80-عبس
عَبَسَ وَتَوَلَّى
1-" عبس وتولى " .
أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى
2-" أن جاءه الأعمى " روي : أن ابن أم مكتوم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده صناديد قريش يدعوهم إلى الإسلام ،فقال : يا رسول الله علمني مما علمك الله ، وكرر ذلك ولم يعلم تشاغله بالقوم ، فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم قطعه لكلامه وعبس وأعرض عنه فنزلت . فكان رسول الله صلى الله عليه وسم يكرمه ويقول إذا رآه : مرحباً بمن عاتبني فيه ربي ، واستخلفه على المدينة مرتين . وقرئ عبس بالتشديد للمبالغة و " أن جاءه " علة لـ" تولى " ، أو " عبس " على اختلاف المذهبين ، وقرئ آأن بهمزتين وبألف بينهما بمعنى ألئن جاءه الأعمى فعل ذلك ، وذكر الأعمى للإشعار بعذره في الإقدام على قطع كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقوم والدلالة على أنه حق بالرأفة والرفق ، أو لزيادة الإنكار كأنه قال : تولى لكونه أعمى كالالتفات في قوله :
وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى
3-" وما يدريك لعله يزكى " أي : شيء يجعلك دارياً بحاله لعله يتطهر من الآثام بما يتلقف منك . وفيه إيماء بأن إعراضه كان لتزكية غيره .
أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى
4-" أو يذكر فتنفعه الذكرى " أو يتعظ فتنفعه موعظتك ،وقيل الضمير في " لعله " للكافر أي أنك طمعت في تزكية بالإسلام وتذكره بالموعظة ولذلك أعرضت عن غيره فما يدريك أن ما طمعت فيه كائن ، وقرأ عاصم فتنفعه بالنصب جواباً للعل .
أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى
5-" أما من استغنى " .
فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى
6-" فأنت له تصدى " تتعرض له بالإقبال عليه وأصله تتصدى ،وقرأ ابن كثير و نافع تصدى بالإدغام وقرئ . تصدى أي تعرض وتدعى إلى التصدي .
وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى
7-" وما عليك أن لا يزكى " وليس عليك بأس في أن لا يتزكى بالإسلام حتى يبعثك الحرص على إسلامه إلى الإعراض عمن أسلم " إن عليك إلا البلاغ " .
وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى
8-" وأما من جاءك يسعى " يسرع طالباً للخير .
وَهُوَ يَخْشَى
9-" وهو يخشى " الله أو أذية الكفار في إتيانك ، أو كبوة الطريق لأنه أعمى لا قائد له .
فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى
10-" فأنت عنه تلهى " تتشاغل ، يقال لها عنه والتهى و " تلهى " ، ولعل ذكر التصدق والتلهي للإشعار بأن العتاب على اهتمام قلبه بالغني وتلهيه عن الفقير ، ومثله لا ينبغي له ذلك .
كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ
11-" كلا " ردع عن المعاتب عليه أو عن معاودة مثله . " إنها تذكرة " .
فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ
12-" فمن شاء ذكره " حفظه أو اتعظ به والضميران للقرآن ، أو العتاب المذكور وتأنيث الأول لتأنيث خبره .
فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ
13-" في صحف " مثبتة فيها صفة لتذكرة ، أو خبر ثان أو خبر لمحذوف . " مكرمة " عند الله .
مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ
14-" مرفوعة " القدر . " مطهرة " منزهة عن أيدي الشياطين .
بِأَيْدِي سَفَرَةٍ
15-" بأيدي سفرة " كتبة من الملائكة أو الأنبياء ينتسخون الكتب من اللوح أو الوحي ، أو سفراء يسفرون بالوحي بين الله تعالى ورسله ، أو الأمة جمع سافر من السفر ، أو السفارة والتركيب للكشف يقال سفرت المرأة إذا كشفت وجهها .
كِرَامٍ بَرَرَةٍ
16-" كرام " أعزاء على الله أو متعطفين على المؤمنين يكلمونهم ويستغفرون لهم " بررة " أتقياء .
قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ
17-" قتل الإنسان ما أكفره " دعاء عليه بأشنع الدعوات وتعجب من إفراطه في الكفران ، وهو مع قصره يدل على سخط عظيم وذم بليغ .
مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ
18-" من أي شيء خلقه " بيان لما أنعم عليه خصوصاً من مبدأ حدوثه ،والاستفهام للتحقير ولذلك أجاب عنه بقوله :
مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ
19-" من نطفة خلقه فقدره " فهيأه لما يصلح له من الأعضاء والأشكال ، أو " فقدره " أطواراً إلى أن تم خلقته .
ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ
20-" ثم السبيل يسره " ثم سهل مخرجه من بطن أمه بأن فتح فوهة الرحم وألهمه أن ينتكس ، أو ذلل له سبيل الخير والشر ونصب السبيل بفعل يفسره الظاهر للمبالغة في التيسير ، وتعريفه باللام دون الإضافة للإشعار بأنه سبيل عام ، وفيه على المعنى الأخير إيماء بأن الدنيا طريق والمقصد غيرها ولذلك عقبه بقوله :
ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ
21-" ثم أماته فأقبره " .
ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ
22-" ثم إذا شاء أنشره " وعد الإماتة والإقبار في النعم لأن الإماتة وصلة في الجملة إلى الحياة الأبدية واللذات الخالصة والأمر بالقبر تكرمة وصيانة عن السباع ، وفي " إذا شاء " إشعار بأن وقت النشور غير متعين في نفسه ، وإنما هو موكول إلى مشيئته تعالى .
كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ
23-" كلا " ردع للإنسان بما هو عليه . " لما يقض ما أمره " لم يقض بعد لدن آدم إلى هذه الغاية ما أمره الله أمره ، إذ لا يخلو أحد من تقصير ما .
فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ
24-" فلينظر الإنسان إلى طعامه " إتباع للنعم الذاتية بالنعم الخارجية .
أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا
25-" أنا صببنا الماء صباً " استئناف مبين لكيفية إحداث الطعام ، وقرأ الكوفيون بالفتح على البدل منه بدل الاشتمال .
ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا
26-" ثم شققنا الأرض شقاً " اي بالنبات أو بالكراب ، وأسند الشق إلى الشق نفسه إسناد الفعل إلى السبب .
فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا
27-" فأنبتنا فيها حباً " كالحنطة والشعير .
وَعِنَبًا وَقَضْبًا
28-" وعنباً وقضباً " يعني الرطبة سميت بمصدر قضبه إذا قطعه لأنها تقضب مرة بعد أخرى .
وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا
29-" وزيتوناً ونخلاً " .
وَحَدَائِقَ غُلْبًا
30-" وحدائق غلباً " عظاماً وصف به الحدائق لتكاثفها وكثرة أشجارها ، أو لأنها ذات أشجار غلاظ مستعار من وصف الرقاب .
وَفَاكِهَةً وَأَبًّا
31-" وفاكهة وأباً " ومرعى من أب إذا أم لأنه يؤم وينتجع ، أو من أب لكذا إذا تهيأ له لأنه متهيئ للرعي ، أو فاكهة يابسة تؤوب للشتاء .
مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ
32-" متاعاً لكم ولأنعامكم " فإن الأنواع المذكورة بعضها طعام وبعضها علف .
فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ
33-" فإذا جاءت الصاخة " أي النفخة وصفت بها مجازاً لأن الناس يصخون لها .
يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ
34-" يوم يفر المرء من أخيه " .
وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ
35-" وأمه وأبيه " .
وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ
36-" وصاحبته وبنيه " لاشتغاله بشأنه وعلمه بأنهم لا ينفعونه ، أو للحذر من مطالبتهم بما قصر في حقهم وتأخير الأحب فالأحب للمبالغة كأنه قيل : يفر من أخيه بل من أبويه بل من صاحبته وبنيه .
لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ
37-" لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه " يكفيه في الاهتمام به ، وقرئ يعنيه أي يهمه .
وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ
38-" وجوه يومئذ مسفرة " مضيئة من إسفار الصبح .
ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ
39-" ضاحكة مستبشرة " لما ترى من النعيم .
وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ
40-" ووجوه يومئذ عليها غبرةً " غبار وكدورة .
تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ
41-" ترهقها قترة " يغشاها سواد وظلمة .
أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ
42-" أولئك هم الكفرة الفجرة" الذين جمعوا إلى الكفر الفجور ، فلذلك يجمع إلى سواد وجوههم الغبرة . عن النبي صلى الله عليه وسلم " من قرأ سورة عبس جاء يوم القيامة ووجهه ضاحك مستبشر " .