islamkingdomfaceBook islamkingdomtwitter islamkingdominstagram islamkingdomyoutube islamkingdomnew

تفسير الطبرى
3516

23-المؤمنون

قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ

وَقَوْله : { فَأَخْرَجَ لَهُمْ عجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَار } يَقُول : فَأَخْرَجَ لَهُمْ السَّامريّ ممَّا قَذَفُوهُ وَممَّا أَلْقَاهُ عجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَار , وَيَعْني بالْخُوَار : الصَّوْت , وَهُوَ صَوْت الْبَقَر . ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْل الْعلْم في كَيْفيَّة إخْرَاج السَّامريّ الْعجْل , فَقَالَ بَعْضهمْ : صَاغَهُ صيَاغَة , ثُمَّ أَلْقَى منْ تُرَاب حَافر فَرَس جَبْرَائيل في فَمه فَخَارَ . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18307 - حَدَّثَنَا بشْر , قَالَ : ثنا يَزيد , قَالَ : ثنا سَعيد , عَنْ قَتَادَة ( { فَكَذَلكَ أَلْقَى السَّامريّ } قَالَ : كَانَ اللَّه وَقَّتَ لمُوسَى ثَلَاثينَ لَيْلَة ثُمَّ أَتَمَّهَا بعَشْرٍ ; فَلَمَّا مَضَتْ الثَّلَاثُونَ قَالَ عَدُوّ اللَّه السَّامريّ : إنَّمَا أَصَابَكُمْ الَّذي أَصَابَكُمْ عُقُوبَة بالْحُليّ الَّذي كَانَ مَعَكُمْ , فَهَلُمُّوا وَكَانَتْ حُليًّا تُعيرُوهَا منْ آل فرْعَوْن , فَسَارُوا وَهيَ مَعَهُمْ , فَقَذَفُوهَا إلَيْه , فَصَوَّرَهَا صُورَة بَقَرَة , وَكَانَ قَدْ صَرَّ في عمَامَته أَوْ في ثَوْبه قَبْضَة منْ أَثَر فَرَس جَبْرَائيل , فَقَذَفَهَا مَعَ الْحُليّ وَالصُّورَة { فَأَخْرَجَ لَهُمْ عجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَار } فَجَعَلَ يَخُور خُوَار الْبَقَر , فَقَالَ : { هَذَا إلَهكُمْ وَإلَه مُوسَى } . )* - حَدَّثَنَا الْحَسَن , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , قَالَ : (لَمَّا اسْتَبْطَأَ مُوسَى قَوْمه قَالَ لَهُمْ السَّامريّ : إنَّمَا احْتَبَسَ عَلَيْكُمْ لأَجْل مَا عنْدكُمْ منْ الْحُليّ , وَكَانُوا اسْتَعَارُوا حُليًّا منْ آل فرْعَوْن فَجَمَعُوهُ فَأَعْطَوْهُ السَّامريّ فَصَاغَ منْهُ عجْلًا , ثُمَّ أَخَذَ الْقَبْضَة الَّتي قَبَضَ منْ أَثَر الْفَرَس , فَرَس الْمَلَك , فَنَبَذَهَا في جَوْفه , فَإذَا هُوَ عجْل جَسَد لَهُ خُوَار , قَالُوا : هَذَا إلَهكُمْ وَإلَه مُوسَى , وَلَكنَّ مُوسَى نَسيَ رَبّه عنْدكُمْ . )وَقَالَ آخَرُونَ في ذَلكَ بمَا : 18308 - حَدَّثَني مُوسَى , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدّيّ , قَالَ : أَخَذَ السَّامريّ منْ تُرْبَة الْحَافر , حَافر فَرَس جَبْرَائيل ; فَانْطَلَقَ مُوسَى وَاسْتَخْلَفَ هَارُون عَلَى بَني إسْرَائيل وَوَاعَدَهُمْ ثَلَاثينَ لَيْلَة , فَأَتَمَّهَا اللَّه بعَشْرٍ , قَالَ لَهُمْ هَارُون : يَا بَني إسْرَائيل إنَّ الْغَنيمَة لَا تَحلّ لَكُمْ , وَإنَّ حُليّ الْقبْط إنَّمَا هُوَ غَنيمَة , فَاجْمَعُوهَا جَميعًا , فَاحْفرُوا لَهَا حُفْرَة فَادْفنُوهَا , فَإنْ جَاءَ مُوسَى فَأَحَلَّهَا أَخَذْتُمُوهَا , وَإلَّا كَانَ شَيْئًا لَمْ تَأْكُلُوهُ . فَجَمَعُوا ذَلكَ الْحُليّ في تلْكَ الْحُفْرَة , فَجَاءَ السَّامريّ بتلْكَ الْقَبْضَة فَقَذَفَهَا فَأَخْرَجَ اللَّه منْ الْحُليّ عجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَار , وَعَدَّتْ بَنُو إسْرَائيل مَوْعد مُوسَى , فَعَدَّوْا اللَّيْلَة يَوْمًا , وَالْيَوْم يَوْمًا ; فَلَمَّا كَانَ لعشْرينَ خَرَجَ لَهُمْ الْعجْل ; فَلَمَّا رَأَوْهُ قَالَ لَهُمْ السَّامريّ : { هَذَا إلَهكُمْ وَإلَه مُوسَى فَنَسيَ } فَعَكَفُوا عَلَيْه يَعْبُدُونَهُ , وَكَانَ يَخُور وَيَمْشي { فَكَذَلكَ أَلْقَى السَّامريّ } ذَلكَ حين قَالَ لَهُمْ هَاوُونَ : احْفرُوا لهَذَا الْحُليّ حُفْرَة وَاطْرَحُوهُ فيهَا , فَطَرَحُوهُ , فَقَذَفَ السَّامريّ تُرْبَته .|فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ|وَقَوْله : { فَقَالُوا هَذَا إلَهكُمْ وَإلَه مُوسَى } يَقُول : فَقَالَ قَوْم مُوسَى الَّذينَ عَبَدُوا الْعجْل : هَذَا مَعْبُودكُمْ وَمَعْبُود مُوسَى . وَقَوْله { فَنَسيَ } يَقُول : فَضَلَّ وَتَرَكَ . ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْل التَّأْويل في قَوْله { فَنَسيَ } مَنْ قَائله وَمَنْ الَّذي وُصفَ به وَمَا مَعْنَاهُ , فَقَالَ بَعْضهمْ : هَذَا منْ اللَّه خَبَر عَنْ السَّامريّ , وَالسَّامريّ هُوَ الْمَوْصُوف به , وَقَالُوا : مَعْنَاهُ : أَنَّهُ تَرَكَ الدّين الَّذي بَعَثَ اللَّه به مُوسَى وَهُوَ الْإسْلَام . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18309 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , قَالَ : ثني مُحَمَّد بْن إسْحَاق , عَنْ حَكيم بْن جُبَيْر , عَنْ سَعيد بْن جُبَيْر , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَالَ : (يَقُول اللَّه : { فَنَسيَ } : أَيْ تَرَكَ مَا كَانَ عَلَيْه منْ الْإسْلَام , يَعْني السَّامريّ . )وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ هَذَا خَبَر منْ اللَّه عَنْ السَّامريّ , أَنَّهُ قَالَ لبَني إسْرَائيل , وَأَنَّهُ وَصَفَ مُوسَى بأَنَّهُ ذَهَبَ يَطْلُب رَبّه , فَأَضَلَّ مَوْضعه , وَهُوَ هَذَا الْعجْل . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18310 - حَدَّثَني مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبَى , قَالَ : ثني عَمّي , قَالَ : ثني أَبي عَنْ أَبيه , عَنْ ابْن عَبَّاس ( { فَقَذَفْنَاهَا } يَعْني زينَة الْقَوْم حين أَمَرَنَا السَّامريّ لَمَّا قَبَضَ قَبْضَة منْ أَثَر جَبْرَائيل عَلَيْه السَّلَام , فَأَلْقَى الْقَبْضَة عَلَى حُليّهمْ فَصَارَ عجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَار { فَقَالُوا هَذَا إلَهكُمْ وَإلَه مُوسَى } الَّذي انْطَلَقَ يَطْلُبهُ { فَنَسيَ } يَعْني : نَسيَ مُوسَى , ضَلَّ عَنْهُ فَلَمْ يَهْتَد لَهُ . )18311 - حَدَّثَنَا بشْر , قَالَ : ثنا يَزيد , قَالَ : ثنا سَعيد , عَنْ قَتَادَة ( { فَنَسيَ } يَقُول : طَلَبَ هَذَا مُوسَى فَخَالَفَهُ الطَّريق . )* - حَدَّثَنَا الْحَسَن , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة ( { فَنَسيَ } يَقُول : قَالَ السَّامريّ : مُوسَى نَسيَ رَبّه عنْدكُمْ . )18312 - حَدَّثَني مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصم , قَالَ : ثنا عيسَى ; وَحَدَّثَني الْحَارث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَميعًا عَنْ ابْن أَبي نَجيح , عَنْ مُجَاهد , قَوْله : ( { فَنَسيَ } مُوسَى , قَالَ : هُمْ يَقُولُونَهُ : أَخْطَأَ الرَّبّ الْعجْل . )* - حَدَّثَنَا الْقَاسم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنْي حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهد ( { فَنَسيَ } قَالَ : نَسيَ مُوسَى , أَخْطَأَ الرَّبّ الْعجْل , قَوْم مُوسَى يَقُولُونَهُ . )18313 - حَدَّثَني مُوسَى , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدّيّ ( { فَنَسيَ } يَقُول : تَرَكَ مُوسَى إلَهه هَهُنَا وَذَهَبَ يَطْلُبهُ . )18314 - حَدَّثَني يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد في قَوْله : ( { هَذَا إلَهكُمْ وَإلَه مُوسَى فَنَسيَ } قَالَ : يَقُول : فَنَسيَ حَيْثُ وَعَدَهُ رَبّه هَهُنَا , وَلَكنَّهُ نَسيَ . )18315 - حُدّثْت عَنْ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : أَخْبَرَنَا عُبَيْد , قَالَ : (سَمعْت الضَّحَّاك يَقُول في قَوْله : { هَذَا إلَهكُمْ وَإلَه مُوسَى فَنَسيَ } يَقُول : نَسيَ مُوسَى رَبّه فَأَخْطَأَهُ , وَهَذَا الْعجْل إلَه مُوسَى . )قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَاَلَّذي هُوَ أَوْلَى بتَأْويل ذَلكَ الْقَوْل الَّذي ذَكَرْنَاهُ عَنْ هَؤُلَاء , وَهُوَ أَنَّ ذَلكَ خَبَر منْ اللَّه عَزَّ ذكْره عَنْ السَّامريّ أَنَّهُ وَصَفَ مُوسَى بأَنَّهُ نَسيَ رَبّه , وَأَنَّهُ رَبّه الَّذي ذَهَبَ يُريدهُ هُوَ الْعجْل الَّذي أَخْرَجَهُ السَّامريّ , لإجْمَاع الْحُجَّة منْ أَهْل التَّأْويل عَلَيْه , وَأَنَّهُ عَقيب ذكْر مُوسَى , وَهُوَ أَنْ يَكُون خَبَرًا منْ السَّامريّ عَنْهُ بذَلكَ أَشْبَه منْ غَيْره .

الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ

الْقَوْل في تَأْويل قَوْله تَعَالَى : { أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجع إلَيْهمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلك لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا } </subtitle>يَقُول تَعَالَى ذكْره مُوَبّخًا عَبَدَة الْعجْل , وَالْقَائلينَ لَهُ { هَذَا إلَهكُمْ وَإلَه مُوسَى فَنَسيَ } وَعَابَهُمْ بذَلكَ , وَسَفَّهُ أَحْلَامهمْ بمَا فَعَلُوا وَنَالُوا منْهُ : أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّ الْعجْل الَّذي زَعَمُوا أَنَّهُ إلَههمْ وَإلَه مُوسَى لَا يُكَلّمهُمْ , وَإنْ كَلَّمُوهُ لَمْ يَرُدّ عَلَيْهمْ جَوَابًا , وَلَا يَقْدر عَلَى ضَرّ وَلَا نَفْع , فَكَيْف يَكُون مَا كَانَتْ هَذه صفَته إلَهًا ؟ كَمَا : 18316 - حَدَّثَني مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصم . قَالَ : ثنا عيسَى | ح | ; وَحَدَّثَني الْحَارث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَميعًا عَنْ ابْن أَبي نَجيح , عَنْ مُجَاهد ( { لَا يَرْجع إلَيْهمْ قَوْلًا } الْعجْل . )* - حَدَّثَنَا الْقَاسم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهد ( { أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجع إلَيْهمْ قَوْلًا } قَالَ : الْعجْل . )18317 - حَدَّثَنَا بشْر , قَالَ : ثنا يَزيد , قَالَ : ثنا سَعيد , عَنْ قَتَادَة , (قَالَ اللَّه : { أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجع إلَيْهمْ } ذَلكَ الْعجْل الَّذي اتَّخَذُوهُ { قَوْلًا وَلَا يَمْلك لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا } . )

وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ

وَقَوْله : { وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُون منْ قَبْل } : يَقُول : لَقَدْ قَالَ لعَبَدَة الْعجْل منْ بَني إسْرَائيل هَارُون , منْ قَبْل رُجُوع مُوسَى إلَيْهمْ , وَقيله لَهُمْ مَا قَالَ , ممَّا أَخْبَرَ اللَّه عَنْهُ { إنَّمَا فُتنْتُمْ به } يَقُول : إنَّمَا اخْتَبَرَ اللَّه إيمَانكُمْ وَمُحَافَظَتكُمْ عَلَى دينكُمْ بهَذَا الْعجْل , الَّذي أَحْدَثَ فيهمْ الْخُوَار , ليَعْلَم به الصَّحيح الْإيمَان منْكُمْ منْ الْمَريض الْقَلْب , الشَّاكّ في دينه , كَمَا : 18318 - حَدَّثَني مُوسَى , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدّيّ , (قَالَ لَهُمْ هَارُون : { إنَّمَا فُتنْتُمْ به } يَقُول : إنَّمَا اُبْتُليتُمْ به , يَقُول : بالْعجْل .)|بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا|وَقَوْله : { وَإنَّ رَبّكُمْ الرَّحْمَن فَاتَّبعُوني وَأَطيعُوا أَمْري } : يَقُول : وَإنَّ رَبّكُمْ الرَّحْمَن الَّذي يَعُمّ جَميع الْخَلْق نعَمه , فَاتَّبعُوني عَلَى مَا آمُركُمْ به منْ عبَادَة اللَّه , وَتَرْك عبَادَة الْعجْل , وَأَطيعُوا أَمْري فيمَا آمُركُمْ به منْ طَاعَة اللَّه , وَإخْلَاص الْعبَادَة لَهُ .

وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ

وَقَوْله : { قَالُوا لَنْ نَبْرَح عَلَيْه عَاكفينَ } يَقُول : قَالَ عَبَدَة الْعجْل منْ قَوْم مُوسَى : لَنْ نَزَال عَلَى الْعجْل مُقيمينَ نَعْبُدهُ , حَتَّى يَرْجع إلَيْنَا مُوسَى .

وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ

الْقَوْل في تَأْويل قَوْله تَعَالَى : { قَالَ يَا هَارُون مَا مَنَعَك إذْ رَأَيْتهمْ ضَلُّوا } </subtitle>يَقُول تَعَالَى ذكْره : قَالَ مُوسَى لأَخيه هَارُون لَمَّا فَرَغَ منْ خطَاب قَوْمه وَمُرَاجَعَته إيَّاهُمْ عَلَى مَا كَانَ منْ خَطَأ فعْلهمْ : يَا هَارُون أَيّ شَيْء مَنَعَك إذْ رَأَيْتهمْ ضَلُّوا عَنْ دينهمْ , فَكَفَرُوا باَللَّه وَعَبَدُوا الْعجْل أَلَّا تَتَّبعني . وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْويل في الْمَعْنَى الَّذي عَذَلَ مُوسَى عَلَيْه أَخَاهُ منْ تَرْكه اتّبَاعه , فَقَالَ بَعْضهمْ : عَذَلَهُ عَلَى تَرْكه السَّيْر بمَنْ أَطَاعَهُ في أَثَره عَلَى مَا كَانَ عَهدَ إلَيْه . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18319 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ ابْن إسْحَاق , عَنْ حَكيم بْن جُبَيْر , عَنْ سَعيد بْن جُبَيْر , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَالَ : (لَمَّا قَالَ الْقَوْم : { لَنْ نَبْرَح عَلَيْه عَاكفينَ حَتَّى يَرْجع إلَيْنَا مُوسَى } أَقَامَ هَارُون فيمَنْ تَبعَهُ منْ الْمُسْلمينَ ممَّنْ لَمْ يُفْتَتَن , وَأَقَامَ مَنْ يَعْبُد الْعجْل عَلَى عبَادَة الْعجْل , وَتَخَوَّفَ هَارُون إنْ سَارَ بمَنْ مَعَهُ منْ الْمُسْلمينَ أَنْ يَقُول لَهُ مُوسَى : { فَرَّقْت بَيْن بَني إسْرَائيل وَلَمْ تَرْقُب قَوْلي } وَكَانَ لَهُ هَائبًا مُطيعًا . )18320 - حَدَّثَني يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد , في قَوْله : ( { مَا مَنَعَك إذْ رَأَيْتهمْ ضَلُّوا أَلَّا تَتَّبعَن } قَالَ : تَدَعهُمْ . )وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ عَذَلَهُ عَلَى تَرْكه أَنْ يُصْلح مَا كَانَ منْ فَسَاد الْقَوْم . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18321 - حَدَّثَنَا الْقَاسم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْج , قَوْله : ( { مَا مَنَعَك إذْ رَأَيْتهمْ ضَلُّوا أَلَّا تَتَّبعَن } قَالَ : أَمْر مُوسَى هَارُون أَنْ يُصْلح , وَلَا يَتَّبع سَبيل الْمُفْسدينَ , فَذَلكَ قَوْله : { أَنْ لَا تَتَّبعَن أَفَعَصَيْت أَمْري } بذَلكَ .)

إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ

يَقُول تَعَالَى ذكْره : قَالَ مُوسَى لأَخيه هَارُون لَمَّا فَرَغَ منْ خطَاب قَوْمه وَمُرَاجَعَته إيَّاهُمْ عَلَى مَا كَانَ منْ خَطَأ فعْلهمْ : يَا هَارُون أَيّ شَيْء مَنَعَك إذْ رَأَيْتهمْ ضَلُّوا عَنْ دينهمْ , فَكَفَرُوا باَللَّه وَعَبَدُوا الْعجْل أَلَّا تَتَّبعني . وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْويل في الْمَعْنَى الَّذي عَذَلَ مُوسَى عَلَيْه أَخَاهُ منْ تَرْكه اتّبَاعه , فَقَالَ بَعْضهمْ : عَذَلَهُ عَلَى تَرْكه السَّيْر بمَنْ أَطَاعَهُ في أَثَره عَلَى مَا كَانَ عَهدَ إلَيْه . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18319 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ ابْن إسْحَاق , عَنْ حَكيم بْن جُبَيْر , عَنْ سَعيد بْن جُبَيْر , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَالَ : (لَمَّا قَالَ الْقَوْم : { لَنْ نَبْرَح عَلَيْه عَاكفينَ حَتَّى يَرْجع إلَيْنَا مُوسَى } أَقَامَ هَارُون فيمَنْ تَبعَهُ منْ الْمُسْلمينَ ممَّنْ لَمْ يُفْتَتَن , وَأَقَامَ مَنْ يَعْبُد الْعجْل عَلَى عبَادَة الْعجْل , وَتَخَوَّفَ هَارُون إنْ سَارَ بمَنْ مَعَهُ منْ الْمُسْلمينَ أَنْ يَقُول لَهُ مُوسَى : { فَرَّقْت بَيْن بَني إسْرَائيل وَلَمْ تَرْقُب قَوْلي } وَكَانَ لَهُ هَائبًا مُطيعًا . )18320 - حَدَّثَني يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد , في قَوْله : ( { مَا مَنَعَك إذْ رَأَيْتهمْ ضَلُّوا أَلَّا تَتَّبعَن } قَالَ : تَدَعهُمْ . )وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ عَذَلَهُ عَلَى تَرْكه أَنْ يُصْلح مَا كَانَ منْ فَسَاد الْقَوْم . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18321 - حَدَّثَنَا الْقَاسم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْج , قَوْله : ( { مَا مَنَعَك إذْ رَأَيْتهمْ ضَلُّوا أَلَّا تَتَّبعَن } قَالَ : أَمَرَ مُوسَى هَارُون أَنْ يُصْلح , وَلَا يَتَّبع سَبيل الْمُفْسدينَ , فَذَلكَ قَوْله : { أَنْ لَا تَتَّبعَن أَفَعَصَيْت أَمْري } بذَلكَ .)

فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ

وَقَوْله : { قَالَ يَا ابْن أُمّ لَا تَأْخُذ بلحْيَتي وَلَا برَأْسي } وَفي هَذَا الْكَلَام مَتْرُوك , تَرَكَ ذكْره اسْتغْنَاء بدَلَالَة الْكَلَام عَلَيْه , وَهُوَ : ثُمَّ أَخَذَ مُوسَى بلحْيَة أَخيه هَارُون وَرَأْسه يَجُرّهُ إلَيْه , فَقَالَ هَارُون : { يَا ابْن أُمّ لَا تَأْخُذ بلحْيَتي وَلَا برَأْسي } . |وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ|وَقَوْله : { إنّي خَشيت أَنْ تَقُول فَرَّقْت بَيْن بَني إسْرَائيل وَلَمْ تَرْقُب قَوْلي } فَاخْتَلَفَ أَهْل الْعلْم في صفَة التَّفْريق بَيْنهمْ , الَّذي خَشيَهُ هَارُون , فَقَالَ بَعْضهمْ : كَانَ هَارُون خَافَ أَنْ يَسير بمَنْ أَطَاعَهُ , وَأَقَامَ عَلَى دينه في أَثَر مُوسَى , وَيُخَلّف عَبَدَة الْعجْل , وَقَدْ { قَالُوا } لَهُ { لَنْ نَبْرَح عَلَيْه عَاكفينَ حَتَّى يَرْجع إلَيْنَا مُوسَى } فَيَقُول لَهُ مُوسَى { فَرَّقْت بَيْن بَني إسْرَائيل وَلَمْ تَرْقُب قَوْلي } بسَيْرك بطَائفَةٍ , وَتَرْكك منْهُمْ طَائفَة وَرَاءَك . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18322 - حَدَّثَني يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ ابْن زَيْد , في قَوْل اللَّه تَعَالَى : ( { مَا مَنَعَك إذْ رَأَيْتهمْ ضَلُّوا أَلَّا تَتَّبعَن أَفَعَصَيْت أَمْري } قَالَ : { خَشيت أَنْ تَقُول فَرَّقْت بَيْن بَني إسْرَائيل وَلَمْ تَرْقُب قَوْلي } قَالَ : خَشيت أَنْ يَتَّبعني بَعْضهمْ وَيَتَخَلَّف بَعْضهمْ . )وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلكَ : خَشيت أَنْ نَقْتَتل فَيَقْتُل بَعْضنَا بَعْضًا . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18323 - حَدَّثَنَا الْقَاسم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْج ( { إنّي خَشيت أَنْ تَقُول فَرَّقْت بَيْن بَني إسْرَائيل وَلَمْ تَرْقُب قَوْلي } قَالَ : كُنَّا نَكُون فرْقَتَيْن فَيَقْتُل بَعْضنَا بَعْضًا حَتَّى نَتَفَانَى . )قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَأَوْلَى الْقَوْلَيْن في ذَلكَ بالصَّوَاب , الْقَوْل الَّذي قَالَهُ ابْن عَبَّاس منْ أَنَّ مُوسَى عَذَلَ أَخَاهُ هَارُون عَلَى تَرْكه اتّبَاع أَمْره بمَنْ اتَّبَعَهُ منْ أَهْل الْإيمَان , فَقَالَ لَهُ هَارُون : إنّي خَشيت أَنْ تَقُول , فَرَّقْت بَيْن جَمَاعَتهمْ , فَتَرَكْت بَعْضهمْ وَرَاءَك , وَجئْت ببَعْضهمْ , وَذَلكَ بَيْن في قَوْل هَارُون للْقَوْم { يَا قَوْم إنَّمَا فُتنْتُمْ به وَإنَّ رَبّكُمْ الرَّحْمَن فَاتَّبعُوني وَأَطيعُوا أَمْري } وَفي جَوَاب الْقَوْم لَهُ وَقيلهمْ { لَنْ نَبْرَح عَلَيْه عَاكفينَ حَتَّى يَرْجع إلَيْنَا مُوسَى } . |بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ|وَقَوْله : { وَلَمْ تَرْقُب قَوْلي } يَقُول : وَلَمْ تَنْظُر قَوْلي وَتَحْفَظهُ . منْ مُرَاقَبَة الرَّجُل الشَّيْء , وَهيَ مُنَاظَرَته بحفْظه , كَمَا : 18324 - حَدَّثَنَا الْقَاسم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنْي حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْج , قَالَ : قَالَ ابْن عَبَّاس : ( { وَلَمْ تَرْقُب قَوْلي } قَالَ : لَمْ تَحْفَظ قَوْلي .)

وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ

الْقَوْل في تَأْويل قَوْله تَعَالَى : { قَالَ فَمَا خَطْبك يَا سَامريّ } </subtitle>يَعْني تَعَالَى ذكْره بقَوْله : { فَمَا خَطْبك يَا سَامريّ } قَالَ مُوسَى للسَّامريّ : فَمَا شَأْنك يَا سَامريّ , وَمَا الَّذي دَعَاك إلَى مَا فَعَلْته , كَمَا : 18325 - حَدَّثَني يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد , في قَوْله ( { فَمَا خَطْبك يَا سَامريّ } قَالَ : مَا أَمْرك ؟ مَا شَأْنك ؟ مَا هَذَا الَّذي أَدْخَلَك فيمَا دَخَلْت فيه . )18326 - حَدَّثَنَا مُوسَى , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدّيّ ( { قَالَ فَمَا خَطْبك يَا سَامريّ } قَالَ : مَا لَك يَا سَامريّ ؟)

وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ

وَقَوْله : { بَصُرْت بمَا لَمْ يَبْصُرُوا به } يَقُول : قَالَ السَّامريّ : عَلمْت مَا لَمْ يَعْلَمُوهُ , وَهُوَ فَعُلْت منْ الْبَصيرَة : أَيْ صرْت بمَا عَملْت بَصيرًا عَالمًا . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18327 - حَدَّثَنَا الْقَاسم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْج , قَالَ : (لَمَّا قَتَلَ فرْعَوْن الْولْدَان قَالَتْ أُمّ السَّامريّ : لَوْ نَحَّيْته عَنّي حَتَّى لَا أَرَاهُ , وَلَا أَدْري قَتْله , فَجَعَلَتْهُ في غَار , فَأَتَى جَبْرَائيل , فَجَعَلَ كَفّ نَفْسه في فيه , فَجَعَلَ يُرْضعهُ الْعَسَل وَاللَّبَن , فَلَمْ يَزَلْ يَخْتَلف إلَيْه حَتَّى عَرَفَهُ , فَمنْ ثَمَّ مَعْرفَته إيَّاهُ حين قَالَ : { فَقَبَضْت قَبْضَة منْ أَثَر الرَّسُول } . )وَقَالَ آخَرُونَ : هيَ بمَعْنَى : أَبَصُرْت مَا لَمْ يَبْصُرُوهُ . وَقَالُوا : يُقَال : بَصُرْت بالشَّيْء وَأَبْصَرْته , كَمَا يُقَال : أَسْرَعْت وَسَرُعْت مَا شئْت . ذكْر مَنْ قَالَ : هُوَ بمَعْنَى أَبْصَرْت : 18328 - حَدَّثَنَا بشْر , قَالَ : ثنا يَزيد , قَالَ : ثنا سَعيد , عَنْ قَتَادَة ( { قَالَ بَصُرْت بمَا لَمْ يَبْصُرُوا به } يَعْني فَرَس جَبْرَائيل عَلَيْه السَّلَام .)|فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ|وَقَوْله : { فَقَبَضْت قَبْضَة منْ أَثَر الرَّسُول } يَقُول : قَبَضَتْ قَبْضَة منْ أَثَر حَافر فَرَس جَبْرَائيل . وَبنَحْو الَّذي قُلْنَا في ذَلكَ قَالَ أَهْل التَّأْويل . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18329 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , قَالَ : ثني مُحَمَّد بْن إسْحَاق , عَنْ حَكيم بْن جُبَيْر , عَنْ سَعيد بْن جُبَيْر , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَالَ : (لَمَّا قَذَفَتْ بَنُو إسْرَائيل مَا كَانَ مَعَهُمْ منْ زينَة آل فرْعَوْن في النَّار , وَتَكَسَّرَتْ , وَرَأَى السَّامريّ أَثَر فَرَس جَبْرَائيل عَلَيْه السَّلَام , فَأَخَذَ تُرَابًا منْ أَثَر حَافره , ثُمَّ أَقْبَلَ إلَى النَّار فَقَذَفَهُ فيهَا , وَقَالَ : كُنْ عجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَار , فَكَانَ للْبَلَاء وَالْفتْنَة . )* - حَدَّثَني مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبي , قَالَ : ثني عَمّي , قَالَ : ثني أَبي , عَنْ أَبيه , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَالَ : (قَبَضَ قَبْضَة منْهُ منْ أَثَر جَبْرَائيل , فَأَلْقَى الْقَبْضَة عَلَى حُليّهمْ فَصَارَ عجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَار , فَقَالَ : هَذَا إلَهكُمْ وَإلَه مُوسَى . )18330 - حَدَّثَني مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصم , قَالَ : ثنا عيسَى ; وَحَدَّثَني الْحَارث قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَميعًا عَنْ ابْن أَبي نَجيح , عَنْ مُجَاهد , في قَوْل اللَّه : ( { فَقَبَضْت قَبْضَة منْ أَثَر الرَّسُول فَنَبَذْتهَا } قَالَ : منْ تَحْت حَافر فَرَس جَبْرَائيل , نَبَذَهُ السَّامريّ عَلَى حلْيَة بَني إسْرَائيل , فَانْسَبَكَ عجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَار , حَفيف الرّيح فيه فَهُوَ خُوَاره , وَالْعجْل : وَلَد الْبَقَرَة . )وَاخْتَلَفَ الْقُرَّاء في قرَاءَة هَذَيْن الْحَرْفَيْن , فَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء الْمَدينَة وَالْبَصْرَة { بَصُرْت بمَا لَمْ يَبْصُرُوا به } بالْيَاء , بمَعْنَى : قَالَ السَّامريّ : بَصُرْت بمَا لَمْ يَبْصُر به بَنُو إسْرَائيل . وَقَرَأَ ذَلكَ عَامَّة قُرَّاء الْكُوفَة : | بَصُرْت بمَا لَمْ تَبْصُرُوا به | بالتَّاء عَلَى وَجْه الْمُخَاطَبَة لمُوسَى صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّمَ وَأَصْحَابه , بمَعْنَى : قَالَ السَّامريّ لمُوسَى : بَصُرْت بمَا لَمْ تَبْصُر به أَنْتَ وَأَصْحَابك . وَالْقَوْل في ذَلكَ عنْدي أَنَّهُمَا قرَاءَتَان مَعْرُوفَتَان , قَدْ قَرَأَ بكُلّ وَاحدَة منْهُمَا عُلَمَاء منْ الْقُرَّاء مَعَ صحَّة مَعْنَى كُلّ وَاحدَة منْهُمَا , وَذَلكَ أَنَّهُ جَائز أَنْ يَكُون السَّامريّ رَأَى جَبْرَائيل , فَكَانَ عنْده مَا كَانَ بأَنْ حَدَّثَتْهُ نَفْسه بذَلكَ أَوْ بغَيْر ذَلكَ منْ الْأَسْبَاب , أَنَّ تُرَاب حَافر فَرَسه الَّذي كَانَ عَلَيْه يَصْلُح لمَا حَدَّثَ عَنْهُ حين نَبَذَهُ في جَوْف الْعجْل , وَلَمْ يَكُنْ علْم ذَلكَ عنْد مُوسَى , وَلَا عنْد أَصْحَابه منْ بَني إسْرَائيل , فَلذَلكَ قَالَ لمُوسَى : | بَصُرْت بمَا لَمْ تَبْصُرُوا به | أَيْ عَلمْت بمَا لَمْ تَعْلَمُوا به . وَأَمَّا إذَا قُرئَ { بَصُرْت بمَا لَمْ يَبْصُرُوا به } بالْيَاء , فَلَا مُؤْنَة فيه , لأَنَّهُ مَعْلُوم أَنَّ بَني إسْرَائيل لَمْ يَعْلَمُوا مَا الَّذي يَصْلُح لَهُ ذَلكَ التُّرَاب . وَأَمَّا قَوْله : { فَقَبَضْت قَبْضَة منْ أَثَر الرَّسُول } فَإنَّ قُرَّاء الْأَمْصَار عَلَى قرَاءَته بالضَّاد , بمَعْنَى : فَأَخَذْت بكَفّي تُرَابًا منْ تُرَاب أَثَر فَرَس الرَّسُول . وَرُويَ عَنْ الْحَسَن الْبَصْريّ وَقَتَادَة مَا : 18331 - حَدَّثَني أَحْمَد بْن يُوسُف , قَالَ : ثنا الْقَاسم , قَالَ : ثنا هُشَيْم , عَنْ عَبَّاد بْن عَوْف , (عَنْ الْحَسَن أَنَّهُ قَرَأَهَا : | فَقَبَصْت قَبْصَة | بالصَّاد . )18332 - وَحَدَّثَني أَحْمَد بْن يُوسُف , قَالَ : ثنا الْقَاسم , قَالَ : ثنا هُشَيْم , عَنْ عَبَّاد , (عَنْ قَتَادَة مثْل ذَلكَ بالصَّاد . بمَعْنَى : أَخَذْت بأَصَابعي منْ تُرَاب أَثَر فَرَس الرَّسُول , وَالْقَبْضَة عنْد الْعَرَب : الْأَخْذ بالْكَفّ كُلّهَا , وَالْقَبْصَة : الْأَخْذ بأَطْرَاف الْأَصَابع .)|فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي|وَقَوْله : { فَنَبَذْتهَا } يَقُول : فَأَلْقَيْتهَا { وَكَذَلكَ سَوَّلَتْ لي نَفْسي } يَقُول : وَكَمَا فَعَلْت منْ إلْقَائي الْقَبْضَة الَّتي قَبَضْت منْ أَثَر الْفَرَس عَلَى الْحلْيَة الَّتي أُوقدَ عَلَيْهَا حَتَّى انْسَبَكَتْ فَصَارَتْ عجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَار . { سَوَّلَتْ لي نَفْسي } يَقُول : زَيَّنَتْ لي نَفْسي أَنَّهُ يَكُون ذَلكَ كَذَلكَ , كَمَا : 18333 - حَدَّثَني يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد : ( { وَكَذَلكَ سَوَّلَتْ لي نَفْسي } قَالَ : كَذَلكَ حَدَّثَتْني نَفْسي .)

أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ

الْقَوْل في تَأْويل قَوْله تَعَالَى : { قَالَ فَاذْهَبْ فَإنَّ لَك في الْحَيَاة أَنْ تَقُول لَا مسَاس } </subtitle>يَقُول تَعَالَى ذكْرُهُ : قَالَ مُوسَى للسَّامريّ : فَاذْهَبْ فَإنَّ لَك في أَيَّام حَيَاتك أَنْ تَقُول : لَا مسَاس : أَيْ لَا أَمَسّ , وَلَا أَمَسّ . . وَذُكرَ أَنَّ مُوسَى أَمَرَ بَني إسْرَائيل أَنْ لَا يُؤَاكلُوهُ , وَلَا يُخَالطُوهُ , وَلَا يُبَايعُوهُ , فَلذَلكَ قَالَ لَهُ : إنَّ لَك في الْحَيَاة أَنْ تَقُول لَا مسَاس , فَبَقيَ ذَلكَ فيمَا ذَكَرَ في قَبيلَته , كَمَا : 18334 - حَدَّثَنَا بشْر , قَالَ : ثنا يَزيد , قَالَ : ثنا سَعيد , عَنْ قَتَادَة , قَالَ : (كَانَ وَاَللَّه السَّامريّ عَظيمًا منْ عُظَمَاء بَني إسْرَائيل , منْ قَبيلَة يُقَال لَهَا سَامرَة , وَلَكنَّ عَدُوّ اللَّه نَافَقَ بَعْد مَا قَطَعَ الْبَحْر مَعَ بَني إسْرَائيل . قَوْله : { فَاذْهَبْ فَإنَّ لَك في الْحَيَاة أَنْ تَقُول لَا مسَاس } فَبَقَايَاهُمْ الْيَوْم يَقُولُونَ لَا مسَاس .)|وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ|وَقَوْله : { وَإنَّ لَك مَوْعدًا لَنْ تُخْلَفَهُ } اخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء في قرَاءَته , فَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء أَهْل الْمَدينَة وَالْكُوفَة { لَنْ تُخْلَفَهُ } بضَمّ التَّاء وَفَتْح اللَّام بمَعْنَى : وَإنَّ لَك مَوْعدًا لعَذَابك وَعُقُوبَتك عَلَى مَا فَعَلْت منْ إضْلَالك قَوْمي حَتَّى عَبَدُوا الْعجْل منْ دُون اللَّه , لَنْ يُخْلفَكَهُ اللَّه , وَلُكْنَ يُذيقكَهُ . وَقَرَأَ ذَلكَ الْحَسَن وَقَتَادَة وَأَبُو نُهَيْك : | وَإنَّ لَك مَوْعدًا لَنْ تُخْلفهُ | بضَمّ التَّاء وَكَسْر اللَّام , بمَعْنَى : وَإنَّ لَك مَوْعدًا لَنْ تُخْلفهُ أَنْتَ يَا سَامريّ , وَتَأَوَّلُوهُ بمَعْنَى : لَنْ تَغيب عَنْهُ . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18335 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن وَاضح , قَالَ : ثنا عَبْد الْمُؤْمن , قَالَ : (سَمعْت أَبَا نُهَيْك يَقْرَأ | لَنْ تُخْلَفَهُ أَنْتَ | يَقُول : لَنْ تَغيب عَنْهُ . )18336 - حَدَّثَنَا بشْر , قَالَ : ثنا يَزيد , قَالَ : ثنا سَعيد , عَنْ قَتَادَة ( { وَإنَّ لَك مَوْعدًا لَنْ تُخْلَفَهُ } يَقُول : لَنْ تَغيب عَنْهُ . )قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَالْقَوْل في ذَلكَ عنْدي أَنَّهُمَا قرَاءَتَان مَشْهُورَتَان مُتَقَاربَتَا الْمَعْنَى , لأَنَّهُ لَا شَكَّ أَنَّ اللَّه مُوفٍ وَعْده لخَلْقه بحَشْرهمْ لمَوْقف الْحسَاب , وَأَنَّ الْخَلْق مُوَافُونَ ذَلكَ الْيَوْم , فَلَا اللَّه مُخْلفهمْ ذَلكَ , وَلَا هُمْ مُخْلفُوهُ بالتَّخَلُّف عَنْهُ , فَبأَيَّتهمَا قَرَأَ الْقَارئ فَمُصيب الصَّوَاب في ذَلكَ .|وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا|وَقَوْله : { وَانْظُرْ إلَى إلَهك الَّذي ظَلْتَ عَلَيْه عَاكفًا } يَقُول : وَانْظُرْ إلَى مَعْبُودك الَّذي ظَلْتَ عَلَيْه مُقيمًا تَعْبُدهُ , كَمَا : 18337 - حَدَّثَني عَليّ , قَالَ : ثنا أَبُو صَالح , قَالَ : ثني مُعَاويَة , عَنْ عَليّ , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَوْله : ( { ظَلْتَ عَلَيْه عَاكفًا } الَّذي أَقَمْت عَلَيْه . )* - حَدَّثَني مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبي , قَالَ : ثني عَمّي , قَالَ : ثني أَبي , عَنْ أَبيه , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَالَ : (فَقَالَ لَهُ مُوسَى : { اُنْظُرْ إلَى إلَهك الَّذي ظَلْتَ عَلَيْه عَاكفًا } يَقُول : الَّذي أَقَمْت عَلَيْه . )وَللْعَرَب في ظَلْتَ : لُغَتَان : الْفَتْح في الظَّاء , وَبهَا قَرَأَ قُرَّاء الْأَمْصَار , وَالْكَسْر فيهَا ; وَكَأَنَّ الَّذينَ كَسَرُوا نَقَلُوا حَرَكَة اللَّام الَّتي هيَ عَيْن الْفعْل منْ ظَلَلْت إلَيْهَا , وَمَنْ فَتَحَهَا أَقَرَّ حَرَكَتهَا الَّتي كَانَتْ لَهَا قَبْل أَنْ يُحْذَف منْهَا شَيْء , وَالْعَرَب تَفْعَل في الْحُرُوف الَّتي فيهَا التَّضْعيف ذَاكَ , فَيَقُولُونَ في مَسسْت مَسْت وَمسْت وَفي هَمَمْت بذَلكَ : هَمْت به , وَهَلْ أَحَسَّتْ فُلَانًا وَأَحْسَسْته , كَمَا قَالَ الشَّاعر : <br>خَلَا أَنَّ الْعتَاق منْ الْمَطَايَا .......... أَحْسَن به فَهُنَّ إلَيْه شُوس<br>|لَنُحَرِّقَنَّهُ|وَقَوْله : { لَنُحَرّقَنَّهُ } اخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء في قرَاءَة ذَلكَ , فَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء الْحجَاز وَالْعرَاق { لَنُحَرّقَنَّهُ } بضَمّ النُّون وَتَشْديد الرَّاء , بمَعْنَى لَنُحَرّقَنَّهُ بالنَّار قطْعَة قطْعَة . وَرُويَ عَنْ الْحَسَن الْبَصْريّ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأ ذَلكَ : | لَنُحْرقَنَّهُ | بضَمّ النُّون , وَتَخْفيف الرَّاء , بمَعْنَى : لَنُحَرّقَنَّهُ بالنَّار إحْرَاقَة وَاحدَة , وَقَرَأَهُ أَبُو جَعْفَر الْقَارئ : | لَنَحْرُقَنَّهُ | بفَتْح النُّون وَضَمّ الرَّاء بمَعْنَى : لَنُبَرّدَنَّهُ بالْمَبَارد منْ حَرَقْته أُحْرقهُ وَأُحَرّقهُ , كَمَا قَالَ الشَّاعر : <br>بذي فرْقَيْن يَوْم بَنُو حَبيب .......... نُيُوبهمْ عَلَيْنَا يَحْرُقُونَا <br>وَالصَّوَاب في ذَلكَ عنْدنَا منْ الْقرَاءَة { لَنُحَرّقَنَّهُ } بضَمّ النُّون وَتَشْديد الرَّاء , منْ الْإحْرَاق بالنَّار , كَمَا : 18338 - حَدَّثَني عَليّ قَالَ : ثنا أَبُو صَالح , قَالَ : ثني مُعَاويَة , عَنْ عَليّ , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَوْله : ( { لَنُحَرّقَنَّهُ } يَقُول : بالنَّار . )18339 - حَدَّثَني مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبي , قَالَ : ثني عَمّي , قَالَ : ثني أَبي , عَنْ أَبيه , عَنْ ابْن عَبَّاس ( { لَنُحَرّقَنَّهُ } فَحَرَقَهُ ثُمَّ ذَرَّاهُ في الْيَمّ . )وَإنَّمَا اخْتَرْت هَذه الْقرَاءَة لإجْمَال الْحُجَّة منْ الْقُرَّاء عَلَيْهَا . وَأَمَّا أَبُو جَعْفَر , فَإنّي أَحْسبهُ ذَهَبَ إلَى مَا : 18340 - حَدَّثَنَا به مُوسَى بْن هَارُون , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط عَنْ السُّدّيّ : ( { وَانْظُرْ إلَى إلَهك الَّذي ظَلْتَ عَلَيْه عَاكفًا لَنُحَرّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسفَنَّهُ في الْيَمّ نَسْفًا } ثُمَّ أَخَذَهُ فَذَبَحَهُ , ثُمَّ حَرَقَهُ بالْمبْرَد , ثُمَّ ذَرَّاهُ في الْيَمّ , فَلَمْ يَبْقَ بَحْر يَوْمئذٍ إلَّا وَقَعَ فيه شَيْء منْهُ . )18341 - حَدَّثَنَا بشْر , قَالَ : ثنا يَزيد , قَالَ : ثنا سَعيد , عَنْ قَتَادَة ( { وَانْظُرْ إلَى إلَهك الَّذي ظَلْتَ عَلَيْه عَاكفًا لَنُحَرّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسفَنَّهُ في الْيَمّ نَسْفًا } قَالَ : وَفي بَعْض الْقرَاءَة : لَنَذْبَحَنَّهُ ثُمَّ لَنُحَرّقَنَّهُ , ثُمَّ لَنَنْسفَنَّهُ في الْيَمّ نَسْفًا . )18342 - حَدَّثَنَا الْحَسَن , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة (في حَرْف ابْن مَسْعُود : | وَانْظُرْ إلَى إلَهك الَّذي ظَلْتَ عَلَيْه عَاكفًا لَنَذْبَحَنَّهُ ثُمَّ لَنُحْرقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسفَنَّهُ في الْيَمّ نَسْفًا | .)|ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا|وَقَوْله : { ثُمَّ لَنَنْسفَنَّهُ في الْيَمّ نَسْفًا } يَقُول : ثُمَّ لَنُذَرّيَنَّهُ في الْبَحْر تَذْريَة ; يُقَال منْهُ : نَسَفَ فُلَان الطَّعَام بالْمنْسَف : إذَا زَرَّاهُ فَطَيَّرَ عَنْهُ قُشُوره وَتُرَابه أَوْ الرّيح . وَبنَحْو الَّذي قُلْنَا في ذَلكَ , قَالَ أَهْل التَّأْويل : ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18343 - حَدَّثَني عَليّ , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه , قَالَ : ثني مُعَاويَة , عَنْ عَليّ , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَوْله : ( { ثُمَّ لَنَنْسفَنَّهُ في الْيَمّ نَسْفًا } يَقُول : لَنُذَرّيَنَّهُ في الْبَحْر . )* - حَدَّثَني مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبي , قَالَ : ثني عَمّي , ثني أَبي , عَنْ أَبيه , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَالَ : (ذَرَّاهُ في الْيَمّ , وَالْيَمّ : الْبَحْر . )18344 - حَدَّثَنَا مُوسَى , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدّيّ , قَالَ : (ذَرَّاهُ في الْيَمّ . )18345 - حَدَّثَنَا بشْر , قَالَ : ثنا يَزيد , قَالَ : ثنا سَعيد , (عَنْ قَتَادَة في الْيَمّ , قَالَ : في الْبَحْر .)

الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ

وَقَوْله : { إنَّمَا إلَهكُمْ اللَّه الَّذي لَا إلَه إلَّا هُوَ } يَقُول : مَا لَكُمْ أَيّهَا الْقَوْم مَعْبُود , إلَّا الَّذي لَهُ عبَادَة جَميع الْخَلْق لَا تَصْلُح الْعبَادَة لغَيْره , وَلَا تَنْبَغي أَنْ تَكُون إلَّا لَهُ .|وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا|يَقُول : أَحَاطَ بكُلّ شَيْء علْمًا فَعَلمَهُ , فَلَا يَخْفَى عَلَيْه منْهُ شَيْء وَلَا يَضيق عَلَيْه علْم جَميع ذَلكَ . يُقَال منْهُ : فُلَان يَسَع لهَذَا الْأَمْر : إذَا أَطَاقَهُ وَقَويَ عَلَيْه , وَلَا يَسَع لَهُ : إذَا عَجَزَ عَنْهُ فَلَمْ يُطقْهُ وَلَمْ يَقْوَ عَلَيْه . وَكَانَ قَتَادَة يَقُول في ذَلكَ مَا : 18346 - حَدَّثَنَا بشْر قَالَ : ثنا يَزيد , قَالَ : ثنا سَعيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : ( { وَسعَ كُلّ شَيْء علْمًا } يَقُول : مَلَأَ كُلّ شَيْء علْمًا تَبَارَكَ وَتَعَالَى .)

وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ

الْقَوْل في تَأْويل قَوْله تَعَالَى : { كَذَلكَ نَقُصّ عَلَيْك منْ أَنْبَاء مَا قَدْ سَبَقَ } </subtitle>يَقُول تَعَالَى ذكْره لنَبيّه مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّمَ : كَمَا قَصَصْنَا عَلَيْك يَا مُحَمَّد نَبَأ مُوسَى وَفرْعَوْن وَقَوْمه وَأَخْبَار بَني إسْرَائيل مَعَ مُوسَى { كَذَلكَ نَقُصّ عَلَيْك منْ أَنْبَاء مَا قَدْ سَبَقَ } يَقُول : كَذَلكَ نُخْبرك بأَنْبَاء الْأَشْيَاء الَّتي قَدْ سَبَقَتْ منْ قَبْلك , فَلَمْ تُشَاهدهَا وَلَمْ تُعَاينهَا .|وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا|وَقَوْله : { وَقَدْ آتَيْنَاك منْ لَدُنَّا ذكْرًا } يَقُول تَعَالَى ذكْره لمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّمَ : وَقَدْ آتَيْنَاك يَا مُحَمَّد منْ عنْدنَا ذكْرًا يَتَذَكَّر به , وَيَتَّعظ به أَهْل الْعَقْل وَالْفَهْم , وَهُوَ هَذَا الْقُرْآن الَّذي أَنْزَلَهُ اللَّه عَلَيْه , فَجَعَلَهُ ذكْرَى للْعَالَمينَ .

ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ

وَقَوْله ; { مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ } يَقُول تَعَالَى ذكْره : مَنْ وَلَّى عَنْهُ فَأَدْبَرَ فَلَمْ يُصَدّق به وَلَمْ يُقرّ , { فَإنَّهُ يَحْمل يَوْم الْقيَامَة وزْرًا } يَقُول : فَإنَّهُ يَأْتي رَبّه يَوْم الْقيَامَة يَحْمل حمْلًا ثَقيلًا , وَذَلكَ الْإثْم الْعَظيم , كَمَا : 18347 - حَدَّثَني مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصم , قَالَ : ثنا عيسَى ; وَحَدَّثَني الْحَارث , قَالَ : ثنا الْحَسَن قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَميعًا عَنْ ابْن أَبي نَجيح , عَنْ مُجَاهد , قَوْله : ( { يَوْم الْقيَامَة وزْرًا } قَالَ : إثْمًا . )* - حَدَّثَنَا الْقَاسم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج . عَنْ ابْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهد , مثْله .

ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آَخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ

الْقَوْل في تَأْويل قَوْله تَعَالَى : { خَالدينَ فيه وَسَاءَ لَهُمْ يَوْم الْقيَامَة حمْلًا } </subtitle>يَقُول تَعَالَى ذكْره : خَالدينَ في وزْرهمْ , فَأَخْرَجَ الْخَبَر جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَنْ هَؤُلَاء الْمُعْرضينَ عَنْ ذكْره في الدُّنْيَا أَنَّهُمْ خَالدُونَ في أَوْزَارهمْ , وَالْمَعْنَى : أَنَّهُمْ خَالدُونَ في النَّار بأَوْزَارهمْ , وَلَكنْ لَمَّا كَانَ مَعْلُومًا الْمُرَاد منْ الْكَلَام اُكْتُفيَ بمَا ذُكرَ عَمَّا لَمْ يُذْكَر . وَقَوْله : { وَسَاءَ لَهُمْ يَوْم الْقيَامَة حمْلًا } يَقُول تَعَالَى ذكْره : وَسَاءَ ذَلكَ الْحمْل وَالثّقَل منْ الْإثْم يَوْم الْقيَامَة حمْلًا , وَحَقّ لَهُمْ أَنْ يَسُوءهُمْ ذَلكَ , وَقَدْ أَوْرَدَهُمْ مَهْلَكَة لَا مَنْجَى منْهَا . وَبنَحْو الَّذي قُلْنَا في ذَلكَ , قَالَ أَهْل التَّأْويل . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18348 - حَدَّثَني عَليّ , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه , قَالَ : ثني مُعَاويَة , عَنْ عَليّ , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَوْله : ( { وَسَاءَ لَهُمْ يَوْم الْقيَامَة حمْلًا } يَقُول : بئْسَمَا حَمَلُوا . )18349 - حَدَّثَني مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبي , قَالَ : ثَنْي عَمّي , قَالَ : ثني أَبي , عَنْ أَبيه , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَوْله : ( { وَسَاءَ لَهُمْ يَوْم الْقيَامَة حمْلًا } يَعْني بذَلكَ : ذُنُوبهمْ .)

ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ

وَقَوْله : { يَوْم يُنْفَخ في الصُّور } يَقُول تَعَالَى ذكْره : وَسَاءَ لَهُمْ يَوْم الْقيَامَة , يَوْم يُنْفَخ في الصُّوَر , فَقَوْله : { يَوْم يُنْفَخ في الصُّور } رَدَّ عَلَى يَوْم الْقيَامَة . وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى النَّفْخ في الصُّور , وَذَكَرْنَا اخْتلَاف الْمُخْتَلفينَ في مَعْنَى الصُّور , وَالصَّحيح في ذَلكَ منْ الْقَوْل عنْدي بشَوَاهده الْمُغْنيَة عَنْ إعَادَته في هَذَا الْمَوْضع قَبْل . وَاخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء في قرَاءَة ذَلكَ , فَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء الْأَمْصَار { يَوْم يُنْفَخ في الصُّور } بالْيَاء وَضَمّهَا عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعله , بمَعْنَى : يَوْم يَأْمُر اللَّه إسْرَافيل فَيَنْفُخ في الصُّور . وَكَانَ أَبُو عَمْرو بْن الْعَلَاء يَقْرَأ ذَلكَ | يَوْم نَنْفُخ في الصُّور | بالنُّون بمَعْنَى : يَوْم نَنْفُخ نَحْنُ في الصُّور , كَأَنَّ الَّذي دَعَاهُ إلَى قرَاءَة ذَلكَ كَذَلكَ طَلَبه التَّوْفيق بَيْنه وَبَيْن قَوْله : { وَنَحْشُر الْمُجْرمينَ } إذْ كَانَ لَا خلَاف بَيْن الْقُرَّاء في نَحْشُر أَنَّهَا بالنُّون . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَاَلَّذي أَخْتَار في ذَلكَ منْ الْقرَاءَة يَوْم يُنْفَخ بالْيَاء عَلَى وَجْه مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعله , لأَنَّ ذَلكَ هُوَ الْقرَاءَة الَّتي عَلَيْهَا قُرَّاء الْأَمْصَار وَإنْ كَانَ للَّذي قَرَأَ أَبُو عَمْرو وَجْه غَيْر فَاسد .|وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا|وَقَوْله : { وَنَحْشُر الْمُجْرمينَ يَوْمئذٍ زُرْقًا } يَقُول تَعَالَى ذكْره : وَنَسُوق أَهْل الْكُفْر باَللَّه يَوْمئذٍ إلَى مَوْقف الْقيَامَة زُرْقًا , فَقيلَ : عَنَى بالزُّرْق في هَذَا الْمَوْضع : مَا يَظْهَر في أَعْيُنهمْ منْ شدَّة الْعَطَش الَّذي يَكُون بهمْ عنْد الْحَشْر لرَأْي الْعَيْن منْ الزُّرْق . وَقيلَ : أُريدَ بذَلكَ أَنَّهُمْ يُحْشَرُونَ عُمْيًا , كَاَلَّذي قَالَ اللَّه { وَنَحْشُرهُمْ يَوْم الْقيَامَة عَلَى وُجُوههمْ عُمْيًا } . [17 97]

ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ

وَقَوْله : { يَتَخَافَتُونَ بَيْنهمْ إنْ لَبثْتُمْ إلَّا عَشْرًا } يَقُول تَعَالَى ذكْره : يَتَهَامَسُونَ بَيْنهمْ , وَيُسرّ بَعْضهمْ إلَى بَعْض : إنْ لَبثْتُمْ في الدُّنْيَا , يَعْني أَنَّهُمْ يَقُول بَعْضهمْ لبَعْضٍ : مَا لَبثْتُمْ في الدُّنْيَا إلَّا عَشْرًا . وَبنَحْو الَّذي قُلْنَا في ذَلكَ , قَالَ أَهْل التَّأْويل . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18350 - حَدَّثَني عَليّ , قَالَ : ثنا أَبُو صَالح , قَالَ : ثَنْي مُعَاويَة , عَنْ عَليّ , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَوْله : ( { يَتَخَافَتُونَ بَيْنهمْ } يَقُول : يَتَسَارُّونَ بَيْنهمْ . )18351 - حَدَّثَنَا بشْر , قَالَ : ثنا يَزيد , قَالَ : ثنا سَعيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : ( { يَتَخَافَتُونَ بَيْنهمْ } : أَيْ يَتَسَارُّونَ بَيْنهمْ { إنْ لَبثْتُمْ إلَّا عَشْرًا } . )

وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ

الْقَوْل في تَأْويل قَوْله تَعَالَى : { نَحْنُ أَعْلَم بمَا يَقُولُونَ إذْ يَقُول أَمْثَلهمْ طَريقَة إنْ لَبثْتُمْ إلَّا يَوْمًا } </subtitle>يَقُول تَعَالَى ذكْرُهُ : نَحْنُ أَعْلَم منْهُمْ عنْد إسْرَارهمْ وَتَخَافُتهمْ بَيْنهمْ بقيلهمْ { إنْ لَبثْتُمْ إلَّا عَشْرًا } بمَا يَقُولُونَ لَا يَخْفَى عَلَيْنَا ممَّا يَتَسَارَرُونَهُ بَيْنهمْ شَيْء { إذْ يَقُول أَمْثَلهمْ طَريقَة إنْ لَبثْتُمْ إلَّا يَوْمًا } يَقُول تَعَالَى ذكْره حين يَقُول أَوْفَاهُمْ عَقْلًا , وَأَعْلَمهُمْ فيهمْ : إنْ لَبثْتُمْ في الدُّنْيَا إلَّا يَوْمًا . وَبنَحْو الَّذي قُلْنَا في ذَلكَ , قَالَ أَهْل التَّأْويل . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18352 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا يَعْقُوب , عَنْ جَعْفَر , عَنْ شُعْبَة , في قَوْله : ( { إذْ يَقُول أَمْثَلهمْ طَريقَة } أَوْفَاهُمْ عَقْلًا . )وَإنَّمَا عَنَى جَلَّ ثَنَاؤُهُ بالْخَبَر عَنْ قيلهمْ هَذَا الْقَوْل يَوْمئذٍ , إعْلَام عبَاده أَنَّ أَهْل الْكُفْر به يَنْسَوْنَ منْ عَظيم مَا يُعَاينُونَ منْ هَوْل يَوْم الْقيَامَة , وَشدَّة جَزَعهمْ منْ عَظيم مَا يَردُونَ عَلَيْه مَا كَانُوا فيه في الدُّنْيَا منْ النَّعيم وَاللَّذَّات , وَمَبْلَغ مَا عَاشُوا فيهَا منْ الْأَزْمَان , حَتَّى يُخَيَّل إلَى أَعْقَلهمْ فيهمْ , وَأَذْكَرهمْ وَأَفْهَمهُمْ أَنَّهُمْ لَمْ يَعيشُوا فيهَا إلَّا يَوْمًا .

وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ

الْقَوْل في تَأْويل قَوْله تَعَالَى : { وَيَسْأَلُونَك عَنْ الْجبَال فَقُلْ يَنْسفهَا رَبّي نَسْفًا } </subtitle>يَقُول تَعَالَى ذكْره : وَيَسْأَلك يَا مُحَمَّد قَوْمك عَنْ الْجبَال , فَقُلْ لَهُمْ : يُذَرّيهَا رَبّي تَذْريَة , وَيُطَيّرهَا بقَلْعهَا وَاسْتئْصَالهَا منْ أُصُولهَا , وَدَكّ بَعْضهَا عَلَى بَعْض , وَتَصْييره إيَّاهَا هَبَاء مُنْبَثًّا .

فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ

يَقُول تَعَالَى ذكْرُهُ : فَيَدَع أَمَاكنهَا منْ الْأَرْض إذَا نَسَفَهَا نَسْفًا , قَاعًا : يَعْني : أَرْضًا مَلْسَاء , صَفْصَفًا : يَعْني مُسْتَويًا لَا نَبَات فيه , وَلَا نَشْز , وَلَا ارْتفَاع . وَبنَحْو الَّذي قُلْنَا في ذَلكَ قَالَ أَهْل التَّأْويل . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18353 - حَدَّثَني عَليّ , قَالَ : ثنا أَبُو صَالح , قَالَ : ثني مُعَاويَة , عَنْ عَليّ , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَوْله : ( { قَاعًا صَفْصَفًا } يَقُول : مُسْتَويًا لَا نَبَات فيه . )18354 - حَدَّثَني يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد , في قَوْله ( { فَيَذَرهَا قَاعًا صَفْصَفًا } قَالَ : مُسْتَويًا , الصَّفْصَف : الْمُسْتَوي . )18355 - حَدَّثَني يُونُس , قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْد اللَّه بْن يُوسُف , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن لَهيعَة , قَالَ : ثنا أَبُو الْأَسْوَد , عَنْ عُرْوَة , قَالَ : (كُنَّا قُعُودًا عنْد عَبْد الْمَلك حين قَالَ كَعْب : إنَّ الصَّخْرَة مَوْضع قَدَم الرَّحْمَن يَوْم الْقيَامَة , فَقَالَ : كَذَبَ كَعْب , إنَّمَا الصَّخْرَة جَبَل منْ الْجبَال , إنَّ اللَّه يَقُول : { وَيَسْأَلُونَك عَنْ الْجبَال فَقُلْ يَنْسفهَا رَبّي نَسْفًا } فَسَكَتَ عَبْد الْمَلك . )18356 - حَدَّثَني مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصم , قَالَ : ثنا عيسَى ; وَحَدَّثَني الْحَارث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَميعًا عَنْ ابْن أَبي نَجيح , عَنْ مُجَاهد , قَوْله : ( { صَفْصَفًا } قَالَ : مُسْتَويًا . )* - حَدَّثَنَا الْقَاسم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهد , مثْله . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَكَانَ بَعْض أَهْل الْعلْم بلُغَات الْعَرَب منْ أَهْل الْكُوفَة يَقُول : الْقَاع : مُسْتَنْقَع الْمَاء , وَالصَّفْصَف : الَّذي لَا نَبَات فيه .

وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآَكِلِينَ

وَقَوْله : { لَا تَرَى فيهَا عوَجًا وَلَا أَمْتًا } يَقُول : لَا تَرَى في الْأَرْض عوَجًا وَلَا أَمْتًا . وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْويل في مَعْنَى الْعوَج وَالْأَمْت , فَقَالَ بَعْضهمْ : عَنَى بالْعوَج في هَذَا الْمَوْضع : الْأَوْديَة , وَبالْأَمْت : الرَّوَابي وَالنُّشُوز . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18357 - حَدَّثَني عَليّ , قَالَ : ثنا أَبُو صَالح , قَالَ : ثني مُعَاويَة , عَنْ عَليّ , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَوْله ( { لَا تَرَى فيهَا عوَجًا وَلَا أَمْتًا } يَقُول : وَاديًا , وَلَا أَمْتًا : يَقُول : رَابيَة . )* - حَدَّثَني مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه الْمَخْرَميّ , قَالَ : ثنا أَبُو عَامر الْعَقْديّ , عَنْ عَبْد الْوَاحد بْن صَفْوَان مَوْلَى عُثْمَان , قَالَ : سَمعْت عكْرمَة , قَالَ : (سُئلَ ابْن عَبَّاس , عَنْ قَوْله { لَا تَرَى فيهَا عوَجًا وَلَا أَمْتًا } قَالَ : هيَ الْأَرْض الْبَيْضَاء , أَوْ قَالَ : الْمَلْسَاء الَّتي لَيْسَ فيهَا لَبنَة مُرْتَفعَة . )18358 - حَدَّثَني مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصم , قَالَ : ثنا عيسَى ; وَحَدَّثَني الْحَارث قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَميعًا عَنْ ابْن أَبي نَجيح , عَنْ مُجَاهد ( { لَا تَرَى فيهَا عوَجًا وَلَا أَمْتًا } قَالَ : ارْتفَاعًا , وَلَا انْخفَاضًا . )18359 - حَدَّثَني يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد , في قَوْله ( { لَا تَرَى فيهَا عوَجًا وَلَا أَمْتًا } قَالَ : لَا تُعَادي , الْأَمْت : التَّعَادي . )وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ عَنَى بالْعوَج في هَذَا الْمَوْضع : الصُّدُوع , وَبالْأَمْت : الارْتفَاع منْ الْآكَام وَأَشْبَاههَا . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18360 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , في قَوْله : ( { لَا تَرَى فيهَا عوَجًا } قَالَ : صَدْعًا { وَلَا أَمْتًا } يَقُول : وَلَا أَكَمَة . )وَقَالَ آخَرُونَ : عَنَى بالْعوَج : الْمَيْل , وَبالْأَمْت : الْأَثَر . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18361 - حَدَّثَني مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبي , قَالَ : ثني عَمّي , قَالَ : ثني أَبي , عَنْ أَبيه , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَوْله : ( { لَا تَرَى فيهَا عوَجًا } يَقُول : لَا تَرَى فيهَا مَيْلًا , وَالْأَمْت : الْأَمْر مثْل الشّرَاك . )وَقَالَ آخَرُونَ : الْأَمْت : الْمَحَانيّ وَالْأَحْدَاب . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18362 - حَدَّثَنَا بشْر , قَالَ : ثنا يَزيد , قَالَ : ثنا سَعيد , عَنْ قَتَادَة قَالَ : (الْأَمْت : الْحَدَب . )قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَأَوْلَى الْأَقْوَال في ذَلكَ بالصَّوَاب قَوْل مَنْ قَالَ : عَنَى بالْعوَج : الْمَيْل , وَذَلكَ أَنَّ ذَلكَ هُوَ الْمَعْرُوف في كَلَام الْعَرَب . فَإنْ قَالَ قَائل : وَهَلْ في الْأَرْض الْيَوْم منْ عوَج , فَيُقَال : لَا تَرَى فيهَا يَوْمئذٍ عوَجًا . قيلَ : إنَّ مَعْنَى ذَلكَ : لَيْسَ فيهَا أَوْديَة وَمَوَانع تَمْنَع النَّاظر أَوْ السَّائر فيهَا عَنْ الْأَخْذ عَلَى الاسْتقَامَة , كَمَا يَحْتَاج الْيَوْم منْ أَخْذ في بَعْض سُبُلهَا إلَى الْأَخْذ أَحْيَانًا يَمينًا , وَأَحْيَانًا شمَالًا , لمَا فيهَا منْ الْجبَال وَالْأَوْديَة وَالْبحَار . وَأَمَّا الْأَمْت فَإنَّهُ عنْد الْعَرَب : الانْثناء وَالضَّعْف . مَسْمُوع منْهُمْ : مَدّ حَبْله حَتَّى مَا تَرَكَ فيه أَمْتًا : أَيْ انْثناء ; وَمَلَأَ سقَاءَهُ حَتَّى مَا تَرَكَ فيه أَمْتًا ; وَمنْهُ قَوْل الرَّاجز : <br>مَا في انْجذَاب سَيْره منْ أَمْت <br>يَعْني : منْ وَهَن وَضَعْف , فَالْوَاجب إذَا كَانَ ذَلكَ مَعْنَى الْأَمْت عَمْدهمْ أَنْ يَكُون أَصْوَب الْأَقْوَال في تَأْويله : وَلَا ارْتفَاع وَلَا انْخفَاض , لأَنَّ الانْخفَاض لَمْ يَكُنْ إلَّا عَنْ ارْتفَاع . فَإذَا كَانَ ذَلكَ كَذَلكَ , فَتَأْويل الْكَلَام : لَا تَرَى فيهَا مَيْلًا عَنْ الاسْتوَاء , وَلَا ارْتفَاعًا , وَلَا انْخفَاضًا , وَلَكنَّهَا مُسْتَويَة مَلْسَاء , كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { قَاعًا صَفْصَفًا } .

وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ

الْقَوْل في تَأْويل قَوْله تَعَالَى : { يَوْمئذٍ يَتَّبعُونَ الدَّاعي } . </subtitle>يَقُول تَعَالَى ذكْره : يَوْمئذٍ يَتَّبع النَّاس صَوْت دَاعي اللَّه الَّذي يَدْعُوهُمْ إلَى مَوْقف الْقيَامَة , فَيَحْشرهُمْ إلَيْه { لَا عوَج لَهُ } يَقُول : لَا عوَج لَهُمْ عَنْهُ وَلَا انْحرَاف , وَلَكنَّهُمْ سرَاعًا إلَيْه يَنْحَشرُونَ . وَقيلَ : لَا عوَج لَهُ , وَالْمَعْنَى : لَا عوَج لَهُمْ عَنْهُ , لأَنَّ مَعْنَى الْكَلَام مَا ذَكَرْنَا منْ أَنَّهُ لَا يَعْوَجُّونَ لَهُ وَلَا عَنْهُ . وَلَكنَّهُمْ يَؤُمُّونَهُ وَيَأْتُونَهُ , كَمَا يُقَال في الْكَلَام : دَعَاني فُلَان دَعْوَة لَا عوَج لي عَنْهَا : أَيْ لَا أَعْوَجّ عَنْهَا .|وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ|وَقَوْله { وَخَشَعَتْ الْأَصْوَات للرَّحْمَن } يَقُول تَعَالَى ذكْره : وَسَكَنَتْ أَصْوَات الْخَلَائق للرَّحْمَن فَوَصَفَ الْأَصْوَات بالْخُشُوع . وَالْمَعْنَى لأَهْلهَا إنَّهُمْ خَضَعَ جَميعهمْ لرَبّهمْ , فَلَا تَسْمَع لنَاطقٍ منْهُمْ مَنْطقًا إلَّا مَنْ أَذنَ لَهُ الرَّحْمَن , كَمَا : 18363 - حَدَّثَني عَليّ , قَالَ : ثنا أَبُو صَالح , قَالَ : ثني مُعَاويَة , عَنْ عَليّ , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَوْله : ( { وَخَشَعَتْ الْأَصْوَات للرَّحْمَن } يَقُول : سَكَنَتْ .)|فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا|وَقَوْله : { فَلَا تَسْمَع إلَّا هَمْسًا } يَقُول : إنَّهُ وَطْء الْأَقْدَام إلَى الْمَحْشَر . وَأَصْله : الصَّوْت الْخَفيّ , يُقَال هَمَسَ فُلَان إلَى فُلَان بحَديثه إذَا أَسَرَّهُ إلَيْه وَأَخْفَاهُ ; وَمنْهُ قَوْل الرَّاجز : <br>وَهُنَّ يَمْشينَ بنَا هَميسًا .......... إنْ يَصْدُق الطَّيْر نَنكْ لَميسَا <br>يَعْني بالْهَمْس : صَوْت أَخفَاف الْإبل في سَيْرهَا . وَبنَحْو الَّذي قُلْنَا في ذَلكَ قَالَ أَهْل التَّأْويل . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18364 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا عَليّ بْن عَابس , عَنْ عَطَاء , عَنْ سَعيد بْن جُبَيْر , عَنْ ابْن عَبَّاس ( { فَلَا تَسْمَع إلَّا هَمْسًا } قَالَ : وَطْء الْأَقْدَام . )* - حَدَّثَني مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبي , قَالَ : ثني عَمّي , قَالَ : ثني أَبي , عَنْ أَبيه , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَوْله ( { وَخَشَعَتْ الْأَصْوَات للرَّحْمَن فَلَا تَسْمَع إلَّا هَمْسًا } يَعْني : هَمْس الْأَقْدَام , وَهُوَ الْوَطْء . )* - حَدَّثَني عَليّ , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه , قَالَ : ثني مُعَاويَة , عَنْ عَليّ , عَنْ ابْن عَبَّاس ( { فَلَا تَسْمَع إلَّا هَمْسًا } يَقُول : الصَّوْت الْخَفيّ . )18365 - حَدَّثَنَا إسْمَاعيل بْن مُوسَى السُّدّيّ , قَالَ : أَخْبَرَنَا شَريك , عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن الْأَصْبَهَانيّ , عَنْ عكْرمَة ( { فَلَا تَسْمَع إلَّا هَمْسًا } قَالَ : وَطْء الْأَقْدَام . )18366 - حَدَّثَنَا ابْن بَشَّار , قَالَ : ثنا سُلَيْمَان , قَالَ : ثنا حَمَّاد , عَنْ حُمَيْد , عَنْ الْحَسَن ( { فَلَا تَسْمَع إلَّا هَمْسًا } قَالَ : هَمْس الْأَقْدَام . )* - حَدَّثَنَا بشْر , قَالَ : ثنا يَزيد , قَالَ : ثنا سَعيد , عَنْ قَتَادَة ( { فَلَا تَسْمَع إلَّا هَمْسًا } قَالَ قَتَادَة : كَانَ الْحَسَن يَقُول : وَقْع أَقْدَام الْقَوْم . )18367 - حَدَّثَني يَعْقُوب بْن إبْرَاهيم , قَالَ : ثنا ابْن عُلَيَّة , قَالَ : ثنا ابْن أَبي نَجيح , عَنْ مُجَاهد , في قَوْله : ( { فَلَا تَسْمَع إلَّا هَمْسًا } قَالَ : تَهَافُتًا , وَقَالَ : تَخَافُت الْكَلَام . )* - حَدَّثَني مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصم , قَالَ : ثنا عيسَى ; وَحَدَّثَني الْحَارث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَميعًا عَنْ ابْن أَبي نَجيح , عَنْ مُجَاهد , قَوْله : ( { هَمْسًا } قَالَ : خَفْض الصَّوْت . )* - حَدَّثَنَا الْقَاسم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهد , قَالَ : (خَفْض الصَّوْت , قَالَ : وَأَخْبَرَني عَبْد اللَّه بْن كَثير , عَنْ مُجَاهد , قَالَ : كَلَام الْإنْسَان لَا تَسْمَع تَحَرُّك شَفَتَيْه وَلسَانه . )18368 - حَدَّثَني يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد , قَوْله : ( { فَلَا تَسْمَع إلَّا هَمْسًا } يَقُول : لَا تَسْمَع إلَّا مَشْيًا , قَالَ : الْمَشْي الْهَمْس : وَطْء الْأَقْدَام .)

وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ

الْقَوْل في تَأْويل قَوْله تَعَالَى : { يَوْمئذٍ لَا تَنْفَع الشَّفَاعَة إلَّا مَنْ أَذنَ لَهُ الرَّحْمَن وَرَضيَ لَهُ قَوْلًا } </subtitle>يَقُول تَعَالَى ذكْره { يَوْمئذٍ لَا تَنْفَع الشَّفَاعَة إلَّا } شَفَاعَة { مَنْ أَذنَ لَهُ الرَّحْمَن } أَنْ يَشْفَع { وَرَضيَ لَهُ قَوْلًا } وَأَدْخَلَ في الْكَلَام لَهُ دَليلًا عَلَى إضَافَة الْقَوْل إلَى كنَايَة | مَنْ | وَذَلكَ كَقَوْل الْقَائل الْآخَر : رَضيت لَك عَمَلك , وَرَضيته منْك , وَمَوْضع مَنْ منْ قَوْله { إلَّا مَنْ أَذنَ لَهُ } نُصبَ لأَنَّهُ خلَاف الشَّفَاعَة .

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ

وَقَوْله { يَعْلَم مَا بَيْن أَيْديهمْ وَمَا خَلْفهمْ } يَقُول تَعَالَى ذكْره : يَعْلَم رَبّك يَا مُحَمَّد مَا بَيْن أَيْدي هَؤُلَاء الَّذينَ يَتَّبعُونَ الدَّاعي منْ أَمْر الْقيَامَة , وَمَا الَّذي يَصيرُونَ إلَيْه منْ الثَّوَاب وَالْعقَاب { وَمَا خَلْفهمْ } يَقُول : وَيَعْلَم أَمْر مَا خَلَّفُوهُ وَرَاءَهُمْ منْ أَمْر الدُّنْيَا , كَمَا . 18369 - حَدَّثَنَا بشْر , قَالَ : ثنا يَزيد , قَالَ : ثنا سَعيد , عَنْ قَتَادَة ( { يَعْلَم مَا بَيْن أَيْديهمْ } منْ أَمْر السَّاعَة { وَمَا خَلْفهمْ } منْ أَمْر الدُّنْيَا .)|وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا|وَقَوْله : { وَلَا يُحيطُونَ به علْمًا } يَقُول تَعَالَى ذكْره : وَلَا يُحيط خَلْقه به علْمًا . وَمَعْنَى الْكَلَام : أَنَّهُ مُحيط بعبَاده علْمًا , وَلَا يُحيط عبَاده به علْمًا . وَقَدْ زَعَمَ بَعْضهمْ أَنَّ مَعْنَى ذَلكَ : أَنَّ اللَّه يَعْلَم مَا بَيْن أَيْدي مَلَائكَته وَمَا خَلْفهمْ , وَأَنَّ مَلَائكَته لَا يُحيطُونَ علْمًا بمَا بَيْن أَيْدي أَنْفُسهمْ وَمَا خَلْفهمْ , وَقَالَ : إنَّمَا أَعْلَم بذَلكَ الَّذينَ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْمَلَائكَة , أَنَّ الْمَلَائكَة كَذَلكَ لَا تَعْلَم مَا بَيْن أَيْديهَا وَمَا خَلْفهَا , مُوَبّخهمْ بذَلكَ وَمُقْرعهمْ بأَنَّ مَنْ كَانَ كَذَلكَ , فَكَيْف يُعْبَد , وَأَنَّ الْعبَادَة إنَّمَا تَصْلُح لمَنْ لَا تَخْفَى عَلَيْه خَافيَة في الْأَرْض وَلَا في السَّمَاء .

فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آَبَائِنَا الْأَوَّلِينَ

الْقَوْل في تَأْويل قَوْله تَعَالَى : { وَعَنَتْ الْوُجُوه للْحَيّ الْقَيُّوم } . </subtitle>يَقُول تَعَالَى ذكْره : اسْتَسَرَّتْ وُجُوه الْخَلْق , وَاسْتَسْلَمَتْ للْحَيّ الْقَيُّوم الَّذي لَا يَمُوت , الْقَيُّوم عَلَى خَلْقه بتَدْبيره إيَّاهُمْ , وَتَصْريفهمْ لمَا شَاءُوا . وَأَصْل الْعنْو الذُّلّ , يُقَال منْهُ : عَنَا وَجْهه لرَبّه يَعْنُو عنْوًا , يَعْني خَضَعَ لَهُ وَذَلَّ , وَكَذَلكَ قيلَ للْأَسير : عَانٍ لذلَّة الْأَسْر . فَأَمَّا قَوْلهمْ : أَخَذَتْ الشَّيْء عَنْوَة , فَإنَّهُ يَكُون وَإنْ كَانَ مَعْنَاهُ يَئُول إلَى هَذَا أَنْ يَكُون أَخْذه غَلَبَة , وَيَكُون أَخْذه عَنْ تَسْليم وَطَاعَة , كَمَا قَالَ الشَّاعر : <br>هَلْ أَنْتَ مُطيعي أَيّهَا الْقَلْب عَنْوَة .......... وَلَمْ تَلَحْ نَفْس لَمْ تَلُمْ في اخْتيَالهَا <br>وَقَالَ آخَر : <br>فَمَا أَخَذُوهَا عَنْوَة عَنْ مَوَدَّة .......... وَلَكنْ بحَدّ الْمَشْرَفيّ اسْتَقَالَهَا <br>وَبنَحْو الَّذي قُلْنَا في ذَلكَ قَالَ أَهْل التَّأْويل . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18370 - حَدَّثَني عَليّ , قَالَ : ثنا أَبُو صَالح , قَالَ : ثني مُعَاويَة , عَنْ عَليّ , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَوْله : ( { وَعَنَتْ الْوُجُوه للْحَيّ الْقَيُّوم } يَقُول : ذَلَّتْ . )* - حَدَّثَني مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبي , قَالَ : ثني عَمّي , قَالَ : ثَنَى أَبي , عَنْ أَبيه , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَوْله ( { وَعَنَتْ الْوُجُوه للْحَيّ الْقَيُّوم } يَعْني بعَنَتْ : اسْتَسْلَمُوا لي . )18371 - حَدَّثَني مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصم , قَالَ : ثنا عيسَى ; وَحَدَّثَني الْحَارث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَميعًا عَنْ ابْن أَبي نَجيح , عَنْ مُجَاهد , قَوْله : ( { وَعَنَتْ الْوُجُوه } قَالَ : خَشَعَتْ . )* - حَدَّثَنَا الْقَاسم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهد , مثْله . 18372 - حَدَّثَنَا بشْر , قَالَ : ثنا يَزيد قَالَ : ثنا سَعيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : ( { وَعَنَتْ الْوُجُوه للْحَيّ الْقَيُّوم } أَيْ ذَلَّتْ الْوُجُوه للْحَيّ الْقَيُّوم . )* - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , في قَوْله : ( { وَعَنَتْ الْوُجُوه للْحَيّ الْقَيُّوم } قَالَ : ذَلَّتْ الْوُجُوه . )18373 - حَدَّثَنَا ابْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا الْمُعْتَمر بْن سُلَيْمَان , عَنْ أَبيه , قَالَ : (قَالَ طَلْق : إذَا سَجَدَ الرَّجُل فَقَدْ عَنَا وَجْهه , أَوْ قَالَ : عَنَا . )* - حَدَّثَني أَبُو حصْن عَبْد اللَّه بْن أَحْمَد , قَالَ : ثنا عَبْثَر , قَالَ : ثنا حُصَيْن , عَنْ عَمْرو بْن مُرَّة عَنْ طَلْق بْن حَبيب , في هَذه الْآيَة : ( { وَعَنَتْ الْوُجُوه للْحَيّ الْقَيُّوم } قَالَ : هُوَ وَضْع الرَّجُل رَأْسه وَيَدَيْه وَأَطْرَاف قَدَمَيْه . )* - حَدَّثَني أَبُو السَّائب , قَالَ : ثنا ابْن فُضَيْل , عَنْ لَيْث , عَنْ عَمْرو بْن مُرَّة , عَنْ طَلْق بْن حَبيب في قَوْله : ( { وَعَنَتْ الْوُجُوه للْحَيّ الْقَيُّوم } قَالَا : وَهُوَ وَضْعك جَبْهَتك وَكَفَّيْك وَرُكْبَتَيْك وَأَطْرَاف قَدَمَيْك في السُّجُود . )* - حَدَّثَنَا خَلَّاد بْن أَسْلَمَ , قَالَ ثنا مُحَمَّد بْن فُضَيْل , عَنْ حُصَيْن , عَنْ عَمْرو بْن مُرَّة , عَنْ طَلْق بْن حَبيب في قَوْله : ( { وَعَنَتْ الْوُجُوه للْحَيّ الْقَيُّوم } قَالَ : وَضْع الْجَبْهَة وَالْأَنْف عَلَى الْأَرْض . )* - حَدَّثَني يَعْقُوب : قَالَ : ثنا هُشَيْم , قَالَ : أَخْبَرَنَا حُصَيْن , عَنْ عَمْرو بْن مَرَّة , عَنْ طَلْق بْن حَبيب , في قَوْله : ( { وَعَنَتْ الْوُجُوه للْحَيّ الْقَيُّوم } قَالَ : هُوَ السُّجُود عَلَى الْجَبْهَة وَالرَّاحَة وَالرُّكْبَتَيْن وَالْقَدَمَيْن . )18374 - حَدَّثَني يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد , في قَوْله : ( { وَعَنَتْ الْوُجُوه للْحَيّ الْقَيُّوم } قَالَ : أَسْتَأْسَرَتْ الْوُجُوه للْحَيّ الْقَيُّوم , صَارُوا أَسَارَى كُلّهمْ لَهُ . قَالَ : وَالْعَاني : الْأَسير . )وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الْحَيّ الْقَيُّوم فيمَا مَضَى , بمَا أَغْنَى عَنْ إعَادَته هَاهُنَا .|وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا|وَقَوْله : { وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا } يَقُول تَعَالَى ذكْره : وَلَمْ يَظْفَر بحَاجَته وَطُلْبَته مَنْ حَمَلَ إلَى مَوْقف الْقيَادَة شرْكًا باَللَّه , وَكُفْرًا به , وَعَمَلًا بمَعْصيَته . وَبنَحْو الَّذي قُلْنَا في تَأْويل ذَلكَ قَالَ أَهْل التَّأْويل . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18375 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , في قَوْله : ( { وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا } قَالَ : مَنْ حَمَلَ شرْكًا . )18376 - حَدَّثَني يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد , في قَوْله : ( { وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا } قَالَ : مَنْ حَمَلَ شرْكًا , الظُّلْم هَاهُنَا : الشّرْك .)

إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ

الْقَوْل في تَأْويل قَوْله تَعَالَى : { وَمَنْ يَعْمَل منْ الصَّالحَات وَهُوَ مُؤْمن فَلَا يَخَاف ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا } . </subtitle>يَقُول تَعَالَى ذكْره وَتَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُهُ : وَمَنْ يَعْمَل منْ صَالحَات الْأَعْمَال , وَذَلكَ فيمَا قيلَ أَدَاء فَرَائض اللَّه الَّتي فَرَضَهَا عَلَى عبَاده { وَهُوَ مُؤْمن } يَقُول : وَهُوَ مُصَدّق باَللَّه , وَأَنَّهُ مُجَازٍ أَهْل طَاعَته وَأَهْل مَعَاصيه عَلَى مَعَاصيهمْ { فَلَا يَخَاف ظُلْمًا } يَقُول : فَلَا يَخَاف منْ اللَّه أَنْ يَظْلمهُ , فَيَحْمل عَلَيْه سَيّئَات غَيْره , فَيُعَاقبهُ عَلَيْهَا { وَلَا هَضْمًا } يَقُول : لَا يَخَاف أَنْ يَهْضمهُ حَسَنَاته , فَيَنْقُصهُ ثَوَابهَا . وَبنَحْو الَّذي قُلْنَا في ذَلكَ قَالَ أَهْل التَّأْويل . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ . 18377 - حَدَّثَنَا بشْر , قَالَ : ثنا يَزيد , قَالَ : ثنا سَعيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله ( { وَمَنْ يَعْمَل منْ الصَّالحَات وَهُوَ مُؤْمن } وَإنَّمَا يَقْبَل اللَّه منْ الْعَمَل مَا كَانَ في إيمَان . )18378 - حَدَّثَنَا الْقَاسم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْج , قَوْله : ( { وَمَنْ يَعْمَل منْ الصَّالحَات وَهُوَ مُؤْمن } قَالَ : زَعَمُوا أَنَّهَا الْفَرَائض . )ذكْر مَنْ قَالَ مَا قُلْنَا في مَعْنَى قَوْله : { فَلَا يَخَاف ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا } . 18379 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب سُلَيْمَان بْن عَبْد الْجَبَّار , قَالَا : ثنا ابْن عَطيَّة , عَنْ إسْرَائيل , عَنْ سمَاك , عَنْ عكْرمَة , عَنْ ابْن عَبَّاس ( { لَا يَخَاف ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا } قَالَ : هَضْمًا . غَصْبًا . )* - حَدَّثَني عَليّ , قَالَ : ثنا أَبُو صَالح , قَالَ : ثني مُعَاويَة عَنْ عَليّ عَنْ ابْن عَبَّاس قَالَ : ( { لَا يَخَاف ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا } قَالَ : لَا يَخَاف ابْن آدَم يَوْم الْقيَامَة أَنْ يُظْلَم , فَيُزَاد عَلَيْه في سَيّئَاته , وَلَا يُظْلَم فَيُهْضَم في حَسَنَاته . )18380 - - حَدَّثَني مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثَنْي أَبي , قَالَ : ثني عَمّي , قَالَ : ثني أَبي , عَنْ أَبيه , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَوْله : ( { وَمَنْ يَعْمَل منْ الصَّالحَات وَهُوَ مُؤْمن فَلَا يَخَاف ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا } يَقُول : أَنَا قَاهر لَكُمْ الْيَوْم , آخُذكُمْ بقُوَّتي وَشدَّتي , وَأَنَا قَادر عَلَى قَهْركُمْ وَهَضْمكُمْ , فَإنَّمَا بَيْني وَبَيْنكُمْ الْعَدْل , وَذَلكَ يَوْم الْقيَامَة . )18381 - حُدّثْت عَنْ الْحُسَيْن بْن الْفَرَج , قَالَ : سَمعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : أَخْبَرَنَا عُبَيْد بْن سُلَيْمَان , قَالَ : (سَمعْت الضَّحَّاك يَقُول في قَوْله : { فَلَا يَخَاف ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا } أَمَّا هَضْمًا فَهُوَ لَا يَقْهَر الرَّجُل الرَّجُل بقُوَّته , يَقُول اللَّه يَوْم الْقيَامَة : لَا آخُذكُمْ بقُوَّتي وَشدَّتي , وَلَكنَّ الْعَدْل بَيْني وَبَيْنكُمْ , وَلَا ظُلْم عَلَيْكُمْ . )18382 - حَدَّثَني مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصم , قَالَ : ثنا عيسَى ; وَحَدَّثَني الْحَارث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَميعًا عَنْ ابْن أَبي نَجيح , عَنْ مُجَاهد , قَوْله : ( { هَضْمًا } قَالَ : انْتقَاص شَيْء منْ حَقّ عَمَله . )* - حَدَّثَنَا الْقَاسم , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهد , مثْله . 18383 - حَدَّثَني مُوسَى بْن عَبْد الرَّحْمَن الْمَسْرُوقيّ , قَالَ : ثنا أَبُو أُسَامَة , عَنْ مسْعَر , قَالَ : سَمعْت حَبيب بْن أَبي ثَابت يَقُول في قَوْله : ( { وَلَا هَضْمًا } قَالَ : الْهَضْم : الانْتقَاص . )18384 - حَدَّثَنَا الْحَسَن , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , في قَوْله : ( { فَلَا يَخَاف ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا } قَالَ : ظُلْمًا أَنْ يُزَاد في سَيّئَاته , وَلَا يُهْضَم منْ حَسَنَاته . )* - حَدَّثَنَا بشْر , قَالَ : ثنا يَزيد , قَالَ : ثنا سَعيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : ( { فَلَا يَخَاف ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا } قَالَ : لَا يَخَاف أَنْ يُظْلَم , فَلَا يُجْزَى بعَمَله , وَلَا يَخَاف أَنْ يُنْتَقَص منْ حَقّه , فَلَا يُوَفَّى عَمَله . )18385 - حَدَّثَنَا الْحَارث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا سَلَّام بْن مسْكين , عَنْ مَيْمُون بْن سيَاه , عَنْ الْحَسَن , في قَوْل اللَّه تَعَالَى : ( { فَلَا يَخَاف ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا } قَالَ : لَا يَنْتَقص اللَّه منْ حَسَنَاته شَيْئًا , وَلَا يَحْمل عَلَيْه ذَنْب مُسيء . )وَأَصْل الْهَضْم : النَّقْص , يُقَال : هَضَمَني فُلَان حَقّي , وَمنْهُ امْرَأَة هَضيم : أَيْ ضَامرَة الْبَطْن , وَمنْهُ قَوْلهمْ : قَدْ هُضمَ الطَّعَام : إذَا ذَهَبَ , وَهَضَمْت لَك منْ حَقّك : أَيْ حَطَطْتُك .

قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ

الْقَوْل في تَأْويل قَوْله تَعَالَى : { وَكَذَلكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبيًّا وَصَرَّفْنَا فيه منْ الْوَعيد } . </subtitle>يَقُول تَعَالَى ذكْره : كَمَا رَغَّبْنَا أَهْل الْإيمَان في صَالحَات الْأَعْمَال , بوَعْدنَاهُمْ مَا وَعَدْنَاهُمْ , كَذَلكَ حَذَّرَنَا بالْوَعيد أَهْل الْكُفْر بالْمَقَام عَلَى مَعَاصينَا , وَكُفْرهمْ بآيَاتنَا , فَأَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآن عَرَبيًّا , إذْ كَانُوا عَرَبًا { وَصَرَّفْنَا فيه منْ الْوَعيد } فَبَيَّنَّاهُ : يَقُول : وَخَوَّفْنَاهُمْ فيه بضُرُوبٍ منْ الْوَعيد .|لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ|يَقُول : كَيْ يَتَّقُونَا , بتَصْريفنَا مَا صَرَّفْنَا فيه منْ الْوَعيد .|أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا|يَقُول : أَوْ يُحْدث لَهُمْ هَذَا الْقُرْآن تَذْكرَة , فَيَعْتَبرُونَ وَيَتَّعظُونَ بفعْلنَا بالْأُمَم الَّتي كَذَّبَتْ الرُّسُل قَبْلهَا , وَيَنْزَجرُونَ عَمَّا هُمْ عَلَيْه مُقيمُونَ منْ الْكُفْر باَللَّه . وَبنَحْو الَّذي قُلْنَا في ذَلكَ قَالَ أَهْل التَّأْويل . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18386 - حَدَّثَنَا بشْر , قَالَ : ثنا يَزيد , قَالَ : ثنا سَعيد , عَنْ قَتَادَة ( { وَكَذَلكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبيًّا وَصَرَّفْنَا فيه منْ الْوَعيد لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ } مَا حُذّرُوا به منْ أَمْر اللَّه وَعقَابه , وَوَقَائعه بالْأُمَم قَبْلهمْ { أَوْ يُحْدث لَهُمْ } الْقُرْآن { ذكْرًا } : أَيْ جدًّا وَوَرَعًا . )* - حَدَّثَنَا الْحَسَن , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , في قَوْله ( { أَوْ يُحْدث لَهُمْ ذكْرًا } قَالَ : جدًّا وَوَرَعًا . وَقَدْ قَالَ بَعْضهمْ في : { أَوْ يُحْدث لَهُمْ ذكْرًا } أَنَّ مَعْنَاهُ : أَوْ يُحْدث لَهُمْ شَرَفًا , بإيمَانهمْ به .)

فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ

الْقَوْل في تَأْويل قَوْله تَعَالَى : { فَتَعَالَى اللَّه الْمَلك الْحَقّ } </subtitle>يَقُول تَعَالَى ذكْره : فَارْتَفَعَ الَّذي لَهُ الْعبَادَة منْ جَميع خَلْقه , الْمَلك الَّذي قَهَرَ سُلْطَانه كُلّ مَلك وَجَبَّار , الْحَقّ عَمَّا يَصفهُ به الْمُشْركُونَ منْ خَلْقه .|وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ|يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ لنَبيّه مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّمَ : وَلَا تَعْجَل يَا مُحَمَّد بالْقُرْآن , فَتُقْرئهُ أَصْحَابك , أَوْ تَقْرَأهُ عَلَيْهمْ , منْ قَبْل أَنْ يُوحَى إلَيْك بَيَان مَعَانيه , فَعُوتبَ عَلَى إكْتَابه وَإمْلَائه مَا كَانَ اللَّه يُنْزلهُ عَلَيْه منْ كتَابه مَنْ كَانَ يَكْتُبهُ ذَلكَ , منْ قَبْل أَنْ يُبَيّن لَهُ مَعَانيه , وَقيلَ : لَا تَتْلُهُ عَلَى أَحَد , وَلَا تُمْله عَلَيْه , حَتَّى نُبَيّنهُ لَك . وَبنَحْو الَّذي قُلْنَا في ذَلكَ قَالَ أَهْل التَّأْويل . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18387 - حَدَّثَني مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصم , قَالَ : ثنا عيسَى ; وَحَدَّثَني الْحَارث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَميعًا عَنْ ابْن أَبَى نَجيح , عَنْ مُجَاهد , قَوْله : ( { وَلَا تَعْجَل بالْقُرْآن منْ قَبْل أَنْ يُقْضَى إلَيْك وَحْيه } قَالَ : لَا تَتْلُهُ عَلَى أَحَد حَتَّى نُبَيّنهُ لَك . )18388 - حَدَّثَنَا الْقَاسم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنْي حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْج , قَالَ : (يَقُول : لَا تَتْلُهُ عَلَى أَحَد حَتَّى نُتمّهُ لَك ; هَكَذَا قَالَ الْقَاسم : حَتَّى نُتمّهُ . )18389 - حَدَّثَني مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبي , قَالَ : ثني عَمّي , قَالَ : ثني أَبي , عَنْ أَبيه , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَوْله : ( { وَلَا تَعْجَل بالْقُرْآن منْ قَبْل أَنْ يُقْضَى إلَيْك وَحْيه } يُعْنَى : لَا تَعْجَل حَتَّى نُبَيّنهُ لَك . )18390 - حَدَّثَنَا بشْر , قَالَ : ثنا يَزيد , قَالَ : ثنا سَعيد , عَنْ قَتَادَة ( { وَلَا تَعْجَل بالْقُرْآن منْ قَبْل أَنْ يُقْضَى إلَيْك وَحْيه } : أَيْ بَيَانه )* - حَدَّثَنَا الْحَسَن , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة ( { وَلَا تَعْجَل بالْقُرْآن منْ قَبْل أَنْ يُقْضَى إلَيْك وَحْيه } قَالَ : تبْيَانه . )* - حَدَّثَنَا ابْن الْمُثَنَّى وَابْن بَشَّار , قَالَا : ثنا مُحَمَّد بْن جَعْفَر , قَالَ : ثنا شُعْبَة , عَنْ قَتَادَة ( { منْ قَبْل أَنْ يُقْضَى إلَيْك وَحْيه } منْ قَبْل أَنْ يُبَيّن لَك بَيَانه .)|وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا|وَقَوْله : { وَقُلْ رَبّ زدْني علْمًا } يَقُول تَعَالَى ذكْره : وَقُلْ يَا مُحَمَّد : رَبّ زدْني علْمًا إلَى مَا عَلَّمْتني ; أَمَرَهُ بمَسْأَلَته منْ فَوَائده الْعلْم مَا لَا يَعْلَم .

فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ

الْقَوْل في تَأْويل قَوْله تَعَالَى : { وَلَقَدْ عَهدْنَا إلَى آدَم منْ قَبْل فَنَسيَ } . </subtitle>يَقُول تَعَالَى ذكْره : وَإنْ يُضَيّع يَا مُحَمَّد هَؤُلَاء الَّذينَ نُصَرّف لَهُمْ في هَذَا الْقُرْآن منْ الْوَعيد عَهْدي , وَيُخَالفُوا أَمْري , وَيَتْرُكُوا طَاعَتي , وَيَتَّبعُوا أَمْر عَدُوّهُمْ إبْليس , وَيُطيعُوهُ في خلَاف أَمْري , فَقَديمًا مَا فَعَلَ ذَلكَ أَبُوهُمْ آدَم { وَلَقَدْ عَهدْنَا إلَيْه } يَقُول : وَلَقَدْ وَصَّيْنَا آدَم وَقُلْنَا لَهُ : { إنَّ هَذَا عَدُوّ لَك وَلزَوْجك فَلَا يُخْرجَنكُمَا منْ الْجَنَّة } [20 117 ]فَوَسْوَسَ إلَيْه الشَّيْطَان فَأَطَاعَهُ , وَخَالَفَ أَمْري , فَحَلَّ به منْ عُقُوبَتي مَا حَلَّ . وَعُنيَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بقَوْله : { منْ قَبْل } هَؤُلَاء الَّذينَ أَخْبَرَ أَنَّهُ صَرَّفَ لَهُمْ الْوَعيد في هَذَا الْقُرْآن ; وَقَوْله : { فَنَسيَ } يَقُول : فَتَرَكَ عَهْدي , كَمَا : 18391 - حَدَّثَني عَليّ , قَالَ : ثنا أَبُو صَالح , قَالَ : ثني مُعَاويَة , عَنْ عَليّ , عَنْ ابْن عَبَّاس , في قَوْله : ( { وَلَقَدْ عَهدْنَا إلَى آدَم منْ قَبْل فَنَسيَ } يَقُول : فَتُركَ . )18392 - حَدَّثَنَا الْحَسَن , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ ابْن أَبي نَجيح , عَنْ مُجَاهد , في قَوْله : ( { فَنَسيَ } قَالَ : تَرَكَ أَمْر رَبّه . )18393 - حَدَّثَني يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد , في قَوْله : ( { وَلَقَدْ عَهدْنَا إلَى آدَم منْ قَبْل فَنَسيَ وَلَمْ نَجد لَهُ عَزْمًا } قَالَ : قَالَ لَهُ { يَا آدَم هَذَا عَدُوّ لَك وَلزَوْجك فَلَا يُخْرجَنكُمَا منْ الْجَنَّة فَتَشْقَى } فَقَرَأَ حَتَّى بَلَغَ : { لَا تَظْمَأ فيهَا وَلَا تَضْحَى } , وَقَرَأَ حَتَّى بَلَغَ : { وَمُلْك لَا يَبْلَى } قَالَ : فَنَسيَ مَا عَهدَ إلَيْه في ذَلكَ , قَالَ : وَهَذَا عَهْد اللَّه إلَيْه , قَالَ : وَلَوْ كَانَ لَهُ عَزْم مَا أَطَاعَ عَدُوّهُ الَّذي حَسَدَهُ , وَأَبي أَنْ يَسْجُد لَهُ مَعَ مَنْ سَجَدَ لَهُ إبْليس , وَعَصَى اللَّه الَّذي كَرَّمَهُ وَشَرَّفَهُ , وَأَمَرَ مَلَائكَته فَسَجَدُوا لَهُ . )18394 - حَدَّثَنَا ابْن الْمُثَنَّى وَابْن بَشَّار قَالَا : ثنا يَحْيَى بْن سَعيد , وَعَبْد الرَّحْمَن , وَمُؤَمّل , قَالُوا : ثنا سُفْيَان , عَنْ الْأَعْمَش , عَنْ مُسْلم الْبُطَيْن , عَنْ سَعيد بْن جُبَيْر , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَالَ : (إنَّمَا سُمّيَ الْإنْسَان لأَنَّهُ عُهدَ إلَيْه فَنَسيَ .)|وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا|وَقَوْله : { وَلَمْ نَجد لَهُ عَزْمًا } اخْتَلَفَ أَهْل التَّأْويل في مَعْنَى الْعَزْم هَاهُنَا , فَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَاهُ الصَّبْر . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18395 - حَدَّثَنَا بشْر , قَالَ : ثنا يَزيد , قَالَ : ثنا سَعيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : ( { وَلَمْ نَجد لَهُ عَزْمًا } أَيْ صَبْرًا . )* - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن جَعْفَر , قَالَ : ثنا شُعْبَة , عَنْ قَتَادَة ( { وَلَمْ نَجد لَهُ عَزْمًا } , قَالَ : صَبْرًا . )* - حَدَّثَنَا إبْرَاهيم بْن يَعْقُوب الْجَوْزَجَانيّ , قَالَ : ثنا أَبُو النَّضْر , قَالَ : ثنا شُعْبَة , عَنْ قَتَادَة , مثْله . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَاهُ : الْحفْظ , قَالُوا : وَمَعْنَاهُ : وَلَمْ نَجد لَهُ حفْظًا لمَا عَهدْنَا إلَيْه . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18396 - حَدَّثَني أَبُو السَّائب , قَالَ : ثنا ابْن إدْريس , عَنْ أَبيه , عَنْ عَطيَّة ( { وَلَمْ نَجد لَهُ عَزْمًا } قَالَ : حفْظًا لمَا أَمَرْته . )* - حَدَّثَني يَعْقُوب بْن إبْرَاهيم , قَالَ : ثنا هَاشم بْن الْقَاسم , عَنْ الْأَشْجَعيّ , عَنْ سُفْيَان , عَنْ عَمْرو بْن قَيْس , عَنْ عَطيَّة , في قَوْله ( { وَلَمْ نَجد لَهُ عَزْمًا } قَالَ : حفْظًا . )* - حَدَّثَنَا عَبَّاد بْن مُحَمَّد , قَالَ : ثنا قَبيصَة , عَنْ سُفْيَان , عَنْ عَمْرو بْن قَيْس , عَنْ عَطيَّة , في قَوْله ( { وَلَمْ نَجد لَهُ عَزْمًا } قَالَ : حفْظًا لمَا أَمَرْته به . )18397 - حَدَّثَني مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبي , قَالَ : ثني عَمّي , قَالَ : ثَنْي أَبي , عَنْ أَبيه , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَوْله : ( { وَلَمْ نَجد لَهُ عَزْمًا } يَقُول : لَمْ نَجد لَهُ حفْظًا . )18398 - حَدَّثَني يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد , في قَوْله : ( { وَلَمْ نَجد لَهُ عَزْمًا } قَالَ : الْعَزْم : الْمُحَافَظَة عَلَى مَا أَمَرَهُ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى بحفْظه , وَالتَّمَسُّك به . )18399 - حَدَّثَني عَليّ , قَالَ : ثنا أَبُو صَالح , قَالَ : ثني مُعَاويَة , عَنْ عَليّ , عَنْ ابْن عَبَّاس , في قَوْله : ( { وَلَمْ نَجد لَهُ عَزْمًا } يَقُول : لَمْ نَجْعَل لَهُ عَزْمًا . )18400 - حَدَّثَني الْقَاسم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا الْحَجَّاج بْن فَضَالَة , عَنْ لُقْمَان بْن عَامر , عَنْ أَبي أُمَامَةَ قَالَ : (لَوْ أَنَّ أَحْلَام بَني آدَم جُمعَتْ مُنْذُ يَوْم خَلَقَ اللَّه تَعَالَى آدَم إلَى يَوْم السَّاعَة , وَوُضعَتْ في كفَّة ميزَان , وَوُضعَ حلْم آدَم في الْكفَّة الْأُخْرَى , لَرَجَعَ حلْمه بأَحْلَامهمْ , وَقَدْ قَالَ اللَّه تَعَالَى : { وَلَمْ نَجد لَهُ عَزْمًا } . )قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَأَصْل الْعَزْم اعْتقَاد الْقَلْب عَلَى الشَّيْء , يُقَال منْهُ : عَزَمَ فُلَان عَلَى كَذَا : إذَا اعْتَقَدَ عَلَيْه وَنَوَاهُ ; وَمنْ اعْتقَاد الْقَلْب : حفْظ الشَّيْء , وَمنْهُ الصَّبْر عَلَى الشَّيْء , لأَنَّهُ لَا يَجْزَع جَازع إلَّا منْ خَوْر قَلْبه وَضَعْفه . فَإذَا كَانَ ذَلكَ كَذَلكَ , فَلَا مَعْنَى لذَلكَ أَبْلَغ ممَّا بَيَّنَهُ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى , وَهُوَ قَوْله : { وَلَمْ نَجد لَهُ عَزْمًا } فَيَكُون تَأْويله : وَلَمْ نَجد لَهُ عَزْم قَلْب , عَلَى الْوَفَاء للَّه بعَهْده , وَلَا عَلَى حفْظ مَا عَهدَ إلَيْه .

وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ

الْقَوْل في تَأْويل قَوْله تَعَالَى : { وَإذْ قُلْنَا للْمَلَائكَة اُسْجُدُوا لآدَم فَسَجَدُوا إلَّا إبْليس أَبَى } </subtitle>يَقُول تَعَالَى ذكْرُهُ مُعَلّمًا نَبيّه مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّمَ , مَا كَانَ منْ تَضْييع آدَم عَهْده , وَمُعَرّفه بذَلكَ أَنَّ وَلَده لَنْ يَعْدُوا أَنْ يَكُونُوا في ذَلكَ عَلَى منْهَاجه , إلَّا مَنْ عَصَمَهُ اللَّه منْهُمْ : وَاذْكُرْ يَا مُحَمَّد { إذْ قُلْنَا للْمَلَائكَة اُسْجُدُوا لآدَم فَسَجَدُوا إلَّا إبْليس أَبَى } أَنْ يَسْجُد لَهُ .

إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ

{ فَقُلْنَا يَا آدَم إنَّ هَذَا عَدُوّ لَك وَلزَوْجك } وَلذَلكَ منْ شَنَآنه لَمْ يَسْجُد لَك , وَخَالَفَ أَمْري في ذَلكَ وَعَصَاني , فَلَا تُطيعَاهُ فيمَا يَأْمُركُمَا به , فَيُخْرجكُمَا بمَعْصيَتكُمَا رَبّكُمَا , وَطَاعَتكُمَا لَهُ { منْ الْجَنَّة فَتَشْقَى } يَقُول : فَيَكُون عَيْشك منْ كَدّ يَدك , فَذَلكَ شَقَاؤُهُ الَّذي حَذَّرَهُ به , كَمَا : 18401 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا يَعْقُوب , عَنْ جَعْفَر , عَنْ سَعيد , قَالَ : (أُهْبطَ إلَى آدَم ثَوْر أَحْمَر , فَكَانَ يَحْرُث عَلَيْه , وَيَمْسَح الْعَرَق منْ جَبينه , فَهُوَ الَّذي قَالَ اللَّه تَعَالَى ذكْرُهُ : { فَلَا يُخْرجَنكُمَا منْ الْجَنَّة فَتَشْقَى } فَكَانَ ذَلكَ شَقَاءَهُ . )وَقَالَ تَعَالَى ذكْرُهُ : { فَتَشْقَى } وَلَمْ يَقُلْ : فَتَشْقَيَا , وَقَدْ قَالَ : { فَلَا يُخْرجَنكُمَا } لأَنَّ ابْتدَاء الْخَطَّاب منْ اللَّه كَانَ لآدَم عَلَيْه السَّلَام فَكَانَ في إعْلَامه الْعُقُوبَة عَلَى مَعْصيَته إيَّاهُ , فيمَا نَهَاهُ عَنْهُ منْ أَكْل الشَّجَرَة , الْكفَايَة منْ ذكْر الْمَرْأَة , إذْ كَانَ مَعْلُومًا أَنَّ حُكْمهَا في ذَلكَ حُكْمه , كَمَا قَالَ : { عَنْ الْيَمين وَعَنْ الشّمَال قَعيد } [50 17 ]اُجْتُزئَ بمَعْرفَة السَّامعينَ مَعْنَاهُ , منْ ذكْر فعْل صَاحبه .

ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آَخَرِينَ

الْقَوْل في تَأْويل قَوْله تَعَالَى : { إنَّ لَك أَلَّا تَجُوع فيهَا وَلَا تَعْرَى } </subtitle>يَقُول تَعَالَى ذكْره , مُخْبرًا عَنْ قيله لآدَم حين أَسْكَنَهُ الْجَنَّة : { إنَّ لَك } يَا آدَم { أَنْ لَا تَجُوع فيهَا وَلَا تَعْرَى } . و | أَنْ | في قَوْله { أَلَّا تَجُوع فيهَا } في مَوْضع نَصْب بإنَّ الَّتي في قَوْله : { إنَّ لَك } .

فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ

وَقَوْله : { وَأَنَّك لَا تَظْمَأ فيهَا } اخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء في قرَاءَتهَا , فَقَرَأَ ذَلكَ بَعْض قُرَّاء الْمَدينَة وَالْكُوفَة بالْكَسْر : وَإنَّك , عَلَى الْعَطْف عَلَى قَوْله : { إنَّ لَك } . وَقَرَأَ ذَلكَ بَعْض قُرَّاء الْمَدينَة وَعَامَّة قُرَّاء الْكُوفَة وَالْبَصْرَة : وَأَنَّك , بفَتْح أَلفهَا عَطْفًا بهَا عَلَى | أَنَّ | الَّتي في قَوْله : | أَنْ لَا تَجُوع فيهَا | . وَوَجَّهُوا تَأْويل ذَلكَ إلَى أَنَّ لَك هَذَا وَهَذَا ; فَهَذه الْقرَاءَة أَعْجَب الْقرَاءَتَيْن إلَيَّ , لأَنَّ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى ذكْره وَعَدَ ذَلكَ آدَم حين أَسْكَنَهُ الْجَنَّة , فَكَوْن ذَلكَ بأَنْ يَكُون عَطْفًا عَلَى أَنْ لَا تَجُوع أَوْلَى منْ أَنْ يَكُون خَبَر مُبْتَدَإ , وَإنْ كَانَ الْآخَر غَيْر بَعيد منْ الصَّوَاب . وَعُنيَ بقَوْله : { لَا تَظْمَأ فيهَا } لَا تَعْطَش في الْجَنَّة مَا دُمْت فيهَا { وَلَا تَضْحَى } , يَقُول : لَا تَظْهَر للشَّمْس فَيُؤْذيك حَرّهَا , كَمَا قَالَ ابْن أَبي رَبيعَة : <br>رَأَتْ رَجُلًا أَمَّا إذَا الشَّمْس عَارَضَتْ .......... فَيَضْحَى وَأَمَّا بالْعَشيّ فَيَخْصُر <br>وَبنَحْو الَّذي قُلْنَا في ذَلكَ قَالَ أَهْل التَّأْويل . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18402 - حَدَّثَني عَليّ , قَالَ : ثنا أَبُو صَالح , قَالَ : ثني مُعَاويَة , عَنْ عَليّ , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَوْله : ( { وَأَنَّك لَا تَظْمَأ فيهَا وَلَا تَضْحَى } يَقُول : لَا يُصيبك فيهَا عَطَش وَلَا حَرّ . )* - حَدَّثَني مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبي , قَالَ : ثني عَمّي , قَالَ : ثني أَبي , عَنْ أَبيه , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَوْله : ( { وَأَنَّك لَا تَظْمَأ فيهَا وَلَا تَضْحَى } يَقُول : لَا يُصيبك حَرّ وَلَا أَذَى . )18403 - حَدَّثَني أَحْمَد بْن عُثْمَان بْن حَكيم الْأَوْديّ , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن بْن شَريك , قَالَ : ثَنْي أَبي , عَنْ خُصَيْف عَنْ سَعيد بْن جُبَيْر ( { لَا تَظْمَأ فيهَا وَلَا تَضْحَى } قَالَ : لَا تُصيبك الشَّمْس . )حَدَّثَنَا بشْر , قَالَ : ثنا يَزيد , قَالَ : ثنا سَعيد , عَنْ قَتَادَة ( { وَلَا تَضْحَى } قَالَ : لَا تُصيبك الشَّمْس .)

وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآَخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ

وَقَوْله : { فَوَسْوَسَ إلَيْه الشَّيْطَان } يَقُول : فَأَلْقَى إلَى آدَم الشَّيْطَان وَحَدَّثَهُ { فَقَالَ يَا آدَم هَلْ أَدُلّك عَلَى شَجَرَة الْخُلْد } يَقُول : قَالَ لَهُ : هَلْ أَدُلّك عَلَى شَجَرَة إنْ أَكَلْت منْهَا خَلَدْت فَلَمْ تَمُتْ , وَمَلَكْت مُلْكًا لَا يَنْقَضي فَيَبْلَى , كَمَا : 18404 - حَدَّثَنَا مُوسَى , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدّيّ ( { قَالَ يَا آدَم هَلْ أَدُلّك عَلَى شَجَرَة الْخُلْد وَمُلْك لَا يَبْلَى } إنْ أَكَلْت منْهَا كُنْت مَلكًا مثْل اللَّه { أَوْ تَكُونَا منْ الْخَالدينَ } فَلَا تَمُوتَان أَبَدًا .)

وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ

الْقَوْل في تَأْويل قَوْله تَعَالَى : { فَأَكَلَا منْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتهمَا } </subtitle>يَقُول تَعَالَى ذكْره : فَأَكَلَ آدَم وَحَوَّاء منْ الشَّجَرَة الَّتي نُهيَا عَنْ الْأَكْل منْهَا , وَأَطَاعَا أَمْر إبْليس , وَخَالَفَا أَمْر رَبّهمَا { فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتهمَا } يَقُول : فَانْكَشَفَتْ لَهُمَا عَوْرَاتهمَا , وَكَانَتْ مَسْتُورَة عَنْ أَعْيُنهمَا , كَمَا : 18405 - حَدَّثَنَا مُوسَى , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدّيّ , قَالَ : (إنَّمَا أَرَادَ , يَعْني إبْليس بقَوْله : { هَلْ أَدُلّك عَلَى شَجَرَة الْخُلْد وَمُلْك لَا يَبْلَى } ليُبْديَ لَهُمَا مَا تَوَارَى عَنْهُمَا منْ سَوْآتهمَا , بهَتْك لبَاسهمَا , وَكَانَ قَدْ عَلمَ أَنَّ لَهُمَا سَوْأَة لَمَّا كَانَ يَقْرَأ منْ كُتُب الْمَلَائكَة , وَلَمْ يَكُنْ آدَم يَعْلَم ذَلكَ , وَكَانَ لبَاسهمَا الظَّفْر , فَأَبَى آدَم أَنْ يَأْكُل منْهَا , فَتَقَدَّمَتْ حَوَّاء , فَأَكَلَتْ ثُمَّ قَالَتْ : يَا آدَم كُلْ , فَإنّي قَدْ أَكَلْت , فَلَمْ يَضُرّني , فَلَمَّا أَكَلَ آدَم بَدَتْ سَوْآتهمَا .)|وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ|وَقَوْله : { وَطَفقَا يَخْصفَان عَلَيْهمَا منْ وَرَق الْجَنَّة } يَقُول : أَقْبَلَا يَشُدَّان عَلَيْهمَا منْ وَرَق الْجَنَّة , كَمَا : 18406 - حَدَّثَنَا مُوسَى , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدّيّ ( { وَطَفقَا يَخْصفَان عَلَيْهمَا منْ وَرَق الْجَنَّة } يَقُول : أَقْبَلَا يُغَطّيَان عَلَيْهمَا بوَرَق التّين . )18407 - حَدَّثَنَا بشْر , قَالَ : ثنا يَزيد , قَالَ : ثنا سَعيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : ( { وَطَفقَا يَخْصفَان عَلَيْهمَا منْ وَرَق الْجَنَّة } يَقُول : يُوصلَان عَلَيْهمَا منْ وَرَق الْجَنَّة .)|وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى|وَقَوْله : { وَعَصَى آدَم رَبّه فَغَوَى } يَقُول : وَخَالَفَ أَمْر رَبّه , فَتَعَدَّى إلَى مَا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَتَعَدَّى إلَيْه , منْ الْأَكْل منْ الشَّجَرَة الَّتي نَهَاهُ عَنْ الْأَكْل منْهَا .

أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ

وَقَوْله : { ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبّه فَتَابَ عَلَيْه وَهَدَى } يَقُول : اصْطَفَاهُ رَبّه منْ بَعْد مَعْصيَته إيَّاهُ فَرَزَقَهُ الرُّجُوع إلَى مَا يَرْضَى عَنْهُ , وَالْعَمَل بطَاعَته , وَذَلكَ هُوَ كَانَتْ تَوْبَته الَّتي تَابَهَا عَلَيْه . وَقَوْله : { وَهَدَى } يَقُول : وَهَدَاهُ للتَّوْبَة , فَوَفَّقَهُ لَهَا .

هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ

الْقَوْل في تَأْويل قَوْله تَعَالَى : { قَالَ اهْبطَا منْهَا جَميعًا بَعْضكُمْ لبَعْضٍ عَدُوّ فَإمَّا يَأْتيَنكُمْ منّي هُدًى فَمَنْ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضلّ وَلَا يَشْقَى } . </subtitle>يَقُول تَعَالَى ذكْره : قَالَ اللَّه تَعَالَى لآدَم وَحَوَّاء : { اهْبطَا جَميعًا } إلَى الْأَرْض { بَعْضكُمْ لبَعْضٍ عَدُوّ } يَقُول : أَنْتُمَا عَدُوّ إبْليس وَذُرّيَّته , وَإبْليس عَدُوّكُمَا وَعَدُوّ ذُرّيَّتكُمَا . وَقَوْله : { فَإمَّا يَأْتيَنكُمْ منّي هُدًى } يَقُول : فَإنْ يَأْتكُمْ يَا آدَم وَحَوَّاء وَإبْليس منّي هُدًى : يَقُول : بَيَان لسَبيلي , وَمَا أَخْتَارهُ لخَلْقي منْ دين { فَمَنْ اتَّبَعَ هُدَايَ } يَقُول : فَمَنْ اتَّبَعَ بَيَاني ذَلكَ وَعَملَ به , وَلَمْ يَزغْ منْهُ { فَلَا يَضلّ } يَقُول : فَلَا يَزُول عَنْ مَحَجَّة الْحَقّ , وَلَكنَّهُ يُرْشد في الدُّنْيَا وَيَهْتَدي { وَلَا يَشْقَى } في الْآخرَة بعقَاب اللَّه , لأَنَّ اللَّه يُدْخلهُ الْجَنَّة , وَيُنَجّيه منْ عَذَابه . وَبنَحْو الَّذي قُلْنَا في تَأْويل ذَلكَ قَالَ أَهْل التَّأْويل . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18408 - حَدَّثَني الْحُسَيْن بْن يَزيد الطَّحَّان , قَالَ : ثنا أَبُو خَالد الْأَحْمَر , عَنْ عَمْرو بْن قَيْس الْمُلَائيّ , عَنْ عكْرمَة عَنْ ابْن عَبَّاس , قَالَ : (تَضَمَّنَ اللَّه لمَنْ قَرَأَ الْقُرْآن , وَاتَّبَعَ مَا فيه أَنْ لَا يَضلّ في الدُّنْيَا وَلَا يَشْقَى في الْآخرَة , ثُمَّ تَلَا هَذه الْآيَة : { فَمَنْ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضلّ وَلَا يَشْقَى } . )* - حَدَّثَني نَصْر بْن عَبْد الرَّحْمَن الْأَوْديّ , قَالَ : ثنا حَكَّام الرَّازيّ , عَنْ أَيُّوب بْن مُوسَى , عَنْ مَرْو , ثنا الْمُلَائيّ عَنْ ابْن عَبَّاس أَنَّهُ قَالَ : إنَّ اللَّه قَدْ ضَمنَ . ... فَذَكَرَ نَحْوه . * - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا حَكَّام , عَنْ أَيُّوب بْن يَسَار أَبي عَبْد الرَّحْمَن , عَنْ عَمْرو بْن قَيْس , عَنْ رَجُل عَنْ ابْن عَبَّاس , بنَحْوه . * - حَدَّثَنَا عَليّ بْن سَهْل الرَّمْليّ , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن مُحَمَّد النَّسَائيّ , عَنْ أَبي سَلَمَة , عَنْ عَطَاء , عَنْ سَعيد بْن جُبَيْر , قَالَ : (قَالَ ابْن عَبَّاس : مَنْ قَرَأَ الْقُرْآن وَاتَّبَعَ مَا فيه عَصَمَهُ اللَّه منْ الضَّلَالَة , وَوَقَاهُ , أَظُنّهُ أَنَّهُ قَالَ : منْ هَوْل يَوْم الْقيَامَة , وَذَلكَ أَنَّهُ قَالَ : { فَمَنْ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضلّ وَلَا يَشْقَى } في الْآخرَة .)

إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ

الْقَوْل في تَأْويل قَوْله تَعَالَى : { وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذكْري فَإنَّ لَهُ مَعيشَة ضَنْكًا } </subtitle>يَقُول تَعَالَى ذكْره : { وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذكْري } الَّذي أَذْكُرهُ به فَتَوَلَّى عَنْهُ وَلَمْ يَقْبَلهُ وَلَمْ يَسْتَجبْ لَهُ , وَلَمْ يَتَّعظ به فَيَنْزَجر عَمَّا هُوَ عَلَيْه مُقيم منْ خلَافَة أَمْر رَبّه { فَإنَّ لَهُ مَعيشَة ضَنْكًا } يَقُول : فَإنَّ لَهُ مَعيشَة ضَيّقَة . وَالضَّنْك منْ الْمَنَازل وَالْأَمَاكن وَالْمَعَايش : الشَّديد يُقَال : هَذَا مَنْزل ضَنْك : إذَا كَانَ ضَيّقًا , وَعَيْش ضَنْك : الذَّكَر وَالْأُنْثَى وَالْوَاحد وَالاثْنَان وَالْجَمْع بلَفْظٍ وَاحد ; وَمنْهُ قَوْل عَنْتَرَة : <br>وَإنْ نَزَلُوا بضَنْكٍ أَنْزل <br>وَبنَحْو الَّذي قُلْنَا في ذَلكَ قَالَ أَهْل التَّأْويل . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18409 - حَدَّثَني عَليّ , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه , قَالَ : ثني مُعَاويَة , عَنْ عَليّ , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَوْله : ( { فَإنَّ لَهُ مَعيشَة ضَنْكًا } يَقُول : الشَّقَاء . )18410 - حَدَّثَني مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصم , قَالَ : ثنا عيسَى ; وَحَدَّثَني الْحَارث , قَالَ : ثنا الْحَسَن قَالَ : ثنا وَرْقَاء جَميعًا عَنْ ابْن أَبي نَجيح , عَنْ مُجَاهد , قَوْله : ( { ضَنْكًا } قَالَ : ضَيّقَة . )18411 - حَدَّثَنَا الْحَسَن , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّزَّاق , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , في قَوْله : ( { فَإنَّ لَهُ مَعيشَة ضَنْكًا } قَالَ : الضَّنْك : الضَّيّق . )* - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا حَكَّام , عَنْ عَنْبَسَة , عَنْ مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن , عَنْ الْقَاسم بْن أَبي بَزَّة , عَنْ مُجَاهد , في قَوْله : ( { فَإنَّ لَهُ مَعيشَة ضَنْكًا } يَقُول : ضَيّقَة . )* - حَدَّثَنَا الْقَاسم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهد , مثْله . وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْويل في الْمَوْضع الَّذي جَعَلَ اللَّه لهَؤُلَاء الْمُعْرضينَ عَنْ ذكْره الْعيشَة الضَّنْك , وَالْحَال الَّتي جَعَلَهُمْ فيهَا , فَقَالَ بَعْضهمْ : جَعَلَ ذَلكَ لَهُمْ في الْآخرَة في جَهَنَّم , وَذَلكَ أَنَّهُمْ جَعَلَ طَعَامهمْ فيهَا الضَّريع وَالزَّقُّوم . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18412 - حَدَّثَني مُحَمَّد بْن عَمْرو بْن عَليّ بْن مُقَدَّم , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن سَعيد , عَنْ عَوْف , عَنْ الْحَسَن , في قَوْله : ( { فَإنَّ لَا مَعيشَة ضَنْكًا } قَالَ : في جَهَنَّم . )18413 - حَدَّثَني يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد , في قَوْله : ( { وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذكْري فَإنَّ لَهُ مَعيشَة ضَنْكًا } فَقَرَأَ حَتَّى بَلَغَ : { وَلَمْ يُؤْمن بآيَات رَبّه } قَالَ : هَؤُلَاء أَهْل الْكُفْر . قَالَ : وَمَعيشَة ضَنْكًا في النَّار شَوْك منْ نَار وَزَقُّوم وَغسْلين , وَالضَّريع : شَوْك منْ نَار , وَلَيْسَ في الْقَبْر وَلَا في الدُّنْيَا مَعيشَة , مَا الْمَعيشَة وَالْحَيَاة إلَّا في الْآخرَة , وَقَرَأَ قَوْل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { يَا لَيْتَني قَدَّمْت لحَيَاتي } [89 24 ]قَالَ : لمَعيشَتي ; قَالَ : وَالْغسْلين وَالزَّقُّوم : شَيْء لَا يَعْرفهُ أَهْل الدُّنْيَا . )18414 - حَدَّثَنَا الْحَسَن , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّزَّاق , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة ( { فَإنَّ لَهُ مَعيشَة ضَنْكًا } قَالَ : في النَّار . )وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ عَنَى بذَلكَ : فَإنَّ لَهُ مَعيشَة في الدُّنْيَا حَرَامًا . قَالَ : وَوَصَفَ اللَّه جَلَّ وَعَزَّ مَعيشَتهمْ بالضَّنْك , لأَنَّ الْحَرَام وَإنْ اتَّسَعَ فَهُوَ ضَنْك . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18415 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن وَاضح , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن بْن وَاقد , عَنْ يَزيد , عَنْ عكْرمَة في قَوْله : ( { مَعيشَة ضَنْكًا } قَالَ : هيَ الْمَعيشَة الَّتي أَوْسَعَ اللَّه عَلَيْه منْ الْحَرَام . )18416 - حَدَّثَني دَاوُدُ بْن سُلَيْمَان بْن يَزيد الْمُكْتب منْ أَهْل الْبَصْرَة , قَالَ : ثنا عَمْرو بْن جَرير الْبَجَليّ , عَنْ إسْمَاعيل بْن أَبي خَالد , عَنْ قَيْس بْن أَبي حَازم في قَوْل اللَّه : ( { مَعيشَة ضَنْكًا } قَالَ : رزْقًا في مَعْصيَته . )18417 - حَدَّثَني عَبْد الْأَعْلَى بْن وَاصل , قَالَ : ثنا يَعْلَى بْن عُبَيْد , قَالَ : ثنا أَبُو بَسْطَام , عَنْ الضَّحَّاك ( { فَإنَّ لَهُ مَعيشَة ضَنْكًا } قَالَ : الْكَسْب الْخَبيث . )* - حَدَّثَني مُحَمَّد بْن إسْمَاعيل الضّرَاريّ , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن سَوَّار , قَالَ : ثنا أَبُو الْيَقْظَان عَمَّار بْن مُحَمَّد , عَنْ هَارُون بْن مُحَمَّد التَّيْميّ , عَنْ الضَّحَّاك , في قَوْله : ( { فَإنَّ لَهُ مَعيشَة ضَنْكًا } قَالَ : الْعَمَل الْخَبيث , وَالرّزْق السَّيّئ . )وَقَالَ آخَرُونَ ممَّنْ قَالَ عَنَى أَنَّ لهَؤُلَاء الْقَوْم الْمَعيشَة الضَّنْك في الدُّنْيَا , إنَّمَا قيلَ لَهَا ضَنْك وَإنْ كَانَتْ وَاسعَة , لأَنَّهُمْ يُنْفقُونَ مَا يُنْفقُونَ منْ أَمْوَالهمْ عَلَى تَكْذيب منْهُمْ بالْخَلْف منْ اللَّه , وَإيَاس منْ فَضْل اللَّه , وَسُوء ظَنّ منْهُمْ برَبّهمْ , فَتَشْتَدّ لذَلكَ عَلَيْهمْ مَعيشَتهمْ وَتَضيق . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18418 - حَدَّثَني مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثَنْي أَبي , قَالَ : ثني عَمّي , قَالَ : ثني أَبي , عَنْ أَبيه , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَوْله : ( { وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذكْري فَإنَّ لَهُ مَعيشَة ضَنْكًا } يَقُول : كُلّ مَال أَعْطَيْته عَبْدًا منْ عبَادي قَلَّ أَوْ كَثُرَ , لَا يَتَّقيني فيه , لَا خَيْر فيه , وَهُوَ الضَّنْك في الْمَعيشَة . وَيُقَال : إنَّ قَوْمًا ضُلَّالًا أَعْرَضُوا عَنْ الْحَقّ وَكَانُوا أُولي سَعَة منْ الدُّنْيَا مُكْثرينَ , فَكَانَتْ مَعيشَتهمْ ضَنْكًا , وَذَلكَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ لَيْسَ بمُخْلفٍ لَهُمْ مَعَايشهمْ منْ سُوء ظَنّهمْ باَللَّه , وَالتَّكْذيب به , فَإذَا كَانَ الْعَبْد يَكْذب باَللَّه , وَيُسيء الظَّنّ به , اشْتَدَّتْ عَلَيْه مَعيشَته , فَذَلكَ الضَّنْك . )وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ عَنَى بذَلكَ : أَنَّ ذَلكَ لَهُمْ في الْبَرْزَخ , وَهُوَ عَذَاب الْقَبْر . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18419 - حَدَّثَني يَزيد بْن مَخْلَد الْوَاسطيّ , قَالَ : ثنا خَالد بْن عَبْد اللَّه , عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن إسْحَاق , عَنْ أَبي حَازم عَنْ النُّعْمَان بْن أَبي عَيَّاش , عَنْ أَبي سَعيد الْخُدْريّ , (قَالَ في قَوْل اللَّه : { مَعيشَة ضَنْكًا } قَالَ : عَذَاب الْقَبْر . )* - حَدَّثَني مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن بَزيع , قَالَ : ثنا بشْر بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن بْن إسْحَاق , عَنْ أَبي حَازم , عَنْ النُّعْمَان بْن أَبي عَيَّاش , عَنْ أَبي سَعيد الْخُدْريّ , قَالَ : (إنَّ الْمَعيشَة الضَّنْك , الَّتي قَالَ اللَّه : عَذَاب الْقَبْر . )* - حَدَّثَني حَوْثَرَة بْن مُحَمَّد الْمنْقَريّ , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ أَبي حَازم , عَنْ أَبي سَلَمَة , عَنْ أَبي سَعيد الْخُدْريّ ( { فَإنَّ لَهُ مَعيشَة ضَنْكًا } قَالَ : يُضَيَّق عَلَيْه قَبْره حَتَّى تَخْتَلف أَضْلَاعه . )* - حَدَّثَني مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن عَبْد الْحَكَم , قَالَ : ثنا أَبي وَشُعَيْب بْن اللَّيْث , عَنْ اللَّيْث , قَالَ : ثنا خَالد بْن زَيْد , عَنْ ابْن أَبي هلَال , عَنْ أَبي حَازم , عَنْ أَبي سَعيد , أَنَّهُ كَانَ يَقُول : (الْمَعيشَة الضَّنْك : عَذَاب الْقَبْر , إنَّهُ يُسَلَّط عَلَى الْكَافر في قَبْره تسْعَة وَتسْعُونَ تنّينًا تَنْهَشهُ وَتَخْدش لَحْمه حَتَّى يُبْعَث . وَكَانَ يُقَال : لَوْ أَنَّ تنّينًا منْهَا نَفَخَ الْأَرْض لَمْ تَنْبُت زَرْعًا . )18420 - حَدَّثَنَا مُجَاهد بْن مُوسَى , قَالَ : ثنا يَزيد , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن عَمْرو , عَنْ أَبي سَلَمَة , عَنْ أَبي هُرَيْرَة , قَالَ : (يُطْبَق عَلَى الْكَافر قَبْره حَتَّى تَخْتَلف فيه أَضْلَاعه , وَهيَ الْمَعيشَة الضَّنْك الَّتي قَالَ اللَّه : { مَعيشَة ضَنْكًا وَنَحْشرهُ يَوْم الْقيَامَة أَعْمَى } . )18421 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا جَابر بْن نُوح , عَنْ إسْمَاعيل بْن أَبي خَالد , عَنْ أَبي صَالح وَالسُّدّيّ في قَوْله : ( { مَعيشَة ضَنْكًا } قَالَ : عَذَاب الْقَبْر . )18422 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن إسْمَاعيل الْأَحْمَسيّ , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن عُبَيْد , قَالَ : ثنا سُفْيَان الثَّوْريّ , عَنْ إسْمَاعيل بْن أَبي خَالد , عَنْ أَبي صَالح , في قَوْله : ( { فَإنَّ لَهُ مَعيشَة ضَنْكًا } قَالَ : عَذَاب الْقَبْر . )18423 - حَدَّثَني عَبْد الرَّحْمَن بْن الْأَسْوَد , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن رَبيعَة , قَالَ : ثنا أَبُو عُمَيْس , عَنْ عَبْد اللَّه بْن مُخَارق عَنْ أَبيه , عَنْ عَبْد اللَّه , في قَوْله : ( { مَعيشَة ضَنْكًا } قَالَ : عَذَاب الْقَبْر . )* - حَدَّثَني عَبْد الرَّحيم الْبَرْقيّ , قَالَ : ثنا ابْن أَبي مَرْيَم , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن جَعْفَر وَابْن أَبي حَازم , قَالَا : ثنا أَبُو حَازم , عَنْ النُّعْمَان بْن أَبي عَيَّاش , عَنْ أَبي سَعيد الْخُدْريّ ( { مَعيشَة ضَنْكًا } قَالَ : عَذَاب الْقَبْر . )قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَأَوْلَى الْأَقْوَال في ذَلكَ بالصَّوَاب قَوْل مَنْ قَالَ : هُوَ عَذَاب الْقَبْر الَّذي : 18424 - حَدَّثَنَا به أَحْمَد بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن وَهْب , قَالَ : ثنا عَمّي عَبْد اللَّه بْن وَهْب , قَالَ : أَخْبَرَني عَمْرو بْن الْحَارث , عَنْ دَرَّاج , عَنْ ابْن حُجَيْرَة عَنْ أَبي هُرَيْرَة , عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : ( أَتَدْرُونَ فيمَ أُنْزلَتْ هَذه الْآيَة : { فَإنَّ لَهُ مَعيشَة ضَنْكًا وَنَحْشُرهُ يَوْم الْقيَامَة أَعْمَى } أَتَدْرُونَ مَا الْمَعيشَة الضَّنْك ؟ | قَالُوا : اللَّه وَرَسُوله أَعْلَم , قَالَ : وَعَذَاب الْكَافر في قَبْره , وَاَلَّذي نَفْسي بيَده أَنَّهُ لَيُسَلَّط عَلَيْه تسْعَة وَتسْعُونَ تنّينًا , أَتَدْرُونَ مَا التّنّين : تسْعَة وَتسْعُونَ حَيَّة , لكُلّ حَيَّة سَبْعَة رُءُوس , يَنْفُخُونَ في جسْمه وَيَلْسَعُونَهُ وَيَخْدشُونَهُ إلَى يَوْم الْقيَامَة . )وَإنَّ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى اتَّبَعَ ذَلكَ بقَوْله : { وَلَعَذَاب الْآخرَة أَشَدّ وَأَبْقَى } فَكَانَ مَعْلُومًا بذَلكَ أَنَّ الْمَعيشَة الضَّنْك الَّتي جَعَلَهَا اللَّه لَهُمْ قَبْل عَذَاب الْآخرَة , لأَنَّ ذَلكَ لَوْ كَانَ في الْآخرَة لَمْ يَكُنْ لقَوْله { وَلَعَذَاب الْآخرَة أَشَدّ وَأَبْقَى } مَعْنَى مَفْهُوم , لأَنَّ ذَلكَ إنْ لَمْ يَكُنْ تَقَدَّمَهُ عَذَاب لَهُمْ قَبْل الْآخرَة , حَتَّى يَكُون الَّذي في الْآخرَة أَشَدّ منْهُ , بَطَلَ مَعْنَى قَوْله { وَلَعَذَاب الْآخرَة أَشَدّ وَأَبْقَى } . فَإذْ كَانَ ذَلكَ كَذَلكَ , فَلَا تَخْلُو تلْكَ الْمَعيشَة الضَّنْك الَّتي جَعَلَهَا اللَّه لَهُمْ منْ أَنْ تَكُون لَهُمْ في حَيَاتهمْ الدُّنْيَا , أَوْ في قُبُورهمْ قَبْل الْبَعْث , إذْ كَانَ لَا وَجْه لأَنْ تَكُون في الْآخرَة لمَا قَدْ بَيَّنَّا , فَإنْ كَانَتْ لَهُمْ في حَيَاتهمْ الدُّنْيَا , فَقَدْ يَجب أَنْ يَكُون كُلّ مَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذكْر اللَّه منْ الْكُفَّار , فَإنَّ مَعيشَته فيهَا ضَنْك , وَفي وُجُودنَا كَثيرًا منْهُمْ أَوْسَع مَعيشَة منْ كَثير منْ الْمُقْبلينَ عَلَى ذكْر اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى , الْقَائلينَ لَهُ الْمُؤْمنينَ في ذَلكَ , مَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ ذَلكَ لَيْسَ كَذَلكَ , وَإذْ خَلَا الْقَوْل في ذَلكَ منْ هَذَيْن الْوَجْهَيْن صَحَّ الْوَجْه الثَّالث , وَهُوَ أَنَّ ذَلكَ في الْبَرْزَخ .|وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى|وَقَوْله : { وَنَحْشُرهُ يَوْم الْقيَامَة أَعْمَى } اخْتَلَفَ أَهْل التَّأْويل في صفَة الْعَمَى الَّذي ذَكَرَ اللَّه في هَذه الْآيَة , أَنَّهُ يَبْعَث هَؤُلَاء الْكُفَّار يَوْم الْقيَامَة به , فَقَالَ بَعْضهمْ : ذَلكَ عَمَى عَنْ الْحُجَّة , لَا عَمَى عَنْ الْبَصَر . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18425 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن إسْمَاعيل الْأَحْمَسيّ , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن عُبَيْد , قَالَ : ثنا سُفْيَان الثَّوْريّ . عَنْ إسْمَاعيل بْن أَبي خَالد , عَنْ أَبي صَالح , في قَوْله : ( { وَنَحْشُرهُ يَوْم الْقيَامَة أَعْمَى } قَالَ : لَيْسَ لَهُ حُجَّة . )18426 - حَدَّثَني مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصم , قَالَ : ثنا عيسَى ; وَحَدَّثَني الْحَارث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَميعًا عَنْ ابْن أَبي نَجيح , عَنْ مُجَاهد , في قَوْله : ( { وَنَحْشُرهُ يَوْم الْقيَامَة أَعْمَى } قَالَ : عَنْ الْحُجَّة . )18427 - حَدَّثَنَا الْقَاسم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهد , مثْله , وَقيلَ : يُحْشَر أَعْمَى الْبَصَر . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَالصَّوَاب منْ الْقَوْل في ذَلكَ مَا قَالَ اللَّه تَعَالَى ذكْره , وَهُوَ أَنَّهُ يُحْشَر أَعْمَى عَنْ الْحُجَّة وَرُؤْيَة الشَّيْء كَمَا أَخْبَرَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ , فَعَمَّ وَلَمْ يُخَصّص .

إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ

وَقَوْله : { قَالَ رَبّ لمَ حَشَرْتني أَعْمَى وَقَدْ كُنْت بَصيرًا } اخْتَلَفَ أَهْل التَّأْويل في تَأْويل ذَلكَ . فَقَالَ بَعْضهمْ في ذَلكَ , مَا : 18428 - حَدَّثَنَا ابْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّزَّاق , عَنْ ابْن أَبي نَجيح , عَنْ مُجَاهد ( { قَالَ رَبّ لمَ حَشَرْتني أَعْمَى } لَا حُجَّة لي . )وَقَوْله : { وَقَدْ كُنْت بَصيرًا } اخْتَلَفَ أَهْل التَّأْويل ذَلكَ , فَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَاهُ : وَقَدْ كُنْت بَصيرًا بحُجَّتي . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18429 - حَدَّثَنَا الْقَاسم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنْي حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهد ( { وَقَدْ كُنْت بَصيرًا } قَالَ : عَالمًا بحُجَّتي . )وَقَالَ آخَرُونَ . بَلْ مَعْنَاهُ : وَقَدْ كُنْت ذَا يُسْر أُيَسّر به الْأَشْيَاء . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18430 - حَدَّثَني مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصم , قَالَ : ثنا عيسَى ; وَحَدَّثَني الْحَارث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَميعًا عَنْ ابْن أَبي نَجيح , عَنْ مُجَاهد ( { وَقَدْ كُنْت بَصيرًا } في الدُّنْيَا . )18431 - حَدَّثَنَا بشْر , قَالَ : ثنا يَزيد قَالَ : ثنا سَعيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : ( { قَالَ رَبّ لمَ حَشَرْتني أَعْمَى وَقَدْ كُنْت بَصيرًا } قَالَ : كَانَ بَعيد الْبَصَر , قَصير النَّظَر , أَعْمَى عَنْ الْحَقّ . )قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَالصَّوَاب منْ الْقَوْل في ذَلكَ عنْدنَا , أَنَّ اللَّه عَزَّ شَأْنه وَجَلَّ ثَنَاؤُهُ , عَمَّ بالْخَبَر عَنْهُ بوَصْفه نَفْسه بالْبَصَر , وَلَمْ يُخَصّص منْهُ مَعْنًى دُون مَعْنًى , فَذَلكَ عَلَى مَا عَمَّهُ . فَإذَا كَانَ ذَلكَ كَذَلكَ , فَتَأْويل الْآيَة , قَالَ : رَبّ لمَ حَشَرْتني أَعْمَى عَنْ حُجَّتي وَرُؤْيَة الْأَشْيَاء , وَقَدْ كُنْت في الدُّنْيَا ذَا بَصَر بذَلكَ كُلّه . فَإنْ قَالَ قَائل : وَكَيْف قَالَ هَذَا لرَبّه : { لمَ حَشَرْتني أَعْمَى } مَعَ مُعَايَنَته عَظيم سُلْطَانه , أَجْهَل في ذَلكَ الْمَوْقف أَنْ يَكُون للَّه أَنْ يَفْعَل به مَا شَاءَ , أَمْ مَا وَجْه ذَلكَ ؟ قيلَ : إنَّ ذَلكَ منْهُ مَسْأَلَة لرَبّه يُعَرّفهُ الْجُرْم الَّذي اسْتَحَقَّ به ذَلكَ , إذْ كَانَ قَدْ جَهلَهُ , وَظَنَّ أَنْ لَا جُرْم لَهُ , اسْتَحَقَّ ذَلكَ به منْهُ , فَقَالَ : رَبّ لأَيّ ذَنْب وَلأَيّ جُرْم حَشَرْتني أَعْمَى , وَقَدْ كُنْت منْ قَبْل في الدُّنْيَا بَصيرًا وَأَنْتَ لَا تُعَاقب أَحَدًا إلَّا بدُون مَا يَسْتَحقّ منْك منْ الْعقَاب .

قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ

وَقَوْله : { قَالَ كَذَلكَ أَتَتْك آيَاتنَا فَنَسيتهَا } يَقُول تَعَالَى ذكْره , قَالَ اللَّه حينَئذٍ للْقَائل لَهُ : { لمَ حَشَرْتني أَعْمَى وَقَدْ كُنْت بَصيرًا } فَعَلْت ذَلكَ بك , فَحَشَرْتُك أَعْمَى كَمَا أَتَتْك آيَاتي , وَهيَ حُجَجه وَأَدلَّته وَبَيَانه الَّذي بَيَّنَهُ في كتَابه , فَنَسيتهَا : يَقُول : فَتَرَكْتهَا وَأَعْرَضْت عَنْهَا , وَلَمْ تُؤْمن بهَا , وَلَمْ تَعْمَل . وَعُنيَ بقَوْله { كَذَلكَ أَتَتْك } هَكَذَا أَتَتْك . وَقَوْله : { وَكَذَلكَ الْيَوْم تُنْسَى } يَقُول : فَكَمَا نَسيت آيَاتنَا في الدُّنْيَا , فَتَرَكْتهَا وَأَعْرَضْت عَنْهَا , فَكَذَلكَ الْيَوْم نَنْسَاك , فَنَتْرُكك في النَّار . وَقَدْ اخْتَلَفَ أَهْل التَّأْويل في مَعْنَى قَوْله { وَكَذَلكَ الْيَوْم تُنْسَى } فَقَالَ بَعْضهمْ بمثْل الَّذي قُلْنَا في ذَلكَ . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18432 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن إسْمَاعيل الْأَحْمَسيّ , قَالَ , ثنا مُحَمَّد بْن عُبَيْد , قَالَ : ثنا سُفْيَان الثَّوْريّ , عَنْ إسْمَاعيل بْن أَبي خَالد , عَنْ أَبي صَالح , في قَوْله : ( { وَكَذَلكَ الْيَوْم تُنْسَى } قَالَ : في النَّار . )18433 - حَدَّثَنَا الْحَسَن , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ ابْن أَبي نَجيح , عَنْ مُجَاهد , في قَوْله : ( { كَذَلكَ أَتَتْك آيَاتنَا فَنَسيتهَا } قَالَ : فَتَرَكَهَا { وَكَذَلكَ الْيَوْم تُنْسَى } وَكَذَلكَ الْيَوْم تُتْرَك في النَّار . )وَرُويَ عَنْ قَتَادَة في ذَلكَ مَا . 18434 - حَدَّثَني بشْر , قَالَ : ثنا يَزيد , قَالَ : ثنا سَعيد , عَنْ قَتَادَة ( { قَالَ كَذَلكَ أَتَتْك آيَاتنَا فَنَسيتهَا وَكَذَلكَ الْيَوْم تُنْسَى } قَالَ : نَسيَ منْ الْخَيْر , وَلَمْ يَنْسَ منْ الشَّرّ . )وَهَذَا الْقَوْل الَّذي قَالَهُ قَتَادَة قَريب الْمَعْنَى ممَّا قَالَهُ أَبُو صَالح وَمُجَاهد , لأَنَّ تَرْكه إيَّاهُمْ في النَّار أَعْظَم الشَّرّ لَهُمْ .

قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ

الْقَوْل في تَأْويل قَوْله تَعَالَى : { وَكَذَلكَ نَجْزي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمن بآيَات رَبّه وَلَعَذَاب الْآخرَة أَشَدّ وَأَبْقَى } . </subtitle>يَقُول تَعَالَى ذكْره : وَهَكَذَا نَجْزي : أَيْ نُثيب مَنْ أَسْرَفَ فَعَصَى رَبّه , وَلَمْ يُؤْمن برُسُله وَكُتُبه , فَنَجْعَل لَهُ مَعيشَة ضَنْكًا في الْبَرْزَخ كَمَا قَدْ بَيَّنَّا قَبْل .|وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى|يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَلَعَذَاب في الْآخرَة أَشَدّ لَهُمْ ممَّا وَعَدْتهمْ في الْقَبْر منْ الْمَعيشَة الضَّنْك { وَأَبْقَى } يَقُول : وَأَدْوَم منْهَا , لأَنَّهُ إلَى غَيْر أَمَد وَلَا نهَايَة .

فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ

الْقَوْل في تَأْويل قَوْله تَعَالَى : { أَفَلَمْ يَهْد لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلهمْ منْ الْقُرُون يَمْشُونَ في مَسَاكنهمْ } </subtitle>يَقُول تَعَالَى ذكْره لنَبيّه مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّمَ : أَفَلَمْ يَهْد لقَوْمك الْمُشْركينَ باَللَّه , وَمَعْنَى يَهْد : يُبَيّن . يَقُول : أَفَلَمْ يُبَيّن لَهُمْ كَثْرَة مَا أَهْلَكْنَا قَبْلهمْ منْ الْأُمَم الَّتي سَلَكَتْ قَبْلهَا الَّتي يَمْشُونَ في مَسَاكنهمْ وَدُورهمْ , وَيَرَوْنَ آثَار عُقُوبَاتنَا الَّتي أَحْلَلْنَاهَا بهمْ سُوء مَغَبَّة مَا هُمْ عَلَيْه مُقيمُونَ منْ الْكُفْر بآيَاتنَا , وَيَتَّعظُوا بهمْ , وَيَعْتَبرُوا , وَيُنيبُوا إلَى الْإذْعَان , وَيُؤْمنُوا باَللَّه وَرَسُوله , خَوْفًا أَنْ يُصيبهُمْ بكُفْرهمْ باَللَّه مثْل مَا أَصَابَهُمْ . وَبنَحْو الَّذي قُلْنَا في ذَلكَ قَالَ أَهْل التَّأْويل . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18435 - حَدَّثَنَا بشْر , قَالَ : ثنا يَزيد , قَالَ : ثنا سَعيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : ( { كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلهمْ منْ الْقُرُون يَمْشُونَ في مَسَاكنهمْ } لأَنَّ قُرَيْشًا كَانَتْ تَتَّجر إلَى الشَّأْم , فَتَمُرّ بمَسَاكن عَادٍ وَثَمُود وَمَنْ أَشْبَهَهُمْ , فَتَرَى آثَار وَقَائع اللَّه تَعَالَى بهمْ , فَلذَلكَ قَالَ لَهُمْ : أَفَلَمْ يُحَذّرهُمْ مَا يَرَوْنَ منْ فعْلنَا بهمْ بكُفْرهمْ بنَا نُزُول مثْله بهمْ , وَهُمْ عَلَى مثْل فعْلهمْ مُقيمُونَ . )وَكَانَ الْفَرَّاء يَقُول : لَا يَجُوز في كَمْ في هَذَا الْمَوْضع أَنْ يَكُون إلَّا نَصْبًا بأَهْلَكْنَا ; وَكَانَ يَقُول : وَهُوَ وَإنْ لَمْ يَكُنْ إلَّا نَصْبًا , فَإنَّ جُمْلَة الْكَلَام رُفعَ بقَوْله : { يَتَعَدَّ لَهُمْ } وَيَقُول : ذَلكَ مثْل قَوْل الْقَائل : قَدْ تَبَيَّنَ لي أَقَامَ عَمْرو أَمْ زَيْد في الاسْتفْهَام , وَكَقَوْله { سَوَاء عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامتُونَ } [7 193 ]وَيَزْعُم أَنَّ فيه شَيْئًا يُرْفَع سَوَاء لَا يَظْهَر مَعَ الاسْتفْهَام , قَالَ : وَلَوْ قُلْت : سَوَاء عَلَيْكُمْ صَمْتكُمْ وَدُعَاؤُكُمْ تَبَيَّنَ ذَلكَ الرَّفْع الَّذي في الْجُمْلَة وَلَيْسَ الَّذي قَالَ الْفَرَّاء منْ ذَلكَ , كَمَا قَالَ : لأَنَّ كَمْ وَإنْ كَانَتْ منْ حُرُوف الاسْتفْهَام فَإنَّهَا لَمْ تُجْعَل في هَذَا الْمَوْضع للاسْتفْهَام , بَلْ هيَ وَاقعَة مَوْقع الْأَسْمَاء الْمَوْصُوفَة . وَمَعْنَى الْكَلَام مَا قَدْ ذَكَرْنَا قَبْل وَهُوَ : أَفَلَمْ يُبَيّن لَهُمْ كَثْرَة إهْلَاكنَا قَبْلهمْ الْقُرُون الَّتي يَمْشُونَ في مَسَاكنهمْ , أَوْ أَفَلَمْ تَهْدهمْ الْقُرُون الْهَالكَة . وَقَدْ ذُكرَ أَنَّ ذَلكَ في قُرَّاء عَبْد اللَّه : | أَفَلَمْ يَهْد لَهُمْ مَنْ أَهْلَكْنَا | فَكَمْ وَاقعَة مَوْقع مَنْ في قرَاءَة عَبْد اللَّه , هيَ في مَوْضع رَفْع بقَوْله : { يَهْد لَهُمْ } وَهُوَ أَظْهَر وُجُوهه , وَأَصَحّ مَعَانيه , وَإنْ كَانَ الَّذي قَالَهُ وَجْه وَمَذْهَب عَلَى بُعْد .|إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى|وَقَوْله : { إنَّ في ذَلكَ لَآيَات لأُولي النُّهَى } يَقُول تَعَالَى ذكْره : إنَّ فيمَا يُعَاين هَؤُلَاء وَيَرَوْنَ منْ آثَار وَقَائعنَا بالْأُمَم الْمُكَذّبَة رُسُلهَا قَبْلهمْ , وَحُلُول مَثُلَاتنَا بهمْ لكُفْرهمْ باَللَّه { لَآيَات } يَقُول : لَدَلَالَات وَعبَرًا وَعظَات { لأُولي النُّهَى } يَعْني : لأَهْل الْحجَى وَالْعُقُول , وَمَنْ يَنْهَاهُ عَقْله وَفَهْمه وَدينه عَنْ مُوَاقَعَة مَا يَضُرّهُ . وَبنَحْو الَّذي قُلْنَا في ذَلكَ قَالَ أَهْل التَّأْويل . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18436 - حَدَّثَني عَليّ , قَالَ : ثنا أَبُو صَالح , قَالَ : ثني مُعَاويَة , عَنْ عَليّ , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَوْله : ( { لأُولي النُّهَى } يَقُول : الْتَقَى . )18437 - حَدَّثَنَا بشْر , قَالَ : ثنا يَزيد , قَالَ : ثنا سَعيد , عَنْ قَتَادَة ( { إنَّ في ذَلكَ لَآيَات لأُولي النُّهَى } أَهْل الْوَرَع .)

ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُونًا آَخَرِينَ

الْقَوْل في تَأْويل قَوْله تَعَالَى : { وَلَوْلَا كَلمَة سَبَقَتْ منْ رَبّك لَكَانَ لزَامًا وَأَجَل مُسَمَّى } </subtitle>يَقُول تَعَالَى ذكْرُهُ : { وَلَوْلَا كَلمَة سَبَقَتْ منْ رَبّك } يَا مُحَمَّد أَنَّ كُلّ مَنْ قَضَى لَهُ أَجَلًا فَإنَّهُ لَا يَخْتَرمهُ قَبْل بُلُوغه أَجَله { وَأَجَل مُسَمَّى } يَقُول : وَوَقْت مُسَمَّى عنْد رَبّك سَمَّاهُ لَهُمْ في أُمّ الْكتَاب وَخَطّه فيه , هُمْ بَالغُوهُ وَمُسْتَوْفُوهُ { لَكَانَ لزَامًا } يَقُول : للَازمهمْ الْهَلَاك عَاجلًا , وَهُوَ مَصْدَر منْ قَوْل الْقَائل : لَازَمَ فُلَان فُلَانًا يُلَازمهُ مُلَازَمَة وَلزَامًا : إذَا لَمْ يُفَارقهُ , وَقَدَّمَ قَوْله : { لَكَانَ لزَامًا } قَبْل قَوْله { أَجَل مُسَمَّى } وَمَعْنَى الْكَلَام : وَلَوْلَا كَلمَة سَبَقَتْ منْ رَبّك وَأَجَل مُسَمَّى لَكَانَ لزَامًا , فَاصْبرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ . وَبنَحْو الَّذي قُلْنَا في ذَلكَ , قَالَ أَهْل التَّأْويل . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18438 - حَدَّثَني مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصم , قَالَ : ثنا عيسَى ; وَحَدَّثَني الْحَارث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَميعًا عَنْ ابْن أَبي نَجيح , عَنْ مُجَاهد , قَوْله : ( { وَلَوْلَا كَلمَة سَبَقَتْ منْ رَبّك لَكَانَ لزَامًا وَأَجَل مُسَمَّى } الْأَجَل الْمُسَمَّى : الدُّنْيَا . )18439 - حَدَّثَنَا بشْر , قَالَ : ثنا يَزيد , قَالَ : ثنا سَعيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : ( { وَلَوْلَا كَلمَة سَبَقَتْ منْ رَبّك لَكَانَ لزَامًا وَأَجَل مُسَمَّى } وَهَذه منْ مَقَاديم الْكَلَام , يَقُول : لَوْلَا كَلمَة سَبَقَتْ منْ رَبّك إلَى أَجَل مُسَمَّى كَانَ لزَامًا , وَالْأَجَل الْمُسَمَّى , السَّاعَة , لأَنَّ اللَّه تَعَالَى يَقُول { بَلْ السَّاعَة مَوْعدهمْ , وَالسَّاعَة أَدْهَى وَأَمَرّ } . )18440 - حَدَّثَني يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد , في قَوْله : ( { وَلَوْلَا كَلمَة سَبَقَتْ منْ رَبّك لَكَانَ لزَامًا وَأَجَل مُسَمَّى } قَالَ : هَذَا مُقَدَّم وَمُؤَخَّر , وَلَوْلَا كَلمَة سَبَقَتْ منْ رَبّك وَأَجَل مُسَمَّى لَكَانَ لزَامًا . )وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْويل في مَعْنَى قَوْله : { لَكَانَ لزَامًا } فَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَاهُ : لَكَانَ مَوْتًا . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18441 - حَدَّثَني عَليّ قَالَ : ثني أَبُو صَالح , قَالَ : ثني مُعَاويَة , عَنْ عَليّ , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَوْله : ( { لَكَانَ لزَامًا } يَقُول : مَوْتًا . )وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَاهُ لَكَانَ قَتْلًا . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18442 - حَدَّثَني يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد ( { لَكَانَ لزَامًا } وَاللُّزُوم : الْقَتْل .)

مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ

وَقَوْله : { فَاصْبرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ } يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ لنَبيّه : فَاصْبرْ يَا مُحَمَّد عَلَى مَا يَقُول هَؤُلَاء الْمُكَذّبُونَ بآيَات اللَّه منْ قَوْمك لَك إنَّك سَاحر , وَإنَّك مَجْنُون وَشَاعر وَنَحْو ذَلكَ منْ الْقَوْل { وَسَبّحْ بحَمْد رَبّك } يَقُول : وَصَلّ بثَنَائك عَلَى رَبّك , وَقَالَ : بحَمْد رَبّك . وَالْمَعْنَى : بحَمْدك رَبّك , كَمَا تَقُول : أَعْجَبَني ضَرْب زَيْد , وَالْمَعْنَى : ضَرْبي زَيْدًا . وَقَوْله : { قَبْل طُلُوع الشَّمْس } وَذَلكَ صَلَاة الصُّبْح { وَقَبْل غُرُوبهَا } وَهيَ الْعَصْر { وَمنْ آنَاء اللَّيْل } وَهيَ سَاعَات اللَّيْل , وَاحدهَا : إنْي , عَلَى تَقْدير حَمْل ; وَمنْهُ قَوْل الْمُنَخَّل السَّعْديّ : <br>حُلْو وَمُرّ كَعطْف الْقدْح مُرَّته .......... في كُلّ إنْي قَضَاهُ اللَّيْل يَنْتَعل <br>وَيَعْني بقَوْله : { وَمنْ آنَاء اللَّيْل فَسَبّحْ } صَلَاة الْعشَاء الْآخرَة , لأَنَّهَا تُصَلَّى بَعْد مُضيّ آنَاء منْ اللَّيْل . وَقَوْله : { وَأَطْرَاف النَّهَار } : يَعْني صَلَاة الظُّهْر وَالْمَغْرب ; وَقيلَ : أَطْرَاف النَّهَار , وَالْمُرَاد بذَلكَ الصَّلَاتَان اللَّتَان ذَكَرْنَا , لأَنَّ صَلَاة الظُّهْر في آخر طَرَف النَّهَار الْأَوَّل , وَفي أَوَّل طَرَف النَّهَار الْآخَر , فَهيَ في طَرَفَيْن منْهُ , وَالطَّرَف الثَّالث : غُرُوب الشَّمْس , وَعنْد ذَلكَ تُصَلَّى الْمَغْرب , فَلذَلكَ قيلَ أَطْرَاف , وَقَدْ يُحْمَل أَنْ يُقَال : أُريدَ به طَرَفًا النَّهَار . وَقيلَ : أَطْرَاف , كَمَا قيلَ { صَغَتْ قُلُوبكُمَا } [66 4 ]فَجَمَعَ , وَالْمُرَاد : قَلْبَان , فَيَكُون ذَلكَ أَوَّل طَرَف النَّهَار الْآخَر , وَآخر طَرَفه الْأَوَّل . وَبنَحْو الَّذي قُلْنَا في ذَلكَ , قَالَ أَهْل التَّأْويل . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18443 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ عَاصم , عَنْ ابْن أَبي زَيْد , عَنْ ابْن عَبَّاس ( { وَسَبّحْ بحَمْد رَبّك قَبْل طُلُوع الشَّمْس وَقَبْل غُرُوبهَا } قَالَ : الصَّلَاة الْمَكْتُوبَة . )18444 - حَدَّثَنَا تَميم بْن الْمُنْتَصر , قَالَ : ثنا يَزيد بْن هَارُون , قَالَ : أَخْبَرَنَا إسْمَاعيل بْن أَبي خَالد , عَنْ قَيْس بْن أَبي حَازم , عَنْ جَرير بْن عَبْد اللَّه , قَالَ : (كُنَّا جُلُوسًا عنْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّمَ , فَرَأَى الْقَمَر لَيْلَة الْبَدْر فَقَالَ : | إنَّكُمْ رَاءُونَ رَبّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا , لَا تُضَامُونَ في رُؤْيَته , فَإنْ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لَا تَغْلبُوا عَلَى صَلَاة قَبْل طُلُوع الشَّمْس وَقَبْل غُرُوبهَا فَافْعَلُوا | ثُمَّ تَلَا : { وَسَبّحْ بحَمْد رَبّك قَبْل طُلُوع الشَّمْس وَقَبْل غُرُوبهَا } . )18445 - حَدَّثَنَا الْقَاسم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج ( { وَسَبّحْ بحَمْد رَبّك قَبْل طُلُوع الشَّمْس وَقَبْل غُرُوبهَا } قَالَ ابْن جُرَيْج : الْعَصْر , وَأَطْرَاف النَّهَار قَالَ : الْمَكْتُوبَة . )18446 - حَدَّثَنَا الْحَسَن , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة في قَوْله : ( { وَسَبّحْ بحَمْد رَبّك قَبْل طُلُوع الشَّمْس } قَالَ : هيَ صَلَاة الْفَجْر { وَقَبْل غُرُوبهَا } قَالَ : صَلَاة الْعَصْر . { وَمنْ آنَاء اللَّيْل } قَالَ : صَلَاة الْمَغْرب وَالْعشَاء . { وَأَطْرَاف النَّهَار } قَالَ : صَلَاة الظُّهْر . )18447 - حَدَّثَني يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد , في قَوْله ( { وَمنْ آنَاء اللَّيْل فَسَبّحْ وَأَطْرَاف النَّهَار } : قَالَ : منْ آنَاء اللَّيْل : الْعَتَمَة . وَأَطْرَاف النَّهَار : الْمَغْرب وَالصُّبْح . )وَنَصَبَ قَوْله { وَأَطْرَاف النَّهَار } عَطْفًا عَلَى قَوْله { قَبْل طُلُوع الشَّمْس } , لأَنَّ مَعْنَى ذَلكَ : فَسَبّحْ بحَمْد رَبّك آخر اللَّيْل , وَأَطْرَاف النَّهَار . وَبنَحْو الَّذي قُلْنَا في مَعْنَى { آنَاء اللَّيْل } قَالَ أَهْل التَّأْويل . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18448 - حَدَّثَنَا الْقَاسم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْج , قَالَ : قَالَ ابْن عَبَّاس ( { وَمنْ آنَاء اللَّيْل } قَالَ : الْمُصَلَّى منْ اللَّيْل كُلّه . )18449 - حَدَّثَني يَعْقُوب بْن إبْرَاهيم , قَالَ : ثنا ابْن عُلَيَّة , عَنْ أَبي رَجَاء , قَالَ : (سَمعْت الْحَسَن قَرَأَ : { وَمنْ آنَاء اللَّيْل } قَالَ : منْ أَوَّله , وَأَوْسَطه , وَآخره . )18450 - حَدَّثَني مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبي , قَالَ : ثني عَمّي , قَالَ : ثني أَبي , عَنْ أَبيه , عَنْ ابْن عَبَّاس , في قَوْله : ( { وَمنْ آنَاء اللَّيْل فَسَبّحْ } قَالَ : آنَاء اللَّيْل : جَوْف اللَّيْل .)|لَعَلَّكَ تَرْضَى|وَقَوْله : { لَعَلَّك تَرْضَى } يَقُول : كَيْ تَرْضَى . وَقَدْ اخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء في قرَاءَة ذَلكَ , فَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء الْمَدينَة وَالْعرَاق : { لَعَلَّك تَرْضَى } بفَتْح التَّاء . وَكَانَ عَاصم وَالْكسَائيّ يَقْرَآن ذَلكَ : | لَعَلَّك تُرْضَى | بضَمّ التَّاء , وَرُويَ ذَلكَ عَنْ أَبي عَبْد الرَّحْمَن السُّلَميّ , وَكَأَنَّ الَّذينَ قَرَءُوا ذَلكَ بالْفَتْح , ذَهَبُوا إلَى مَعْنَى : إنَّ اللَّه يُعْطيك , حَتَّى تَرْضَى عَطيَّته وَثَوَابه إيَّاكَ , وَكَذَلكَ تَأَوَّلَهُ أَهْل التَّأْويل . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18451 - حَدَّثَني يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد , في قَوْله : ( { لَعَلَّك تَرْضَى } قَالَ : الثَّوَاب , تَرْضَى بمَا يُثيبك اللَّه عَلَى ذَلكَ . )18452 - حَدَّثَنَا الْقَاسم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْج ( { لَعَلَّك تَرْضَى } قَالَ : بمَا تُعْطَى . )وَكَأَنَّ الَّذينَ قَرَءُوا ذَلكَ بالضَّمّ , وَجَّهُوا مَعْنَى الْكَلَام إلَى لَعَلَّ اللَّه يُرْضيك منْ عبَادَتك إيَّاهُ , وَطَاعَتك لَهُ . وَالصَّوَاب منْ الْقَوْل في ذَلكَ عنْدي : أَنَّهُمَا قرَاءَتَان , قَدْ قَرَأَ بكُلّ وَاحدَة منْهُمَا عُلَمَاء منْ الْقُرَّاء , وَهُمَا قرَاءَتَان مُسْتَفيضَتَان في قرَاءَة الْأَمْصَار , مُتَّفقَتَا الْمَعْنَى , غَيْر مُخْتَلفَتَيْه ; وَذَلكَ أَنَّ اللَّه تَعَالَى ذكْره إذَا أَرْضَاهُ , فَلَا شَكَّ أَنَّهُ يَرْضَى , وَأَنَّهُ إذَا رَضيَ فَقَدْ أَرْضَاهُ اللَّه , فَكُلّ وَاحدَة منْهُمَا تَدُلّ عَلَى مَعْنَى الْأُخْرَى , فَبأَيَّتهمَا قَرَأَ الْقَارئ فَمُصيب الصَّوَاب .

ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ

الْقَوْل في تَأْويل قَوْله تَعَالَى : { وَلَا تَمُدَّن عَيْنَيْك إلَى مَا مَتَّعْنَا به أَزْوَاجًا منْهُمْ زَهْرَة الْحَيَاة الدُّنْيَا لنَفْتنهُمْ فيه وَرزْق رَبّك خَيْر وَأَبْقَى } . </subtitle>يَقُول تَعَالَى ذكْره لنَبيّه مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّمَ : وَلَا تَنْظُر إلَى مَا جَعَلْنَا لضُرَبَاء هَؤُلَاء الْمُعْرضينَ عَنْ آيَات رَبّهمْ وَأَشْكَالهمْ , مُتْعَة في حَيَاتهمْ الدُّنْيَا , يَتَمَتَّعُونَ بهَا , منْ زَهْرَة عَاجل الدُّنْيَا وَنَضْرَتهَا { لنَفْتنهُمْ فيه } يَقُول : لنَخْتَبرهُمْ فيمَا مَتَّعْنَاهُمْ به منْ ذَلكَ , وَنَبْتَليهمْ , فَإنَّ ذَلكَ فَانٍ زَائل , وَغُرُور وَخُدَع تَضْمَحلّ { وَرزْق رَبّك } الَّذي وَعَدَك أَنْ يَرْزُقكَهُ في الْآخرَة حَتَّى تَرْضَى , وَهُوَ ثَوَابه إيَّاهُ { خَيْر } لَك ممَّا مَتَّعْنَاهُمْ به منْ زَهْرَة الْحَيَاة الدُّنْيَا { وَأَبْقَى } يَقُول : وَأَدْوَم , لأَنَّهُ لَا انْقطَاع لَهُ وَلَا نَفَاذ . وَذُكرَ أَنَّ هَذه الْآيَة نَزَلَتْ عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّمَ , منْ أَجْل أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّمَ بَعَثَ إلَى يَهُوديّ يَسْتَسْلف منْهُ طَعَامًا , فَأَبَى أَنْ يُسَلّفهُ إلَّا برَهْنٍ . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18453 - حَدَّثَنَا ابْن وَكيع , قَالَ : ثنا أَبي , عَنْ مُوسَى بْن عُبَيْدَة , عَنْ يَزيد بْن عَبْد اللَّه بْن قُسَيْطٍ , عَنْ أَبي رَافع , قَالَ : (أَرْسَلَني رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّمَ إلَى يَهُوديّ يَسْتَسْلفهُ , فَأَبَى أَنْ يُعْطيه إلَّا برَهْنٍ , فَحَزَنَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّمَ فَأَنْزَلَ اللَّه : { وَلَا تَمُدَّن عَيْنَيْك إلَى مَا مَتَّعْنَا به أَزْوَاجًا منْهُمْ زَهْرَة الْحَيَاة الدُّنْيَا } . )18454 - حَدَّثَنَا الْقَاسم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن كَثير , عَنْ عَبْد اللَّه بْن وَاقد , عَنْ يَعْقُوب بْن زَيْد , عَنْ أَبي رَافع , قَالَ : (نَزَلَ برَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّمَ ضَيْف : فَأَرْسَلَني إلَى يَهُوديّ بالْمَدينَة يَسْتَسْلفهُ , فَأَتَيْته , فَقَالَ : لَا أُسَلّفهُ إلَّا برَهْنٍ , فَأَخْبَرْته بذَلكَ , فَقَالَ : | إنّي لَأَمين في أَهْل السَّمَاء وَفي أَهْل الْأَرْض , فَاحْملْ درْعي إلَيْه | - فَنَزَلَتْ : { وَلَقَدْ آتَيْنَاك سَبْعًا منْ الْمَثَاني وَالْقُرْآن الْعَظيم } . )[15 87 ]وَقَوْله : { وَلَا تَمُدَّن عَيْنَيْك إلَى مَا مَتَّعْنَا به أَزْوَاجًا منْهُمْ زَهْرَة الْحَيَاة الدُّنْيَا } إلَى قَوْله : { وَالْعَاقبَة للتَّقْوَى } . وَيَعْني بقَوْله : { أَزْوَاجًا منْهُمْ } رجَالًا منْهُمْ أَشْكَالًا , وَبزَهْرَة الْحَيَاة الدُّنْيَا : زينَة الْحَيَاة الدُّنْيَا . كَمَا : 18455 - حَدَّثَنَا بشْر , قَالَ : ثنا يَزيد , قَالَ : ثنا سَعيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : ( { زَهْرَة الْحَيَاة الدُّنْيَا } : أَيْ زينَة الْحَيَاة الدُّنْيَا . )وَنَصَبَ زَهْرَة الْحَيَاة الدُّنْيَا عَلَى الْخُرُوج منْ الْهَاء الَّتي في قَوْله به منْ { مَتَّعْنَا به } , كَمَا يُقَال : مَرَرْت به الشَّريف الْكَريم , فَنَصَبَ الشَّريف الْكَريم عَلَى فعْل مَرَرْت , وَكَذَلكَ قَوْله : { إلَى مَا مَتَّعْنَا به أَزْوَاجًا منْهُمْ زَهْرَة الْحَيَاة الدُّنْيَا } تُنْصَب عَلَى الْفعْل بمَعْنَى : مَتَّعْنَاهُمْ به زَهْرَة في الْحَيَاة الدُّنْيَا وَزينَة لَهُمْ فيهَا . وَذَكَرَ الْفَرَّاء أَنَّ بَعْض بَني فَقْعَس أَنْشَدَهُ : <br>أَبَعْد الَّذي بالسَّفْح سَفْح كَوَاكب .......... رَهينَة رَمْس منْ تُرَاب وَجَنْدَل <br>فَنَصَبَ رَهينَة عَلَى الْفعْل منْ قَوْله : | أَبَعْد الَّذي بالسَّفْح | , وَهَذَا لَا شَكَّ أَنَّهُ أَضْعَف في الْعَمَل نَصَبًا منْ قَوْله : { مَتَّعْنَا به أَزْوَاجًا منْهُمْ } لأَنَّ الْعَامل في الاسْم وَهُوَ رَهينَة , حَرْف خَافض لَا نَاصب . وَبنَحْو الَّذي قُلْنَا في ذَلكَ , قَالَ أَهْل التَّأْويل . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18456 - حَدَّثَنَا بشْر , قَالَ : ثنا يَزيد , قَالَ : ثنا سَعيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : ( { لنَفْتنهُمْ فيه } قَالَ : لنَبْتَليَهُمْ فيه { وَرزْق رَبّك خَيْر وَأَبْقَى } ممَّا مَتَّعْنَا به هَؤُلَاء منْ هَذه الدُّنْيَا .)

ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآَيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ

الْقَوْل في تَأْويل قَوْله تَعَالَى : { وَأْمُرْ أَهْلك بالصَّلَاة وَاصْطَبرْ عَلَيْهَا } . </subtitle>يَقُول تَعَالَى ذكْره لنَبيّه مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّمَ : { وَأْمُرْ } يَا مُحَمَّد { أَهْلك بالصَّلَاة وَاصْطَبرْ عَلَيْهَا } يَقُول : وَاصْطَبرْ عَلَى الْقيَام بهَا , وَأَدَائهَا بحُدُودهَا أَنْتَ . وَبنَحْو الَّذي قُلْنَا في قَوْله { وَأْمُرْ أَهْلك بالصَّلَاة وَاصْطَبرْ عَلَيْهَا } قَالَ أَهْل التَّأْويل . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18457 - حَدَّثَني أَبُو السَّائب , قَالَ : ثنا حَفْص بْن غيَاث , عَنْ هشَام بْن عُرْوَة , قَالَ : (كَانَ عُرْوَة إذَا رَأَى مَا عنْد السَّلَاطين دَخَلَ دَاره , فَقَالَ : { لَا تَمُدَّن عَيْنك إلَى مَا مَتَّعْنَا به أَزْوَاجًا منْهُمْ زَهْرَة الْحَيَاة الدُّنْيَا لنَفْتنهُمْ فيه وَرزْق رَبّك خَيْر وَأَبْقَى وَأْمُرْ أَهْلك بالصَّلَاة وَاصْطَبرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلك رزْقًا نَحْنُ نَرْزُقك وَالْعَاقبَة للتَّقْوَى } ثُمَّ يُنَادي : الصَّلَاة الصَّلَاة , يَرْحَمكُمْ اللَّه . )* - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب قَالَ , ثنا عَثَّام , عَنْ هشَام بْن عُرْوَة , عَنْ أَبيه , (أَنَّهُ كَانَ إذَا رَأَى شَيْئًا منْ الدُّنْيَا جَاءَ إلَى أَهْله , فَقَالَ : الصَّلَاة { وَأْمُرْ أَهْلك بالصَّلَاة وَاصْطَبرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلك رزْقًا } . )18458 - حَدَّثَنَا الْعَبَّاس بْن عَبْد الْعَظيم , قَالَ : ثنا جَعْفَر بْن عَوْن , قَالَ : أَخْبَرَنَا هشَام بْن سَعْد , عَنْ زَيْد بْن أَسْلَمَ , عَنْ أَبيه , قَالَ : (كَانَ يَبيت عنْد عُمَر بْن الْخَطَّاب منْ غلْمَانه أَنَا وَيَرْفَأ , وَكَانَتْ لَهُ منْ اللَّيْل سَاعَة يُصَلّيهَا , فَإذَا قُلْنَا لَا يَقُوم منْ اللَّيْل كَانَ قيَامًا , وَكَانَ إذَا صَلَّى منْ اللَّيْل ثُمَّ فَرَغَ قَرَأَ هَذه الْآيَة : { وَأْمُرْ أَهْلك بالصَّلَاة وَاصْطَبرْ عَلَيْهَا } . ... )الْآيَة . * - حَدَّثَني يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : أَخْبَرَني هشَام بْن سَعْد , عَنْ زَيْد بْن أَسْلَمَ , مثْله .|لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا|يَقُول : لَا نَسْأَلك مَالًا , بَلْ نُكَلّفك عَمَلًا ببَدَنك , نُؤْتيك عَلَيْه أَجْرًا عَظيمًا وَثَوَابًا جَزيلًا .|نَحْنُ نَرْزُقُكَ|يَقُول : نَحْنُ نُعْطيك الْمَال وَنُكْسبكَهُ , وَلَا نَسْأَلكَهُ .|وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى|وَقَوْله : { وَالْعَاقبَة للتَّقْوَى } يَقُول : وَالْعَاقبَة الصَّالحَة منْ عَمَل كُلّ عَامل لأَهْل التَّقْوَى وَالْخَشْيَة منْ اللَّه دُون مَنْ لَا يَخَاف لَهُ عقَابًا , وَلَا يَرْجُو لَهُ ثَوَابًا .

إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ

الْقَوْل في تَأْويل قَوْله تَعَالَى : { وَقَالُوا لَوْلَا يَأْتينَا بآيَةٍ منْ رَبّه } . </subtitle>يَقُول تَعَالَى ذكْره : قَالَ هَؤُلَاء الْمُشْركُونَ الَّذينَ وَصَفَ صفَتهمْ في الْآيَات قَبْل : هَلَّا يَأْتينَا مُحَمَّد بآيَةٍ منْ رَبّه , كَمَا أَتَى قَوْمه صَالح بالنَّاقَة وَعيسَى بإحْيَاء الْمَوْتَى , وَإبْرَاء الْأَكْمَه وَالْأَبْرَص ,|أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى|يَقُول اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ : أَوَلَمْ يَأْتهمْ بَيَان مَا في الْكُتُب الَّتي قَبْل هَذَا الْكتَاب منْ أَنْبَاء الْأُمَم منْ قَبْلهمْ الَّتي أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا سَأَلُوا الْآيَات فَكَفَرُوا بهَا لَمَّا أَتَتْهُمْ كَيْف عَجَّلْنَا لَهُمْ الْعَذَاب , وَأَنْزَلْنَا بَأْسنَا بكُفْرهمْ بهَا , يَقُول : فَمَاذَا يُؤْمنهُمْ إنْ أَتَتْهُمْ الْآيَة أَنْ يَكُون حَالهمْ حَال أُولَئكَ . وَبنَحْو الَّذي قُلْنَا في ذَلكَ , قَالَ أَهْل التَّأْويل . ذكْر مَنْ قَالَ ذَلكَ : 18459 - حَدَّثَني مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصم , قَالَ : ثنا عيسَى ; وَحَدَّثَني الْحَارث , قَالَ : ثنا الْحَسَن قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَميعًا عَنْ ابْن أَبي نَجيح , عَنْ مُجَاهد , قَوْله : ( { أَوَلَمْ تَأْتهمْ بَيّنَة مَا في الصُّحُف الْأُولَى } قَالَ : التَّوْرَاة وَالْإنْجيل . )* - حَدَّثَنَا الْقَاسم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن قَالَ : ثني حَجَّاج عَنْ ابْن جُرَيْج عَنْ مُجَاهد مثْله . 18460 - حَدَّثَنَا بشْر , قَالَ : ثنا يَزيد , قَالَ : ثنا سَعيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : ( { أَوَلَمْ تَأْتهمْ بَيّنَة مَا في الصُّحُف الْأُولَى } الْكُتُب الَّتي خَلَتْ منْ الْأُمَم الَّتي يَمْشُونَ في مَسَاكنهمْ .)

فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ

الْقَوْل في تَأْويل قَوْله تَعَالَى : { وَلَوْ أَنْ أَهْلَكْنَاهُمْ بعَذَابٍ منْ قَبْله لَقَالُوا رَبّنَا لَوْلَا أَرْسَلْت إلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبع آيَاتك منْ قَبْل أَنْ نَذلّ وَنَخْزَى } . </subtitle>يَقُول تَعَالَى ذكْره : وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَا هَؤُلَاء الْمُشْركينَ الَّذينَ يُكَذّبُونَ بهَذَا الْقُرْآن منْ قَبْل أَنْ نُنْزلهُ عَلَيْهمْ , وَمنْ قَبْل أَنْ نَبْعَث دَاعيًا يَدْعُوهُمْ إلَى مَا فَرَضْنَا عَلَيْهمْ فيه بعَذَابٍ نُنْزلهُ بهمْ بكُفْرهمْ باَللَّه , لَقَالُوا يَوْم الْقيَامَة , إذْ وَرَدُوا عَلَيْنَا , فَأَرَدْنَا عقَابهمْ : رَبّنَا هَلَّا أَرْسَلْت إلَيْنَا رَسُولًا يَدْعُونَا إلَى طَاعَتك , { فَنَتَّبع آيَاتك } يَقُول : فَنَتَّبع حُجَّتك وَأَدلَّتك وَمَا تُنْزلهُ عَلَيْه منْ أَمْرك وَنَهْيك منْ قَبْل أَنْ نَذلّ بتَعْذيبك إيَّانَا وَنَخْزَى به , كَمَا : 18461 - حَدَّثَني الْفَضْل بْن إسْحَاق , قَالَ : ثنا أَبُو قُتَيْبَة سَلْم بْن قُتَيْبَة , عَنْ فُضَيْل بْن مَرْزُوق , عَنْ عَطيَّة الْعَوْفيّ , عَنْ أَبي سَعيد الْخُدْريّ , عَنْ النَّبيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّمَ قَالَ : ( يَحْتَجّ عَلَى اللَّه يَوْم الْقيَامَة ثَلَاثَة : الْهَالك في الْفَتْرَة , وَالْمَغْلُوب عَلَى عَقْله , وَالصَّبيّ الصَّغير , فَيَقُول الْمَغْلُوب عَلَى عَقْله : لَمْ تَجْعَل لي عَقْلًا أَنْتَفع به , وَيَقُول الْهَالك في الْفَتْرَة : لَمْ يَأْتني رَسُول وَلَا نَبيّ , وَلَوْ أَتَاني لَك رَسُول أَوْ نَبيّ لَكُنْت أَطْوَع خَلْقك لَك . وَقَرَأَ : { لَوْلَا أَرْسَلْت إلَيْنَا رَسُولًا } وَيَقُول الصَّبيّ الصَّغير : كُنْت صَغيرًا لَا أَعْقل | قَالَ : | فَتُرْفَع لَهُمْ نَار وَيُقَال لَهُمْ : ردُوهَا | قَالَ : | فَيَردهَا مَنْ كَانَ في علْم اللَّه أَنَّهُ سَعيد , وَيَتَلَكَّأ عَنْهَا مَنْ كَانَ في علْم اللَّه أَنَّهُ شَقيّ , فَيَقُول : إيَّايَ عَصَيْتُمْ , فَكَيْف برُسُلي لَوْ أَتَتْكُمْ ؟ | .)

فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ

الْقَوْل في تَأْويل قَوْله تَعَالَى : { قُلْ كُلّ مُتَرَبّص فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَاب الصّرَاط السَّويّ وَمَنْ اهْتَدَى } . </subtitle>يَقُول تَعَالَى ذكْره لنَبيّه مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْه وَسَلَّمَ : قُلْ يَا مُحَمَّد : كُلّكُمْ أَيّهَا الْمُشْركُونَ باَللَّه مُتَرَبّص يَقُول : مُنْتَظر لمَنْ يَكُون الْفَلَاح , وَإلَى مَا يَئُول أَمْري وَأَمْركُمْ مُتَوَقّف يَنْتَظر دَوَائر الزَّمَان , { فَتَرَبَّصُوا } يَقُول : فَتَرَقَّبُوا وَانْتَظَرُوا , فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَهْل الطَّريق الْمُسْتَقيم الْمُعْتَدل الَّذي لَا اعْوجَاج فيه إذَا جَاءَ أَمْر اللَّه وَقَامَتْ الْقيَامَة , أَنَحْنُ أَمْ أَنْتُمْ ؟ { وَمَنْ اهْتَدَى } يَقُول : وَسَتَعْلَمُونَ حينَئذٍ مَنْ الْمُهْتَدي الَّذي هُوَ عَلَى سُنَن الطَّريق الْقَاصد غَيْر الْجَائر عَنْ قَصْده منَّا وَمنْكُمْ . وَفي | مَنْ | منْ قَوْله : { فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَاب الصّرَاط السَّويّ } , وَالثَّانيَة منْ قَوْله : { وَمَنْ اهْتَدَى } وَجْهَان : الرَّفْع , وَتَرَكَ إعْمَال تَعْلَمُونَ فيهمَا , كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { لنَعْلَم أَيّ الْحزْبَيْن أَحْصَى } [18 12 ]وَالنَّصْب عَلَى إعْمَال تَعْلَمُونَ فيهمَا , كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { وَاَللَّه يَعْلَم الْمُفْسد منْ الْمُصْلح } . [2 220]

وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى { اِقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابهمْ وَهُمْ فِي غَفْلَة مُعْرِضُونَ } . </subtitle>يَقُول تَعَالَى ذِكْره : دَنَا حِسَاب النَّاس عَلَى أَعْمَالهمْ الَّتِي عَمِلُوهَا فِي دُنْيَاهُمْ وَنِعَمهمْ الَّتِي أَنْعَمَهَا عَلَيْهِمْ فِيهَا فِي أَبْدَانهمْ , وَأَجْسَامهمْ , وَمَطَاعِمهمْ , وَمَشَارِبهمْ , وَمَلَابِسهمْ وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ نِعَمه عِنْدهمْ , وَمَسْأَلَته إِيَّاهُمْ مَاذَا عَمِلُوا فِيهَا وَهَلْ أَطَاعُوهُ فِيهَا , فَانْتَهَوْا إِلَى أَمْره وَنَهْيه فِي جَمِيعهَا , أَمْ عَصَوْهُ فَخَالَفُوا أَمْره فِيهَا ؟ { وَهُمْ فِي غَفْلَة مُعْرِضُونَ } يَقُول : وَهُمْ فِي الدُّنْيَا عَمَّا اللَّه فَاعِل بِهِمْ مِنْ ذَلِكَ يَوْم الْقِيَامَة , وَعَنْ دُنُوّ مُحَاسَبَته إِيَّاهُمْ مِنْهُمْ , وَاقْتِرَابه لَهُمْ فِي سَهْو وَغَفْلَة , وَقَدْ أَعْرَضُوا عَنْ ذَلِكَ , فَتَرَكُوا الْفِكْر فِيهِ وَالِاسْتِعْدَاد لَهُ وَالتَّأَهُّب , جَهْلًا مِنْهُمْ بِمَا هُمْ لَاقُوهُ عِنْد ذَلِكَ مِنْ عَظِيم الْبَلَاء وَشَدِيد الْأَهْوَال . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي تَأْوِيل قَوْله { وَهُمْ فِي غَفْلَة مُعْرِضُونَ } قَالَ أَهْل التَّأْوِيل , وَجَاءَ الْأَثَر عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 18462 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو الْوَلِيد , قَالَ : ثني أَبُو مُعَاوِيَة , قَالَ : أَخْبَرَنَا الْأَعْمَش , عَنْ أَبِي صَالِح , عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( { وَهُمْ فِي غَفْلَة مُعْرِضُونَ } قَالَ : | فِي الدُّنْيَا |)

وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آَيَةً وَآَوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْر مِنْ رَبّهمْ مُحْدَث إِلَّا اِسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ } . </subtitle>يَقُول تَعَالَى ذِكْره : مَا يُحْدِث اللَّه مِنْ تَنْزِيل شَيْء مِنْ هَذَا الْقُرْآن لِلنَّاسِ وَيُذَكِّرهُمْ بِهِ وَيَعِظهُمْ إِلَّا اِسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ لَاهِيَة قُلُوبهمْ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي تَأْوِيل ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 18463 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة قَوْله : ( { مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْر مِنْ رَبّهمْ مُحْدَث } . . . الْآيَة , يَقُول : مَا يَنْزِل عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْء مِنْ الْقُرْآن إِلَّا اِسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ .)

يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { لَاهِيَة قُلُوبهمْ } </subtitle>يَقُول تَعَالَى ذِكْره : { لَاهِيَة قُلُوبهمْ } غَافِلَة , يَقُول : مَا يَسْتَمِع هَؤُلَاءِ الْقَوْم الَّذِينَ وَصَفَ صِفَتهمْ هَذَا الْقُرْآن إِلَّا وَهُمْ يَلْعَبُونَ غَافِلَة عَنْهُ قُلُوبهمْ , لَا يَتَدَبَّرُونَ حُكْمه وَلَا يَتَفَكَّرُونَ فِيمَا أَوْدَعَهُ اللَّه مِنْ الْحُجَج عَلَيْهِمْ . كَمَا : 18464 - حَدَّثَنَا بِشْر قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : ( { لَاهِيَة قُلُوبهمْ } يَقُول : غَافِلَة قُلُوبهمْ .)|وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ|وَقَوْله : { وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا } يَقُول : وَأَسَرَّ هَؤُلَاءِ النَّاس الَّذِينَ اِقْتَرَبَتْ السَّاعَة مِنْهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَة مُعْرِضُونَ , لَاهِيَة قُلُوبهمْ , النَّجْوَى بَيْنهمْ , يَقُول : وَأَظْهَرُوا الْمُنَاجَاة بَيْنهمْ فَقَالُوا : هَلْ هَذَا الَّذِي يَزْعُم أَنَّهُ رَسُول مِنْ اللَّه أَرْسَلَهُ إِلَيْكُمْ { إِلَّا بَشَر مِثْلكُمْ } ؟ يَقُولُونَ : هَلْ هُوَ إِلَّا إِنْسَان مِثْلكُمْ فِي صُوَركُمْ وَخَلْقكُمْ ؟ يَعْنُونَ بِذَلِكَ مُحَمَّدًا . وَقَالَ الَّذِينَ ظَلَمُوا فَوَصَفَهُمْ بِالظُّلْمِ بِفِعْلِهِمْ وَقِيلهمْ الَّذِي أَخْبَرَ بِهِ عَنْهُمْ فِي هَذِهِ الْآيَات أَنَّهُمْ يَفْعَلُونَ وَيَقُولُونَ مِنْ الْإِعْرَاض عَنْ ذِكْر اللَّه وَالتَّكْذِيب بِرَسُولِهِ . وَلِ | الَّذِينَ | مِنْ قَوْله : { وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا } فِي الْإِعْرَاب وَجْهَانِ : الْخَفْض عَلَى أَنَّهُ تَابِع لِلنَّاسِ فِي قَوْله : { اِقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابهمْ } وَالرَّفْع عَلَى الرَّدّ عَلَى الْأَسْمَاء الَّذِينَ فِي قَوْله : { وَأَسَرُّوا النَّجْوَى } مِنْ ذِكْر النَّاس , كَمَا قِيلَ : { ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِير مِنْهُمْ } . وَقَدْ يَحْتَمِل أَنْ يَكُون رَفْعًا عَلَى الِابْتِدَاء , وَيَكُون مَعْنَاهُ : وَأَسَرُّوا النَّجْوَى , ثُمَّ قَالَ : هُمْ الَّذِينَ ظَلَمُوا .|أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ|وَقَوْله : { أَفَتَأْتُونَ السِّحْر وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ } يَقُول : وَأَظْهَرُوا هَذَا الْقَوْل بَيْنهمْ , وَهِيَ النَّجْوَى الَّتِي أَسَرُّوهَا بَيْنهمْ , فَقَالَ بَعْضهمْ لِبَعْضٍ : أَتَقْبَلُونَ السِّحْر وَتُصَدِّقُونَ بِهِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ سِحْر ؟ يَعْنُونَ بِذَلِكَ الْقُرْآن كَمَا : 18465 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : ( { أَفَتَأْتُونَ السِّحْر وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ } قَالَ : قَالَ أَهْل الْكُفْر لِنَبِيِّهِمْ لِمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْد اللَّه , زَعَمُوا أَنَّهُ سَاحِر , وَأَنَّ مَا جَاءَ بِهِ سِحْر , قَالُوا : أَتَأْتُونَ السِّحْر وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ ؟)

وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قَالَ رَبِّي يَعْلَم الْقَوْل فِي السَّمَاء وَالْأَرْض وَهُوَ السَّمِيع الْعَلِيم } . </subtitle>اِخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة قَوْله : | قُلْ رَبِّي | فَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّة قُرَّاء أَهْل الْمَدِينَة وَالْبَصْرَة وَبَعْض الْكُوفِيِّينَ : | قُلْ رَبِّي | عَلَى وَجْه الْأَمْر . وَقَرَأَهُ بَعْض قُرَّاء مَكَّة وَعَامَّة قُرَّاء الْكُوفَة : { قَالَ رَبِّي } عَلَى وَجْه الْخَبَر . وَكَأَنَّ الَّذِينَ قَرَءُوهُ عَلَى وَجْه الْأَمْر أَرَادُوا مِنْ تَأْوِيله : قُلْ يَا مُحَمَّد لِلْقَائِلِينَ { أَفَتَأْتُونَ السِّحْر وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ } رَبِّي يَعْلَم قَوْل كُلّ قَائِل فِي السَّمَاء وَالْأَرْض , لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْهُ شَيْء ; وَهُوَ السَّمِيع لِذَلِكَ كُلّه وَلِمَا يَقُولُونَ مِنْ الْكَذِب , الْعَلِيم بِصِدْقِي وَحَقِيقَة مَا أَدْعُوكُمْ إِلَيْهِ وَبَاطِل مَا تَقُولُونَ وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ الْأَشْيَاء كُلّهَا . وَكَأَنَّ الَّذِينَ قَرَءُوا ذَلِكَ قَالَ عَلَى وَجْه الْخَبَر أَرَادُوا : قَالَ مُحَمَّد : رَبِّي يَعْلَم الْقَوْل ; خَبَرًا مِنْ اللَّه عَنْ جَوَاب نَبِيّه إِيَّاهُمْ . وَالْقَوْل فِي ذَلِكَ أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مَشْهُورَتَانِ فِي قِرَاءَة الْأَمْصَار , قَدْ قَرَأَ بِكُلِّ وَاحِدَة مِنْهُمَا عُلَمَاء مِنْ الْقُرَّاء , وَجَاءَتْ بِهِمَا مَصَاحِف الْمُسْلِمِينَ مُتَّفِقَتَا الْمَعْنَى ; وَذَلِكَ أَنَّ اللَّه إِذَا أَمَرَ مُحَمَّدًا بِقِيلِ ذَلِكَ قَالَهُ , وَإِذَا قَالَهُ فَعَنْ أَمْر اللَّه قَالَهُ , فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئ فَمُصِيب الصَّوَاب فِي قِرَاءَته .

فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { بَلْ قَالُوا أَضْغَاث أَحْلَام بَلْ اِفْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِر فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ } . </subtitle>يَقُول تَعَالَى ذِكْره : مَا صَدَّقُوا بِحِكْمَةِ هَذَا الْقُرْآن وَلَا أَنَّهُ مِنْ عِنْد اللَّه , وَلَا أَقَرُّوا بِأَنَّهُ وَحْي أَوْحَى اللَّه إِلَى مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; بَلْ قَالَ بَعْضهمْ : هُوَ أَهَاوِيل رُؤْيَا رَآهَا فِي النَّوْم , وَقَالَ بَعْضهمْ : هُوَ فِرْيَة وَاخْتِلَاق اِفْتَرَاهُ وَاخْتَلَقَهُ مِنْ قِبَل نَفْسه , وَقَالَ بَعْضهمْ : بَلْ مُحَمَّد شَاعِر , وَهَذَا الَّذِي جَاءَكُمْ بِهِ شِعْر . { فَلْيَأْتِنَا } يَقُول : قَالُوا فَلْيَجِئْنَا مُحَمَّد إِنْ كَانَ صَادِقًا فِي قَوْله إِنَّ اللَّه بَعَثَهُ رَسُولًا إِلَيْنَا وَإِنَّ هَذَا الَّذِي يَتْلُوهُ عَلَيْنَا وَحْي مِنْ اللَّه أَوْحَاهُ إِلَيْنَا , { بِآيَةٍ } يَقُول : بِحُجَّةٍ وَدَلَالَة عَلَى حَقِيقَة مَا يَقُول وَيَدَّعِي , { كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ } يَقُول : كَمَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُل الْأَوَّلُونَ مِنْ قَوْله مِنْ إِحْيَاء الْمَوْتَى وَإِبْرَاء الْأَكْمَه وَالْأَبْرَص وَكَنَاقَةِ صَالِح , وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ الْمُعْجِزَات الَّتِي لَا يَقْدِر عَلَيْهَا إِلَّا اللَّه وَلَا يَأْتِي بِهَا إِلَّا الْأَنْبِيَاء وَالرُّسُل . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 18466 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : ( { أَضْغَاث أَحْلَام } أَيْ فِعْل حَالِم , إِنَّمَا هِيَ رُؤْيَا رَآهَا . { بَلْ اِفْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِر } كُلّ هَذَا قَدْ كَانَ مِنْهُمْ . وَقَوْله | { فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ } يَقُول : كَمَا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ وَمُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ , وَالرُّسُل . )18467 - حَدَّثَنِي عَلِيّ , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : ( { أَضْغَاث أَحْلَام } قَالَ : مُشْتَبِهَة . )18468 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْله : ( { أَضْغَاث أَحْلَام } قَالَ أَهَاوِيلهَا . )* - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . وَقَالَ تَعَالَى ذِكْره : { بَلْ قَالُوا } وَلَا جَحْد فِي الْكَلَام ظَاهِر فَيُحَقَّق بِ | بَلْ | , لِأَنَّ الْخَبَر عَنْ أَهْل الْجُحُود وَالتَّكْذِيب , فَاجْتُزِيَ بِمَعْرِفَةِ السَّامِعِينَ بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْله | بَلْ | مِنْ ذِكْر الْخَبَر عَنْهُمْ عَلَى مَا قَدْ بَيَّنَّا .

فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { مَا آمَنَتْ قَبْلهمْ مِنْ قَرْيَة أَهْلَكْنَاهَا أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ } . </subtitle>يَقُول تَعَالَى ذِكْره : مَا آمَنَ مِنْ قَبْل هَؤُلَاءِ الْمُكَذِّبِينَ مُحَمَّدًا مِنْ مُشْرِكِي قَوْمه الَّذِينَ قَالُوا فَلْيَأْتِنَا مُحَمَّد بِآيَةٍ كَمَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُل قَبْله مِنْ أَهْل قَرْيَة عَذَّبْنَاهُمْ بِالْهَلَاكِ فِي الدُّنْيَا , إِذْ جَاءَهُمْ رَسُولنَا إِلَيْهِمْ بِآيَةٍ مُعْجِزَة . { أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ } يَقُول : أَفَهَؤُلَاءِ الْمُكَذِّبُونَ مُحَمَّدًا السَّائِلُوهُ الْآيَة يُؤْمِنُونَ بِهِ إِنْ جَاءَتْهُمْ آيَة وَلَمْ تُؤْمِن قَبْلهمْ أَسْلَافهمْ مِنْ الْأُمَم الْخَالِيَة الَّتِي أَهْلَكْنَاهَا بِرُسُلِهَا مَعَ مَجِيئِهَا ؟ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 18469 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن قَالَ : ثنا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : ( { أَهْلَكْنَاهَا أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ } يُصَدِّقُونَ بِذَلِكَ . )* - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنِي حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 18470 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : ( { مَا آمَنَتْ قَبْلهمْ مِنْ قَرْيَة أَهْلَكْنَاهَا أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ } أَيْ الرُّسُل كَانُوا إِذَا جَاءُوا قَوْمهمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَلَمْ يُؤْمِنُوا وَلَمْ يَنْظُرُوا .)

أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلك إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ } . </subtitle>يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ : وَمَا أَرْسَلْنَا يَا مُحَمَّد قَبْلك رَسُولًا إِلَى أُمَّة مِنْ الْأُمَم الَّتِي خَلَتْ قَبْل أُمَّتك إِلَّا رِجَالًا مِثْلهمْ نُوحِي إِلَيْهِمْ مَا نُرِيد أَنْ نُوحِيه إِلَيْهِمْ مِنْ أَمْرنَا وَنَهْينَا , لَا مَلَائِكَة ; فَمَاذَا أَنْكَرُوا مِنْ إِرْسَالنَا لَك إِلَيْهِمْ وَأَنْتَ رَجُل كَسَائِرِ الرُّسُل الَّذِينَ قَبْلك إِلَى أُمَمهمْ ؟ .|فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ|وَقَوْله : { فَاسْأَلُوا أَهْل الذِّكْر إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ } يَقُول لِلْقَائِلِينَ لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي تَنَاجِيهمْ بَيْنهمْ | هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَر مِثْلكُمْ | فَإِنْ أَنْكَرْتُمْ وَجَهِلْتُمْ أَمْر الرُّسُل الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْل مُحَمَّد , فَلَمْ تَعْلَمُوا أَيّهَا الْقَوْم أَمْرهمْ إِنْسًا كَانُوا أَمْ مَلَائِكَة , فَاسْأَلُوا أَهْل الْكُتُب مِنْ التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل مَا كَانُوا يُخْبِرُوكُمْ عَنْهُمْ ! كَمَا : 18471 - حَدَّثَنَا بِشْر قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : ( { فَاسْأَلُوا أَهْل الذِّكْر إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ } يَقُول فَاسْأَلُوا أَهْل التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل - قَالَ أَبُو جَعْفَر : أَرَاهُ أَنَا قَالَ : يُخْبِرُوكُمْ أَنَّ الرُّسُل كَانُوا رِجَالًا يَأْكُلُونَ الطَّعَام , وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاق . وَقِيلَ : أَهْل الذِّكْر : أَهْل الْقُرْآن . )ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 18472 - حَدَّثَنِي أَحْمَد بْن مُحَمَّد الطُّوسِيّ , قَالَ : ثني عَبْد الرَّحْمَن بْن صَالِح , قَالَ : ثني مُوسَى بْن عُثْمَان , عَنْ جَابِر الْجُعْفِيّ , قَالَ : (لَمَّا نَزَلَتْ : { فَاسْأَلُوا أَهْل الذِّكْر إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ } قَالَ عَلِيّ : نَحْنُ أَهْل الذِّكْر . )18473 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : ( { فَاسْأَلُوا أَهْل الذِّكْر إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ } قَالَ : أَهْل الْقُرْآن , وَالذِّكْر : الْقُرْآن . وَقَرَأَ : { إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْر وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ } )[15 9]

نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لَا يَشْعُرُونَ

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَام } . </subtitle>يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَمَا جَعَلْنَا الرُّسُل الَّذِينَ أَرْسَلْنَاهُمْ مِنْ قَبْلك يَا مُحَمَّد إِلَى الْأُمَم الْمَاضِيَة قَبْل أُمَّتك , { جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَام } يَقُول : لَمْ نَجْعَلهُمْ مَلَائِكَة لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَام , وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُمْ أَجْسَادًا مِثْلك يَأْكُلُونَ الطَّعَام . كَمَا : 18474 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله ( { وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَام } يَقُول : مَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا إِلَّا لِيَأْكُلُوا الطَّعَام . )18475 - حُدِّثْت عَنْ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : أَخْبَرَنَا عُبَيْد , قَالَ : (سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَام } يَقُول : لَمْ أَجْعَلهُمْ جَسَدًا لَيْسَ فِيهِمْ أَرْوَاح لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَام , وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا فِيهَا أَرْوَاح يَأْكُلُونَ الطَّعَام . )قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَقَالَ { وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا } فَوَحَّدَ | الْجَسَد | وَجَعَلَهُ مُوَحَّدًا , وَهُوَ مِنْ صِفَة الْجَمَاعَة , وَإِنَّمَا جَازَ ذَلِكَ لِأَنَّ الْجَسَد بِمَعْنَى الْمَصْدَر , كَمَا يُقَال فِي الْكَلَام : وَمَا جَعَلْنَاهُمْ خَلْقًا لَا يَأْكُلُونَ .|وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ|وَقَوْله : { وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ } يَقُول : وَلَا كَانُوا أَرْبَابًا لَا يَمُوتُونَ وَلَا يَفْنَوْنَ , وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا بَشَرًا أَجْسَادًا فَمَاتُوا ; وَذَلِكَ أَنَّهُمْ قَالُوا لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , كَمَا قَدْ أَخْبَرَ اللَّه عَنْهُمْ : { لَنْ نُؤْمِن لَك حَتَّى تَفْجُر لَنَا مِنْ الْأَرْض يَنْبُوعًا } . [17 90 ]إِلَى قَوْله : { أَوْ تَأْتِي بِاَللَّهِ وَالْمَلَائِكَة قَبِيلًا } [17 92 ]قَالَ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَهُمْ : مَا فَعَلْنَا ذَلِكَ بِأَحَدٍ قَبْلكُمْ فَنَفْعَل بِكُمْ , وَإِنَّمَا كُنَّا نُرْسِل إِلَيْهِمْ رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا نُوحِي إِلَيْهِ أَمْرنَا وَنَهْينَا . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 18476 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : ( { وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ } : أَيْ لَا بُدّ لَهُمْ مِنْ الْمَوْت أَنْ يَمُوتُوا .)

إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { ثُمَّ صَدَقْنَاهُمْ الْوَعْد } . </subtitle>يَقُول تَعَالَى ذِكْره : ثُمَّ صَدَقْنَا رُسُلنَا الَّذِينَ كَذَّبَتْهُمْ أُمَمهمْ وَسَأَلَتْهُمْ الْآيَات , فَأَتَيْنَاهُمْ مَا سَأَلُوهُ مِنْ ذَلِكَ ثُمَّ أَقَامُوا عَلَى تَكْذِيبهمْ إِيَّاهَا , وَأَصَرُّوا عَلَى جُحُودهمْ نُبُوَّتهَا بَعْد الَّذِي أَتَتْهُمْ بِهِ مِنْ آيَات رَبّهَا , وَعَدْنَا الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ مِنْ الْهَلَاك عَلَى إِقَامَتهمْ عَلَى الْكُفْر بِرَبِّهِمْ بَعْد مَجِيء الْآيَة الَّتِي سَأَلُوا . وَذَلِكَ كَقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { فَمَنْ يَكْفُر بَعْد مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبهُ أَحَدًا مِنْ الْعَالَمِينَ } [5 115 ]وَكَقَوْلِهِ : { وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذكُمْ عَذَاب قَرِيب } [11 64 ]وَنَحْو ذَلِكَ مِنْ الْمَوَاعِيد الَّتِي وَعَدَ الْأُمَم مَعَ مَجِيء الْآيَات .|فَأَنْجَيْنَاهُمْ وَمَنْ نَشَاءُ|وَقَوْله : { فَأَنْجَيْنَاهُمْ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : فَأَنْجَيْنَا الرُّسُل عِنْد إِصْرَار أُمَمهَا عَلَى تَكْذِيبهَا بَعْد الْآيَات , { وَمَنْ نَشَاء } وَهُمْ أَتْبَاعهَا الَّذِينَ صَدَّقُوهَا وَآمَنُوا بِهَا .|وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ|وَقَوْله : { وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَأَهْلَكْنَا الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسهمْ بِكُفْرِهِمْ بِرَبِّهِمْ , كَمَا : 18477 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : ( { وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ } وَالْمُسْرِفُونَ : هُمْ الْمُشْرِكُونَ .)

وَالَّذِينَ هُمْ بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْركُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ } . </subtitle>اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي مَعْنَى ذَلِكَ , فَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَاهُ , لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْركُمْ , فِيهِ حَدِيثكُمْ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 18478 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : ( { فِيهِ ذِكْركُمْ } قَالَ : حَدِيثكُمْ . )18479 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد : ( { لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْركُمْ } قَالَ : حَدِيثكُمْ : { أَفَلَا تَعْقِلُونَ } قَالَ : فِي | قَدْ أَفْلَحَ | { بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرهمْ مُعْرِضُونَ } . )[23 71 ]18480 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا سُفْيَان : (نَزَلَ الْقُرْآن بِمَكَارِمِ الْأَخْلَاق , أَلَمْ تَسْمَعهُ يَقُول : { لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْركُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ } ؟ )وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ عَنَى بِالذِّكْرِ فِي هَذَا الْمَوْضِع : الشَّرَف , وَقَالُوا : مَعْنَى الْكَلَام : لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ شَرَفكُمْ . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَهَذَا الْقَوْل الثَّانِي أَشْبَه بِمَعْنَى الْكَلِمَة , وَهُوَ نَحْو مِمَّا قَالَ سُفْيَان الَّذِي حَكَيْنَا عَنْهُ , وَذَلِكَ أَنَّهُ شَرَف لِمَنْ اِتَّبَعَهُ وَعَمِلَ بِمَا فِيهِ .

وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَة كَانَتْ ظَالِمَة } </subtitle>يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَكَثِيرًا قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَة . وَالْقَصْم : أَصْله الْعُسْر , يُقَال مِنْهُ : قَصَمْت ظَهْر فُلَان إِذَا كَسَرْته , وَانْقَصَمَتْ سِنّه : إِذَا اِنْكَسَرَتْ . وَهُوَ هَاهُنَا مَعْنِيّ بِهِ | أَهْلَكْنَا | , وَكَذَلِكَ تَأَوَّلَهُ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 18481 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : ( { وَكَمْ قَصَمْنَا } قَالَ : أَهْلَكْنَا . )* - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : ( { وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَة } قَالَ : أَهْلَكْنَاهَا . )قَالَ اِبْن جُرَيْج : قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَة , قَالَ : بِالْيَمَنِ , قَصَمْنَا , بِالسَّيْفِ أُهْلِكُوا . 18482 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد فِي قَوْل اللَّه ( { قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَة } قَالَ : قَصَمَهَا أَهْلهَا . )وَقَوْله : { مِنْ قَرْيَة كَانَتْ ظَالِمَة } أَجْرَى الْكَلَام عَلَى الْقَرْيَة , وَالْمُرَاد بِهَا أَهْلهَا لِمَعْرِفَةِ السَّامِعِينَ بِمَعْنَاهُ . وَكَأَنَّ ظُلْمهَا كُفْرهَا بِاَللَّهِ وَتَكْذِيبهَا رُسُله .|وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ|وَقَوْله : { وَأَنْشَأْنَا بَعْدهَا قَوْمًا آخَرِينَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَأَحْدَثنَا بَعْد مَا أَهْلَكْنَا هَؤُلَاءِ الظَّلَمَة مِنْ أَهْل هَذِهِ الْقَرْيَة الَّتِي قَصَمْنَاهَا بِظُلْمِهَا قَوْمًا آخَرِينَ سِوَاهُمْ .

وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ

وَقَوْله : { فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسنَا } يَقُول : فَلَمَّا عَايَنُوا عَذَابنَا قَدْ حَلَّ بِهِمْ وَرَأَوْهُ قَدْ وَجَدُوا مَسّه , يُقَال مِنْهُ : قَدْ أَحْسَسْت مِنْ فُلَان ضَعْفًا , وَأَحَسْتُهُ مِنْهُ .|إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ|يَقُول : إِذَا هُمْ مِمَّا أَحَسُّوا بَأْسنَا النَّازِل بِهِمْ يَهْرُبُونَ سِرَاعًا عَجْلَى يَعْدُونَ مُنْهَزِمِينَ , يُقَال مِنْهُ : رَكَضَ فُلَان فَرَسه : إِذَا كَدَّهُ بِسِيَاقَتِهِ .

أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنكُمْ } . </subtitle>يَقُول تَعَالَى ذِكْره : لَا تَهْرُبُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ : يَقُول : إِلَى مَا أُنْعِمْتُمْ فِيهِ مِنْ عِيشَتكُمْ وَمَسَاكِنكُمْ ; كَمَا : 18483 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس قَوْله : ( { لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ } يَعْنِي مَنْ نَزَلَ بِهِ الْعَذَاب فِي الدُّنْيَا مِمَّنْ كَانَ يَعْصِي اللَّه مِنْ الْأُمَم . )18484 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن قَالَ : ثنا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : ( { لَا تَرْكُضُوا } : لَا تَفِرُّوا . )* - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 18485 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : ( { وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ } يَقُول : اِرْجِعُوا إِلَى دُنْيَاكُمْ الَّتِي أُتْرِفْتُمْ فِيهَا . )18486 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن ثَوْر عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : ( { وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ } قَالَ : إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ مِنْ دُنْيَاكُمْ .)|لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ|وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي مَعْنَى قَوْله : { لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ } فَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَاهُ : لَعَلَّكُمْ تَفْقَهُونَ وَتَفْهَمُونَ بِالْمَسْأَلَةِ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 18487 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْله : ( { لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ } قَالَ : تَفْقَهُونَ . )* - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد : ( { لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ } قَالَ : تَفْقَهُونَ . )وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَاهُ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ مِنْ دُنْيَاكُمْ شَيْئًا ; عَلَى وَجْه السُّخْرِيَة وَالِاسْتِهْزَاء . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 18488 - حَدَّثَنِي بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : ( { لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ } اِسْتِهْزَاء بِهِمْ . )* - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : ( { لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ } مِنْ دُنْيَاكُمْ شَيْئًا , اِسْتِهْزَاء بِهِمْ .)

وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قَالُوا يَا وَيْلنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ } </subtitle>يَقُول تَعَالَى ذِكْره : قَالَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَحَلَّ اللَّه بِهِمْ بَأْسه . بِظُلْمِهِمْ لَمَّا نَزَلَ بِهِمْ بَأْس اللَّه : يَا وَيْلنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ بِكُفْرِنَا بِرَبِّنَا !

بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ

يَقُول : فَلَمْ تَزَلْ دَعْوَاهُمْ , حِين أَتَاهُمْ بَأْس اللَّه , بِظُلْمِهِمْ أَنْفُسهمْ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 18489 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : ( { فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ } . . . الْآيَة . فَلَمَّا رَأَوْا الْعَذَاب وَعَايَنُوهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ هِجِّيرَى إِلَّا قَوْلهمْ : { يَا وَيْلنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ } حَتَّى دَمَّرَ اللَّه عَلَيْهِمْ وَأَهْلَكَهُمْ . )* - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : ( { قَالُوا يَا وَيْلنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ } يَقُول : حَتَّى هَلَكُوا .)|حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا|حَتَّى قَتَلَهُمْ اللَّه , فَحَصَدَهُمْ بِالسَّيْفِ كَمَا يُحْصَد الزَّرْع وَيُسْتَأْصَل قِطَعًا بِالْمَنَاجِلِ .|خَامِدِينَ|وَقَوْله : { خَامِدِينَ } يَقُول : هَالِكِينَ قَدْ اِنْطَفَأَتْ شَرَارَتهمْ , وَسَكَنَتْ حَرَكَتهمْ , فَصَارُوا هُمُودًا كَمَا تَخْمُد النَّار . كَمَا : 18490 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , (قَالَ اِبْن عَبَّاس : { حَصِيدًا } الْحَصَاد . { خَامِدِينَ } خُمُود النَّار إِذَا طَفِئَتْ . )18491 - حَدَّثَنَا سَعِيد بْن الرَّبِيع , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : (إِنَّهُمْ كَانُوا أَهْل حُصُون , وَإِنَّ اللَّه بَعَثَ عَلَيْهِمْ بُخْتَنَصَّر , فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ جَيْشًا فَقَتَلَهُمْ بِالسَّيْفِ , وَقَتَلُوا نَبِيًّا لَهُمْ فَحُصِدُوا بِالسَّيْفِ ; وَذَلِكَ قَوْله { فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ } بِالسَّيْفِ .)

حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالْأَرْض وَمَا بَيْنهمَا لَاعِبِينَ } . </subtitle>يَقُول تَعَالَى ذِكْره : { وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالْأَرْض وَمَا بَيْنهمَا } إِلَّا حُجَّة عَلَيْكُمْ أَيّهَا النَّاس , وَلِتَعْتَبِرُوا بِذَلِكَ كُلّه , فَتَعْلَمُوا أَنَّ الَّذِي دَبَّرَهُ وَخَلَقَهُ لَا يُشْبِههُ شَيْء , وَأَنَّهُ لَا تَكُون الْأُلُوهَة إِلَّا لَهُ , وَلَا تَصْلُح الْعِبَادَة لِشَيْءٍ غَيْره , وَلَمْ يَخْلُق ذَلِكَ عَبَثًا وَلَعِبًا . كَمَا : 18492 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : ( { وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالْأَرْض وَمَا بَيْنهمَا لَاعِبِينَ } يَقُول : مَا خَلَقْنَاهُمَا عَبَثًا وَلَا بَاطِلًا .)

لَا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لَا تُنْصَرُونَ

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذ لَهْوًا لَاِتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ } </subtitle>يَقُول تَعَالَى ذِكْره : لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذ زَوْجَة وَوَلَدًا لَاِتَّخَذْنَا ذَلِكَ مِنْ عِنْدنَا , وَلَكِنَّا لَا نَفْعَل ذَلِكَ , وَلَا يَصْلُح لَنَا فِعْله وَلَا يَنْبَغِي ; لِأَنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُون لِلَّهِ وَلَد وَلَا صَاحِبَة . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 18493 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سُلَيْمَان بْن عُبَيْد اللَّه الغيداني , قَالَ : ثنا أَبُو قُتَيْبَة , قَالَ : ثنا سَلَّام بْن مِسْكِين , قَالَ : ثنا عُقْبَة بْن أَبِي حَمْزَة , قَالَ : (شَهِدْت الْحَسَن بِمَكَّة , قَالَ : وَجَاءَهُ طَاوُس وَعَطَاء وَمُجَاهِد , فَسَأَلُوهُ عَنْ قَوْل اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى : { لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذ لَهْوًا لَاِتَّخَذْنَا } قَالَ الْحَسَن : اللَّهْو : الْمَرْأَة . )18494 - حَدَّثَنِي سَعِيد بْن عَمْرو السَّكُونِيّ , قَالَ : ثنا بَقِيَّة بْن الْوَلِيد , عَنْ عَلِيّ بْن هَارُون , عَنْ مُحَمَّد , عَنْ لَيْث , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْله : ( { لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذ لَهْوًا } قَالَ : زَوْجَة . )18495 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : ( { لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذ لَهْوًا } . . . الْآيَة , أَيْ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَكُون وَلَا يَنْبَغِي . وَاللَّهْو بِلُغَةِ أَهْل الْيَمَن : الْمَرْأَة . )* - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : ( { لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذ لَهْوًا } قَالَ : اللَّهْو فِي بَعْض لُغَة أَهْل الْيَمَن : الْمَرْأَة . { لَاِتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا } . )وَقَوْله : { إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ } . 18496 - حَدَّثَنَا اِبْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا اِبْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : ( { إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ } يَقُول : مَا كُنَّا فَاعِلِينَ . )18497 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَالَ : (قَالُوا مَرْيَم صَاحِبَته , وَعِيسَى وَلَده , فَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : { لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذ لَهْوًا } نِسَاء وَوَلَدًا , { لَاِتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ } قَالَ : مِنْ عِنْدنَا , وَلَا خَلَقْنَا جَنَّة وَلَا نَارًا وَلَا مَوْتًا وَلَا بَعْثًا وَلَا حِسَابًا . )18498 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْله : ( { لَاِتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا } مِنْ عِنْدنَا , وَمَا خَلَقْنَا جَنَّة وَلَا نَارًا وَلَا مَوْتًا وَلَا بَعْثًا .)

قَدْ كَانَتْ آَيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { بَلْ نَقْذِف بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِل فَيَدْمَغهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِق } </subtitle>يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَلَكِنْ نُنَزِّل الْحَقّ مِنْ عِنْدنَا , وَهُوَ كِتَاب اللَّه وَتَنْزِيله عَلَى الْكُفْر بِهِ وَأَهْله , { فَيَدْمَغهُ } يَقُول : فَيُهْلِكهُ كَمَا يَدْمَغ الرَّجُل الرَّجُل بِأَنْ يَشُجّهُ عَلَى رَأْسه شَجَّة تَبْلُغ الدِّمَاغ , وَإِذَا بَلَغَتْ الشَّجَّة ذَلِكَ مِنْ الْمَشْجُوج لَمْ يَكُنْ لَهُ بَعْدهَا حَيَاة . وَقَوْله { فَإِذَا هُوَ زَاهِق } يَقُول : فَإِذَا هُوَ هَالِك مُضْمَحِلّ ; كَمَا : 18499 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا اِبْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : ( { فَإِذَا هُوَ زَاهِق } قَالَ : هَالِك . )* - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : ( { فَإِذَا هُوَ زَاهِق } قَالَ : ذَاهِب . )وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 18500 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : ( { بَلْ نَقْذِف بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِل فَيَدْمَغهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِق } وَالْحَقّ كِتَاب اللَّه الْقُرْآن , وَالْبَاطِل : إِبْلِيس , { فَيَدْمَغهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِق } أَيْ ذَاهِب .)|وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ|وَقَوْله : { وَلَكُمْ الْوَيْل مِمَّا تَصِفُونَ } يَقُول : وَلَكُمْ الْوَيْل مِنْ وَصْفكُمْ رَبّكُمْ بِغَيْرِ صِفَته , وَقِيلكُمْ إِنَّهُ اِتَّخَذَ زَوْجَة وَوَلَدًا , وَفِرْيَتكُمْ عَلَيْهِ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل , إِلَّا أَنَّ بَعْضهمْ قَالَ : مَعْنَى تَصِفُونَ تَكْذِبُونَ . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : تُشْرِكُونَ . وَذَلِكَ وَإِنْ اِخْتَلَفَتْ بِهِ الْأَلْفَاظ فَمُتَّفِقَة مَعَانِيه ; لِأَنَّ مَنْ وَصَفَ اللَّه بِأَنَّ لَهُ صَاحِبَة فَقَدْ كَذَبَ فِي وَصْفه إِيَّاهُ بِذَلِكَ , وَأَشْرَكَ بِهِ , وَوَصَفَهُ بِغَيْرِ صِفَته . غَيْر أَنَّ أَوْلَى الْعِبَارَات أَنْ يُعَبَّر بِهَا عَنْ مَعَانِي الْقُرْآن أَقْرَبهَا إِلَى فَهْم سَامِعِيهِ . ذِكْر مَنْ قَالَ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ : 18501 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : ( { وَلَكُمْ الْوَيْل مِمَّا تَصِفُونَ } أَيْ تَكْذِبُونَ . )18502 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج : ( { وَلَكُمْ الْوَيْل مِمَّا تَصِفُونَ } قَالَ : تُشْرِكُونَ وَقَوْله { عَمَّا يَصِفُونَ } [6 100 ]قَالَ : يُشْرِكُونَ قَالَ : وَقَالَ مُجَاهِد : { سَيَجْزِيهِمْ وَصْفهمْ } [6 139 ]قَالَ : قَوْلهمْ الْكَذِب فِي ذَلِكَ .)

مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَمَنْ عِنْده لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَته وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ } . </subtitle>يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَكَيْف يَجُوز أَنْ يَتَّخِذ اللَّه لَهْوًا , وَلَهُ مُلْك جَمِيع مَنْ فِي السَّمَاوَات وَالْأَرْض , وَاَلَّذِينَ عِنْده مِنْ خَلْقه لَا يَسْتَنْكِفُونَ عَنْ عِبَادَتهمْ إِيَّاهُ وَلَا يُعْيَوْنَ مِنْ طُول خِدْمَتهمْ لَهُ , وَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّهُ لَا يَسْتَعْبِد وَالِد وَلَده وَلَا صَاحِبَته , وَكُلّ مَنْ فِي السَّمَاوَات وَالْأَرْض عَبِيده , فَأَنَّى يَكُون لَهُ صَاحِبَة وَوَلَد ! يَقُول : أَوَلَا تَتَفَكَّرُونَ فِيمَا تَفْتَرُونَ مِنْ الْكَذِب عَلَى رَبّكُمْ ؟ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 18503 - حَدَّثَنَا عَلِيّ , قَالَ : ثَنَا عَبْد اللَّه , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : ( { وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ } لَا يَرْجِعُونَ . )18504 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : ( { وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ } لَا يُحْسَرُونَ . )* - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 18505 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : ( { وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ } قَالَ : لَا يَعْيَوْنَ . )* - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : ( { وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ } قَالَ : لَا يَعْيَوْنَ . )* - حَدَّثَنَا اِبْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة مِثْله . 18506 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : ( { لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَته وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ } قَالَ : لَا يَسْتَحْسِرُونَ , لَا يَمَلُّونَ ذَلِكَ الِاسْتِحْسَار , قَالَ : وَلَا يَفْتَرُونَ , وَلَا يَسْأَمُونَ . )هَذَا كُلّه مَعْنَاهُ وَاحِد وَالْكَلَام مُخْتَلِف , وَهُوَ مِنْ قَوْلهمْ : بَعِير حَسِير : إِذَا أَعْيَا وَقَامَ ; وَمِنْهُ قَوْل عَلْقَمَة بْن عَبْدَة : <br>بِهَا جِيَف الْحَسْرَى فَأَمَّا عِظَامهَا .......... فَبِيض , وَأَمَّا جِلْدهَا فَصَلِيب<br>

أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آَبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { يُسَبِّحُونَ اللَّيْل وَالنَّهَار لَا يَفْتَرُونَ } </subtitle>يَقُول تَعَالَى ذِكْره : يُسَبِّح هَؤُلَاءِ الَّذِينَ عِنْده مِنْ مَلَائِكَة رَبّهمْ اللَّيْل وَالنَّهَار لَا يَفْتَرُونَ مِنْ تَسْبِيحهمْ إِيَّاهُ . كَمَا : 18507 - حَدَّثَنِي يَعْقُوب , قَالَ : ثنا اِبْن عُلَيَّة , قَالَ : أَخْبَرَنَا حُمَيْد , عَنْ إِسْحَاق بْن عَبْد اللَّه بْن الْحَارِث , عَنْ أَبِيهِ (أَنَّ اِبْن عَبَّاس سَأَلَ كَعْبًا عَنْ قَوْله : { يُسَبِّحُونَ اللَّيْل وَالنَّهَار لَا يَفْتَرُونَ } وَ | يُسَبِّحُونَ اللَّيْل وَالنَّهَار لَا يَسْأَمُونَ | فَقَالَ : هَلْ يَئُودك طَرْفك ؟ هَلْ يَئُودك نَفَسك ؟ قَالَ : لَا قَالَ : فَإِنَّهُمْ أُلْهِمُوا التَّسْبِيح كَمَا أُلْهِمْتُمْ الطَّرْف وَالنَّفَس . )18508 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني أَبُو مُعَاوِيَة , عَنْ أَبِي إِسْحَاق الشَّيْبَانِيّ , عَنْ حَسَّان بْن مُخَارِق , عَنْ عَبْد اللَّه بْن الْحَارِث , قَالَ : (قُلْت : لِكَعْبِ الْأَحْبَار : { يُسَبِّحُونَ اللَّيْل وَالنَّهَار لَا يَفْتَرُونَ } أَمَا يَشْغَلهُمْ رِسَالَة أَوْ عَمَل ؟ قَالَ : يَا اِبْن أَخِي إِنَّهُمْ جُعِلَ لَهُمْ التَّسْبِيح كَمَا جُعِلَ لَكُمْ النَّفَس , أَلَسْت تَأْكُل وَتَشْرَب وَتَقُوم وَتَقْعُد وَتَجِيء وَتَذْهَب وَأَنْتَ تَنَفَّس ؟ قُلْت : بَلَى قَالَ : فَكَذَلِكَ جُعِلَ لَهُمْ التَّسْبِيح . )18509 - حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن وَأَبُو دَاوُد , قَالَا : ثنا عِمْرَان الْقَطَّان , عَنْ قَتَادَة , عَنْ سَالِم بْن أَبِي الْجَعْد , عَنْ مَعْدَان بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ عَمْرو الْبِكَالِيّ , عَنْ عَبْد اللَّه بْن عُمَر , قَالَ : (إِنَّ اللَّه خَلَقَ عَشَرَة أَجْزَاء , فَجَعَلَ تِسْعَة أَجْزَاء الْمَلَائِكَة وَجُزْءًا سَائِر الْخَلْق . وَجَزَّأَ الْمَلَائِكَة عَشَرَة أَجْزَاء , فَجَعَلَ تِسْعَة أَجْزَاء يُسَبِّحُونَ اللَّيْل وَالنَّهَار لَا يَفْتَرُونَ وَجُزْءًا لِرِسَالَتِهِ . وَجَزَّأَ الْخَلْق عَشَرَة أَجْزَاء , فَجَعَلَ تِسْعَة أَجْزَاء الْجِنّ وَجُزْءًا سَائِر بَنِي آدَم . وَجَزَّأَ بَنِي آدَم عَشَرَة أَجْزَاء , فَحَمَلَ يَأْجُوج وَمَأْجُوج تِسْعَة أَجْزَاء وَجُزْءًا سَائِر بَنِي آدَم . )18510 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : ( { يُسَبِّحُونَ اللَّيْل وَالنَّهَار لَا يَفْتَرُونَ } يَقُول : الْمَلَائِكَة الَّذِينَ هُمْ عِنْد الرَّحْمَن لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَته وَلَا يَسْأَمُونَ فِيهَا . وَذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَمَا هُوَ جَالِس مَعَ أَصْحَابه , إِذْ قَالَ : | تَسْمَعُونَ مَا أَسْمَع ؟ | قَالُوا : مَا نَسْمَع مِنْ شَيْء يَا نَبِيّ اللَّه قَالَ : | إِنِّي لَأَسْمَع أَطِيط السَّمَاء , وَمَا تُلَام أَنْ تَئِطّ وَلَيْسَ فِيهَا مَوْضِع رَاحَة إِلَّا وَفِيهِ مَلَك سَاجِد أَوْ قَائِم | .)

أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ

وَقَوْله : { أَمْ اِتَّخَذُوا آلِهَة مِنْ الْأَرْض هُمْ يُنْشِرُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : اِتَّخَذَ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ آلِهَة مِنْ الْأَرْض هُمْ يُنْشِرُونَ يَعْنِي بِقَوْلِهِ | هُمْ | : الْآلِهَة . يَقُول : هَذِهِ الْآلِهَة الَّتِي اِتَّخَذُوهَا تَنْشُر الْأَمْوَات يَقُول : يُحْيُونَ الْأَمْوَات , وَيُنْشِرُونَ الْخَلْق , فَإِنَّ اللَّه هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيت . كَمَا : 18511 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثني عِيسَى | ح | ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثَنَا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : ( { يُنْشِرُونَ } يَقُول : يُحْيُونَ . )18512 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : ( { أَمْ اِتَّخَذُوا آلِهَة مِنْ الْأَرْض هُمْ يُنْشِرُونَ } يَقُول : أَفِي آلِهَتهمْ أَحَد يُحْيِي ذَلِكَ يُنْشِرُونَ ؟ وَقَرَأَ قَوْل اللَّه : { قُلْ مَنْ يَرْزُقكُمْ مِنْ السَّمَاء وَالْأَرْض } [10 31 ]إِلَى قَوْله : { مَا لَكُمْ كَيْف تَحْكُمُونَ } . )[10 35]

أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَة إِلَّا اللَّه لَفَسَدَتَا } . </subtitle>يَقُول تَعَالَى ذِكْره : لَوْ كَانَ فِي السَّمَاوَات وَالْأَرْض آلِهَة تَصْلُح لَهُمْ الْعِبَادَة سِوَى اللَّه الَّذِي هُوَ خَالِق الْأَشْيَاء , وَلَهُ الْعِبَادَة وَالْأُلُوهَة الَّتِي لَا تَصْلُح إِلَّا لَهُ ; { لَفَسَدَتَا } يَقُول : لَفَسَدَ أَهْل السَّمَاوَات وَالْأَرْض .|فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ|يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ : فَتَنْزِيه لِلَّهِ وَتَبْرِئَة لَهُ مِمَّا يَفْتَرِي بِهِ عَلَيْهِ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ بِهِ مِنْ الْكَذِب . كَمَا : 18513 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : ( { لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَة إِلَّا اللَّه لَفَسَدَتَا فَسُبْحَان اللَّه رَبّ الْعَرْش عَمَّا يَصِفُونَ } يُسَبِّح نَفْسه إِذْ قِيلَ عَلَيْهِ الْبُهْتَان .)

وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { لَا يُسْأَل عَمَّا يَفْعَل وَهُمْ يُسْأَلُونَ } </subtitle>يَقُول تَعَالَى ذِكْره : لَا سَائِل يَسْأَل رَبّ الْعَرْش عَنْ الَّذِي يَفْعَل بِخَلْقِهِ مِنْ تَصْرِيفهمْ فِيمَا شَاءَ مِنْ حَيَاة وَمَوْت وَإِعْزَاز وَإِذْلَال وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ حُكْمه فِيهِمْ ; لِأَنَّهُمْ خَلْقه وَعَبِيده , وَجَمِيعهمْ فِي مُلْكه وَسُلْطَانه , وَالْحُكْم حُكْمه , وَالْقَضَاء قَضَاؤُهُ , لَا شَيْء فَوْقه يَسْأَلهُ عَمَّا يَفْعَل فَيَقُول لَهُ لِمَ فَعَلْت ؟ وَلِمَ لَمْ تَفْعَل ؟ { وَهُمْ يُسْأَلُونَ } يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَجَمِيع مَنْ فِي السَّمَاوَات وَالْأَرْض مِنْ عِبَاده مَسْئُولُونَ عَنْ أَفْعَالهمْ , وَمُحَاسَبُونَ عَلَى أَعْمَالهمْ , وَهُوَ الَّذِي يَسْأَلهُمْ عَنْ ذَلِكَ وَيُحَاسِبهُمْ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ فَوْقهمْ وَمَالِكهمْ , وَهُمْ فِي سُلْطَانه . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 18514 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : ( { لَا يُسْأَل عَمَّا يَفْعَل وَهُمْ يُسْأَلُونَ } يَقُول : لَا يُسْأَل عَمَّا يَفْعَل بِعِبَادِهِ , وَهُمْ يُسْأَلُونَ عَنْ أَعْمَالهمْ . )18515 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَالَ : قَوْله : ( { لَا يُسْأَل عَمَّا يَفْعَل وَهُمْ يُسْأَلُونَ } قَالَ : لَا يُسْأَل الْخَالِق عَنْ قَضَائِهِ فِي خَلْقه , وَهُوَ يَسْأَل الْخَلْق عَنْ عَمَلهمْ . )18516 - حُدِّثْت عَنْ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : أَخْبَرَنَا عُبَيْد , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : ( { لَا يُسْأَل عَمَّا يَفْعَل وَهُمْ يُسْأَلُونَ } قَالَ : لَا يُسْأَل الْخَالِق عَمَّا يَقْضِي فِي خَلْقه , وَالْخَلْق مَسْئُولُونَ عَنْ أَعْمَالهمْ .)

أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { أَمْ اِتَّخَذُوا مِنْ دُونه آلِهَة } . </subtitle>يَقُول تَعَالَى ذِكْره : أَتَّخِذ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ مِنْ دُون اللَّه آلِهَة تَنْفَع وَتَضُرّ وَتَخْلُق وَتُحْيِي وَتُمِيت ؟ .|قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ|قُلْ يَا مُحَمَّد لَهُمْ : هَاتُوا بُرْهَانكُمْ ! يَعْنِي حُجَّتكُمْ يَقُول : هَاتُوا إِنْ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ أَنَّكُمْ مُحِقُّونَ فِي قِيلكُمْ ذَلِكَ حُجَّة وَدَلِيلًا عَلَى صِدْقكُمْ . كَمَا : 18517 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : ( { قُلْ هَاتُوا بُرْهَانكُمْ } يَقُول : هَاتُوا بَيِّنَتكُمْ عَلَى مَا تَقُولُونَ .)|هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي|وَقَوْله : { هَذَا ذِكْر مَنْ مَعِيَ } يَقُول : هَذَا الَّذِي جِئْتُكُمْ بِهِ مِنْ عِنْد اللَّه مِنْ الْقُرْآن وَالتَّنْزِيل , { ذِكْر مَنْ مَعِيَ } يَقُول : خَبَر مَنْ مَعِيَ مِمَّا لَهُمْ مِنْ ثَوَاب اللَّه عَلَى إِيمَانهمْ بِهِ وَطَاعَتهمْ إِيَّاهُ وَمَا عَلَيْهِمْ مِنْ عِقَاب اللَّه عَلَى مَعْصِيَتهمْ إِيَّاهُ وَكُفْرهمْ بِهِ . { وَذِكْر مَنْ قَبْلِي } يَقُول : وَخَبَر مَنْ قَبْلِي مِنْ الْأُمَم الَّتِي سَلَفَتْ قَبْلِي , وَمَا فَعَلَ اللَّه بِهِمْ فِي الدُّنْيَا وَهُوَ فَاعِل بِهِمْ فِي الْآخِرَة . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 18518 - حَدَّثَنِي بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : ( { هَذَا ذِكْر مَنْ مَعِيَ } يَقُول : هَذَا الْقُرْآن فِيهِ ذِكْر الْحَلَال وَالْحَرَام . { وَذِكْر مَنْ قَبْلِي } يَقُول : ذِكْر أَعْمَال الْأُمَم السَّالِفَة وَمَا صَنَعَ اللَّه بِهِمْ إِلَى مَا صَارُوا . )18519 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج . ( { هَذَا ذِكْر مَنْ قَبْلِي } قَالَ : حَدِيث مَنْ مَعِيَ , وَحَدِيث مَنْ قَبْلِي .)|بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ|وَقَوْله : { بَلْ أَكْثَرهمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقّ } يَقُول : بَلْ أَكْثَر هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ لَا يَعْلَمُونَ الصَّوَاب فِيمَا يَقُولُونَ وَلَا فِيمَا يَأْتُونَ وَيَذَرُونَ ,|فَهُمْ مُعْرِضُونَ|فَهُمْ مُعْرِضُونَ عَنْ الْحَقّ جَهْلًا مِنْهُمْ بِهِ وَقِلَّة فَهْم . وَكَانَ قَتَادَة يَقُول فِي ذَلِكَ مَا : 18520 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : ( { بَلْ أَكْثَرهمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ } عَنْ كِتَاب اللَّه .)

وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلك مِنْ رَسُول إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَه إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ } . </subtitle>يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَمَا أَرْسَلْنَا يَا مُحَمَّد مِنْ قَبْلك مِنْ رَسُول إِلَى أُمَّة مِنْ الْأُمَم إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا مَعْبُود فِي السَّمَاوَات وَالْأَرْض تَصْلُح الْعِبَادَة لَهُ سِوَايَ { فَاعْبُدُونِ } يَقُول : فَأَخْلِصُوا الْعِبَادَة , وَأَفْرِدُوا لِي الْأُلُوهَة . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 18521 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : ( { وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلك مِنْ رَسُول إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَه إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ } قَالَ : أُرْسِلَتْ الرُّسُل بِالْإِخْلَاصِ وَالتَّوْحِيد , لَا يُقْبَل مِنْهُمْ - قَالَ أَبُو جَعْفَر : أَظُنّهُ أَنَا قَالَ - عَمَل حَتَّى يَقُولُوهُ وَيُقِرُّوا بِهِ ; وَالشَّرَائِع مُخْتَلِفَة , فِي التَّوْرَاة شَرِيعَة وَفِي الْإِنْجِيل شَرِيعَة وَفِي الْقُرْآن شَرِيعَة حَلَال وَحَرَام . وَهَذَا كُلّه فِي الْإِخْلَاص لِلَّهِ وَالتَّوْحِيد لَهُ .)

وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَقَالُوا اِتَّخَذَ الرَّحْمَن وَلَدًا سُبْحَانه بَلْ عِبَاد مُكْرَمُونَ } </subtitle>يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَقَالَ هَؤُلَاءِ الْكَافِرُونَ بِرَبِّهِمْ : اِتَّخَذَ الرَّحْمَن وَلَدًا مِنْ مَلَائِكَته فَقَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ اِسْتِعْظَامًا مِمَّا قَالُوا وَتَبَرِّيًا مِمَّا وَصَفُوهُ بِهِ سُبْحَانه , يَقُول تَنْزِيهًا لَهُ عَنْ ذَلِكَ : مَا ذَلِكَ مِنْ صِفَته { بَلْ عِبَاد مُكْرَمُونَ } يَقُول : مَا الْمَلَائِكَة كَمَا وَصَفَهُمْ بِهِ هَؤُلَاءِ الْكَافِرُونَ مِنْ بَنِي آدَم , وَلَكِنَّهُمْ عِبَاد مُكْرَمُونَ ; يَقُول : أَكْرَمَهُمْ اللَّه . كَمَا : 18522 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : ( { وَقَالُوا اِتَّخَذَ الرَّحْمَن وَلَدًا سُبْحَانه بَلْ عِبَاد مُكْرَمُونَ } قَالَ : قَالَتْ الْيَهُود : إِنَّ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى صَاهَرَ الْجِنّ , فَكَانَتْ مِنْهُمْ الْمَلَائِكَة . قَالَ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى تَكْذِيبًا لَهُمْ وَرَدًّا عَلَيْهِمْ : { بَلْ عِبَاد مُكْرَمُونَ } وَإِنَّ الْمَلَائِكَة لَيْسَ كَمَا قَالُوا , إِنَّمَا هُمْ عِبَاد أَكْرَمَهُمْ اللَّه بِعِبَادَتِهِ . )* - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة . وَحَدَّثَنَا الْحَسَن , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : ( { وَقَالُوا اِتَّخَذَ الرَّحْمَن وَلَدًا } قَالَتْ الْيَهُود وَطَوَائِف مِنْ النَّاس : إِنَّ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى خَاتَنَ إِلَى الْجِنّ وَالْمَلَائِكَة مِنْ الْجِنّ ! قَالَ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى : { سُبْحَانه بَلْ عِبَاد مُكْرَمُونَ } . )

وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ

وَقَوْله : { لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ } يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ : لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا بِمَا يَأْمُرهُمْ بِهِ رَبّهمْ , وَلَا يَعْمَلُونَ عَمَلًا إِلَّا بِهِ . 18523 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَالَ : (قَالَ اللَّه : { لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ } يُثْنِي عَلَيْهِمْ { وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ } . )

وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { يَعْلَم مَا بَيْن أَيْدِيهمْ وَمَا خَلْفهمْ } </subtitle>يَقُول تَعَالَى ذِكْره : يَعْلَم مَا بَيْن أَيْدِي مَلَائِكَته مَا لَمْ يُبَلِّغُوهُ مَا هُوَ وَمَا هُمْ فِيهِ قَائِلُونَ وَعَامِلُونَ , { وَمَا خَلْفهمْ } يَقُول : وَمَا مَضَى مِنْ قَبْل الْيَوْم مِمَّا خَلَّفُوهُ وَرَاءَهُمْ مِنْ الْأَزْمَان وَالدُّهُور مَا عَمِلُوا فِيهِ , قَالُوا : ذَلِكَ كُلّه مُحْصًى لَهُمْ وَعَلَيْهِمْ , لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ شَيْء . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 18524 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : ( { يَعْلَم مَا بَيْن أَيْدِيهمْ وَمَا خَلْفهمْ } يَقُول : يَعْلَم مَا قَدَّمُوا وَمَا أَضَاعُوا مِنْ أَعْمَالهمْ .)|وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى| { وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنْ اِرْتَضَى } يَقُول : وَلَا تَشْفَع الْمَلَائِكَة إِلَّا لِمَنْ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 18525 - حَدَّثَنِي عَلِيّ , قَالَ : ثنا أَبُو صَالِح , قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : ( { وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنْ اِرْتَضَى } يَقُول : الَّذِينَ اِرْتَضَى لَهُمْ شَهَادَة أَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه . )18526 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله ( { إِلَّا لِمَنْ اِرْتَضَى } قَالَ : لِمَنْ رَضِيَ عَنْهُ . )* - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 18527 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : ( { وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنْ اِرْتَضَى } يَوْم الْقِيَامَة , { وَهُمْ مِنْ خَشْيَته مُشْفِقُونَ } . )* - حَدَّثَنَا الْحَسَن , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة يَقُول : (وَلَا يَشْفَعُونَ يَوْم الْقِيَامَة . )* حَدَّثَنَا اِبْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا اِبْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , مِثْله .|وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ|وَقَوْله : { وَهُمْ مِنْ خَشْيَته مُشْفِقُونَ } يَقُول : وَهُمْ مِنْ خَوْف اللَّه وَحَذَارِ عِقَابه أَنْ يَحِلّ بِهِمْ مُشْفِقُونَ , يَقُول : حَذِرُونَ أَنْ يَعْصُوهُ وَيُخَالِفُوا أَمْره وَنَهْيه .

حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَه مِنْ دُونه فَذَلِكَ نَجْزِيه جَهَنَّم } . </subtitle>يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَمَنْ يَقُلْ مِنْ الْمَلَائِكَة إِنَى إِلَه مِنْ دُون اللَّه , { فَذَلِكَ } الَّذِي يَقُول ذَلِكَ مِنْهُمْ { نَجْزِيه جَهَنَّم } يَقُول : نُثِيبهُ عَلَى قِيله ذَلِكَ جَهَنَّم . وَقِيلَ : عَنَى بِهَذِهِ الْآيَة إِبْلِيس . وَقَالَ قَائِلُو ذَلِكَ : إِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ , لِأَنَّهُ لَا أَحَد مِنْ الْمَلَائِكَة قَالَ إِنِّي إِلَه مِنْ دُون اللَّه سِوَاهُ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 18528 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنِي حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج : ( { وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ } قَالَ : قَالَ اِبْن جُرَيْج : مَنْ يَقُلْ مِنْ الْمَلَائِكَة إِنِّي إِلَه مِنْ دُونه ; فَلَمْ يَقُلْهُ إِلَّا إِبْلِيس دَعَا إِلَى عِبَادَة نَفْسه , فَنَزَلَتْ هَذِهِ فِي إِبْلِيس . )18529 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : ( { وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَه مِنْ دُونه فَذَلِكَ نَجْزِيه جَهَنَّم كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ } وَإِنَّمَا كَانَتْ هَذِهِ الْآيَة خَاصَّة لِعَدُوِّ اللَّه إِبْلِيس لَمَّا قَالَ مَا قَالَ لَعَنَهُ اللَّه وَجَعَلَهُ رَجِيمًا , فَقَالَ : { فَذَلِكَ نَجْزِيه جَهَنَّم كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ } . )18530 - حَدَّثَنَا اِبْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا اِبْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : ( { وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَه مِنْ دُونه فَذَلِكَ نَجْزِيه جَهَنَّم } قَالَ : هِيَ خَاصَّة لِإِبْلِيس .)|كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ|يَقُول : كَمَا نَجْزِي مَنْ قَالَ مِنْ الْمَلَائِكَة إِنِّي إِلَه مِنْ دُون اللَّه جَهَنَّم , كَذَلِكَ نَجْزِي ذَلِكَ كُلّ مَنْ ظَلَمَ نَفْسه فَكَفَرَ بِاَللَّهِ وَعَبَدَ غَيْره .

وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَات وَالْأَرْض كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا } </subtitle>يَقُول تَعَالَى ذِكْره : أَوَلَمْ يَنْظُر هَؤُلَاءِ الَّذِي كَفَرُوا بِاَللَّهِ بِأَبْصَارِ قُلُوبهمْ , فَيَرَوْا بِهَا , وَيَعْلَمُوا أَنَّ السَّمَاوَات وَالْأَرْض كَانَتَا رَتْقًا : يَقُول : لَيْسَ فِيهِمَا ثُقْب , بَلْ كَانَتَا مُلْتَصِقَتَيْنِ ; يُقَال مِنْهُ : رَتَقَ فُلَان الْفَتْق : إِذْ شَدَّهُ , فَهُوَ يَرْتُقهُ رَتْقًا وَرُتُوقًا ; وَمِنْ ذَلِكَ قِيلَ لِلْمَرْأَةِ الَّتِي فَرْجهَا مُلْتَحِم : رَتْقَاء . وَوَحَّدَ الرَّتْق , وَهُوَ مِنْ صِفَة السَّمَاء وَالْأَرْض , وَقَدْ جَاءَ بَعْد قَوْله : { كَانَتَا } لِأَنَّهُ مَصْدَر , مِثْل قَوْل الزُّور وَالصَّوْم وَالْفِطْر . وَقَوْله : { فَفَتَقْنَاهُمَا } يَقُول : فَصَدَّعْنَاهُمَا وَفَرَّجْنَاهُمَا . ثُمَّ اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي مَعْنَى وَصْف اللَّه السَّمَاوَات وَالْأَرْض بِالرَّتْقِ , وَكَيْف كَانَ الرَّتْق , وَبِأَيِّ مَعْنًى فُتِقَ ؟ فَقَالَ بَعْضهمْ : عَنَى بِذَلِكَ أَنَّ السَّمَاوَات وَالْأَرْض كَانَتَا مُلْتَصِقَتَيْنِ فَفَصَلَ اللَّه بَيْنهمَا بِالْهَوَاءِ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 18531 - حَدَّثَنِي عَلِيّ , قَالَ : ثنا أَبُو صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : ( { أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَات وَالْأَرْض كَانَتَا رَتْقًا } يَقُول : مُلْتَصِقَتَيْنِ . )18532 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثَنِي عَمِّي , قَالَ : ثَنِي أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : ( { أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَات وَالْأَرْض كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا } . . . الْآيَة , يَقُول : كَانَتَا مُلْتَصِقَتَيْنِ , فَرَفَعَ السَّمَاء وَوَضَعَ الْأَرْض . )18533 - حُدِّثْت عَنْ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : أَخْبَرَنَا عُبَيْد بْن سُلَيْمَان , قَالَ : (سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { أَنَّ السَّمَاوَات وَالْأَرْض كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا } كَانَ اِبْن عَبَّاس يَقُول : كَانَتَا مُلْتَزِقَتَيْنِ , فَفَتَقَهُمَا اللَّه . )18534 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : ( { أَنَّ السَّمَاوَات وَالْأَرْض كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا } قَالَ : كَانَ الْحَسَن وَقَتَادَة يَقُولَانِ : كَانَتَا جَمِيعًا , فَفَصَلَ اللَّه بَيْنهمَا بِهَذَا الْهَوَاء )وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ السَّمَاوَات كَانَتْ مُرْتَتِقَة طَبَقَة , فَفَتَقَهَا اللَّه فَجَعَلَهَا سَبْع سَمَاوَات وَكَذَلِكَ الْأَرْض كَانَتْ كَذَلِكَ مُرْتَتِقَة , فَفَتَقَهَا فَجَعَلَهَا سَبْع أَرَضِينَ ذِكْر مَنْ قَالَ : ذَلِكَ : 18535 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْل اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى : ( { رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا } مِنْ الْأَرْض سِتّ أَرَضِينَ مَعَهَا فَتِلْكَ سَبْع أَرَضِينَ مَعَهَا , وَمِنْ السَّمَاء سِتّ سَمَاوَات مَعَهَا فَتِلْكَ سَبْع سَمَاوَات مَعَهَا . قَالَ : وَلَمْ تَكُنْ الْأَرْض وَالسَّمَاء مُتَمَاسَّتَيْنِ . )18536 - حَدَّثَنَا اِبْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثَنَا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : ( { رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا } قَالَ : فَتَقَهُنَّ سَبْع سَمَاوَات بَعْضهنَّ فَوْق بَعْض , وَسَبْع أَرَضِينَ بَعْضهنَّ تَحْت بَعْض . )* - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد نَحْو حَدِيث مُحَمَّد بْن عَمْرو , عَنْ أَبِي عَاصِم . 18537 - حَدَّثَنَا عَبْد الْحَمِيد بْن بَيَان , قَالَ : أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن يَزِيد , عَنْ إِسْمَاعِيل , قَالَ : (سَأَلْت أَبَا صَالِح عَنْ قَوْله : { كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا } قَالَ : كَانَتْ الْأَرْض رَتْقًا وَالسَّمَاوَات رَتْقًا , فَفَتَقَ مِنْ السَّمَاء سَبْع سَمَاوَات , وَمِنْ الْأَرْض سَبْع أَرَضِينَ . )18538 - حَدَّثَنَا مُوسَى , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ , قَالَ : (كَانَتْ سَمَاء وَاحِدَة ثُمَّ فَتَقَهَا , فَجَعَلَهَا سَبْع سَمَاوَات فِي يَوْمَيْنِ , فِي الْخَمِيس وَالْجُمُعَة , وَإِنَّمَا سُمِّيَ يَوْم الْجُمُعَة لِأَنَّهُ جَمَعَ فِيهِ خَلْق السَّمَاوَات وَالْأَرْض , فَذَلِكَ حِين يَقُول : { خَلَقَ السَّمَاوَات وَالْأَرْض فِي سِتَّة أَيَّام } [7 54 ]يَقُول : { كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا } . )وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ عَنَى بِذَلِكَ أَنَّ السَّمَاوَات كَانَتْ رَتْقًا لَا تُمْطِر وَالْأَرْض كَذَلِكَ رَتْقًا لَا تُنْبِت , فَفَتَقَ السَّمَاء بِالْمَطَرِ وَالْأَرْض بِالنَّبَاتِ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 18539 - حَدَّثَنَا هَنَّاد , قَالَ : ثنا أَبُو الْأَحْوَص , عَنْ سِمَاك , عَنْ عِكْرِمَة : ( { أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَات وَالْأَرْض كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا } قَالَ : كَانَتَا رَتْقًا لَا يَخْرُج مِنْهُمَا شَيْء , فَفَتَقَ السَّمَاء بِالْمَطَرِ وَفَتَقَ الْأَرْض بِالنَّبَاتِ . قَالَ : وَهُوَ قَوْله : { وَالسَّمَاء ذَات الرَّجْع وَالْأَرْض ذَات الصَّدْع } . )[86 11 : 12 ]18540 - حَدَّثَنِي الْحُسَيْن بْن عَلِيّ الصُّدَائِيّ , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ الْفُضَيْل بْن مَرْزُوق , عَنْ عَطِيَّة , فِي قَوْله : ( { أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَات وَالْأَرْض كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا } قَالَ : كَانَتْ السَّمَاء رَتْقًا لَا تُمْطِر وَالْأَرْض رَتْقًا لَا تُنْبِت , فَفَتَقَ السَّمَاء بِالْمَطَرِ وَفَتَقَ الْأَرْض بِالنَّبَاتِ وَجَعَلَ مِنْ الْمَاء كُلّ شَيْء حَيّ , أَفَلَا يُؤْمِنُونَ ؟ )18541 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد فِي قَوْله : ( { أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَات وَالْأَرْض كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا } قَالَ : كَانَتْ السَّمَاوَات رَتْقًا لَا يَنْزِل مِنْهَا مَطَر , وَكَانَتْ الْأَرْض رَتْقًا لَا يَخْرُج مِنْهَا نَبَات , فَفَتَقَهُمَا اللَّه , فَأَنْزَلَ مَطَر السَّمَاء , وَشَقَّ الْأَرْض فَأَخْرَجَ نَبَاتهَا . وَقَرَأَ : { فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنْ الْمَاء كُلّ شَيْء حَيّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ } . )وَقَالَ آخَرُونَ : إِنَّمَا قِيلَ { فَفَتَقْنَاهُمَا } لِأَنَّ اللَّيْل كَانَ قَبْل النَّهَار , فَفَتَقَ النَّهَار . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 18542 - حَدَّثَنَا الْحَسَن , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيّ , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ عِكْرِمَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَالَ : (خُلِقَ اللَّيْل قَبْل النَّهَار . ثُمَّ قَالَ : { كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا } . )قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَأَوْلَى الْأَقْوَال فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْل مَنْ قَالَ : مَعْنَى ذَلِكَ : أَوَلَمْ يَرَ الَّذِي كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَات وَالْأَرْض كَانَتَا رَتْقًا مِنْ الْمَطَر وَالنَّبَات , فَفَتَقْنَا السَّمَاء بِالْغَيْثِ وَالْأَرْض بِالنَّبَاتِ . وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ أَوْلَى بِالصَّوَابِ فِي ذَلِكَ لِدَلَالَةِ قَوْله : { وَجَعَلْنَا مِنْ الْمَاء كُلّ شَيْء حَيّ } عَلَى ذَلِكَ , وَأَنَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لَمْ يُعَقِّب ذَلِكَ بِوَصْفِ الْمَاء بِهَذِهِ الصِّفَة إِلَّا وَاَلَّذِي تَقَدَّمَهُ مِنْ ذِكْر أَسْبَابه . فَإِنْ قَالَ قَائِل : فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , فَكَيْف قِيلَ : أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَات وَالْأَرْض كَانَتَا رَتْقًا , وَالْغَيْث إِنَّمَا يَنْزِل مِنْ السَّمَاء الدُّنْيَا ؟ قِيلَ : إِنَّ ذَلِكَ مُخْتَلَف فِيهِ , قَدْ قَالَ قَوْم : إِنَّمَا يَنْزِل مِنْ السَّمَاء السَّابِعَة , وَقَالَ آخَرُونَ : مِنْ السَّمَاء الرَّابِعَة , وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ أَيْضًا كَمَا ذَكَرْت مِنْ أَنَّهُ يَنْزِل مِنْ السَّمَاء الدُّنْيَا , لَمْ يَكُنْ فِي قَوْله : { أَنَّ السَّمَاوَات وَالْأَرْض } دَلِيل عَلَى خِلَاف مَا قُلْنَا , لِأَنَّهُ لَا يَمْتَنِع أَنْ يُقَال | السَّمَاوَات | وَالْمُرَاد مِنْهَا وَاحِدَة فَتُجْمَع , لِأَنَّ كُلّ قِطْعَة مِنْهَا سَمَاء , كَمَا يُقَال : ثَوْب أَخْلَاق , وَقَمِيص أَسْمَال . فَإِنْ قَالَ قَائِل : وَكَيْف قِيلَ إِنَّ السَّمَاوَات وَالْأَرْض كَانَتَا , فَالسَّمَاوَات جَمْع , وَحُكْم جَمْع الْإِنَاث أَنْ يُقَال فِي قَلِيلَة كُنَّ , وَفِي كَثِيره كَانَتْ ؟ قِيلَ : إِنَّمَا قِيلَ ذَلِكَ كَذَلِكَ لِأَنَّهُمَا . صِنْفَانِ , فَالسَّمَاوَات نَوْع , وَالْأَرْض آخَر ; وَذَلِكَ نَظِير قَوْل الْأَسْوَد بْن يَعْفَر : <br>إِنَّ الْمَنِيَّة وَالْحُتُوف كِلَاهُمَا .......... تُوفِي الْمَخَارِم يَرْقُبَانِ سَوَادِي <br>فَقَالَ : | كِلَاهُمَا | , وَقَدْ ذَكَرَ الْمَنِيَّة وَالْحُتُوف لِمَا وُصِفَتْ مِنْ أَنَّهُ عَنَى النَّوْعَيْنِ . وَقَدْ أُخْبِرْت عَنْ أَبِي عُبَيْدَة مَعْمَر بْن الْمُثَنَّى , قَالَ : أَنْشَدَنِي غَالِب النُّفَيْلِيّ لِلْقُطَامِيّ : <br>أَلَمْ يَحْزُنك أَنَّ حِبَال قَيْس .......... وَتَغْلِب قَدْ تَبَايَنَتَا اِنْقِطَاعًا <br>فَجَعَلَ حِبَال قَيْس وَهِيَ جَمْع وَحِبَال تَغْلِب وَهِيَ جَمْع اِثْنَيْنِ .|وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ|وَقَوْله : { وَجَعَلْنَا مِنْ الْمَاء كُلّ شَيْء حَيّ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَأَحْيَيْنَا بِالْمَاءِ الَّذِي نُنَزِّلهُ مِنْ السَّمَاء كُلّ شَيْء . كَمَا : 18543 - حَدَّثَنَا اِبْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : ( { وَجَعَلْنَا مِنْ الْمَاء كُلّ شَيْء حَيّ } قَالَا : كُلّ شَيْء حَيّ خُلِقَ مِنْ الْمَاء . )فَإِنْ قَالَ قَائِل : وَكَيْف خَصَّ كُلّ شَيْء حَيّ بِأَنَّهُ جُعِلَ مِنْ الْمَاء دُون سَائِر الْأَشْيَاء غَيْره , فَقَدْ عَلِمْت أَنَّهُ يَحْيَا بِالْمَاءِ الزُّرُوع وَالنَّبَات وَالْأَشْجَار وَغَيْر ذَلِكَ مِمَّا لَا حَيَاة لَهُ , وَلَا يُقَال لَهُ حَيّ وَلَا مَيِّت ؟ قِيلَ : لِأَنَّهُ لَا شَيْء مِنْ ذَلِكَ إِلَّا وَلَهُ حَيَاة وَمَوْت , وَإِنْ خَالَفَ مَعْنَاهُ فِي ذَلِكَ مَعْنَى ذَوَات الْأَرْوَاح فِي أَنَّهُ لَا أَرْوَاح فِيهِنَّ وَأَنَّ فِي ذَوَات الْأَرْوَاح أَرْوَاحًا ; فَلِذَلِكَ قِيلَ : { وَجَعَلْنَا مِنْ الْمَاء كُلّ شَيْء حَيّ } . |أَفَلَا يُؤْمِنُونَ|وَقَوْله : { أَفَلَا يُؤْمِنُونَ } يَقُول : أَفَلَا يُصَدِّقُونَ بِذَلِكَ , وَيُقِرُّونَ بِأُلُوهَةِ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ وَيُفْرِدُونَهُ بِالْعِبَادَةِ ؟

وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْض رَوَاسِي } </subtitle>يَقُول تَعَالَى ذِكْره : أَوَلَمْ يَرَ هَؤُلَاءِ الْكُفَّار أَيْضًا مِنْ حُجَجنَا عَلَيْهِمْ وَعَلَى جَمِيع خَلْقنَا , أَنَّا جَعَلْنَا فِي الْأَرْض جِبَالًا رَاسِيَة ؟ وَالرَّوَاسِي : جَمْع رَاسِيَة , وَهِيَ الثَّابِتَة ; كَمَا : 18544 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : ( { وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْض رَوَاسِي } أَيْ جِبَالًا .)|أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ|وَقَوْله : { أَنْ تَمِيد بِهِمْ } يَقُول : أَنْ لَا تَتَكَفَّأ بِهِمْ . يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ : فَجَعَلْنَا فِي هَذِهِ الْأَرْض هَذِهِ الرَّوَاسِي مِنْ الْجِبَال , فَثَبَّتْنَاهَا لِئَلَّا تَتَكَفَّأ بِالنَّاسِ , وَلِيَقْدِرُوا بِالثَّبَاتِ عَلَى ظَهْرهَا . كَمَا : 18545 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَالَ : (كَانُوا عَلَى الْأَرْض تَمُور بِهِمْ لَا تَسْتَقِرّ , فَأَصْبَحُوا وَقَدْ جَعَلَ اللَّه الْجِبَال - وَهِيَ الرَّوَاسِي - أَوْتَادًا لِلْأَرْضِ .)|وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا| { فِجَاجًا } يَعْنِي مَسَالِك , وَاحِدهَا فَجّ . كَمَا : 18546 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : ( { وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا } : أَيْ أَعْلَامًا . )وَقَوْله : { سُبُلًا } أَيْ طُرُقًا , وَهِيَ جَمْع السَّبِيل . وَكَانَ اِبْن عَبَّاس فِيمَا ذُكِرَ عَنْهُ يَقُول : إِنَّمَا عَنَى بِقَوْلِهِ : { وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا } وَجَعَلْنَا فِي الرَّوَاسِي , فَالْهَاء وَالْأَلِف فِي قَوْله : { وَجَعَلْنَا فِيهَا } مِنْ ذِكْر الرَّوَاسِي . 18547 - حَدَّثَنَا بِذَلِكَ الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَالَ : قَالَ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : ( { وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا } قَالَ : بَيْن الْجِبَال . )وَإِنَّمَا اِخْتَرْنَا الْقَوْل الْآخَر فِي ذَلِكَ وَجَعَلْنَا الْهَاء وَالْأَلِف مِنْ ذِكْر الْأَرْض , لِأَنَّهَا إِذَا كَانَتْ مِنْ ذِكْرهَا دَاخِل فِي ذَلِكَ السَّهْل وَالْجَبَل ; وَذَلِكَ أَنَّ ذَلِكَ كُلّه مِنْ الْأَرْض , وَقَدْ جَعَلَ اللَّه لِخَلْقِهِ فِي ذَلِكَ كُلّه فِجَاجًا سُبُلًا . وَلَا دَلَالَة تَدُلّ عَلَى أَنَّهُ عَنَى بِذَلِكَ فِجَاج بَعْض الْأَرْض الَّتِي جَعَلَهَا لَهُمْ سُبُلًا دُون بَعْض , فَالْعُمُوم بِهَا أَوْلَى .|لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ|وَقَوْله : { لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : جَعَلْنَا هَذِهِ الْفِجَاج فِي الْأَرْض لِيَهْتَدُوا إِلَى السَّيْر فِيهَا .

وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَجَعَلْنَا السَّمَاء سَقْفًا مَحْفُوظًا } </subtitle>يَقُول تَعَالَى ذِكْره : { وَجَعَلْنَا السَّمَاء سَقْفًا } لِلْأَرْضِ مَسْمُوكًا . وَقَوْله : { مَحْفُوظًا } يَقُول : حَفِظْنَاهَا مِنْ كُلّ شَيْطَان رَجِيم . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 18548 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْله : ( { سَقْفًا مَحْفُوظًا } قَالَ : مَرْفُوعًا . )* - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 18549 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : ( { وَجَعَلْنَا السَّمَاء سَقْفًا مَحْفُوظًا } ... الْآيَة : سَقْفًا مَرْفُوعًا , وَمَوْجًا مَكْفُوفًا .)|وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ|وَقَوْله : { وَهُمْ عَنْ آيَاتهَا مُعْرِضُونَ } يَقُول : وَهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ عَنْ آيَات السَّمَاء وَيَعْنِي بِآيَاتِهَا : شَمْسهَا وَقَمَرهَا وَنُجُومهَا . { مُعْرِضُونَ } يَقُول : يُعْرِضُونَ عَنْ التَّفَكُّر فِيهَا وَتَدَبُّر مَا فِيهَا مِنْ حُجَج اللَّه عَلَيْهِمْ وَدَلَالَتهَا عَلَى وَحْدَانِيَّة خَالِقهَا , وَأَنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ تَكُون الْعِبَادَة إِلَّا لِمَنْ دَبَّرَهَا وَسَوَّاهَا , وَلَا تَصْلُح إِلَّا لَهُ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 18550 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَمِيعًا عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : ( { وَهُمْ عَنْ آيَاتهَا مُعْرِضُونَ } قَالَ : الشَّمْس وَالْقَمَر وَالنُّجُوم آيَات السَّمَاء . )* - حَدَّثَنَا الْقَاسِم ; قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله .

بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ

وَقَوْله : { وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْل وَالنَّهَار وَالشَّمْس وَالْقَمَر كُلّ فِي فَلَك يَسْبَحُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَاَللَّه الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ أَيّهَا النَّاس اللَّيْل وَالنَّهَار , نِعْمَة مِنْهُ عَلَيْكُمْ وَحُجَّة وَدَلَالَة عَلَى عَظِيم سُلْطَانه وَأَنَّ الْأُلُوهَة لَهُ دُون كُلّ مَا سِوَاهُ فَهُمَا يَخْتَلِفَانِ عَلَيْكُمْ لِصَلَاحِ مَعَايِشكُمْ وَأُمُور دُنْيَاكُمْ وَآخِرَتكُمْ , وَخَلَقَ الشَّمْس وَالْقَمَر أَيْضًا { كُلّ فِي فَلَك يَسْبَحُونَ } يَقُول : كُلّ ذَلِكَ فِي فَلَك يَسْبَحُونَ . وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي مَعْنَى الْفَلَك الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّه فِي هَذِهِ الْآيَة , فَقَالَ بَعْضهمْ : هُوَ كَهَيْئَةِ حَدِيدَة الرَّحَى . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 18551 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : ( { كُلّ فِي فَلَك يَسْبَحُونَ } قَالَ : فَلَك كَهَيْئَةِ حَدِيدَة الرَّحَى . )18552 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , قَالَ : قَالَ اِبْن جُرَيْج : ( { كُلّ فِي فَلَك } قَالَ : فَلَك كَهَيْئَةِ حَدِيدَة الرَّحَى . )18553 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثني جَرِير , عَنْ قَابُوس بْن أَبِي ظَبْيَان , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس : ( { كُلّ فِي فَلَك يَسْبَحُونَ } قَالَ : فَلَك السَّمَاء . )وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ الْفَلَك الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّه فِي هَذَا الْمَوْضِع سُرْعَة جَرْي الشَّمْس وَالْقَمَر وَالنُّجُوم وَغَيْرهَا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 18554 - حُدِّثْت عَنْ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ , قَالَ : أَخْبَرَنَا عُبَيْد , قَالَ : (سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { كُلّ فِي فَلَك يَسْبَحُونَ } الْفَلَك : الْجَرْي وَالسُّرْعَة . )وَقَالَ آخَرُونَ : الْفَلَك مَوْج مَكْفُوف تَجْرِي الشَّمْس وَالْقَمَر وَالنُّجُوم فِيهِ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ هُوَ الْقُطْب الَّذِي تَدُور بِهِ النُّجُوم . وَاسْتَشْهَدَ قَائِل هَذَا الْقَوْل لِقَوْلِهِ هَذَا بِقَوْلِ الرَّاجِز <br>بَاتَتْ تُنَاجِي الْفَلَك الدَّوَّارَا .......... حَتَّى الصَّبَاح تَعْمَل الْأَقْتَار <br>وَقَالَ آخَرُونَ فِي ذَلِكَ , مَا : 18555 - حَدَّثَنَا بِهِ بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : ( { كُلّ فِي فَلَك يَسْبَحُونَ } : أَيْ فِي فَلَك السَّمَاء . )* - حَدَّثَنَا اِبْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : ( { كُلّ فِي فَلَك يَسْبَحُونَ } قَالَ : يَجْرِي فِي فَلَك السَّمَاء كَمَا رَأَيْت . )18556 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : ( { كُلّ فِي فَلَك يَسْبَحُونَ } قَالَ : الْفَلَك الَّذِي بَيْن السَّمَاء وَالْأَرْض مِنْ مَجَارِي النُّجُوم وَالشَّمْس وَالْقَمَر . وَقَرَأَ : { تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاء بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا } [25 61 ]وَقَالَ : تِلْكَ الْبُرُوج بَيْن السَّمَاء وَالْأَرْض وَلَيْسَتْ فِي الْأَرْض . { كُلّ فِي فَلَك يَسْبَحُونَ } قَالَ : فِيمَا بَيْن السَّمَاء وَالْأَرْض : النُّجُوم وَالشَّمْس وَالْقَمَر . )وَذُكِرَ عَنْ الْحَسَن أَنَّهُ كَانَ يَقُول : الْفَلَك طَاحُونَة كَهَيْئَةِ فَلْكَة الْمِغْزَل . وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَال كَمَا قَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { كُلّ فِي فَلَك يَسْبَحُونَ } ; وَجَائِز أَنْ يَكُون ذَلِكَ الْفَلَك كَمَا قَالَ مُجَاهِد كَحَدِيدَةِ الرَّحَى , وَكَمَا ذُكِرَ عَنْ الْحَسَن كَطَاحُونَةِ الرَّحَى , وَجَائِز أَنْ يَكُون مَوْجًا مَكْفُوفًا , وَأَنْ يَكُون قُطْب السَّمَاء . وَذَلِكَ أَنَّ الْفَلَك فِي كَلَام الْعَرَب هُوَ كُلّ شَيْء دَائِر , فَجَمْعه أَفْلَاك , وَقَدْ ذَكَرْت قَوْل الرَّاجِز : <br>بَاتَتْ تُنَاجِي الْفَلَك الدَّوَّارَا <br>وَإِذْ كَانَ كُلّ مَا دَار فِي كَلَامهَا , وَلَمْ يَكُنْ فِي كِتَاب اللَّه وَلَا فِي خَبَر عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا عَمَّنْ يُقْطَع بِقَوْلِهِ الْعُذْر , دَلِيل يَدُلّ عَلَى أَيّ ذَلِكَ هُوَ مِنْ أَيّ ; كَانَ الْوَاجِب أَنْ نَقُول فِيهِ مَا قَالَ وَنَسْكُت عَمَّا لَا عِلْم لَنَا بِهِ . فَإِذَا كَانَ الصَّوَاب فِي ذَلِكَ مِنْ الْقَوْل عِنْدنَا مَا ذَكَرْنَا , فَتَأْوِيل الْكَلَام : وَالشَّمْس وَالْقَمَر , كُلّ ذَلِكَ فِي دَائِر يَسْبَحُونَ . وَأَمَّا قَوْله : { يَسْبَحُونَ } فَإِنَّ مَعْنَاهُ : يَجْرُونَ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 18557 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْله : ( { كُلّ فِي فَلَك يَسْبَحُونَ } قَالَ : يَجْرُونَ . )* - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 18558 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : ( { يَسْبَحُونَ } قَالَ : يَجْرُونَ . )وَقِيلَ : { كُلّ فِي فَلَك يَسْبَحُونَ } فَأَخْرَجَ الْخَبَر عَنْ الشَّمْس وَالْقَمَر مَخْرَج الْخَبَر عَنْ بَنِي آدَم بِالْوَاوِ وَالنُّون , وَلَمْ يَقُلْ : | يَسْبَحْنَ | أَوْ | تَسْبَح | , كَمَا قِيلَ : { وَالشَّمْس وَالْقَمَر رَأَيْتهمْ لِي سَاجِدِينَ } [12 4 ]لِأَنَّ السُّجُود مِنْ أَفْعَال بَنِي آدَم , فَلَمَّا وُصِفَتْ الشَّمْس وَالْقَمَر بِمِثْلِ أَفْعَالهمْ أَجْرَى الْخَبَر عَنْهُمَا مَجْرَى الْخَبَر عَنْهُمْ .

قَالُوا أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلك الْخُلْد أَفَإِنْ مِتّ فَهُمْ الْخَالِدُونَ } </subtitle>يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَمَا خَلَّدْنَا أَحَدًا مِنْ بَنِي آدَم يَا مُحَمَّد قَبْلك فِي الدُّنْيَا فَنُخَلِّدك فِيهَا , وَلَا بُدّ لَك مِنْ أَنْ تَمُوت كَمَا مَاتَ مِنْ قَبْلك رُسُلنَا .|أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ|يَقُول : فَهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ بِرَبِّهِمْ هُمْ الْخَالِدُونَ فِي الدُّنْيَا بَعْدك ؟ لَا , مَا ذَلِكَ كَذَلِكَ , بَلْ هُمْ مَيِّتُونَ بِكُلِّ حَال عِشْت أَوْ مِتّ فَأُدْخِلَتْ الْفَاء فِي | إِنْ | وَهِيَ جَزَاء , وَفِي جَوَابه ; لِأَنَّ الْجَزَاء مُتَّصِل بِكَلَامٍ قَبْله , وَدَخَلَتْ أَيْضًا فِي قَوْله | فَهُمْ | لِأَنَّهُ جَوَاب لِلْجَزَاءِ , وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي قَوْله | فَهُمْ | الْفَاء جَازَ عَلَى وَجْهَيْنِ : أَحَدهمَا : أَنْ تَكُون مَحْذُوفَة وَهِيَ مُرَادَة , وَالْآخَر أَنْ يَكُون مُرَادًا تَقْدِيمهَا إِلَى الْجَزَاء , فَكَأَنَّهُ قَالَ : أَفَهُمْ الْخَالِدُونَ إِنْ مِتّ .

لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآَبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ

وَقَوْله : { كُلّ نَفْس ذَائِقَة الْمَوْت } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : كُلّ نَفْس مَنْفُوسَة مِنْ خَلْقه , مُعَالِجَة غَصَص الْمَوْت وَمُتَجَرِّعَة كَأْسهَا .|وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً|وَقَوْله : { وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْر فِتْنَة } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَنَخْتَبِركُمْ أَيّهَا النَّاس بِالشَّرِّ - وَهُوَ الشِّدَّة - نَبْتَلِيكُمْ بِهَا , وَبِالْخَيْرِ - وَهُوَ الرَّخَاء وَالسَّعَة الْعَافِيَة - فَنَفْتِنكُمْ بِهِ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 18559 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن : قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَالَ : (قَالَ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْر فِتْنَة } قَالَ : بِالرَّخَاءِ وَالشِّدَّة , وَكِلَاهُمَا بَلَاء . )18560 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : ( { وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْر فِتْنَة } يَقُول : نَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ بَلَاء , وَالْخَيْر فِتْنَة ; { وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ } . )18561 - حَدَّثَنَا يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : ( { وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْر فِتْنَة وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ } قَالَ : نَبْلُوهُمْ بِمَا يُحِبُّونَ وَبِمَا يَكْرَهُونَ ; نَخْتَبِرهُمْ بِذَلِكَ لِنَنْظُر كَيْف شُكْرهمْ فِيمَا يُحِبُّونَ , وَكَيْف صَبْرهمْ فِيمَا يَكْرَهُونَ . )18562 - حَدَّثَنِي عَلِيّ , قَالَ : ثنا أَبُو صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : ( { وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْر } يَقُول : نَبْتَلِيكُمْ بِالشِّدَّةِ وَالرَّخَاء , وَالصِّحَّة وَالسَّقَم , وَالْغِنَى وَالْفَقْر , وَالْحَلَال وَالْحَرَام , وَالطَّاعَة وَالْمَعْصِيَة , وَالْهُدَى وَالضَّلَالَة .)|وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ|وَقَوْله : { وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ } يَقُول : وَإِلَيْنَا يُرَدُّونَ فَيُجَازَوْنَ بِأَعْمَالِهِمْ , حَسَنهَا وَسَيِّئِهَا .

قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَإِذَا رَآك الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَك إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي يَذْكُر آلِهَتكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَن هُمْ كَافِرُونَ } . </subtitle>يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { وَإِذَا رَآك } يَا مُحَمَّد { الَّذِينَ كَفَرُوا } بِاَللَّهِ , { إِنْ يَتَّخِذُونَك إِلَّا هُزُوًا } يَقُول : مَا يَتَّخِذُونَك إِلَّا سِخْرِيًّا يَقُول بَعْضهمْ لِبَعْضٍ : { أَهَذَا الَّذِي يَذْكُر آلِهَتكُمْ } يَعْنِي بِقَوْلِهِ : يَذْكُر آلِهَتكُمْ بِسُوءٍ وَيَعِيبهَا , تَعَجُّبًا مِنْهُمْ مِنْ ذَلِكَ . يَقُول اللَّه تَعَالَى ذِكْره : فَيَعْجَبُونَ مِنْ ذِكْرك يَا مُحَمَّد آلِهَتهمْ الَّتِي لَا تَضُرّ وَلَا تَنْفَع بِسُوءٍ . { وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَن } الَّذِي خَلَقَهُمْ وَأَنْعَمَ عَلَيْهِمْ , وَمِنْهُ نَفْعهمْ , وَبِيَدِهِ ضُرّهمْ , وَإِلَيْهِ مَرْجِعهمْ بِمَا هُوَ أَهْله مِنْهُمْ ; أَنْ يَذْكُرُوهُ بِهِ { كَافِرُونَ } وَالْعَرَب تَضَع الذِّكْر مَوْضِع الْمَدْح وَالذَّمّ , فَيَقُولُونَ : سَمِعْنَا فُلَانًا يَذْكُر فُلَانًا , وَهُمْ يُرِيدُونَ سَمِعْنَاهُ يَذْكُرهُ بِقَبِيحٍ وَيَعِيبهُ ; وَمِنْ ذَلِكَ قَوْل عَنْتَرَة : <br>لَا تَذْكُرِي مُهْرِي وَمَا أَطْعَمْته .......... فَيَكُون جِلْدك مِثْل جِلْد الْأَجْرَب <br>يَعْنِي بِذَلِكَ : لَا تَعِيبِي مُهْرِي . وَسَمِعْنَاهُ يُذْكَر بِخَيْرٍ .

سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { خُلِقَ الْإِنْسَان مِنْ عَجَل سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونَ } . </subtitle>يَقُول تَعَالَى ذِكْره : { خُلِقَ الْإِنْسَان } يَعْنِي آدَم { مِنْ عَجَل } . وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي تَأْوِيله , فَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَاهُ : مِنْ عَجَل فِي بِنْيَته وَخِلْقَته ; كَانَ مِنْ الْعَجَلَة , وَعَلَى الْعَجَلَة . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 18563 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا اِبْن يَمَان , عَنْ أَشْعَث , عَنْ جَعْفَر , عَنْ سَعِيد فِي قَوْله : ( { خُلِقَ الْإِنْسَان مِنْ عَجَل } قَالَ : لَمَّا نَفَخَ فِيهِ الرُّوح فِي رُكْبَتَيْهِ ذَهَبَ لِيَنْهَض , فَقَالَ اللَّه : { خُلِقَ الْإِنْسَان مِنْ عَجَل } . )18564 - حَدَّثَنَا مُوسَى , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ , قَالَ : (لَمَّا نَفَخَ فِيهِ - يَعْنِي فِي آدَم - الرُّوح , فَدَخَلَ فِي رَأْسه عَطَسَ , فَقَالَتْ الْمَلَائِكَة : قُلْ الْحَمْد لِلَّهِ ! فَقَالَ : الْحَمْد لِلَّهِ . فَقَالَ اللَّه لَهُ : رَحِمَك رَبّك ! فَلَمَّا دَخَلَ الرُّوح فِي عَيْنَيْهِ نَظَرَ إِلَى ثِمَار الْجَنَّة , فَلَمَّا دَخَلَ فِي جَوْفه اِشْتَهَى الطَّعَام , فَوَثَبَ قَبْل أَنْ تَبْلُغ الرُّوح رِجْلَيْهِ عَجْلَان إِلَى ثِمَار الْجَنَّة ; فَذَلِكَ حِين يَقُول : { خُلِقَ الْإِنْسَان مِنْ عَجَل } يَقُول : خُلِقَ الْإِنْسَان عَجُولًا . )18565 - حَدَّثَنَا اِبْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثَنَا اِبْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : ( { خُلِقَ الْإِنْسَان مِنْ عَجَل } قَالَ : خُلِقَ عَجُولًا . )وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَاهُ : خُلِقَ الْإِنْسَان مِنْ عَجَل , أَيْ مِنْ تَعْجِيل فِي خَلْق اللَّه إِيَّاهُ وَمِنْ سُرْعَة فِيهِ وَعَلَى عَجَل . وَقَالُوا : خَلَقَهُ اللَّه فِي آخِر النَّهَار يَوْم الْجُمُعَة قَبْل غُرُوب الشَّمْس عَلَى عَجَل فِي خَلْقه إِيَّاهُ قَبْل مَغِيبهَا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 18566 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْل اللَّه : ( { خُلِقَ الْإِنْسَان مِنْ عَجَل } قَالَ : قَوْل آدَم حِين خُلِقَ بَعْد كُلّ شَيْء آخِر النَّهَار مِنْ يَوْم خَلَقَ الْخَلْق , فَلَمَّا أَحْيَا الرُّوح عَيْنَيْهِ وَلِسَانه وَرَأْسه وَلَمْ تَبْلُغ أَسْفَله , قَالَ : يَا رَبّ اِسْتَعْجِلْ بِخَلْقِي قَبْل غُرُوب الشَّمْس . )* - حَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَالَ : قَالَ مُجَاهِد : ( { خُلِقَ الْإِنْسَان مِنْ عَجَل } قَالَ آدَم حِين خُلِقَ بَعْد كُلّ شَيْء ; ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوه , غَيْر أَنَّهُ قَالَ فِي حَدِيثه : اِسْتَعْجِلْ بِخَلْقِي فَقَدْ غَرَبَتْ الشَّمْس . )18567 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : ( { خُلِقَ الْإِنْسَان مِنْ عَجَل } قَالَ : عَلَى عَجَل آدَم آخِر ذَلِكَ الْيَوْم مِنْ ذَيْنك الْيَوْمَيْنِ , يُرِيد يَوْم الْجُمُعَة , وَخَلَقَهُ عَلَى عَجَل , وَجَعَلَهُ عَجُولًا . )وَقَالَ بَعْض أَهْل الْعَرَبِيَّة مِنْ أَهْل الْبَصْرَة مِمَّنْ قَالَ نَحْو هَذِهِ الْمَقَالَة : إِنَّمَا قَالَ : { خُلِقَ الْإِنْسَان مِنْ عَجَل } وَهُوَ يَعْنِي أَنَّهُ خَلَقَهُ مِنْ تَعْجِيل مِنْ الْأَمْر , لِأَنَّهُ قَالَ : { إِنَّمَا قَوْلنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُول لَهُ كُنْ فَيَكُون } [16 40 ]قَالَ : فَهَذَا الْعَجَل . وَقَوْله : { فَلَا تَسْتَعْجِلُونَ } إِنِّي { سَأُرِيكُمْ آيَاتِي } وَعَلَى قَوْل صَاحِب هَذِهِ الْمَقَالَة , يَجِب أَنْ يَكُون كُلّ خَلْق اللَّه خُلِقَ عَلَى عَجَل , لِأَنَّ كُلّ ذَلِكَ خُلِقَ بِأَنْ قِيلَ لَهُ كُنْ فَكَانَ . فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , فَمَا وَجْه خُصُوص الْإِنْسَان إِذًا بِذِكْرِ أَنَّهُ خُلِقَ مِنْ عَجَل دُون الْأَشْيَاء كُلّهَا وَكُلّهَا مَخْلُوق مِنْ عَجَل ؟ وَفِي خُصُوص اللَّه تَعَالَى ذِكْره الْإِنْسَان بِذَلِكَ الدَّلِيل الْوَاضِح , عَلَى أَنَّ الْقَوْل فِي ذَلِكَ غَيْر الَّذِي قَالَهُ صَاحِب هَذِهِ الْمَقَالَة . وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ : هَذَا مِنْ الْمَقْلُوب , وَإِنَّمَا خُلِقَ الْعَجَل مِنْ الْإِنْسَان , وَخُلِقَتْ الْعَجَلَة مِنْ الْإِنْسَان . وَقَالُوا : ذَلِكَ مِثْل قَوْله : { مَا إِنَّ مَفَاتِحه لَتَنُوء بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّة } [28 76 ]إِنَّمَا هُوَ : لَتَنُوء الْعُصْبَة بِهَا مُتَثَاقِلَة . وَقَالُوا : هَذَا وَمَا أَشْبَهَهُ فِي كَلَام الْعَرَب كَثِير مَشْهُور . قَالُوا : وَإِنَّمَا كَلَّمَ الْقَوْم بِمَا يَعْقِلُونَ . قَالُوا : وَذَلِكَ مِثْل قَوْلهمْ : عَرَضْت النَّاقَة , وَكَقَوْلِهِمْ : إِذَا طَلَعَتْ الشِّعْرَى وَاسْتَوَتْ الْعُود عَلَى الْحِرْبَاء ; أَيْ اِسْتَوَتْ الْحِرْبَاء عَلَى الْعُود , كَقَوْلِ الشَّاعِر : <br>وَتَرْكَب خَيْلًا لَا هَوَادَة بَيْنهَا .......... وَتَشْقَى الرِّمَاح بِالضَّيَاطِرة الْحُمْر <br>وَكَقَوْلِ اِبْن مُقْبِل : <br>حَسَرْت كَفِّي عَنْ السِّرْبَال آخُذهُ .......... فَرْدًا يُجَرّ عَلَى أَيْدِي الْمُفَدِّينَا <br>يُرِيد : حَسَرْت السِّرْبَال عَنْ كَفِّي , وَنَحْو ذَلِكَ مِنْ الْمَقْلُوب . وَفِي إِجْمَاع أَهْل التَّأْوِيل عَلَى خِلَاف هَذَا الْقَوْل , الْكِفَايَة الْمُغْنِيَة عَنْ الِاسْتِشْهَاد عَلَى فَسَاده بِغَيْرِهِ . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي تَأْوِيل ذَلِكَ عِنْدنَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَمَّنْ قَالَ مَعْنَاهُ : خُلِقَ الْإِنْسَان مِنْ عَجَل فِي خَلْقه ; أَيْ عَلَى عَجَل وَسُرْعَة فِي ذَلِكَ . وَإِنَّمَا قِيلَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , لِأَنَّهُ بُودِرَ بِخَلْقِهِ مَغِيب الشَّمْس فِي آخِر سَاعَة مِنْ نَهَار يَوْم الْجُمُعَة , وَفِي ذَلِكَ الْوَقْت نَفَخَ فِيهِ الرُّوح . وَإِنَّمَا قُلْنَا أَوْلَى الْأَقْوَال الَّتِي ذَكَرْنَاهَا فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ , لِدَلَالَةِ قَوْله تَعَالَى : { سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونَ } عَلَى ذَلِكَ , وَأَنَّ أَبَا كُرَيْب : 18568 - حَدَّثَنَا قَالَ : ثنا اِبْن إِدْرِيس , قَالَ : أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن عَمْرو , عَنْ أَبِي سَلَمَة , عَنْ أَبَى هُرَيْرَة قَالَ : (قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : | إِنَّ فِي الْجُمُعَة لَسَاعَة | يُقَلِّلهَا , قَالَ : | لَا يُوَافِقهَا عَبْد مُسْلِم يَسْأَل اللَّه فِيهَا خَيْرًا إِلَّا أَتَاهُ اللَّه إِيَّاهُ | فَقَالَ عَبْد اللَّه بْن سَلَام : قَدْ عَلِمْت أَيّ سَاعَة هِيَ , هِيَ آخِر سَاعَات النَّهَار مِنْ يَوْم الْجُمُعَة . قَالَ اللَّه : { خُلِقَ الْإِنْسَان مِنْ عَجَل سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونَ } . )* - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا الْمُحَارِبِيّ وَعَبْدَة بْن سُلَيْمَان وَأَسِير بْن عَمْرو , عَنْ مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو سَلَمَة , عَنْ أَبَى هُرَيْرَة , عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنَحْوِهِ , وَذَكَرَ كَلَام عَبْد اللَّه بْن سَلَام بِنَحْوِهِ . فَتَأْوِيل الْكَلَام إِذَا كَانَ الصَّوَاب فِي تَأْوِيل ذَلِكَ مَا قُلْنَا بِمَا بِهِ اِسْتَشْهَدْنَا { خُلِقَ الْإِنْسَان مِنْ عَجَل } وَلِذَلِكَ يَسْتَعْجِل رَبّه بِالْعَذَابِ . { سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونَ } أَيّهَا الْمُسْتَعْجِلُونَ رَبّهمْ بِالْآيَاتِ الْقَائِلُونَ لِنَبِيِّنَا مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : بَلْ هُوَ شَاعِر , فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ بِآيَاتِي , كَمَا أَرَيْتهَا مَنْ قَبْلكُمْ مِنْ الْأُمَم الَّتِي أَهْلَكْنَا بِتَكْذِيبِهَا الرُّسُل , إِذَا أَتَتْهَا الْآيَات : { فَلَا تَسْتَعْجِلُونَ } يَقُول : فَلَا تَسْتَعْجِلُوا رَبّكُمْ , فَإِنَّا سَنَأْتِيكُمْ بِهَا وَنُرِيكُمُوهَا . وَاخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة قَوْله : { خُلِقَ الْإِنْسَان مِنْ عَجَل } فَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء الْأَمْصَار : { خُلِقَ الْإِنْسَان مِنْ عَجَل } بِضَمِّ الْخَاء عَلَى مَذْهَب مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِله . وَقَرَأَهُ حُمَيْد الْأَعْرَج : | خَلَقَ | بِفَتْحِهَا , بِمَعْنَى : خَلَقَ اللَّه الْإِنْسَان . وَالْقِرَاءَة الَّتِي عَلَيْهَا قُرَّاء الْأَمْصَار , هِيَ الْقِرَاءَة الَّتِي لَا أَسْتَجِيز خِلَافهَا .

قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ

وَقَوْله : { وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْد إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَيَقُول هَؤُلَاءِ الْمُسْتَعْجِلُونَ رَبّهمْ بِالْآيَاتِ وَالْعَذَاب لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَتَى هَذَا الْوَعْد ؟ يَقُول : مَتَى يَجِيئنَا هَذَا الَّذِي تَعِدنَا مِنْ الْعَذَاب إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فِيمَا تَعِدُونَنَا بِهِ مِنْ ذَلِكَ ؟ وَقِيلَ : { هَذَا الْوَعْد } وَالْمَعْنَى الْمَوْعُود لِمَعْرِفَةِ السَّامِعِينَ مَعْنَاهُ . وَقِيلَ : { إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } كَأَنَّهُمْ قَالُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ بِهِ . وَ | مَتَى | فِي مَوْضِع نَصْب , لِأَنَّ مَعْنَاهُ : أَيّ وَقْت هَذَا الْوَعْد وَأَيّ يَوْم هُوَ ; فَهُوَ نُصِبَ عَلَى الظَّرْف لِأَنَّهُ وَقْت .

سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { لَوْ يَعْلَم الَّذِينَ كَفَرُوا حِين لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوههمْ النَّار وَلَا عَنْ ظُهُورهمْ } . </subtitle>يَقُول تَعَالَى ذِكْره : لَوْ يَعْلَم هَؤُلَاءِ الْكُفَّار الْمُسْتَعْجِلُونَ عَذَاب رَبّهمْ مَاذَا لَهُمْ مِنْ الْبَلَاء حِين تَلْفَح وُجُوههمْ النَّار , وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ , فَلَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوههمْ النَّار الَّتِي تَلْفَحهَا , وَلَا عَنْ ظُهُورهمْ فَيَدْفَعُونَهَا عَنْهَا بِأَنْفُسِهِمْ .|وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ|يَقُول : وَلَا لَهُمْ نَاصِر يَنْصُرهُمْ , فَيَسْتَنْقِذهُمْ حِينَئِذٍ مِنْ عَذَاب اللَّه لَمَّا أَقَامُوا عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ مُقِيمُونَ مِنْ الْكُفْر بِاَللَّهِ , وَلَسَارَعُوا إِلَى التَّوْبَة مِنْهُ وَالْإِيمَان بِاَللَّهِ , وَلَمَا اِسْتَعْجَلُوا لِأَنْفُسِهِمْ الْبَلَاء .

قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَة } . </subtitle>يَقُول تَعَالَى ذِكْره : لَا تَأْتِي هَذِهِ النَّار الَّتِي تَلْفَح وُجُوه هَؤُلَاءِ الْكُفَّار الَّذِينَ وَصَفَ أَمْرهمْ فِي هَذِهِ السُّورَة حِين تَأْتِيهِمْ عَنْ عِلْم مِنْهُمْ بِوَقْتِهَا , وَلَكِنَّهَا تَأْتِيهِمْ مُفَاجَأَة لَا يَشْعُرُونَ بِمَجِيئِهَا .|فَتَبْهَتُهُمْ|يَقُول : فَتَغْشَاهُمْ فَجْأَة , وَتَلْفَح وُجُوههمْ مُعَايَنَة كَالرَّجُلِ يَبْهَت الرَّجُل فِي وَجْهه بِالشَّيْءِ , حَتَّى يَبْقَى الْمَبْهُوت كَالْحَيْرَانِ مِنْهُ .|فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا|يَقُول : فَلَا يُطِيقُونَ حِين تَبْغَتهُمْ فَتَبْهَتهُمْ دَفْعهَا عَنْ أَنْفُسهمْ .|وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ|يَقُول : وَلَا هُمْ وَإِنْ لَمْ يُطِيقُوا دَفْعهَا عَنْ أَنْفُسهمْ يُؤَخَّرُونَ بِالْعَذَابِ بِهَا لِتَوْبَةٍ يُحْدِثُونَهَا وَإِنَابَة يُنِيبُونَ , لِأَنَّهَا لَيْسَتْ حِين عَمَل وَسَاعَة تَوْبَة وَإِنَابَة , بَلْ هِيَ سَاعَة مُجَازَاة وَإِثَابَة .

سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَقَدْ اُسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلك } . </subtitle>يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنْ يَتَّخِذك يَا مُحَمَّد - هَؤُلَاءِ الْقَائِلُونَ لَك : هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَر مِثْلكُمْ , أَفَتَأْتُونَ السِّحْر وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ , إِذْ رَأَوْك - هُزُوًا وَيَقُولُونَ هَذَا الَّذِي يَذْكُر آلِهَتكُمْ ! كُفْرًا مِنْهُمْ بِاَللَّهِ , وَاجْتِرَاء عَلَيْهِ . فَلَقَدْ اُسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ رُسُلنَا الَّذِينَ أَرْسَلْنَاهُمْ مِنْ قَبْلك إِلَى أُمَمهمْ ,|فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ|يَقُول : فَوَجَبَ وَنَزَلَ بِاَلَّذِينَ اِسْتَهْزَءُوا بِهِمْ , وَسَخِرُوا مِنْهُمْ مِنْ أُمَمهمْ .|مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ|يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ : حَلَّ بِهِمْ الَّذِي كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ مِنْ الْبَلَاء وَالْعَذَاب الَّذِي كَانَتْ رُسُلهمْ تُخَوِّفهُمْ نُزُوله بِهِمْ , يَسْتَهْزِئُونَ : يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ , فَلَنْ يَعْدُو هَؤُلَاءِ الْمُسْتَهْزِئُونَ بِك مِنْ هَؤُلَاءِ الْكَفَرَة أَنْ يَكُونُوا كَأَسْلَافِهِمْ مِنْ الْأُمَم الْمُكَذِّبَة رُسُلهَا , فَيَنْزِل بِهِمْ مِنْ عَذَاب اللَّه وَسَخَطه بِاسْتِهْزَائِهِمْ بِك نَظِير الَّذِي نَزَلَ بِهِمْ .

بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَار مِنْ الرَّحْمَن } . </subtitle>يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قُلْ يَا مُحَمَّد بِهَؤُلَاءِ الْمُسْتَعْجِلِيك بِالْعَذَابِ , الْقَائِلِينَ : مَتَى هَذَا الْوَعْد إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ { مَنْ يَكْلَؤُكُمْ } أَيّهَا الْقَوْم , يَقُول : مَنْ يَحْفَظكُمْ وَيَحْرُسكُمْ بِاللَّيْلِ إِذَا نِمْتُمْ , وَبِالنَّهَارِ إِذَا تَصَرَّفْتُمْ مِنْ الرَّحْمَن ؟ يَقُول : مِنْ أَمْر الرَّحْمَن إِنْ نَزَلَ بِكُمْ , وَمِنْ عَذَابه إِنْ حَلَّ بِكُمْ . وَتَرَكَ ذِكْر | الْأَمْر | وَقِيلَ | مِنْ الرَّحْمَن | اِجْتِزَاء بِمَعْرِفَةِ السَّامِعِينَ لِمَعْنَاهُ مِنْ ذِكْره . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 18569 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَالَ : (قَالَ اِبْن عَبَّاس , فِي قَوْله : { قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَار مِنْ الرَّحْمَن } قَالَ : يَحْرُسكُمْ . )18570 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد عَنْ قَتَادَة : ( { قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَار مِنْ الرَّحْمَن } قُلْ مَنْ يَحْفَظكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَار مِنْ الرَّحْمَن . )يُقَال مِنْهُ : كَلَأْت الْقَوْم : إِذَا حَرَسْتهمْ , أَكْلَؤُهُمْ ; كَمَا قَالَ اِبْن هَرْمَة : <br>إِنَّ سُلَيْمَى وَاَللَّه يَكْلَؤُهَا .......... ضَنَّتْ بِشَيْءٍ مَا كَانَ يَرْزَؤُهَا<br>|بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ|قَوْله : { بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْر رَبّهمْ مُعْرِضُونَ } وَقَوْله بَلْ : تَحْقِيق لِجَحْدٍ قَدْ عَرَفَهُ الْمُخَاطَبُونَ بِهَذَا الْكَلَام , وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَذْكُورًا فِي هَذَا الْمَوْضِع ظَاهِرًا . وَمَعْنَى الْكَلَام : وَمَا لَهُمْ أَنْ لَا يَعْلَمُوا أَنَّهُ لَا كَالِئ لَهُمْ مِنْ أَمْر اللَّه إِذَا هُوَ حَلَّ بِهِمْ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا , بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْر مَوَاعِظ رَبّهمْ وَحُجَجه الَّتِي اِحْتَجَّ بِهَا عَلَيْهِمْ مُعْرِضُونَ لَا يَتَدَبَّرُونَ ذَلِكَ فَلَا يَعْتَبِرُونَ بِهِ , جَهْلًا مِنْهُمْ وَسَفَهًا .

مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { أَمْ لَهُمْ آلِهَة تَمْنَعهُمْ مِنْ دُوننَا لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْر أَنْفُسهمْ } . </subtitle>يَقُول تَعَالَى ذِكْره : أَلِهَؤُلَاءِ الْمُسْتَعْجِلِي رَبّهمْ بِالْعَذَابِ آلِهَة تَمْنَعهُمْ , إِنْ نَحْنُ أَحْلَلْنَا بِهِمْ عَذَابنَا , وَأَنْزَلْنَا بِهِمْ بَأْسنَا مِنْ دُوننَا ؟ وَمَعْنَاهُ : أَمْ لَهُمْ آلِهَة مِنْ دُوننَا تَمْنَعهُمْ مِنَّا ؟ ثُمَّ وَصَفَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ الْآلِهَة بِالضَّعْفِ وَالْمَهَانَة , وَمَا هِيَ بِهِ مِنْ صِفَتهَا , فَقَالَ : وَكَيْف تَسْتَطِيع آلِهَتهمْ الَّتِي يَدْعُونَهَا مِنْ دُوننَا أَنْ تَمْنَعهُمْ مِنَّا وَهِيَ لَا تَسْتَطِيع نَصْر أَنْفُسهَا .|وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ|وَقَوْله : { وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ } اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي الْمَعْنَى بِذَلِكَ , وَفِي مَعْنَى | يُصْحَبُونَ | , فَقَالَ بَعْضهمْ : عَنَى بِذَلِكَ الْآلِهَة , وَأَنَّهَا لَا تُصْحَب مِنْ اللَّه بِخَيْرٍ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 18571 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : ( { أَمْ لَهُمْ آلِهَة تَمْنَعهُمْ مِنْ دُوننَا لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْر أَنْفُسهمْ } يَعْنِي الْآلِهَة . { وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ } يَقُول : لَا يُصْحَبُونَ مِنْ اللَّه بِخَيْرٍ . )وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : وَلَا هُمْ مِنَّا يُنْصَرُونَ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 18572 - حَدَّثَنَا اِبْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا أَبُو ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : ( { وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ } قَالَ : لَا يُنْصَرُونَ . )18573 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَالَ : قَالَ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : ( { أَمْ لَهُمْ آلِهَة تَمْنَعهُمْ مِنْ دُوننَا } إِلَى قَوْله : { يُصْحَبُونَ } قَالَ : يُنْصَرُونَ . قَالَ : قَالَ مُجَاهِد : وَلَا هُمْ يُحْفَظُونَ . )18574 - حَدَّثَنَا عَلِيّ , قَالَ : ثنا أَبُو صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : ( { وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ } يُجَارُونَ )ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 18575 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : ( { وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ } يَقُول : وَلَا هُمْ مِنَّا يُجَارُونَ , وَهُوَ قَوْله : { وَهُوَ يُجِير وَلَا يُجَار عَلَيْهِ } يَعْنِي الصَّاحِب , وَهُوَ الْإِنْسَان يَكُون لَهُ خَفِير مِمَّا يَخَاف , فَهُوَ قَوْله يُصْحَبُونَ . )قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَأَوْلَى الْأَقْوَال فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْل مَنْ قَالَ هَذَا الْقَوْل الَّذِي حَكَيْنَاهُ عَنْ اِبْن عَبَّاس , وَأَنَّ { هُمْ } مِنْ قَوْله : { وَلَا هُمْ } مِنْ ذِكْر الْكُفَّار , وَأَنَّ قَوْله : { يُصْحَبُونَ } بِمَعْنَى : يُجَارُونَ يُصْحَبُونَ بِالْجِوَارِ ; لِأَنَّ الْعَرَب مَحْكِيّ عَنْهَا : أَنَا لَك جَار مِنْ فُلَان وَصَاحِب , بِمَعْنَى : أُجِيرك وَأَمْنَعك , وَهُمْ إِذَا لَمْ يُصْحَبُوا بِالْجِوَارِ , وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مَانِع مِنْ عَذَاب اللَّه مَعَ سَخَط اللَّه عَلَيْهِمْ , فَلَمْ يُصْحَبُوا بِخَيْرٍ وَلَمْ يُنْصَرُوا .

عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمْ الْعُمُر } . </subtitle>يَقُول تَعَالَى ذِكْره : مَا لِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ مِنْ آلِهَة تَمْنَعهُمْ مِنْ دُوننَا , وَلَا جَار يُجِيرهُمْ مِنْ عَذَابنَا , إِذَا نَحْنُ أَرَدْنَا عَذَابهمْ , فَاتَّكَلُوا عَلَى ذَلِكَ , وَعَصَوْا رُسُلنَا اِتِّكَالًا مِنْهُمْ عَلَى ذَلِكَ ; وَلَكِنَّا مَتَّعْنَاهُمْ بِهَذِهِ الْحَيَاة الدُّنْيَا وَآبَاءَهُمْ مِنْ قَبْلهمْ حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمْ الْعُمُر , وَهُمْ عَلَى كُفْرهمْ مُقِيمُونَ , لَا تَأْتِيهِمْ مِنَّا وَاعِظَة مِنْ عَذَاب وَلَا زَاجِرَة مِنْ عِقَاب عَلَى كُفْرهمْ وَخِلَافهمْ أَمْرنَا وَعِبَادَتهمْ الْأَوْثَان وَالْأَصْنَام , فَنَسُوا عَهْدنَا وَجَهِلُوا مَوْقِع نِعْمَتنَا عَلَيْهِمْ , وَلَمْ يَعْرِفُوا مَوْضِع الشُّكْر .|أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا|وَقَوْله : { أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْض نَنْقُصهَا مِنْ أَطْرَافهَا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : أَفَلَا يَرَى هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ بِاَللَّهِ السَّائِلُو مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْآيَات الْمُسْتَعْجِلُو بِالْعَذَابِ , أَنَّا نَأْتِي الْأَرْض نُخَرِّبهَا مِنْ نَوَاحِيهَا بِقَهْرِنَا أَهْلهَا , وَغَلَبَتِنَاهُمْ , وَإِجْلَائِهِمْ عَنْهَا , وَقَتْلهمْ بِالسُّيُوفِ , فَيَعْتَبِرُوا بِذَلِكَ وَيَتَّعِظُوا بِهِ , وَيَحْذَرُوا مِنَّا أَنْ نَنْزِل مِنْ بَأْسنَا بِهِمْ نَحْو الَّذِي قَدْ أَنْزَلْنَا بِمَنْ فَعَلْنَا ذَلِكَ بِهِ مِنْ أَهْل الْأَطْرَاف ؟ وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْر الْقَائِلِينَ بِقَوْلِنَا هَذَا وَمُخَالِفِيهِ بِالرِّوَايَاتِ عَنْهُمْ فِي سُورَة الرَّعْد بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَته فِي هَذَا الْمَوْضِع .|أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ|وَقَوْله : { أَفَهُمْ الْغَالِبُونَ } يَقُول تَبَارَكَ وَتَعَالَى : أَفَهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ الْمُسْتَعْجِلُو مُحَمَّد بِالْعَذَابِ الْغَالِبُونَا , وَقَدْ رَأَوْا قَهْرنَا مَنْ أَحْلَلْنَا بِسَاحَتِهِ بَأْسنَا فِي أَطْرَاف الْأَرَضِينَ ؟ لَيْسَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , بَلْ نَحْنُ الْغَالِبُونَ . وَإِنَّمَا هَذَا تَقْرِيع مِنْ اللَّه تَعَالَى لِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ بِهِ بِجَهْلِهِمْ , يَقُول : أَفَيَظُنُّونَ أَنَّهُمْ يَغْلِبُونَ مُحَمَّدًا وَيَقْهَرُونَهُ , وَقَدْ قَهَرَ مَنْ نَاوَأَهُ مِنْ أَهْل أَطْرَاف الْأَرْض غَيْرهمْ ؟ كَمَا : 18576 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : ( { أَفَهُمْ الْغَالِبُونَ } يَقُول : لَيْسُوا بِغَالِبِينَ , وَلَكِنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ الْغَالِب .)

قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قُلْ إِنَّمَا أُنْذِركُمْ بِالْوَحْيِ } . </subtitle>يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قُلْ يَا مُحَمَّد لِهَؤُلَاءِ الْقَائِلِينَ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ : إِنَّمَا أُنْذِركُمْ أَيّهَا الْقَوْم بِتَنْزِيلِ اللَّه الَّذِي يُوحِيه إِلَيَّ مِنْ عِنْده , وَأُخَوِّفكُمْ بِهِ بَأْسه . كَمَا : 18577 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : ( { قُلْ إِنَّمَا أُنْذِركُمْ بِالْوَحْيِ } أَيْ بِهَذَا الْقُرْآن .)|وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنْذَرُونَ|وَقَوْله : { وَلَا يَسْمَع الصُّمّ الدُّعَاء } اِخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة ذَلِكَ , فَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء الْأَمْصَار : { وَلَا يَسْمَع } بِفَتْحِ الْيَاء مِنْ | يَسْمَع | بِمَعْنَى أَنَّهُ فِعْل لِلصُّمِّ , وَ | الصُّمّ | حِينَئِذٍ مَرْفُوعُونَ . وَرُوِيَ عَنْ أَبِي عَبْد الرَّحْمَن السُّلَمِيّ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأ : | وَلَا تُسْمَع | بِالتَّاءِ وَضَمّهَا , فَالصُّمّ عَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَة مَرْفُوعَة , لِأَنَّ قَوْله : | وَلَا تُسْمَع | لَمْ يُسَمَّ فَاعِله , وَمَعْنَاهُ عَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَة : وَلَا يُسْمِع اللَّه الصُّمّ الدُّعَاء . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَالصَّوَاب مِنْ الْقِرَاءَة عِنْدنَا فِي ذَلِكَ مَا عَلَيْهِ قُرَّاء الْأَمْصَار لِإِجْمَاعِ الْحُجَّة مِنْ الْقُرَّاء عَلَيْهِ . وَمَعْنَى ذَلِكَ : وَلَا يُصْغِي الْكَافِر بِاَللَّهِ بِسَمْعِ قَلْبه إِلَى تَذَكُّر مَا فِي وَحْي اللَّه مِنْ الْمَوَاعِظ وَالذِّكْر , فَيَتَذَكَّر بِهِ وَيَعْتَبِر , فَيَنْزَجِر عَمَّا هُوَ عَلَيْهِ مُقِيم مِنْ ضَلَاله إِذَا تُلِيَ عَلَيْهِ وَأُرِيدَ بِهِ ; وَلَكِنَّهُ يُعْرِض عَنْ الِاعْتِبَار بِهِ وَالتَّفَكُّر فِيهِ , فِعْل الْأَصَمّ الَّذِي لَا يَسْمَع مَا يُقَال لَهُ فَيَعْمَل بِهِ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 18578 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : ( { وَلَا يَسْمَع الصُّمّ الدُّعَاء إِذَا مَا يُنْذَرُونَ } يَقُول : إِنَّ الْكَافِر قَدْ صُمَّ عَنْ كِتَاب اللَّه لَا يَسْمَعهُ , وَلَا يَنْتَفِع بِهِ وَلَا يَعْقِلهُ , كَمَا يَسْمَعهُ الْمُؤْمِن وَأَهْل الْإِيمَان .)

رَبِّ فَلَا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَة مِنْ عَذَاب رَبّك } . </subtitle>يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَلَئِنْ مَسَّتْ هَؤُلَاءِ الْمُسْتَعْجِلِينَ بِالْعَذَابِ يَا مُحَمَّد نَفْحَة مِنْ عَذَاب رَبّك , يَعْنِي بِالنَّفْحَةِ النَّصِيب وَالْحَظّ , مِنْ قَوْلهمْ : نَفَحَ فُلَان لِفُلَانٍ مِنْ عَطَائِهِ : إِذَا أَعْطَاهُ قَسْمًا أَوْ نَصِيبًا مِنْ الْمَال . كَمَا : 18579 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : ( { وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَة مِنْ عَذَاب رَبّك } . . . الْآيَة , يَقُول : لَئِنْ أَصَابَتْهُمْ عُقُوبَة .)|لَيَقُولُنَّ يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا|وَقَوْله : { لَيَقُولُنَّ يَا وَيْلنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ } يَقُول : لَئِنْ أَصَابَتْهُمْ هَذِهِ النَّفْحَة مِنْ عُقُوبَة رَبّك يَا مُحَمَّد بِتَكْذِيبِهِمْ بِك وَكُفْرهمْ , لَيَعْلَمُنَّ حِينَئِذٍ غِبّ تَكْذِيبهمْ بِك , وَلَيَعْتَرِفُنَّ عَلَى أَنْفُسهمْ بِنِعْمَةِ اللَّه وَإِحْسَانه إِلَيْهِمْ وَكُفْرَانهمْ أَيَادِيه عِنْدهمْ , وَلَيَقُولُنَّ يَا وَيْلنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ فِي عِبَادَتنَا الْآلِهَة وَالْأَنْدَاد , وَتَرَكْنَا عِبَادَة اللَّه الَّذِي خَلَقَنَا وَأَنْعَمَ عَلَيْنَا , وَوَضَعْنَا الْعِبَادَة غَيْر مَوْضِعهَا .

وَإِنَّا عَلَى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَنَضَع الْمَوَازِين الْقِسْط لِيَوْمِ الْقِيَامَة } . </subtitle>يَقُول تَعَالَى ذِكْره : { وَنَضَع الْمَوَازِين } الْعَدْل وَهُوَ { الْقِسْط } . وَجَعَلَ الْقِسْط وَهُوَ مُوَحَّد مِنْ نَعْت الْمَوَازِين , وَهُوَ جَمْع لِأَنَّهُ فِي مَذْهَب عَدْل وَرِضًا وَنَظَر . وَقَوْله : { لِيَوْمِ الْقِيَامَة } يَقُول : لِأَهْلِ يَوْم الْقِيَامَة , وَمَنْ وَرَدَ عَلَى اللَّه فِي ذَلِكَ الْيَوْم مِنْ خَلْقه . وَقَدْ كَانَ بَعْض أَهْل الْعَرَبِيَّة يُوَجِّه مَعْنَى ذَلِكَ إِلَى | فِي | كَأَنَّ مَعْنَاهُ عِنْده : وَنَضَع الْمَوَازِين الْقِسْط فِي يَوْم الْقِيَامَة . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 18580 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : ( { وَنَضَع الْمَوَازِين الْقِسْط لِيَوْمِ الْقِيَامَة } ... إِلَى آخِر الْآيَة , وَهُوَ كَقَوْلِهِ : { وَالْوَزْن يَوْمئِذٍ الْحَقّ } [7 8 ]يَعْنِي بِالْوَزْنِ : الْقِسْط بَيْنهمْ بِالْحَقِّ فِي الْأَعْمَال الْحَسَنَات وَالسَّيِّئَات ; فَمَنْ أَحَاطَتْ حَسَنَاته بِسَيِّئَاتِهِ ثَقُلَتْ مَوَازِينه , يَقُول : أَذْهَبَتْ حَسَنَاته سَيِّئَاته , وَمَنْ أَحَاطَتْ سَيِّئَاته بِحَسَنَاتِهِ فَقَدْ خَفَّتْ مَوَازِينه وَأُمّه هَاوِيَة , يَقُول : أَذْهَبَتْ سَيِّئَاته حَسَنَاته . )18581 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيّ , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْل اللَّه : ( { وَنَضَع الْمَوَازِين الْقِسْط لِيَوْمِ الْقِيَامَة } قَالَ : إِنَّمَا هُوَ مَثَل , كَمَا يَجُوز الْوَزْن كَذَلِكَ يَجُوز الْحَقّ . قَالَ الثَّوْرِيّ : قَالَ لَيْث عَنْ مُجَاهِد : { وَنَضَع الْمَوَازِين الْقِسْط } قَالَ : الْعَدْل .)|فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا|وَقَوْله : { فَلَا تُظْلَم نَفْس شَيْئًا } يَقُول : فَلَا يَظْلِم اللَّه نَفْسًا مِمَّنْ وَرَدَ عَلَيْهِ مِنْهُمْ شَيْئًا بِأَنْ يُعَاقِبهُ بِذَنْبٍ لَمْ يَعْمَلهُ أَوْ يَبْخَسهُ ثَوَاب عَمَل عَمِلَهُ وَطَاعَة أَطَاعَهُ بِهَا ; وَلَكِنْ يُجَازِي الْمُحْسِن بِإِحْسَانِهِ , وَلَا يُعَاقِب مُسِيئًا إِلَّا بِإِسَاءَتِهِ .|وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا|وَقَوْله : { وَإِنْ كَانَ مِثْقَال حَبَّة مِنْ خَرْدَل أَتَيْنَا بِهَا } يَقُول : وَإِنْ كَانَ الَّذِي مَنْ عَمِلَ الْحَسَنَات أَوْ عَلَيْهِ مِنْ السَّيِّئَات وَزْن حَبَّة مِنْ خَرْدَل { أَتَيْنَا بِهَا } يَقُول : جِئْنَا بِهَا فَأَحْضَرْنَاهَا إِيَّاهُ . كَمَا : 18582 - حَدَّثَنَا يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : اِبْن زَيْد , فِي قَوْله ( { وَإِنْ كَانَ مِثْقَال حَبَّة مِنْ خَرْدَل أَتَيْنَا بِهَا } قَالَ : كَتَبْنَاهَا وَأَحْصَيْنَاهَا لَهُ وَعَلَيْهِ . )18583 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد فِي قَوْله : ( { وَإِنْ كَانَ مِثْقَال حَبَّة مِنْ خَرْدَل أَتَيْنَا بِهَا } قَالَ : يُؤْتِي بِهَا لَك وَعَلَيْك , ثُمَّ يَعْفُو إِنْ شَاءَ أَوْ يَأْخُذ , وَيَجْزِي بِمَا عَمِلَ لَهُ مِنْ طَاعَة . )وَكَانَ مُجَاهِد يَقُول فِي ذَلِكَ مَا : 18584 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْله : ( { وَإِنْ كَانَ مِثْقَال حَبَّة مِنْ خَرْدَل أَتَيْنَا بِهَا } قَالَ : جَازَيْنَا بِهَا . )* - حَدَّثَنَا عَمْرو بْن عَبْد الْحَمِيد , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ لَيْث , عَنْ مُجَاهِد أَنَّهُ كَانَ يَقُول : ( { وَإِنْ كَانَ مِثْقَال حَبَّة مِنْ خَرْدَل أَتَيْنَا بِهَا } قَالَ : جَازَيْنَا بِهَا . )وَقَالَ : { أَتَيْنَا بِهَا } فَأَخْرَجَ قَوْله بِهَا مَخْرَج كِنَايَة الْمُؤَنَّث , وَإِنْ كَانَ الَّذِي تَقَدَّمَ ذَلِكَ قَوْله مِثْقَال حَبَّة , لِأَنَّهُ عَنَى بِقَوْلِهِ بِهَا الْحَبَّة دُون الْمِثْقَال , وَلَوْ عَنَى بِهِ الْمِثْقَال لَقِيلَ | بِهِ | . وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ مُجَاهِدًا إِنَّمَا تَأَوَّلَ قَوْله : { أَتَيْنَا بِهَا } عَلَى مَا ذَكَرْنَا عَنْهُ , لِأَنَّهُ كَانَ يَقْرَأ ذَلِكَ : | آتَيْنَا بِهَا | بِمَدِّ الْأَلِف .|وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ|وَقَوْله : { وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ } يَقُول : وَحَسْب مَنْ شَهِدَ ذَلِكَ الْمَوْقِف بِنَا حَاسِبِينَ , لِأَنَّهُ لَا أَحَد أَعْلَم بِأَعْمَالِهِمْ وَمَا سَلَفَ فِي الدُّنَا مِنْ صَالِح أَوْ سَيِّئ مِنَّا .

ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُون الْفُرْقَان وَضِيَاء وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ } . </subtitle>يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى بْن عِمْرَان وَأَخَاهُ هَارُون الْفُرْقَان , يَعْنِي بِهِ الْكِتَاب الَّذِي يُفَرِّق بَيْن الْحَقّ وَالْبَاطِل . وَذَلِكَ هُوَ التَّوْرَاة فِي قَوْل بَعْضهمْ ; ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 18585 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : ( { الْفُرْقَان } قَالَ . الْكِتَاب . )* - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 18586 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : ( { وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُون الْفُرْقَان } الْفُرْقَان : التَّوْرَاة حَلَالهَا وَحَرَامهَا , وَمَا فَرَّقَ اللَّه بِهِ بَيْن الْحَقّ وَالْبَاطِل . )وَكَانَ اِبْن زَيْد يَقُول فِي ذَلِكَ مَا : 18587 - حَدَّثَنِي بِهِ يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد فِي قَوْله : ( { وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُون الْفُرْقَان } قَالَ : الْفُرْقَان : الْحَقّ آتَاهُ اللَّه مُوسَى وَهَارُون , فَرَّقَ بَيْنهمَا وَبَيْن فِرْعَوْن , فَقَضَى بَيْنهمْ بِالْحَقِّ . وَقَرَأَ : { وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدنَا يَوْم الْفُرْقَان } [8 41 ]قَالَ . يَوْم بَدْر . )قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَهَذَا الْقَوْل الَّذِي قَالَهُ اِبْن زَيْد فِي ذَلِكَ أَشْبَه بِظَاهِرِ التَّنْزِيل , وَذَلِكَ لِدُخُولِ الْوَاو فِي الضِّيَاء , وَلَوْ كَانَ الْفُرْقَان هُوَ التَّوْرَاة كَمَا قَالَ مَنْ قَالَ ذَلِكَ , لَكَانَ التَّنْزِيل : وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُون الْفُرْقَان ضِيَاء ; لِأَنَّ الضِّيَاء الَّذِي آتَى اللَّه مُوسَى وَهَارُون هُوَ التَّوْرَاة الَّتِي أَضَاءَتْ لَهُمَا وَلِمَنْ اِتَّبَعَهُمَا أَمْر دِينهمْ فَبَصَّرَهُمْ الْحَلَال وَالْحَرَام , وَلَمْ يَقْصِد بِذَلِكَ فِي هَذَا الْمَوْضِع ضِيَاء الْإِبْصَار . وَفِي دُخُول الْوَاو فِي ذَلِكَ دَلِيل عَلَى أَنَّ الْفُرْقَان غَيْر التَّوْرَاة الَّتِي هِيَ ضِيَاء . فَإِنْ قَالَ قَائِل : وَمَا يُنْكَر أَنْ يَكُون الضِّيَاء مِنْ نَعْت الْفُرْقَان , وَإِنْ كَانَتْ فِيهِ وَاو فَيَكُون مَعْنَاهُ : وَضِيَاء آتَيْنَاهُ ذَلِكَ , كَمَا قَالَ { بِزِينَةٍ الْكَوَاكِب وَحِفْظًا } [37 6 : 7 ]قِيلَ لَهُ : إِنَّ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ الْكَلَام يَحْتَمِلهُ , فَإِنَّ الْأَغْلَب مِنْ مَعَانِيه مَا قُلْنَا . وَالْوَاجِب أَنْ يُوَجَّه مَعَانِي كَلَام اللَّه إِلَى الْأَغْلَب الْأَشْهُر مِنْ وُجُوههَا الْمَعْرُوفَة عِنْد الْعَرَب مَا لَمْ يَكُنْ بِخِلَافِ ذَلِكَ مَا يَجِب التَّسْلِيم لَهُ مِنْ حُجَّة خَبَر أَوْ عَقْل .|وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ|وَقَوْله : { وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ } يَقُول : وَتَذْكِيرًا لِمَنْ اِتَّقَى اللَّه بِطَاعَتِهِ وَأَدَاء فَرَائِضه اِجْتِنَاب مَعَاصِيه , ذَكَّرَهُمْ بِمَا أَتَى مُوسَى وَهَارُون مِنْ التَّوْرَاة .

وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبّهمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنْ السَّاعَة مُشْفِقُونَ } . </subtitle>يَقُول تَعَالَى ذِكْره : آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُون الْفُرْقَان الذِّكْر الَّذِي آتَيْنَاهُمَا لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يَخَافُونَ رَبّهمْ بِالْغَيْبِ , يَعْنِي فِي الدُّنْيَا أَنْ يُعَاقِبهُمْ فِي الْآخِرَة إِذَا قَدِمُوا عَلَيْهِ بِتَضْيِيعِهِمْ مَا أَلْزَمَهُمْ مِنْ فَرَائِضه ; فَهُمْ مِنْ خَشْيَته يُحَافِظُونَ عَلَى حُدُوده وَفَرَائِضه , وَهُمْ مِنْ السَّاعَة الَّتِي تَقُوم فِيهَا الْقِيَامَة مُشْفِقُونَ , حَذِرُونَ أَنْ تَقُوم عَلَيْهِمْ , فَيَرِدُوا عَلَى رَبّهمْ قَدْ فَرَّطُوا فِي الْوَاجِب عَلَيْهِمْ لِلَّهِ , فَيُعَاقِبهُمْ مِنْ الْعُقُوبَة بِمَا لَا قِبَل لَهُمْ بِهِ .

وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَهَذَا ذِكْر مُبَارَك أَنْزَلْنَاهُ } . </subtitle>يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَهَذَا الْقُرْآن الَّذِي أَنْزَلْنَاهُ إِلَى مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذِكْر لِمَنْ تَذَكَّرَ بِهِ , وَمَوْعِظَة لِمَنْ اِتَّعَظَ بِهِ . | { مُبَارَك أَنْزَلْنَاهُ } كَمَا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاة إِلَى مُوسَى وَهَارُون ذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ .|أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ|يَقُول تَعَالَى ذِكْره : أَفَأَنْتُمْ أَيّهَا الْقَوْم لِهَذَا الْكِتَاب الَّذِي أَنْزَلْنَاهُ إِلَى مُحَمَّد مُنْكِرُونَ وَتَقُولُونَ هُوَ { أَضْغَاث أَحْلَام بَلْ اِفْتَرَاهُ هُوَ شَاعِر فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ } [21 5 ]وَإِنَّمَا الَّذِي آتَيْنَاهُ مِنْ ذَلِكَ ذِكْر لِلْمُتَّقِينَ , كَاَلَّذِي آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُون ذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 18588 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : ( { وَهَذَا ذِكْر مُبَارَك } ... إِلَى قَوْله : { أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ } : أَيْ هَذَا الْقُرْآن .)

حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيم رُشْده مِنْ قَبْل } </subtitle>يَقُول تَعَالَى ذِكْره : { وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيم رُشْده مِنْ قَبْل } مُوسَى وَهَارُون , وَوَفَّقْنَاهُ لِلْحَقِّ , وَأَنْقَذْنَاهُ مِنْ بَيْن قَوْمه وَأَهْل بَيْته مِنْ عِبَادَة الْأَوْثَان , كَمَا فَعَلْنَا ذَلِكَ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَى إِبْرَاهِيم , فَأَنْقَذْنَاهُ مِنْ قَوْمه وَعَشِيرَته مِنْ عِبَادَة الْأَوْثَان , وَهَدَيْنَاهُ إِلَى سَبِيل الرَّشَاد تَوْفِيقًا مِنَّا لَهُ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 18589 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى | ح | وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : ( { وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيم رُشْده مِنْ قَبْل } قَالَ : هَدَيْنَاهُ صَغِيرًا . )* حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد : ( { وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيم رُشْده مِنْ قَبْل } قَالَ : هَدَاهُ صَغِيرًا . )* - حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثَنَا سُفْيَان , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : ( { آتَيْنَا إِبْرَاهِيم رُشْده مِنْ قَبْل } قَالَ : هَدَاهُ صَغِيرًا . )18590 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : ( { وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيم رُشْده مِنْ قَبْل } يَقُول : آتَيْنَاهُ هُدَاهُ .)|وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ|وَقَوْله : { وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ } يَقُول : وَكُنَّا عَالِمِينَ بِهِ أَنَّهُ ذُو يَقِين وَإِيمَان بِاَللَّهِ وَتَوْحِيد لَهُ , لَا يُشْرِك بِهِ شَيْئًا .

لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ

{ إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمه } يَعْنِي فِي وَقْت قِيله وَحِين قِيله لَهُمْ : { مَا هَذِهِ التَّمَاثِيل الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ } يَقُول : قَالَ لَهُمْ : أَيّ شَيْء هَذِهِ الصُّوَر الَّتِي أَنْتُمْ عَلَيْهَا مُقِيمُونَ ؟ وَكَانَتْ تِلْكَ التَّمَاثِيل أَصْنَامهمْ الَّتِي كَانُوا يَعْبُدُونَهَا ; كَمَا : 18591 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثَنَا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : ( { مَا هَذِهِ التَّمَاثِيل الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ } قَالَ : الْأَصْنَام . )* - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . وَقَدْ بَيَّنَّا فِيمَا مَضَى مِنْ كِتَابنَا هَذَا أَنَّ الْعَاكِف عَلَى الشَّيْء الْمُقِيم عَلَيْهِ بِشَوَاهِد ذَلِكَ , وَذَكَرْنَا الرِّوَايَة عَنْ أَهْل التَّأْوِيل .

فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ } </subtitle>يَقُول تَعَالَى ذِكْره : قَالَ أَبُو إِبْرَاهِيم وَقَوْمه لِإِبْرَاهِيم : وَجَدْنَا آبَاءَنَا لِهَذِهِ الْأَوْثَان عَابِدِينَ , فَنَحْنُ عَلَى مِلَّة آبَائِنَا نَعْبُدهَا كَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ .

فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ

{ قَالَ } إِبْرَاهِيم : { لَقَدْ كُنْتُمْ } أَيّهَا الْقَوْم { أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ } بِعِبَادَتِكُمْ إِيَّاهَا { فِي ضَلَال مُبِين } يَقُول : فِي ذَهَاب عَنْ سَبِيل الْحَقّ , وَجَوْر عَنْ قَصْد السَّبِيل مُبِين ; يَقُول : بَيِّن لِمَنْ تَأَمَّلَهُ بِعَقْلٍ أَنَّكُمْ كَذَلِكَ فِي جَوْر عَنْ الْحَقّ .

وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ

{ قَالُوا أَجِئْتنَا بِالْحَقِّ } ؟ يَقُول : قَالَ أَبُوهُ وَقَوْمه لَهُ : أَجِئْتنَا بِالْحَقِّ فِيمَا تَقُول { أَمْ أَنْتَ } هَازِل لَاعِب { مِنْ اللَّاعِبِينَ } .

تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قَالَ بَلْ رَبّكُمْ رَبّ السَّمَاوَات وَالْأَرْض الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنْ الشَّاهِدِينَ } . </subtitle>يَقُول تَعَالَى ذِكْره : قَالَ إِبْرَاهِيم لَهُمْ : بَلْ جِئْتُكُمْ بِالْحَقِّ لَا اللَّعِب , رَبّكُمْ رَبّ السَّمَاوَات وَالْأَرْض الَّذِي خَلَقَهُنَّ , وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنْ أَنَّ رَبّكُمْ هُوَ رَبّ السَّمَاوَات وَالْأَرْض الَّذِي فَطَرَهُنَّ دُون التَّمَاثِيل الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ وَدُون كُلّ أَحَد سِوَاهُ شَاهِد مِنْ الشَّاهِدِينَ , يَقُول : فَإِيَّاهُ فَاعْبُدُوا لَا هَذِهِ التَّمَاثِيل الَّتِي هِيَ خَلْقه الَّتِي لَا تَضُرّ وَلَا تَنْفَع .

أَلَمْ تَكُنْ آَيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامكُمْ بَعْد أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ } </subtitle>ذُكِرَ أَنَّ إِبْرَاهِيم صَلَوَات اللَّه عَلَيْهِ حَلَفَ بِهَذِهِ الْيَمِين فِي سِرّ مِنْ قَوْمه وَخَفَاء , وَأَنَّهُ لَمْ يَسْمَع ذَلِكَ مِنْهُ إِلَّا الَّذِي أَفْشَاهُ عَلَيْهِ حِين قَالُوا : مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لِمَنْ الظَّالِمِينَ , فَقَالُوا : سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرهُمْ يُقَال لَهُ إِبْرَاهِيم . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 18592 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْل اللَّه : ( { وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامكُمْ } قَالَ : قَوْل إِبْرَاهِيم حِين اِسْتَتْبَعَهُ قَوْمه إِلَى عِيد لَهُمْ فَأَبَى وَقَالَ : إِنِّي سَقِيم , فَسَمِعَ مِنْهُ وَعِيد أَصْنَامهمْ رَجُل مِنْهُمْ اِسْتَأْخَرَ , وَهُوَ الَّذِي يَقُول : { سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرهُمْ يُقَال لَهُ إِبْرَاهِيم } . )[21 60 ]* - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 18593 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : ( { وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامكُمْ } قَالَ : نَرَى أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ حَيْثُ لَمْ يَسْمَعُوهُ بَعْد أَنْ تَوَلَّوْا مُدْبِرِينَ .)

قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ

وَقَوْله : { فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا } اِخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة ذَلِكَ , فَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء الْأَمْصَار سِوَى يَحْيَى بْن وَثَّاب وَالْأَعْمَش وَالْكِسَائِيّ : { فَجَعَلَهُمْ جِذَاذًا } بِمَعْنَى جَمْع جَذِيذ , كَأَنَّهُمْ أَرَادُوا بِهِ جَمْع جَذِيذ وَجِذَاذ , كَمَا يُجْمَع الْخَفِيف خِفَاف , وَالْكَرِيم كِرَام . وَأَوْلَى الْقِرَاءَتَيْنِ فِي ذَلِكَ عِنْدنَا بِالصَّوَابِ قِرَاءَة مَنْ قَرَأَهُ : { جُذَاذًا } بِضَمِّ الْجِيم , لِإِجْمَاعِ قُرَّاء الْأَمْصَار عَلَيْهِ , وَأَنَّ مَا أَجْمَعَتْ عَلَيْهِ فَهُوَ الصَّوَاب ; وَهُوَ إِذَا قُرِئَ كَذَلِكَ مَصْدَر مِثْل الرُّفَات , وَالْفُتَات , وَالدُّقَاق ; لَا وَاحِد لَهُ , وَأَمَّا مَنْ كَسَرَ الْجِيم فَإِنَّهُ جَمْع لِلْجَذِيذِ , وَالْجَذِيذ : هُوَ فَعِيل صُرِفَ مِنْ مَجْذُوذ إِلَيْهِ , مِثْل كَسِير وَهَشِيم , وَالْمَجْذُوذَة : الْمَكْسُورَة قِطَعًا . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 18594 - حَدَّثَنِي عَلِيّ , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : ( { فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا } يَقُول : حُطَامًا . )18595 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : ( { جُذَاذًا } كَالصَّرِيمِ . )* - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 18596 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : ( { فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا } : أَيْ قِطَعًا . )وَكَانَ سَبَب فِعْل إِبْرَاهِيم صَلَوَات اللَّه عَلَيْهِ بِآلِهَةِ قَوْمه ذَلِكَ , كَمَا : 18597 - حَدَّثَنَا مُوسَى , قَالَ : ثَنَا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط عَنْ السُّدِّيّ : (أَنَّ إِبْرَاهِيم قَالَ لَهُ أَبُوهُ : يَا إِبْرَاهِيم إِنَّ لَنَا عِيدًا لَوْ قَدْ خَرَجْت مَعَنَا إِلَيْهِ قَدْ أَعْجَبَك دِيننَا ! فَلَمَّا كَانَ يَوْم الْعِيد , فَخَرَجُوا إِلَيْهِ , خَرَجَ مَعَهُمْ إِبْرَاهِيم , فَلَمَّا كَانَ بِبَعْضِ الطَّرِيق أَلْقَى نَفْسه وَقَالَ : إِنِّي سَقِيم , يَقُول : أَشْتَكِي رِجْلِي . فَتَوَاطَئُوا رِجْلَيْهِ وَهُوَ صَرِيع ; فَلَمَّا مَضَوْا نَادَى فِي آخِرهمْ , وَقَدْ بَقِيَ ضَعْفَى النَّاس : { وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامكُمْ بَعْد أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ } فَسَمِعُوهَا مِنْهُ . ثُمَّ رَجَعَ إِبْرَاهِيم إِلَى بَيْت الْآلِهَة , فَإِذَا هُنَّ فِي بَهْو عَظِيم , مُسْتَقْبِل بَاب الْبَهْو صَنَم عَظِيم إِلَى جَنْبه أَصْغَر مِنْهُ بَعْضهَا إِلَى بَعْض , كُلّ صَنَم يَلِيه أَصْغَر مِنْهُ , حَتَّى بَلَغُوا بَاب الْبَهْو , وَإِذَا هُمْ قَدْ جَعَلُوا طَعَامًا , فَوَضَعُوهُ بَيْن أَيْدِي الْآلِهَة , قَالُوا : إِذَا كَانَ حِين نَرْجِع رَجَعْنَا وَقَدْ بَارَكَتْ الْآلِهَة فِي طَعَامنَا فَأَكَلْنَا . فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِمْ إِبْرَاهِيم وَإِلَى مَا بَيْن أَيْدِيهمْ مِنْ الطَّعَام { قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ } ؟ [51 27 ]فَلَمَّا لَمْ تُجِبْهُ , قَالَ : { مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ فَرَاغ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ } [37 92 : 93 ]فَأَخَذَ فَأْس حَدِيد , فَنَقَرَ كُلّ صَنَم فِي حَافَّتَيْهِ , ثُمَّ عَلَّقَ الْفَأْس فِي عُنُق الصَّنَم الْأَكْبَر , ثُمَّ خَرَجَ . فَلَمَّا جَاءَ الْقَوْم إِلَى طَعَامهمْ نَظَرُوا إِلَى آلِهَتهمْ { قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنْ الظَّالِمِينَ قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرهُمْ يُقَال لَهُ إِبْرَاهِيم } . )|إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ|وَقَوْله : { إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ } يَقُول : إِلَّا عَظِيمًا لِلْآلِهَةِ , فَإِنَّ إِبْرَاهِيم لَمْ يَكْسِرهُ , وَلَكِنَّهُ فِيمَا ذُكِرَ عَلَّقَ الْفَأْس فِي عُنُقه . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 18598 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج : ( { إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ } قَالَ : قَالَ اِبْن عَبَّاس : إِلَّا عَظِيمًا لَهُمْ عَظِيم آلِهَتهمْ . قَالَ اِبْن جُرَيْج , وَقَالَ مُجَاهِد : وَجَعَلَ إِبْرَاهِيم الْفَأْس الَّتِي أَهْلَكَ بِهَا أَصْنَامهمْ مُسْنَدَة إِلَى صَدْر كَبِيرهمْ الَّذِي تَرَكَ . )18599 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : (جَعَلَ إِبْرَاهِيم الْفَأْس الَّتِي أَهْلَكَ بِهَا أَصْنَامهمْ مُسْنَدَة إِلَى صَدْر كَبِيرهمْ الَّذِي تُرِكَ . )18600 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق , قَالَ : (أَقْبَلَ عَلَيْهِنَّ كَمَا قَالَ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى { ضَرْبًا بِالْيَمِينِ } ثُمَّ جَعَلَ يَكْسِرهُنَّ بِفَأْسٍ فِي يَده , حَتَّى إِذَا بَقِيَ أَعْظَم صَنَم مِنْهَا رَبَطَ الْفَأْس بِيَدِهِ , ثُمَّ تَرَكَهُنَّ . فَلَمَّا رَجَعَ قَوْمه , رَأَوْا مَا صَنَعَ بِأَصْنَامِهِمْ , فَرَاعَهُمْ ذَلِكَ وَأَعْظَمُوهُ وَقَالُوا : مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنْ الظَّالِمِينَ !)|لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ|وَقَوْله { لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ } يَقُول : فَعَلَ ذَلِكَ إِبْرَاهِيم بِآلِهَتِهِمْ لِيَعْتَبِرُوا وَيَعْلَمُوا أَنَّهَا إِذَا لَمْ تَدْفَع عَنْ نَفْسهَا مَا فَعَلَ بِهَا إِبْرَاهِيم , فَهِيَ مِنْ أَنْ تَدْفَع عَنْ غَيْرهَا مِنْ أَرَادَهُ بِسُوءٍ أَبْعَد , فَيَرْجِعُوا عَمَّا هُمْ عَلَيْهِ مُقِيمُونَ مِنْ عِبَادَتهَا إِلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ مِنْ دِينه وَتَوْحِيد اللَّه وَالْبَرَاءَة مِنْ الْأَوْثَان . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 18601 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : ( { لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ } قَالَ : كَادَهُمْ بِذَلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ أَوْ يُبْصِرُونَ .)

رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنْ الظَّالِمِينَ } </subtitle>يَقُول تَعَالَى ذِكْره : قَالَ قَوْم إِبْرَاهِيم لَمَّا رَأَوْا آلِهَتهمْ قَدْ جُذَّتْ , إِلَّا الَّذِي رَبَطَ بِهِ الْفَاس إِبْرَاهِيم : مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا ؟ إِنَّ الَّذِي فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا لَمِنْ الظَّالِمِينَ ! أَيْ لَمِنْ الْفَاعِلِينَ بِهَا مَا لَمْ يَكُنْ لَهُ فِعْله .

قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ

{ قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرهُمْ يُقَال لَهُ إِبْرَاهِيم } يَقُول : قَالَ الَّذِينَ سَمِعُوهُ يَقُول { وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامكُمْ بَعْد أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ } سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرهُمْ بِعَيْبٍ يُقَال لَهُ إِبْرَاهِيم . كَمَا : 18602 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج : ( { قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرهُمْ } قَالَ اِبْن جُرَيْج : يَذْكُرهُمْ يَعِيبهُمْ . )18603 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق , قَوْله : ( { سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرهُمْ يُقَال لَهُ إِبْرَاهِيم } سَمِعْنَاهُ يَسُبّهَا وَيَعِيبهَا وَيَسْتَهْزِئ بِهَا , لَمْ نَسْمَع أَحَدًا يَقُول ذَلِكَ غَيْره , وَهُوَ الَّذِي نَظُنّ صَنَعَ هَذَا بِهَا .)

إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آَمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ

وَقَوْله : { فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُن النَّاس } يَقُول تَعَالَى ذِكْره . قَالَ قَوْم إِبْرَاهِيم بَعْضهمْ لِبَعْضٍ : فَأْتُوا بِاَلَّذِي فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا الَّذِي سَمِعْتُمُوهُ يَذْكُرهَا بِعَيْبٍ وَيَسُبّهَا وَيَذُمّهَا عَلَى أَعْيُن النَّاس ; فَقِيلَ : مَعْنَى ذَلِكَ : عَلَى رُءُوس النَّاس , وَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَاهُ : بِأَعْيُنِ النَّاس وَمَرْأًى مِنْهُمْ , وَقَالُوا : إِنَّمَا أُرِيدَ بِذَلِكَ أَظْهِرُوا الَّذِي فَعَلَ ذَلِكَ لِلنَّاسِ كَمَا تَقُول الْعَرَب إِذَا ظَهَرَ الْأَمْر وَشُهِرَ : كَانَ ذَلِكَ عَلَى أَعْيُن النَّاس , يُرَاد بِهِ كَانَ بِأَيْدِي النَّاس .|لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ|وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي تَأْوِيل قَوْله : { لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ } فَقَالَ بَعْضهمْ : لَعَلَّ النَّاس يَشْهَدُونَ عَلَيْهِ أَنَّهُ الَّذِي فَعَلَ ذَلِكَ , فَتَكُون شَهَادَتهمْ عَلَيْهِ حُجَّة لِمَا عَلَيْهِ . وَقَالُوا إِنَّمَا فَعَلُوا ذَلِكَ لِأَنَّهُمْ كَرِهُوا أَنْ يَأْخُذُوهُ بِغَيْرِ بَيِّنَة . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 18604 - حَدَّثَنِي مُوسَى , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : ( { فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُن النَّاس لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ } عَلَيْهِ أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ . )18605 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله ( { فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُن النَّاس لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ } قَالَ : كَرِهُوا أَنْ يَأْخُذُوهُ بِغَيْرِ بَيِّنَة . )وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ مَا يُعَاقِبُونَهُ بِهِ . فَيُعَايِنُونَهُ وَيَرَوْنَهُ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 18606 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق , قَالَ : (بَلَغَ مَا فَعَلَ إِبْرَاهِيم بِآلِهَةِ قَوْمه نُمْرُود , وَأَشْرَاف قَوْمه , فَقَالُوا : { فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُن النَّاس لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ } : أَيْ مَا يَصْنَع بِهِ . )وَأَظْهَرَ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُمْ قَالُوا : فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُن النَّاس لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ عُقُوبَتنَا إِيَّاهُ , لِأَنَّهُ لَوْ أُرِيدَ بِذَلِكَ لِيَشْهَدُوا عَلَيْهِ بِفِعْلِهِ كَانَ يُقَال : اُنْظُرُوا مَنْ شَهِدَهُ يَفْعَل ذَلِكَ , وَلَمْ يَقُلْ : أَحْضِرُوهُ بِمَجْمَعٍ مِنْ النَّاس .

فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْت هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيم } </subtitle>يَقُول تَعَالَى ذِكْره : فَأَتَوْا بِإِبْرَاهِيم , فَلَمَّا أَتَوْا بِهِ قَالُوا لَهُ : أَأَنْتَ فَعَلْت هَذَا بِآلِهَتِنَا مِنْ الْكَسْر بِهَا يَا إِبْرَاهِيم ؟ .

إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ

فَأَجَابَهُمْ إِبْرَاهِيم : بَلْ فَ