكَذَلِكَ الدَّار الْآخِرَة سُمِّيَتْ آخِرَة لِتَقَدُّمِ الدَّار الْأُولَى أَمَامهَا , فَصَارَتْ التَّالِيَة لَهَا آخِرَة . وَقَدْ يَجُوز أَنْ تَكُون سُمِّيَتْ آخِرَة لِتَأَخُّرِهَا عَنْ الْخَلْق , كَمَا سُمِّيَتْ الدُّنْيَا دُنْيَا لِدُنُوِّهَا مِنْ الْخَلْق . وَأَمَّا الَّذِي وَصَفَ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِهِ الْمُؤْمِنِينَ - بِمَا أَنَزَلَ إلَى نَبِيّه مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَمَا أَنَزَلَ إلَى مَنْ قَبْله مِنْ الْمُرْسَلِينَ - مِنْ إيقَانهمْ بِهِ مِنْ أَمْر الْآخِرَة , فَهُوَ إيقَانهمْ بِمَا كَانَ الْمُشْرِكُونَ بِهِ جَاحِدِينَ , مِنْ الْبَعْث وَالنَّشْر وَالثَّوَاب وَالْعِقَاب وَالْحِسَاب وَالْمِيزَان , وَغَيْر ذَلِكَ مِمَّا أَعَدَّ اللَّه لِخَلْقِهِ يَوْم الْقِيَامَة . كَمَا : 241 - حَدَّثَنَا بِهِ مُحَمَّد بْن حُمَيْدٍ , قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَة عَنْ مُحَمَّد بْن إسْحَاق عَنْ مُحَمَّد بْن أَبِي مُحَمَّد مَوْلَى زَيْد بْن ثَابِت , عَنْ عِكْرِمَة , أَوْ عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ ابْن عَبَّاس : ( { وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ } أَيْ بِالْبَعْثِ وَالْقِيَامَة وَالْجَنَّة وَالنَّار وَالْحِسَاب وَالْمِيزَان , أَيْ لَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا كَانَ قَبْلك وَيَكْفُرُونَ بِمَا جَاءَك مِنْ رَبّك . )وَهَذَا التَّأْوِيل مِنْ ابْن عَبَّاس قَدْ صَرَّحَ عَنْ أَنَّ السُّورَة مِنْ أَوَّلهَا وَإِنْ كَانَتْ الْآيَات الَّتِي فِي أَوَّلهَا مِنْ نَعْت الْمُؤْمِنِينَ تَعْرِيض مِنْ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ بِذَمِّ الْكُفَّار أَهْل الْكِتَاب الَّذِينَ زَعَمُوا أَنَّهُمْ بِمَا جَاءَتْ بِهِ رَسُول اللَّه عَزَّ وَجَلَّ الَّذِينَ كَانُوا قَبْل مُحَمَّد صَلَوَات اللَّه عَلَيْهِمْ وَعَلَيْهِ مُصَدِّقُونَ وَهُمْ بِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام مُكَذِّبُونَ , وَلَمَّا جَاءَ بِهِ مِنْ التَّنْزِيل جَاحِدُونَ , وَيَدَّعُونَ مَعَ جُحُودهمْ ذَلِكَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ وَأَنَّهُ لَنْ يَدْخُل الْجَنَّة إلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى فَأَكْذَبَ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ ذَلِكَ مِنْ قَيْلهمْ بِقَوْلِهِ : { الم ذَلِكَ الْكِتَاب لَا رَيْب فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاة وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ وَاَلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إلَيْك وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلك وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ } وَأَخْبَرَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عِبَاده أَنَّ هَذَا الْكِتَاب هُدًى لِأَهْلِ الْإِيمَان بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَبِمَا جَاءَ بِهِ الْمُصَدِّقِينَ بِمَا أُنْزِلَ إلَيْهِ وَإِلَى مَنْ قَبْله مِنْ رُسُله مِنْ الْبَيِّنَات وَالْهُدَى خَاصَّة , دُون مِنْ كَذَبَ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِمَا جَاءَ بِهِ , وَادَّعَى أَنَّهُ مُصَدِّقٌ بِمِنْ قَبْل مُحَمَّد عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام مِنْ الرُّسُل وَبِمَا جَاءَ بِهِ مِنْ الْكُتُب . ثُمَّ أَكَّدَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَمْر الْمُؤْمِنِينَ مِنْ الْعَرَب وَمِنْ أَهْل الْكِتَاب الْمُصَدِّقِينَ بِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام وَبِمَا أُنْزِلَ إلَيْهِ وَإِلَى مَنْ قَبْله مِنْ الرُّسُل بِقَوْلِهِ : { أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبّهمْ وَأُولَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ } فَأَخْبَرَ أَنَّهُمْ هُمْ أَهْل الْهُدَى وَالْفَلَاح خَاصَّة دُون غَيْرهمْ , وَأَنَّ غَيْرهمْ هُمْ أَهْل الضَّلَال وَالْخَسَار .

أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبّهمْ } </subtitle>اخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِيمَنْ عَنَى اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : { أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبّهمْ } فَقَالَ بَعْضهمْ : عَنَى بِذَلِكَ أَهْل الصِّفَتَيْنِ المتقدمتين , أَعْنِي الْمُؤْمِنِينَ بِالْغَيْبِ مِنْ الْعَرَب وَالْمُؤْمِنِينَ بِمَا أُنْزِلَ إلَى مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِلَى مَنْ قَبْله مِنْ الرُّسُل , وَإِيَّاهُمْ جَمِيعًا وَصَفَ بِأَنَّهُمْ عَلَى هُدًى مِنْهُمْ وَأَنَّهُمْ هُمْ الْمُفْلِحُونَ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ مِنْ أَهْل التَّأْوِيل 242 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْن هَارُونَ , قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرو بْن حَمَّاد , قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاط عَنْ السُّدِّيّ فِي خَبَر ذَكَرَهُ عَنْ أَبِي مَالِك , وَعَنْ أَبِي صَالِح , عَنْ ابْن عَبَّاس , وَعَنْ مُرَّة الْهَمْدَانِيّ , عَنْ ابْن مَسْعُود , وَعَنْ نَاس مِنْ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (أَمَّا الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ , فَهُمْ الْمُؤْمِنُونَ مِنْ الْعَرَب , وَاَلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إلَيْك : الْمُؤْمِنُونَ مِنْ أَهْل الْكِتَاب . ثُمَّ جَمَعَ الْفَرِيقَيْنِ فَقَالَ : { أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبّهمْ وَأُولَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ } )وَقَالَ بَعْضهمْ : بَلْ عَنَى بِذَلِكَ الْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ; وَهُمْ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إلَى مُحَمَّد , وَبِمَا أُنْزِلَ إلَى مَنْ قَبْله مِنْ الرُّسُل . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ عَنَى بِذَلِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إلَى مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَبِمَا أُنْزِلَ إلَى مَنْ قَبْله , وَهُمْ مُؤْمِنُو أَهْل الْكِتَاب الَّذِينَ صَدَّقُوا بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِمَا جَاءَ بِهِ , وَكَانُوا مُؤْمِنِينَ مِنْ قَبْل بِسَائِرِ الْأَنْبِيَاء وَالْكُتُب . وَعَلَى هَذَا التَّأْوِيل الْآخَر , يَحْتَمِل أَنْ يَكُون : { الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إلَيْك } فِي مَحَلّ خَفْض , وَمَحَلّ رَفْع ; فَأَمَّا الرَّفْع فِيهِ فَإِنَّهُ يَأْتِيهَا مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدهمَا مِنْ قَبْل الْعَطْف عَلَى مَا فِي { يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ } مِنْ ذِكْر | الَّذِينَ | . وَالثَّانِي : أَنْ يَكُون خَبَر مُبْتَدَأ , وَيَكُون : { أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبّهمْ } رَافِعهَا . وَأَمَّا الْخَفْض فَعَلَى الْعَطْف عَلَى { الْمُتَّقِينَ } وَإِذَا كَانَتْ مَعْطُوفَة عَلَى | الَّذِينَ | اتَّجَهَ لَهَا وَجْهَانِ مِنْ الْمَعْنَى , أَحَدهمَا : أَنْ تَكُون هِيَ | وَاَلَّذِينَ | الْأُولَى مِنْ صِفَة الْمُتَّقِينَ , وَذَلِكَ عَلَى تَأْوِيل مَنْ رَأَى أَنَّ الْآيَات الْأَرْبَع بَعْد { الم } نَزَلَتْ فِي صِنْف وَاحِد مِنْ أَصْنَاف الْمُؤْمِنِينَ . وَالْوَجْه الثَّانِي : أَنْ تَكُون | الَّذِينَ | الثَّانِيَة مَعْطُوفَة فِي الْإِعْرَاب عَلَى | الْمُتَّقِينَ | بِمَعْنَى الْخَفْض , وَهُمْ فِي الْمَعْنَى صِنْف غَيْر الصِّنْف الْأَوَّل . وَذَلِكَ عَلَى مَذْهَب مِنْ رَأَى أَنَّ الَّذِينَ نَزَلَتْ فِيهِمْ الْآيَتَانِ الْأُولَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ بَعْد قَوْله { الم } غَيْر الَّذِينَ نَزَلَتْ فِيهِمْ الْآيَتَانِ الْآخِرَتَانِ اللَّتَانِ تَلِيَانِ الْأُولَتَيْنِ . وَقَدْ يَحْتَمِل أَنْ تَكُون | الَّذِينَ | الثَّانِيَة مَرْفُوعَة فِي هَذَا الْوَجْه بِمَعْنَى الِاسْتِئْنَاف , إذْ كَانَتْ مُبْتَدَأ بِهَا بَعْد تَمَام آيَة وَانْقِضَاء قِصَّة . وَقَدْ يَجُوز الرَّفْع فِيهَا أَيْضًا بِنِيَّةِ الِاسْتِئْنَاف إذْ كَانَتْ فِي مُبْتَدَأ آيَة وَإِنْ كَانَتْ مِنْ صِفَة الْمُتَّقِينَ . فَالرَّفْع إذًا يَصِحّ فِيهَا مِنْ أَرْبَعَة أَوَجْه , وَالْخَفْض مِنْ وَجْهَيْنِ . وَأَوْلَى التَّأْوِيلَات عِنْدِي بِقَوْلِهِ : { أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبّهمْ } مَا ذَكَرْت مِنْ قَوْل ابْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس , وَأَنْ تَكُون | أُولَئِكَ | إشَارَة إلَى الْفَرِيقَيْنِ , أَعْنِي الْمُتَّقِينَ وَاَلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إلَيْك , وَتَكُون | أُولَئِكَ | مَرْفُوعَة بِالْعَائِدِ مِنْ ذِكْرهمْ فِي قَوْله : { عَلَى هُدًى مِنْ رَبّهمْ } وَأَنْ تَكُون | الَّذِينَ | الثَّانِيَة مَعْطُوفَة عَلَى مَا قَبْل مِنْ الْكَلَام عَلَى مَا قَدْ بَيَّنَّاهُ وَإِنَّمَا رَأَيْنَا أَنَّ ذَلِكَ أَوْلَى التَّأْوِيلَات بِالْآيَةِ , لِأَنَّ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ نَعْت الْفَرِيقَيْنِ بِنَعْتِهِمْ الْمَحْمُود ثُمَّ أَثْنَى عَلَيْهِمْ ; فَلَمْ يَكُنْ عَزَّ وَجَلَّ لِيَخُصّ أَحَد الْفَرِيقَيْنِ بِالثَّنَاءِ مَعَ تُسَاوِيهِمَا فِيمَا اسْتَحَقَّا بِهِ الثَّنَاء مِنْ الصِّفَّات , كَمَا غَيْر جَائِز فِي عَدْله أَنْ يَتَسَاوَيَا فِيمَا يَسْتَحِقَّانِ بِهِ الْجَزَاء مِنْ الْأَعْمَال فَيَخُصّ أَحَدهمَا بِالْجَزَاءِ دُون الْآخَر وَيُحَرِّم الْآخَر جَزَاء عَمَله , فَكَذَلِكَ سَبِيل الثَّنَاء بِالْأَعْمَالِ ; لِأَنَّ الثَّنَاء أَحَد أَقْسَام الْجَزَاء . وَأَمَّا مَعْنَى قَوْله : { أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبّهمْ } فَإِنَّ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُمْ عَلَى نُور مِنْ رَبّهمْ وَبُرْهَان وَاسْتِقَامَة وَسَدَاد بِتَسْدِيدِ اللَّه إيَّاهُمْ وَتَوْفِيقه لَهُمْ , كَمَا : 243 - حَدَّثَنِي ابْن حُمَيْدٍ , قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَة بْن الْفَضْل , عَنْ مُحَمَّد بْن إسْحَاق , عَنْ مُحَمَّد بْن أَبِي مُحَمَّد مَوْلَى زَيْد بْن ثَابِت , عَنْ عِكْرِمَة , أَوْ عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ ابْن عَبَّاس : { أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبّهمْ } أَيْ عَلَى نُور مِنْ رَبّهمْ , وَاسْتِقَامَة عَلَى مَا جَاءَهُمْ .|وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ|الْقَوْل فِي تَ<br>وِيل قَوْله تَعَالَى : { وَأُولَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ } </subtitle>وَتَأْوِيل قَوْله : { وَأُولَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ } أَيْ أُولَئِكَ هُمْ الْمُنْجِحُونَ الْمُدْرِكُونَ مَا طَلَبُوا عِنْد اللَّه تَعَالَى ذِكْره بِأَعْمَالِهِمْ وَإِيمَانهمْ بِاَللَّهِ وَكُتُبه وَرُسُله , مِنْ الْفَوْز بِالثَّوَابِ , وَالْخُلُود فِي الْجِنَان , وَالنَّجَاة مِمَّا أَعَدَّ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى لِأَعْدَائِهِ مِنْ الْعِقَاب . كَمَا : 244 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْدٍ , قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَة , قَالَ : حَدَّثَنَا ابْن إسْحَاق , عَنْ مُحَمَّد بْن أَبِي مُحَمَّد مَوْلَى زَيْد بْن ثَابِت , عَنْ عِكْرِمَة , أَوْ عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ ابْن عَبَّاس : { وَأُولَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ } أَيْ الَّذِينَ أَدْرَكُوا مَا طَلَبُوا وَنَجَوْا مِنْ شَرّ مَا مِنْهُ هَرَبُوا . وَمِنْ الدَّلَالَة عَلَى أَنَّ أَحَد مَعَانِي الْفَلَاح إدْرَاك الطِّلْبَة وَالظَّفَر بِالْحَاجَةِ قَوْل لَبِيَدِ بْن رَبِيعَة : <br>اعْقِلِي إنْ كُنْت لَمَّا تَعْقِلِي .......... وَلَقَدْ أَفْلَحَ مَنْ كَانَ عَقَلْ <br>يَعْنِي ظَفَرَ بِحَاجَتِهِ وَأَصَابَ خَيْرًا . وَمِنْهُ قَوْل الرَّاجِز : <br>عَدِمْت أُمًّا وَلَدَتْ رَبَاحًا .......... جَاءَتْ بِهِ مُفَرْكَحًا فِرْكَاحًا <br><br>تَحْسِب أَنْ قَدْ وَلَدَتْ نَجَاحًا .......... أَشْهَد لَا يَزِيدهَا فَلَاحًا <br>يَعْنِي خَيْرًا وَقُرْبًا مِنْ حَاجَتهَا . وَالْفَلَاح : مَصْدَر مِنْ قَوْلك : أَفْلَحَ فُلَان يُفْلِح إفْلَاحًا , وَفَلَاحًا , وَفَلْحًا . وَالْفَلَاح أَيْضًا الْبَقَاء , وَمِنْهُ قَوْل لَبِيَدٍ : <br>نَحُلّ بِلَادًا كُلّهَا حُلّ قَبْلنَا .......... وَنَرْجُو الْفَلَاح بَعْد عَادٍ وَحِمْيَر <br>يُرِيد الْبَقَاء . وَمِنْهُ أَيْضًا قَوْل عُبَيْد : <br>أَفْلِحْ بِمَا شِئْت فَقَدْ يَبْلُعُ بِالضَّعْفِ .......... وَقَدْ يُخْدَع الْأَرِيب ش يُرِيد : عِشْ وَابْقَ بِمَا شِئْت . وَكَذَلِكَ قَوْل نَابِغَة بَنِي ذُبْيَان : <br>وَكُلّ فَتًى سَتَشْعَبُهُ شُعُوب /و وَإِنْ أَثَرَى وَإِنْ لَاقَى فَلَاحًا <br>أَيْ نَجَاحًا بِحَاجَتِهِ وَبَقَاء .

إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا } </subtitle>اخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِيمَنْ عَنَى بِهَذِهِ الْآيَة , وَفِيمَنْ نَزَلَتْ , فَكَانَ ابْن عَبَّاس يَقُول , كَمَا : 245 - حَدَّثَنَا بِهِ مُحَمَّد بْن حُمَيْدٍ , قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَة بْن الْفَضْل , عَنْ مُحَمَّد بْن إسْحَاق عَنْ مُحَمَّد بْن أَبِي مُحَمَّد مَوْلَى زَيْد بْن ثَابِت عَنْ عِكْرِمَة , أَوْ عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ ابْن عَبَّاس : ( { إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا } أَيْ بِمَا أُنْزِلَ إلَيْك مِنْ رَبّك , وَإِنْ قَالُوا إنَّا قَدْ آمَنَّا بِمَا قَدْ جَاءَنَا مِنْ قَبْلك . وَكَانَ ابْن عَبَّاس يَرَى أَنَّ هَذِهِ الْآيَة , نَزَلَتْ فِي الْيَهُود الَّذِينَ كَانُوا بِنَوَاحِي الْمَدِينَة عَلَى عَهْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوْبِيخًا لَهُمْ فِي جُحُودهمْ نُبُوَّة مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَتَكْذِيبهمْ بِهِ , مَعَ عِلْمهمْ بِهِ وَمَعْرِفَتهمْ بِأَنَّهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَيْهِمْ وَإِلَى النَّاس كَافَّة . )246 - وَحَدَّثَنَا ابْن حُمَيْدٍ , قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَة , عَنْ ابْن إسْحَاق , عَنْ مُحَمَّد بْن أَبِي مُحَمَّد مَوْلَى زَيْد بْن ثَابِت , عَنْ عِكْرِمَة , أَوْ عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ ابْن عَبَّاس : (أَنَّ صَدْر سُورَة الْبَقَرَة إلَى الْمِائَة مِنْهَا نَزَلَ فِي رِجَال سَمَّاهُمْ بِأَعْيَانِهِمْ وَأَنْسَابهمْ مِنْ أَحْبَار الْيَهُود , وَمِنْ الْمُنَافِقِينَ مِنْ الْأَوْس وَالْخَزْرَج . )كَرِهْنَا تَطْوِيل الْكِتَاب بِذِكْرِ أَسْمَائِهِمْ . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْن عَبَّاس فِي تَأْوِيل ذَلِكَ قَوْل آخَر , وَهُوَ مَا : 247 - حَدَّثَنَا بِهِ الْمُثَنَّى بْن إبْرَاهِيم , قَالَ حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ ابْن عَبَّاس قَوْله : ( { إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاء عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتهمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ } قَالَ : كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَحْرِص عَلَى أَنْ يُؤْمِن جَمِيع النَّاس , وَيُتَابِعُوهُ عَلَى الْهُدَى ; فَأَخْبَرَهُ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّهُ لَا يُؤْمِن إلَّا مَنْ سَبَقَ مِنْ اللَّه السَّعَادَة فِي الذِّكْر الْأَوَّل , وَلَا يَضِلّ إلَّا مَنْ سَبَقَ لَهُ مِنْ اللَّه الشَّقَاء فِي الذِّكْر الْأَوَّل . )وَقَالَ آخَرُونَ بِمَا : 248 - حُدِّثْت بِهِ عَنْ عَمَّار بْن الْحَسَن , قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن أَبِي جَعْفَر عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع بْن أَنَس , قَالَ : (آيَتَانِ فِي قَادَة الْأَحْزَاب : { إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاء عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتهمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ } إلَى قَوْله : { وَلَهُمْ عَذَاب عَظِيم } قَالَ : وَهُمْ الَّذِينَ ذَكَرَهُمْ اللَّه فِي هَذِهِ الْآيَة : { أَلَمْ تَرَ إلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَة اللَّه كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمهمْ دَار الْبَوَار جَهَنَّم يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَار } [14 28 : 29 ]قَالَ : فَهُمْ الَّذِينَ قُتِلُوا يَوْم بَدْر . )وَأَوْلَى هَذِهِ التَّأْوِيلَات بِالْآيَةِ تَأْوِيل ابْن عَبَّاس الَّذِي ذَكَرَهُ مُحَمَّد بْن أَبِي مُحَمَّد , عَنْ عِكْرِمَة أَوْ عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْهُ ; وَإِنْ كَانَ لِكُلِّ قَوْل مِمَّا قَالَهُ الَّذِينَ ذَكَرْنَا قَوْلهمْ فِي ذَلِكَ مَذْهَب . فَأَمَّا مَذْهَب مِنْ تَأَوَّلَ فِي ذَلِكَ مَا قَالَهُ الرَّبِيع بْن أَنَس , فَهُوَ أَنَّ اللَّه تَعَالَى ذَكَرَهُ لَمَّا أَخْبَرَ عَنْ قَوْم مِنْ أَهْل الْكُفْر بِأَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ , وَأَنَّ الْإِنْذَار غَيْر نَافِعهمْ , ثُمَّ كَانَ مِنْ الْكُفَّار مَنْ قَدْ نَفَعَهُ اللَّه بِإِنْذَارِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إيَّاهُ لِإِيمَانِهِ بِاَللَّهِ وَبِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْد اللَّه بَعْد نُزُول هَذِهِ السُّورَة ; لَمْ يَجُزْ أَنْ تَكُون الْآيَة نَزَلَتْ إلَّا فِي خَاصّ مِنْ الْكُفَّار . وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ وَكَانَتْ قَادَة الْأَحْزَاب لَا شَكَّ أَنَّهُمْ مِمَّنْ لَمْ يَنْفَعهُ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ بِإِنْذَارِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إيَّاهُ حَتَّى قَتَلَهُمْ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى بِأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ يَوْم بَدْر , عُلِمَ أَنَّهُمْ مِمَّنْ عَنَى اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِهَذِهِ الْآيَة . وَأَمَّا عِلَّتنَا فِي اخْتِيَارنَا مَا اخْتَرْنَا مِنْ التَّأْوِيل فِي ذَلِكَ , فَهِيَ أَنَّ قَوْل اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاء عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتهمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ } عَقِيب خَبَر اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَنْ مُؤْمِنِي أَهْل الْكِتَاب , وَعَقِيب نَعْتهمْ وَصِفَتهمْ وَثَنَائِهِ عَلَيْهِمْ بِإِيمَانِهِمْ بِهِ وَبِكُتُبِهِ وَرُسُله . فَأَوْلَى الْأُمُور بِحِكْمَةِ اللَّه أَنْ يُتْلَى ذَلِكَ الْخَبَر عَنْ كُفَّارهمْ وَنُعُوتهمْ وَذَمّ أَسِبَابهمْ وَأَحْوَالهمْ , وَإِظْهَار شَتْمهمْ وَالْبَرَاءَة مِنْهُمْ ; لِأَنَّ مُؤْمِنِيهِمْ وَمُشْرِكِيهِمْ وَإِنْ اخْتَلَفَتْ أَحْوَاله بِاخْتِلَافِ أَدِيَانهمْ , فَإِنَّ الْجِنْس يَجْمَع جَمِيعهمْ بِأَنَّهُمْ بَنُو إسْرَائِيل . وَإِنَّمَا احْتَجَّ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِأَوَّلِ هَذِهِ السُّورَة لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مُشْرِكِي الْيَهُود مِنْ أَحْبَار بَنِي إسْرَائِيل الَّذِينَ كَانُوا مَعَ عِلْمهمْ بِنُبُوَّتِهِ مُنْكَرِينَ نُبُوَّته بِإِظْهَارِ نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَا كَانَتْ تُسِرّهُ الْأَحْبَار مِنْهُمْ وَتَكْتُمهُ فَيَجْهَلهُ عُظْمُ الْيَهُود وَتَعْلَمهُ الْأَحْبَار مِنْهُمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ الَّذِي أَطْلَعَهُ عَلَى عِلْم ذَلِكَ هُوَ الَّذِي أَنَزَلَ الْكِتَاب عَلَى مُوسَى , إذْ كَانَ ذَلِكَ مِنْ الْأُمُور الَّتِي لَمْ يَكُنْ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا قَوْمه وَلَا عَشِيرَته يَعْلَمُونَهُ وَلَا يَعْرِفُونَهُ مِنْ قَبْل نُزُول الْفُرْقَان عَلَى مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَيُمْكِنهُمْ ادِّعَاء اللُّبْس فِي أَمْره عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام أَنَّهُ نَبِيّ , وَأَنَّ مَا جَاءَ بِهِ فَمِنْ عِنْد اللَّه . وَأَنَّى يُمْكِنهُمْ ادِّعَاء اللُّبْس فِي صَدْق أُمِّيّ نَشَأَ بَيْن أُمِّيِّينَ لَا يَكْتُب , وَلَا يَقْرَأ , وَلَا يَحْسُب , فَيُقَال قَرَأَ الْكُتُب فَعَلِمَ أَوْ حَسِبَ فَنَجَّمَ , وَانْبَعَثَ عَلَى أَخْبَار قُرَّاء كُتُبه - قَدْ دَرَسُوا الْكُتُب وَرَأَسُوا الْأُمَم - يُخْبِرهُمْ عَنْ مَسْتُور عُيُوبهمْ , وَمَصُون عُلُومهمْ , وَمَكْتُوم أَخْبَارهمْ , وَخِفْيَات أُمُورهمْ الَّتِي جَهِلَهَا مَنْ هُوَ دُونهمْ مِنْ أَحْبَارهمْ ؟ ! إنَّ أَمْر مَنْ كَانَ كَذَلِكَ لِغَيْرِ مُشْكِل , وَإِنَّ صِدْقه وَالْحَمْد لِلَّهِ لَبَيِّن . وَمِمَّا يُنْبِئ عَنْ صِحَّة مَا قُلْنَا مِنْ أَنَّ الَّذِينَ عَنَى اللَّه تَعَالَى ذِكْره بِقَوْلِهِ : { إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاء عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتهمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ } هُمْ أَحْبَار الْيَهُود الَّذِينَ قُتِلُوا عَلَى الْكُفْر وَمَاتُوا عَلَيْهِ اقْتِصَاص اللَّه تَعَالَى ذِكْره نَبَأَهُمْ وَتَذْكِيره إيَّاهُمْ مَا أَخَذَ عَلَيْهِمْ مِنْ الْعُهُود وَالْمَوَاثِيق فِي أَمْر مُحَمَّد عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام بَعْد اقْتِصَاصه تَعَالَى ذِكْره مَا اقْتَصَّ مِنْ أَمْر الْمُنَافِقِينَ وَاعْتِرَاضه بَيْن ذَلِكَ بِمَا اعْتَرَضَ بِهِ مِنْ الْخَبَر عَنْ إبْلِيس وَآدَم فِي قَوْله : { يَا بَنِي إسْرَائِيل اُذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْت عَلَيْكُمْ } [2 40 ]الْآيَات , وَاحْتِجَاجه لِنَبِيِّهِ عَلَيْهِمْ بِمَا احْتَجَّ بِهِ عَلَيْهِمْ فِيهَا بَعْد جُحُودهمْ نُبُوَّته . فَإِذَا كَانَ الْخَبَر أَوَّلًا عَنْ مُؤْمِنِي أَهْل الْكِتَاب وَآخِرًا عَنْ مُشْرِكِيهِمْ , فَأَوْلَى أَنْ يَكُون وَسَطًا عَنْهُ , إذْ كَانَ الْكَلَام بَعْضه لِبَعْضٍ تَبَع , إلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ دَلَالَة وَاضِحَة بِعُدُولِ بَعْض ذَلِكَ عَمَّا اُبْتُدِئَ بِهِ مِنْ مَعَانِيه , فَيَكُون مَعْرُوفًا حِينَئِذٍ انْصِرَافه عَنْهُ . وَأَمَّا مَعْنَى الْكُفْر فِي قَوْله : { إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا } فَإِنَّهُ الْجُحُود . وَذَلِكَ أَنَّ الْأَحْبَار مِنْ يَهُود الْمَدِينَة جَحَدُوا نُبُوَّة مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسَتَرُوهُ عَنْ النَّاس وَكَتَمُوا أَمْره , وَهُمْ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ . وَأَصْل الْكُفْر عِنْد الْعَرَب تَغْطِيَة الشَّيْء , وَلِذَلِكَ سَمَّوْا اللَّيْل كَافِرًا لِتَغْطِيَةِ ظُلْمَته مَا لَبِسَتْهُ , كَمَا قَالَ الشَّاعِر : <br>فَتَذَّكَّرَا ثِقْلًا رَثِيدًا بَعْد مَا .......... أَلْقَتْ ذُكَاء يَمِينهَا فِي كَافِر <br>وَقَالَ لَبِيد بْن رَبِيعَة : <br>فِي لَيْلَة كَفَرَ النُّجُوم غَمَامهَا <br>يَعْنِي غَطَّاهَا . فَكَذَلِكَ الْأَحْبَار مِنْ الْيَهُود غَطَّوْا أَمْر مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَتَمُوهُ النَّاس مَعَ عِلْمهمْ بِنُبُوَّتِهِ وَوُجُودهمْ صِفَته فِي كُتُبهمْ . فَقَالَ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ فِيهِمْ : { إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنَزَلْنَا مِنْ الْبَيِّنَات وَالْهُدَى مِنْ بَعْد مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَاب أُولَئِكَ يَلْعَنهُمْ اللَّه وَيَلْعَنهُمْ اللَّاعِنُونَ } [2 159 ]وَهُمْ الَّذِينَ أَنَزَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ فِيهِمْ : { إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاء عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتهمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ } |سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ|الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { سَوَاء عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتهمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ } </subtitle>وَتَأْوِيل | سَوَاء | : مُعْتَدِل , مَأْخُوذ مِنْ التَّسَاوِي , كَقَوْلِك : مُتَسَاوٍ هَذَانِ الْأَمْرَانِ عِنْدِي , وَهُمَا عِنْدِي سَوَاء ; أَيْ هُمَا مُتَعَادِلَانِ عِنْدِي . وَمِنْهُ قَوْل اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { فَانْبِذْ إلَيْهِمْ عَلَى سَوَاء } [8 58 ]يَعْنِي أَعْلِمْهُمْ وَآذِنْهُمْ بِالْحَرْبِ حَتَّى يَسْتَوِي عِلْمك وَعِلْمهمْ بِمَا عَلَيْهِ كُلّ فَرِيق مِنْهُمْ لِلْفَرِيقِ الْآخَر . فَكَذَلِكَ قَوْله : { سَوَاء عَلَيْهِمْ } مُعْتَدِل عِنْدهمْ أَيْ الْأَمْرَيْنِ كَانَ مِنْك إلَيْهِمْ الْإِنْذَار أَمْ تَرْك الْإِنْذَار لِأَنَّهُمْ كَانُوا لَا يُؤْمِنُونَ , وَقَدْ خَتَمْت عَلَى قُلُوبهمْ وَسَمْعهمْ . وَمِنْ ذَلِكَ قَوْل عُبَيْد اللَّه بْن قِيس الرُّقَيَّات : <br>تُغِذّ بِي الشَّهْبَاء نَحْو ابْن جَعْفَر .......... سَوَاء عَلَيْهَا لَيْلهَا وَنَهَارهَا <br>يَعْنِي : بِذَلِكَ : مُعْتَدِل عِنْدهَا السَّيْر فِي اللَّيْل وَالنَّهَار , لِأَنَّهُ لَا فُتُور فِيهِ . وَمِنْهُ قَوْل الْآخَر : <br>وَلَيْل يَقُول الْمَرْء مِنْ ظُلُمَاته .......... سَوَاء صَحِيحَات الْعُيُون وُعُورهَا <br>لِأَنَّ الصَّحِيح لَا يُبْصِر فِيهِ إلَّا بَصَرًا ضَعِيفًا مِنْ ظُلْمَته . وَأَمَّا قَوْله : { أَأَنْذَرْتهمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ } فَإِنَّهُ ظَهَرَ بِهِ الْكَلَام ظُهُور الِاسْتِفْهَام وَهُوَ خَبَر ; لِأَنَّهُ وَقَعَ مَوْقِع | أَيْ | , كَمَا تَقُول : لَا نُبَالِي أَقُمْت أَمْ قَعَدْت , وَأَنْت مُخْبِر لَا مُسْتَفْهِم لِوُقُوعِ ذَلِكَ مَوْقِع | أَيْ | , وَذَلِكَ أَنَّ مَعْنَاهُ إذَا قُلْت ذَلِكَ : مَا نُبَالِي أَيّ هَذَيْنِ كَانَ مِنْك , فَكَذَلِكَ ذَلِكَ فِي قَوْله : { سَوَاء عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتهمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرهُمْ } لَمَّا كَانَ مَعْنَى الْكَلَام : سَوَاء عَلَيْهِمْ أَيْ هَذَيْنِ كَانَ مِنْك إلَيْهِمْ , حَسَن فِي مَوْضِعه مَعَ | سَوَاء | : أَفَعَلْت أَمْ لَمْ تَفْعَل . وَقَدْ كَانَ بَعْض نَحْوِيِّي أَهْل الْبَصْرَة يَزْعُم أَنَّ حَرْف الِاسْتِفْهَام إنَّمَا دَخَلَ مَعَ | سَوَاء | وَلَيْسَ بِاسْتِفْهَامِ , لِأَنَّ الْمُسْتَفْهِم إذَا اسْتَفْهَمَ غَيْره فَقَالَ : أَزَيْد عِنْدك أَمْ عَمْرو ؟ مُسْتَثْبِت صَاحِبه أَيّهمَا عِنْده , فَلَيْسَ أَحَدهمَا أَحَقّ بِالِاسْتِفْهَامِ مِنْ الْآخَر . فَلَمَّا كَانَ قَوْله : { سَوَاء عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتهمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرهُمْ } بِمَعْنَى التَّسْوِيَة , أَشَبَه ذَلِكَ الِاسْتِفْهَام إذْ أَشَبَهه فِي التَّسْوِيَة , وَقَدْ بَيَّنَّا الصَّوَاب فِي ذَلِكَ . فَتَأْوِيل الْكَلَام إذًا : مُعْتَدِل يَا مُحَمَّد عَلَى هَؤُلَاءِ الَّذِينَ جَحَدُوا نُبُوَّتك مِنْ أَحْبَار يَهُود الْمَدِينَة بَعْد عِلْمهمْ بِهَا , وَكَتَمُوا بَيَان أَمْرك لِلنَّاسِ بِأَنَّك رَسُولِي إلَى خَلْقِي , وَقَدْ أَخَذْت عَلَيْهِمْ الْعَهْد وَالْمِيثَاق أَنْ لَا يَكْتُمُوا ذَلِكَ وَأَنْ يُبَيِّنُوهُ لِلنَّاسِ وَيُخْبِرُوهُمْ أَنَّهُمْ يَجِدُونَ صِفَتك فِي كُتُبهمْ ; أَأَنْذَرْتهمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرهُمْ فَإِنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ وَلَا يَرْجِعُونَ إلَى الْحَقّ وَلَا يُصَدِّقُونَ بِك وَبِمَا جِئْتهمْ بِهِ ; لِمَا : 249 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن حُمَيْدٍ , قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَة بْن الْفَضْل , عَنْ مُحَمَّد بْن إسْحَاق , عَنْ مُحَمَّد بْن أَبِي مُحَمَّد مَوْلَى زَيْد بْن ثَابِت , عَنْ عِكْرِمَة , أَوْ عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ ابْن عَبَّاس : ( { سَوَاء عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتهمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ } أَيْ أَنَّهُمْ قَدْ كَفَرُوا بِمَا عِنْدهمْ مِنْ الْعِلْم مِنْ ذِكْر وَجَحَدُوا مَا أُخِذَ عَلَيْهِمْ مِنْ الْمِيثَاق لَك ; فَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَك وَبِمَا عِنْدهمْ مِمَّا جَاءَهُمْ بِهِ غَيْرك , فَكَيْف يَسْمَعُونَ مِنْك إنْذَارًا وَتَحْذِيرًا وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا عِنْدهمْ مِنْ عِلْمك ؟)

خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { خَتَمَ اللَّه عَلَى قُلُوبهمْ وَعَلَى سَمْعهمْ } </subtitle>وَأَصْل الْخَتَم : الطَّبْع , وَالْخَاتَم : هُوَ الطَّابِع , يُقَال مِنْهُ : خَتَمْت الْكِتَاب , إذَا طَبَعْته . فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِل : وَكَيْفَ يُخْتَم عَلَى الْقُلُوب , وَإِنَّمَا الْخَتْم طَبْع عَلَى الْأَوْعِيَة لِمَا جُعِلَ فِيهَا مِنْ الْمَعَارِف بِالْأُمُورِ , فَمَعْنَى الْخَتْم عَلَيْهَا وَعَلَى الْأَسْمَاع الَّتِي بِهَا تُدْرَك الْمَسْمُوعَات , وَمِنْ قِبَلهَا يُوصَل إلَى مُعْرِفَة حَقَائِق الْأَنْبَاء عَنْ الْمُغَيَّبَات , نَظِير مَعْنَى الْخَتْم عَلَى سَائِر الْأَوْعِيَة وَالظُّرُوف . فَإِنْ قَالَ : فَهَلْ لِذَلِكَ مِنْ صِفَة تَصِفهَا لَنَا فَنَفْهَمَهَا ؟ أَهِيَ مِثْل الْخَتْم الَّذِي يُعْرَف لَمَّا ظَهَرَ لِلْأَبْصَارِ , أَمْ هِيَ بِخِلَافِ ذَلِكَ ؟ قِيلَ : قَدْ اخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي صِفَة ذَلِكَ , وَسَنُخْبِرُ بِصِفَتِهِ بَعْد ذِكْرنَا قَوْلهمْ . 250 - فَحَدَّثَنِي عِيسَى بْن عُثْمَان بْن عِيسَى الرَّمْلِيّ , قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن عِيسَى , عَنْ الْأَعْمَش , قَالَ : (أَرَانَا مُجَاهِد بِيَدِهِ فَقَالَ : كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّ الْقَلْب فِي مِثْل هَذَا - يَعْنِي الْكَفّ - فَإِذَا أَذْنَبَ الْعَبْد ذَنْبًا ضَمَّ مِنْهُ - وَقَالَ بِأُصْبُعِهِ الْخِنْصِر هَكَذَا - فَإِذَا أَذْنَبَ ضُمَّ - وَقَالَ بِأُصْبُعٍ أُخْرَى - فَإِذَا أَذْنَبَ ضُمَّ - وَقَالَ بِأُصْبُعٍ أُخْرَى هَكَذَا - حَتَّى ضَمَّ أَصَابِعَهُ كُلّهَا . قَالَ : ثُمَّ يُطْبَع عَلَيْهِ بِطَابَعٍ . قَالَ مُجَاهِد : وَكَانُوا يَرَوْنَ أَنَّ ذَلِكَ الرَّيْن . )251 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ , قَالَ : حَدَّثَنَا وَكِيع عَنْ الْأَعْمَش , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : (الْقَلْب مِثْل الْكَفّ , فَإِذَا أَذْنَبَ ذَنْبًا قَبَضَ أُصْبُعًا حَتَّى يَقْبِض أَصَابِعه كُلّهَا . وَكَانَ أَصْحَابنَا يَرَوْنَ أَنَّهُ الرَّان . )252 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم بْن الْحَسَن , قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْن بْن دَاوُد , قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاج , قَالَ : حَدَّثَنَا ابْن جُرَيْجٍ , قَالَ : قَالَ مُجَاهِد : (نُبِّئْت أَنَّ الذُّنُوب عَلَى الْقَلْب تَحِفّ بِهِ مِنْ نَوَاحِيه حَتَّى تَلْتَقِي عَلَيْهِ , فَالْتِقَاؤُهَا عَلَيْهِ الطَّبْع , وَالطَّبْع الْخَتْم . )قَالَ ابْن جُرَيْجٍ : (الْخَتْم خَتْم عَلَى الْقَلْب وَالسَّمْع . )253 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ , قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْد اللَّه بْن كَثِير أَنَّهُ سَمِعَ مُجَاهَدًا يَقُول : (الرَّان أَيْسَر مِنْ الطَّبْع , وَالطَّبْع أَيْسَر مِنْ الْإِقْفَال , وَالْإِقْفَال أَشَدّ ذَلِكَ كُلّه . )وَقَالَ بَعْضهمْ : إنَّمَا مَعْنَى قَوْله : { خَتَمَ اللَّه عَلَى قُلُوبهمْ } إخْبَار مِنْ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَنْ تَكَبُّرهمْ وَإِعْرَاضهمْ عَنْ الِاسْتِمَاع لِمَا دُعُوا إلَيْهِ مِنْ الْحَقّ , كَمَا يُقَال : إنَّ فُلَانًا لَأَصَمّ عَنْ هَذَا الْكَلَام , إذَا امْتَنَعَ مِنْ سَمَاعه وَرَفَعَ نَفْسه عَنْ تَفَهُّمه تَكَبُّرًا . وَالْحَقّ فِي ذَلِكَ عِنْدِي مَا صَحَّ بِنَظِيرِهِ الْخَبَر عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مَا : 254 - حَدَّثَنَا بِهِ مُحَمَّد بْن يَسَار , قَالَ : حَدَّثَنَا صَفْوَان بْن عِيسَى , قَالَ : حَدَّثَنَا ابْن عَجْلَان عَنْ الْقَعْقَاع , عَنْ أَبِي صَالِح , عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ({ إنَّ الْمُؤْمِن إذَا أَذْنَبَ ذَنْبًا كَانَتْ نُكْتَة سَوْدَاء فِي قَلْبه , فَإِنْ تَابَ وَنَزَعَ وَاسْتَغْفَرَ صَقَلَ قَلْبه , فَإِنْ زَادَ زَادَتْ حَتَّى يُغْلَف قَلْبه ; فَذَلِكَ الرَّان الَّذِي قَالَ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبهمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ } [83 14 ])فَأَخْبَرَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ الذُّنُوب إذَا تَتَابَعَتْ عَلَى الْقُلُوب أَغَلَفَتْهَا , وَإِذَا أَغَلَفَتْهَا أَتَاهَا حِينَئِذٍ الْخَتْم مِنْ قِبَل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ وَالطَّبْع , فَلَا يَكُون لِلْإِيمَانِ إلَيْهَا مَسْلَك , وَلَا لِلْكُفْرِ مِنْهَا مَخْلَص . فَذَلِكَ هُوَ الطَّبْع وَالْخَتْم الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي قَوْله : { خَتَمَ اللَّه عَلَى قُلُوبهمْ وَعَلَى سَمْعهمْ } نَظِير الطَّبْع وَالْخَتْم عَلَى مَا تُدْرِكهُ الْأَبْصَار مِنْ الْأَوْعِيَة وَالظُّرُوف الَّتِي لَا يُوصَل إلَى مَا فِيهَا إلَّا بِفَضِّ ذَلِكَ عَنْهَا ثُمَّ حَلّهَا , فَكَذَلِكَ لَا يَصِل الْإِيمَان إلَى قُلُوب مِنْ وَصْف اللَّه أَنَّهُ خَتَمَ عَلَى قُلُوبهمْ , إلَّا بَعْد فَضّه خَاتَمه وَحَلّه رِبَاطه عَنْهَا . وَيُقَال لِقَائِلِي الْقَوْل الثَّانِي الزَّاعِمِينَ أَنَّ مَعْنَى قَوْله جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { خَتَمَ اللَّه عَلَى قُلُوبهمْ وَعَلَى سَمْعهمْ } هُوَ وَصَفَهُمْ بِالِاسْتِكْبَارِ وَالْإِعْرَاض عَنْ الَّذِي دُعُوا إلَيْهِ مِنْ الْإِقْرَار بِالْحَقِّ تَكَبُّرًا : أَخْبَرُونَا عَنْ اسْتِكْبَار الَّذِينَ وَصَفَهُمْ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِهَذِهِ الصِّفَة وَإِعْرَاضهمْ عَنْ الْإِقْرَار بِمَا دُعُوا إلَيْهِ مِنْ الْإِيمَان وَسَائِر الْمَعَانِي اللَّوَاحِق بِهِ , أَفَعَلَ مِنْهُمْ , أَمْ فِعْل مِنْ اللَّه تَعَالَى ذِكْره بِهِمْ ؟ فَإِنْ زَعَمُوا أَنَّ ذَلِكَ فِعْل مِنْهُمْ وَذَلِكَ قَوْلهمْ , قِيلَ لَهُمْ : فَإِنَّ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَدْ أَخْبَرَ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي خَتَمَ عَلَى قُلُوبهمْ وَسَمْعهمْ , وَكَيْفَ يَجُوز أَنْ يَكُون إعْرَاض الْكَافِر عَنْ الْإِيمَان وَتَكَبُّره عَنْ الْإِقْرَار بِهِ , وَهُوَ فِعْله عِنْدكُمْ خَتْمًا مِنْ اللَّه عَلَى قَلْبه وَسَمْعه , وَخَتْمه عَلَى قَلْبه وَسَمْعه فِعْل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ دُون فِعْل الْكَافِر ؟ فَإِنْ زَعَمُوا أَنَّ ذَلِكَ جَائِز أَنْ يَكُون كَذَلِكَ , لِأَنَّ تَكَبُّره وَإِعْرَاضه كَانَا عَنْ خَتْم اللَّه عَلَى قَلْبه وَسَمْعه , فَلَمَّا كَانَ الْخَتْم سَبَبًا لِذَلِكَ جَازَ أَنْ يُسْمَى مُسَبِّبه بِهِ ; تَرَكُوا قَوْلهمْ , وَأَوْجَبُوا أَنَّ الْخَتْم مِنْ اللَّه عَلَى قُلُوب الْكُفَّار وَأَسْمَاعهمْ مَعْنَى غَيْر كُفْر الْكَافِر وَغَيْر تَكَبُّره وَإِعْرَاضه عَنْ قَبُول الْإِيمَان وَالْإِقْرَار بِهِ , وَذَلِكَ دُخُول فِيمَا أَنْكَرُوهُ . وَهَذِهِ الْآيَة مِنْ أَوْضَح الْأَدِلَّة عَلَى فَسَاد قَوْل الْمُنْكَرِينَ تَكْلِيف مَا لَا يُطَاق إلَّا بِمَعُونَةِ اللَّه ; لِأَنَّ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَخْبَرَ أَنَّهُ خَتَمَ عَلَى قُلُوب صِنْف مِنْ كُفَّار عِبَاده وَأَسْمَاعهمْ , ثُمَّ لَمْ يُسْقِط التَّكْلِيف عَنْهُمْ وَلَمْ يَضَع عَنْ أَحَد مِنْهُمْ فَرَائِضه وَلَمْ يَعْذِرهُ فِي شَيْء مِمَّا كَانَ مِنْهُ مِنْ خِلَاف طَاعَته بِسَبَبِ مَا فَعَلَ بِهِ مِنْ الْخَتْم وَالطَّبْع عَلَى قَلْبه وَسَمْعه , بَلْ أَخْبَرَ أَنَّ لِجَمِيعِهِمْ مِنْهُ عَذَابًا عَظِيمًا عَلَى تَرْكهمْ طَاعَته فِيمَا أَمَرَهُمْ بِهِ وَنَهَاهُمْ عَنْهُ مِنْ حُدُوده وَفَرَائِضه مَعَ حَتْمه الْقَضَاء مَعَ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ .|وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ|الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَعَلَى أَبْصَارهمْ غِشَاوَة } </subtitle>وَقَوْله : { وَعَلَى أَبْصَارهمْ غِشَاوَة } خَبَر مُبْتَدَأ بَعْد تَمَام الْخَبَر عَمَّا خَتَمَ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَلَيْهِ مِنْ جَوَارِح الْكُفَّار الَّذِينَ مَضَتْ قِصَصهمْ , وَذَلِكَ أَنَّ { غِشَاوَة } مَرْفُوعَة بِقَوْلِهِ : { وَعَلَى أَبْصَارهمْ } فَذَلِكَ دَلِيل عَلَى أَنَّهُ خَبَر مُبْتَدَأ , وَأَنَّ قَوْله : { خَتَمَ اللَّه عَلَى قُلُوبهمْ } قَدْ تَنَاهَى عِنْد قَوْله : { وَعَلَى سَمْعهمْ } وَذَلِكَ هُوَ الْقِرَاءَة الصَّحِيحَة عِنْدنَا لِمَعْنَيَيْنِ , أَحَدهمَا : اتِّفَاق الْحُجَّة مِنْ الْقُرَّاء وَالْعُلَمَاء عَلَى الشَّهَادَة بِتَصْحِيحِهَا , وَانْفِرَاد الْمُخَالِف لَهُمْ فِي ذَلِكَ وَشُذُوذه عَمَّا هُمْ عَلَى تَخْطِئَته مُجْمِعُونَ ; وَكَفَى بِإِجْمَاعِ الْحُجَّة عَلَى تَخْطِئَة قِرَاءَته شَاهِدًا عَلَى خَطَئِهَا . وَالثَّانِي : أَنَّ الْخَتْم غَيْر مَوْصُوفَة بِهِ الْعُيُون فِي شَيْء مِنْ كِتَاب اللَّه , وَلَا فِي خَبَر عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَلَا مَوْجُود فِي لُغَة أَحَد مِنْ الْعَرَب . وَقَدْ قَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي سُورَة أُخْرَى : { وَخَتَمَ عَلَى سَمْعه وَقَلْبه } ثُمَّ قَالَ : { وَجَعَلَ عَلَى بَصَره غِشَاوَة } [45 23 ]فَلَمْ يَدْخُل الْبَصَر فِي مَعْنَى الْخَتْم , وَذَلِكَ هُوَ الْمَعْرُوف فِي كَلَام الْعَرَب . فَلَمْ يَجُزْ لَنَا وَلَا لِأَحَدٍ مِنْ النَّاس الْقِرَاءَة بِنَصَبِ الْغِشَاوَة لِمَا وَصَفْت مِنْ الْعِلَّتَيْنِ اللَّتَيْنِ ذَكَرْت , وَإِنْ كَانَ لِنَصْبِهَا مَخْرَج مَعْرُوف فِي الْعَرَبِيَّة . وَبِمَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْقَوْل وَالتَّأْوِيل , رُوِيَ الْخَبَر عَنْ ابْن عَبَّاس . 255 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي , قَالَ : حَدَّثَنِي عَمِّي الْحُسَيْن بْن الْحَسَن , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ جَدّه , عَنْ ابْن عَبَّاس : ( { خَتَمَ اللَّه عَلَى قُلُوبهمْ وَعَلَى سَمْعهمْ } وَالْغِشَاوَة عَلَى أَبْصَارهمْ . )فَإِنْ قَالَ قَائِل : وَمَا وَجْه مَخْرَج النَّصْب فِيهَا ؟ قِيلَ لَهُ : إنَّ نَصْبهَا بِإِضْمَارِ | جَعَلَ | كَأَنَّهُ قَالَ : وَجَعَلَ عَلَى أَبْصَارهمْ غِشَاوَة ; ثُمَّ أَسَقَطَ | جَعَلَ | ; إذْ كَانَ فِي أَوَّل الْكَلَام مَا يَدُلّ عَلَيْهِ . وَقَدْ يَحْتَمِل نَصْبهَا عَلَى إتْبَاعهَا مَوْضِع السَّمْع إذْ كَانَ مَوْضِعه نَصْبًا , وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَسَنًا إعَادَة الْعَامِل فِيهِ عَلَى | غِشَاوَة | وَلَكِنْ عَلَى إتْبَاع الْكَلَام بَعْضه بَعْضًا , كَمَا قَالَ تَعَالَى ذِكْره : { يَطُوف عَلَيْهِمْ وِلْدَان مُخَلَّدُونَ بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ } ثُمَّ قَالَ : { وَفَاكِهَة مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ وَلَحْم طَيْر مِمَّا يَشْتَهُونَ وَحُور عِين } [56 17 : 22 ]فَخَفَضَ اللَّحْم وَالْحُور عَلَى الْعَطْف بِهِ عَلَى الْفَاكِهَة إتْبَاعًا لِآخِرِ الْكَلَام أَوَّله . وَمَعْلُوم أَنَّ اللَّحْم لَا يُطَاف بِهِ وَلَا بِالْحُورِ , وَلَكِنْ ذَلِكَ كَمَا قَالَ الشَّاعِر يَصِف فَرَسه : <br>عَلَفْتهَا تِبْنًا وَمَاء بَارِدًا .......... حَتَّى شَتَّتْ هَمَّالَة عَيْنَاهَا <br>وَمَعْلُوم أَنَّ الْمَاء يُشْرَب وَلَا يُعْلَف بِهِ , وَلَكِنَّهُ نَصَبَ ذَلِكَ عَلَى مَا وَصَفْت قَبْل . وَكَمَا قَالَ الْآخَر : <br>وَرَأَيْت زَوْجك فِي الْوَغَى .......... مُتَقَلِّدًا سَيْفًا وَرُمْحًا <br>وَكَانَ ابْن جُرَيْجٍ يَقُول فِي انْتِهَاء الْخَبَر عَنْ الْخَتْم إلَى قَوْله : { وَعَلَى سَمْعهمْ } وَابْتِدَاء الْخَبَر بَعْده ; بِمِثْلِ الَّذِي قُلْنَا فِيهِ , وَيَتَأَوَّل فِيهِ مِنْ كِتَاب اللَّه : { فَإِنْ يَشَأْ اللَّه يَخْتِم عَلَى قَلْبك } [42 24 ]256 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاج , قَالَ : حَدَّثَنَا ابْن جُرَيْجٍ قَالَ : (الْخَتْم عَلَى الْقَلْب وَالسَّمْع , وَالْغِشَاوَة عَلَى الْبَصَر , قَالَ اللَّه تَعَالَى ذِكْره : { فَإِنْ يَشَأْ اللَّه يَخْتِم عَلَى قَلْبك } وَقَالَ : { وَخَتَمَ عَلَى سَمْعه وَقَلْبه وَجَعَلَ عَلَى بَصَره غِشَاوَة } [45 23 ]وَالْغِشَاوَة فِي كَلَام الْعَرَب : الْغِطَاء )وَمِنْهُ قَوْل الْحَارِث بْن خَالِد بْن الْعَاصِ : <br>تَبِعَتْك إذْ عَيْنِيّ عَلَيْهَا غِشَاوَة .......... فَلَمَّا انْجَلَتْ قَطَعَتْ نَفْسِيّ أَلُومهَا <br>وَمِنْهُ يُقَال : تَغْشَاهُ الْهَمّ : إذَا تَجَلَّلَهُ وَرَكِّبْهُ . وَمِنْهُ قَوْل نَابِغَة بَنِي ذُبْيَان : <br>هَلَّا سَأَلَتْ بَنِي ذُبْيَان مَا حَسْبِي .......... إذَا الدُّخَان تَغَشَّى الْأَشْمَط الْبَرِمَا <br>يَعْنِي بِذَلِكَ : إذَا تَجَلَّلَهُ وَخَالَطَهُ . وَإِنَّمَا أَخْبَرَ اللَّه تَعَالَى ذِكْره نَبِيّه مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الَّذِينَ كَفَرُوا بِهِ مِنْ أَحْبَار الْيَهُود , أَنَّهُ قَدْ خَتَمَ عَلَى قُلُوبهمْ وَطَبَعَ عَلَيْهَا فَلَا يَعْقِلُونَ لِلَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مَوْعِظَة وَعَظَهُمْ بِهَا فِيمَا آتَاهُمْ مِنْ عِلْم مَا عِنْدهمْ مِنْ كُتُبه , وَفِيمَا حَدَّدَ فِي كِتَابه الَّذِي أَوْحَاهُ وَأَنْزَلَهُ إلَى نَبِيّه مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَعَلَى سَمْعهمْ فَلَا يَسْمَعُونَ مِنْ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَبِيّ اللَّه تَحْذِيرًا وَلَا تَذْكِيرًا وَلَا حُجَّة أَقَامَهَا عَلَيْهِمْ بِنُبُوَّتِهِ , فَيَتَذَكَّرُوا وَيَحْذَرُوا عِقَاب اللَّه عَزَّ وَجَلَّ فِي تَكْذِيبهمْ إيَّاهُ , مَعَ عِلْمهمْ بِصَدْقِهِ وَصِحَّة أَمْره ; وَأَعْلَمهُ مَعَ ذَلِكَ أَنَّ عَلَى أَبْصَارهمْ غِشَاوَة عَنْ أَنْ يُبْصِرُوا سَبِيل الْهُدَى فَيَعْلَمُوا قُبْح مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ الضَّلَالَة وَالرَّدَى وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ رُوِيَ الْخَبَر عَنْ جَمَاعَة مِنْ أَهْل التَّأْوِيل . 257 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْدٍ , قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَة , عَنْ مُحَمَّد بْن إسْحَاق , عَنْ مُحَمَّد بْن أَبِي مُحَمَّد مَوْلَى زَيْد بْن ثَابِت , عَنْ عِكْرِمَة , أَوْ عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ ابْن عَبَّاس : { خَتَمَ اللَّه عَلَى قُلُوبهمْ وَعَلَى سَمْعهمْ وَعَلَى أَبْصَارهمْ غِشَاوَة } أَيْ عَنْ الْهُدَى أَنَّ يُصِيبُوهُ أَبَدًا بِغَيْرِ مَا كَذَّبُوك بِهِ مِنْ الْحَقّ الَّذِي جَاءَك مِنْ رَبّك , حَتَّى يُؤْمِنُوا بِهِ , وَإِنْ آمَنُوا بِكُلِّ مَا كَانَ قَبْلك . 258 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْن هَارُونَ الْهَمْدَانِيّ , قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرو بْن حَمَّاد , قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ فِي خَبَر ذِكْره عَنْ أَبِي مَالِك , وَعَنْ أَبِي صَالِح عَنْ ابْن عَبَّاس , وَعَنْ مُرَّة الْهَمْدَانِيّ , عَنْ ابْن مَسْعُود , وَعَنْ نَاس مِنْ أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( { خَتَمَ اللَّه عَلَى قُلُوبهمْ وَعَلَى سَمْعهمْ } يَقُول فَلَا يَعْقِلُونَ , وَلَا يَسْمَعُونَ وَيَقُول : وَجَعَلَ عَلَى أَبْصَارهمْ غِشَاوَة , يَقُول : عَلَى أَعْيُنهمْ فَلَا يُبْصِرُونَ . )وَأَمَّا آخَرُونَ فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَتَأَوَّلُونَ أَنَّ الَّذِينَ أَخْبَرَ اللَّه عَنْهُمْ مِنْ الْكُفَّار أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ بِهِمْ هُمْ قَادَة الْأَحْزَاب الَّذِينَ قُتِلُوا يَوْم بَدْر . 259 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى بْن إبْرَاهِيم , قَالَ : حَدَّثَنَا إسْحَاق بْن الْحَجَّاج , قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع بْن أَنَس , قَالَ : (هَاتَانِ الْآيَتَانِ إلَى : { وَلَهُمْ عَذَاب عَظِيم } هُمْ : { الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَة اللَّه كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمهمْ دَار الْبَوَار } [14 28 ]وَهُمْ الَّذِينَ قُتِلُوا يَوْم بَدْر فَلَمْ يَدْخُل مِنْ الْقَادَة أَحَد فِي الْإِسْلَام إلَّا رَجُلَانِ : أَبُو سُفْيَان بْن حَرْب , وَالْحَكَم بْن أَبِي الْعَاصِ . )260 - وَحُدِّثْت عَنْ عَمَّار بْن الْحَسَن , قَالَ : حَدَّثَنَا ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع بْن أَنَس , عَنْ الْحَسَن , قَالَ : (أَمَّا الْقَادَة فَلَيْسَ فِيهِمْ مُجِيب , وَلَا نَاجٍ , وَلَا مُهْتَدٍ . وَقَدْ دَلَّلْنَا فِيمَا مَضَى عَلَى أَوْلَى هَذَيْنِ التَّأْوِيلَيْنِ بِالصَّوَابِ فَكَرِهْنَا إعَادَته .)|وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ|الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَهُمْ عَذَاب عَظِيم } </subtitle>وَتَأْوِيل ذَلِكَ عِنْدِي كَمَا قَالَهُ ابْن عَبَّاس وَتَأَوَّلَهُ 261 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْدٍ , قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَة عَنْ ابْن إسْحَاق عَنْ مُحَمَّد بْن أَبِي مُحَمَّد مَوْلَى زَيْد بْن ثَابِت , عَنْ عِكْرِمَة , أَوْ عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ ابْن عَبَّاس : (وَلَهُمْ بِمَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ خِلَافك عَذَاب عَظِيم , قَالَ : فَهَذَا فِي الْأَحْبَار مِنْ يَهُود فِيمَا كَذَّبُوك بِهِ مِنْ الْحَقّ الَّذِي جَاءَك مِنْ رَبّك بَعْد مَعْرِفَتهمْ .)

وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَمِنْ النَّاس مَنْ يَقُول آمَنَّا بِاَللَّهِ } </subtitle>قَالَ أَبُو جَعْفَر : أَمَّا قَوْله : { وَمِنْ النَّاس } فَإِنَّ فِي النَّاس وَجْهَيْنِ : أَحَدهمَا أَنْ يَكُون جَمْعًا لَا وَاحِد لَهُ مِنْ لَفْظه , وَإِنَّمَا وَاحِده إنْسَان وَوَاحِدَته إنْسَانَة . وَالْوَجْه الْآخَر : أَنْ يَكُون أَصْله | أُنَاس | أُسْقِطَتْ الْهَمْزَة مِنْهَا لِكَثْرَةِ الْكَلَام بِهَا , ثُمَّ دَخَلَتْهَا الْأَلِف وَاللَّام الْمُعَرِّفَتَانِ , فَأُدْغِمَتْ اللَّامّ الَّتِي دَخَلَتْ مَعَ الْأَلِف فِيهَا لِلتَّعْرِيفِ فِي النُّون , كَمَا قِيلَ فِي : { لَكِنَّا هُوَ اللَّه رَبِّي } [18 38 ]عَلَى مَا قَدْ بَيَّنَّا فِي اسْم اللَّه الَّذِي هُوَ اللَّه . وَقَدْ زَعَمَ بَعْضهمْ أَنَّ النَّاس لُغَة غَيْر أُنَاس , وَأَنَّهُ سَمِعَ الْعَرَب تُصَغِّرهُ نُوَيْس مِنْ النَّاس , وَأَنَّ الْأَصْل لَوْ كَانَ أُنَاس لَقِيلَ فِي التَّصْغِير : أُنَيْس , فَرُدَّ إلَى أَصْله . وَأَجْمَعَ جَمِيع أَهْل التَّأْوِيل عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْآيَة نَزَلَتْ فِي قَوْم مِنْ أَهْل النِّفَاق , وَأَنَّ هَذِهِ الصِّفَة صِفَتهمْ ذَكَرَ بَعْض مَنْ قَالَ ذَلِكَ مِنْ أَهْل التَّأْوِيل بِأَسْمَائِهِمْ : 262 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن حُمَيْدٍ , قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَة , عَنْ مُحَمَّد بْن إسْحَاق , عَنْ مُحَمَّد بْن أَبِي مُحَمَّد مَوْلَى زَيْد بْن ثَابِت , عَنْ عِكْرِمَة أَوْ عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ ابْن عَبَّاس : ( { وَمِنْ النَّاس مَنْ يَقُول آمَنَّا بِاَللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِر وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ } يَعْنِي الْمُنَافِقِينَ مِنْ الْأَوْس وَالْخَزْرَج , وَمَنْ كَانَ عَلَى أَمْرهمْ . وَقَدْ سُمِّيَ فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس هَذَا أَسَمَاؤُهُمْ عَنْ أُبَيّ بْن كَعْب , غَيْر أَنِّي تَرَكْت تَسْمِيَتهمْ كَرَاهَة إطَالَة الْكِتَاب بِذِكْرِهِمْ . )263 - حَدَّثَنَا الْحُسَيْن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَنْبَأَنَا عَبْد الرَّزَّاق قَالَ : أَنْبَأَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْله : ( { وَمِنْ النَّاس مَنْ يَقُول آمَنَّا بِاَللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِر وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ } حَتَّى بَلَغَ : { فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتهمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ } [2 16 ]قَالَ : هَذِهِ فِي الْمُنَافِقِينَ . )264 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَمْرو الْبَاهِلِيّ , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى بْن مَيْمُون , قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : (هَذِهِ الْآيَة إلَى ثَلَاث عَشْرَة فِي نَعْت الْمُنَافِقِينَ . )* حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى بْن إبْرَاهِيم , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْل , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد مِثْله . * حَدَّثَنَا سُفْيَان , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي , عَنْ سُفْيَان , عَنْ رَجُل , عَنْ مُجَاهِد مِثْله . 265 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْن هَارُونَ , قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرو بْن حَمَّاد , قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاط عَنْ إسْمَاعِيل السُّدِّيّ فِي خَبَر ذَكَرَهُ عَنْ أَبِي مَالِك , وَعَنْ أَبِي صَالِح , عَنْ ابْن عَبَّاس , وَعَنْ مُرَّة , وَعَنْ ابْن مَسْعُود , وَعَنْ نَاس مِنْ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( { وَمِنْ النَّاس مَنْ يَقُول آمَنَّا بِاَللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِر وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ } هُمْ الْمُنَافِقُونَ )266 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : حَدَّثَنَا إسْحَاق , عَنْ ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع بْن أَنَس فِي قَوْله : ( { وَمِنْ النَّاس مَنْ يَقُول آمَنَّا بِاَللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِر } إلَى : { فَزَادَهُمْ اللَّه مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَاب أَلِيم } [2 10 ]قَالَ : هَؤُلَاءِ أَهْل النِّفَاق . )267 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْن بْن دَاوُد , قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ فِي قَوْله : ( { وَمِنْ النَّاس مَنْ يَقُول آمَنَّا بِاَللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِر وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ } قَالَ : هَذَا الْمُنَافِق يُخَالِف قَوْله فِعْله وَسِرّه عَلَانِيَته وَمَدْخَله مَخْرَجه وَمَشْهَده مَغِيبه . )وَتَأْوِيل ذَلِكَ أَنَّ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ لَمَّا جَمَعَ لِرَسُولِهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَهُ فِي دَار هِجْرَته وَاسْتَقَرَّ بِهَا قَرَاره وَأَظْهَرَ اللَّه بِهَا كَلِمَته , وَفَشَا فِي دُور أَهْلهَا الْإِسْلَام , وَقَهَرَ بِهَا الْمُسْلِمُونَ مِنْ فِيهَا مِنْ أَهْل الشِّرْك مِنْ عَبَدَة الْأَوْثَان , وَذَلَّ بِهَا مَنْ فِيهَا مِنْ أَهْل الْكِتَاب ; أَظَهَرَ أَحْبَار يَهُودِهَا لِرَسُولِ اللَّه الضَّغَائِن وَأَبْدَوْا لَهُ الْعَدَاوَة وَالشَّنَآن حَسَدًا وَبَغْيًا إلَّا نَفَرًا مِنْهُمْ , هَدَاهُمْ اللَّه لِلْإِسْلَامِ فَأَسْلَمُوا , كَمَا قَالَ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { وَدَّ كَثِير مِنْ أَهْل الْكِتَاب لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْد إيمَانكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْد أَنَفْسهمْ مِنْ بَعْد مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ الْحَقّ } [2 109 ]وَطَابَقهمْ سِرًّا عَلَى مُعَادَاة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابه وَبَغْيهمْ الْغَوَائِل قَوْم مِنْ أَرَاهِط الْأَنْصَار الَّذِي آوَوْا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَصَرُوهُ وَكَانُوا قَدْ عَتَوْا فِي شِرْكهمْ وَجَاهِلِيَّتهمْ قَدْ سُمُّوا لَنَا بِأَسْمَائِهِمْ , كَرِهْنَا تَطْوِيل الْكِتَاب بِذِكْرِ أَسْمَائِهِمْ وَأَنْسَابهمْ . وَظَاهِرُوهُمْ عَلَى ذَلِكَ فِي خِفَاء غَيْر جِهَار حِذَار الْقَتْل عَلَى أَنْفُسهمْ وَالسِّبَاء مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابه , وَرُكُونًا إلَى الْيَهُود , لِمَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ الشِّرْك وَسُوء الْبَصِيرَة بِالْإِسْلَامِ . فَكَانُوا إذَا لَقُوا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَهْل الْإِيمَان بِهِ مِنْ أَصْحَابه , قَالُوا لَهُمْ حِذَارًا عَلَى أَنْفُسهمْ : إنَّا مُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَبِالْبَعْثِ , وَأَعْطَوْهُمْ بِأَلْسِنَتِهِمْ كَلِمَة الْحَقّ لِيَدْرَءُوا عَنْ أَنَفْسهمْ حُكْم اللَّه فِيمَنْ اعْتَقَدَ مَا هُمْ عَلَيْهِ مُقِيمُونَ مِنْ الشِّرْك لَوْ أَظَهَرُوا بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا هُمْ مُعْتَقِدُوهُ مِنْ شِرْكهمْ , وَإِذَا لَقُوا إخْوَانهمْ مِنْ الْيَهُود وَأَهْل الشِّرْك وَالتَّكْذِيب بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِمَا جَاءَ بِهِ فَخَلَوْا بِهِمْ , قَالُوا : { إنَّا مَعَكُمْ إنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ } [2 14 ]فَإِيَّاهُمْ عَنَى جَلَّ ذِكْره بِقَوْلِهِ : { وَمِنْ النَّاس مَنْ يَقُول آمَنَّا بِاَللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِر وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ } يَعْنِي بِقَوْلِهِ تَعَالَى خَبَرًا عَنْهُمْ | آمَنَّا بِاَللَّهِ | : صَدَّقْنَا بِاَللَّهِ . وَقَدْ دَلَّلْنَا عَلَى أَنَّ مَعْنَى الْإِيمَان التَّصْدِيق فِيمَا مَضَى قَبْل مِنْ كِتَابنَا هَذَا .|وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ|وَقَوْله : { وَبِالْيَوْمِ الْآخِر } يَعْنِي بِالْبَعْثِ يَوْم الْقِيَامَة . وَإِنَّمَا سُمِّيَ يَوْم الْقِيَامَة الْيَوْم الْآخِر : لِأَنَّهُ آخِر يَوْم , لَا يَوْم بَعْده سِوَاهُ . فَإِنْ قَالَ قَائِل : وَكَيْفَ لَا يَكُون بَعْده يَوْم , وَلَا انْقِطَاع لِلْآخِرَةِ , وَلَا فِنَاء , وَلَا زَوَال ؟ . قِيلَ : إنَّ الْيَوْم عِنْد الْعَرَب إنَّمَا سُمِّيَ يَوْمًا بِلَيْلَتِهِ الَّتِي قَبْله , فَإِذَا لَمْ يَتَقَدَّم النَّهَار لَيْل لَمْ يُسَمَّ يَوْمًا , فَيَوْم الْقِيَامَة يَوْم لَا لَيْل لَهُ بَعْده سِوَى اللَّيْلَة الَّتِي قَامَتْ فِي صَبِيحَتهَا الْقِيَامَة , فَذَلِكَ الْيَوْم هُوَ آخِر الْأَيَّام , وَلِذَلِكَ سَمَّاهُ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ : | الْيَوْم الْآخِر | , وَنَعَتَهُ بِالْعَقِيمِ , وَوَصَفَهُ بِأَنَّهُ يَوْم عَقِيم لِأَنَّهُ لَا لَيْل بَعْده .|وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ|وَأَمَّا تَأْوِيل قَوْله : { وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ } وَنَفِيه عَنْهُمْ جَلَّ ذِكْره اسْم الْإِيمَان , وَقَدْ أَخْبَرَ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ قَدْ قَالُوا بِأَلْسِنَتِهِمْ آمَنَّا بِاَللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِر ; فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ اللَّه جَلَّ وَعَزَّ تَكْذِيب لَهُمْ فِيمَا أَخْبَرُوا عَنْ اعْتِقَادهمْ مِنْ الْإِيمَان وَالْإِقْرَار بِالْبَعْثِ , وَإِعْلَام مِنْهُ نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ الَّذِي يُبْدُونَهُ لَهُ بِأَفْوَاهِهِمْ خِلَاف مَا فِي ضَمَائِر قُلُوبهمْ , وَضِدّ مَا فِي عَزَائِم نَفُوسهمْ . وَفِي هَذِهِ الْآيَة دَلَالَة وَاضِحَة عَلَى بِطُولِ مَا زَعَمَتْهُ الْجَهْمِيَّة مِنْ أَنَّ الْإِيمَان هُوَ التَّصْدِيق بِالْقَوْلِ دُون سَائِر الْمَعَانِي غَيْره . وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَنْ الَّذِينَ ذَكَرهمْ فِي كِتَابه مِنْ أَهْل النِّفَاق أَنَّهُمْ قَالُوا بِأَلْسِنَتِهِمْ : { آمَنَّا بِاَللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِر } ثُمَّ نَفَى عَنْهُمْ أَنْ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ , إذْ كَانَ اعْتِقَادهمْ غَيْر مُصَدِّق قَوْلهمْ ذَلِكَ . وَقَوْله : { وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ } يَعْنِي بِمُصَدِّقِينَ فِيمَا يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ بِهِ مُصَدِّقُونَ .

يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى . { يُخَادِعُونَ اللَّه وَاَلَّذِينَ آمَنُوا } </subtitle>قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَخِدَاع الْمُنَافِق رَبّه وَالْمُؤْمِنِينَ إظْهَاره بِلِسَانِهِ مِنْ الْقَوْل وَالتَّصْدِيق خِلَاف الَّذِي فِي قَلْبه مِنْ الشَّكّ وَالتَّكْذِيب لِيَدْرَأ عَنْ نَفْسه بِمَا أَظْهَر بِلِسَانِهِ حُكْم اللَّه عَزَّ وَجَلَّ - اللَّازِم مَنْ كَانَ بِمِثْلِ حَاله مِنْ التَّكْذِيب لَوْ لَمْ يُظْهِر بِلِسَانِهِ مَا أَظَهَرَ مِنْ التَّصْدِيق وَالْإِقْرَار - مِنْ الْقَتْل وَالسِّبَاء , فَذَلِكَ خِدَاعه رَبّه وَأَهْل الْإِيمَان بِاَللَّهِ . فَإِنْ قَالَ قَائِل : وَكَيْفَ يَكُون الْمُنَافِق لِلَّهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ مُخَادِعًا وَهُوَ لَا يَظْهَر بِلِسَانِهِ خِلَاف مَا هُوَ لَهُ مُعْتَقِد إلَّا تَقِيَّة ؟ قِيلَ : لَا تَمْتَنِع الْعَرَب أَنْ تُسَمِّي مِنْ أَعْطَى بِلِسَانِهِ غَيْر الَّذِي هُوَ فِي ضَمِيره تَقِيَّة لِيَنْجُوَ مِمَّا هُوَ لَهُ خَائِف , فَنَجَا بِذَلِكَ مِمَّا خَافَهُ مُخَادِعًا لِمَنْ تَخَلَّصَ مِنْهُ بِاَلَّذِي أَظْهَر لَهُ مِنْ التَّقِيَّة , فَكَذَلِكَ الْمُنَافِق سُمِّيَ مُخَادِعًا لِلَّهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ بِإِظْهَارِهِ مَا أَظْهَر بِلِسَانِهِ تَقِيَّة مِمَّا تَخَلَّصَ بِهِ مِنْ الْقَتْل وَالسِّبَاء وَالْعَذَاب الْعَاجِل , وَهُوَ لِغَيْرِ مَا أَظْهَر مُسْتَبْطَن , وَذَلِكَ مِنْ فِعْله وَإِنْ كَانَ خِدَاعًا لِلْمُؤْمِنِينَ فِي عَاجِل الدُّنْيَا فَهُوَ لِنَفْسِهِ بِذَلِكَ مِنْ فِعْله خَادِع ; لِأَنَّهُ يُظْهِر لَهَا بِفِعْلِهِ ذَلِكَ بِهَا أَنَّهُ يُعْطِيهَا أُمْنِيَّتهَا وَيَسْقِيهَا كَأْس سُرُورهَا , وَهُوَ مُوَرِّدهَا بِهِ حِيَاض عَطْبهَا , وَمُجَرِّعهَا بِهِ كَأْس عَذَابهَا , وَمُذِيقهَا مِنْ غَضَب اللَّه وَأَلِيم عِقَابه مَا لَا قَبْل لَهَا بِهِ . فَذَلِكَ خَدِيعَته نَفْسه ظَنًّا مِنْهُ مَعَ إسَاءَته إلَيْهَا فِي أَمْر مَعَادهَا أَنَّهُ إلَيْهَا مُحْسِن , كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { وَمَا يَخْدَعُونَ إلَّا أَنْفُسهمْ وَمَا يَشْعُرُونَ } إعْلَامًا مِنْهُ عِبَاده الْمُؤْمِنِينَ أَنَّ الْمُنَافِقِينَ بِإِسَاءَتِهِمْ إلَى أَنْفُسهمْ فِي إسْخَاطهمْ رَبّهمْ بِكُفْرِهِمْ وَشَكَّهُمْ وَتَكْذِيبهمْ غَيْر شَاعِرِينَ وَلَا دَارِينَ , وَلَكِنَّهُمْ عَلَى عَمْيَاء مِنْ أَمْرهمْ مُقِيمُونَ . وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي تَأْوِيل ذَلِكَ كَانَ ابْن زَيْد يَقُول . 268 - حَدَّثَنِي يُونُس بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ , أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب قَالَ : (سَأَلْت عَبْد الرَّحْمَن بْن زَيْد , عَنْ قَوْله اللَّه جَلَّ ذِكْره : { يُخَادِعُونَ اللَّه وَاَلَّذِينَ آمَنُوا } إلَى آخِر الْآيَة , قَالَ : هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقُونَ يُخَادِعُونَ اللَّه وَرَسُوله وَاَلَّذِينَ آمَنُوا , أَنَّهُمْ مُؤْمِنُونَ بِمَا أَظَهَرُوا . )وَهَذِهِ الْآيَة مِنْ أَوْضَح الدَّلِيل عَلَى تَكْذِيب اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَوْل الزَّاعِمِينَ : إنَّ اللَّه لَا يُعَذِّب مِنْ عِبَاده إلَّا مَنْ كَفَرَ بِهِ عِنَادًا , بَعْد عِلْمه بِوَحْدَانِيَّته , وَبَعْد تَقَرُّر صِحَّة مَا عَانَدَ رَبّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَلَيْهِ مِنْ تَوْحِيده وَالْإِقْرَار بِكُتُبِهِ وَرُسُله عِنْده ; لِأَنَّ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَدْ أَخْبَرَ عَنْ الَّذِينَ وَصَفَهُمْ بِمَا وَصَفَهُمْ بِهِ مِنْ النِّفَاق وَخِدَاعهمْ إيَّاهُ وَالْمُؤْمِنِينَ أَنَّهُمْ لَا يَشْعُرُونَ أَنَّهُمْ مُبْطِلُونَ فِيمَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ الْبَاطِل مُقِيمُونَ , وَأَنَّهُمْ بِخِدَاعِهِمْ الَّذِي يَحْسِبُونَ أَنَّهُمْ بِهِ يُخَادِعُونَ رَبّهمْ وَأَهْل الْإِيمَان بِهِ مَخْدُوعُونَ . ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى ذِكْره أَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا بِتَكْذِيبِهِمْ بِمَا كَانُوا يُكَذِّبُونَهُ مِنْ نُبُوَّة نَبِيّه وَاعْتِقَاد الْكُفْر بِهِ , وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ فِي زَعْمهمْ أَنَّهُمْ مُؤْمِنُونَ , وَهُمْ عَلَى الْكُفْر مُصِرُّونَ . فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِل : قَدْ عَلِمْت أَنَّ الْمُفَاعَلَة لَا تَكُون إلَّا مِنْ فَاعِلِينَ , كَقَوْلِك : ضَارَبْت أَخَاك , وَجَالَسْت أَبَاك ; إذَا كَانَ كُلّ وَاحِد مَجَالِس صَاحِبه وَمُضَارِبه . فَأَمَّا إذَا كَانَ الْفِعْل مِنْ أَحَدهمَا فَإِنَّمَا يُقَال : ضَرَبْت أَخَاك وَجَلَسْت إلَى أَبِيك , فَمَنْ خَادَعَ الْمُنَافِق فَجَازَ أَنْ يُقَال فِيهِ : خَادِع اللَّه وَالْمُؤْمِنِينَ . قِيلَ : قَدْ قَالَ بَعْض الْمَنْسُوبِينَ إلَى الْعِلْم بِلُغَاتِ الْعَرَب : إنَّ ذَلِكَ حَرْف جَاءَ بِهَذِهِ الصُّورَة , أَعْنِي | يُخَادِع | بِصُورَةِ | يُفَاعِل | وَهُوَ بِمَعْنَى | يَفْعَل | فِي حُرُوف أَمْثَالهَا شَاذَّة مِنْ مَنْطِق الْعَرَب , نَظِير قَوْلهمْ : قَاتَلَك اللَّه , بِمَعْنَى قَتْلك اللَّه . وَلَيْسَ الْقَوْل فِي ذَلِكَ عِنْدِي كَاَلَّذِي قَالَ , بَلْ ذَلِكَ مِنْ التَّفَاعُل الَّذِي لَا يَكُون إلَّا مِنْ اثْنَيْنِ كَسَائِرِ مَا يُعْرَف مِنْ مَعْنَى | يُفَاعَل وَمُفَاعَل | فِي كُلّ كَلَام الْعَرَب , وَذَلِكَ أَنَّ الْمُنَافِق يُخَادِع اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِكَذِبِهِ بِلِسَانِهِ عَلَى مَا قَدْ تَقَدَّمَ وَصْفه , وَاَللَّه تَبَارَكَ اسْمه خَادِعه بِخِذْلَانِهِ عَنْ حُسْن الْبَصِيرَة بِمَا فِيهِ نَجَاة نَفْسه فِي آجَلّ مَعَاده , كَاَلَّذِي أَخْبَرَ فِي قَوْله : { وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرًا لِأَنْفُسِهِمْ إنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إثْمًا } [3 178 ]وَبِالْمَعْنَى الَّذِي أَخْبَرَ أَنَّهُ فَاعِل بِهِ فِي الْآخِرَة بِقَوْلِهِ : { يَوْم يَقُول الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَات لِلَّذِينَ آمَنُوا اُنْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُوركُمْ } [57 13 ]الْآيَة , فَذَلِكَ نَظِير سَائِر مَا يَأْتِي مِنْ مَعَانِي الْكَلَام بِفَاعِلِ وَمُفَاعِل . وَقَدْ كَانَ بَعْض أَهْل النَّحْو مِنْ أَهْل الْبَصْرَة يَقُول : لَا تَكُون الْمُفَاعَلَة إلَّا مِنْ شَيْئَيْنِ , وَلَكِنَّهُ إنَّمَا قِيلَ : يُخَادِعُونَ اللَّه عِنْد أَنْفُسهمْ بِظَنِّهِمْ أَنْ لَا يُعَاقَبُوا , فَقَدْ عَلِمُوا خِلَاف ذَلِكَ فِي أَنْفُسهمْ بِحُجَّةِ اللَّه تَبَارَكَ اسْمه الْوَاقِعَة عَلَى خَلْقه بِمُعْرِفَتِهِ { وَمَا يَخْدَعُونَ إلَّا أَنْفُسهمْ } قَالَ : وَقَدْ قَالَ بَعْضهمْ : { وَمَا يَخْدَعُونَ } يَقُول : يَخْدَعُونَ أَنْفُسهمْ بِالتَّخْلِيَةِ بِهَا . وَقَدْ تَكُون الْمُفَاعَلَة مِنْ وَاحِد فِي أَشْيَاء كَثِيرَة .|وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ|الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَمَا يَخْدَعُونَ إلَّا أَنْفُسهمْ } </subtitle> إنْ قَالَ لَنَا قَائِل : أَوَ لَيْسَ الْمُنَافِقُونَ قَدْ خَدَعُوا الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَظَهَرُوا بِأَلْسِنَتِهِمْ مِنْ قَيْل الْحَقّ عَنْ أَنْفُسهمْ وَأَمْوَالهمْ وَذَرَارِيّهمْ حَتَّى سَلِمَتْ لَهُمْ دُنْيَاهُمْ وَإِنْ كَانُوا قَدْ كَانُوا مَخْدُوعِينَ فِي أَمْر آخِرَتهمْ ؟ قِيلَ : خَطَأ أَنْ يُقَال إنَّهُمْ خَدَعُوا الْمُؤْمِنِينَ ; لِأَنَّا إذَا قُلْنَا ذَلِكَ أَوَجَبْنَا لَهُمْ حَقِيقَة خَدْعَة جَازَتْ لَهُمْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ , كَمَا أَنَّا لَوْ قُلْنَا : قَتَلَ فُلَان فُلَانًا , أَوَجَبْنَا لَهُ حَقِيقَة قَتْل كَانَ مِنْهُ لِفُلَانٍ . وَلَكِنَّا نَقُول : خَادَعَ الْمُنَافِقُونَ رَبّهمْ وَالْمُؤْمِنِينَ , وَلَمْ يَخْدَعُوهُمْ بَلْ خَدَعُوا أَنْفُسهمْ , كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ , دُون غَيْرهَا , نَظِير مَا تَقُول فِي رَجُل قَاتَلَ آخَر فَقَتَلَ نَفْسه وَلَمْ يَقْتُل صَاحِبه : قَاتَلَ فُلَان فُلَانًا وَلَمْ يَقْتُل إلَّا نَفْسه , فَتُوجِب لَهُ مُقَاتِلَة صَاحِبه , وَتَنْفِي عَنْهُ قَتْله صَاحِبه , وَتُوجِب لَهُ قَتْل نَفْسه . فَكَذَلِكَ تَقُول : خَادَعَ الْمُنَافِق رَبّه وَالْمُؤْمِنِينَ , وَلَمْ يَخْدَع إلَّا نَفْسه , فَتَثْبُت مِنْهُ مُخَادَعَة رَبّه وَالْمُؤْمِنِينَ , وَتَنْفِي عَنْهُ أَنْ يَكُون خَدَعَ غَيْر نَفْسه ; لِأَنَّ الْخَادِع هُوَ الَّذِي قَدْ صَحَّتْ لَهُ الْخَدِيعَة وَوَقَعَ مِنْهُ فِعْلهَا . فَالْمُنَافِقُونَ لَمْ يَخْدَعُوا غَيْر أَنْفُسهمْ , لِأَنَّ مَا كَانَ لَهُمْ مِنْ مَال وَأَهْل فَلَمْ يَكُنْ الْمُسْلِمُونَ مَلِكُوهُ عَلَيْهِمْ فِي حَال خِدَاعهمْ إيَّاهُ عَنْهُ بِنِفَاقِهِمْ وَلَا قَبْلهَا فَيَسْتَنْقِذُوهُ بِخِدَاعِهِمْ مِنْهُمْ , وَإِنَّمَا دَافَعُوا عَنْهُ بِكَذِبِهِمْ وَإِظْهَارهمْ بِأَلْسِنَتِهِمْ غَيْر الَّذِي فِي ضَمَائِرهمْ , وَيْحكُمْ اللَّه لَهُمْ فِي أَمْوَالهمْ وَأَنْفُسهمْ وَذَرَارِيّهمْ فِي ظَاهِر أُمُورهمْ بِحُكْمِ مَا انْتَسَبُوا إلَيْهِ مِنْ الْمِلَّة , وَاَللَّه بِمَا يَخْفُونَ مِنْ أُمُورهمْ عَالِم . وَإِنَّمَا الْخَادِع مَنْ خَتَلَ غَيْره عَنْ شَيْئِهِ , وَالْمَخْدُوع غَيْر عَالِم بِمَوْضِعِ خَدِيعَة خَادِعه . فَأَمَّا وَالْمُخَادِع عَارِف بِخِدَاعِ صَاحِبه إيَّاهُ , وَغَيْر لَاحِقه مِنْ خِدَاعه إيَّاهُ مَكْرُوه , بَلْ إنَّمَا يَتَجَافَى لِلظَّانِّ بِهِ أَنَّهُ لَهُ مُخَادِع اسْتِدْرَاجًا لِيَبْلُغ غَايَة يَتَكَامَل لَهُ عَلَيْهِ الْحُجَّة لِلْعُقُوبَةِ الَّتِي هُوَ بِهَا مَوْقِع عِنْد بُلُوغه إيَّاهَا . وَالْمُسْتَدْرَج غَيْر عَالِم بِحَالِ نَفْسه عِنْد مُسْتَدْرَجه , وَلَا عَارِف بِاطِّلَاعِهِ عَلَى ضَمِيره , وَأَنَّ إمْهَال مُسْتَدْرَجِيهِ إيَّاهُ تَرَكَهُ مُعَاقَبَته عَلَى جُرْمه لِيَبْلُغ الْمُخَاتِل الْمُخَادِع مِنْ اسْتِحْقَاقه عُقُوبَة مُسْتَدْرَجه بِكَثْرَةِ إسَاءَته وَطُول عِصْيَانه إيَّاهُ وَكَثْرَة صَفْح الْمُسْتَدْرَج وَطُول عَفْوه عَنْهُ أَقْصَى غَايَة , فَإِنَّمَا هُوَ خَادَعَ نَفْسه لَا شَكَّ دُون مَنْ حَدَّثَتْهُ نَفْسه أَنَّهُ لَهُ مُخَادِع . وَلِذَلِكَ نَفَى اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَنْ الْمُنَافِق أَنْ يَكُون خَدَعَ غَيْر نَفْسه , إذْ كَانَتْ الصِّفَة الَّتِي وَصَفْنَا صِفَته . وَإِذْ كَانَ الْأَمْر عَلَى مَا وَصَفْنَا مِنْ خِدَاع الْمُنَافِق رَبّه وَأَهْل الْإِيمَان بِهِ , وَأَنَّهُ غَيْر سَائِر بِخِدَاعِهِ ذَلِكَ إلَى خَدِيعَة صَحِيحَة إلَّا لِنَفْسِهِ دُون غَيْرهَا لِمَا يُوَرِّطهَا بِفِعْلِهِ مِنْ الْهَلَاك وَالْعَطْب , فَالْوَاجِب إذًا أَنْ يَكُون الصَّحِيح مِنْ الْقِرَاءَة : { وَمَا يَخْدَعُونَ إلَّا أَنْفُسهمْ } دُون : | وَمَا يُخَادِعُونَ | , لِأَنَّ لَفْظ الْمُخَادِع غَيْر مُوجِب تَثْبِيت خَدِيعَة عَلَى صِحَّة , وَلَفْظ خَادِع مُوجِب تَثْبِيت خَدِيعَة عَلَى صِحَّة . وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمُنَافِق قَدْ أَوَجَبَ خَدِيعَة اللَّه عَزَّ وَجَلَّ لِنَفْسِهِ بِمَا رَكِبَ مِنْ خِدَاعه رَبّه وَرَسُوله وَالْمُؤْمِنِينَ بِنِفَاقِهِ , فَلِذَلِكَ وَجَبَتْ الصِّحَّة لِقِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ : { وَمَا يَخْدَعُونَ إلَّا أَنْفُسهمْ } وَمِنْ الدَّلَالَة أَيْضًا عَلَى أَنَّ قِرَاءَة مَنْ قَرَأَ : { وَمَا يَخْدَعُونَ } أَوْلَى بِالصِّحَّةِ مِنْ قِرَاءَة مَنْ قَرَأَ : | وَمَا يُخَادِعُونَ | أَنَّ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَدْ أَخْبَرَ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ يُخَادِعُونَ اللَّه وَالْمُؤْمِنِينَ فِي أَوَّل الْآيَة , فَمُحَال أَنْ يَنْفِي عَنْهُمْ مَا قَدْ أَثَبَتَ أَنَّهُمْ قَدْ فَعَلُوهُ , لِأَنَّ ذَلِكَ تَضَادّ فِي الْمَعْنَى , وَذَلِكَ غَيْر جَائِز مِنْ اللَّه جَلَّ وَعَزَّ .|وَمَا يَشْعُرُونَ|الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَمَا يَشْعُرُونَ } </subtitle>يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { وَمَا يَشْعُرُونَ } : وَمَا يَدْرُونَ , يُقَال : مَا شَعَرَ فُلَان بِهَذَا الْأَمْر , وَهُوَ لَا يَشْعُر بِهِ إذَا لَمْ يَدْرِ وَلَمْ يَعْلَم شَعَرًا وَشُعُورًا , كَمَا قَالَ الشَّاعِر : عَقُّوا بِسَهْمٍ وَلَمْ يَشْعُر بِهِ أَحَد ثُمَّ اسْتَفَاءُوا وَقَالُوا حَبَّذَا الْوَضَح يَعْنِي بِقَوْلِهِ : | لَمْ يَشْعُر بِهِ | : لَمْ يَدْرِ بِهِ أَحَد وَلَمْ يَعْلَم . فَأَخْبَرَ اللَّه تَعَالَى ذِكْره عَنْ الْمُنَافِقِينَ , أَنَّهُمْ لَا يَشْعُرُونَ بِأَنَّ اللَّه خَادِعهمْ بِإِمْلَائِهِ لَهُمْ وَاسْتِدْرَاجه إيَّاهُمْ الَّذِي هُوَ مِنْ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ إبْلَاغ إلَيْهِمْ فِي الْحُجَّة وَالْمَعْذِرَة , وَمِنْهُمْ لِأَنْفُسِهِمْ خَدِيعَة , وَلَهَا فِي الْآجِل مَضَرَّة . كَاَلَّذِي : 269 - حَدَّثَنِي يُونُس بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب قَالَ : (سَأَلْت ابْن زَيْد عَنْ قَوْله : { وَمَا يَخْدَعُونَ إلَّا أَنْفُسهمْ وَمَا يَشْعُرُونَ } قَالَ : مَا يَشْعُرُونَ أَنَّهُمْ ضَرُّوا أَنْفُسهمْ بِمَا أَسَرُّوا مِنْ الْكُفْر وَالنِّفَاق . وَقَرَأَ قَوْل اللَّه : { يَوْم يَبْعَثهُمْ اللَّه جَمِيعًا } قَالَ : هُمْ الْمُنَافِقُونَ , حَتَّى بَلَغَ { وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْء } [58 18 ]قَدْ كَانَ الْإِيمَان يَنْفَعهُمْ عِنْدكُمْ .)

فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ

الْقَوْل فِي تَ<br>وِيل قَوْله تَعَالَى : { فِي قُلُوبهمْ مَرَض } </subtitle>وَأَصْل الْمَرَض : السَّقَم , ثُمَّ يُقَال ذَلِكَ فِي الْأَجْسَاد وَالْأَدْيَان ; فَأَخْبَرَ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّ فِي قُلُوب الْمُنَافِقِينَ مَرَضًا . وَإِنَّمَا عَنَى تَبَارَكَ وَتَعَالَى بِخَبَرِهِ عَنْ مَرَض قُلُوبهمْ الْخَبَر عَنْ مَرَض مَا فِي قُلُوبهمْ مِنْ الِاعْتِقَاد - وَلَكِنْ لَمَّا كَانَ مَعْلُومًا بِالْخَبَرِ عَنْ مَرَض الْقَلْب أَنَّهُ مَعْنَى بِهِ مَرَض مَا هُمْ مُعْتَقِدُوهُ مِنْ الِاعْتِقَاد اسْتَغْنَى بِالْخَبَرِ عَنْ الْقَلْب بِذَلِكَ - وَالْكِنَايَة عَنْ تَصْرِيح الْخَبَر عَنْ ضَمَائِرهمْ وَاعْتِقَادَاتهمْ ; كَمَا قَالَ عُمَر بْن لجأ : ش وَسَبَّحَتْ الْمَدِينَة لَا تَلُمْهَا /و رَأَتْ قَمَرًا بِسُوقِهِمْ نَهَارًا <br>يُرِيد وَسَبَّحَ أَهْل الْمَدِينَة . فَاسْتَغْنَى بِمُعْرِفَةِ السَّامِعِينَ خَبَره بِالْخَبَرِ عَنْ الْمَدِينَة عَنْ الْخَبَر عَنْ أَهْلهَا . وَمِثْله قَوْل عَنْتَرَة الْعَبْسِيّ : <br>هَلَّا سَأَلْت الْخَيْل يَا ابْنَة مَالِك /و إنْ كُنْت جَاهِلَة بِمَا لَمْ تَعْلَمِي <br>يُرِيد : هَلَّا سَأَلْت أَصْحَاب الْخَيْل ؟ وَمِنْهُ قَوْلهمْ : يَا خَيْل [ اللَّه ] ارْكَبِي , يُرَاد : يَا أَصْحَاب خَيْل اللَّه ارْكَبُوا . وَالشَّوَاهِد عَلَى ذَلِكَ أَكْثَر مِنْ أَنْ يُحْصِيهَا كِتَاب , وَفِيمَا ذَكَرْنَا كِفَايَة لِمَنْ وُفِّقَ لِفَهْمِهِ . فَكَذَلِكَ مَعْنَى قَوْل اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { فِي قُلُوبهمْ مَرَض } إنَّمَا يَعْنِي فِي اعْتِقَاد قُلُوبهمْ الَّذِي يَعْتَقِدُونَهُ فِي الدِّين وَالتَّصْدِيق بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَبِمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْد اللَّه مَرَض وَسَقَم . فَاجْتَزَأَ بِدَلَالَةِ الْخَبَر عَنْ قُلُوبهمْ عَلَى مَعْنَاهُ عَنْ تَصْرِيح الْخَبَر عَنْ اعْتِقَادهمْ . وَالْمَرَض الَّذِي ذَكَرَ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّهُ فِي اعْتِقَاد قُلُوبهمْ الَّذِي وَصَفْنَاهُ هُوَ شَكّهمْ فِي أَمْر مُحَمَّد , وَمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْد اللَّه وَتَحَيُّرهمْ فِيهِ , فَلَا هُمْ بِهِ مُوقِنُونَ إيقَان إيمَان , وَلَا هُمْ لَهُ مُنْكَرُونَ إنْكَار إشْرَاك ; وَلَكِنَّهُمْ كَمَا وَصَفَهُمْ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ مُذَبْذَبُونَ بَيْن ذَلِكَ لَا إلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إلَى هَؤُلَاءِ , كَمَا يُقَال : فُلَان تَمَرَّضَ فِي هَذَا الْأَمْر , أَيْ يُضْعِف الْعَزْم وَلَا يُصَحِّح الرَّوِيَّة فِيهِ . وَبِمِثْلِ الَّذِي قُلْنَا فِي تَأْوِيل ذَلِكَ تَظَاهَرَ الْقَوْل فِي تَفْسِيره مِنْ الْمُفَسِّرِينَ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 270 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن حُمَيْدٍ , قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَة , عَنْ مُحَمَّد بْن إسْحَاق , عَنْ مُحَمَّد بْن أَبِي مُحَمَّد مَوْلَى زَيْد بْن ثَابِت عَنْ عِكْرِمَة , أَوْ عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ ابْن عَبَّاس : ( { فِي قُلُوبهمْ مَرَض } أَيْ شَكّ . )271 - وَحَدَّثَنَا عَنْ المنجاب , قَالَ : حَدَّثَنَا بِشْر بْن عُمَارَة , عَنْ أَبِي رَوْق عَنْ الضَّحَّاك , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَالَ : (الْمَرَض : النِّفَاق )272 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْن هَارُونَ , قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرو بْن حَمَّاد , قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاط عَنْ السُّدِّيّ فِي خَبَر ذَكَرَهُ عَنْ أَبِي مَالِك , وَعَنْ أَبِي صَالِح , عَنْ ابْن عَبَّاس , وَعَنْ مُرَّة الْهَمْدَانِيّ عَنْ ابْن مَسْعُود , وَعَنْ نَاس مِنْ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( { فِي قُلُوبهمْ مَرَض } يَقُول : فِي قُلُوبهمْ شَكّ . )73 - حَدَّثَنِي يُونُس بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ عَبْد الرَّحْمَن بْن زَيْد فِي قَوْله : ( { فِي قُلُوبهمْ مَرَض } قَالَ : هَذَا مَرَض فِي الدِّين وَلَيْسَ مَرَضًا فِي الْأَجْسَاد . قَالَ : هُمْ الْمُنَافِقُونَ . )274 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى بْن إبْرَاهِيم قَالَ : حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْن نَصْر , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن الْمُبَارَك قِرَاءَة عَنْ سَعِيد عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْله : { فِي قُلُوبهمْ مَرَض } قَالَ : (فِي قُلُوبهمْ رِيبَة وَشَكّ فِي أَمْر اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ . )275 - وَحُدِّثْت عَنْ عَمَّار بْن الْحَسَن , قَالَ حَدَّثَنَا ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع بْن أَنَس : { فِي قُلُوبهمْ مَرَض } قَالَ : (هَؤُلَاءِ أَهْل النِّفَاق , وَالْمَرَض الَّذِي فِي قُلُوبهمْ الشَّكّ فِي أَمْر اللَّه تَعَالَى ذِكْره . )276 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ عَبْد الرَّحْمَن بْن زَيْد : ( { وَمِنْ النَّاس مَنْ يَقُول آمَنَّا بِاَللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِر } حَتَّى بَلَغَ : { فِي قُلُوبهمْ مَرَض } قَالَ الْمَرَض : الشَّكّ الَّذِي دَخَلَهُمْ فِي الْإِسْلَام .)|فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا|الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَزَادَهُمْ اللَّه مَرَضًا } </subtitle>قَدْ دَلَّلْنَا آنِفًا عَلَى أَنَّ تَأْوِيل الْمَرَض الَّذِي وَصَفَ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّهُ فِي قُلُوب الْمُنَافِقِينَ : هُوَ الشَّكّ فِي اعْتِقَادَات قُلُوبهمْ وَأَدْيَانهمْ وَمَا هُمْ عَلَيْهِ - فِي أَمْر مُحَمَّد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَمْر نُبُوَّته وَمَا جَاءَ بِهِ - مُقِيمُونَ . فَالْمَرَض الَّذِي أَخْبَرَ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَنْهُمْ أَنَّهُ زَادَهُمْ عَلَى مَرَضهمْ هُوَ نَظِير مَا كَانَ فِي قُلُوبهمْ مِنْ الشَّكّ وَالْحِيرَة قَبْل الزِّيَادَة , فَزَادَهُمْ اللَّه بِمَا أَحْدَثَ مِنْ حُدُوده وَفَرَائِضه الَّتِي لَمْ يَكُنْ فَرَضَهَا قَبْل الزِّيَادَة الَّتِي زَادَهَا الْمُنَافِقِينَ - مِنْ الشَّكّ وَالْحِيرَة إذْ شَكُّوا وَارْتَابُوا فِي الَّذِي أَحْدَثَ لَهُمْ مِنْ ذَلِكَ - إلَى الْمَرَض وَالشَّكّ الَّذِي كَانَ فِي قُلُوبهمْ فِي السَّالِف مِنْ حُدُوده وَفَرَائِضه الَّتِي كَانَ فَرْضهَا قَبْل ذَلِكَ , كَمَا زَادَ الْمُؤْمِنِينَ بِهِ إلَى إيمَانهمْ الَّذِي كَانُوا عَلَيْهِ قَبْل ذَلِكَ بِاَلَّذِي أَحْدَثَ لَهُمْ مِنْ الْفَرَائِض وَالْحُدُود إذْ آمَنُوا بِهِ , إلَى إيمَانهمْ بِالسَّالِفِ مِنْ حُدُوده وَفَرَائِضه إيمَانًا . كَاَلَّذِي قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ فِي تَنْزِيله : { وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَة فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُول أَيّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبهمْ مَرَض فَزَادَتْهُمْ رَجَسًا إلَى رِجْسهمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ } [9 124 : 125 ]فَالزِّيَادَة الَّتِي زِيدَهَا الْمُنَافِقُونَ مِنْ الرَّجَاسَة إلَى رَجَاسَتهمْ هُوَ مَا وَصَفْنَا , وَالزِّيَادَة الَّتِي زِيدَهَا الْمُؤْمِنُونَ إلَى إيمَانهمْ هُوَ مَا بَيَّنَّا , وَذَلِكَ هُوَ التَّأْوِيل الْمُجْمَع عَلَيْهِ . ذِكْر بَعْض مَنْ قَالَ ذَلِكَ مِنْ أَهْل التَّأْوِيل : 277 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْدٍ , قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَة , عَنْ مُحَمَّد بْن إسْحَاق عَنْ مُحَمَّد بْن أَبِي مُحَمَّد مَوْلَى زَيْد بْن ثَابِت . عَنْ عِكْرِمَة , أَوْ عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ ابْن عَبَّاس : { فَزَادَهُمْ اللَّه مَرَضًا } قَالَ : شَكًّا . 278 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْن هَارُونَ , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَمْرو بْن حَمَّاد , قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاط عَنْ السُّدِّيّ فِي خَبَر ذَكَرَهُ عَنْ أَبِي مَالِك , وَعَنْ أَبِي صَالِح , عَنْ ابْن عَبَّاس , وَعَنْ مُرَّة الْهَمْدَانِيّ عَنْ ابْن مَسْعُود , وَعَنْ نَاس مِنْ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( { فَزَادَهُمْ اللَّه مَرَضًا } يَقُول : فَزَادَهُمْ اللَّه رِيبَة وَشَكًّا . )279 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى بْن إبْرَاهِيم , قَالَ : حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْن نَصْر , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن الْمُبَارَك قِرَاءَةً عَنْ سَعِيد عَنْ قَتَادَةَ : ( { فَزَادَهُمْ اللَّه مَرَضًا } يَقُول : فَزَادَهُمْ اللَّه رِيبَة وَشَكًّا فِي أَمْر اللَّه . )280 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد فِي قَوْل اللَّه : ( { فِي قُلُوبهمْ مَرَض فَزَادَهُمْ اللَّه مَرَضًا } قَالَ : زَادَهُمْ رِجْسًا . وَقَرَأَ قَوْل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبهمْ مَرَض فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إلَى رِجْسهمْ } [9 124 : 125 ]قَالَ : شَرًّا إلَى شَرّهمْ , وَضَلَالَة إلَى ضَلَالَتهمْ . )281 - وَحُدِّثْت عَنْ عَمَّار بْن الْحَسَن , قَالَ : حَدَّثَنَا ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع : ( { فَزَادَهُمْ اللَّه مَرَضًا } قَالَ زَادَهُمْ اللَّه شَكًّا .)|وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ|الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَهُمْ عَذَاب أَلِيم } </subtitle>قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَالْأَلِيم : هُوَ الْمُوجِع , وَمَعْنَاهُ : وَلَهُمْ عَذَاب مُؤْلِم , فَصَرَفَ | مُؤْلِم | إلَى | أَلِيم | , كَمَا يُقَال : ضَرْب وَجِيع بِمَعْنَى مُوجِع , وَاَللَّه بَدِيع السَّمَوَات وَالْأَرْض بِمَعْنَى مُبْدِع . وَمِنْهُ قَوْل عَمْرو بْن مَعْد يَكْرِب الزُّبَيْدِيّ : <br>أَمِنْ رَيْحَانَة الدَّاعِي السَّمِيع .......... يُؤَرِّقنِي وَأَصْحَابِي هُجُوع <br>بِمَعْنَى الْمُسْمِع . وَمِنْهُ قَوْل ذِي الرِّمَّة : <br>وَيَرْفَع مِنْ صُدُور شَمَرْدَلَات .......... يَصُدّ وُجُوههَا وَهَج أَلِيم <br>وَيُرْوَى | يَصُكّ | , وَإِنَّمَا الْأَلِيم صِفَة لِلْعَذَابِ , كَأَنَّهُ قَالَ : وَلَهُمْ عَذَاب مُؤْلِم . وَهُوَ مَأْخُوذ مِنْ الْأَلَم , وَالْأَلَم : الْوَجَع . كَمَا : 282 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : حَدَّثَنَا إسْحَاق , قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن أَبِي جَعْفَر عَنْ أَبِيهِ عَنْ الرَّبِيع , قَالَ : (الْأَلِيم : الْمُوجِع . )283 - حَدَّثَنَا يَعْقُوب , قَالَ : حَدَّثَنَا هُشَيْم , قَالَ : أَخْبَرَنَا جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك قَالَ : (الْأَلِيم , الْمُوجِع . )284 - وَحُدِّثْت عَنْ المنجاب بْن الْحَارِث , قَالَ : حَدَّثَنَا بِشْر بْن عُمَارَة , عَنْ أَبِي رَوْق , عَنْ الضَّحَّاك فِي قَوْله { أَلِيم } قَالَ : (هُوَ الْعَذَاب الْمُوجِع وَكُلّ شَيْء فِي الْقُرْآن مِنْ الْأَلِيم فَهُوَ الْمُوجِع .)|بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ|الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ } </subtitle>اخْتَلَفَتْ الْقِرَاءَة فِي قِرَاءَة ذَلِكَ , فَقَرَأَهُ بَعْضهمْ : { بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ } مُخَفَّفَة الذَّال مَفْتُوحَة الْيَاء , وَهِيَ قِرَاءَة مُعْظَم أَهْل الْكُوفَة . وَقَرَأَهُ آخَرُونَ : | يَكْذِبُونَ | بِضَمِّ الْيَاء وَتَشْدِيد الذَّال , وَهِيَ قِرَاءَة مُعْظَم أَهْل الْمَدِينَة وَالْحِجَاز وَالْبَصْرَة . وَكَأَنَّ الَّذِينَ قَرَءُوا ذَلِكَ بِتَشْدِيدِ الذَّال وَضَمّ الْيَاء رَأَوْا أَنَّ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ إنَّمَا أَوَجَبَ لِلْمُنَافِقِينَ الْعَذَاب الْأَلِيم بِتَكْذِيبِهِمْ نَبِيّهمْ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِمَا جَاءَ بِهِ , وَأَنَّ الْكَذِب لَوْلَا التَّكْذِيب لَا يُوجِب لِأَحَدٍ الْيَسِير مِنْ الْعَذَاب , فَكَيْف بِالْأَلِيمِ مِنْهُ ؟ وَلَيْسَ الْأَمْر فِي ذَلِكَ عِنْدِي كَاَلَّذِي قَالُوا ; وَذَلِكَ أَنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ أَنْبَأَ عَنْ الْمُنَافِقِينَ فِي أَوَّل النَّبَأ عَنْهُمْ فِي هَذِهِ السُّورَة بِأَنَّهُمْ يَكْذِبُونَ بِدَعْوَاهُمْ الْإِيمَان وَإِظْهَارهمْ ذَلِكَ بِأَلْسِنَتِهِمْ خِدَاعًا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ , فَقَالَ : { وَمِنْ النَّاس مَنْ يَقُول آمَنَّا بِاَللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِر وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ يُخَادِعُونَ اللَّه وَاَلَّذِينَ آمَنُوا } بِذَلِكَ مِنْ قَيْلهمْ مَعَ اسْتِسْرَارهمْ الشَّكّ وَالرِّيبَة , { وَمَا يَخْدَعُونَ } بِصَنِيعِهِمْ ذَلِكَ { إلَّا أَنْفُسهمْ } دُون رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُؤْمِنِينَ , { وَمَا يَشْعُرُونَ } بِمَوْضِعِ خَدِيعَتهمْ أَنْفُسهمْ وَاسْتِدْرَاج اللَّه عَزَّ وَجَلَّ إيَّاهُمْ بِإِمْلَائِهِ لَهُمْ فِي قُلُوبهمْ شَكَّ أَيْ نِفَاق وَرِيبَة , وَاَللَّه زَائِدهمْ شَكًّا وَرِيبَة بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ اللَّه وَرَسُوله وَالْمُؤْمِنِينَ بِقَوْلِهِمْ بِأَلْسِنَتِهِمْ : { آمَنَّا بِاَللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِر } وَهُمْ فِي قَيْلهمْ ذَلِكَ كَذَبَة لِاسْتِسْرَارِهِمْ الشَّكّ وَالْمَرَض فِي اعْتِقَادَات قُلُوبهمْ . فِي أَمْر اللَّه وَأَمْر رَسُوله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَأَوْلَى فِي حِكْمَة اللَّه جَلَّ جَلَاله أَنْ يَكُون الْوَعِيد مِنْهُ لَهُمْ عَلَى مَا افْتَتَحَ بِهِ الْخَبَر عَنْهُمْ مِنْ قَبِيح أَفْعَالهمْ وَذَمِيم أَخْلَاقهمْ , دُون مَا لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْر مِنْ أَفْعَالهمْ ; إذْ كَانَ سَائِر آيَات تَنْزِيله بِذَلِكَ نَزَلَ . وَهُوَ أَنْ يَفْتَتِح ذِكْر مُحَاسِن أَفْعَال قَوْم ثُمَّ يَخْتِم ذَلِكَ بِالْوَعِيدِ عَلَى مَا افْتَتَحَ بِهِ ذِكْره مِنْ أَفْعَالهمْ , وَيَفْتَتِح ذِكْر مَسَاوِئ أَفْعَال آخَرِينَ ثُمَّ يَخْتِم ذَلِكَ بِالْوَعِيدِ عَلَى مَا ابْتَدَأَ بِهِ ذِكْره مِنْ أَفْعَالهمْ . فَكَذَلِكَ الصَّحِيح مِنْ الْقَوْل فِي الْآيَات الَّتِي افْتَتَحَ فِيهَا ذِكْر بَعْض مَسَاوِئ أَفْعَال الْمُنَافِقِينَ أَنْ يَخْتِم ذَلِكَ بِالْوَعِيدِ عَلَى مَا افْتَتَحَ بِهِ ذِكْره مِنْ قَبَائِح أَفْعَالهمْ , فَهَذَا مَعَ دَلَالَة الْآيَة الْأُخْرَى عَلَى صِحَّة مَا قُلْنَا وَشَهَادَتهَا بِأَنَّ الْوَاجِب مِنْ الْقِرَاءَة مَا اخْتَرْنَا , وَأَنَّ الصَّوَاب مِنْ التَّأْوِيل مَا تَأَوَّلْنَا مِنْ أَنَّ وَعِيد اللَّه الْمُنَافِقِينَ فِي هَذِهِ الْآيَة الْعَذَاب الْأَلِيم عَلَى الْكَذِب الْجَامِع مَعْنَى الشَّكّ وَالتَّكْذِيب , وَذَلِكَ قَوْل اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى : { إذَا جَاءَك الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَد إنَّك لَرَسُول اللَّه وَاَللَّه يَعْلَم إنَّك لَرَسُوله وَاَللَّه يَشْهَد إنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ اتَّخَذُوا أَيْمَانهمْ جُنَّة فَصَدُّوا عَنْ سَبِيل اللَّه إنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } [63 1 : 2 ]وَالْآيَة الْأُخْرَى فِي الْمُجَادَلَة : { اتَّخَذُوا أَيْمَانهمْ جُنَّة فَصَدُّوا عَنْ سَبِيل اللَّه فَلَهُمْ عَذَاب مُهِين } [58 16 ]فَأَخْبَرَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّ الْمُنَافِقِينَ بِقَيْلِهِمْ مَا قَالُوا لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , مَعَ اعْتِقَادهمْ فِيهِ مَا هُمْ مُعْتَقِدُونَ , كَاذِبُونَ . ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى ذِكْره أَنَّ الْعَذَاب الْمُهِين لَهُمْ عَلَى ذَلِكَ مِنْ كَذِبهمْ . وَلَوْ كَانَ الصَّحِيح مِنْ الْقِرَاءَة عَلَى مَا قَرَأَهُ الْقَارِئُونَ فِي سُورَة الْبَقَرَة : { وَلَهُمْ عَذَاب أَلِيم بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ } لَكَانَتْ الْقِرَاءَة فِي السُّورَة الْأُخْرَى : وَاَللَّه يَشْهَد إنَّ الْمُنَافِقِينَ لَمُكَذِّبُونَ , لِيَكُونَ الْوَعِيد لَهُمْ الَّذِي هُوَ عَقِيب ذَلِكَ وَعِيدًا عَلَى التَّكْذِيب , لَا عَلَى الْكَذِب . وَفِي إجْمَاع الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّ الصَّوَاب مِنْ الْقِرَاءَة فِي قَوْله : { وَاَللَّه يَشْهَد إنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ } بِمَعْنَى الْكَذِب , وَأَنَّ إيعَاد اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِيهِ الْمُنَافِقِينَ الْعَذَاب الْأَلِيم عَلَى ذَلِكَ مِنْ كَذِبهمْ , أَوْضَح الدَّلَالَة عَلَى أَنَّ الصَّحِيح مِنْ الْقِرَاءَة فِي سُورَة الْبَقَرَة : { بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ } بِمَعْنَى الْكَذِب , وَأَنَّ الْوَعِيد مِنْ اللَّه تَعَالَى ذِكْره لِلْمُنَافِقِينَ فِيهَا عَلَى الْكَذِب حَقّ , لَا عَلَى التَّكْذِيب الَّذِي لَمْ يَجُزْ لَهُ ذِكْر نَظِير الَّذِي فِي سُورَة الْمُنَافِقِينَ سَوَاء . وَقَدْ زَعَمَ بَعْض نَحْوِيِّي الْبَصْرَة أَنَّ | مَا | مِنْ قَوْل اللَّه تَبَارَكَ اسْمه : { بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ } اسْم لِلْمَصْدَرِ , كَمَا أَنَّ أَنَّ وَالْفِعْل اسْمَانِ لِلْمَصْدَرِ فِي قَوْلك : أُحِبّ أَنَّ تَأْتِينِي , وَأَنَّ الْمَعْنَى إنَّمَا هُوَ بِكَذِبِهِمْ وَتَكْذِيبهمْ . قَالَ : وَأَدْخَلَ | كَانَ | لِيُخْبِر أَنَّهُ كَانَ فِيمَا مَضَى , كَمَا يُقَال : مَا أَحَسَن مَا كَانَ عَبْد اللَّه . فَأَنْت تُعْجِب مِنْ عَبْد اللَّه لَا مِنْ كَوْنه , وَإِنَّمَا وَقَعَ التَّعَجُّب فِي اللَّفْظ عَلَى كَوْنه . وَكَانَ بَعْض نَحْوِيِّي الْكُوفَة يُنْكِر ذَلِكَ مِنْ قَوْله وَيَسْتَخْطِئُهُ وَيَقُول : إنَّمَا أُلْغِيَتْ | كَانَ | فِي التَّعَجُّب لِأَنَّ الْفِعْل قَدْ تَقَدَّمَهَا , فَكَأَنَّهُ قَالَ : | حَسَنًا كَانَ زَيْد | , | وَحَسَن كَانَ زَيْد | يُبْطِل | كَانَ | , وَيَعْمَل مَعَ الْأَسْمَاء وَالصِّفَات الَّتِي بِأَلْفَاظِ الْأَسْمَاء إذَا جَاءَتْ قَبْل | كَانَ | وَوَقَعَتْ | كَانَ | بَيْنهَا وَبَيْن الْأَسْمَاء . وَأَمَّا الْعِلَّة فِي إبْطَالهَا إذَا أُبْطِلَتْ فِي هَذِهِ الْحَال فَشَبَّهَ الصِّفَات وَالْأَسْمَاء بِفِعْلٍ وَيَفْعَل اللَّتَيْنِ لَا يَظْهَر عَمَل كَانَ فِيهِمَا , أَلَا تَرَى أَنَّك تَقُول : | يَقُوم كَانَ زَيْد | , وَلَا يَظْهَر عَمَل | كَانَ | فِي | يَقُوم | , وَكَذَلِكَ | قَامَ كَانَ زَيْد | . فَلِذَلِكَ أُبْطِلَ عَمَلهَا مَعَ فَاعِل تَمْثِيلًا بِفِعْلٍ وَيَفْعَل , وَأُعْمِلَتْ مَعَ فَاعِل أَحْيَانًا لِأَنَّهُ اسْم كَمَا تَعْمَل فِي الْأَسْمَاء . فَأَمَّا إذَا تَقَدَّمَتْ | كَانَ | الْأَسْمَاء وَالْأَفْعَال وَكَانَ الِاسْم وَالْفِعْل بَعْدهَا , فَخَطَأ عِنْده أَنْ تَكُون | كَانَ | مُبْطِلَة ; فَلِذَلِكَ أَحَالَ قَوْل الْبَصْرِيّ الَّذِي حَكَيْنَاهُ , وَتَأَوَّلَ قَوْل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ } أَنَّهُ بِمَعْنَى : الَّذِي يُكَذِّبُونَهُ .

وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْض } </subtitle>اخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي تَأْوِيل هَذِهِ الْآيَة , فَرُوِيَ عَنْ سَلْمَان الْفَارِسِيّ أَنَّهُ كَانَ يَقُول : لَمْ يَجِئْ هَؤُلَاءِ بَعْد . 285 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ , قَالَ : حَدَّثَنَا عَثَّام بْن عَلِيّ , قَالَ : حَدَّثَنَا الْأَعْمَش , قَالَ : سَمِعْت الْمِنْهَال بْن عَمْرو يُحَدِّث عَنْ عَبَّاد بْن عَبْد اللَّه , عَنْ سَلْمَان , قَالَ : (مَا جَاءَ هَؤُلَاءِ بَعْد , الَّذِينَ { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْض قَالُوا إنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ } )* حَدَّثَنِي أَحْمَد بْن عُثْمَان بْن حَكِيم , قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْد الرَّحْمَن بْن شَرِيك , قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي , قَالَ حَدَّثَنِي الْأَعْمَش , عَنْ زَيْد بْن وَهْب وَغَيْره , عَنْ سَلْمَان أَنَّهُ قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَة : { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْض قَالُوا إنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ } قَالَ (مَا جَاءَ هَؤُلَاءِ بَعْد . )وَقَالَ آخَرُونَ بِمَا : 286 - حَدَّثَنِي بِهِ مُوسَى بْن هَارُونَ , قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرو بْن حَمَّاد , قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ فِي خَبَر ذَكَرَهُ , عَنْ أَبِي مَالِك , وَعَنْ أَبِي صَالِح , عَنْ ابْن عَبَّاس , وَعَنْ مُرَّة الْهَمْدَانِيّ , عَنْ ابْن مَسْعُود , وَعَنْ نَاس مِنْ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْض قَالُوا إنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ } هُمْ الْمُنَافِقُونَ . أَمَّا { لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْض } فَإِنَّ الْفَسَاد هُوَ الْكُفْر وَالْعَمَل بِالْمَعْصِيَةِ . )287 - وَحُدِّثْت عَنْ عَمَّار بْن الْحَسَن , قَالَ : حَدَّثَنَا ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ عَنْ الرَّبِيع : { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْض } يَقُول : (لَا تَعْصُوا فِي الْأَرْض . قَالَ : فَكَانَ فَسَادهمْ عَلَى أَنْفُسهمْ ذَلِكَ مَعْصِيَة اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ , لِأَنَّ مَنْ عَصَى اللَّه فِي الْأَرْض أَوْ أَمَرَ بِمَعْصِيَتِهِ فَقَدْ أَفْسَدَ فِي الْأَرْض , لِأَنَّ إصْلَاح الْأَرْض وَالسَّمَاء بِالطَّاعَةِ . )وَأَوْلَى التَّأْوِيلَيْنِ بِالْآيَةِ تَأْوِيل مَنْ قَالَ : إنَّ قَوْل اللَّه تَبَارَكَ اسْمه : { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْض قَالُوا إنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ } نَزَلَتْ فِي الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ كَانُوا عَلَى عَهْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَإِنْ كَانَ مَعْنِيًّا بِهَا كُلّ مَنْ كَانَ بِمِثْلِ صِفَتهمْ مِنْ الْمُنَافِقِينَ بَعْدهمْ إلَى يَوْم الْقِيَامَة . وَقَدْ يَحْتَمِل قَوْل سَلْمَان عِنْد تِلَاوَة هَذِهِ الْآيَة : | مَا جَاءَ هَؤُلَاءِ بَعْد | أَنْ يَكُون قَالَهُ بَعْد فَنَاء الَّذِينَ كَانُوا بِهَذِهِ الصِّفَة عَلَى عَهْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَبَرًا مِنْهُ عَمَّنْ جَاءَ مِنْهُمْ بَعْدهمْ وَلِمَا يَجِيء بَعْد , لَا أَنَّهُ عَنَى أَنَّهُ لَمْ يَمْضِ مِمَّنْ هَذِهِ صِفَته أَحَد . وَإِنَّمَا قُلْنَا أَوْلَى التَّأْوِيلَيْنِ بِالْآيَةِ مَا ذَكَرْنَا , لِإِجْمَاعِ الْحَجَّة مِنْ أَهْل التَّأْوِيل عَلَى أَنَّ ذَلِكَ صِفَة مَنْ كَانَ بَيْن ظَهْرَانَيْ أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى عَهْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْمُنَافِقِينَ , وَأَنَّ هَذِهِ الْآيَات فِيهِمْ نَزَلَتْ . وَالتَّأْوِيل الْمُجْمَع عَلَيْهِ أَوْلَى بِتَأْوِيلِ الْقُرْآن مِنْ قَوْل لَا دَلَالَة عَلَى صِحْته مِنْ أَصْلِ وَلَا نَظِير . وَالْإِفْسَاد فِي الْأَرْض : الْعَمَل فِيهَا بِمَا نَهَى اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَنْهُ , وَتَضْيِيع مَا أَمَرَ اللَّه بِحِفْظِهِ . فَذَلِكَ جُمْلَة الْإِفْسَاد , كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ فِي كِتَابه مُخْبِرًا عَنْ قِيلَ مَلَائِكَته : { قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِد فِيهَا وَيَسْفِك الدِّمَاء } [2 30 ]يَعْنُونَ بِذَلِكَ : أَتَجْعَلُ فِي الْأَرْض مِنْ يَعْصِيك وَيُخَالِف أَمْرك ؟ فَكَذَلِكَ صِفَة أَهْل النِّفَاق مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْض بِمَعْصِيَتِهِمْ فِيهَا رَبّهمْ , وَرُكُوبهمْ فِيهَا مَا نَهَاهُمْ عَنْ رُكُوبه , وَتَضْيِيعهمْ فَرَائِضه وَشَكّهمْ فِي دِين اللَّه الَّذِي لَا يَقْبَل مِنْ أَحَد عَمَلًا إلَى بِالتَّصْدِيقِ بِهِ وَالْإِيقَان بِحَقِيَتِهِ , وَكَذِبهمْ الْمُؤْمِنِينَ بِدَعْوَاهُمْ غَيْر مَا هُمْ عَلَيْهِ مُقِيمُونَ مِنْ الشَّكّ وَالرَّيْب وبمظاهرتهم أَهْل التَّكْذِيب بِاَللَّهِ وَكُتُبه وَرُسُله عَلَى أَوْلِيَاء اللَّه إذَا وَجَدُوا إلَى ذَلِكَ سَبِيلًا فَذَلِكَ إفْسَاد الْمُنَافِقِينَ فِي أَرْض اللَّه , وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ بِفِعْلِهِمْ ذَلِكَ مُصْلِحُونَ فِيهَا . فَلَمْ يُسْقِط اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَنْهُمْ عُقُوبَته , وَلَا خَفَّفَ عَنْهُمْ أَلِيم مَا أَعَدَّ مِنْ عِقَابه لِأَهْلِ مَعْصِيَته بِحُسْبَانِهِمْ أَنَّهُمْ فِيمَا أَتَوْا مِنْ مَعَاصِي اللَّه مُصْلِحُونَ , بَلْ أَوَجَبَ لَهُمْ الدَّرْك الْأَسْفَل مِنْ نَاره وَالْأَلِيم مِنْ عَذَابه وَالْعَار الْعَاجِل بِسِبِّ اللَّه إيَّاهُمْ وَشَتْمه لَهُمْ , فَقَالَ تَعَالَى : { أَلَا إنَّهُمْ هُمْ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ } وَذَلِكَ مِنْ حُكْم اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ فِيهِمْ أَدَلَّ الدَّلِيل عَلَى تَكْذِيبه تَعَالَى قَوْل الْقَائِلِينَ : إنَّ عُقُوبَات اللَّه لَا يَسْتَحِقّهَا إلَّا الْمُعَانِد رَبّه فِيمَا لَزِمَهُ مِنْ حُقُوقه وَفُرُوضه بَعْد عِلْمه وَثُبُوت الْحُجَّة عَلَيْهِ بِمَعْرِفَتِهِ بِلُزُومِ ذَلِكَ إيَّاهُ .|قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ|الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قَالُوا إنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ } </subtitle>وَتَأْوِيل ذَلِكَ كَاَلَّذِي قَالَهُ ابْن عَبَّاس , الَّذِي : 288 - حَدَّثَنَا بِهِ مُحَمَّد بْن حُمَيْدٍ , قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَة بْن الْفَضْل , عَنْ مُحَمَّد بْن إسْحَاق , عَنْ مُحَمَّد بْن أَبِي مُحَمَّد مَوْلَى زَيْد بْن ثَابِت , عَنْ عِكْرِمَة , أَوْ عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ ابْن عَبَّاس قَوْله : ( { إنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ } أَيْ قَالُوا : إنَّمَا نُرِيد الْإِصْلَاح بَيْن الْفَرِيقَيْنِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَأَهْل الْكِتَاب . وَخَالَفَهُ فِي ذَلِكَ غَيْره . )289 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم بْن الْحَسَن , قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْن بْن دَاوُد , قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ , عَنْ مُجَاهِد : { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْض } قَالَ : (إذَا رَكِبُوا مَعْصِيَة اللَّه , فَقِيلَ لَهُمْ : لَا تَفْعَلُوا كَذَا وَكَذَا , قَالُوا : إنَّمَا نَحْنُ عَلَى الْهُدَى مُصْلِحُونَ . )قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَأَيّ الْأَمْرَيْنِ كَانَ مِنْهُمْ فِي ذَلِكَ - أَعْنِي فِي دَعْوَاهُمْ أَنَّهُمْ مُصْلِحُونَ - فَهُمْ لَا شَكَّ أَنَّهُمْ كَانُوا يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ فِيمَا أَتَوْا مِنْ ذَلِكَ مُصْلِحُونَ . فَسَوَاء بَيْن الْيَهُود وَالْمُسْلِمِينَ كَانَتْ دَعْوَاهُمْ الْإِصْلَاح أَوْ فِي أَدِيَانهمْ , وَفِيمَا رَكِبُوا مِنْ مَعْصِيَة اللَّه , وَكَذِبهمْ الْمُؤْمِنِينَ فِيمَا أَظَهَرُوا لَهُمْ مِنْ الْقَوْل وَهُمْ لِغَيْرِ مَا أَظَهَرُوا مُسْتَبْطِنُونَ , لِأَنَّهُمْ كَانُوا فِي جَمِيع ذَلِكَ مِنْ أَمْرهمْ عِنْد أَنْفُسهمْ مُحْسِنِينَ , وَهُمْ عِنْد اللَّه مُسِيئُونَ , وَلِأَمْرِ اللَّه مُخَالِفُونَ ; لِأَنَّ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَدْ كَانَ فَرَضَ عَلَيْهِمْ عَدَاوَة الْيَهُود وَحَرْبهمْ مَعَ الْمُسْلِمِينَ , وَأَلْزَمَهُمْ التَّصْدِيق بِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْد اللَّه كَاَلَّذِي أَلْزَمَ مِنْ ذَلِكَ الْمُؤْمِنِينَ , فَكَانَ لِقَاؤُهُمْ الْيَهُود عَلَى وَجْه الْوِلَايَة مِنْهُمْ لَهُمْ , وَشَكّهمْ فِي نُبُوَّة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِيمَا جَاءَ بِهِ أَنَّهُ مِنْ عِنْد اللَّه أَعْظَم الْفَسَاد , وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ كَانَ عِنْدهمْ إصْلَاحًا وَهُدًى : فِي أَدِيَانهمْ , أَوْ فِيمَا بَيْن الْمُؤْمِنِينَ وَالْيَهُود , فَقَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ فِيهِمْ : { أَلَا إنَّهُمْ هُمْ الْمُفْسِدُونَ } دُون الَّذِينَ يَنْهَوْنَهُمْ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ الْإِفْسَاد فِي الْأَرْض { وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ }

أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { أَلَا إنَّهُمْ هُمْ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ } </subtitle>وَهَذَا الْقَوْل مِنْ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ تَكْذِيب لِلْمُنَافِقِينَ فِي دَعْوَاهُمْ إذَا أُمِرُوا بِطَاعَةِ اللَّه فِيمَا أَمَرَهُمْ اللَّه بِهِ , وَنُهُوا عَنْ مَعْصِيَة اللَّه فِيمَا نَهَاهُمْ اللَّه عَنْهُ . قَالُوا : إنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ لَا مُفْسِدُونَ , وَنَحْنُ عَلَى رُشْد وَهُدًى فِيمَا أَنْكَرْتُمُوهُ عَلَيْنَا دُونكُمْ لَا ضَالُّونَ . فَكَذِبهمْ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ فِي ذَلِكَ مِنْ قَيْلهمْ , فَقَالَ : { أَلَا إنَّهُمْ هُمْ الْمُفْسِدُونَ } الْمُخَالِفُونَ أَمْر اللَّه عَزَّ وَجَلَّ , الْمُتَعَدُّونَ حُدُوده الرَّاكِبُونَ مَعْصِيَته , التَّارِكُونَ فُرُوضه وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ وَلَا يَدْرُونَ أَنَّهُمْ كَذَلِكَ , لَا الَّذِينَ يَأْمُرُونَهُمْ بِالْقِسْطِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَيَنْهَوْنَهُمْ عَنْ مَعَاصِي اللَّه فِي أَرْضه مِنْ الْمُسْلِمِينَ .

وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آَمِنُوا كَمَا آَمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آَمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاس } </subtitle>قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَتَأْوِيل قَوْله : { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاس } يَعْنِي : وَإِذَا قِيلَ لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ وَصَفَهُمْ اللَّه وَنَعَتَهُمْ بِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ { آمَنَّا بِاَللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِر وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ } : صَدَّقُوا بِمُحَمَّدٍ وَبِمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْد اللَّه كَمَا صَدَّقَ بِهِ النَّاس . وَيَعْنِي ب | النَّاس | الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ آمَنُوا بِمُحَمَّدٍ وَنُبُوَّته وَمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْد اللَّه . كَمَا : 290 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ , قَالَ : حَدَّثَنَا عُثْمَان بْن سَعِيد , عَنْ بِشْر بْن عَمَّار , عَنْ أَبِي رَوْق , عَنْ الضَّحَّاك عَنْ ابْن عَبَّاس فِي قَوْله : { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاس } يَقُول : وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ صَدِّقُوا كَمَا صَدَّقَ أَصْحَاب مُحَمَّد , قُولُوا : إنَّهُ نَبِيّ وَرَسُول , وَإِنَّ مَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ حَقّ , وَصَدَّقُوا بِالْآخِرَةِ , وَأَنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْد الْمَوْت . وَإِنَّمَا أَدَخَلَتْ الْأَلِف وَاللَّام فِي | النَّاس | وَهُمْ بَعْض النَّاس لَا جَمِيعهمْ ; لِأَنَّهُمْ كَانُوا مَعْرُوفِينَ عِنْد الَّذِينَ خُوطِبُوا بِهَذِهِ الْآيَة بِأَعْيَانِهِمْ . وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ : آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاس الَّذِينَ تَعْرِفُونَهُمْ مِنْ أَهْل الْيَقِين وَالتَّصْدِيق بِاَللَّهِ وَبِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْد اللَّه وَبِالْيَوْمِ الْآخِر , فَلِذَلِكَ أُدْخِلَتْ الْأَلِف وَاللَّام فِيهِ كَمَا أُدْخِلَتَا فِي قَوْله : { الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاس إنَّ النَّاس قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ } [3 173 ]لِأَنَّهُ أُشِيرَ بِدُخُولِهَا إلَى نَاس مَعْرُوفِينَ عِنْد مَنْ خُوطِبَ بِذَلِكَ .|قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ|الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاء } </subtitle>قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَالسُّفَهَاء جَمْع سَفِيه , كَالْعُلَمَاءِ جَمْع عَلِيم , وَالْحُكَمَاء جَمْع حَكِيم . وَالسَّفِيه : الْجَاهِل الضَّعِيف الرَّأْي , الْقَلِيل الْمَعْرِفَة بِمَوَاضِع الْمَنَافِع وَالْمَضَارّ ; وَلِذَلِكَ سَمَّى اللَّه عَزَّ وَجَلَّ النِّسَاء وَالصِّبْيَان سُفَهَاء , فَقَالَ تَعَالَى : { وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاء أَمْوَالكُمْ الَّتِي جَعَلَ اللَّه لَكُمْ قِيَامًا } [4 5 ]فَقَالَ عَامَّة أَهْل التَّأْوِيل : هُمْ النِّسَاء وَالصِّبْيَان لِضَعْفِ آرَائِهِمْ , وَقِلَّة مَعْرِفَتهمْ بِمَوَاضِع الْمَصَالِح وَالْمَضَارّ الَّتِي تُصْرَف إلَيْهَا الْأَمْوَال . وَإِنَّا عَنَى الْمُنَافِقُونَ بِقَيْلِهِمْ أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاء , إذْ دُعُوا إلَى التَّصْدِيق بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَبِمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْد اللَّه , وَالْإِقْرَار بِالْبَعْثِ , فَقَالَ لَهُمْ : آمِنُوا كَمَا آمَنَ أَصْحَاب مُحَمَّد وَأَتْبَاعه مِنْ الْمُؤْمِنِينَ الْمُصَدِّقِينَ بِهِ أَهْل الْإِيمَان وَالْيَقِين وَالتَّصْدِيق بِاَللَّهِ وَبِمَا افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ عَلَى لِسَان رَسُوله مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِي كِتَابه وَبِالْيَوْمِ الْآخِر , فَقَالُوا إجَابَة لِقَائِلِ ذَلِكَ لَهُمْ : أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ أَهْل الْجَهْل وَنُصَدِّق بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا صَدَّقَ بِهِ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ لَا عُقُول لَهُمْ وَلَا أَفَهَام ; كَاَلَّذِي : 291 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْن هَارُونَ , قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرو بْن حَمَّاد , قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاط عَنْ السُّدِّيّ فِي خَبَر ذَكَرَهُ عَنْ أَبِي مَالِك , وَعَنْ أَبِي صَالِح , عَنْ ابْن عَبَّاس , وَعَنْ مُرَّة الْهَمْدَانِيّ , عَنْ ابْن مَسْعُود , وَعَنْ نَاس مِنْ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , قَالُوا : ( { أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاء } يَعْنُونَ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ )292 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى بْن إبْرَاهِيم , قَالَ : حَدَّثَنَا إسْحَاق بْن الْحَجَّاج , قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ عَنْ الرَّبِيع بْن أَنَس : ( { قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاء } يَعْنُونَ أَصْحَاب مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . )293 - حَدَّثَنِي يُونُس بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : أَنْبَأَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْد الرَّحْمَن بْن زَيْد بْن أَسْلَمَ فِي قَوْله : ( { قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاء } قَالَ : هَذَا قَوْل الْمُنَافِقِينَ , يُرِيدُونَ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . )294 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ , قَالَ : حَدَّثَنَا عُثْمَان بْن سَعِيد , عَنْ بِشْر بْن عَمَّار , عَنْ أَبِي رَوْق , عَنْ الضَّحَّاك , عَنْ ابْن عَبَّاس : ( { قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاء } يَقُولُونَ : أَنَقُولُ كَمَا تَقُول السُّفَهَاء ؟ يَعْنُونَ أَصْحَاب مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , لِخِلَافِهِمْ لِدِينِهِمْ .)|أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ|الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { أَلَا إنَّهُمْ هُمْ السُّفَهَاء وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ } </subtitle>قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَهَذَا خَبَر مِنْ اللَّه تَعَالَى عَنْ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ تَقَدَّمَ نَعْته لَهُمْ وَوَصْفه إيَّاهُمْ بِمَا وَصَفَهُمْ بِهِ مِنْ الشَّكّ وَالتَّكْذِيب , أَنَّهُمْ هُمْ الْجُهَّال فِي أَدِيَانهمْ , الضُّعَفَاء الْآرَاء فِي اعْتِقَادَاتهمْ وَاخْتِيَارَاتهمْ الَّتِي اخْتَارُوهَا لِأَنْفُسِهِمْ مِنْ الشَّكّ وَالرَّيْب فِي أَمْر اللَّه وَأَمْر رَسُوله وَأَمْر نُبُوَّته , وَفِيمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْد اللَّه , وَأَمْر الْبَعْث , لِإِسَاءَتِهِمْ إلَى أَنْفُسهمْ بِمَا أَتَوْا مِنْ ذَلِكَ , وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ إلَيْهَا يُحْسِنُونَ . وَذَلِكَ هُوَ عَيْن السَّفَه , لِأَنَّ السَّفِيه إنَّمَا يُفْسِد مِنْ حَيْثُ يَرَى أَنَّهُ يُصْلِح وَيُضَيِّع مِنْ حَيْثُ يَرَى أَنَّهُ يَحْفَظ . فَكَذَلِكَ الْمُنَافِق يَعْصِي رَبّه مِنْ حَيْثُ يَرَى أَنَّهُ يُطِيعهُ , وَيَكْفُر بِهِ مِنْ حَيْثُ يَرَى أَنَّهُ يُؤْمِن بِهِ , وَيُسِيء إلَى نَفْسه مِنْ حَيْثُ يَحْسَب أَنَّهُ يُحْسِن إلَيْهَا , كَمَا وَصَفَهُمْ بِهِ رَبّنَا جَلَّ ذِكْره فَقَالَ : { أَلَا إنَّهُمْ هُمْ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ } وَقَالَ : أَلَا إنَّهُمْ هُمْ السُّفَهَاء دُون الْمُؤْمِنِينَ الْمُصَدِّقِينَ بِاَللَّهِ وَبِكِتَابِهِ وَبِرَسُولِهِ وَثَوَابه وَعِقَابه , وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ . وَكَذَلِكَ كَانَ ابْن عَبَّاس يَتَأَوَّل هَذِهِ الْآيَة . 295 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ , قَالَ : حَدَّثَنَا عُثْمَان بْن سَعِيد , عَنْ بِشْر بْن عَمَّار , عَنْ أَبِي رَوْق , عَنْ الضَّحَّاك , عَنْ ابْن عَبَّاس يَقُول اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ : ( { أَلَا إنَّهُمْ هُمْ السُّفَهَاء } يَقُول الْجُهَّال , { وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ } يَقُول وَلَكِنْ لَا يَعْقِلُونَ )وَأَمَّا وَجْه دُخُول الْأَلِف وَاللَّام فِي | السُّفَهَاء | فَشَبِيه بِوَجْهِ دُخُولهمَا فِي | النَّاس | فِي قَوْله : { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاس } وَقَدْ بَيَّنَّا الْعِلَّة فِي دُخُولهمَا هُنَالِكَ , وَالْعِلَّة فِي دُخُولهمَا فِي السُّفَهَاء نَظِيرَتهَا فِي دُخُولهمَا فِي النَّاس هُنَالِكَ سَوَاء . وَالدَّلَالَة الَّتِي تَدُلّ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَة مِنْ خَطَأ قَوْل مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْعُقُوبَة مِنْ اللَّه لَا يَسْتَحِقّهَا إلَّا الْمُعَانِد رَبّه مَعَ عِلْمه بِصِحَّةِ مَا عَانَدَهُ فِيهِ نَظِير دَلَالَة الْآيَات الْأُخَر الَّتِي قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرنَا تَأْوِيلهَا فِي قَوْله : { وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ } وَنَظَائِر ذَلِكَ .

وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا } </subtitle>قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَهَذِهِ الْآيَة نَظِير الْآيَة الْأُخْرَى الَّتِي أَخْبَرَ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ فِيهَا عَنْ الْمُنَافِقِينَ بِخِدَاعِهِمْ اللَّه وَرَسُوله وَالْمُؤْمِنِينَ , فَقَالَ : { وَمِنْ النَّاس مِنْ يَقُول آمَنَّا بِاَللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِر } ثُمَّ أَكَذَبَهُمْ تَعَالَى ذِكْره بِقَوْلِهِ : { وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ } وَأَنَّهُمْ بِقَيْلِهِمْ ذَلِكَ يُخَادِعُونَ اللَّه وَاَلَّذِينَ آمَنُوا . وَكَذَلِكَ أَخْبَرَ عَنْهُمْ فِي هَذِهِ الْآيَة أَنَّهُمْ يَقُولُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ الْمُصَدِّقِينَ بِاَللَّهِ وَكِتَابه وَرَسُوله بِأَلْسِنَتِهِمْ : آمَنَّا وَصَدَّقْنَا بِمُحَمَّدٍ وَبِمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْد اللَّه , خِدَاعًا عَنْ دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالهمْ وَذَرَارِيّهمْ , وَدَرْءًا لَهُمْ عَنْهَا , وَأَنَّهُمْ إذَا خَلَوْا إلَى مَرَدَتهمْ وَأَهْل الْعُتُوّ وَالشَّرّ وَالْخَبَث مِنْهُمْ وَمِنْ سَائِر أَهْل الشِّرْك الَّذِينَ هُمْ عَلَى مِثْل الَّذِي هُمْ عَلَيْهِ مِنْ الْكُفْر بِاَللَّهِ وَبِكِتَابِهِ وَرَسُوله - وَهُمْ شَيَاطِينهمْ . وَقَدْ دَلَّلْنَا فِيمَا مَضَى مِنْ كِتَابنَا عَلَى أَنَّ شَيَاطِين كُلّ شَيْء مَرَدَته - قَالُوا لَهُمْ : { إنَّا مَعَكُمْ } أَيْ إنَّا مَعَكُمْ عَلَى دِينكُمْ , وَظُهَرَاؤُكُمْ عَلَى مَنْ خَالَفَكُمْ فِيهِ , وَأَوْلِيَاؤُكُمْ دُون أَصْحَاب مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , إنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ بِاَللَّهِ وَبِكِتَابِهِ وَرَسُوله وَأَصْحَابه . كَاَلَّذِي : 296 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْعَلَاء : قَالَ : حَدَّثَنَا عُثْمَان بْن سَعِيد , قَالَ حَدَّثَنَا بِشْر بْن عَمَّار عَنْ أَبِي رَوْق , عَنْ الضَّحَّاك , عَنْ ابْن عَبَّاس فِي قَوْله : { وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا } قَالَ : كَانَ رِجَال مِنْ الْيَهُود إذَا لَقُوا أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ بَعْضهمْ , قَالُوا : إنَّا عَلَى دِينكُمْ , وَإِذَا خَلَوْا إلَى أَصْحَابهمْ وَهُمْ شَيَاطِينهمْ { قَالُوا إنَّا مَعَكُمْ إنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ } * حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْدٍ , قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَة بْن الْفَضْل عَنْ مُحَمَّد بْن إسْحَاق , عَنْ مُحَمَّد بْن أَبِي مُحَمَّد مَوْلَى زَيْد بْن ثَابِت , عَنْ عِكْرِمَة , أَوْ عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ ابْن عَبَّاس : ( { وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إلَى شَيَاطِينهمْ } قَالَ : إذَا خَلَوْا إلَى شَيَاطِينهمْ مِنْ يَهُود الَّذِينَ يَأْمُرُونَهُمْ بِالتَّكْذِيبِ , وَخِلَاف مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُول { قَالُوا إنَّا مَعَكُمْ } أَيْ إنَّا عَلَى مِثْل مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ { إنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ } )297 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْن هَارُونَ , قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرو بْن حَمَّاد , قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ فِي خَبَر ذَكَرَهُ عَنْ أَبِي مَالِك , وَعَنْ أَبِي صَالِح , عَنْ ابْن عَبَّاس , وَعَنْ مُرَّة الْهَمْدَانِيّ عَنْ ابْن مَسْعُود , وَعَنْ نَاس مِنْ أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( { وَإِذَا خَلَوْا إلَى شَيَاطِينهمْ } أَمَّا شَيَاطِينهمْ , فَهُمْ رُءُوسهمْ فِي الْكُفْر . )298 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ الْعَقَدِيّ , قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيد بْن زُرَيْع , عَنْ سَعِيد , عَنْ قَتَادَةَ قَوْله : ( { وَإِذَا خَلَوْا إلَى شَيَاطِينهمْ } أَيْ رُؤَسَائِهِمْ وَقَادَتهمْ فِي الشَّرّ , { قَالُوا إنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ } )|وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ|299 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَنْبَأَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْله : ( { وَإِذَا خَلَوْا إلَى شَيَاطِينهمْ } قَالَ الْمُشْرِكُونَ . )300 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو الْبَاهِلِيّ , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى بْن مَيْمُون , قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { وَإِذَا خَلَوْا إلَى شَيَاطِينهمْ } قَالَ : (إذَا خَلَا الْمُنَافِقُونَ إلَى أَصْحَابهمْ مِنْ الْكُفَّار . )* حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى بْن إبْرَاهِيم , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَة , عَنْ شِبْل بْن عِبَاد , عَنْ عَبْد اللَّه بْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { وَإِذَا خَلَوْا إلَى شَيَاطِينهمْ } قَالَ : (أَصْحَابهمْ مِنْ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُشْرِكِينَ . )301 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : حَدَّثَنَا إسْحَاق بْن الْحَجَّاج , عَنْ عَبْد اللَّه بْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع بْن أَنَس : { وَإِذَا خَلَوْا إلَى شَيَاطِينهمْ } قَالَ (إخْوَانهمْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ , { قَالُوا إنَّا مَعَكُمْ إنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ } )302 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم بْن الْحَسَن , قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْن بْن دَاوُد , قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاج قَالَ : قَالَ ابْن جُرَيْجٍ فِي قَوْله : { وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا } قَالَ : (إذَا أَصَابَ الْمُؤْمِنِينَ رَخَاء , قَالُوا إنَّا نَحْنُ مَعَكُمْ إنَّمَا نَحْنُ إخْوَانكُمْ , وَإِذَا خَلَوْا إلَى شَيَاطِينهمْ اسْتَهْزَءُوا بِالْمُؤْمِنِينَ . )* حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ , قَالَ : قَالَ مُجَاهِد : (شَيَاطِينهمْ : أَصْحَابهمْ مِنْ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُشْرِكِينَ . )فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِل : أَرَأَيْت قَوْله : { وَإِذَا خَلَوْا إلَى شَيَاطِينهمْ } فَكَيْف قِيلَ | خَلَوْا إلَى شَيَاطِينهمْ | وَلَمْ يَقُلْ | خَلَوْا بِشَيَاطِينِهِمْ | ؟ فَقَدْ عَلِمْت أَنَّ الْجَارِي بَيْن النَّاس فِي كَلَامهمْ | خَلَوْت بِفُلَانٍ | أَكْثَر وَأَفْشَى مِنْ | خَلَوْت إلَى فُلَان | , وَمِنْ قَوْلك : إنَّ الْقُرْآن أَفْصَح الْبَيَان ! قِيلَ : قَدْ اُخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ أَهْل الْعِلْم بِلُغَةِ الْعَرَب , فَكَانَ بَعْض نَحْوِيِّي الْبَصْرَة يَقُول : يُقَال خَلَوْت إلَى فُلَان , إذَا أُرِيدَ بِهِ : خَلَوْت إلَيْهِ فِي حَاجَة خَاصَّة ; لَا يَحْتَمِل إذَا قِيلَ كَذَلِكَ إلَّا الْخَلَاء إلَيْهِ فِي قَضَاء الْحَاجَة . فَأَمَّا إذَا قِيلَ : خَلَوْت بِهِ احْتَمَلَ مَعْنَيَيْنِ : أَحَدهمَا الْخَلَاء بِهِ فِي الْحَاجَة , وَالْآخَر : فِي السُّخْرِيَة بِهِ , فَعَلَى هَذَا الْقَوْل { وَإِذَا خَلَوْا إلَى شَيَاطِينهمْ } لَا شَكَّ أَفْصَح مِنْهُ لَوْ قِيلَ : | وَإِذَا خَلَوْا بِشَيَاطِينِهِمْ | لِمَا فِي قَوْل الْقَائِل : | إذَا خَلَوْا بِشَيَاطِينِهِمْ | مِنْ الْتِبَاس الْمَعْنَى عَلَى سَامِعِيهِ الَّذِي هُوَ مُنْتَفٍ عَنْ قَوْله : { وَإِذَا خَلَوْا إلَى شَيَاطِينهمْ } ; فَهَذَا أَحَد الْأَقْوَال . وَالْقَوْل الْآخَر أَنَّ تَوَجُّه مَعْنَى قَوْله : { وَإِذَا خَلَوْا إلَى شَيَاطِينهمْ } أَيْ إذَا خَلَوْا مَعَ شَيَاطِينهمْ , إذْ كَانَتْ حُرُوف الصِّفَات يُعَاقِب بَعْضهَا بَعْضًا كَمَا قَالَ اللَّه مُخْبِرًا عَنْ عِيسَى ابْن مَرْيَم أَنَّهُ قَالَ لِلْحَوَارِيِّينَ : { مَنْ أَنْصَارِي إلَى اللَّه } [61 14 ]يُرِيد مَعَ اللَّه , وَكَمَا تُوضَع | عَلَى | فِي مَوْضِع | مِنْ | وَ | فِي | و | عَنْ | و | الْبَاء | , كَمَا قَالَ الشَّاعِر : <br>إذَا رَضِيَتْ عَلَيَّ بَنُو قُشَيْر .......... لَعَمْر اللَّه أَعْجَبَنِي رِضَاهَا <br>بِمَعْنَى | عَنِّي | . وَأَمَّا بَعْض نَحْوِيِّي أَهْل الْكُوفَة فَإِنَّهُ كَانَ يَتَأَوَّل أَنَّ ذَلِكَ بِمَعْنَى : { وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا } وَإِذَا صَرَفُوا خَلَاءَهُمْ إلَى شَيَاطِينهمْ ; فَيَزْعُم أَنَّ الْجَالِب | إلَى | الْمَعْنَى الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الْكَلَام : مِنْ انْصِرَاف الْمُنَافِقِينَ عَنْ لِقَاء الْمُؤْمِنِينَ إلَى شَيَاطِينهمْ خَالِينَ بِهِمْ , لَا قَوْله | خَلَوْا | . وَعَلَى هَذَا التَّأْوِيل لَا يَصْلُح فِي مَوْضِع | إلَى | غَيْرهَا لِتَغَيُّرِ الْكَلَام بِدُخُولِ غَيْرهَا مِنْ الْحُرُوف مَكَانهَا . وَهَذَا الْقَوْل عِنْدِي أَوْلَى بِالصَّوَابِ , لِأَنَّ لِكُلِّ حَرْف مِنْ حُرُوف الْمَعَانِي وَجْهًا هُوَ بِهِ أَوْلَى مِنْ غَيْره , فَلَا يَصْلُح تَحْوِيل ذَلِكَ عَنْهُ إلَى غَيْره إلَّا بِحُجَّةٍ يَجِب التَّسْلِيم لَهَا . ول | إلَى | فِي كُلّ مَوْضِع دَخَلَتْ مِنْ الْكَلَام حُكْم وَغَيْر جَائِز سَلْبهَا مَعَانِيهَا فِي أَمَاكِنهَا .|إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ|الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { إنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ } </subtitle>أَجَمَعَ أَهْل التَّأْوِيل جَمِيعًا لَا خِلَاف بَيْنهمْ , عَلَى أَنَّ مَعْنَى قَوْله : { إنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ } : إنَّمَا نَحْنُ سَاخِرُونَ . فَمَعْنَى الْكَلَام إذًا : وَإِذَا انْصَرَفَ الْمُنَافِقُونَ خَالِينَ إلَى مَرَدَتهمْ مِنْ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُشْرِكِينَ قَالُوا : إنَّا مَعَكُمْ عَنْ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ التَّكْذِيب مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَبِمَا جَاءَ بِهِ وَمُعَادَاته وَمُعَادَاة أَتْبَاعه , إنَّمَا نَحْنُ سَاخِرُونَ بِأَصْحَابِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَيْلنَا لَهُمْ إذَا لَقِينَاهُمْ { آمَنَّا بِاَللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِر } كَمَا : 303 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْعَلَاء , قَالَ : حَدَّثَنَا عُثْمَان بْن سَعِيد , قَالَ : حَدَّثَنَا بِشْر بْن عَمَّار عَنْ أَبِي رَوْق , عَنْ الضَّحَّاك , عَنْ ابْن عَبَّاس : ( { قَالُوا إنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ } سَاخِرُونَ بِأَصْحَابِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . )304 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْدٍ , قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَة , عَنْ مُحَمَّد بْن إسْحَاق , عَنْ مُحَمَّد بْن أَبِي مُحَمَّد مَوْلَى زَيْد بْن ثَابِت , عَنْ عِكْرِمَة , أَوْ عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ ابْن عَبَّاس : ( { إنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ } : أَيْ إنَّمَا نَحْنُ نَسْتَهْزِئ بِالْقَوْمِ وَنَلْعَب بِهِمْ . )305 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ الْعَقَدِيّ , قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيد بْن زُرَيْع , عَنْ سَعِيد , عَنْ قَتَادَةَ : ( { إنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ } : إنَّمَا نَسْتَهْزِئ بِهَؤُلَاءِ الْقَوْم وَنَسْخَر بِهِمْ . )306 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : حَدَّثَنَا إسْحَاق بْن الْحَجَّاج , عَنْ عَبْد اللَّه بْن أَبِي جَعْفَر عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع : ( { إنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ } أَيْ نَسْتَهْزِئ بِأَصْحَابِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .)

اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { اللَّه يَسْتَهْزِئ بِهِمْ } </subtitle>قَالَ أَبُو جَعْفَر : اُخْتُلِفَ فِي صِفَة اسْتِهْزَاء اللَّه جَلَّ جَلَاله الَّذِي ذُكِرَ أَنَّهُ فَاعِله بِالْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ وَصَفَ صِفَتهمْ . فَقَالَ بَعْضهمْ : اسْتِهْزَاؤُهُ بِهِمْ كَاَلَّذِي أَخْبَرَنَا تَبَارَكَ اسْمه أَنَّهُ فَاعِل بِهِمْ يَوْم الْقِيَامَة فِي قَوْله تَعَالَى : { يَوْم يَقُول الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَات لِلَّذِينَ آمَنُوا اُنْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُوركُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنهمْ بِسُورٍ لَهُ بَاب بَاطِنه فِيهِ الرَّحْمَة وَظَاهِره مِنْ قِبَله الْعَذَاب يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى } [57 13 : 14 ]الْآيَة , وَكَاَلَّذِي أَخْبَرَنَا أَنَّهُ فَعَلَ بِالْكُفَّارِ بِقَوْلِهِ : { وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرًا لِأَنْفُسِهِمْ إنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إثْمًا } [3 78 ]فَهَذَا وَمَا أَشَبَهه مِنْ اسْتِهْزَاء اللَّه جَلَّ وَعَزَّ وَسُخْرِيَّته وَمَكْره وَخَدِيعَته لِلْمُنَافِقِينَ وَأَهْل الشِّرْك بِهِ , عِنْد قَائِلِي هَذَا الْقَوْل وَمُتَأَوِّلِي هَذَا التَّأْوِيل . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ اسْتِهْزَاؤُهُ بِهِمْ : تَوْبِيخه إيَّاهُمْ وَلَوْمه لَهُمْ عَلَى مَا رَكِبُوا مِنْ مَعَاصِي اللَّه وَالْكُفْر بِهِ , كَمَا يُقَال : إنَّ فُلَانًا لَيَهْزَأ مِنْهُ الْيَوْم وَيَسْخَر مِنْهُ ; يُرَاد بِهِ تَوْبِيخ النَّاس إيَّاهُ وَلَوْمهمْ لَهُ , أَوْ إهْلَاكه إيَّاهُمْ وَتَدْمِيره بِهِمْ , كَمَا قَالَ عُبَيْد بْن الْأَبْرَص : <br>سَائِل بِنَا حُجْر ابْن أَمْ قَطَام إذْ .......... ظَلَّتْ بِهِ السُّمْر النَّوَاهِل تَلْعَب <br>فَزَعَمُوا أَنَّ السُّمْر وَهِيَ الْقَنَا لَا لَعِب مِنْهَا , وَلَكِنَّهَا لَمَا قَتَلَتْهُمْ وَشَرَّدَتْهُمْ جَعَلَ ذَلِكَ مِنْ فِعْلهَا لَعِبًا بِمَنْ فَعَلَتْ ذَلِكَ بِهِ ; قَالُوا : فَكَذَلِكَ اسْتِهْزَاء اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِمِنْ اسْتَهْزَأَ بِهِ مِنْ أَهْل النِّفَاق وَالْكُفْر بِهِ , إمَّا إهْلَاكه إيَّاهُمْ وَتَدْمِيره بِهِمْ وَإِمَّا إمْلَاؤُهُ لَهُمْ لِيَأْخُذهُمْ فِي حَال أَمْنهمْ عِنْد أَنْفُسهمْ بَغْتَة , أَوْ تَوْبِيخه لَهُمْ وَلِأَئِمَّتِهِ إيَّاهُمْ قَالُوا : وَكَذَلِكَ مَعْنَى الْمَكْر مِنْهُ وَالْخَدِيعَة وَالسُّخْرِيَة . وَقَالَ آخَرُونَ : قَوْله : { يُخَادِعُونَ اللَّه وَاَلَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إلَّا أَنْفُسهمْ } عَلَى الْجَوَاب , كَقَوْلِ الرَّجُل لِمَنْ كَانَ يَخْدَعهُ إذَا ظَفَرَ بِهِ : أَنَا الَّذِي خَدَعْتُك وَلَمْ تَكُنْ مِنْهُ خَدِيعَة وَلَكِنْ قَالَ ذَلِكَ إذْ صَارَ الْأَمْر إلَيْهِ . قَالُوا : وَكَذَلِكَ قَوْله : { وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّه وَاَللَّه خَيْر الْمَاكِرِينَ } [3 54 ]وَاَللَّه يَسْتَهْزِئ بِهِمْ عَلَى الْجَوَاب , وَاَللَّه لَا يَكُون مِنْهُ الْمَكْر وَلَا الْهُزْء . وَالْمَعْنَى : أَنَّ الْمَكْر وَالْهُزْء حَاقّ بِهِمْ . وَقَالَ آخَرُونَ : قَوْله : { إنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ اللَّه يَسْتَهْزِئ بِهِمْ } وَقَوْله : { يُخَادِعُونَ اللَّه وَهُوَ خَادِعهمْ } [4 142 ]وَقَوْله : { فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّه مِنْهُمْ } [9 79 ]و { نَسُوا اللَّه فَنَسِيَهُمْ } [9 67 ]وَمَا أَشَبَه ذَلِكَ , إخْبَار مِنْ اللَّه أَنَّهُ مُجَازِيهمْ جَزَاء الِاسْتِهْزَاء , وَمُعَاقِبهمْ عُقُوبَة الْخِدَاع . فَأَخْرَجَ خَبَره عَنْ جَزَائِهِ وَمَا إيَّاهُمْ وَعِقَابه لَهُمْ مَخْرَج خَبَره عَنْ فِعْلهمْ الَّذِي عَلَيْهِ اسْتَحَقُّوا الْعِقَاب فِي اللَّفْظ وَإِنْ اخْتَلَفَ الْمَعْنَيَانِ , كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { وَجَزَاء سَيِّئَة سَيِّئَة مِثْلهَا } [42 40 ]وَمَعْلُوم أَنَّ الْأُولَى مِنْ صَاحِبهَا سَيِّئَة إذْ كَانَتْ مِنْهُ لِلَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مَعْصِيَة , وَأَنَّ الْأُخْرَى عَدْل لِأَنَّهَا مِنْ اللَّه جَزَاء لِلْعَاصِي عَلَى الْمَعْصِيَة . فَهُمَا وَإِنْ اتَّفَقَ لَفْظَاهُمَا مُخْتَلِفًا الْمَعْنَى . وَكَذَلِكَ قَوْله : { فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ } [2 194 ]فَالْعُدْوَان الْأَوَّل ظُلْم , وَالثَّانِي جَزَاء لَا ظُلْم , بَلْ هُوَ عَدْل ; لِأَنَّهُ عُقُوبَة لِلظَّالِمِ عَلَى ظُلْمه وَإِنْ وَافَقَ لَفْظه لَفْظ الْأَوَّل . وَإِلَى هَذَا الْمَعْنَى وَجَّهُوا كُلّ مَا فِي الْقُرْآن مِنْ نَظَائِر ذَلِكَ مِمَّا هُوَ خَبَر عَنْ مَكْر اللَّه جَلَّ وَعَزَّ بِقَوْمٍ , وَمَا أَشَبَه ذَلِكَ . وَقَالَ آخَرُونَ : إنَّ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ اللَّه جَلَّ وَعَزَّ أَخْبَرَ عَنْ الْمُنَافِقِينَ أَنَّهُمْ إذَا خَلَوْا إلَى مَرَدَتهمْ قَالُوا : إنَّا مَعَكُمْ عَلَى دِينكُمْ فِي تَكْذِيب مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا جَاءَ بِهِ , وَإِنَّمَا نَحْنُ بِمَا نُظْهِر لَهُمْ مِنْ قَوْلنَا لَهُمْ صَدَّقْنَا بِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام وَمَا جَاءَ بِهِ مُسْتَهْزِئُونَ . يَعْنُونَ : إنَّا نُظْهِر لَهُمْ مَا هُوَ عِنْدنَا بَاطِل لَا حَقّ وَلَا هُدًى . قَالُوا : وَذَلِكَ هُوَ مَعْنًى مِنْ مَعَانِي الِاسْتِهْزَاء . فَأَخْبَرَ اللَّه أَنَّهُ يَسْتَهْزِئ بِهِمْ فَيَظْهَر لَهُمْ مِنْ أَحْكَامه فِي الدُّنْيَا خِلَاف الَّذِي لَهُمْ عِنْده فِي الْآخِرَة , كَمَا أَظَهَرُوا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُؤْمِنِينَ فِي الدِّين مَا هُمْ عَلَى خِلَافه فِي سَرَائِرهمْ . وَالصَّوَاب فِي ذَلِكَ مِنْ الْقَوْل وَالتَّأْوِيل عِنْدنَا , أَنَّ مَعْنَى الِاسْتِهْزَاء فِي كَلَام الْعَرَب : إظْهَار الْمُسْتَهْزِئ لِلْمُسْتَهْزَإِ بِهِ مِنْ الْقَوْل وَالْفِعْل مَا يُرْضِيه وَيُوَافِقهُ ظَاهِرًا , وَهُوَ بِذَلِكَ مِنْ قَيْله وَفِعْله بِهِ مُوَرِّثه مُسَاءَة بَاطِنًا , وَكَذَلِكَ مَعْنَى الْخِدَاع وَالسُّخْرِيَة وَالْمَكْر . وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , وَكَانَ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَدْ جَعَلَ لِأَهْلِ النِّفَاق فِي الدُّنْيَا مِنْ الْأَحْكَام بِمَا أَظَهَرُوا بِأَلْسِنَتِهِمْ مِنْ الْإِقْرَار بِاَللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَبِمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْد اللَّه الْمُدْخِل لَهُمْ فِي عِدَاد مَنْ يَشْمَلهُ اسْم الْإِسْلَام وَإِنْ كَانُوا لِغَيْرِ ذَلِكَ مُسْتَبْطِنِينَ مِنْ أَحْكَام الْمُسْلِمِينَ الْمُصَدِّقِينَ إقْرَارهمْ بِأَلْسِنَتِهِمْ بِذَلِكَ بِضَمَائِر قُلُوبهمْ وَصَحَائِح عَزَائِمهمْ وَحَمِيد أَفْعَالهمْ الْمُحَقِّقَة لَهُمْ صِحَّة إيمَانهمْ , مَعَ عِلْم اللَّه عَزَّ وَجَلَّ بِكَذِبِهِمْ , وَاطِّلَاعه عَلَى خُبْث اعْتِقَادهمْ وَشَكّهمْ فِيمَا ادَّعَوْا بِأَلْسِنَتِهِمْ أَنَّهُمْ مُصَدِّقُونَ حَتَّى ظَنُّوا فِي الْآخِرَة إذْ حُشِرُوا فِي عِدَاد مَنْ كَانُوا فِي عِدَادهمْ فِي الدُّنْيَا أَنَّهُمْ وَارِدُونَ مَوْرِدهمْ وَدَاخِلُونَ مَدْخَلهمْ , وَاَللَّه جَلَّ جَلَاله مَعَ إظْهَاره مَا قَدْ أَظَهَرَ لَهُمْ مِنْ الْأَحْكَام لِمُلْحَقَتِهِمْ فِي عَاجِل الدُّنْيَا وَآجِل الْآخِرَة إلَى حَال تَمْيِيزه بَيْنهمْ وَبَيْن أَوْلِيَائِهِ وَتَفْرِيقه بَيْنهمْ وَبَيْنهمْ ; مُعَدٍّ لَهُمْ مِنْ أَلِيم عِقَابه وَنَكَال عَذَابه مَا أَعَدَّ مِنْهُ لِأَعْدَى أَعْدَائِهِ وَأَشَرّ عِبَاده , حَتَّى مَيَّزَ بَيْنهمْ وَبَيْن أَوْلِيَائِهِ فَأَلْحَقَهُمْ مِنْ طَبَقَات جَحِيمه بِالدَّرْكِ الْأَسْفَل . كَانَ مَعْلُومًا أَنَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِذَلِكَ مِنْ فِعْله بِهِمْ , وَإِنْ كَانَ جَزَاء لَهُمْ عَلَى أَفْعَالهمْ وَعَدْلًا مَا فَعَلَ مِنْ ذَلِكَ بِهِمْ لِاسْتِحْقَاقِهِمْ إيَّاهُ مِنْهُ بِعِصْيَانِهِمْ لَهُ كَانَ بِهِمْ بِمَا أَظَهَرَ لَهُمْ مِنْ الْأُمُور الَّتِي أَظْهَرَهَا لَهُمْ مِنْ إلْحَاقه أَحْكَامهمْ فِي الدُّنْيَا بِأَحْكَامِ أَوْلِيَائِهِ وَهُمْ لَهُ أَعْدَاء , وَحَشْره إيَّاهُمْ فِي الْآخِرَة مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَهُمْ بِهِ مِنْ الْمُكَذِّبِينَ إلَى أَنْ مَيَّزَ بَيْنهمْ وَبَيْنهمْ , مُسْتَهْزِئًا وَسَاخِرًا وَلَهُمْ خَادِعًا وَبِهِمْ مَاكِرًا . إذْ كَانَ مَعْنَى الِاسْتِهْزَاء وَالسُّخْرِيَة وَالْمَكْر وَالْخَدِيعَة مَا وَصَفْنَا قَبْل , دُون أَنْ يَكُون ذَلِكَ مَعْنَاهُ فِي حَال فِيهَا الْمُسْتَهْزِئ بِصَاحِبِهِ لَهُ ظَالِم أَوْ عَلَيْهِ فِيهَا غَيْر عَادِل , بَلْ ذَلِكَ مَعْنَاهُ فِي كُلّ أَحْوَاله إذَا وُجِدَتْ الصِّفَات الَّتِي قَدَّمْنَا ذِكْرهَا فِي مَعْنَى الِاسْتِهْزَاء وَمَا أَشَبَهه مِنْ نَظَائِره . وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِيهِ رُوِيَ الْخَبَر عَنْ ابْن عَبَّاس . 307 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ , قَالَ : حَدَّثَنَا عُثْمَان بْن سَعِيد , قَالَ : حَدَّثَنَا بِشْر بْن عَمَّار عَنْ أَبِي رَوْق , عَنْ الضَّحَّاك , عَنْ ابْن عَبَّاس فِي قَوْله : { اللَّه يَسْتَهْزِئ بِهِمْ } قَالَ : (يَسْخَر بِهِمْ لِلنِّقْمَةِ مِنْهُمْ . )وَأَمَّا الَّذِينَ زَعَمُوا أَنَّ قَوْل اللَّه تَعَالَى ذِكْره : { اللَّه يَسْتَهْزِئ بِهِمْ } إنَّمَا هُوَ عَلَى وَجْه الْجَوَاب , وَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ اللَّه اسْتِهْزَاء وَلَا مَكْر وَلَا خَدِيعَة ; فَنَافُونَ عَلَى اللَّه عَزَّ وَجَلَّ مَا قَدْ أَثَبَتَهُ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ لِنَفْسِهِ وَأَوْجَبَهُ لَهَا . وَسَوَاء قَالَ قَائِل : لَمْ يَكُنْ مِنْ اللَّه جَلَّ ذِكْره اسْتِهْزَاء وَلَا مَكْر وَلَا خَدِيعَة وَلَا سُخْرِيَة بِمِنْ أَخْبَرَ أَنَّهُ يَسْتَهْزِئ وَيَسْخَر وَيَمْكُر بِهِ , أَوْ قَالَ : لَمْ يَخْسِف اللَّه بِمَنْ أَخْبَرَ أَنَّهُ خَسَفَ بِهِ مِنْ الْأُمَم , وَلَمْ يُغْرِق مَنْ أَخْبَرَ أَنَّهُ أَغْرَقَهُ مِنْهُمْ . وَيُقَال لِقَائِلِ ذَلِكَ : إنَّ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَخْبَرَنَا أَنَّهُ مَكَرَ بِقَوْمِ مَضَوْا قَبْلنَا لَمْ نَرَهُمْ , وَأَخْبَرَ عَنْ آخَرِينَ أَنَّهُ خَسَفَ بِهِمْ , وَعَنْ آخَرِينَ أَنَّهُ أَغْرَقَهُمْ , فَصَدَّقْنَا اللَّه تَعَالَى ذِكْره فِيمَا أَخْبَرَنَا بِهِ مِنْ ذَلِكَ , وَلَمْ نُفَرِّق بَيْن شَيْء مِنْهُ , فَمَا بُرْهَانك عَلَى تَفْرِيقك مَا فَرَّقْت بَيْنه بِزَعْمِك أَنَّهُ قَدْ أَغْرَقَ وَخَسَفَ بِمِنْ أَخْبَرَ أَنَّهُ أَغْرَقَ وَخَسَفَ بِهِ , وَلَمْ يَمْكُر بِهِ أَخْبَرَ أَنَّهُ قَدْ مَكَرَ بِهِ ؟ ثُمَّ نَعْكِس الْقَوْل عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ فَلَنْ يَقُول فِي أَحَدهمَا شَيْئًا إلَّا أُلْزِمَ فِي الْآخَر مِثْله . فَإِنْ لَجَأَ إلَى أَنْ يَقُول إنَّ الِاسْتِهْزَاء عَبَث وَلَعِب , وَذَلِكَ عَنْ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ مَنْفِيّ . قِيلَ لَهُ : إنْ كَانَ الْأَمْر عِنْدك عَلَى مَا وَصَفْت مِنْ مَعْنَى الِاسْتِهْزَاء , أَفَلَسْت تَقُول : { اللَّه يَسْتَهْزِئ بِهِمْ } وَسَخِرَ اللَّه مِنْهُمْ وَمَكَرَ اللَّه بِهِمْ , وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ اللَّه عِنْدك هُزْء وَلَا سُخْرِيَة ؟ فَإِنْ قَالَ : | لَا | كَذَّبَ بِالْقُرْآنِ وَخَرَجَ عَنْ مِلَّة الْإِسْلَام , وَإِنْ قَالَ : | بَلَى | , قِيلَ لَهُ : أَفَتَقُول مِنْ الْوَجْه الَّذِي قُلْت : { اللَّه يَسْتَهْزِئ بِهِمْ } وَسَخِرَ اللَّه مِنْهُمْ ; يَلْعَب اللَّه بِهِمْ وَيَعْبَث , وَلَا لَعِب مِنْ اللَّه وَلَا عَبَث ؟ فَإِنْ قَالَ : | نَعَمْ | , وَصَفَ اللَّه بِمَا قَدْ أَجَمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى نَفِيه عَنْهُ وَعَلَى تَخْطِئَة وَاصِفه بِهِ , وَأَضَافَ إلَيْهِ مَا قَدْ قَامَتْ الْحُجَّة مِنْ الْعُقُول عَلَى ضَلَال مُضِيفه إلَيْهِ . وَإِنْ قَالَ : لَا أَقُول يَلْعَب اللَّه بِهِ وَلَا يَعْبَث , وَقَدْ أَقُول يَسْتَهْزِئ بِهِمْ وَيَسْخَر مِنْهُمْ ; قِيلَ : فَقَدْ فَرَّقْت بَيْن مَعْنَى اللَّعِب , وَالْعَبَث , وَالْهُزْء , وَالسُّخْرِيَة , وَالْمَكْر , وَالْخَدِيعَة . وَمِنْ الْوَجْه الَّذِي جَازَ قِيلَ هَذَا وَلَمْ يَجُزْ قِيلَ هَذَا افْتَرَقَ مَعْنَيَاهُمَا , فَعُلِمَ أَنَّ لِكُلِّ وَاحِد مِنْهُمَا مَعْنًى غَيْر مَعْنَى الْآخَر . وَلِلْكَلَامِ فِي هَذَا النَّوْع مَوْضِع غَيْر هَذَا كَرِهْنَا إطَالَة الْكِتَاب بِاسْتِقْصَائِهِ , وَفِيمَا ذَكَرْنَا كِفَايَة لِمَنْ وُفِّقَ لِفَهْمِهِ .|وَيَمُدُّهُمْ|الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَيَمُدّهُمْ } </subtitle>قَالَ أَبُو جَعْفَر : اخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي تَأْوِيل قَوْله { وَيَمُدّهُمْ } فَقَالَ بَعْضهمْ بِمَا : 308 - حَدَّثَنِي بِهِ مُوسَى بْن هَارُونَ , قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرو , قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ فِي خَبَر ذَكَرَهُ عَنْ أَبِي مَالِك , وَعَنْ أَبِي صَالِح , عَنْ ابْن عَبَّاس , وَعَنْ مُرَّة , عَنْ ابْن مَسْعُود , وَعَنْ نَاس مِنْ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { يَمُدّهُمْ } : يُمْلِي لَهُمْ . وَقَالَ آخَرُونَ بِمَا : 309 - حَدَّثَنِي بِهِ الْمُثَنَّى بْن إبْرَاهِيم , قَالَ : حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْن نَصْر , عَنْ ابْن الْمُبَارَك , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ , قِرَاءَة عَنْ مُجَاهِد : { يَمُدّهُمْ } قَالَ : يَزِيدهُمْ . وَكَانَ بَعْض نَحْوِيِّي الْبَصْرَة يَتَأَوَّل ذَلِكَ أَنَّهُ بِمَعْنَى : يَمُدّ لَهُمْ , وَيَزْعُم أَنَّ ذَلِكَ نَظِير قَوْل الْعَرَب : الْغُلَام يَلْعَب الْكِعَاب , يُرَاد بِهِ يَلْعَب بِالْكِعَابِ . قَالَ : وَذَلِكَ أَنَّهُمْ قَدْ يَقُولُونَ قَدْ مَدَدْت لَهُ وَأَمْدَدْت لَهُ فِي غَيْر هَذَا الْمَعْنَى , وَهُوَ قَوْل اللَّه : { وَأَمْدَدْنَاهُمْ } [52 22 ]وَهَذَا مِنْ أَمَدَدْنَاهُمْ , قَالَ : وَيُقَال قَدْ مَدَّ الْبَحْر فَهُوَ مَادّ , وَأَمَدَّ الْجُرْح فَهُوَ مُمِدّ . وَحُكِيَ عَنْ يُونُس الْجَرْمِيّ أَنَّهُ كَانَ يَقُول : مَا كَانَ مِنْ الشَّرّ فَهُوَ | مَدَدْت | , وَمَا كَانَ مِنْ الْخَيْر فَهُوَ | أَمَدَدْت | . ثُمَّ قَالَ : وَهُوَ كَمَا فَسَّرْت لَك إذَا أَرَدْت أَنَّك تَرَكْته فَهُوَ مَدَدْت لَهُ , وَإِذَا أَرَدْت أَنَّك أَعْطَيْته قُلْت : أَمَدَدْت . وَأَمَّا بَعْض نَحْوِيِّي الْكُوفَة فَإِنَّهُ كَانَ يَقُول : كُلّ زِيَادَة حَدَثَتْ فِي الشَّيْء مِنْ نَفْسه فَهُوَ | مَدَدْت | بِغَيْرِ أَلِف , كَمَا تَقُول : مَدَّ النَّهَر , وَمَدَّهُ نَهَر آخَر غَيْره : إذَا اتَّصَلَ بِهِ فَصَارَ مِنْهُ . وَكُلّ زِيَادَة أُحْدِثَتْ فِي الشَّيْء مِنْ غَيْره فَهُوَ بِأَلِفٍ , كَقَوْلِك : | أَمَدَّ الْجُرْح | , لِأَنَّ الْمُدَّة مِنْ غَيْر الْجُرْح , وَأَمْدَدْت الْجَيْش بِمَدَدٍ . وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَال بِالصَّوَابِ فِي قَوْله : { وَيَمُدّهُمْ } أَنْ يَكُون بِمَعْنَى يَزِيدهُمْ , عَلَى وَجْه الْإِمْلَاء وَالتَّرْك لَهُمْ فِي عُتُوّهُمْ وَتَمَرُّدهمْ , كَمَا وَصَفَ رَبّنَا أَنَّهُ فَعَلَ بِنُظَرَائِهِمْ فِي قَوْله : { وَنُقَلِّب أَفْئِدَتهمْ وَأَبْصَارهمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّل مَرَّة وَنَذَرهُمْ فِي طُغْيَانهمْ يَعْمَهُونَ } [6 110 ]يَعْنِي نَذَرهُمْ وَنَتْرُكهُمْ فِيهِ وَنُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إثْمًا إلَى إثْمهمْ . وَلَا وَجْه لِقَوْلِ مَنْ قَالَ ذَلِكَ بِمَعْنَى | يَمُدّ لَهُمْ | لِأَنَّهُ لَا تَدَافُع بَيْن الْعَرَب وَأَهْل الْمَعْرِفَة بِلُغَتِهَا أَنَّ يَسْتَجِيزُوا قَوْل الْقَائِل : مَدَّ النَّهَر نَهَر آخَر , بِمَعْنَى : اتَّصَلَ بِهِ فَصَارَ زَائِدًا مَاء الْمُتَّصِل بِهِ بِمَاءِ الْمُتَّصِل مِنْ غَيْر تَأَوُّل مِنْهُمْ , ذَلِكَ أَنَّ مَعْنَاهُ مَدَّ النَّهَر نَهَر آخَر , فَكَذَلِكَ ذَلِكَ فِي قَوْل اللَّه : { وَيَمُدّهُمْ فِي طُغْيَانهمْ يَعْمَهُونَ } |فِي طُغْيَانِهِمْ|الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فِي طُغْيَانهمْ } </subtitle>قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَالطُّغْيَان الْفِعْلَانِ , مِنْ قَوْلك : طَغَى فُلَان يَطْغَى طُغْيَانًا إذَا تَجَاوَزَ فِي الْأَمْر حَدّه فَبَغَى . وَمِنْهُ قَوْله اللَّه : { كَلَّا إنَّ الْإِنْسَان لَيَطْغَى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى } [96 6 : 7 ]أَيْ يَتَجَاوَز حَدّه . وَمِنْهُ قَوْل أُمَيَّة بْن أَبِي الصَّلْت : <br>وَدَعَا اللَّه دَعْوَة لَات هَنَّا .......... بَعْد طُغْيَانه فَظَلَّ مُشِيرًا <br>وَإِنَّمَا عَنَى اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : { وَيَمُدّهُمْ فِي طُغْيَانهمْ } أَنَّهُ يُمْلِي لَهُمْ وَيَذَرهُمْ يَبْغُونَ فِي ضَلَالهمْ وَكُفْرهمْ حَيَارَى يَتَرَدَّدُونَ . كَمَا : 310 - حُدِّثْت عَنْ المنجاب , قَالَ : حَدَّثَنَا بِشْر , عَنْ أَبِي رَوْق , عَنْ الضَّحَّاك , عَنْ ابْن عَبَّاس فِي قَوْله : { فِي طُغْيَانهمْ يَعْمَهُونَ } قَالَ : فِي كُفْرهمْ يَتَرَدَّدُونَ . 311 - وَحَدَّثَنِي مُوسَى بْن هَارُونَ , قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرو , قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ فِي خَبَر ذَكَرَهُ , عَنْ أَبِي مَالِك , وَعَنْ أَبِي صَالِح , عَنْ ابْن عَبَّاس , وَعَنْ مُرَّة , عَنْ ابْن مَسْعُود , وَعَنْ نَاس مِنْ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { فِي طُغْيَانهمْ } : فِي كُفْرهمْ . 312 - وَحَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيد بْن زُرَيْع , عَنْ سَعِيد , عَنْ قَتَادَةَ : { فِي طُغْيَانهمْ يَعْمَهُونَ } أَيْ فِي ضَلَالَتهمْ يَعْمَهُونَ . 313 - وَحُدِّثْت عَنْ عَمَّار بْن الْحَسَن , قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع : { فِي طُغْيَانهمْ } فِي ضَلَالَتهمْ . 314 - وَحَدَّثَنَا يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد فِي قَوْله : { فِي طُغْيَانهمْ } قَالَ : طُغْيَانهمْ , كُفْرهمْ وَضَلَالَتهمْ .|يَعْمَهُونَ|الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { يَعْمَهُونَ } </subtitle>قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَالْعَمَه نَفْسه : الضَّلَال , يُقَال مِنْهُ : عَمِهَ فُلَان يَعْمَه عَمَهَانًا وَعُمُوهًا : إذَا ضَلَّ . وَمِنْهُ قَوْل رُؤْبَة بْن الْعَجَّاج يَصِف مَضَلَّة مِنْ المهامه : <br>وَمُخْفِق مِنْ لُهْلُهٍ وَلُهْلُهِ .......... مِنْ مَهْمَه يَجْتَبْنَهُ فِي مَهْمَه <br><br>أَعْمَى الْهُدَى بِالْجَاهِلِينَ الْعُمَّه <br>وَالْعُمَّه : جَمْع عَامه , وَهُمْ الَّذِينَ يَضِلُّونَ فِيهِ فَيَتَحَيَّرُونَ . فَمَعْنَى قَوْله جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { وَيَمُدّهُمْ فِي طُغْيَانهمْ يَعْمَهُونَ } فِي ضَلَالهمْ وَكُفْرهمْ الَّذِي قَدْ غَمَرهمْ دَنَسه وَعَلَاهُمْ رِجْسه , يَتَرَدَّدُونَ حَيَارَى ضُلَّالًا لَا يَجِدُونَ إلَى الْمَخْرَج مِنْهُ سَبِيلًا ; لِأَنَّ اللَّه قَدْ طَبَعَ عَلَى قُلُوبهمْ وَخَتَمَ عَلَيْهَا , فَأَعْمَى أَبْصَارهمْ عَنْ الْهُدَى وَأَغْشَاهَا , فَلَا يُبْصِرُونَ رُشْدًا وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا . وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي | الْعَمَه | جَاءَ تَأْوِيل الْمُتَأَوِّلِينَ . 315 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْن هَارُونَ , قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرو , قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ فِي خَبَر ذَكَرَهُ عَنْ أَبِي مَالِك , وَعَنْ أَبِي صَالِح , عَنْ ابْن عَبَّاس , وَعَنْ مُرَّة , عَنْ ابْن مَسْعُود , وَعَنْ نَاس مِنْ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { يَعْمَهُونَ } : يَتَمَادَوْنَ فِي كُفْرهمْ . 316 - وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى بْن إبْرَاهِيم , قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , عَنْ مُعَاوِيَة بْن صَالِح عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ ابْن عَبَّاس : { يَعْمَهُونَ } قَالَ : يَتَمَادَوْنَ . 317 - وَحُدِّثْت عَنْ المنجاب , قَالَ : حَدَّثَنَا بِشْر , عَنْ أَبِي رَوْق , عَنْ الضَّحَّاك , عَنْ ابْن عَبَّاس فِي قَوْله { يَعْمَهُونَ } قَالَ : يَتَرَدَّدُونَ . 318 - وَحَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ , قَالَ : قَالَ ابْن عَبَّاس : { يَعْمَهُونَ } : الْمُتَلَدِّد . 319 - وَحَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَمْرو الْبَاهِلِيّ , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى بْن مَيْمُون , قَالَ : حَدَّثَنَا ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْل اللَّه : { فِي طُغْيَانهمْ يَعْمَهُونَ } قَالَ : يَتَرَدَّدُونَ . * وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ حَدَّثَنَا شِبْل عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . * وَحَدَّثَنَا سُفْيَان بْن وَكِيع , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي , عَنْ سُفْيَان , عَنْ رَجُل , عَنْ مُجَاهِد مِثْله . * وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْن نَصْر عَنْ ابْن الْمُبَارَك , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ قِرَاءَة عَنْ مُجَاهِد مِثْله . 320 - وَحُدِّثْت عَنْ عَمَّار , قَالَ : حَدَّثَنَا ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع : { يَعْمَهُونَ } قَالَ : يَتَرَدَّدُونَ .

أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ

الْقَوْل فِي تَ<br>وِيل قَوْله تَعَالَى : { أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَة بِالْهُدَى } </subtitle>قَالَ أَبُو جَعْفَر : إنْ قَالَ قَائِل : وَكَيْفَ اشْتَرَى هَؤُلَاءِ الْقَوْم الضَّلَالَة بِالْهُدَى , وَإِنَّمَا كَانُوا مُنَافِقِينَ لَمْ يَتَقَدَّم نِفَاقهمْ إيمَان فَيُقَال فِيهِمْ بَاعُوا هُدَاهُمْ الَّذِي كَانُوا عَلَيْهِ بِضَلَالَتِهِمْ حَتَّى اسْتَبْدَلُوهَا مِنْهُ ؟ وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ مَعْنَى الشِّرَاء الْمَفْهُوم اعْتِيَاض شَيْء بِبَذْلِ شَيْء مَكَانه عِوَضًا مِنْهُ , وَالْمُنَافِقُونَ الَّذِينَ وَصَفَهُمْ اللَّه بِهَذِهِ الصِّفَة لَمْ يَكُونُوا قَطّ عَلَى هُدًى فَيَتْرُكُوهُ وَيَعْتَاضُوا مِنْهُ كُفْرًا وَنِفَاقًا ؟ قِيلَ : قَدْ اخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي مَعْنَى ذَلِكَ , فَنَذْكُر مَا قَالُوا فِيهِ , ثُمَّ نُبَيِّن الصَّحِيح مِنْ التَّأْوِيل فِي ذَلِكَ إنْ شَاءَ اللَّه . 321 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن حُمَيْدٍ , قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَة بْن الْفَضْل , عَنْ مُحَمَّد بْن إسْحَاق , عَنْ مُحَمَّد بْن أَبِي مُحَمَّد مَوْلَى زَيْد بْن ثَابِت , عَنْ عِكْرِمَة , أَوْ عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ ابْن عَبَّاس : { أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوْا الضَّلَالَة بِالْهُدَى } أَيْ الْكُفْر بِالْإِيمَانِ . 322 - وَحَدَّثَنِي مُوسَى بْن هَارُونَ , قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرو , قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ فِي خَبَر ذَكَرَهُ عَنْ أَبِي مَالِك , وَعَنْ أَبِي صَالِح , عَنْ ابْن عَبَّاس , وَعَنْ مُرَّة , عَنْ ابْن مَسْعُود , وَعَنْ نَاس مِنْ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوْا الضَّلَالَة بِالْهُدَى } يَقُول أَخَذُوا الضَّلَالَة وَتَرَكُوا الْهُدَى . 323 - وَحَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيد , عَنْ سَعِيد , عَنْ قَتَادَةَ : { أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوْا الضَّلَالَة بِالْهُدَى } : اسْتَحَبُّوا الضَّلَالَة عَلَى الْهُدَى . 324 - وَحَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى بْن مَيْمُون , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْله : { أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوْا الضَّلَالَة بِالْهُدَى } آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا . * وَحَدَّثَنَا الْمُثَنَّى , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْل , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد مِثْله . قَالَ أَبُو جَعْفَر : فَكَأَنَّ الَّذِينَ قَالُوا فِي تَأْوِيل ذَلِكَ : أَخَذُوا الضَّلَالَة وَتَرَكُوا الْهُدَى , وَجَّهُوا مَعْنَى الشِّرَاء إلَى أَنَّهُ أَخَذَ الْمُشْتَرِي مَكَان الثَّمَن الْمُشْتَرَى بِهِ , فَقَالُوا : كَذَلِكَ الْمُنَافِق وَالْكَافِر قَدْ أَخَذَا مَكَان الْإِيمَان الْكُفْر , فَكَانَ ذَلِكَ مِنْهُمَا شِرَاء لِلْكُفْرِ وَالضَّلَالَة اللَّذَيْنِ أَخْذَاهُمَا بِتَرْكِهِمَا مَا تَرَكَا مِنْ الْهُدَى , وَكَانَ الْهُدَى الَّذِي تَرَكَاهُ هُوَ الثَّمَن الَّذِي جَعَلَاهُ عِوَضًا مِنْ الضَّلَالَة الَّتِي أَخَذَاهَا وَأَمَّا الَّذِينَ تَأَوَّلُوا أَنَّ مَعْنَى قَوْله : | اشْتَرَوْا | : | اسْتَحَبُّوا | , فَإِنَّهُمْ لَمَّا وَجَدُوا اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَدْ وَصَفَ الْكُفَّار فِي مَوْضِع آخَر فَنَسَبَهُمْ إلَى اسْتِحْبَابهمْ الْكُفْر عَلَى الْهُدَى , فَقَالَ : { وَأَمَّا ثَمُود فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى } [41 17 ]صَرَفُوا قَوْله : { اشْتَرَوْا الضَّلَالَة بِالْهُدَى } إلَى ذَلِكَ وَقَالُوا : قَدْ تَدْخُل الْبَاء مَكَان | عَلَى | , و | عَلَى | مَكَان الْبَاء , كَمَا يُقَال : مَرَرْت بِفُلَانٍ وَمَرَرْت عَلَى فُلَان بِمَعْنَى وَاحِد , وَكَقَوْلِ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { وَمِنْ أَهْل الْكِتَاب مَنْ إنْ تَأْمَنهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إلَيْك } [3 75 ]أَيْ : عَلَى قِنْطَار . فَكَانَ تَأْوِيل الْآيَة عَلَى مَعْنَى هَؤُلَاءِ : أُولَئِكَ الَّذِينَ اخْتَارُوا الضَّلَالَة عَلَى الْهُدَى . وَأَرَاهُمْ وَجَّهُوا مَعْنَى قَوْل اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { اشْتَرَوْا } إلَى مَعْنَى | اخْتَارُوا | , لِأَنَّ الْعَرَب تَقُول : اشْتَرَيْت كَذَا عَلَى كَذَا , و | اشْتَرَيْته | يَعْنُونَ اخْتَرْته عَلَيْهِ . وَمِنْ الِاشْتِرَاء قَوْل أَعْشَى بَنِي ثَعْلَبَة : <br>فَقَدْ أُخْرِجَ الْكَاعِب الْمُشْتَرَا .......... ةَ مِنْ خِدْرهَا وَأُشْيِعُ الْقِمَارَا <br>يَعْنِي بِالْمُشْتَرَاةِ : الْمُخْتَارَة . وَقَالَ ذُو الرِّمَّة فِي الِاشْتِرَاء بِمَعْنَى الِاخْتِيَار : <br>يَذُبّ الْقَصَايَا عَنْ شَرَاة كَأَنَّهَا .......... جَمَاهِير تَحْت الْمُدْجِنَات الْهَوَاضب ش يَعْنِي بْالشَّرَاة : الْمُخْتَارَة . وَقَالَ آخَر فِي مِثْل ذَلِكَ : <br>إنَّ الشَّرَاة رَوْقَة الْأَمْوَال /و وَحَزْرَة الْقَلْب خِيَار الْمَال <br>قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَهَذَا وَإِنْ كَانَ وَجْهًا مِنْ التَّأْوِيل فَلَسْت لَهُ بِمُخْتَارٍ لِأَنَّ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَالَ { فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتهمْ } فَدَلَّ بِذَلِكَ عَلَى أَنَّ مَعْنَى قَوْله { أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوْا الضَّلَالَة بِالْهُدَى } مَعْنَى الشِّرَاء الَّذِي يَتَعَارَفهُ النَّاس مِنْ اسْتِبْدَال شَيْء مَكَان شَيْء وَأَخْذ عِوَض عَلَى عِوَض . وَأَمَّا الَّذِينَ قَالُوا : إنَّ الْقَوْم كَانُوا مُؤْمِنِينَ وَكَفَرُوا , فَإِنَّهُ لَا مُؤْنَة عَلَيْهِمْ لَوْ كَانَ الْأَمْر عَلَى مَا وَصَفُوا بِهِ الْقَوْم , لِأَنَّ الْأَمْر إذَا كَانَ كَذَلِكَ فَقَدْ تَرَكُوا الْإِيمَان , وَاسْتَبْدَلُوا بِهِ الْكُفْر عِوَضًا مِنْ الْهُدَى . وَذَلِكَ هُوَ الْمَعْنَى الْمَفْهُوم مِنْ مَعَانِي الشِّرَاء وَالْبَيْع , وَلَكِنْ دَلَائِل أَوَّل الْآيَات فِي نُعُوتهمْ إلَى آخِرهَا دَالَّة عَلَى أَنَّ الْقَوْم لَمْ يَكُونُوا قَطّ اسْتَضَاءُوا بِنُورِ الْإِيمَان وَلَا دَخَلُوا فِي مِلَّة الْإِسْلَام , أَوْ مَا تَسْمَع اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ مِنْ لَدُنْ ابْتَدَأَ فِي نَعْتهمْ إلَى أَنْ أَتَى عَلَى صِفَّتهمْ إنَّمَا وَصَفَهُمْ بِإِظْهَارِ الْكَذِب بِأَلْسِنَتِهِمْ بِدَعْوَاهُمْ التَّصْدِيق بِنَبِيِّنَا مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِمَا جَاءَ بِهِ , خِدَاعًا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ عِنْد أَنْفُسهمْ وَاسْتِهْزَاء فِي نَفُوسهمْ بِالْمُؤْمِنِينَ , وَهُمْ لِغَيْرِ مَا كَانُوا يُظْهِرُونَ مُسْتَبْطِنُونَ , لِقَوْلِ اللَّه جَلَّ جَلَاله : { وَمِنْ النَّاس مِنْ يَقُول آمَنَّا بِاَللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِر وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ } ثُمَّ اقْتَصَّ قَصَصهمْ إلَى قَوْله : { أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوْا الضَّلَالَة بِالْهُدَى } فَأَيْنَ الدَّلَالَة عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ فَكَفَرُوا ؟ . فَإِنْ كَانَ قَائِل هَذِهِ الْمَقَالَة ظَنَّ أَنَّ قَوْله : { أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوْا الضَّلَالَة بِالْهُدَى } هُوَ الدَّلِيل عَلَى أَنَّ الْقَوْم قَدْ كَانُوا عَلَى الْإِيمَان فَانْتَقَلُوا عَنْهُ إلَى الْكُفْر , فَلِذَلِكَ قِيلَ لَهُمْ : اشْتَرَوْا ; فَإِنَّ ذَلِكَ تَأْوِيل غَيْر مُسَلَّم لَهُ , إذْ كَانَ الِاشْتِرَاء عِنْد مُخَالِفِيهِ قَدْ يَكُون أَخْذ شَيْء بِتَرْكِ آخَر غَيْره , وَقَدْ يَكُون بِمَعْنَى الِاخْتِيَار وَبِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمَعَانِي . وَالْكَلِمَة إذَا احْتَمَلَتْ وُجُوهًا لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ صَرْف مَعْنَاهَا إلَى بَعْض وُجُوههَا دُون بَعْض إلَّا بِحَجَّةِ يَجِبُ التَّسْلِيم لَهَا . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَاَلَّذِي هُوَ أَوْلَى عِنْدِي بِتَأْوِيلِ الْآيَة مَا رَوَيْنَا عَنْ ابْن عَبَّاس وَابْن مَسْعُود مِنْ تَأْوِيلهمَا قَوْله : { اشْتَرَوْا الضَّلَالَة بِالْهُدَى } أَخَذُوا الضَّلَالَة وَتَرَكُوا الْهُدَى . وَذَلِكَ أَنَّ كُلّ كَافِر بِاَللَّهِ فَإِنَّهُ مُسْتَبْدِل بِالْإِيمَانِ كُفْرًا بِاكْتِسَابِهِ الْكُفْر الَّذِي وُجِدَ مِنْهُ بَدَلًا مِنْ الْإِيمَان الَّذِي أُمِرَ بِهِ . أَوْ مَا تَسْمَع اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ يَقُول فِيمَنْ اكْتَسَبَ كُفْرًا بِهِ مَكَان الْإِيمَان بِهِ وَبِرَسُولِهِ : { وَمَنْ يَتَبَدَّل الْكُفْر بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السَّبِيل } [2 108 ]وَذَلِكَ هُوَ مَعْنَى الشِّرَاء , لِأَنَّ كُلّ مُشْتَرٍ شَيْئًا فَإِنَّمَا يَسْتَبْدِل مَكَان الَّذِي يُؤْخَذ مِنْهُ مِنْ الْبَدَل آخَر بَدَلًا مِنْهُ , فَكَذَلِكَ الْمُنَافِق وَالْكَافِر اسْتَبْدَلَا بِالْهُدَى الضَّلَالَة وَالنِّفَاق , فَأَضَلَّهُمَا اللَّه وَسَلَبَهُمَا نُور الْهُدَى فَتَرَك جَمِيعهمْ فِي ظُلُمَات لَا يُبْصِرُونَ .|فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ|الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتهمْ } </subtitle>قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَتَأْوِيل ذَلِكَ أَنَّ الْمُنَافِقِينَ بِشِرَائِهِمْ الضَّلَالَة بِالْهُدَى خَسِرُوا وَلَمْ يَرْبَحُوا , لِأَنَّ الرَّابِح مِنْ التُّجَّار الْمُسْتَبْدِل مِنْ سِلْعَته الْمَمْلُوكَة عَلَيْهِ بَدَلًا هُوَ أَنَفْس مِنْ سِلْعَته أَوْ أَفَضْل مِنْ ثَمَنهَا الَّذِي يَبْتَاعهَا بِهِ . فَأَمَّا الْمُسْتَبْدِل مِنْ سِلْعَته بَدَلًا دُونهَا وَدُون الثَّمَن الَّذِي يَبْتَاعهَا بِهِ فَهُوَ الْخَاسِر فِي تِجَارَته لَا شَكَّ . فَكَذَلِكَ الْكَافِر وَالْمُنَافِق لِأَنَّهُمَا اخْتَارَا الْحِيرَة وَالْعَمَى عَلَى الرَّشَاد وَالْهُدَى وَالْخَوْف وَالرُّعْب عَلَى الْحِفْظ وَالْأَمِن , فَاسْتُبْدِلَا فِي الْعَاجِل بِالرَّشَادِ الْحِيرَة , وَبِالْهُدَى الضَّلَالَة , وَبِالْحِفْظِ الْخَوْف , وَبِالْأَمْنِ الرُّعْب ; مَعَ مَا قَدْ أُعَدّ لَهُمَا فِي الْآجِل مِنْ أَلِيم الْعِقَاب وَشَدِيد الْعَذَاب , فَخَابَا وَخَسِرَا , ذَلِكَ هُوَ الْخَسْرَان الْمُبِين وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ كَانَ قَتَادَةَ يَقُول . 325 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيد بْن زُرَيْع , عَنْ سَعِيد , عَنْ قَتَادَةَ : { فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتهمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ } قَدْ وَاَللَّه رَأَيْتُمُوهُمْ خَرَجُوا مِنْ الْهُدَى إلَى الضَّلَالَة , وَمِنْ الْجَمَاعَة إلَى الْفُرْقَة , وَمِنْ الْأَمْن إلَى الْخَوْف , وَمِنْ السُّنَّة إلَى الْبِدْعَة . قَالَ أَبُو جَعْفَر : فَإِنْ قَالَ قَائِل : فَمَا وَجْه قَوْله : { فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتهمْ } وَهَلْ التِّجَارَة مِمَّا تَرْبَح أَوْ تَنْقُص فَيُقَال رَبِحَتْ أَوْ وَضَعَتْ ؟ قِيلَ : إنَّ وَجْه ذَلِكَ عَلَى غَيْر مَا ظَنَنْت ; وَإِنَّمَا مَعْنَى ذَلِكَ : فَمَا رَبِحُوا فِي تِجَارَتهمْ لَا فِيمَا اشْتَرَوْا وَلَا فِيمَا شَرَوْا . وَلَكِنَّ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ خَاطَبَ بِكِتَابِهِ عَرَبًا فَسَلَكَ فِي خِطَابه إيَّاهُمْ وَبَيَانه لَهُمْ مَسْلَك خِطَاب بَعْضهمْ بَعْضًا وَبَيَانهمْ الْمُسْتَعْمَل بَيْنهمْ . فَلَمَّا كَانَ فَصِيحًا لَدَيْهِمْ قَوْل الْقَائِل لِآخَر : خَابَ سَعْيك وَنَامَ لَيْلك , وَخَسِرَ بَيْعك , وَنَحْو ذَلِكَ مِنْ الْكَلَام الَّذِي لَا يَخْفَى عَلَى سَامِعه مَا يُرِيد قَائِله ; خَاطَبَهُمْ بِاَلَّذِي هُوَ فِي مَنْطِقهمْ مِنْ الْكَلَام فَقَالَ : { فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتهمْ } إذْ كَانَ مَعْقُولًا عِنْدهمْ أَنَّ الرِّبْح إنَّمَا هُوَ فِي التِّجَارَة كَمَا النُّوُم فِي اللَّيْل , فَاكْتَفَى بِفَهْمِ الْمُخَاطَبِينَ بِمَعْنَى ذَلِكَ عَنْ أَنْ يُقَال : فَمَا رَبِحُوا فِي تِجَارَتهمْ , وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مَعْنَاهُ , كَمَا قَالَ الشَّاعِر : <br>وَشَرّ الْمَنَايَا مَيِّت وَسْط أَهْله .......... كَهُلْكِ الْفَتَاة أَسْلَمَ الْحَيّ حَاضِره <br>يَعْنِي بِذَلِكَ : وَشَرّ الْمَنَايَا مُنْيَة مَيِّت وَسْط أَهْله ; فَاكْتَفَى بِفَهْمِ سَامِع قَيْله مُرَاده مِنْ ذَلِكَ عَنْ إظْهَار مَا تَرَكَ إظْهَاره وَكَمَا قَالَ رُؤْبَة بْن الْعَجَّاج : <br>حَارِث قَدْ فَرَّجْت عَنِّي هَمِّي .......... فَنَامَ لَيْلِي وَتَجَلَّى غَمِّي <br>فَوَصَفَ بِالنُّوُمِ اللَّيْل , وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي نَامَ . وَكَمَا قَالَ جَرِير بْن الْخَطَفِي : <br>وَأَعْوَر مِنْ نَبَهَانَ أَمَّا نَهَاره .......... فَأَعْمَى وَأَمَّا لَيْله فَبِصَيْرِ <br>فَأَضَافَ الْعَمَى وَالْإِبْصَار إلَى اللَّيْل وَالنَّهَار , وَمُرَاده وَصْف النبهاني بِذَلِكَ .|وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ|الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ } </subtitle>يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ } مَا كَانُوا رُشَدَاء فِي اخْتِيَارهمْ الضَّلَالَة عَلَى الْهُدَى , وَاسْتِبْدَالهمْ الْكُفْر بِالْإِيمَانِ , وَاشْتِرَائِهِمْ النِّفَاق بِالتَّصْدِيقِ وَالْإِقْرَار .

مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ

صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْلِهِ تَعَالَى : { صُمّ بُكْم عُمْي } </subtitle>قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَإِذْ كَانَ تَأْوِيل قَوْل اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُه : { ذَهَب اللَّه بِنُورِهِمْ وَتَرْكهِمْ فِي ظُلُمَات لَا يُبْصِروُن } هُوَ مَا وَصَفْنَا مِنْ أَنَّ ذَلِكَ خَبَر مِن اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُه عَمَّا هُو فَاعِل بِالْمُنَافِقِينَ فِي الْآخِرَة , عِنْد هَتْك أَسَتَارهِمْ , وَإِظْهَاره فَضَائِح أَسْرَارهِمْ , وَسَلْبه ضِيَاءَ أَنْوَارِهِمْ مِنْ تَرْكهمْ فِي ظُلْم أَهْوَال يَوْم الْقِيَامَة يَتَرَدَّدُونَ , وَفِي حَنَادِسهَا لا يُبْصِرُونَ ; فَبَيَّنَ أَنَّ قَوْله جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { صُمّ بُكْم عُمْي فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ } مِنْ الْمُؤَخَّر الَّذِي مَعْنَاهُ التَّقْدِيم , وَأَنَّ مَعْنَى الْكَلَام : أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوْا الضَّلَالَة بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتهمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ , صُمّ بُكْم عُمْي فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ ; مَثَلهمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْله ذَهَبَ اللَّه بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَات لَا يُبْصِرُونَ , أَوْ كَمَثَلِ صَيِّب مِنْ السَّمَاء . وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ مَعْنَى الْكَلَام , فَمَعْلُوم أَنَّ قَوْله : { صُمّ بُكْم عُمْي } يَأْتِيه الرَّفْع مِنْ وَجْهَيْنِ , وَالنَّصْب مِنْ وَجْهَيْنِ . فَأَمَّا أَحَد وَجْهَيْ الرَّفْع , فَعَلَى الِاسْتِئْنَاف لِمَا فِيهِ مِنْ الذَّمّ , وَقَدْ تَفْعَل الْعَرَب ذَلِكَ فِي الْمَدْح وَالذَّمّ , فَتُنْصَب وَتُرْفَع وَإِنْ كَانَ خَبَرًا عَنْ مَعْرِفَة , كَمَا قَالَ الشَّاعِر : <br>لَا يَبْعَدَنْ قَوْمِي الَّذِينَ هُمْ .......... سُمّ الْعُدَاة وَآفَة الْجُزُر <br><br>النَّازِلِينَ بِكُلِّ مُعْتَرَك .......... وَالطَّيِّبِينَ مَعَاقِد الْأُزْر <br>فَيُرْوَى : | النَّازِلُونَ وَالنَّازِلِينَ | ; وَكَذَلِكَ | الطَّيِّبُونَ وَالطَّيِّبِينَ | , عَلَى مَا وُصِفَتْ مِنْ الْمَدْح . وَالْوَجْه الْآخَر عَلَى نِيَّة التَّكْرِير مِنْ أُولَئِكَ , فَيَكُون الْمَعْنَى حِينَئِذٍ : { أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوْا الضَّلَالَة بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتهمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ } أُولَئِكَ { صُمّ بُكْم عُمْي فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ } . وَأَمَّا أَحَد وَجْهَيْ النَّصْب , فَإِنْ يَكُون قُطْعًا مِمَّا فِي | مُهْتَدِينَ | , مِنْ ذِكْر | أُولَئِكَ | , لِأَنَّ الَّذِي فِيهِ مِنْ ذِكْرهمْ مَعْرِفَة , وَالصُّمّ نَكِرَة . وَالْآخَر أَنْ يَكُون قَطْعًا مِنْ | الَّذِينَ | , لِأَنَّ | الَّذِينَ | مَعْرِفَة وَالصُّمّ نَكِرَة . وَقَدْ يَجُوز النَّصْب فِيهِ أَيْضًا عَلَى وَجْه الذَّمّ فَيَكُون ذَلِكَ وَجْهًا مِنْ النَّصْب ثَالِثًا . فَأَمَّا عَلَى تَأْوِيل مَا رَوَيْنَا عَنْ ابْن عَبَّاس مِنْ غَيْر وَجْه رِوَايَة عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة عَنْهُ , فَإِنَّهُ لَا يَجُوز فِيهِ الرَّفْع إلَّا مِنْ وَجْه وَاحِد وَهُوَ الِاسْتِئْنَاف . وَأَمَّا النَّصْب فَقَدْ يَجُوز فِيهِ مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدهمَا الذَّمّ , وَالْآخَر الْقَطْع مِنْ الْهَاء وَالْمِيم اللَّتَيْنِ فِي | تَرْكهمْ | , أَوْ مِنْ ذِكْرهمْ فِي | لَا يُبْصِرُونَ | . وَقَدْ بَيَّنَّا الْقَوْل الَّذِي هُوَ أَوْلَى بِالصَّوَابِ فِي تَأْوِيل ذَلِكَ . وَالْقِرَاءَة الَّتِي هِيَ الْقِرَاءَة الرَّفْع دُون النَّصْب لِأَنَّهُ لَيْسَ لِأَحَدِ خِلَاف رُسُوم مُصَاحَب الْمُسْلِمِينَ , وَإِذَا قُرِئَ نَصْبًا كَانَتْ قِرَاءَة مُخَالِفَة رَسْم مَصَاحِفهمْ قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَهَذَا خَبَر مِنْ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَنْ الْمُنَافِقِينَ , أَنَّهُمْ بِاشْتِرَائِهِمْ الضَّلَالَة بِالْهُدَى , لَمْ يَكُونُوا لِلْهُدَى وَالْحَقّ مُهْتَدِينَ , بَلْ هُمْ صُمّ عَنْهُمَا فَلَا يَسْمَعُونَهُمَا لِغَلَبَةِ خِذْلَان اللَّه عَلَيْهِمْ , بُكْم عَنْ الْقِيل بِهِمَا , فَلَا يَنْطِقُونَ بِهِمَا - وَالْبُكْم : الْخَرَس , وَهُوَ جَمْع أَبْكَم عَمَى عَنْ أَنْ يُبْصِرُوهُمَا فَيَعْقِلُوهُمَا ; لِأَنَّ اللَّه قَدْ طَبَعَ عَلَى قُلُوبهمْ بِنِفَاقِهِمْ فَلَا يَهْتَدُونَ . وَبِمِثْلِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ عُلَمَاء أَهْل التَّأْوِيل . 335 - حَدَّثَنَا عَبْد بْن حُمَيْدٍ , قَالَ : حَدَّثَنَا سَلْم ة , عَنْ مُحَمَّد بْن إسْحَاق , عَنْ مُحَمَّد بْن أَبِي مُحَمَّد مَوْلَى زَيْد بْن ثَابِت , عَنْ عِكْرِمَة أَوْ عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ ابْن عَبَّاس : ( { صُمّ بُكْم عُمْي } عَنْ الْخَيْر . )336 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى بْن إبْرَاهِيم , قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : حَدَّثَنِي مُعَاوِيَة بْن صَالِح عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ ابْن عَبَّاس : ( { صُمّ بُكْم عُمْي } يَقُول : لَا يَسْمَعُونَ الْهُدَى , وَلَا يُبْصِرُونَهُ وَلَا يَعْقِلُونَهُ . )337 - وَحَدَّثَنِي مُوسَى بْن هَارُونَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرو بْن حَمَّاد , قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاط عَنْ السُّدِّيّ فِي خَبَر ذَكَرَهُ عَنْ أَبِي مَالِك , وَعَنْ أَبِي صَالِح , عَنْ ابْن عَبَّاس , وَعَنْ مُرَّة عَنْ ابْن مَسْعُود وَعَنْ نَاس مِنْ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( { بُكْم } : هُمْ الْخُرْس . )338 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيد بْن زُرَيْع , عَنْ سَعِيد , عَنْ قَتَادَةَ قَوْله : ( { صُمّ بُكْم عُمْي } : صُمّ عَنْ الْحَقّ فَلَا يَسْمَعُونَهُ , عُمْي عَنْ الْحَقّ فَلَا يُبْصِرُونَهُ , بُكْم عَنْ الْحَقّ فَلَا يَنْطِقُونَ بِهِ .)|فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ|الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ } </subtitle>قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَقَوْله : { فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ } إخْبَار مِنْ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَنْ هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ نَعَتَهُمْ اللَّه بِاشْتِرَائِهِمْ الضَّلَالَة بِالْهُدَى , وَصَمَمهمْ عَنْ سَمَاع الْخَيْر وَالْحَقّ , وَبُكْمهمْ عَنْ الْقَيْل بِهِمَا , وَعَمَاهُمْ عَنْ إبْصَارهمَا ; أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ إلَى الْإِقْلَاع عَنْ ضَلَالَتهمْ , وَلَا يَتُوبُونَ إلَى الْإِنَابَة مِنْ نِفَاقهمْ , فَآيِس الْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْ يُبْصِر هَؤُلَاءِ رُشْدًا , وَيَقُولُوا حَقًّا , أَوْ يَسْمَعُوا دَاعِيًا إلَى الْهُدَى , أَوْ أَنْ يَذْكُرُوا فَيَتُوبُوا مِنْ ضَلَالَتهمْ , كَمَا آيَسَ مِنْ تَوْبَة قَادَة كُفَّار أَهْل الْكِتَاب وَالْمُشْرِكِينَ وَأَحْبَارهمْ الَّذِينَ وَصَفَهُمْ بِأَنَّهُ قَدْ خَتَمَ عَلَى قُلُوبهمْ وَعَلَى سَمْعهمْ وَغَشَّى عَلَى أَبْصَارهمْ . وَبِمِثْلِ الَّذِي قُلْنَا فِي تَأْوِيل ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . 339 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيد بْن زُرَيْع , عَنْ سَعِيد , عَنْ قَتَادَةَ : ( { فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ } أَيْ لَا يَتُوبُونَ وَلَا يَذْكُرُونَ . )340 - وَحَدَّثَنِي مُوسَى بْن هَارُونَ , قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرو بْن حَمَّاد , قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ فِي خَبَر ذَكَرَهُ , عَنْ أَبِي مَالِك , وَعَنْ أَبِي صَالِح , عَنْ ابْن عَبَّاس , وَعَنْ مُرَّة , عَنْ ابْن مَسْعُود , وَعَنْ نَاس مِنْ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( { فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ } إلَى الْإِسْلَام . )وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْن عَبَّاس قَوْل يُخَالِف مَعْنَاهُ مَعْنَى هَذَا الْخَبَر وَهُوَ مَا : 341 - حَدَّثَنَا بِهِ ابْن حُمَيْدٍ , قَالَ : حَدَّثَنَا سَلْم , عَنْ مُحَمَّد بْن إسْحَاق , عَنْ مُحَمَّد بْن أَبِي مُحَمَّد مَوْلَى زَيْد بْن ثَابِت , عَنْ عِكْرِمَة , أَوْ عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ ابْن عَبَّاس : ( { فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ } : أَيْ فَلَا يَرْجِعُونَ إلَى الْهُدَى وَلَا إلَى خَيْر , فَلَا يُصِيبُونَ نَجَاة مَا كَانُوا عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ . )وَهَذَا تَأْوِيل ظَاهِر التِّلَاوَة بِخِلَافِهِ , وَذَلِكَ أَنَّ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَخْبَرَ عَنْ الْقَوْم أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ عَنْ اشْتِرَائِهِمْ الضَّلَالَة بِالْهُدَى إلَى ابْتِغَاء الْهُدَى وَإِبْصَار الْحَقّ مِنْ غَيْر حَصْر مِنْهُ جَلَّ ذِكْره ذَلِكَ مِنْ حَالهمْ إلَى وَقْت دُون وَقْت وَحَال دُون حَال . وَهَذَا الْخَبَر الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنْ ابْن عَبَّاس يُنْبِئ عَنْ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ صِفَتهمْ مَحْصُور عَلَى وَقْت وَهُوَ مَا كَانُوا عَلَى أَمْرهمْ مُقِيمِينَ , وَأَنَّ لَهُمْ السَّبِيل إلَى الرُّجُوع عَنْهُ . وَذَلِكَ مِنْ التَّأْوِيل دَعْوَى بَاطِلَة لا دَلَالَة عَلَيْهَا مِنْ ظَاهِر وَلَا مِنْ خَبَر تَقُوم بِمِثْلِهِ الْحُجَّة فَيُسَلِّم لَهَا .

أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آَذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ

الْقَوْل في تَأ<br>ِيل قَوْله تَعَالَى : { أَوْ كَصَيِّبٍ مِنْ السَّمَاء } </subtitle>قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَالصَّيِّب الفعيل , مِن قَوْلِكَ : صَابَ الْمَطَر يَصُوب صَوْبًا : إذَا انْحَدَرَ وَنَزَلَ , كما قال الشاعر : <br>لَسْت لِإِنْسِيٍّ وَلَكِنْ لَمَلْأَك .......... تَنَزَّلَ مِنْ جَوّ السَّمَاء يَصُوب <br>وَكَمَا قَالَ عَلْقَمَة بْن عَبْدَة : <br>كَأَنَّهُمْ صَابَ عَلَيْهِمْ سَحَابَة .......... صَوَاعِقهَا لِطَيْرِهِنَّ دَبِيب <br><br>فَلَا تَعْدِلِي بَيْنِي وَبَيْن مُغَمَّر .......... سَقَيْت رَوَايَا الْمُزْن حِين تَصُوب <br>يَعْنِي : حِين تَنْحَدِر . وَهُوَ فِي الْأَصْل : صَيُوب , وَلَكِنْ الْوَاو لَمَّا سَبَقَتْهَا يَاء سَاكِنَة صَيَّرَتَا جَمِيعًا يَاء مُشَدَّدَة , كَمَا قِيلَ : سَيِّد مَنْ سَادَ يَسُود , وَجَيِّد مَنْ جَادَ يَجُود . وَكَذَلِكَ تَفْعَل الْعَرَب بِالْوَاوِ إذَا كَانَتْ مُتَحَرِّكَة وَقَبْلهَا يَاء سَاكِنَة تَصِيرهُمَا جَمِيعًا يَاء مُشَدَّدَة . وَبِمَا قُلْنَا مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . 342 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن إسْمَاعِيل الْأَحْمَسِيّ , قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عُبَيْد , قَالَ : حَدَّثَنَا هَارُونَ بْن عَنْتَرَة , عَنْ أَبِيهِ عَنْ ابْن عَبَّاس فِي قَوْله : ( { أَوْ كَصَيِّبٍ مِنْ السَّمَاء } قَالَ : الْقَطْر . )343 - وَحَدَّثَنِي عَبَّاس بْن مُحَمَّد , قَالَ : حَدَّثَنَا حَجَّاج , قَالَ : قَالَ ابْن جُرَيْجٍ , قَالَ لِي عَطَاء : الصَّيِّب : الْمَطَر . 344 - وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو صَالِح , قَالَ : حَدَّثَنِي مُعَاوِيَة بْن صَالِح , عَنْ عَلِيّ عَنْ ابْن عَبَّاس , قَالَ : (الصَّيِّب : الْمَطَر . )345 - وَحَدَّثَنِي مُوسَى , قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرو , قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ فِي خَبَر ذَكَرَهُ عَنْ أَبِي مَالِك وَعَنْ أَبِي صَالِح عَنْ ابْن عَبَّاس , وَعَنْ مُرَّة , عَنْ ابْن مَسْعُود , وَعَنْ نَاس مِنْ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (الصَّيِّب : الْمَطَر . )* وَحَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي سَعْد , قَالَ : حَدَّثَنِي عَمِّي الْحُسَيْن , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ جَدّه , عَنْ ابْن عَبَّاس مِثْله . 346 - وَحَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيد , عَنْ سَعِيد , عَنْ قَتَادَةَ : ( { أَوْ كَصَيِّبٍ } قَالَ : الْمَطَر . )* وَحَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَنْبَأَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَةَ مِثْله . 347 - وَحَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو الْبَاهِلِيّ , وَعَمْرو بْن عَلَيَّ , قَالَا : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى بْن مَيْمُون , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : (الصَّيِّب : الْمَطَر . )* وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْل , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : (الصَّيِّب : الْمَطَر . )348 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : حَدَّثَنَا إسْحَاق عَنْ ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع بْن أَنَس : (الصَّيِّب : الْمَطَر . )* وَحُدِّثْت عَنْ المنجاب , قَالَ : حَدَّثَنَا بِشْر بْن عُمَارَة , عَنْ أَبِي رَوْق , عَنْ الضَّحَّاك , عَنْ ابْن عَبَّاس قَالَ : الصَّيِّب : الْمَطَر . 349 - وَحَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ عَبْد الرَّحْمَن بْن زَيْد : { أَوْ كَصَيِّبٍ مِنْ السَّمَاء } قَالَ : (أَوْ كَغَيْثٍ مِنْ السَّمَاء . )350 - وَحَدَّثَنَا سِوَار بْن عَبْد اللَّه الْعَنْبَرِيّ , قَالَ : قَالَ سُفْيَان : (الصَّيِّب : الَّذِي فِيهِ الْمَطَر . )* حَدَّثَنَا عَمْرو بْن عَلِيّ , قَالَ : حَدَّثَنَا مُعَاوِيَة , قَالَ : حَدَّثَنَا ابْن جُرَيْجٍ , عَنْ عَطَاء فِي قَوْله : ( { أَوْ كَصَيِّبٍ مِنْ السَّمَاء } قَالَ : الْمَطَر . )قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَتَأْوِيل ذَلِكَ : مِثْل اسْتِضَاءَة الْمُنَافِقِينَ بِضَوْءِ إقْرَارهمْ بِالْإِسْلَامِ مَعَ اسْتِسْرَارهمْ الْكُفْر , مِثْل إضَاءَة مُوقِد النَّار بِضَوْءِ نَاره عَلَى مَا وَصَفَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ مِنْ صِفَته , أَوْ كَمَثَلِ مَطَر مُظْلِم وَدْقه تَحَدَّرَ مِنْ السَّمَاء تَحْمِلهُ مُزْنَة ظَلْمَاء فِي لَيْلَة مُظْلِمَة , وَذَلِكَ هُوَ الظُّلُمَات الَّتِي أَخْبَرَ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّهَا فِيهِ . فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِل : أَخْبَرَنَا عَنْ هَذَيْنِ الْمَثَلَيْنِ , أَهُمَا مَثَلَانِ لِلْمُنَافِقِينَ أَوْ أَحَدهمَا ؟ فَإِنْ يَكُونَا مَثَلَيْنِ لِلْمُنَافِقِينَ فَكَيْف قِيلَ : { أَوْ كَصَيِّبٍ } و | أَوْ | تَأْتِي بِمَعْنَى الشَّكّ فِي الْكَلَام , وَلَمْ يَقُلْ : وَكَصَيِّبٍ , بِالْوَاوِ الَّتِي تَلْحَق الْمَثَل الثَّانِي بِالْمَثَلِ الْأَوَّل ؟ أَوْ يَكُون مَثَل الْقَوْم أَحَدهمَا , فَمَا وَجْه ذِكْر الْآخَر ب | أَوْ | , وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ | أَوْ | إذَا كَانَتْ فِي الْكَلَام فَإِنَّمَا تَدْخُل فِيهِ عَلَى وَجْه الشَّكّ مِنْ الْمُخْبِر فِيمَا أَخْبَرَ عَنْهُ , كَقَوْلِ الْقَائِل : لَقِيَنِي أَخُوك أَوْ أَبُوك , وَإِنَّمَا لَقِيَهُ أَحَدهمَا , وَلَكِنَّهُ جَهِلَ عَيْن الَّذِي لَقِيَهُ مِنْهُمَا , مَعَ عِلْمه أَنَّ أَحَدهمَا قَدْ لَقِيَهُ ; وَغَيْر جَائِز فِيهِ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنْ يُضَاف إلَيْهِ الشَّكّ فِي شَيْء أَوْ عُزُوب عِلْم شَيْء عَنْهُ فِيمَا أَخْبَرَ أَوْ تَرَكَ الْخَبَر عَنْهُ . قِيلَ لَهُ : إنَّ الْأَمْر فِي ذَلِكَ بِخِلَافِ الَّذِي ذَهَبَتْ إلَيْهِ , و | أَوْ | وَإِنْ كَانَتْ فِي بَعْض الْكَلَام تَأْتِي بِمَعْنَى الشَّكّ , فَإِنَّهَا قَدْ تَأْتِي دَالَّة عَلَى مِثْل مَا تَدُلّ عَلَيْهِ الْوَاو إمَّا بِسَابِقٍ مِنْ الْكَلَام قَبْلهَا , وَإِمَّا بِمَا يَأْتِي بَعْدهَا كَقَوْلِ تَوْبَة بْن الْحُمَيِّر : <br>وَقَدْ زَعَمَتْ لَيْلَى بِأَنِّي فَاجِر .......... لِنَفْسِي تُقَاهَا أَوْ عَلَيْهَا فُجُورهَا <br>وَمَعْلُوم أَنَّ ذَلِكَ مِنْ تَوْبَة عَلَى غَيْر وَجْه الشَّكّ فِيمَا قَالَ , وَلَكِنْ لَمَّا كَانَتْ | أَوْ | فِي هَذَا الْمَوْضِع دَالَّة عَلَى مِثْل الَّذِي كَانَتْ تَدُلّ عَلَيْهِ الْوَاو لَوْ كَانَتْ مَكَانهَا , وَضَعَهَا مَوْضِعهَا . وَكَذَلِكَ قَوْل جَرِير : ش جَاءَ الْخِلَافَة أَوْ كَانَتْ لَهُ قَدَرًا /و كَمَا أَتَى رَبَّهُ مُوسَى عَلَى قَدَر <br>وَكَمَا قَالَ الْآخَر : <br>فَلَوْ كَانَ الْبُكَاء يَرُدّ شَيْئًا /و بَكَيْت عَلَى جُبَيْر أَوْ عَنَاق <br><br>عَلَى الْمَرْأَيْنِ إذْ مَضَيَا جَمِيعًا /و لِشَأْنِهِمَا بِحُزْنٍ وَاشْتِيَاق <br>فَقَدْ دَلَّ بِقَوْلِهِ : | عَلَى الْمَرْأَيْنِ إذْ مَضَيَا جَمِيعًا | أَنَّ بُكَاءَهُ الَّذِي أَرَادَ أَنْ يَبْكِيه لَمْ يُرِدْ أَنْ يَقْصِد بِهِ أَحَدهمَا دُون الْآخَر , بَلْ أَرَادَ أَنْ يَبْكِيهِمَا جَمِيعًا . فَكَذَلِكَ ذَلِكَ فِي قَوْل اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { أَوْ كَصَيِّبٍ مِنْ السَّمَاء } لَمَا كَانَ مَعْلُومًا أَنَّ | أَوْ | دَالَّة فِي ذَلِكَ عَلَى مِثْل الَّذِي كَانَتْ تَدُلّ عَلَيْهِ الْوَاو , وَلَوْ كَانَتْ مَكَانهَا كَانَ سَوَاء نَطَقَ فِيهِ ب | أَوْ | أَوْ بِالْوَاوِ . وَكَذَلِكَ وَجْه حَذْف الْمَثَل مِنْ قَوْله : { أَوْ كَصَيِّبٍ } لَمَا كَانَ قَوْله : { كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا } دَالًّا عَلَى أَنَّ مَعْنَاهُ : كَمَثَلِ صَيِّب , حَذَفَ الْمَثَل وَاكْتَفَى بِدَلَالَةِ مَا مَضَى مِنْ الْكَلَام فِي قَوْله : { كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا } عَلَى أَنَّ مَعْنَاهُ : أَوْ كَمَثَلِ صَيِّبٍ , مِنْ إعَادَة ذِكْر الْمَثَل طَلَب الْإِيجَاز وَالِاخْتِصَار .|فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ|الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فِيهِ ظُلُمَات وَرَعْد وَبَرْق يَجْعَلُونَ أَصَابِعهمْ فِي آذَانهمْ مِنْ الصَّوَاعِق حَذَر الْمَوْت } </subtitle>قَالَ أَبُو جَعْفَر : فَأَمَّا الظُّلُمَات فَجَمْع , وَأَحَدهَا ظُلْمَة ; وَأَمَّا الرَّعْد فَإِنَّ أَهْل الْعِلْم أَخْتَلَفُوا فِيهِ ; فَقَالَ بَعْضهمْ : هُوَ مَلَك يَزْجُر السَّحَاب . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 351 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى , قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن جَعْفَر , قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَة عَنْ الْحَكَم , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : (الرَّعْد مَلَك يَزْجُر السَّحَاب بِصَوْتِهِ . )* وَحَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى , قَالَ : حَدَّثَنَا ابْن أَبِي عَدِيّ , عَنْ شُعْبَة عَنْ الْحَكَم عَنْ مُجَاهِد مِثْله . * وَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْن طَلْحَة الْيَرْبُوعِيّ , قَالَ : حَدَّثَنَا فُضَيْل بْن عِيَاض , عَنْ لَيْث , عَنْ مُجَاهِد مِثْله . 352 - وَحَدَّثَنِي يَعْقُوب بْن إبْرَاهِيم , قَالَ : حَدَّثَنَا هُشَيْم قَالَ : أَنْبَأَنَا إسْمَاعِيل بْن سَالِم عَنْ أَبِي صَالِح , قَالَا : الرَّعْد مَلَك مِنْ الْمَلَائِكَة يُسَبِّح . 353 - وَحَدَّثَنِي نَصْر بْن عَبْد الرَّحْمَن الْأَوْدِيّ , قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن يَعْلَى , عَنْ أَبِي الْخَطَّاب الْبَصْرِيّ , عَنْ شَهْر بْن حَوْشَب قَالَ : (الرَّعْد : مَلَك مُوَكَّل بِالسَّحَابِ , يَسُوقهُ كَمَا يَسُوق الْحَادِي الْإِبِل , يُسَبِّح كُلَّمَا خَالَفَتْ سَحَابَة سَحَابَة صَاحَ بِهَا , فَإِذَا اشْتَدَّ غَضَبه طَارَتْ النَّار مِنْ فِيهِ فَهِيَ الصَّوَاعِق الَّتِي رَأَيْتُمْ . )354 - وَحُدِّثْت عَنْ المنجاب بْن الْحَارِث , قَالَ : حَدَّثَنَا بِشْر بْن عُمَارَة , عَنْ أَبِي رَوْق , عَنْ الضَّحَّاك , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَالَ : (الرَّعْد : مَلَك مِنْ الْمَلَائِكَة اسْمه الرَّعْد , وَهُوَ الَّذِي تَسْمَعُونَ صَوْته . )355 - حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن إسْحَاق الْأَهْوَازِيّ , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَد , قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْد الْمَلِك بْن حُسَيْن عَنْ السُّدِّيّ عَنْ أَبِي مَالِك , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَالَ : (الرَّعْد : مَلَك يَزْجُر السَّحَاب بِالتَّسْبِيحِ وَالتَّكْبِير . )356 - وَحَدَّثَنَا الْحَسَن بْن مُحَمَّد , قَالَ : حَدَّثَنَا عَلِيّ بْن عَاصِم , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ , عَنْ مُجَاهِد , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَالَ : (الرَّعْد : اسْم مَلَك , وَصَوْته هَذَا تَسْبِيحه , فَإِذَا اشْتَدَّ زَجْره السَّحَاب اضْطَرَبَ السَّحَاب وَاحَتك فَتَخْرُج الصَّوَاعِق مِنْ بَيْنه . )357 - حَدَّثَنَا الْحَسَن , قَالَ : حَدَّثَنَا عَفَّانُ , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَة , عَنْ مُوسَى الْبَزَّار , عَنْ شَهْر بْن حَوْشَب عَنْ ابْن عَبَّاس , قَالَ : (الرَّعْد : مَلَك يَسُوق السَّحَاب بِالتَّسْبِيحِ , كَمَا يَسُوق الْحَادِي الْإِبِل بِحِدَائِهِ . )* حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن مُحَمَّد , قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن عَبَّاد وشبابة قَالَا : ثنا شُعْبَة , عَنْ الْحَكَم , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : (الرَّعْد : مَلَك يَزْجُر السَّحَاب . )358 - حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن إسْحَاق , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَد الزُّبَيْرِيّ , قَالَ : حَدَّثَنَا عَتَّاب بْن زِيَاد , عَنْ عِكْرِمَة , قَالَ : (الرَّعْد : مَلَك فِي السَّحَاب يَجْمَع السَّحَاب كَمَا يَجْمَع الرَّاعِي الْإِبِل . )359 - وَحَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيد , قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَةَ , قَالَ : (الرَّعْد : خَلْق مِنْ خَلْق اللَّه جَلَّ وَعَزَّ سَامِع مُطِيع لِلَّهِ جَلَّ وَعَزَّ )360 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم بْن الْحَسَن , قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْن بْن دَاوُد , قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاج عَنْ ابْن جُرَيْجٍ , عَنْ عِكْرِمَة , قَالَ : (إنَّ الرَّعْد مَلَك يُؤْمَر بِإِزْجَاءِ السَّحَاب فَيُؤَلِّف بَيْنه , فَذَلِكَ الصَّوْت تَسْبِيحه . )361 - وَحَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاج , عَنْ ابْن جَرِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : (الرَّعْد : مَلَك . )362 - وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَجَّاج بْن الْمِنْهَال , قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّاد بْن سَلْم ة , عَنْ الْمُغِيرَة بْن سَالِم , عَنْ أَبِيهِ أَوْ غَيْره , أَنَّ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب قَالَ : (الرَّعْد : مَلَك . )363 - حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى , قَالَ : حَدَّثَنَا حَجَّاج , قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّاد , قَالَ : أَخْبَرَنَا مُوسَى بْن سَالِم أَبُو جَهْضَم مَوْلَى ابْن عَبَّاس قَالَ : (كَتَبَ ابْن عَبَّاس إلَى أَبِي الجلد يَسْأَلهُ عَنْ الرَّعْد ؟ فَقَالَ : الرَّعْد : مَلَك . )364 - حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى , قَالَ : حَدَّثَنَا مُسْلِم بْن إبْرَاهِيم , قَالَ : حَدَّثَنَا عُمَر بْن الْوَلِيد السَّنِيّ , عَنْ عِكْرِمَة , قَالَ : (الرَّعْد : مَلَك يَسُوق السَّحَاب كَمَا يَسُوق الرَّاعِي الْإِبِل . )365 - حَدَّثَنِي سَعْدُ بْنُ عَبْد اللَّه بْن عَبْد الْْحَكَم , قَالَ : حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ , قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ أَبَانَ , عَن عِكْرِمَة , قَالَ : كَانَ ابْنُ عَبَّاس إِذَا سَمِع الرَّعْد , قَالَ : (سُبْحَانَ الَّذِي سَبَّحَتْ لَهُ , قَالَ : وَكَانَ يَقُولُ : إِنَّ الرَّعْدَ مَلَك يَنْعِق بِالْغَيْثِ كَمَا يَنْعِقُ الرَّاعِي بِغَنَمِه . )وَقَالَ آخَرُونَ : إِنَّ الرَّعْد : رِيح تَخْتَنِق تَحْت السَّحَاب , فَتَصَّاعَدُ فَيَكُون مِنْهُ ذَلِك الصَّوْت . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِك : 366 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاق , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَد الزُّبَيْرِيّ , قَالَ : حَدَّثَنَا بِشْر بْن إِسْمَاعِيل , عَنْ أَبِي كَثِير , قَال : (كُنْت عِنْد أبي الجلد , إذْ جَاءَهُ رَسُول ابْن عَبَّاس بِكِتَابٍ إلَيْهِ , فَكَتَبَ إلَيْهِ : كَتَبْت تَسْأَلنِي عَنْ الرَّعْد , فَالرَّعْد : الرِّيح . )367 - حَدَّثَنِي إبْرَاهِيم بْن عَبْد اللَّه قَالَ : حَدَّثَنَا عِمْرَان بْن مَيْسَرَة , قَالَ : حَدَّثَنَا ابْن إدْرِيس عَنْ الْحَسَن بْن الْفُرَات , عَنْ أَبِيهِ , قَالَ : (كَتَبَ ابْن عَبَّاس إلَى أَبِي الجلد يَسْأَلهُ عَنْ الرَّعْد , فَقَالَ : الرَّعْد : رِيح . )قَالَ أَبُو جَعْفَر : فَإِنْ كَانَ الرَّعْد مَا ذَكَرَهُ ابْن عَبَّاس وَمُجَاهِد , فَمَعْنَى الْآيَة : أَوْ كَصَيِّبٍ مِنْ السَّمَاء فِيهِ ظُلُمَات وَصَوْت رَعْد ; لِأَنَّ الرَّعْد إنْ كَانَ مَلَكًا يَسُوق السَّحَاب , فَغَيْر كَائِن فِي الصَّيِّب ; لِأَنَّ الصَّيِّب إنَّمَا هُوَ مَا تَحَدَّرَ مِنْ صَوْب السَّحَاب ; وَالرَّعْد : إنَّمَا هُوَ فِي جَوّ السَّمَاء يَسُوق السَّحَاب , عَلَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ فِيهِ يَمُرّ لَمْ يَكُنْ لَهُ صَوْت مَسْمُوع , فَلَمْ يَكُنْ هُنَالِكَ رُعْب يُرْعَب بِهِ أَحَد ; لِأَنَّهُ قَدْ قِيلَ : إنَّ مَعَ كُلّ قَطْرَة مِنْ قَطْر الْمَطَر مَلَكًا , فَلَا يَعْدُو الْمَلَك الَّذِي اسْمه الرَّعْد لَوْ كَانَ مَعَ الصَّيِّب إذَا لَمْ يَكُنْ مَسْمُوعًا صَوْته أَنْ يَكُون كَبَعْضِ تِلْكَ الْمَلَائِكَة الَّتِي تَنْزِل مَعَ الْقَطْر إلَى الْأَرْض فِي أَنَّ لَا رُعْب عَلَى أَحَد بِكَوْنِهِ فِيهِ . فَقَدْ عُلِمَ إذْ كَانَ الْأَمْر عَلَى مَا وَصَفْنَا مِنْ قَوْلَة ابْن عَبَّاس أَنَّ مَعْنَى الْآيَة : أَوْ كَمَثَلِ غَيْث تَحَدَّرَ مِنْ السَّمَاء فِيهِ ظُلُمَات وَصَوْت رَعْد ; إنْ كَانَ الرَّعْد هُوَ مَا قَالَهُ ابْن عَبَّاس , وَإِنَّهُ اسْتَغْنَى بِدَلَالَةِ ذِكْر الرَّعْد بِاسْمِهِ عَلَى الْمُرَاد فِي الْكَلَام مِنْ ذِكْر صَوْته . وَإِنْ كَانَ الرَّعْد مَا قَالَهُ أَبُو الجلد فَلَا شَيْء فِي قَوْله : | فِيهِ ظُلُمَات وَرَعْد | مَتْرُوك لِأَنَّ مَعْنَى الْكَلَام حِينَئِذٍ : فِيهِ ظُلُمَات وَرَعْد الَّذِي هُوَ وَمَا وَصَفْنَا صِفَته . وَأَمَّا الْبَرْق , فَإِنَّ أَهْل الْعِلْم اخْتَلَفُوا فِيهِ ; فَقَالَ بَعْضهمْ بِمَا : 368 - حَدَّثَنَا مَطَر بْن مُحَمَّد الضَّبِّيّ , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِم ح وَحَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن بَشَّار قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْد الرَّحْمَن بْن مَهْدِيّ ح وَحَدَّثَنَا أَحْمَد بْن إسْحَاق الْأَهْوَازِيّ , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَد الزُّبَيْرِيّ , قَالُوا جَمِيعًا : حَدَّثَنَا سُفْيَان الثَّوْرِيّ , عَنْ سَلَمَة بْن كُهَيْل , عَنْ سَعِيد بْن أَشَوْع , عَنْ رَبِيعَة بْن الْأَبْيَض , عَنْ عَلِيّ قَالَ : (الْبَرْق : مَخَارِيق الْمَلَائِكَة . )369 - حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن إسْحَاق , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَد الزُّبَيْرِيّ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْد الْمَلِك بْن الْحُسَيْن , عَنْ السُّدِّيّ عَنْ أَبِي مَالِك , عَنْ ابْن عَبَّاس : (الْبَرْق مَخَارِيق بِأَيْدِي الْمَلَائِكَة يَزْجُرُونَ بِهَا السَّحَاب . )* حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَجَّاج , قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّاد , عَنْ عَمِيرَة بْن سَالِم , عَنْ أَبِيهِ أَوْ غَيْره أَنَّ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب قَالَ : (الرَّعْد : الْمَلَك , وَالْبَرْق : ضَرَبَهُ السَّحَاب بِمِخْرَاقٍ مِنْ حَدِيد . )وَقَالَ آخَرُونَ : هُوَ سَوْط مِنْ نُور يَزُجّ بِهِ الْمَلَك السَّحَاب . 370 - حُدِّثْت عَنْ المنجاب بْن الْحَارِث , قَالَ : حَدَّثَنَا بِشْر بْن عُمَارَة عَنْ أَبِي رَوْق , عَنْ الضَّحَّاك , عَنْ ابْن عَبَّاس بِذَلِكَ . وَقَالَ آخَرُونَ : هُوَ مَاء . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ 371 - حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن إسْحَاق الْأَهْوَازِيّ , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَد الزُّبَيْرِيّ , قَالَ : حَدَّثَنَا بِشْر بْن إسْمَاعِيل , عَنْ أَبِي كَثِير , قَالَ : (كُنْت عِنْد أَبِي الجلد إذْ جَاءَهُ رَسُول ابْن عَبَّاس بِكِتَابٍ إلَيْهِ , فَكَتَبَ إلَيْهِ : تَسْأَلنِي عَنْ الْبَرْق , فَالْبَرْق : الْمَاء . )372 - حَدَّثَنَا إبْرَاهِيم بْن عَبْد اللَّه , قَالَ : حَدَّثَنَا عِمْرَان بْن مَيْسَرَة , قَالَ : حَدَّثَنَا ابْن إدْرِيس , عَنْ الْحَسَن بْن الْفُرَات , عَنْ أَبِيهِ , قَالَ : (كَتَبَ ابْن عَبَّاس إلَى أَبِي الجلد يَسْأَلهُ عَنْ الْبَرْق , فَقَالَ : الْبَرْق مَاء . )* حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْدٍ , قَالَ : حَدَّثَنَا جَرِير , عَنْ عَطَاء , عَنْ رَجُل مِنْ أَهْل الْبَصْرَة مِنْ قُرَّائِهِمْ , قَالَ : (كَتَبَ ابْن عَبَّاس إلَى أَبِي الجلد رَجُل مِنْ أَهْل هَجَرَ يَسْأَلهُ عَنْ الْبَرْق , فَكَتَبَ إلَيْهِ : كَتَبْت إلَيْهِ تَسْأَلنِي عَنْ الْبَرْق : وَإِنَّهُ مِنْ الْمَاء . )وَقَالَ آخَرُونَ : هُوَ مَصْع مَلَك 373 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْد الرَّحْمَن بْن مَهْدِيّ , قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَان عَنْ عُثْمَان بْن الْأَسْوَد , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : (الْبَرْق : مَصْع مَلَك . )374 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إسْحَاق , قَالَ : حَدَّثَنَا هِشَام , عَنْ مُحَمَّد بْن مُسْلِم الطَّائِفِيّ , قَالَ : (بَلَغَنِي أَنَّ الْبَرْق مَلَك لَهُ أَرْبَعَة أَوْجُه : وَجْه إنْسَان , وَوَجْه ثَوْر , وَوَجْه نَسْر , وَوَجْه أَسَد , فَإِذَا مَصَعَ بِأَجْنِحَتِهِ فَذَلِكَ الْبَرْق . )375 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ , عَنْ وَهْب بْن سُلَيْمَان , عَنْ شُعَيْب الْجُبَّائِيّ , قَالَ : (فِي كِتَاب اللَّه الْمَلَائِكَة حَمَلَة الْعَرْش , لِكُلِّ مَلَك مِنْهُمْ وَجْه إنْسَان , وَثَوْر , وَأَسَد , فَإِذَا حَرَّكُوا أَجْنِحَتهمْ فَهُوَ الْبَرْق . )وَقَالَ أُمَيَّة بْن أَبِي الصَّلْت : <br>رِجْل وَثَوْر تَحْت رَجُل يَمِينه .......... وَالنَّسْر لِلْأُخْرَى وَلَيْث مُرْصِد <br>376 - حَدَّثَنَا الْحُسَيْن بْن مُحَمَّد , قَالَ : حَدَّثَنَا عَلِيّ بْن عَاصِم , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ , عَنْ مُجَاهِد , عَنْ ابْن عَبَّاس : (الْبَرْق : مَلَك . )377 - وَقَدْ حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ قَالَ : (الصَّوَاعِق مَلَك يَضْرِب السَّحَاب بالمخاريق يُصِيب مِنْهُ مَنْ يُشَاء . )قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَقَدْ يَحْتَمِل أَنْ يَكُون مَا قَالَهُ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب وَابْن عَبَّاس وَمُجَاهِد بِمَعْنًى وَاحِد ; وَذَلِكَ أَنْ تَكُون المخاريق الَّتِي ذَكَرَ عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَنَّهَا هِيَ الْبَرْق هِيَ السِّيَاط الَّتِي هِيَ مِنْ نُور الَّتِي يُزْجِي بِهَا الْمَلَك السَّحَاب , كَمَا قَالَ ابْن عَبَّاس . وَيَكُون إزْجَاء الْمَلَك السَّحَاب : مَصَعَهُ إيَّاهُ بِهَا , وذاك أن الْمِصَاع عند العرب أصله الْمُجَالَدَة بِالسُّيُوفِ , ثم تَسْتَعْمِلهُ في كل شيء جُولِدَ به في حَرْب وَغَيْر حَرْب , كما قال أَعْشَى بَنِي ثَعْلَبَة وَهُوَ يَصِف جِوَارِي يَلْعَبْنَ بِحُلِيِّهِنَّ وَيُجَالِدْنَ بِهِ : <br>إذَا هُنَّ نَازَلْنَ أَقْرَانهنَّ .......... وَكَانَ الْمِصَاع بِمَا فِي الْجُوَن <br>يُقَال مِنْهُ : مَاصَعَهُ مِصَاعًا . وَكَأَنَّ مُجَاهِدًا إنَّمَا قَالَ : | مَصْع مَلَك | , إذْ كَانَ السَّحَاب لَا يُمَاصِع الْمَلَك , وَإِنَّمَا الرَّعْد هُوَ الْمُمَاصِع لَهُ , فَجَعَلَهُ مَصْدَرًا مِنْ مَصَعَهُ يَمْصَعهُ مَصْعًا , وَقَدْ ذَكَرْنَا مَا فِي مَعْنَى الصَّاعِقَة مَا قَالَ شَهْر بْن حَوْشَب فِيمَا مَضَى . وَأَمَّا تَأْوِيل الْآيَة , فَإِنَّ أَهْل التَّأْوِيل مُخْتَلِفُونَ فِيهِ . فَرُوِيَ عَنْ ابْن عَبَّاس فِي ذَلِكَ أَقْوَال ; أَحَدهَا مَا : 378 - حَدَّثَنَا بِهِ مُحَمَّد بْن حُمَيْدٍ , قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَة , قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن إسْحَاق , عَنْ مُحَمَّد بْن أَبِي مُحَمَّد مَوْلَى زَيْد بْن ثَابِت , عَنْ عِكْرِمَة , أَوْ عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ ابْن عَبَّاس : ( { أَوْ كَصَيِّبٍ مِنْ السَّمَاء فِيهِ ظُلُمَات وَرَعْد وَبَرْق يَجْعَلُونَ أَصَابِعهمْ فِي آذَانهمْ مِنْ الصَّوَاعِق حَذَر الْمَوْت } أَيْ هُمْ مِنْ ظُلُمَات مَا هُمْ فِيهِ مِنْ الْكُفْر وَالْحَذَر مِنْ الْقَتْل - عَلَى الَّذِي هُمْ عَلَيْهِ مِنْ الْخِلَاف , وَالتَّخْوِيف مِنْكُمْ - عَلَى مِثْل مَا وُصِفَ مِنْ الَّذِي هُوَ فِي ظُلْمَة الصَّيِّب , فَحَمْل أَصَابِعه فِي أُذُنِيهِ مِنْ الصَّوَاعِق حَذَر الْمَوْت { يَكَاد الْبَرْق يَخْطَف أَبْصَارهمْ } أَيْ لِشِدَّةِ ضَوْء الْحَقّ , { كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظَلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا } أَيْ يَعْرِفُونَ الْحَقّ وَيَتَكَلَّمُونَ بِهِ , فَهُمْ مِنْ قَوْلهمْ بِهِ عَلَى اسْتِقَامَة , فَإِذَا ارْتَكَسُوا مِنْهُ إلَى الْكُفْر قَامُوا مُتَحَيَّرِينَ . )وَالْآخَر مَا : 379 - حَدَّثَنِي بِهِ مُوسَى بْن هَارُونَ , قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرو , قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ فِي خَبَر ذَكَرَهُ عَنْ أَبِي مَالِك , وَعَنْ أَبِي صَالِح عَنْ ابْن عَبَّاس , وَعَنْ مُرَّة , عَنْ ابْن مَسْعُود , وَعَنْ نَاس مِنْ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( { أَوْ كَصَيِّبٍ مِنْ السَّمَاء فِيهِ ظُلُمَات وَرَعْد وَبَرْق } إلَى : { إنَّ اللَّه عَلَى كُلّ شَيْء قَدِير } : أَمَّا الصَّيِّب وَالْمَطَر كَانَ رَجُلَانِ مِنْ الْمُنَافِقِينَ مِنْ أَهْل الْمَدِينَة هَرَبَا مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى الْمُشْرِكِينَ , فَأَصَابَهُمَا هَذَا الْمَطَر الَّذِي ذَكَرَ اللَّه فِيهِ رَعْد شَدِيد وَصَوَاعِق وَبَرْق , فَجَعَلَا كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمَا الصَّوَاعِق جَعَلَا أَصَابِعهمَا فِي آذَانهمَا مِنْ الْفَرَق أَنْ تَدْخُل الصَّوَاعِق فِي مَسَامِعهمَا فَتَقْتُلهُمَا , وَإِذْ لَمَعَ الْبَرْق مَشَيَا فِي ضَوْئِهِ , وَإِذَا لَمْ يَلْمَع لَمْ يُبْصِرَا وقاما مكانهما لا يمشيان , فجعلا يقولان : ليتنا قد أَصْبَحْنَا فَنَأْتِيَ مُحَمَّدًا فَنَضَعَ أَيْدِينَا في يده ! فَأَصْبَحَا فأتياه فَأَسْلَمَا وَوَضَعَا أَيْدِيهمَا فِي يَده وَحَسُنَ إسْلَامهمَا . فَضَرَبَ اللَّه شَأْن هَذَيْنِ الْمُنَافِقَيْنِ الْخَارِجِينَ مَثَلًا لِلْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ بِالْمَدِينَةِ . وَكَانَ الْمُنَافِقُونَ إذَا حَضَرُوا مَجْلِس النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , جَعَلُوا أَصَابِعهمْ فِي آذَانهمْ فَرَقًا مِنْ كَلَام النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَنْزِل فِيهِمْ شَيْء أَوْ يُذْكَرُوا بِشَيْءٍ فَيُقْتَلُوا , كَمَا كَانَ ذَانِكَ الْمُنَافِقَانِ الْخَارِجَانِ يَجْعَلَانِ أَصَابِعَهُمَا فِي آذَانهمَا , وَإِذَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ . فَإِذَا كَثُرَتْ أَمْوَالهمْ وَوُلِدَ لَهُمْ الْغِلْمَان وَأَصَابُوا غَنِيمَة أَوْ فَتْحًا مَشَوْا فِيهِ , وَقَالُوا : إنَّ دِين مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دِين صِدْق فَاسْتَقَامُوا عَلَيْهِ , كَمَا كَانَ ذَانِكَ الْمُنَافِقَانِ يَمْشِيَانِ إذَا أَضَاءَ لَهُمْ الْبَرْق مَشَوْا فِيهِ , وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا . فَكَانُوا إذَا هَلَكَتْ أَمْوَالهمْ , وَوُلِدَ لَهُمْ الْجَوَارِي , وَأَصَابَهُمْ الْبَلَاء قَالُوا هَذَا مِنْ أَجْل دِين مُحَمَّد , فَارْتَدُّوا كُفَّارًا كَمَا قَامَ ذَانِكَ الْمُنَافِقَانِ حِين أَظْلَمَ الْبَرْق عَلَيْهِمَا وَالثَّالِث مَا : )380 - حَدَّثَنِي بِهِ مُحَمَّد بْن سَعْد ; قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي , قَالَ : حَدَّثَنِي عَمِّي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ جَدّه , عَنْ ابْن عَبَّاس : ( { أَوْ كَصَيِّبٍ مِنْ السَّمَاء } كَمَطَرٍ { فِيهِ ظُلُمَات وَرَعْد وَبَرْق } إلَى آخِر الْآيَة , هُوَ مِثْل الْمُنَافِق فِي ضَوْء مَا تَكَلَّمَ بِمَا مَعَهُ مِنْ كِتَاب اللَّه وَعَمَل , مُرَاءَاة لِلنَّاسِ , فَإِذَا خَلَا وَحْده عَمَل بِغَيْرِهِ . فَهُوَ فِي ظُلْمَة مَا أَقَامَ عَلَى ذَلِكَ . وَأَمَّا الظُّلُمَات فَالضَّلَالَة , وَأَمَّا الْبَرْق فَالْإِيمَان , وَهُمْ أَهْل الْكِتَاب . وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ , فَهُوَ رَجُل يَأْخُذ بِطَرَفِ الْحَقّ لَا يَسْتَطِيع أَنْ يُجَاوِزهُ . )وَالرَّابِع مَا : 381 - حَدَّثَنِي بِهِ الْمُثَنَّى , قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : حَدَّثَنِي مُعَاوِيَة بْن صَالِح , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ ابْن عَبَّاس ( { أَوْ كَصَيِّبٍ مِنْ السَّمَاء } وَهُوَ الْمَطَر , ضَرَبَ مَثَله فِي الْقُرْآن يَقُول : | فِيهِ ظُلُمَات | , يَقُول ابْتِلَاء . | وَرَعْد | يَقُول : فِيهِ تَخْوِيف , وَبَرْق { يَكَاد الْبَرْق يَخْطَف أَبْصَارهمْ } يَقُول : يَكَاد مُحْكَم الْقُرْآن يَدُلّ عَلَى عَوْرَات الْمُنَافِقِينَ , { كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ } يَقُول : كُلَّمَا أَصَابَ الْمُنَافِقُونَ مِنْ الْإِسْلَام عِزًّا اطْمَأَنُّوا , وَإِنْ أَصَابُوا الْإِسْلَام نَكْبَة , قَالُوا : ارْجِعُوا إلَى الْكُفْر يَقُول : { وَإِذَا أَظَلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا } كَقَوْلِهِ : { وَمِنْ النَّاس مَنْ يَعْبُد اللَّه عَلَى حَرْف فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْر اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَة } [22 11 ]إلَى آخِر الْآيَة . )ثُمَّ اخْتَلَفَ سَائِر أَهْل التَّأْوِيل بَعْد ذَلِكَ فِي نَظِير مَا رُوِيَ عَنْ ابْن عَبَّاس مِنْ الِاخْتِلَاف . 382 - فَحَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو الْبَاهِلِيّ , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِم , عَنْ عِيسَى بْن مَيْمُون , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : (إضَاءَة الْبَرْق وَإِظْلَامه عَلَى نَحْو ذَلِكَ الْمَثَل . )* وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْل عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد مِثْله . * حَدَّثَنَا عَمْرو بْن عَلِيّ , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح عَنْ مُجَاهِد مِثْله . 383 - وَحَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيد بْن زُرَيْع , عَنْ سَعِيد , عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْل اللَّه : ( { فِيهِ ظُلُمَات وَرَعْد وَبَرْق } إلَى قَوْله : { وَإِذَا أَظَلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا } , فَالْمُنَافِق إذَا رَأَى فِي الْإِسْلَام رَخَاء أَوْ طُمَأْنِينَة أَوَسَلْوَة مِنْ عَيْش , قَالَ : أَنَا مَعَكُمْ وَأَنَا مِنْكُمْ ; وَإِذَا أَصَابَتْهُ شِدَّة حقحق وَاَللَّه عِنْدهَا فَانْقَطَعَ بِهِ فَلَمْ يَصْبِر عَلَى بَلَائِهَا , وَلَمْ يَحْتَسِب أَجْرهَا وَلَمْ يَرْجُ عَاقِبَتهَا . )384 - وَحَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَةَ : { فِيهِ ظُلُمَات وَرَعْد وَبَرْق } يَقُول : (أَخْبَرَ عَنْ قَوْم لَا يَسْمَعُونَ شَيْئًا إلَّا ظَنُّوا أَنَّهُمْ هَالِكُونَ فِيهِ حَذَرًا مِنْ الْمَوْت , وَاَللَّه مُحِيط بِالْكَافِرِينَ . ثُمَّ ضَرَبَ لَهُمْ مَثَلًا آخَر فَقَالَ : { يَكَاد الْبَرْق يَخْطَف أَبْصَارهمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ } يَقُول : هَذَا الْمُنَافِق , إذَا كَثُرَ مَاله وَكَثُرَتْ مَاشِيَته وَأَصَابَتْهُ عَافِيَة قَالَ : لَمْ يُصِبْنِي مُنْذُ دَخَلْت فِي دِينِي هَذَا إلَّا خَيْر , { وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا } يَقُول : إذَا ذَهَبَتْ أَمْوَالهمْ وَهَلَكَتْ مَوَاشِيهمْ وَأَصَابَهُمْ الْبَلَاء قَامُوا مُتَحَيِّرِينَ . )385 - وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : حَدَّثَنَا إسْحَاق بْن الْحَجَّاج , عَنْ عَبْد اللَّه بْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع بْن أَنَس : { فِيهِ ظُلُمَات وَرَعْد وَبَرْق } قَالَ : (مَثَلهمْ كَمَثَلِ قَوْم سَارُوا فِي لَيْلَة مُظْلِمَة وَلَهَا مَطَر وَرَعْد وَبَرْق عَلَى جَادَّة , فَلَمَّا أَبَرَقَتْ أَبْصَرُوا الْجَادَّة فَمَضَوْا فِيهَا , وَإِذَا ذَهَبَ الْبَرْق تَحَيَّرُوا . وَكَذَلِكَ الْمُنَافِق كُلَّمَا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةِ الْإِخْلَاص أَضَاءَ لَهُ , فَإِذَا شَكَّ تَحَيَّرَ وَوَقَعَ فِي الظُّلْمَة , فَكَذَلِكَ قَوْله : { كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا } ثُمَّ قَالَ : فِي أَسَمَاعهمْ وَأَبْصَارهمْ الَّتِي عَاشُوا بِهَا فِي النَّاس { وَلَوْ شَاءَ اللَّه لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارهمْ } )قَالَ أَبُو جَعْفَر : 386 - وَحَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو تميلة , عَنْ عُبَيْد بْن سُلَيْمَان الْبَاهِلِيّ , عَنْ الضَّحَّاك بْن مُزَاحِم : ( { فِيهِ ظُلُمَات } قَالَ : أَمَّا الظُّلُمَات فَالضَّلَالَة , وَالْبَرْق : الْإِيمَان . )387 - وَحَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْد الرَّحْمَن بْن زَيْد فِي قَوْله : ( { فِيهِ ظُلُمَات وَرَعْد وَبَرْق } فَقَرَأَ حَتَّى بَلَغَ : { إنَّ اللَّه عَلَى كُلّ شَيْء قَدِير } قَالَ : هَذَا أَيْضًا مَثَل ضَرَبَهُ اللَّه لِلْمُنَافِقِينَ , كَانُوا قَدْ اسْتَنَارُوا بِالْإِسْلَامِ كَمَا اسْتَنَارَ هَذَا بِنُورِ هَذَا الْبَرْق . )388 - وَحَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاج , قَالَ : قَالَ ابْن جُرَيْجٍ : (لَيْسَ شَيْء فِي الْأَرْض سَمِعَهُ الْمُنَافِق إلَّا ظَنَّ أَنَّهُ يُرَاد بِهِ وَأَنَّهُ الْمَوْت كَرَاهِيَة لَهُ , وَالْمُنَافِق أَكْرَه خَلْق اللَّه لِلْمَوْتِ , كَمَا إذَا كَانُوا بِالْبَرَازِ فِي الْمَطَر فَرُّوا مِنْ الصَّوَاعِق . )389 - حَدَّثَنَا عَمْرو بْن عَلِيّ , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَة , قَالَ : حَدَّثَنَا ابْن جُرَيْجٍ , عَنْ عَطَاء فِي قَوْله : ( { أَوْ كَصَيِّبٍ مِنْ السَّمَاء فِيهِ ظُلُمَات وَرَعْد وَبَرْق } قَالَ : مَثَل ضُرِبَ لِلْكَفَّارِ . )وَهَذِهِ الْأَقْوَال الَّتِي ذَكَرْنَا عَمَّنْ رَوَيْنَاهَا عَنْهُ , فَإِنَّهَا وَإِنْ اخْتَلَفَتْ فِيهَا أَلْفَاظ قَائِلِيهَا مُتَقَارِبَات الْمَعَانِي لِأَنَّهَا جَمِيعًا تُنْبِئ عَنْ أَنَّ اللَّه ضَرَبَ الصَّيِّب لِظَاهِرِ إيمَان الْمُنَافِق مَثَلًا , وَمَثَل مَا فِيهِ مِنْ ظُلُمَات بِضَلَالَتِهِ , وَمَا فِيهِ مِنْ ضِيَاء بَرْق بِنُورِ إيمَانه , وَاتِّقَائِهِ مِنْ الصَّوَاعِق بِتَصْيِيرِ أَصَابِعه فِي أُذُنَيْهِ بِضَعْفِ جِنَانه وَنَخْب فُؤَاده مِنْ حُلُول عُقُوبَة اللَّه بِسَاحَتِهِ , وَمَشْيه فِي ضَوْء الْبَرْق بِاسْتِقَامَتِهِ عَلَى نُور إيمَانه , وَقِيَامه فِي الظَّلَام بِحِيرَتِهِ فِي ضَلَالَته وَارْتِكَاسه فِي عَمَهه فَتَأْوِيل الْآيَة إذًا إذَا كَانَ الْأَمْر عَلَى مَا وَصَفْنَا : أَوْ مِثْل مَا اسْتَضَاءَ بِهِ الْمُنَافِقُونَ مِنْ قَيْلهمْ لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ بِأَلْسِنَتِهِمْ : آمَنَّا بِاَللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِر وَبِمُحَمَّدٍ وَمَا جَاءَ بِهِ , حَتَّى صَارَ لَهُمْ بِذَلِكَ فِي الدُّنْيَا أَحْكَام الْمُؤْمِنِينَ , وَهُمْ مَعَ إظْهَارهمْ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا يُظْهِرُونَ بِاَللَّهِ وَبِرَسُولِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْد اللَّه وَبِالْيَوْمِ الْآخِر , مُكَذِّبُونَ , وَلِخِلَافِ مَا يُظْهِرُونَ بِالْأَلْسُنِ فِي قُلُوبهمْ مُعْتَقِدُونَ , عَلَى عَمًى مِنْهُمْ وَجَهَالَة بِمَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ الضَّلَالَة لَا يَدْرُونَ أَيّ الْأَمْرَيْنِ اللَّذَيْنِ قَدْ شُرِعَ لَهُمْ [ فِيهِ ] الْهِدَايَة فِي الْكُفْر الَّذِي كَانُوا عَلَيْهِ قَبْل إرْسَال اللَّه مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا أَرْسَلَهُ بِهِ إلَيْهِمْ , أَمْ فِي الَّذِي أَتَاهُمْ بِهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ عِنْد رَبّهمْ ؟ فَهُمْ مِنْ وَعِيد اللَّه إيَّاهُمْ عَلَى لِسَان مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجِلُونَ , وَهُمْ مَعَ وَجَلِهِمْ مِنْ ذَلِكَ فِي حَقِيقَته شَاكُّونَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَض فَزَادَهُمْ اللَّهُ مَرَضًا . كَمَثَلِ غَيْث سَرَى لَيْلًا فِي مُزْنَة ظَلْمَاء وَلَيْلَة مُظْلِمَة يَحْدُوهَا رَعْد وَيَسْتَطِير فِي حَافَّاتهَا بَرْق شَدِيد لَمَعَانه كَثِير خَطَرَانه , يَكَاد سَنَا بَرْقه يَذْهَب بِالْأَبْصَارِ , وَيَخْتَطِفهَا مِنْ شِدَّة ضِيَائِهِ وَنُور شُعَاعه وَيَنْهَبِط مِنْهَا تَارَات صَوَاعِق تَكَاد تَدْعُ النَّفُوس مِنْ شِدَّة أَهْوَالهَا زَوَاهِق . فَالصَّيِّب مَثَل لِظَاهِرِ مَا أَظَهَرَ الْمُنَافِقُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مِنْ الْإِقْرَار وَالتَّصْدِيق , وَالظُّلُمَات الَّتِي هِيَ فِيهِ لِظُلُمَاتِ ما هم مُسْتَبْطِنُونَ مِنْ الشَّكّ وَالتَّكْذِيب وَمَرَض الْقُلُوب . وَأَمَّا الرَّعْد وَالصَّوَاعِق فَلِمَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ الْوَجَل مِنْ وَعِيد اللَّه إيَّاهُمْ عَلَى لِسَان رَسُوله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي آي كِتَابه , إمَّا فِي الْعَاجِل وَإِمَّا فِي الْآجِل , أَيْ يَحِلّ بِهِمْ مَعَ شَكّهمْ فِي ذَلِكَ : هَلْ هُوَ كَائِن , أَمْ غَيْر كَائِن , وَهَلْ لَهُ حَقِيقَة أَمْ ذَلِكَ كَذِب وَبَاطِل ؟ مَثَل . فَهُمْ مِنْ وَجِلهمْ أَنْ يَكُون ذَلِكَ حَقًّا يَتَّقُونَهُ بِالْإِقْرَارِ بِمَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَخَافَة عَلَى أَنْفُسهمْ مِنْ الْهَلَاك وَنُزُول النَّقَمَات وَذَلِكَ تَأْوِيل قَوْله جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { يَجْعَلُونَ أَصَابِعهمْ فِي آذَانهمْ مِنْ الصَّوَاعِق حَذَر الْمَوْت } يَعْنِي بِذَلِكَ يَتَّقُونَ وَعِيد اللَّه الَّذِي أَنْزَلَهُ فِي كِتَابه عَلَى لِسَان رَسُوله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا يُبْدُونَهُ بِأَلْسِنَتِهِمْ مِنْ ظَاهِر الْإِقْرَار , كَمَا يَتَّقِي الْخَائِف أَصْوَات الصَّوَاعِق بِتَغْطِيَةِ أُذُنِيهِ وَتَصْيِير أَسَابِعه فِيهَا حَذَرًا عَلَى نَفْسه مِنْهَا . وَقَدْ ذَكَرْنَا الْخَبَر الَّذِي رُوِيَ عَنْ ابْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس أَنَّهُمَا كَانَا يَقُولَانِ : إنَّ الْمُنَافِقِينَ كَانُوا إذَا حَضَرُوا مَجْلِس رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَدَخَلُوا أَصَابِعهمْ فِي آذَانهمْ فَرَقًا مِنْ كَلَام رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَنْزِل فِيهِمْ شَيْء , أَوْ يُذْكَرُوا بِشَيْءٍ فَيُقَتَّلُوا . فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ صَرِيحًا , وَلَسْت أَعْلَمهُ صَحِيحًا , إذْ كُنْت بِإِسْنَادِهِ مُرْتَابًا ; فَإِنَّ الْقَوْل الَّذِي رُوِيَ عَنْهُمَا هُوَ الْقَوْل وَإِنْ يَكُنْ غَيْر صَحِيح , فَأَوْلَى بِتَأْوِيلِ الْآيَة مَا قُلْنَا ; لِأَنَّ اللَّه إنَّمَا قَصَّ عَلَيْنَا مِنْ خَبَرهمْ فِي أَوَّل مُبْتَدَأ قَصَصهمْ أَنَّهُمْ يُخَادِعُونَ اللَّه وَرَسُوله وَالْمُؤْمِنِينَ بِقَوْلِهِمْ آمَنَّا بِاَللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِر مَعَ شَكّ قُلُوبهمْ وَمَرَض أَفْئِدَتهمْ فِي حَقِيقَة مَا زَعَمُوا أَنَّهُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ مِمَّا جَاءَهُمْ بِهِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ عِنْد رَبّهمْ , وَبِذَلِكَ وَصَفَهُمْ فِي جَمِيع آي الْقُرْآن الَّتِي ذَكَرَ فِيهَا صِفَتهمْ . فَكَذَلِكَ ذَلِكَ فِي هَذِهِ الْآيَة . وَإِنَّمَا جَعَلَ اللَّه إدْخَالهمْ أَصَابِعهمْ فِي آذَانهمْ مَثَلًا لِاتِّقَائِهِمْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُؤْمِنِينَ بِمَا ذَكَرْنَا أَنَّهُمْ يَتَّقُونَهُمْ بِهِ كَمَا يَتَّقِي سَامِع صَوْت الصَّاعِقَة بِإِدْخَالِ أَصَابِعه فِي أُذُنَيْهِ . وَذَلِكَ مِنْ الْمَثَل نَظِير تَمْثِيل اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ مَا أُنْزِلَ فِيهِمْ مِنْ الْوَعِيد فِي آي كِتَابه بِأَصْوَاتِ الصَّوَاعِق , وَكَذَلِكَ قَوْله : { حَذَر الْمَوْت } جَعَلَهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ مَثَلًا لِخَوْفِهِمْ وَإِشْفَاقهمْ مِنْ حُلُول عَاجِل الْعِقَاب الْمُهْلِك الَّذِي تَوَعَّدَهُ بِسَاحَتِهِمْ , كَمَا يَجْعَل سَامِع أَصْوَات الصَّوَاعِق أَصَابِعه فِي أُذُنَيْهِ حَذَر الْعَطْب وَالْمَوْت عَلَى نَفْسه أَتُزْهَقُ مِنْ شِدَّتهَا . إنَّمَا نَصَبَ قَوْله : { حَذَر الْمَوْت } عَلَى نَحْو مَا تَنْصِب بِهِ التَّكْرِمَة فِي قَوْلك : زُرْتُك تَكْرِمَةً لَك , تُرِيد بِذَلِكَ : مِنْ أَجْل تَكْرِمَتك , وَكَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا } [21 90 ]عَلَى التَّفْسِير لِلْفِعْلِ . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ قَتَادَةَ أَنَّهُ كَانَ يَتَأَوَّل قَوْله : { حَذَر الْمَوْت } : حَذَرًا مِنْ الْمَوْت . 390 - حَدَّثَنَا بِذَلِكَ الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَنْبَأَنَا مَعْمَر عَنْهُ . وَذَلِكَ مَذْهَب مِنْ التَّأْوِيل ضَعِيف لِأَنَّ الْقَوْم لَمْ يَجْعَلُوا أَصَابِعهمْ فِي آذَانهمْ حَذَرًا مِنْ الْمَوْت فَيَكُون مَعْنَاهُ مَا قَالَ إنَّهُ مُرَاد بِهِ حَذَرًا مِنْ الْمَوْت , وَإِنَّمَا جَعَلُوهَا مِنْ حَذَارِ الْمَوْت فِي آذَانهمْ . وَكَانَ قَتَادَةَ وَابْن جُرَيْجٍ يَتَأَوَّلَانِ قَوْله : { يَجْعَلُونَ أَصَابِعهمْ فِي آذَانهمْ مِنْ الصَّوَاعِق حَذَر الْمَوْت } أَنَّ ذَلِكَ مِنْ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ صِفَة لِلْمُنَافِقِينَ بِالْهَلَعِ , وَضَعْف الْقُلُوب , وَكَرَاهَة الْمَوْت , يَتَأَوَّلَانِ فِي ذَلِكَ قَوْله : { يَحْسَبُونَ كُلّ صَيْحَة عَلَيْهِمْ } [63 4 ]وَلَيْسَ الْأَمْر فِي ذَلِكَ عِنْدِي كَاَلَّذِي قَالَا , وَذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ كَانَ فِيهِمْ مِنْ لَا تُنْكِر شَجَاعَته وَلَا تُدْفَع بَسَالَته كَقُزْمَانَ الَّذِي لَمْ يَقُمْ مَقَامه أَحَد مِنْ الْمُؤْمِنِينَ بِأَحَدٍ أَوْ دُونه . وَإِنَّمَا كَانَتْ كَرَاهَتهمْ شُهُود الْمَشَاهِد مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَرْكهمْ مُعَاوَنَته عَلَى أَعْدَائِهِ ; لِأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا أَدِيَانهمْ مُسْتَبْصِرِينَ وَلَا بِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُصَدِّقِينَ , فَكَانُوا لِلْحُضُورِ مَعَهُ مَشَاهِده كَارِهِينَ , إلَّا بِالتَّخْذِيلِ عَنْهُ . وَلَكِنْ ذَلِكَ وَصْف مِنْ اللَّه جَلَّ ثَنَائِهِمْ لَهُمْ بِالْإِشْفَاقِ مِنْ حُلُول عُقُوبَة اللَّه بِهِمْ عَلَى نِفَاقهمْ , إمَّا عَاجِلًا , وَإِمَّا آجِلًا .|وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ|ثُمَّ أَخْبَرَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ نَعَتَهُمْ النَّعْت الَّذِي ذَكَرَ وَضَرَبَ لَهُمْ الْأَمْثَال الَّتِي وَصَفَ وَإِنْ اتَّقَوْا عِقَابه وَأَشْفَقُوا عَذَابه إشْفَاق الْجَاعِل فِي أُذُنَيْهِ أَصَابِعه حِذَار حُلُول الْوَعِيد الَّذِي تَوَعَّدَهُمْ بِهِ أَيْ كِتَابه , غَيْر مُنْجِيهمْ ذَلِكَ مِنْ نُزُوله بِعَقْوَتِهِمْ وَحُلُوله بِسَاحَتِهِمْ , إمَّا عَاجِلًا فِي الدُّنْيَا , وَإِمَّا آجِلًا فِي الْآخِرَة , لِلَّذِي فِي قُلُوبهمْ مِنْ مَرَضهَا وَالشَّكّ فِي اعْتِقَادهَا , فَقَالَ : { وَاَللَّه مُحِيط بِالْكَافِرِينَ } بِمَعْنَى جَامِعهمْ فَمَحِلّ بِهِمْ عُقُوبَته . وَكَانَ مُجَاهِد يَتَأَوَّل ذَلِكَ كَمَا : 391 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو الْبَاهِلِيّ , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِم عَنْ عِيسَى بْن مَيْمُون , عَنْ عَبْد اللَّه بْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْل اللَّه : { وَاَللَّه مُحِيط بِالْكَافِرِينَ } قَالَ : (جَامِعهمْ فِي جَهَنَّم . )وَأَمَّا ابْن عَبَّاس فَرُوِيَ عَنْهُ فِي ذَلِكَ مَا : 392 - حَدَّثَنِي بِهِ ابْن حُمَيْدٍ , قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَة , عَنْ ابْن إسْحَاق , عَنْ مُحَمَّد بْن أَبِي مُحَمَّد مَوْلَى زَيْد بْن ثَابِت عَنْ عِكْرِمَة , أَوْ عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ ابْن عَبَّاس : { وَاَللَّه مُحِيط بِالْكَافِرِينَ } يَقُول : (اللَّه مُنْزِل ذَلِكَ بِهِمْ مِنْ النِّقْمَة )* حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : حَدَّثَنَا حَجَّاج عَنْ ابْن جُرَيْجٍ , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْله : ( { وَاَللَّه مُحِيط بِالْكَافِرِينَ } قَالَ : جَامِعهمْ .)

يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ

ثُمَّ عَادَ جَلَّ ذِكْره إلَى نَعْت إقْرَار الْمُنَافِقِينَ بِأَلْسِنَتِهِمْ , وَالْخَبَر عَنْ وَعَنْهُمْ وَعَنْ نِفَاقهمْ , وَإِتْمَام الْمَثَل الَّذِي ابْتَدَأَ ضَرْبه لَهُمْ وَلِشَكِّهِمْ وَمَرَض قُلُوبهمْ , فَقَالَ : { يَكَاد الْبَرْق } يَعْنِي بِالْبَرْقِ : الْإِقْرَار الَّذِي أَضَرُّوهُ بِأَلْسِنَتِهِمْ بِاَللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْد رَبّهمْ , فَجَعَلَ الْبَرْق لَهُ مَثَلًا عَلَى مَا قَدَّمْنَا صِفَته . { يَخْطَف أَبْصَارهمْ } يَعْنِي : يَذْهَب بِهَا وَيَسْتَلِبهَا وَيَلْتَمِعهَا مِنْ شِدَّة ضِيَائِهِ وَنُور شُعَاعه . كَمَا : 393 - حُدِّثْت عَنْ المنجاب بْن الْحَارِث , قَالَ : حَدَّثَنَا بِشْر بْن عَمَّار , عَنْ أَبِي رَوْق عَنْ الضَّحَّاك , عَنْ ابْن عَبَّاس , فِي قَوْله : { يَكَاد الْبَرْق يَخْطَف أَبْصَارهمْ } قَالَ : (يَلْتَمِع أَبْصَارهمْ وَلَمَّا يَفْعَل . )قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَالْخَطْف : السَّلَب , وَمِنْهُ الْخَبَر الَّذِي رُوِيَ عَنْ النَّبِيّ | أَنَّهُ نَهَى عَنْ الْخَطْفَة | يَعْنِي بِهَا النُّهْبَة ; وَمِنْهُ قِيلَ لِلْخَطَّافِ الَّذِي يَخْرَج بِهِ الدَّلْو مِنْ الْبِئْر خُطَّاف لِاخْتِطَافِهِ وَاسْتِلَابه مَا عَلَّقَ بِهِ . وَمِنْهُ قَوْل نَابِغَة بَنِي ذُبْيَان : <br>خَطَاطِيف حُجْن فِي حِبَال مَتِينَة .......... تَمُدّ بِهَا أَيْدٍ إلَيْك نَوَازِع <br>فَجَعَلَ ضَوْء الْبَرْق وَشِدَّة شُعَاع نُوره كَضَوْءِ إقْرَارهمْ بِأَلْسِنَتِهِمْ وبِرَسُولِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْد اللَّه وَالْيَوْم الْآخِر وَشُعَاع نُوره , مَثَلًا|كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ|ثُمَّ قَالَ تَعَالَى ذِكْره { كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ } يَعْنِي أَنَّ الْبَرْق كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ , وَجَعَلَ الْبَرْق لِإِيمَانِهِمْ مَثَلًا . وَإِنَّمَا أَرَادَ بِذَلِكَ أَنَّهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ الْإِيمَان وَإِضَاءَتهمْ لَهُمْ أَنْ يَرَوْا فِيهِ مَا يُعْجِبهُمْ فِي عَاجِل دُنْيَاهُمْ مِنْ النُّصْرَة عَلَى الْأَعْدَاء , وَإِصَابَة الْغَنَائِم فِي الْمَغَازِي , وَكَثْرَة الْفُتُوح , وَمَنَافِعهَا , وَالثَّرَاء فِي الْأَمْوَال , وَالسَّلَامَة فِي الْأَبَدَانِ وَالْأَهْل وَالْأَوْلَاد , فَذَلِكَ إضَاءَته لَهُمْ ; لِأَنَّهُمْ إنَّمَا يُظْهِرُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا يُظْهِرُونَهُ مِنْ الْإِقْرَار ابْتِغَاء ذَلِكَ , وَمُدَافَعَة عَنْ أَنْفُسهمْ وَأَمْوَالهمْ وَأَهْلِيهِمْ وَذَرَارِيّهمْ , وَهُمْ كَمَا وَصَفَهُمْ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : { وَمِنْ النَّاس مَنْ يَعْبُد اللَّه عَلَى حَرْف فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْر اطْمَأَنَّ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَة انْقَلَبَ عَلَى وَجْهه } [22 11]|مَشَوْا فِيهِ|وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ : { مَشَوْا فِيهِ } مَشَوْا فِي ضَوْء الْبَرْق . وَإِنَّمَا ذَلِكَ مَثَل لِإِقْرَارِهِمْ عَلَى مَا وَصَفْنَا . فَمَعْنَاهُ : كُلَّمَا رَأَوْا فِي الْإِيمَان مَا يُعْجِبهُمْ فِي عَاجِل دُنْيَاهُمْ عَلَى مَا وَصَفْنَا , ثَبَتُوا عَلَيْهِ وَأَقَامُوا فِيهِ , كَمَا يَمْشِي السَّائِر فِي ظُلْمَة اللَّيْل وَظُلْمَة الصَّيِّب الَّذِي وَصَفَهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ , إذَا بَرَقَتْ فِيهَا بَارِقَة أَبْصَرَ طَرِيقه فِيهَا ;|وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا| { وَإِذَا أَظَلَمَ } يَعْنِي ذَهَبَ ضَوْء الْبَرْق عَنْهُمْ وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ : | عَلَيْهِمْ | : عَلَى السَّائِرِينَ فِي الصَّيِّب الَّذِي وَصَفَ جَلَّ ذِكْره , وَذَلِكَ لِلْمُنَافِقِينَ مَثَل . وَمَعْنَى إظْلَام ذَلِكَ : أَنَّ الْمُنَافِقِينَ كُلَّمَا لَمْ يَرَوْا فِي الْإِسْلَام مَا يُعْجِبهُمْ فِي دُنْيَاهُمْ عِنْد ابْتِلَاء اللَّه مُؤْمِنِي عِبَاده بِالضَّرَّاءِ وَتَمْحِيصه إيَّاهُمْ بِالشَّدَائِدِ وَالْبَلَاء مِنْ إخْفَاقهمْ فِي مَغْزَاهُمْ وَإِنَالَة عَدُوّهُمْ مِنْهُمْ , أَوْ إدْبَار مِنْ دُنْيَاهُمْ عَنْهُمْ ; أَقَامُوا عَلَى نِفَاقهمْ وَثَبَتُوا عَلَى ضَلَالَتهمْ كَمَا قَامَ السَّائِر فِي الصَّيِّب الَّذِي وَصَفَ جَلَّ ذِكْره إذَا أَظَلَمَ وَخَفَتَ ضَوْء الْبَرْق , فَحَارَ فِي طَرِيقه فَلَمْ يَعْرِف مَنْهَجه .|وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ|الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَوْ شَاءَ اللَّه لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارهمْ } </subtitle>قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَإِنَّمَا خَصَّ جَلَّ ذِكْره السَّمْع وَالْأَبْصَار بِأَنَّهُ لَوْ شَاءَ أَذَهَبَهَا مِنْ الْمُنَافِقِينَ دُون سَائِر أَعْضَاء أَجْسَامهمْ لِلَّذِي جَرَى مِنْ ذِكْرهَا فِي الْآيَتَيْنِ , أَعْنِي قَوْله : { يَجْعَلُونَ أَصَابِعهمْ فِي آذَانهمْ مِنْ الصَّوَاعِق } وَقَوْله : { يَكَاد الْبَرْق يَخْطَف أَبْصَارهمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ } فَجَرَى ذِكْرهَا فِي الْآيَتَيْنِ عَلَى وَجْه الْمَثَل . ثُمَّ عَقَّبَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ ذِكْر ذَلِكَ بِأَنَّهُ لَوْ شَاءَ أَذَهَبَهُ مِنْ الْمُنَافِقِينَ عُقُوبَة لَهُمْ عَلَى نِفَاقهمْ وَكُفْرهمْ , وَعِيدًا مِنْ اللَّه لَهُمْ , كَمَا تَوَعَّدَهُمْ فِي الْآيَة الَّتِي قَبْلهَا بِقَوْلِهِ : { وَاَللَّه مُحِيط بِالْكَافِرِينَ } وَاصِفًا بِذَلِكَ جَلَّ ذِكْره نَفْسه أَنَّهُ الْمُقْتَدِر عَلَيْهِمْ وَعَلَى جَمْعهمْ , لِإِحْلَالِ سَخَطه بِهِمْ , وَإِنْزَال نِقْمَته عَلَيْهِمْ , وَمُحَذِّرهمْ بِذَلِكَ سَطْوَته , وَمُخَوِّفهمْ بِهِ عُقُوبَته , لِيَتَّقُوا بَأْسه , وَيُسَارِعُوا إلَيْهِ بِالتَّوْبَةِ . كَمَا : 394 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْدٍ , قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَة , عَنْ ابْن إسْحَاق , عَنْ مُحَمَّد بْن أَبِي مُحَمَّد , عَنْ عِكْرِمَة , أَوْ عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ ابْن عَبَّاس : { وَلَوْ شَاءَ اللَّه لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارهمْ } لَمَّا تَرَكُوا مِنْ الْحَقّ بَعْد مَعْرِفَته . 395 - وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : حَدَّثَنَا إسْحَاق , قَالَ : حَدَّثَنَا ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع بْن أَنَس , قَالَ : ثُمَّ قَالَ (يَعْنِي قَالَ اللَّه - فِي سَمَاعهمْ يَعْنِي أَسَمَاع الْمُنَافِقِينَ وَأَبْصَارهمْ الَّتِي عَاشُوا بِهَا فِي النَّاس - : { وَلَوْ شَاءَ اللَّه لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارهمْ } . )قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَإِنَّمَا مَعْنَى قَوْله : { لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارهمْ } لَأَذْهَبَ سَمْعهمْ وَأَبْصَارهمْ , وَلَكِنَّ الْعَرَب إذَا أَدَخَلُوا الْبَاء فِي مِثْل ذَلِكَ قَالُوا : ذَهَبْت بِبَصَرِهِ , وَإِذَا حَذَفُوا الْبَاء قَالُوا : أَذَهَبْت بَصَره , كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { آتِنَا غَدَاءَنَا } [18 62 ]وَلَوْ أُدْخِلَتْ الْبَاء فِي الْغَدَاء لَقِيلَ : ائْتِنَا بِغَدَائِنَا . قَالَ أَبُو جَعْفَر : فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِل : وَكَيْفَ قِيلَ : { لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ } فَوَحَّدَ , وَقَالَ : { وَأَبْصَارهمْ } فَجَمَعَ ؟ وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ الْخَبَر فِي السَّمْع خَبَر عَنْ سَمْع جَمَاعَة , كَمَا الْخَبَر فِي الْأَبْصَار خَبَر عَنْ أَبْصَار جَمَاعَة ؟ قِيلَ : قَدْ اخْتَلَفَ أَهْل الْعَرَبِيَّة فِي ذَلِكَ , فَقَالَ بَعْض نَحْوِيِّي الْكُوفَة : وَحَّدَ السَّمْع لِأَنَّهُ عَنَى بِهِ الْمَصْدَر وَقَصَدَ بِهِ الْخَرْق , وَجَمَعَ الْأَبْصَار لِأَنَّهُ عَنَى بِهِ الْأَعْيُن . وَكَانَ بَعْض نَحْوِيِّي الْبَصْرَة يَزْعُم أَنَّ السَّمْع وَإِنْ كَانَ فِي لَفْظ وَاحِد فَإِنَّهُ بِمَعْنَى جَمَاعَة , وَيَحْتَجّ فِي ذَلِكَ بِقَوْلِ اللَّه : { لَا يَرْتَدّ إلَيْهِمْ طَرْفهمْ } [14 43 ]يُرِيد لَا تَرْتَدّ إلَيْهِمْ أَطْرَافهمْ , وَبِقَوْلِهِ : { وَيُوَلُّونَ الدُّبُر } [54 45 ]يُرَاد بِهِ أَدْبَارهمْ . وَإِنَّمَا جَازَ ذَلِكَ عِنْدِي لِأَنَّ فِي الْكَلَام مَا يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ مُرَاد بِهِ الْجَمْع , فَكَانَ فِيهِ دَلَالَة عَلَى الْمُرَاد مِنْهُ , وَأَدَاء مَعْنَى الْوَاحِد مِنْ السَّمْع عَنْ مَعْنَى جَمَاعَة مُغْنِيًا عَنْ جِمَاعِهِ , وَلَوْ فَعَلَ بِالْبَصَرِ نَظِير الَّذِي فَعَلَ بِالسَّمْعِ , أَوْ فَعَلَ بِالسَّمْعِ نَظِير الَّذِي فَعَلَ بِالْأَبْصَارِ مِنْ الْجَمْع وَالتَّوْحِيد , كَانَ فَصِيحًا صَحِيحًا لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْعِلَّة ; كَمَا قَالَ الشَّاعِر : <br>كُلُوا فِي بَعْض بَطْنكُمْ تَعِفُّوا .......... فَإِنَّ زَمَاننَا زَمَن خَمِيص <br>فَوَحَّدَ الْبَطْن , وَالْمُرَاد مِنْهُ الْبُطُون لِمَا وَصَفْنَا مِنْ الْعِلَّة .|إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ|الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { إنَّ اللَّه عَلَى كُلّ شَيْء قَدِير } </subtitle>قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَإِنَّمَا وَصَفَ اللَّه نَفْسه جَلَّ ذِكْره بِالْقُدْرَةِ عَلَى كُلّ شَيْء فِي هَذَا الْمَوْضِع , لِأَنَّهُ حَذَّرَ الْمُنَافِقِينَ بَأْسه وَسَطْوَته وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ بِهِمْ مُحِيط وَعَلَى إذْهَاب أَسَمَاعهمْ وَأَبْصَارهمْ قَدِير , ثُمَّ قَالَ : فَاتَّقُونِي أَيّهَا الْمُنَافِقُونَ وَاحْذَرُوا خِدَاعِي وَخِدَاع رَسُولِي وَأَهْل الْإِيمَان بِي لَا أُحِلّ بِكُمْ نِقْمَتِي فَإِنِّي عَلَى ذَلِكَ وَعَلَى غَيْره مِنْ الْأَشْيَاء قَدِير . وَمَعْنَى قَدِير : قَادِر , كَمَا مَعْنَى عَلِيم : عَالِم , عَلَى مَا وَصَفْت فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ نَظَائِره مِنْ زِيَادَة مَعْنَى فَعِيل عَلَى فَاعِل فِي الْمَدْح وَالذَّمّ .

يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { يَا أَيّهَا النَّاس اُعْبُدُوا رَبّكُمْ وَاَلَّذِي خَلَقَكُمْ وَاَلَّذِينَ مِنْ قَبْلكُمْ } </subtitle>قَالَ أَبُو جَعْفَر : فَأَمَرَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ الْفَرِيقَيْنِ اللَّذَيْنِ أَخْبَرَ اللَّه عَنْ أَحَدهمَا أَنَّهُ سَوَاء عَلَيْهِمْ أَأُنْذِرُوا أَمْ لَمْ يُنْذَرُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ , لِطَبْعِهِ عَلَى قُلُوبهمْ , وَعَلَى سَمْعهمْ وَأَبْصَارهمْ , وَعَنْ الْآخَر أَنَّهُ يُخَادِع اللَّه وَاَلَّذِينَ آمَنُوا بِمَا يُبْدِي بِلِسَانِهِ مِنْ قَبْله : آمَنَّا بِاَللَّهِ وَالْيَوْم الْآخِر , مَعَ اسْتِبْطَانه خِلَاف ذَلِكَ , وَمَرَض قَلْبه , وَشَكّه فِي حَقِيقَة مَا يُبْدِي مِنْ ذَلِكَ ; وَغَيْرهمْ مِنْ سَائِر خَلْقه الْمُكَلَّفِينَ , بِالِاسْتِكَانَةِ وَالْخُضُوع لَهُ بِالطَّاعَةِ , وَإِفْرَاد الرُّبُوبِيَّة لَهُ , وَالْعِبَادَة دُون الْأَوْثَان وَالْأَصْنَام وَالْآلِهَة ; لِأَنَّ جَلَّ ذِكْره هُوَ خَالِقهمْ وَخَالِق مَنْ قَبْلهمْ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَجْدَادهمْ , وَخَالِق أَصْنَامهمْ وَأَوْثَانهمْ وَآلِهَتهمْ , فَقَالَ لَهُمْ جَلَّ ذِكْره : فَاَلَّذِي خَلَقَكُمْ وَخَلَقَ آبَاءَكُمْ وَأَجْدَادكُمْ وَسَائِر الْخَلْق غَيْركُمْ وَهُوَ يَقْدِر عَلَى ضَرّكُمْ وَنَفْعكُمْ أَوْلَى بِالطَّاعَةِ مِمَّنْ لَا يَقْدِر لَكُمْ عَلَى نَفْع وَلَا ضَرّ . وَكَانَ ابْن عَبَّاس فِيمَا رُوِيَ لَنَا عَنْهُ يَقُول فِي ذَلِكَ نَظِير مَا قُلْنَا فِيهِ , غَيْر أَنَّهُ ذُكِرَ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَقُول فِي مَعْنَى : { اُعْبُدُوا رَبّكُمْ } وَحِّدُوا رَبّكُمْ . وَقَدْ دَلَّلْنَا فِيمَا مَضَى مِنْ كِتَابنَا هَذَا عَلَى أَنَّ مَعْنَى الْعِبَادَة الْخُضُوع لِلَّهِ بِالطَّاعَةِ وَالتَّذَلُّل لَهُ بِالِاسْتِكَانَةِ . وَاَلَّذِي أَرَادَ ابْن عَبَّاس إنْ شَاءَ اللَّه بِقَوْلِهِ فِي تَأْوِيل قَوْله : { اُعْبُدُوا رَبّكُمْ } وَحِّدُوهُ : أَيْ أَفْرِدُوا الطَّاعَة وَالْعِبَادَة لِرَبِّكُمْ دُون سَائِر خَلْقه . 396 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن حُمَيْدٍ , قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَة , عَنْ ابْن إسْحَاق , عَنْ مُحَمَّد بْن أَبِي مُحَمَّد , عَنْ عِكْرِمَة , أَوْ عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَالَ : (قَالَ اللَّه : { يَا أَيّهَا النَّاس اُعْبُدُوا رَبّكُمْ } لِلْفَرِيقَيْنِ جَمِيعًا مِنْ الْكُفَّار وَالْمُنَافِقِينَ , أَيْ وَحِّدُوا رَبّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَاَلَّذِينَ مِنْ قَبْلكُمْ . )397 - وَحَدَّثَنِي مُوسَى بْن هَارُونَ , قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرو بْن حَمَّاد , عَنْ أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ فِي خَبَر ذَكَرَهُ , عَنْ أَبِي مَالِك , وَعَنْ أَبِي صَالِح , عَنْ ابْن عَبَّاس , وَعَنْ مُرَّة , عَنْ ابْن مَسْعُود , وَعَنْ نَاس مِنْ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( { يَا أَيّهَا النَّاس اُعْبُدُوا رَبّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَاَلَّذِينَ مِنْ قَبْلكُمْ } يَقُول : خَلَقَكُمْ وَخَلَقَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلكُمْ . )قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَهَذِهِ الْآيَة مِنْ أَدَلّ دَلِيل عَلَى فَسَاد قَوْل مَنْ زَعَمَ أَنَّ تَكْلِيف مَا لَا يُطَاق إلَّا بِمَعُونَةِ اللَّه غَيْر جَائِز إلَّا بَعْد إعْطَاء اللَّه الْمُكَلَّف الْمَعُونَة عَلَى مَا كَلَّفَهُ . وَذَلِكَ أَنَّ اللَّه أَمَرَ مَنْ وَصَفْنَا بِعِبَادَتِهِ وَالتَّوْبَة مِنْ كُفْره , بَعْد إخْبَاره عَنْهُمْ أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ وَأَنَّهُمْ عَنْ ضَلَالَتهمْ لَا يَرْجِعُونَ .|قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ|الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } </subtitle>قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَتَأْوِيل ذَلِكَ : لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ بِعِبَادَتِكُمْ رَبّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ , وَطَاعَتكُمْ إيَّاهُ فِيمَا أَمَرَكُمْ بِهِ وَنَهَاكُمْ عَنْهُ , وَإِفْرَادكُمْ لَهُ الْعِبَادَة , لِتَتَّقُوا سَخَطه وَغَضَبه أَنْ يَحِلّ عَلَيْكُمْ , وَتَكُونُوا مِنْ الْمُتَّقِينَ الَّذِينَ رَضِيَ عَنْهُمْ رَبّهمْ . وَكَانَ مُجَاهِد يَقُول فِي تَأْوِيل قَوْله : { لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } : تُطِيعُونَ 398 - حَدَّثَنَا ابْن وَكِيع , قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ سُفْيَان , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْله : ( { لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } قَالَ : لَعَلَّكُمْ تُطِيعُونَ . )قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَاَلَّذِي أَظُنّ أَنَّ مُجَاهِدًا أَرَادَ بِقَوْلِهِ هَذَا : لَعَلَّكُمْ أَنْ تَتَّقُوا رَبّكُمْ بِطَاعَتِكُمْ إيَّاهُ وَإِقْلَاعكُمْ عَنْ ضَلَالَتكُمْ . قَالَ أَبُو جَعْفَر : فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِل : فَكَيْف قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } ؟ أَوْ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِمَا يَصِير إلَيْهِ أَمَرَهُمْ إذَا هُمْ عَبَدُوهُ وَأَطَاعُوهُ , حَتَّى قَالَ لَهُمْ : لَعَلَّكُمْ إذَا فَعَلْتُمْ ذَلِكَ أَنْ تَتَّقُوا , فَأَخْرَجَ الْخَبَر عَنْ عَاقِبَة عِبَادَتهمْ إيَّاهُ مَخْرَج الشَّكّ ؟ قِيلَ لَهُ : ذَلِكَ عَلَى غَيْر الْمَعْنَى الَّذِي تَوَهَّمَتْ , وَإِنَّمَا مَعْنَى ذَلِكَ : اُعْبُدُوا رَبّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَاَلَّذِينَ مِنْ قَبْلكُمْ , لِتَتَّقُوهُ بِطَاعَتِهِ وَتَوْحِيده وَإِفْرَاده بِالرُّبُوبِيَّةِ وَالْعِبَادَة , كَمَا قَالَ الشَّاعِر : <br>وَقُلْتُمْ لَنَا كُفُّوا الْحُرُوب لَعَلَّنَا .......... نَكُفّ وَوَثَّقْتُمْ لَنَا كُلّ مَوْثِق <br><br>فَلَمَّا كَفْننَا الْحَرْب كَانَتْ عُهُودكُمْ .......... كَلَمْحِ سَرَاب فِي الْفَلَا مُتَأَلِّق <br>يُرِيد بِذَلِكَ : قُلْتُمْ لَنَا كُفُّوا لِنَكُفّ . وَذَلِكَ أَنَّ | لَعَلَّ | فِي هَذَا الْمَوْضِع لَوْ كَانَ شَكًّا لَمْ يَكُونُوا وَثَّقُوا لَهُمْ كُلّ مَوْثِق .

الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الْأَرْض فِرَاشًا } </subtitle>وَقَوْله : { الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الْأَرْض فِرَاشًا } مَرْدُود عَلَى | الَّذِي | الْأُولَى فِي قَوْله : { اُعْبُدُوا رَبّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ } وَهُمَا جَمِيعًا مِنْ نَعْت | رَبّكُمْ | , فَكَأَنَّهُ قَالَ : اُعْبُدُوا رَبّكُمْ الْخَالِقَكُمْ , وَالْخَالِق الَّذِينَ مِنْ قَبْلكُمْ , الْجَاعِل لَكُمْ الْأَرْض فِرَاشًا . يَعْنِي بِذَلِكَ أَنَّهُ جَعَلَ لَكُمْ الْأَرْض مِهَادًا وَمَوْطِئًا وَقَرَارًا يَسْتَقِرّ عَلَيْهَا . يَذْكُر رَبّنَا جَلَّ ذِكْره بِذَلِكَ مِنْ قَيْله زِيَادَة نِعَمه عِنْدهمْ وَآلَائِهِ لَدَيْهِمْ , لِيَذْكُرُوا أَيَادِيه عِنْدهمْ فَيَنِيبُوا إلَى طَاعَته , تَعَطُّفًا مِنْهُ بِذَلِكَ عَلَيْهِمْ , وَرَأْفَة مِنْهُ بِهِمْ , وَرَحْمَة لَهُمْ , مِنْ غَيْر مَا حَاجَة مِنْهُ إلَى عِبَادَتهمْ , وَلَكِنْ لِيُتِمّ نِعْمَته عَلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ . كَمَا : 399 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْن هَارُونَ , قَالَ , حَدَّثَنَا عَمْرو , قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ فِي خَبَر ذَكَرَهُ , عَنْ أَبِي مَالِك , وَعَنْ أَبِي صَالِح , عَنْ ابْن عَبَّاس , وَعَنْ مُرَّة , عَنْ ابْن مَسْعُود , وَعَنْ نَاس مِنْ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( { الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الْأَرْض فِرَاشًا } فَهِيَ فِرَاش يَمْشِي عَلَيْهَا , وَهِيَ الْمِهَاد وَالْقَرَار . )400 - وَحَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيد بْن زُرَيْع , عَنْ سَعِيد , عَنْ قَتَادَةَ : { الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الْأَرْض فِرَاشًا } قَالَ : (مِهَادًا لَكُمْ . )401 - وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : حَدَّثَنَا إسْحَاق , عَنْ عَبْد اللَّه بْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع بْن أَنَس : ( { الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الْأَرْض فِرَاشًا } : أَيْ مِهَادًا .)|وَالسَّمَاءَ بِنَاءً|الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَالسَّمَاء بِنَاء } </subtitle>قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَإِنَّمَا سُمِّيَتْ السَّمَاء سَمَاء لِعُلُوِّهَا عَلَى الْأَرْض وَعَلَى سُكَّانهَا مِنْ خَلْقه , وَكُلّ شَيْء كَانَ فَوْق شَيْء آخَر فَهُوَ لِمَا تَحْته سَمَاء . وَلِذَلِكَ قِيلَ لِسَقْفِ الْبَيْت سَمَاؤُهُ , لِأَنَّهُ فَوْقه مُرْتَفِع عَلَيْهِ وَلِذَلِكَ قِيلَ : سَمَا فُلَان لِفُلَانٍ : إذَا أَشْرَفَ لَهُ وَقَصَدَ نَحْوه عَالِيًا عَلَيْهِ , كَمَا قَالَ الْفَرَزْدَق : سَمَوْنَا لِنَجْرَان الْيَمَانِي وَأَهْله وَنَجْرَان أَرْض لَمْ تُدَيَّث مَقَاوِله وَكَمَا قَالَ نَابِغَة بَنِي ذُبْيَان : سَمَتْ لِي نَظْرَة فَرَأَيْت مِنْهَا تُحَيْتَ الْخِدْر وَاضِعَة الْقِرَام يُرِيد بِذَلِكَ : أَشْرَفَتْ لِي نَظْرَة وَبَدَتْ , فَكَذَلِكَ السَّمَاء : سُمِّيَتْ الْأَرْض سَمَاء لِعُلُوِّهَا وَإِشْرَافهَا عَلَيْهَا . كَمَا : 402 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْن هَارُونَ , قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرو بْن حَمَّاد , قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ فِي خَبَر ذَكَرَهُ , عَنْ أَبِي مَالِك , وَعَنْ أَبِي صَالِح , عَنْ ابْن عَبَّاس , وَعَنْ مُرَّة , عَنْ ابْن مَسْعُود وَعَنْ نَاس مِنْ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { وَالسَّمَاء بِنَاء } , فَبِنَاء السَّمَاء عَلَى الْأَرْض كَهَيْئَةِ الْقُبَّة , وَهِيَ سَقْف عَلَى الْأَرْض . 403 - وَحَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيد , عَنْ سَعِيد , عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْل اللَّه { وَالسَّمَاء بِنَاء } قَالَ : (جَعَلَ السَّمَاء سَقْفًا لَك . )وَإِنَّمَا ذَكَرَ السَّمَاء وَالْأَرْض جَلَّ ثَنَاؤُهُ فِيمَا عَدَّدَ عَلَيْهِمْ مِنْ نِعَمه الَّتِي أَنْعَمَهَا عَلَيْهِمْ , لِأَنَّ مِنْهُمَا أَقْوَاتهمْ وَأَرْزَاقهمْ وَمَعَايِشهمْ , وَبِهِمَا قِوَام دُنْيَاهُمْ , فَأَعْلَمَهُمْ أَنَّ الَّذِي خَلَقَهُمَا وَالْمُسْتَوْجِب مِنْهُمْ الشُّكْر وَالْعِبَادَة دُون الْأَصْنَام وَالْأَوْثَان الَّتِي لَا تَضُرّ وَلَا تَنْفَع .|وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ|الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَأَنْزَلَ مِنْ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنْ الثَّمَرَات رِزْقًا لَكُمْ } </subtitle>يَعْنِي بِذَلِكَ أَنَّهُ أَنَزَلَ مِنْ السَّمَاء مَطَرًا , فَأَخْرَجَ بِذَلِكَ الْمَطَر مِمَّا أَنْبَتُوهُ فِي الْأَرْض مِنْ زَرْعهمْ وَغَرْسهمْ ثَمَرَات رِزْقًا لَهُمْ غِذَاء وَأَقْوَاتًا . فَنَبَّهَهُمْ بِذَلِكَ عَلَى قُدْرَته وَسُلْطَانه , وَذَكَّرَهُمْ بِهِ آلَاءَهُ لَدَيْهِمْ , وَأَنَّهُ هُوَ الَّذِي خَلَقَهُمْ وَهُوَ الَّذِي يَرْزُقهُمْ وَيَكْفُلهُمْ دُون مَنْ جَعَلُوهُ لَهُ نِدًّا وَعَدْلًا مِنْ الْأَوْثَان وَالْآلِهَة , ثُمَّ زَجَرَهُمْ عَنْ أَنْ يَجْعَلُوا لَهُ نِدًّا مَعَ عِلْمهمْ بِأَنَّ ذَلِكَ كَمَا أَخْبَرَهُمْ , وَأَنَّهُ لَا نِدّ لَهُ وَلَا عَدْل , وَلَا لَهُمْ نَافِع وَلَا ضَارّ وَلَا خَالِق وَلَا رَازِق سِوَاهُ .|فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا|الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا } </subtitle>قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَالْأَنْدَاد , جَمْع نِدّ , وَالنِّدّ : الْعَدْل وَالْمِثْل , كَمَا قَالَ حَسَّان بْن ثَابِت : أَتَهْجُوهُ وَلَيْسَتْ لَهُ بِنِدٍّ فَشَرّكُمَا لِخَيْرِكُمَا الْفِدَاء يَعْنِي بِقَوْلِهِ : | وَلَسْت لَهُ بِنِدٍّ | : لَسْت لَهُ بِمِثْلٍ وَلَا عَدْل . وَكُلّ شَيْء كَانَ نَظِير الشَّيْء وَشَبِيهًا فَهُوَ لَهُ نِدّ . كَمَا : 404 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيد , عَنْ سَعِيد , عَنْ قَتَادَةَ ( { فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا } أَيْ عُدَلَاء . )405 وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْل , عَنْ ابْن أَبِي نَحِيح , عَنْ مُجَاهِد : ( { فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا } أَيْ عُدَلَاء . )406 - وَحَدَّثَنِي مُوسَى بْن هَارُونَ , قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرو , قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاط عَنْ السُّدِّيّ عَنْ خَبَر ذَكَرَهُ عَنْ أَبِي مَالِك , وَعَنْ أَبِي صَالِح , عَنْ ابْن عَبَّاس , وَعَنْ مُرَّة , عَنْ ابْن مَسْعُود , وَعَنْ نَاس مِنْ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( { فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا } قَالَ : )أَكْفَاء مِنْ الرِّجَال تُطِيعُونَهُمْ فِي مَعْصِيَة اللَّه . (407 - وَحَدَّثَنِي يُونُس بْن عَبْد الْأَعْلَى قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد فِي قَوْل اللَّه : { فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا } قَالَ : )الْأَنْدَاد : الْآلِهَة الَّتِي جَعَلُوهَا مَعَهُ وَجَعَلُوا لَهَا مِثْل مَا جَعَلُوا لَهُ . (408 - وَحُدِّثْت عَنْ المنجاب , قَالَ : حَدَّثَنَا بِشْر , عَنْ أَبِي رَوْق , عَنْ الضَّحَّاك , عَنْ ابْن عَبَّاس فِي قَوْله : ) { فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا } قَالَ : أَشْبَاهًا . (409 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سِنَان , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِم عَنْ شُبَيْب عَنْ عِكْرِمَة : { فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا } ; أَيْ تَقُولُوا : لَوْلَا كَلْبنَا لَدَخَلَ عَلَيْنَا اللِّصّ الدَّار , لَوْلَا كَلْبنَا صَاحَ فِي الدَّار وَنَحْو ذَلِكَ . )فَنَهَاهُمْ اللَّه تَعَالَى أَنْ يُشْرِكُوا بِهِ شَيْء وَأَنْ يَعْبُدُوا غَيْره , أَوْ يَتَّخِذُوا لَهُ نِدًّا وَعَدْلًا فِي الطَّاعَة , فَقَالَ : كَمَا لَا شَرِيك لِي فِي خَلْقكُمْ وَفِي رِزْقكُمْ الَّذِي أَرَزَقَكُمْ , وَمُلْكِي إيَّاكُمْ , وَنِعْمَتِي الَّتِي أَنْعَمْتهَا عَلَيْكُمْ , فَكَذَلِكَ فَأَفْرَدُوا لِي الطَّاعَة , وَأَخْلِصُوا لِي الْعِبَادَة , وَلَا تَجْعَلُوا لِي شَرِيكًا وَنِدًّا مِنْ خَلْقِي , فَإِنَّكُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ كُلّ نِعْمَة عَلَيْكُمْ مِنِّي .|وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ|الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ } </subtitle>اخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي الَّذِينَ عَنَوْا بِهَذِهِ الْآيَة , فَقَالَ بَعْضهمْ : عَنَى بِهَا جَمِيع الْمُشْرِكِينَ , مِنْ مُشْرِكِي الْعَرَب وَأَهْل الْكِتَاب . وَقَالَ بَعْضهمْ : عَنَى بِذَلِكَ أَهْل الْكِتَابَيْنِ : التَّوْرَاة , وَالْإِنْجِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ : عَنَى بِهَا جَمِيع عَبَدَة الْأَوْثَان مِنْ الْعَرَب وَكُفَّار أَهْل الْكِتَابَيْنِ : 410 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن حُمَيْدٍ , قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَة بْن الْفَضْل , عَنْ مُحَمَّد بْن إسْحَاق , عَنْ مُحَمَّد بْن أَبِي مُحَمَّد مَوْلَى زَيْد بْن ثَابِت , عَنْ عِكْرِمَة , أَوْ عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَالَ : (نَزَلَ ذَلِكَ فِي الْفَرِيقَيْنِ جَمِيعًا مِنْ الْكُفَّار وَالْمُنَافِقِينَ . وَإِنَّمَا عَنَى بِقَوْلِهِ : { فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ } أَيْ لَا تُشْرِكُوا بِاَللَّهِ غَيْره مِنْ الْأَنْدَاد الَّتِي لَا تَنْفَع وَلَا تَضُرّ , وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ لَا رَبّ لَكُمْ يَرْزُقكُمْ غَيْره , وَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّ الَّذِي يَدْعُوكُمْ إلَيْهِ الرَّسُول مِنْ تَوْحِيده هُوَ الْحَقّ لَا شَكَّ فِيهِ . )411 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيد عَنْ سَعِيد , عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْله : ( { وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ } أَيْ تَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّه خَلَقَكُمْ وَخَلَقَ السَّمَوَات وَالْأَرْض , ثُمَّ تَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا . )ذِكْر مَنْ قَالَ : عَنَى بِذَلِكَ أَهْل الْكِتَابَيْنِ : 412 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ , قَالَ : حَدَّثَنَا وَكِيع , عَنْ سُفْيَان , عَنْ رَجُل , عَنْ مُجَاهِد : ( { فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ } أَنَّهُ إلَه وَاحِد فِي التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل . )* وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى بْن إبْرَاهِيم , قَالَ : حَدَّثَنَا قَبِيصَة , قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَان عَنْ مُجَاهِد مِثْله . * وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْل عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ } يَقُول : (وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ لَا نِدّ لَهُ فِي التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل . )قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَأَحْسِب أَنَّ الَّذِي دَعَا مُجَاهِدًا إلَى هَذَا التَّأْوِيل , وَإِضَافَة ذَلِكَ إلَى أَنَّهُ خِطَاب لِأَهْلِ التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل دُون غَيْرهمْ , الظَّنّ مِنْهُ بِالْعَرَبِ أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَم أَنَّ اللَّه خَالِقهَا وَرَازِقهَا بِجُحُودِهَا وَحْدَانِيَّة رَبّهَا , وَإِشْرَاكهَا مَعَهُ فِي الْعِبَادَة غَيْره . وَإِنَّ ذَلِكَ لِقَوْلِ ! وَلَكِنْ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَدْ أَكْبَر فِي كِتَابه عَنْهَا أَنَّهَا كَانَتْ تُقِرّ بِوَحْدَانِيَّةِ , غَيْر أَنَّهَا كَانَتْ تُشْرِك فِي عِبَادَته مَا كَانَتْ تُشْرِك فِيهَا , فَقَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { وَلَئِنْ سَأَلْتهمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّه } [43 87 ]وَقَالَ : { قُلْ مَنْ يَرْزُقكُمْ مِنْ السَّمَاء وَالْأَرْض أَمْ مَنْ يَمْلِك السَّمْع وَالْأَبْصَار وَمَنْ يُخْرِج الْحَيّ مِنْ الْمَيِّت وَيُخْرِج الْمَيِّت مِنْ الْحَيّ وَمَنْ يُدَبِّر الْأَمْر فَسَيَقُولُونَ اللَّه فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ } [10 31 ]فَاَلَّذِي هُوَ أَوْلَى بِتَأْوِيلِ قَوْله : { وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ } إذْ كَانَ مَا كَانَ عِنْد الْعَرَب مِنْ الْعِلْم بِوَحْدَانِيَّةِ اللَّه , وَأَنَّهُ مُبْدِع الْخَلْق وَخَالِقهمْ وَرَازِقهمْ , نَظِير الَّذِي كَانَ مِنْ ذَلِكَ عِنْد أَهْل الْكِتَابَيْنِ . وَلَمْ يَكُنْ فِي الْآيَة دَلَالَة عَلَى أَنَّ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَنَى بِقَوْلِهِ : { وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ } أَحَد الْحِزْبَيْنِ , بَلْ مَخْرَج الْخِطَاب بِذَلِكَ عَامّ لِلنَّاسِ كَافَّة لَهُمْ , لِأَنَّهُ تَحَدَّى النَّاس كُلّهمْ بِقَوْلِهِ : { يَا أَيّهَا النَّاس اُعْبُدُوا رَبّكُمْ } - أَنْ يَكُون تَأْوِيله مَا قَالَهُ ابْن عَبَّاس وَقَتَادَةُ , مِنْ أَنَّهُ يَعْنِي بِذَلِكَ كُلّ مُكَلَّف عَالِم بِوَحْدَانِيَّةِ اللَّه , وَأَنَّهُ لَا شَرِيك لَهُ فِي خَلْقه يُشْرِك مَعَهُ فِي عِبَادَته غَيْره , كَائِنًا مَنْ كَانَ مِنْ النَّاس , عَرَبِيًّا كَانَ أَوْ أَعْجَمِيًّا , كَاتِبًا أَوْ أُمِّيًّا , وَإِنْ كَانَ الْخِطَاب لِكُفَّارِ أَهْل الْكِتَاب الَّذِينَ كَانُوا حَوَالِي دَار هِجْرَة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَأَهْل النِّفَاق مِنْهُمْ وَمِمَّنْ بَيْن ظَهْرَانِيهِمْ مِمَّنْ كَانَ مُشْرِكًا فَانْتَقَلَ إلَى النِّفَاق بِمَقْدَمِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .

وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْب مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدنَا } </subtitle>قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَهَذَا مِنْ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ احْتِجَاج لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مُشْرِكِي قَوْمه مِنْ الْعَرَب وَمُنَافِقِيهِمْ وَكُفَّار أَهْل الْكِتَاب وَضُلَّالهمْ الَّذِينَ افْتَتَحَ بِقِصَصِهِمْ قَوْله جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاء عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتهمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرهُمْ } وَإِيَّاهُمْ يُخَاطَب بِهَذِهِ الْآيَات , وَضُرَبَاءَهُمْ يَعْنِي بِهَا , قَالَ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَإِنْ كُنْتُمْ أَيّهَا الْمُشْرِكُونَ مِنْ الْعَرَب وَالْكُفَّار مِنْ أَهْل الْكِتَابَيْنِ فِي شَكّ - وَهُوَ الرَّيْب - مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدنَا مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ النُّور وَالْبُرْهَان وَآيَات الْفُرْقَان أَنَّهُ مِنْ عِنْدِي , وَأَنِّي الَّذِي أَنْزَلْته إلَيْهِ , فَلَمْ تُؤْمِنُوا بِهِ وَلَمْ تُصَدِّقُوهُ فِيمَا يَقُول , فَأَتَوْا بِحُجَّةٍ تَدْفَع حُجَّته ; لِأَنَّكُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ حُجَّة كُلّ ذِي نُبُوَّة عَلَى صِدْقه فِي دَعْوَاهُ النُّبُوَّة أَنَّ يَأْتِي بِبُرْهَانٍ يَعْجِز عَنْ أَنْ يَأْتِي بِمِثْلِهِ جَمِيع الْخَلْق , وَمِنْ حُجَّة مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى صِدْقه وَبُرْهَانه عَلَى نُبُوَّته , وَأَنَّ مَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِي , عَجَزَ جَمِيعكُمْ وَجَمِيع مِنْ تَسْتَعِينُونَ بِهِ مِنْ أَعْوَانكُمْ وَأَنْصَاركُمْ عَنْ أَنْ تَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْله . وَإِذَا عَجَزْتُمْ عَنْ ذَلِكَ , وَأَنْتُمْ أَهْل الْبَرَاعَة فِي الْفَصَاحَة وَالْبَلَاغَة وَالدِّرَايَة , فَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّ غَيْركُمْ عَمَّا عَجَزْتُمْ عَنْهُ مِنْ ذَلِكَ أَعْجَز . كَمَا كَانَ بُرْهَان مَنْ سَلَفَ مِنْ رُسُلِي وَأَنْبِيَائِي عَلَى صِدْقه وَحُجَّته عَلَى نُبُوَّته مِنْ الْآيَات مَا يَعْجِز عَنْ الْإِتْيَان بِمِثْلِهِ جَمِيع خَلْقِي . فَيَتَقَرَّر حِينَئِذٍ عِنْدكُمْ أَنَّ مُحَمَّدًا لَمْ يَتَقَوَّلهُ وَلَمْ يَخْتَلِقهُ , لِأَنَّ ذَلِكَ لَوْ كَانَ مِنْهُ اخْتِلَافًا وَتَقَوُّلًا لَمْ يَعْجِزُوا وَجَمِيع خَلْقه عَنْ الْإِتْيَان بِمِثْلِهِ , لِأَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَعُدْ أَنْ يَكُون بَشَرًا مِثْلكُمْ , وَفِي مِثْل حَالكُمْ فِي الْجِسْم وَبَسْطَة الْخَلْق وَذَرَابَة اللِّسَان , فَيُمْكِن أَنْ يَظُنّ بِهِ اقْتِدَار عَلَى مَا عَجَزْتُمْ عَنْهُ , أَوْ يُتَوَهَّم مِنْكُمْ عَجْز عَمَّا اقْتَدَرَ عَلَيْهِ .|فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ|ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي تَأْوِيل قَوْله : { فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْله } </subtitle>413 - فَحَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيد , عَنْ سَعِيد , عَنْ قَتَادَةَ : ( { فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْله } يَعْنِي مِنْ مِثْل هَذَا الْقُرْآن حَقًّا وَصِدْقًا لَا بَاطِل فِيهِ وَلَا كَذِب . )414 - وَحَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَنْبَأَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْله : { فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْله } يَقُول : (بِسُورَةٍ مِثْل هَذَا الْقُرْآن . )415 - وَحَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو الْبَاهِلِيّ , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِم , عَنْ عِيسَى بْن مَيْمُون , عَنْ عَبْد اللَّه بْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْله } (مِثْل الْقُرْآن . )* وَحَدَّثَنَا الْمُثَنَّى , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْل عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح عَنْ مُجَاهِد مِثْله * وَحَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ , عَنْ مُجَاهِد : ( { فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْله } قَالَ : مِثْله , مِثْل الْقُرْآن . )فَمَعْنَى قَوْل مُجَاهِد وَقَتَادَةُ اللَّذَيْنِ ذَكَرْنَا عَنْهُمَا , أَنَّ اللَّه جَلَّ ذِكْره قَالَ لِمَنْ حَاجّه فِي نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْكُفَّار : فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْل هَذَا الْقُرْآن مِنْ كَلَامكُمْ أَيَّتهَا الْعَرَب , كَمَا أَتَى بِهِ مُحَمَّد بِلُغَاتِكُمْ وَمَعَانِي مَنْطِقكُمْ . وَقَدْ قَالَ قَوْم آخَرُونَ : إنَّ مَعْنَى قَوْله : { فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْله } : مِنْ مِثْل مُحَمَّد مِنْ الْبَشَر , لِأَنَّهُ مُحَمَّدًا بِشْر مِثْلكُمْ . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَالتَّأْوِيل الْأَوَّل الَّذِي قَالَهُ مُجَاهِد وَقَتَادَةُ هُوَ التَّأْوِيل الصَّحِيح ; لِأَنَّ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَالَ فِي سُورَة أُخْرَى : { أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْله } [10 38 ]وَمَعْلُوم أَنَّ السُّورَة لَيْسَتْ لِمُحَمَّدٍ بِنَظِيرٍ وَلَا شَبِيه , فَيَجُوز أَنْ يُقَال : فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْل مُحَمَّد . فَإِنْ قَالَ قَائِل : إنَّك ذَكَرْت أَنَّ اللَّه عَنَى بِقَوْلِهِ : { فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْله } مِنْ مِثْل هَذَا الْقُرْآن , فَهَلْ لِلْقُرْآنِ مِنْ مِثْل فَيُقَال : ائْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْله ؟ قِيلَ : إنَّهُ لَمْ يَعْنِ بِهِ : ائْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْله فِي التَّأْلِيف وَالْمَعَانِي الَّتِي بَايَنَ بِهَا سَائِر الْكَلَام غَيْره , وَإِنَّمَا عَنَى : ائْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْله فِي الْبَيَان ; لِأَنَّ الْقُرْآن أَنَزَلَهُ اللَّه بِلِسَانٍ عَرَبِيّ , فَكَلَام الْعَرَب لَا شَكَّ لَهُ مِثْل فِي مَعْنَى الْعَرَبِيَّة ; فَأَمَّا فِي الْمَعْنَى الَّذِي بَايَنَ بِهِ الْقُرْآن سَائِر كَلَام الْمَخْلُوقِينَ , فَلَا مِثْل لَهُ مِنْ ذَلِكَ الْوَجْه وَلَا نَظِير وَلَا شَبِيه . وَإِنَّمَا احْتَجَّ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَلَيْهِمْ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا احْتَجَّ بِهِ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ الْقُرْآن , إذْ ظَهَرَ الْقَوْم عَنْ أَنْ يَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْله فِي الْبَيَان , إذْ كَانَ الْقُرْآن بَيَانًا مِثْل بَيَانهمْ , وَكَلَامًا نَزَلَ بِلِسَانِهِمْ , فَقَالَ لَهُمْ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْب مِنْ أَنَّ مَا أَنْزَلْت عَلَى عَبْدِي مِنْ الْقُرْآن مِنْ عِنْدِي , فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ كَلَامكُمْ الَّذِي هُوَ مِثْله فِي الْعَرَبِيَّة , إذْ كُنْتُمْ عَرَبًا , وَهُوَ بَيَان نَظِير بَيَانكُمْ , وَكَلَام شَبِيه كَلَامكُمْ . فَلَمْ يُكَلِّفهُمْ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنْ يَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ غَيْر اللِّسَان الَّذِي هُوَ نَظِير اللِّسَان الَّذِي نَزَلَ بِهِ الْقُرْآن , فَيَقْدِرُوا أَنْ يَقُولُوا : كَلَّفْتنَا مَا لَوْ أَحْسَنَّاهُ أَتَيْنَا بِهِ , وَإِنَّا لَا نَقْدِر عَلَى الْإِتْيَان بِهِ , لِأَنَّا لَسْنَا مِنْ أَهْل اللِّسَان الَّذِي كَلَّفْتنَا الْإِتْيَان بِهِ , فَلَيْسَ لَك عَلَيْنَا حُجَّة بِهَذَا ; لِأَنَّا وَإِنْ عَجَزْنَا عَنْ أَنْ نَأْتِي بِمِثْلِهِ مِنْ غَيْر أَلْسِنَتنَا لِأَنَّا لَسْنَا بِأَهْلِهِ , فَفِي النَّاس خَلْق كَثِير مِنْ غَيْر أَهْل لِسَاننَا يَقْدِر عَلَى أَنْ يَأْتِي بِمِثْلِهِ مِنْ اللِّسَان الَّذِي كَلَّفْتنَا الْإِتْيَان بِهِ وَلَكِنَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَالَ لَهُمْ : ائْتُوا بِسُورَةٍ مِثْله , لِأَنَّ مِثْله مِنْ الْأَلْسُن أَلْسِنَتكُمْ , وَأَنْتُمْ إنْ كَانَ مُحَمَّد اخْتَلَقَهُ وَافْتَرَاهُ , إذَا اجْتَمَعْتُمْ وَتَظَاهَرْتُمْ عَلَى الْإِتْيَان بِمِثْلِ سُورَة مِنْهُ مِنْ لِسَانكُمْ وَبَيَانكُمْ - أَقْدَر عَلَى اخْتِلَاقه وَوَضْعه وَتَأْلِيفه مِنْ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَإِنْ لَمْ تَكُونُوا أَقْدَر عَلَيْهِ مِنْهُ فَلَنْ تَعْجِزُوا وَأَنْتُمْ جَمِيع عَمَّا قَدَرَ عَلَيْهِ مُحَمَّد مِنْ ذَلِكَ وَهُوَ وَحْده , إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فِي دَعْوَاكُمْ وَزَعْمكُمْ أَنَّ مُحَمَّدًا افْتَرَاهُ وَاخْتَلَقَهُ وَأَنَّهُ مِنْ عِنْد غَيْرِي .|وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ|وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي تَأْوِيل قَوْله : { وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُون اللَّه إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } فَقَالَ ابْن عَبَّاس بِمَا : 416 - حَدَّثَنَا بِهِ مُحَمَّد بْن حُمَيْدٍ , قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَة , عَنْ ابْن إسْحَاق , عَنْ مُحَمَّد بْن أَبِي مُحَمَّد مَوْلَى زَيْد بْن ثَابِت , عَنْ عِكْرِمَة , أَوْ عَنْ سَعِيد , عَنْ ابْن عَبَّاس : ( { وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُون اللَّه } يَعْنِي أَعْوَانكُمْ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ , { إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } )417 - وَحَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِم , عَنْ عِيسَى , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : ( { وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ } نَاس يَشْهَدُونَ . )* وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْل عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح عَنْ مُجَاهِد مِثْله . * وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ , قَالَ : حَدَّثَنَا وَكِيع عَنْ سُفْيَان , عَنْ رَجُل , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : (قَوْم يَشْهَدُونَ لَكُمْ . )* وَحَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاج , ابْن جُرَيْجٍ , عَنْ مُجَاهِد : { وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ } قَالَ : (نَاس يَشْهَدُونَ . قَالَ ابْن جُرَيْجٍ : شُهَدَاءَكُمْ عَلَيْهَا إذَا أَتَيْتُمْ بِهَا أَنَّهَا مِثْله مِثْل الْقُرْآن وَذَلِكَ قَوْل اللَّه مَنْ شَكَّ مِنْ الْكُفَّار فِيمَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَقَوْله : { فَادْعُوا } يَعْنِي اسْتَنْصَرُوا وَاسْتَعِينُوا )كَمَا قَالَ الشَّاعِر : <br>فَلَمَّا الْتَقَتْ فُرْسَاننَا وَرِجَالهمْ .......... دَعَوْا يَالَكَعْبٍ وَاعْتَزَيْنَا لِعَامِرٍ <br>يَعْنِي بِقَوْلِهِ : دَعَوْا يَالَكَعْبٍ : اسْتَنْصَرُوا كَعْبًا وَاسْتَعَانُوا بِهِمْ وَأَمَّا الشُّهَدَاء فَإِنَّهَا جَمْع شَهِيد , كَالشُّرَكَاءِ جَمْع شَرِيك , وَالْخُطَبَاء جَمْع خَطِيب . وَالشَّهِيد يُسَمَّى بِهِ الشَّاهِد عَلَى الشَّيْء لِغَيْرِهِ بِمَا يُحَقِّق دَعْوَاهُ , وَقَدْ يُسَمَّى بِهِ الْمُشَاهَد لِلشَّيْءِ كَمَا يُقَال فُلَان جَلِيس فُلَان , يَعْنِي بِهِ مُجَالِسه , وَنَدِيمه يَعْنِي بِهِ مُنَادِمه , وَكَذَلِكَ يُقَال : شَهِيده يَعْنِي بِهِ مُشَاهَده . فَإِذَا كَانَتْ الشُّهَدَاء مُحْتَمَلَة أَنْ تَكُون جَمْع الشَّهِيد الَّذِي هُوَ مُنْصَرِف لِلْمَعْنَيَيْنِ اللَّذَيْنِ وَصَفْت , فَأَوْلَى وَجْهَيْهِ بِتَأْوِيلِ الْآيَة مَا قَالَهُ ابْن عَبَّاس , وَهُوَ أَنْ يَكُون مَعْنَاهُ : وَاسْتَنْصَرُوا عَلَى أَنْ تَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْله أَعْوَانكُمْ وَشُهَدَاءَكُمْ الَّذِينَ يُشَاهِدُونَكُمْ وَيُعَاوِنُونَكُمْ عَلَى تَكْذِيبكُمْ اللَّه وَرَسُوله وَيُظَاهِرُونَكُمْ عَلَى كُفْركُمْ وَنِفَاقكُمْ إنْ كُنْتُمْ مُحِقِّينَ فِي جُحُودكُمْ أَنَّ مَا جَاءَكُمْ بِهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اخْتِلَاق وَافْتِرَاء , لِتَمْتَحِنُوا أَنْفُسكُمْ وَغَيْركُمْ : هَلْ تَقْدِرُونَ عَلَى أَنْ تَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْله فَيَقْدِر مُحَمَّد عَلَى أَنْ يَأْتِيَ بِجَمِيعِهِ مِنْ قَبْل نَفْسه اخْتِلَاقًا ؟ وَأَمَّا مَا قَالَهُ مُجَاهِد وَابْن جُرَيْجٍ فِي تَأْوِيل ذَلِكَ فَلَا وَجْه لَهُ ; لِأَنَّ الْقَوْم كَانُوا عَلَى عَهْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصْنَافًا ثَلَاثَة : أَهْل إيمَان صَحِيح , وَأَهْل كُفْر صَحِيح , وَأَهْل نِفَاق بَيْن ذَلِكَ . فَأَهْل الْإِيمَان كَانُوا بِاَللَّهِ وَبِرَسُولِهِ مُؤْمِنِينَ , فَكَانَ مِنْ الْمَحَال أَنْ يَدَّعِي الْكُفَّار أَنَّ لَهُمْ شُهَدَاء - عَلَى حَقِيقَة مَا كَانُوا يَأْتُونَ بِهِ لَوْ أَتَوْا بِاخْتِلَاقٍ مِنْ الرِّسَالَة , ثُمَّ ادَّعَوْا أَنَّهُ لِلْقُرْآنِ نَظِير - مِنْ الْمُؤْمِنِينَ . فَأَمَّا أَهْل النِّفَاق وَالْكُفْر فَلَا شَكَّ أَنَّهُمْ لَوْ دَعُوا إلَى تَحْقِيق الْبَاطِل وَإِبْطَال الْحَقّ لَسَارَعُوا إلَيْهِ مَعَ كُفْرهمْ وَضُلَّالهمْ , فَمَنْ أَيْ الْفَرِيقَيْنِ كَانَتْ تَكُون شُهَدَاءَكُمْ لَوْ ادَّعَوْا أَنَّهُمْ قَدْ أَتَوْا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْل الْقُرْآن ؟ وَلَكِنْ ذَلِكَ كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { قُلْ لَئِنْ اجْتَمَعَتْ الْإِنْس وَالْجِنّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآن لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضهمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا } [17 88 ]فَأَخْبَرَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ فِي هَذِهِ الْآيَة أَنَّ مِثْل الْقُرْآن لَا يَأْتِي بِهِ الْجِنّ وَالْإِنْس وَلَوْ تَظَاهَرُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْإِتْيَان بِهِ ; وَتَحَدَّاهُمْ بِمَعْنَى التَّوْبِيخ لَهُمْ فِي سُورَة الْبَقَرَة , فَقَالَ تَعَالَى : { وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْب مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْله وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ من دُون اللَّه إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } يَعْنِي بِذَلِكَ : إنْ كُنْتُمْ فِي شَكّ فِي صَدْق مُحَمَّد فِيمَا جَاءَكُمْ بِهِ مِنْ عِنْدِي أَنَّهُ مِنْ عِنْدِي , فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْله , وَلِيَسْتَنْصِر بَعْضكُمْ بَعْضًا عَلَى ذَلِكَ إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فِي زَعْمكُمْ ; حَتَّى تَعْلَمُوا أَنَّكُمْ إذَا عَجَزْتُمْ عَنْ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَقْدِر عَلَى أَنْ يَأْتِي بِهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا مِنْ الْبَشَر أَحَد , وَيَصِحّ عِنْدكُمْ أَنَّهُ تَنْزِيلِي وَوَحْيِي إلَى عَبْدِي .

فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا } </subtitle>قَالَ أَبُو جَعْفَر : يَعْنِي تَعَالَى بِقَوْلِهِ : { فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا } : إنَّ لَمْ تَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْله , وَقَدْ تَظَاهَرْتُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ عَلَيْهِ وَأَعْوَانكُمْ فَتَبَيَّنَ لَكُمْ بِامْتِحَانِكُمْ وَاخْتِبَاركُمْ عَجْزكُمْ وَعَجْز جَمِيع خَلْقِي عَنْهُ , وَعَلِمْتُمْ أَنَّهُ مِنْ عِنْدِي , ثُمَّ أَقَمْتُمْ عَلَى التَّكْذِيب بِهِ . وَقَوْله : { وَلَنْ تَفْعَلُوا } أَيْ لَنْ تَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْله أَبَدًا . كَمَا 418 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيد , عَنْ سَعِيد , عَنْ قَتَادَةَ : ( { فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا ` وَلَنْ تَفْعَلُوا } أَيْ لَا تَقْدِرُونَ عَلَى ذَلِكَ وَلَا تُطِيقُونَهُ . )419 - وَحَدَّثَنَا ابْن حُمَيْدٍ , قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَة , عَنْ ابْن إسْحَاق , عَنْ مُحَمَّد بْن أَبِي مُحَمَّد , عَنْ عِكْرِمَة , أَوْ عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْ ابْن عَبَّاس : ( { فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا } فَقَدْ بَيَّنَ لَكُمْ الْحَقّ)|فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ|الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَاتَّقُوا النَّار الَّتِي وَقُودهَا النَّاس وَالْحِجَارَة } </subtitle>قَالَ أَبُو جَعْفَر : يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : { فَاتَّقُوا النَّار } يَقُول : فَاتَّقُوا أَنْ تَصْلَوْا النَّار بِتَكْذِيبِكُمْ رَسُولِي بِمَا جَاءَكُمْ بِهِ مِنْ عِنْدِي أَنَّهُ مِنْ وَحْيِي وَتَنْزِيلِي , بَعْد تَبِينكُمْ أَنَّهُ كِتَابِي وَمِنْ عِنْدِي , وَقِيَام الْحُجَّة عَلَيْكُمْ بِأَنَّهُ كَلَامِي وَوَحْيِي , بِعَجْزِكُمْ وَعَجْز جَمِيع خَلْقِي عَنْ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِهِ . ثُمَّ وَصَفَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ النَّار الَّتِي حَذَّرَهُمْ صِلِيّهَا , فَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ النَّاس وَقُودهَا , وَأَنَّ الْحِجَارَة وَقُودهَا , فَقَالَ : { الَّتِي وَقُودهَا النَّاس وَالْحِجَارَة } يَعْنِي بِقَوْلِهِ وَقُودهَا : حَطَبهَا , وَالْعَرَب تَجْعَلهُ مَصْدَرًا , وَهُوَ اسْم إذَا فُتِحَتْ الْوَاو بِمَنْزِلَةِ الْحَطَب , فَإِذَا ضُمَّتْ الْوَاو مِنْ الْوُقُود كَانَ مَصْدَرًا مِنْ قَوْل الْقَائِل : وَقَدَتْ النَّارُ فهي تَقِدُ وُقُودًا وَقْدَةً وَوَقَدَانًا وَوَقَدًا , يُرَاد بِذَلِكَ أَنَّهَا الْتَهَبَتْ فَإِنْ قَالَ قَائِل : وَكَيْفَ خُصَّتْ الْحِجَارَة فَقُرِنَتْ بِالنَّاسِ حَتَّى جُعِلَتْ لِنَارِ جَهَنَّم حَطَبًا ؟ قِيلَ : إنَّهَا حِجَارَة الْكِبْرِيت , وَهِيَ أَشَدّ الْحِجَارَة فِيمَا بَلَغَنَا حُرًّا إذَا أُحْمِيَتْ . كَمَا : 420 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَة , عَنْ مِسْعَر , عَنْ عَبْد الْمَلِك بْن مَيْسَرَة الزَّرَّاد , عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن سَابِطٍ , عَنْ عَمْرو بْن مَيْمُون , عَنْ عَبْد اللَّه فِي قَوْله : { وَقُودهَا النَّاس وَالْحِجَارَة } قَالَ : (هِيَ حِجَارَة مِنْ كِبْرِيت خَلَقَهَا اللَّه يَوْم خَلَقَ السَّمَوَات وَالْأَرْض فِي السَّمَاء الدُّنْيَا يُعِدّهَا لِلْكَافِرِينَ. )421 - وَحَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَنْبَأَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَنْبَأَنَا ابْن عُيَيْنَةَ , عَنْ مِسْعَر عَنْ عَبْد الْمَلِك الزَّرَّاد عَنْ عَمْرو بْن مَيْمُون , عَنْ ابْن مَسْعُود فِي قَوْله : ( { وَقُودهَا النَّاس وَالْحِجَارَة } قَالَ : حِجَارَة الْكِبْرِيت جَعَلَهَا اللَّه كَمَا شَاءَ . )422 - وَحَدَّثَنِي مُوسَى بْن هَارُونَ , قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرو بْن حَمَّاد , قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاط عَنْ السُّدِّيّ فِي خَبَر ذَكَرَهُ عَنْ أَبِي مَالِك , وَعَنْ أَبِي صَالِح , عَنْ ابْن عَبَّاس , وَعَنْ مُرَّة , عَنْ ابْن مَسْعُود , وَعَنْ نَاس مِنْ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( { اتَّقُوا النَّار الَّتِي وَقُودهَا النَّاس وَالْحِجَارَة } أَمَّا الْحِجَارَة فَهِيَ حِجَارَة فِي النَّار مِنْ كِبْرِيت أَسْوَد يُعَذَّبُونَ بِهِ مَعَ النَّار . )423 - وَحَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ فِي قَوْله : { وَقُودهَا النَّاس وَالْحِجَارَة } قَالَ : (حِجَارَة مِنْ كِبْرِيت أَسْوَد فِي النَّار . )قَالَ : وَقَالَ لِي عَمْرو بْن دِينَار : حِجَارَة أَصْلَب مِنْ هَذِهِ وَأَعْظَم . * حَدَّثَنَا سُفْيَان بْن وَكِيع , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ مِسْعَر , عَنْ عَبْد الْمَلِك بْن مَيْسَرَة , عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن سَابِطٍ , عَنْ عَمْرو بْن مَيْمُون عَنْ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود , قَالَ : (حِجَارَة مِنْ الْكِبْرِيت خَلَقَهَا اللَّه عِنْده كَيْف شَاءَ وَكَمَا شَاءَ .)|أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ|الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ } </subtitle>قَدْ دَلَّلْنَا فِيمَا مَضَى مِنْ كِتَابنَا هَذَا عَلَى أَنَّ الْكَافِر فِي كَلَام الْعَرَب هُوَ السَّاتِر شَيْء بِغِطَاءٍ , وَأَنَّ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ إنَّمَا سَمَّى الْكَافِر كَافِرًا لِجُحُودِهِ آلَاءَهُ عِنْده , وَتَغْطِيَته نَعْمَاءَهُ قَبْله فَمَعْنَى قَوْله إذًا : { أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ } : أُعِدَّتْ النَّار لِلْجَاحِدِينَ أَنَّ اللَّه رَبّهمْ الْمُتَوَحِّد بِخَلْقِهِمْ وَخَلَقَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلهمْ , الَّذِي جَعَلَ لَهُمْ الْأَرْض فِرَاشًا , وَالسَّمَاء بِنَاء , وَأَنْزَلَ مِنْ السَّمَاء مَاء , فَأَخْرَجَ بِهِ مِنْ الثَّمَرَات رِزْقًا لَهُمْ , الْمُشْرِكِينَ مَعَهُ فِي عِبَادَته الْأَنْدَاد وَالْآلِهَة , وَهُوَ الْمُتَفَرِّد لَهُمْ بِالْإِنْشَاءِ وَالْمُتَوَحِّد بِالْأَقْوَاتِ وَالْأَرْزَاق . كَمَا : 424 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْدٍ , قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَة , عَنْ مُحَمَّد بْن إسْحَاق , عَنْ مُحَمَّد بْن أَبِي مُحَمَّد مَوْلَى زَيْد بْن ثَابِت , عَنْ عِكْرِمَة , أَوْ عَنْ سَعِيد , عَنْ ابْن عَبَّاس : ( { أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ } أَيْ لِمَنْ كَانَ عَلَى مِثْل مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ الْكُفْر .)

وَبَشِّرِ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاج

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَبَشِّرْ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات أَنَّ لَهُمْ جَنَّات تَجْرِي مِنْ تَحْتهَا الْأَنْهَار } </subtitle> أَمَّا قَوْله تَعَالَى : { وَبَشِّرْ } فَإِنَّهُ يَعْنِي : أَخْبَرَهُمْ . وَالْبِشَارَة أَصْلهَا الْخَبَر بِمَا يَسُرّ الْمُخْبَر بِهِ , إذَا كَانَ سَابِقًا بِهِ كُلّ مُخْبِر سِوَاهُ . وَهَذَا أَمْر مِنْ اللَّه نَبِيّه مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِإِبْلَاغِ بِشَارَته خَلْقَهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَبِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِمَاءٍ جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْد رَبّه , وَصَدَّقُوا إيمَانهمْ ذَلِكَ وَإِقْرَارهمْ بِأَعْمَالِهِمْ الصَّالِحَة , فَقَالَ لَهُ : يَا مُحَمَّد بَشِّرْ مَنْ صَدَّقَك أَنَّك رَسُولِي وَأَنَّ مَا جِئْت بِهِ مِنْ الْهُدَى وَالنُّور فَمِنْ عِنْدِي , وَحَقَّقَ تَصْدِيقه ذَلِكَ قَوْلًا بِأَدَاءِ الصَّالِح مِنْ الْأَعْمَال الَّتِي افْتَرَضْتهَا عَلَيْهِ وَأَوْجَبْتهَا فِي كِتَابِي عَلَى لِسَانك عَلَيْهِ , أَنَّ لَهُ جَنَّات تَجْرِي مِنْ تَحْتهَا الْأَنْهَار خَاصَّة , دُون مَنْ كَذَّبَ بِك وَأَنْكَرَ مَا جِئْت بِهِ مِنْ الْهُدَى مِنْ عِنْدِي وَعَانَدَك , وَدُون مَنْ أَظَهَرَ تَصْدِيقك وَأَقَرَّ بِأَنَّ مَا جِئْته بِهِ فَمِنْ عِنْدِي قَوْلًا , وَجَحَدَهُ اعْتِقَادًا وَلَمْ يُحَقِّقهُ عَمَلًا . فَإِنَّ لِأُولَئِكَ النَّار الَّتِي وَقُودهَا النَّاس وَالْحِجَارَة مُعَدَّة عِنْدِي . وَالْجَنَّات جَمْع جَنَّة , وَالْجَنَّة : الْبُسْتَان . وَإِنَّمَا عَنَى جَلَّ ذِكْره بِذِكْرِ الْجَنَّة مَا فِي الْجَنَّة مِنْ أَشْجَارهَا وَثِمَارهَا وَغُرُوسِهَا دُون أَرْضهَا , فَلِذَلِكَ قَالَ عَزَّ ذِكْره : { تَجْرِي مِنْ تَحْتهَا الْأَنْهَار } لِأَنَّهُ مَعْلُوم أَنَّهُ إنَّمَا أَرَادَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ الْخَبَر عَنْ مَاء أَنَهَارهَا أَنَّهُ جَارٍ تَحْت أَشْجَارهَا وَغُرُوسِهَا وَثِمَارهَا , لَا أَنَّهُ جَارٍ تَحْت أَرْضهَا ; لِأَنَّ الْمَاء إذَا كَانَ جَارِيًا تَحْت الْأَرْض , فَلَا حَظّ فِيهَا لِعُيُونِ مَنْ فَوْقهَا إلَّا بِكَشَفِ السَّاتِر بَيْنهَا وَبَيْنه . عَلَى أَنَّ الَّذِي تُوصَف بِهِ أَنَهَار الْجَنَّة أَنَّهَا جَارِيَة فِي غَيْر أَخَادِيد . كَمَا : 425 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ , قَالَ : حَدَّثَنَا الْأَشْجَعِيّ , عَنْ سُفْيَان , عَنْ عَمْرو بْن مُرَّة , عَنْ أَبِي عُبَيْدَة , عَنْ مَسْرُوق , قَالَ : (نَخْل الْجَنَّة نَضِيد مِنْ أَصْلهَا إلَى فَرْعهَا , وَثَمَرهَا أَمْثَال الْقِلَال , كُلَّمَا نُزِعَتْ ثَمَرَة عَادَتْ مَكَانهَا أُخْرَى , وَمَاؤُهَا يَجْرِي فِي غَيْر أَخُدُود . )* وَحَدَّثَنَا مُجَاهِد , قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيد , قَالَ : أَخْبَرَنَا مِسْعَر بْن كِدَامٍ , عَنْ عَمْرو بْن مُرَّة , عَنْ أَبِي عُبَيْدَة بِنَحْوِهِ . * وَحَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار قَالَ : حَدَّثَنَا ابْن مَهْدِيّ , قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَان , قَالَ : سَمِعْت عَمْرو بْن مُرَّة يُحَدِّث عَنْ أَبِي عُبَيْدَة , فَذَكَرَ مِثْله . قَالَ : فَقُلْت لِأَبِي عُبَيْدَة : مَنْ حَدَّثَك , فَغَضِبَ وَقَالَ : مَسْرُوق . فَإِذَا كَانَ الْأَمْر كَذَلِكَ فِي أَنَّ أَنَهَارهَا جَارِيَة فِي غَيْر أَخَادِيد , فَلَا شَكَّ أَنَّ الَّذِي أُرِيدَ بِالْجَنَّاتِ أَشْجَار الْجَنَّات وَغُرُوسِهَا وَثِمَارهَا دُون أَرْضهَا , إذْ كَانَتْ أَنَهَارهَا تَجْرِي فَوْق أَرْضهَا وَتَحْت غروسها وَأَشْجَارهَا , عَلَى مَا ذَكَرَهُ مَسْرُوق . وَذَلِكَ أَوْلَى بِصِفَةِ الْجَنَّة مِنْ أَنْ تَكُون أَنَهَارهَا جَارِيَة تَحْت أَرْضهَا . وَإِنَّمَا رَغَّبَ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِهَذِهِ الْآيَة عِبَاده فِي الْإِيمَان وَحَضَّهُمْ عَلَى عِبَادَته , بِمَا أَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ أَعَدَّهُ لِأَهْلِ طَاعَته وَالْإِيمَان بِهِ عِنْده , كَمَا حَذَّرَهُمْ فِي الْآيَة الَّتِي قَبْلهَا بِمَا أَخْبَرَ مِنْ إعْدَاده مَا أَعَدَّ لِأَهْلِ الْكُفْر بِهِ الْجَاعِلِينَ مَعَهُ الْآلِهَة وَالْأَنْدَاد مِنْ عِقَابه عَنْ إشْرَاك غَيْره مَعَهُ , وَالتَّعَرُّض لِعُقُوبَتِهِ بِرُكُوبِ مَعْصِيَته وَتَرْك طَاعَته .|كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا|الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَة رِزْقًا } </subtitle>قَالَ أَبُو جَعْفَر : يَعْنِي بِقَوْلِهِ : { كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا } مِنْ الْجَنَّات , وَالْهَاء رَاجِعَة عَلَى | الْجَنَّات | , وَإِنَّمَا الْمَعْنَى أَشْجَارهَا , فَكَأَنَّهُ قَالَ : كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْ أَشْجَار الْبَسَاتِين الَّتِي أَعَدَّهَا اللَّه لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات فِي جَنَّاته مِنْ ثَمَرَة مِنْ ثِمَارهَا رِزْقًا قَالُوا : هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْل .|قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ|ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي تَأْوِيل قَوْله : { هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْل } فَقَالَ بَعْضهمْ : تَأْوِيل ذَلِكَ هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْل هَذَا فِي الدُّنْيَا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 426 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْن هَارُونَ , قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرو بْن حَمَّاد , قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاط عَنْ السُّدِّيّ فِي خَبَر ذَكَرَهُ عَنْ أَبِي مَالِك , وَعَنْ أَبِي صَالِح , عَنْ ابْن عَبَّاس , وَعَنْ مُرَّة , عَنْ ابْن مَسْعُود , وَعَنْ نَاس مِنْ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالُوا : { هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْل } قَالَ : إنَّهُمْ أُتُوا بِالثَّمَرَةِ فِي الْجَنَّة , فَلَمَّا نَظَرُوا إلَيْهَا قَالُوا : هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْل فِي الدُّنْيَا . 427 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيد بْن زُرَيْع , عَنْ سَعِيد , عَنْ قَتَادَةَ , قَالُوا : (هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْل : أَيْ فِي الدُّنْيَا . )428 - وَحَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِم عَنْ عِيسَى بْن مَيْمُون عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَالُوا : ( { هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْل } يَقُولُونَ : مَا أَشَبَهه بِهِ . )* حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ , عَنْ مُجَاهِد مِثْله . 429 - وَحَدَّثَنِي يُونُس بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد , قَالُوا : ( { هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْل } فِي الدُّنْيَا , قَالَ : { وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا } يَعْرِفُونَهُ . )قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ تَأْوِيل ذَلِكَ : هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ ثِمَار الْجَنَّة مِنْ قَبْل هَذَا , لِشِدَّةِ مُشَابَهَة بَعْض ذَلِكَ فِي اللَّوْن وَالطَّعْم بَعْضًا . وَمِنْ عِلَّة قَائِل هَذَا الْقَوْل أَنَّ ثِمَار الْجَنَّة كُلَّمَا نُزِعَ مِنْهَا شَيْء عَادَ مَكَانه آخَر مِثْله . كَمَا : 430 - حَدَّثَنَا ابْن بَشَّار , قَالَ : حَدَّثَنَا ابْن مَهْدِيّ , قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَان , قَالَ : سَمِعْت عَمْرو بْن مُرَّة يُحَدِّث عَنْ أَبِي عُبَيْدَة , قَالَ : (نَخْل الْجَنَّة نَضِيد مِنْ أَصْلهَا إلَى فَرْعهَا , وَثَمَرهَا مِثْل الْقِلَال , كُلَّمَا نُزِعَتْ مِنْهَا ثَمَرَة عَادَتْ مَكَانهَا أُخْرَى . )قَالُوا : فَإِنَّمَا اشْتَبَهَتْ عِنْد أَهْل الْجَنَّة , لِأَنَّ الَّتِي عَادَتْ نَظِيره الَّتِي نُزِعَتْ فَأُكِلَتْ فِي كُلّ مَعَانِيهَا . قَالُوا : وَلِذَلِكَ قَالَ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا } لِاشْتِبَاهِ جَمِيعه فِي كُلّ مَعَانِيه . وَقَالَ بَعْضهمْ : بَلْ قَالُوا : { هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْل } لِمُشَابَهَتِهِ الَّذِي قَبْله فِي اللَّوْن وَإِنْ خَالَفَهُ فِي الطَّعْم . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 431 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم بْن الْحُسَيْن , قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْن بْن دَاوُد , قَالَ : حَدَّثَنَا شَيْخ مِنْ الْمِصِّيصَة عَنْ الْأَوْزَاعِيّ عَنْ يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير , قَالَ : (يُؤْتَى أَحَدهمْ بِالصَّحْفَةِ فَيَأْكُل مِنْهَا , ثُمَّ يُؤْتَى بِأُخْرَى فَيَقُول : هَذَا الَّذِي أُتِينَا بِهِ مِنْ قَبْل , فَيَقُول الْمَلِك : كُلْ فَاللَّوْن وَاحِد وَالطَّعْم مُخْتَلِف . )وَهَذَا التَّأْوِيل مَذْهَب مَنْ تَأَوَّلَ الْآيَة . غَيْر أَنَّهُ يَدْفَع صِحَّته ظَاهِر التِّلَاوَة وَالَّذِي يَدُلّ عَلَى صِحَّته ظَاهِر الْآيَة وَيُحَقِّق صِحَّته قَوْل الْقَائِلِينَ إنَّ مَعْنَى ذَلِكَ : هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْل فِي الدُّنْيَا . وَذَلِكَ أَنَّ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَالَ : { كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَة رِزْقًا } فَأَخْبَرَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّ مِنْ قَيْل أَهْل الْجَنَّة كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْ ثَمَر الْجَنَّة رِزْقًا أَنْ يَقُولُوا : هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْل . وَلَمْ يُخَصَّص بِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ قَيْلهمْ فِي بَعْض ذَلِكَ دُون بَعْض . فَإِذْ كَانَ قَدْ أَخْبَرَ جَلَّ ذِكْره عَنْهُمْ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ قَيْلهمْ فِي كُلّ مَا رُزِقُوا مِنْ ثَمَرهَا , فَلَا شَكَّ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ قَيْلهمْ فِي أَوَّل رِزْق رُزِقُوهُ مِنْ ثِمَارهَا أَتَوْا بِهِ بَعْد دُخُولهمْ الْجَنَّة وَاسْتِقْرَارهمْ فِيهَا , الَّذِي لَمْ يَتَقَدَّمهُ عِنْدهمْ مِنْ ثِمَارهَا ثَمَرَة . فَإِذْ كَانَ لَا شَكَّ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ قَيْلهمْ فِي أَوَلَهُ , كَمَا هُوَ مِنْ قَيْلهمْ فِي وَسَطه وَمَا يَتْلُوهُ , فَمَعْلُوم أَنَّهُ مُحَال أَنْ يَكُون مِنْ قَيْلهمْ لِأَوَّلِ رِزْق رُزِقُوهُ مِنْ ثِمَار الْجَنَّة : { هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْل } هَذَا مِنْ ثِمَار الْجَنَّة . وَكَيْفَ يَجُوز أَنْ يَقُولُوا لِأَوَّلِ رِزْق رُزِقُوهُ مِنْ ثِمَارهَا وَلَمَّا يَتَقَدَّمهُ عِنْدهمْ غَيْره : هَذَا هُوَ الَّذِي رُزِقْنَاهُ مِنْ قَبْل ; إلَّا أَنْ يَنْسُبهُمْ ذُو غُرَّة وَضَلَال إلَى قِيلَ الْكَذِب الَّذِي قَدْ طَهَّرَهُمْ اللَّه مِنْهُ , أَوْ يَدْفَع دَافِع أَنْ يَكُون ذَلِكَ مِنْ قَيْلهمْ لِأَوَّلِ رِزْق رُزِقُوهُ مِنْهَا مِنْ ثِمَارهَا , فَيَدْفَع صِحَّة مَا أَوَجَبَ اللَّه صِحَّته بِقَوْلِهِ : { كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَة رِزْقًا } مِنْ غَيْر نَصَب دَلَالَة عَلَى أَنَّهُ مَعَنِي بِهِ حَال مِنْ أَحْوَال دُون حَال . فَقَدْ تَبَيَّنَ بِمَا بَيَّنَّا أَنَّ مَعْنَى الْآيَة : كُلَّمَا رُزِقَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات مِنْ ثَمَرَة مِنْ ثِمَار الْجَنَّة فِي الْجَنَّة رِزْقًا , قَالُوا : هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْل هَذَا فِي الدُّنْيَا . فَإِنْ سَأَلَنَا سَائِل فَقَالَ : وَكَيْفَ قَالَ الْقَوْم : { هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْل } وَاَلَّذِي رُزِقُوهُ مِنْ قَبْل قَدْ عَدِم بِأَكْلِهِمْ إيَّاهُ ؟ وَكَيْفَ يَجُوز أَنْ يَقُول أَهْل الْجَنَّة قَوْلًا لَا حَقِيقَة لَهُ ؟ قِيلَ : إنَّ الْأَمْر عَلَى غَيْر مَا ذَهَبْت إلَيْهِ فِي ذَلِكَ , وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ : هَذَا مِنْ النَّوْع الَّذِي رُزِقْنَاهُ مِنْ قَبْل هَذَا مِنْ الثِّمَار وَالرِّزْق , كَالرَّجُلِ يَقُول لِآخَر : قَدْ أَعَدَّ لَك فُلَان مِنْ الطَّعَام كَذَا وَكَذَا مِنْ أَلْوَان الطَّبِيخ وَالشِّوَاء وَالْحَلْوَى , فَيَقُول الْمَقُول لَهُ ذَاكَ : هَذَا طَعَامِي فِي مَنْزِلِي . يَعْنِي بِذَلِكَ أَنَّ النَّوْع الَّذِي ذَكَرَ لَهُ صَاحِبه أَنَّهُ أَعَدَّهُ لَهُ مِنْ الطَّعَام هُوَ طَعَامه , لِأَنَّ أَعْيَانَ مَا أَخْبَرَهُ صَاحِبه أَنَّهُ قَدْ أَعَدَّهُ لَهُ هُوَ طَعَامه . بَلْ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَجُوز لِسَامِعٍ سَمِعَهُ يَقُول ذَلِكَ أَنْ يُتَوَهَّم أَنَّهُ أَرَادَهُ أَوْ قَصَدَهُ ; لِأَنَّ ذَلِكَ خِلَاف مَخْرَج كَلَام الْمُتَكَلِّم ; وَإِنَّمَا يُوَجِّه كَلَام كُلّ مُتَكَلِّم إلَى الْمَعْرُوف فِي النَّاس مِنْ مَخَارِجه دُون الْمَجْهُول مِنْ مَعَانِيه . فَكَذَلِكَ ذَلِكَ فِي قَوْله : { قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْل } إذْ كَانَ مَا كَانُوا رُزِقُوهُ مِنْ قَبْل قَدْ فَنِيَ وَعَدِم ; فَمَعْلُوم أَنَّهُمْ عَنَوْا بِذَلِكَ هَذَا مِنْ النَّوْع الَّذِي رُزِقْنَاهُ مِنْ قَبْل , وَمِنْ جِنْسه فِي السِّمَات وَالْأَلْوَان عَلَى مَا قَدْ بَيَّنَّا مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ فِي كِتَابنَا هَذَا .|وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا|الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله : { وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا } </subtitle>قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَالْهَاء فِي قَوْله : { وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا } عَائِدَة عَلَى الرِّزْق , فَتَأْوِيله : وَأُتُوا بِاَلَّذِي رُزِقُوا مِنْ ثِمَارهَا مُتَشَابِهًا وَقَدْ اخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي تَأْوِيل الْمُتَشَابِه فِي ذَلِكَ , فَقَالَ بَعْضهمْ : تَشَابَهَهُ أَنَّ كُلّه خِيَار لَا رَذْل فِيهِ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 432 * حَدَّثَنَا خَلَّاد بْن أَسْلَمَ , قَالَ : أَخْبَرَنَا النَّضْر بْن شُمَيْلٍ , قَالَ : أَخْبَرَنَا أَبُو عَامِر عَنْ الْحَسَن فِي قَوْله : { مُتَشَابِهًا } قَالَ : خِيَارًا كُلّهَا لَا رَذْل فيها . 433 - وَحَدَّثَنِي يَعْقُوب بْن إبْرَاهِيم , قَالَ : حَدَّثَنَا ابْن عُلَيَّة , عَنْ أَبِي رَجَاء : قَرَأَ الْحَسَن آيَات مِنْ الْبَقَرَة , فَأَتَى عَلَى هَذِهِ الْآيَة : { وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا } قَالَ : أَلَمْ تَرَوْا إلَى ثِمَار الدُّنْيَا كَيْف تُرْذَلُونَ بَعْضه ؟ وَإِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ فِيهِ رَذْل ! ! 434 - وَحَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , قَالَ : قَالَ الْحَسَن : ( { وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا } قَالَ : يُشْبِه بَعْضه بَعْضًا لَيْسَ فِيهِ مِنْ رَذْل . )435 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيد , عَنْ سَعِيد , عَنْ قَتَادَةَ : ( { وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا } أَيْ خِيَارًا لَا رَذْل فِيهِ , وَإِنَّ ثِمَار الدُّنْيَا يُنَقَّى مِنْهَا وَيُرْذَل مِنْهَا , وَثِمَار الْجَنَّة خِيَار كُلّه لَا يُرْذَل مِنْهُ شَيْء . )436 - وَحَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ , قَالَ : (ثَمَر الدُّنْيَا مِنْهُ مَا يُرْذَل وَمِنْهُ نَقَاوَة , وَثَمَر الْجَنَّة نَقَاوَة كُلّه يُشْبِه بَعْضه بَعْضًا فِي الطَّيِّب لَيْسَ مِنْهُ مَرْذُول . )وَقَالَ بَعْضهمْ : تَشَابَهَهُ فِي اللَّوْن وَهُوَ مُخْتَلِف فِي الطَّعْم . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 437 - حَدَّثَنِي مُوسَى , قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرو , قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ فِي خَبَر ذَكَرَهُ , عَنْ أَبِي مَالِك وَعَنْ أَبِي صَالِح , عَنْ ابْن عَبَّاس , وَعَنْ مُرَّة , عَنْ ابْن مَسْعُود , وَعَنْ نَاس مِنْ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( { وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا } فِي اللَّوْن وَالْمَرْأَى , وَلَيْسَ يُشْبِه الطَّعْم . )438 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِم , عَنْ عِيسَى , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : ( { وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا } مِثْل الْخِيَار . )* وَحَدَّثَنَا الْمُثَنَّى , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْل عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : ( { وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا } لَوْنه , مُخْتَلِفًا طَعْمه , مِثْل الْخِيَار مِنْ الْقِثَّاء . )439 - وَحُدِّثْت عَنْ عَمَّار بْن الْحَسَن , قَالَ : حَدَّثَنَا ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع بْن أَنَس : ( { وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا } يُشْبِه بَعْضه بَعْضًا وَيَخْتَلِف الطَّعْم )440 - وَحَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَنْبَأَنَا الثَّوْرِيّ , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْله : { مُتَشَابِهًا } قَالَ : (مُشْتَبَهًا فِي اللَّوْن وَمُخْتَلِفًا فِي الطَّعْم . )* حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاج عَنْ ابْن جُرَيْجٍ , عَنْ مُجَاهِد : ( { وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا } مِثْل الْخِيَار . )وَقَالَ بَعْضهمْ : تَشَابَهَ فِي اللَّوْن وَالطَّعْم . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 441 - حَدَّثَنَا ابْن وَكِيع . قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي , عَنْ سُفْيَان , عَنْ رَجُل , عَنْ مُجَاهِد قَوْله : { مُتَشَابِهًا } قَالَ : (اللَّوْن وَالطَّعْم . )442 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : حَدَّثَنَا إسْحَاق , قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْد الرَّزَّاق , عَنْ الثَّوْرِيّ , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد وَيَحْيَى بْن سَعِيد : { مُتَشَابِهًا } قَالَا : (فِي اللَّوْن وَالطَّعْم . )وَقَالَ بَعْضهمْ : تُشَابِههُ تَشَابُهَ ثَمَر الْجَنَّة وَثَمَر الدُّنْيَا فِي اللَّوْن وَإِنْ اخْتَلَفَ طُعُومهمَا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 443 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَنْبَأَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَةَ { وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا } قَالَ : (يُشْبِه ثَمَر الدُّنْيَا غَيْر أَنَّ ثَمَر الْجَنَّة أَطْيَب . )444 - وَحَدَّثَنَا الْمُثَنَّى , قَالَ : حَدَّثَنَا إسْحَاق , قَالَ : قَالَ حَفْص بْن عُمَر , قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَكَم بْن أَبَانَ عَنْ عِكْرِمَة فِي قَوْله : { وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا } قَالَ : يُشْبِه ثَمَر الدُّنْيَا , غَيْر أَنَّ ثَمَر الْجَنَّة أَطْيَب وَقَالَ بَعْضهمْ : لَا يُشْبِه شَيْء مِمَّا فِي الْجَنَّة مَا فِي الدُّنْيَا إلَّا الْأَسْمَاء . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ 445 - حَدَّثَنِي أَبُو كُرَيْبٍ , قَالَ : حَدَّثَنَا الْأَشْجَعِيّ ح , وَحَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بِشَارِّ , قَالَ : حَدَّثَنَا مُؤَمَّل , قَالَا جَمِيعًا : حَدَّثَنَا سُفْيَان عَنْ الْأَعْمَش , عَنْ أَبِي ظَبْيَانِ , عَنْ ابْن عَبَّاس - قَالَ أَبُو كُرَيْبٍ فِي حَدِيثه عَنْ الْأَشْجَعِيّ - : (لَا يُشْبِه شَيْء مِمَّا فِي الْجَنَّة مَا فِي الدُّنْيَا إلَّا الْأَسْمَاء وَقَالَ ابْن بِشَارِّ فِي حَدِيثه عَنْ مُؤَمَّل قَالَ : لَيْسَ فِي الدُّنْيَا مِمَّا فِي الْجَنَّة إلَّا الْأَسْمَاء . )* حَدَّثَنَا عَبَّاس بْن مُحَمَّد , قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عُبَيْد عَنْ الْأَعْمَش , عَنْ أَبِي ظَبْيَانِ عَنْ ابْن عَبَّاس , قَالَ : (لَيْسَ فِي الدُّنْيَا مِنْ الْجَنَّة شَيْء إلَّا الْأَسْمَاء . )446 - وَحَدَّثَنِي يُونُس بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : أَنْبَأَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ عَبْد الرَّحْمَن بْن زَيْد فِي قَوْله : { وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا } قَالَ : (يَعْرِفُونَ أَسَمَاءَهُ كَمَا كَانُوا فِي الدُّنْيَا , التُّفَّاح بِالتُّفَّاحِ , وَالرُّمَّان بِالرُّمَّانِ , قَالُوا فِي الْجَنَّة : { هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْل } فِي الدُّنْيَا , { وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا } يَعْرِفُونَهُ , وَلَيْسَ هُوَ مِثْله فِي الطَّعْم . )قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَأَوْلَى هَذِهِ التَّأْوِيلَات بِتَأْوِيلِ الْآيَة , تَأْوِيل مَنْ قَالَ : { وَأُوتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا } فِي اللَّوْن وَالْمَنْظَر , وَالطَّعْم مُخْتَلِف . يَعْنِي بِذَلِكَ اشْتِبَاه ثَمَر الْجَنَّة وَثَمَر الدُّنْيَا فِي الْمَنْظَر وَاللَّوْن , مُخْتَلِفًا فِي الطَّعْم وَالذَّوْق ; لِمَا قَدَّمْنَا مِنْ الْعِلَّة فِي تَأْوِيل قَوْله : { كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَة رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا م